وقولهم بأن الرسول ﷺ أعطى عثمان وطلحة ﵄ من الغنيمة مع أنهما لم يشهدا غزوة بدر، وهذا مما يدل على أنه قسمها في المدينة.
يرد عليه: بأن إعطاء من لم يحضر الوقعة من الغنيمة لا يدل على تأخير القسمة إلى دار الإسلام.
أما استدلالهم بحديث النهي "عن بيع الغنيمة في دار الحرب" فيرد عليه: بأن هذا الحديث لم يثبت عن الرسول ﷺ ولم تذكره كتب الصحاح والسنن المشهورة بل إن الحنفية أنفسهم قالوا بأنه غريب جدا.١
وأيضا حتى لو ثبت الحديث ليس لهم فيه دلالة على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب، لأن معناه النهي عن بيع الغنائم في دار الحرب قبل أن تقسم وهذا ما صرح به الرسول ﷺ في حديث آخر "حيث إنه ﷺ نهى عن بيع الغنائم حتى تقسم"٢
وكذلك النهي عن بيع الغنائم في دار الحرب، لا يستوجب النهي عن قسمتها في دار الحرب، لأن هناك فرقا بين البيع والقسمة.
وبهذا يتضح لنا أنه لا دلالة للحنفية في هذا الحديث لأنه لم يثبت وحتى لو ثبت ليس لهم فيه دلالة على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب. وكذلك استدلالهم بأن النبي ﷺ لم يقسم غنيمة في دار الحرب، غير صحيح، بل الصحيح أن النبي ﷺ ما غنم غنيمة إلا وقسمها قبل أن يرجع
стр. 527
إلى دار الإسلام.١
وأيضا هذا الحديث لم يثبت عن الرسول ﷺ ولم تذكره إلا كتبهم٢، ولم يذكر في كتب الصحاح والسنن.
وعلى فرض ثبوته لا دلالة فيه: لأن الرسول ﷺ لم يقسم الغنائم في دار الحرب، إما لأنها لم تحرز ويستولي عليها الاستيلاء التام، وإما أن الرسول رأى أن المصلحة هو عدم قسمتها في دار الحرب لئلا تشغل الجيش عن الجهاد فأخر القسمة حتى الرجوع إلى دار الإسلام. ومما لا خلاف فيه بين العلماء أن الإمام إذا رأى أن المصلحة في عدم قسمتها في دار الحرب وإنما هي في تأخيرها حتى الرجوع إلى دار الإسلام جاز له ذلك
أما استدلالهم بقصة عبد الله بن جحش وعمرو بن الحضرمي. فقد رد عليهم الإمام الشافعي بقوله: "وأما ما احتج به من وقعة عبد الله بن جحش وابن الحضرمي، فذلك قبل بدر وقبل نزول الآية، وكانت وقعتهم في آخر يوم من الشهر الحرام فتوقفوا فيما صنعوا حتى نزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ٣ وليس مما خالف فيه الأوزاعي بسبيل) .٤
стр. 528
قلت: وبهذا يكون استدلالهم بهذه القصة ضعيف لأنها كانت قبل بدر بل قبل نزول آية الغنائم كما أشار إلى ذلك الإمام البيهقي حيث قال:
بعد ذكر القصة: "وفي ذلك دلالة على أن ذلك كان قبل نزول الآية في الغنائم"١
ب - مناقشة دليلهم من المأثور:
يرد عليه من وجهين:
١- قال الإمام الشافعي: "أن هذا الأثر لم يثبت عن عمر ﵁ وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف" ٢
٢- وعلى فرض ثبوته ليس فيه ما يدل على أن الغنيمة لا تقسم في دار الحرب، بل غاية ما يدل عليه هو أنه يجوز للإمام أن يشرك المدد في الغنيمة قبل انتهاء القتال، وقبل الاستيلاء على الغنيمة، أما إذا انضموا إلى الجيش بعد انتهاء الحرب وبعد الاستيلاء على الغنيمة وإحرازها بدار الحرب، فلا يشركهم فيها، ولم يتعرض الأثر لقسمة الغنائم لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام.
ج - مناقشة دليلهم من المعقول:
قولهم إن الإمام يجب ألا يشتغل بالقسمة ولا يشتغل إلا بأمور
стр. 529
الحرب يرد عليه: بأن الاشتغال بتوزيع الغنائم لا يمنع من الاشتغال بأمور الحرب، لأن الإمام لا يوزع الغنائم إلا بعد الانتهاء من الحرب ليعلم بانتهائها تحقق الظفر واستقرار الملك.
أما إذا رأى الإمام أن المصلحة هو تأخير قسمة الغنائم عند الرجوع إلى دار الإسلام جاز له ذلك وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.١
وأما قولهم أن الغنيمة لا تملك قبل الإحراز بدار الإسلام لأن ملك لا يتم إلا بالاستيلاء. يرد على ذلك: أن الغنيمة تحرز بدار الحرب ويتم الاستيلاء عليها بمجرد هزيمة الأعداء وقهرهم، وانتهاء الحرب لأن ملك الأعداء قد زال عنها بدليل أن تصرفهم فيها لا يصح.٢
وإذا أحرزت وتم الاستيلاء عليها تعجلت قسمتها كيدا للأعداء، وفرحا بالنصر، وحفظا للغنيمة.٣
ثانيا: مناقشة أدلة الجمهور القائلين بجواز قسمة الغنائم في دار الحرب:
أ - مناقشة دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ الآية لا دلالة فيها
стр. 530
على جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، بل غاية ما تدل عليه الآية هو إباحة الغنيمة للمجاهدين، الخمس منها للأصناف المذكورة في الآية والأربعة أخماس الباقية تقسم بينهم.
يجاب عن ذلك: بأننا لا ننكر أن الآية أباحت الغنيمة للمجاهدين ولكن إباحتها يقتضي ثبوت الملك لهم فيها، ومتى ثبت الملك جازت القسمة سواء ملكت في دار الحرب أو في دار الإسلام.١
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ ٢
لا تدل على جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، بل غاية ما تدل عليه هو إباحة الغنائم للمجاهدين وأنها حلال طيب لهم.
ويجاب عن ذلك: بأن الأمر بالأكل من الغنيمة جاء عاما ولم يفرق بين أن يكون أكلها في دار الإسلام، أو في دار الحرب ولم يرد ما يخصص هذا العموم، من أن الأكل لا يجوز إلا في دار الإسلام فتبقى الآية على عمومها، وهو إباحة الغنيمة للمجاهدين ولهم قسمتها متى أحرزوها واستولوا عليها سواء كان ذلك في دار الحرب أو في دار الإسلام.
ب - مناقشة أدلتهم من السنة:
١- استدلالهم بأن الرسول ﷺ قسم غنائم غزوة بني المصطلق فيها، وكان مكان الغزوة آنذاك دار حرب.
стр. 531
يرد على ذلك: بأن الرسول ﷺ عندما قسم غنائم بني المصطلق قسمها بعد أن افتتح بلادهم، وظهر عليها، وصارت بلادهم دار إسلام بدليل أن الرسول ﷺ بعث الوليد بن عقبة يأخذ صدقاتهم.١
قال السرخسي: "وقسم غنائم بني المصطلق في ديارهم، وكان قد افتتحها يعني صيرها دار إسلام، ويدل على ذلك حديث مكحول قال: ما قسم رسول الله ﷺ الغنائم إلا في دار الإسلام،٢ وفي هذا دليل على أنها لا تقسم في دار الحرب"٣
وأجيب عن ذلك:
بأن دار بني المصطلق لم تزل دار حرب بعد غزوهم، لأن النبي ﷺ أغار عليهم وهم غارون في نعمهم، وسباهم، وقسم أموالهم وسبيهم في دارهم، سنة خمس، وإنما أسلموا بعدها بزمان ولذلك كان بعثه ﷺ للوليد ابن عقبة مصدقا سنة عشر، فعندما غزاهم الرسول ﷺ ورجع عن دارهم كانت دار حرب كما قال الإمام الشافعي.٤
قال الباجي: "إن هذا غير صحيح أي كون دار بني المصطلق دار إسلام، لأنهم لم يكونوا مسلمين وقت الغنيمة، ولو كانوا مسلمين ما قسم
стр. 532
النبي ﷺ غنائمهم والنبي ﷺ غنم بني المصطلق سنة خمس، وأسلموا سنة عشر وفي سنة عشر بعث إليهم الوليد بن عقبة مصدقا"١
٢- وكذلك استدلالهم بأن الرسول ﷺ قسم غنائم حنين بالجعرانة وكانت تابعة لمكة وهي دار حرب.
يرد عليه: بأن كون النبي ﷺ لم يقسم غنائم حنين إلا بعد رجوعه من الطائف، وقسمها بالجعرانة وكانت من دار الإسلام، دليل على أن الغنائم لا تقسم في دار الحرب.
وقولهم بأن الجعرانة كانت تابعة لمكة وهي دار حرب. فهذا غير صحيح، لأن الجعرانة كانت من دار الإسلام، لأن غزوة حنين كانت بعد فتح مكة، والجعرانة من نواحي مكة فتكون تابعة لها.
وروى أن الأعراب طالبوه بقسمتها، ومع كثرة مطالبتهم أخر القسمة حتى انتهى إلى دار الإسلام، فدل على أنها لا تقسم في دار الحرب.٢
وأجيب عن ذلك: بأن النبي ﷺ قسم غنائم حنين بها، لأن الجعرانة كانت على حدود مكة، فهي خارجة عنها وتعتبر تابعة للمكان الذي وقعت فيه غزوة حنين، حتى إن الإمام البيهقي قال: بعد ذكر الحديث
стр. 533
الذي فيه أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة حين قسم غنائم حنين. وفي الحديث دلالة على أنه ﷺ قسم غنائم حنين بها.١
وعلى فرض أن الجعرانة تابعة لمكة وتعتبر من دار الإسلام كما قال الحنفية يقال لهم يحتمل أن النبي ﷺ أخر قسمة الغنائم حتى رجع إلى دار الإسلام لأنه رأى أن المصلحة تقتضي التأخير وهذا مما لا خلاف بين العلماء.٢
٣- أما استدلالهم بأحاديث قسمة غنائم خيبر، فكذلك لا دلالة لهم فيها على جواز قسمة الغنائم في دار الحرب، لأن خيبر بعد الفتح صارت دار إسلام بدليل أن النبي ﷺ عقد الذمة مع أهلها وعاملهم على النخل، وعلى فرض أن جميع سكانها من أهل الذمة تعتبر دار إسلام، لأن النبي ﷺ بعدما فتحها أجرى فيها أحكام الإسلام، ومعاملة النبي ﷺ يهود خيبر وقسمته أراضيها أشهر من أن يعرف بها، لورود الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا، فكيف تصير دار حرب بعد إجراء أحكام الإسلام فيها.٣
قال السرخسي: "وأما خيبر فإنه افتتح الأرض وجرى فيها حكمه، فكانت القسمة فيها بمنزلة القسمة في المدينة، وقسم الغنائم فيها قبل أن
стр. 534
يخرج منها، ففي هذا دليل على أن الإمام إذا افتتح بلدة وصيرها دار إسلام بإجراء أحكام الإسلام فيها، فإنه يجوز له أن يقسم الغنائم فيها وقد طال مقام رسول ﷺ بخيبر بعد الفتح وأجرى أحكام الإسلام فيها، فكانت من دار الإسلام، القسمة فيها كالقسمة في غيرها من بقاع دار الإسلام"١
وأجاب الجمهور عن ذلك: بأن خيبر بعدما فتحها النبي ﷺ دار حرب، لأنه لم يكن فيها مسلم واحد وما صالح الرسول ﷺ إلا اليهود وهم على دينهم، وما حول خيبر كله كان دار حرب.٢
٤- أما استلالهم بحديث أبي موسى ﵁ فلا دلالة لهم فيه لأن النبي ﷺ قسم له وأصحابه، لأنهم شاركوا في الفتح قبل الهزيمة إحراز الغنيمة والاستيلاء عليها بدار الإسلام لأن خيبر صارت دار لإسلام بعد فتحها.٣
ولهذا قال أبو موسىرضي الله عنه: "ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا" وأجيب عن ذلك بأن قسم النبي ﷺ لأبي موسى وأصحابه ﵃ بعد الفتح والاستيلاء على الغنائم، يدل عليه قول أبي موسى: "قدمنا على رسول الله ﷺ بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا " ولا يلزم من مشاهدتهم الفتح اشتراكهم فيه.
стр. 535
ج - مناقشة دليلهم من المعقول:
قولهم بأن الغنيمة تملك بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب، هذا غير صحيح، لأن الملك لا يتم إلا بالاستيلاء، والاستيلاء التام لا يثبت إلا بإحراز الغنيمة في دار الإسلام، فما دامت في دار الحرب لم يستحكم الملك.١
أما قولهم بأن الدليل على إحرازها بدار الحرب هو أن ملك الكفار قد زال عنها.
فرد عليهم الحنفية بقولهم: قدرة الكفرة على الانتفاع بأموالهم ثابتة لأن الغزاة ماداموا في دار الحرب فالاسترداد ليس بنادر بل هو ظاهر أو محتمل احتمالا على السواء والملك كان ثابتا لهم فلا يزول مع الاحتمال.٢
أجاب الجمهور عن ذلك بقولهم: إن الغنيمة تملك ويتم الاستيلاء عليها بمجرد انتهاء القتال وهزيمة الأعداء، وإذا أحرزت وجمعت في دار الحرب تعجل قسمتها، لأن في ذلك كيدا الأعداء وأطيب لقلوب المجاهدين، وأحفظ للغنيمة، وأرفق بهم في التصرف لبلادهم.
أما الكفار فقد زال ملكهم عنها بمجرد قهرهم وهزيمتهم ولا يستطيعون الانتفاع منها بشيء.٣
стр. 536
د - مناقشة دليلهم من القياس:
قياسهم جواز القسمة في دار الحرب على جوازها في دار الإسلام قياس مع الفارق، لأن الغنيمة بمجرد وصولها إلى دار الإسلام يتم إحرازها والاستيلاء عليها، بخلافها في دار الحرب ولأن السلطة والهيمنة في دار الإسلام للمسلمين، بخلافها في دار الحرب، لأنه ربما نتج عن الاشتغال بتقسيم الغنائم في دار الحرب عواقب سيئة من التكاسل عن الجهاد، وتفرقة المجاهدين، فربما أغار عليهم العدو كرة أخرى وهم لاهون بتوزيع الغنائم فهزمهم واستولى على غنائمهم، بخلاف ذلك في دار الإسلام.١
أجيب عن ذلك: بأن القياس صحيح، وليس مع الفارق كما قلتم، لأن الغنيمة كما تملك وتحرز في دار الإسلام فكذلك في دار الحرب، ولأن الاطمئنان يحصل للمجاهدين في دار الحرب بمجرد هزيمة أعدائهم وقهرهم، والاستيلاء على أموالهم، فتقسم الغنائم في دار الحرب كما تقسم في دار الإسلام، بل إنها قسمتها في دار الحرب أولى لأنه ربما نتج حرج ومشقة في حملها إلى دار الإسلام، ولأن الغنيمة حق للمجاهدين وتعجيل الحق لصاحبه أولى من تأخيره، ولأن في قسمتها في دار الحرب كيدا للأعداء وفرحا للمسلمين بالنصر.٢
стр. 537
وإذا خيف من سوء العاقبة التي ربما تنتج عن قسمتها في دار الحرب فتأخيرها إلى دار الإسلام جائز بلا خلاف بين العلماء.١
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في قسمة الغنيمة في دار الحرب وأدلتهم ومناقشتها، اتضح لي أن الرأي المختار هو جواز قسمة الغنائم في دار الحرب وهو ما ذهب إليه الجمهور- وذلك للأسباب الآتية:
١- لقوة الأدلة التي استدلوا بها من ذلك قسمته ﷺ غنائم بدر قبل أن يصل إلى المدينة، وغنائم بني المصطلق وحنين وخيبر، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة السابقة.
قال عمر بن الخطاب ﵁ "لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي ﷺ خيبر"٢
وقال الإمام الأوزاعي: "لم يقفل رسول الله ﷺ من غزوة أصاب فيها مغنما إلا خمسة وقسمه قبل أن يقفل"٣
وقال الإمام الشافعي: "ما علمت للرسول ﷺ سرية قفلت من موضعها حتى تقسم ما ظهرت عليه وقال: إن أهل المغازى لا يختلفون في أن رسول الله ﷺ قسم غير مغنم في بلاد الحرب"٤
стр. 538
وقال الإمام الباجي: "لم يزل الناس من لدن النبي ﷺ إلى زمن عمر وعثمان والخلفاء كلهم وجيوشهم في البر والبحر ما قسموا غنيمة قط إلا حيث غنموها وهذا معروف عند أهل السير والمغازي"١
وقال الخرشي: "السنة الماضية التي فعلها النبي ﷺ والعمل الذي مضى عليه السلف أن الإمام يقسم الغنيمة في أرض العدو"٢
وأقوال العلماء هذه تؤكد لنا أن الثابت من فعل النبي ﷺ وأصحابه قسمة الغنيمة في دار الحرب.
٢- ولأن الأدلة التي استدل بها الحنفية على عدم جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب، منها ما هو ضعيف ومنها ما هو صحيح، فالضعيف منها يسقط به الاستدلال، والصحيح منها لا دلالة لهم فيه، بل غاية ما دل عليه أن النبي ﷺ قسم الغنيمة في دار الإسلام، وهذا لا يمنع من قسمتها في دار الحرب.
ويمكن حمله على النبي ﷺ أخر القسمة إلى دار الإسلام لأن المصلحة تقتضي التأخير وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
٣- ولأنه ربما نتج عن تأخيرها إلى دار الإسلام الحرج والمشقة، لأن المجاهدين ربما لا يستطيعون حملها وهم في حاجة إليها وهذا مما يوقعهم في الحرج والمشقة وهما مرفوعان عن هذه الأمة بكتاب الله
стр. 539
وسنة رسوله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ١، وقال ﷺ : "إن الدين يسر" ٢
٤- ولأن الغنيمة بمجرد انتهاء القتال وهزيمة الأعداء وتفرق شملهم يتم الاستيلاء عليها، فتتعجل متى أحرزت، لأن الغنيمة حق من حقوق المجاهدين وتعجيل الحق لصاحبه أولى من تأخيره.
حتى أن بعض الفقهاء كره تأخير قسمتها إلى دار الإسلام، قال النووي: "يستحب قسمتها في دار الحرب ويكره تأخيرها إلى دار الإسلام من غير عذر" ٣
٥- ولأن قسمة الغنيمة في دار الحرب أنكى للعدو، وأطيب لقلوب المجاهدين، وأحفظ للغنيمة، لأنها ربما تعرضت للضياع أثناء حملها إلى دار الإسلام. وبناء على هذا الاختيار يتضح لنا أن اختلاف الدار لا أثر له في قسمة الغنيمة في دار الكفر الحربية فتجوز قسمتها في دار الكفر كما تجوز قسمتها في دار الإسلام.
تتمة:
ويتفرع عن اختلافهم في جواز قسمة الغنيمة في دار الحرب مسائل منها:
стр. 540
١- أن المدد الذي يصل إلى دار الحرب بعد انتهاء القتال وإحراز الغنيمة لا يسهم له منها عند الجمهور كما في حديث أبان ﵁ أن النبي ﷺ لم يقسم له ولأصحابه من الغنيمة لأنهم لم يشهدوا الغزوة١، والغنيمة لمن شهد الوقعة كما قال عمر ﵁.٢
ولأن الغنيمة تملك وتحرز بمجرد الاستيلاء عليها في دار الحرب، وإذا ملكت وأحرزت لا حق لهم فيها. وقال الأحناف: المدد الذي يصل إلى دار الحرب بعد انتهاء القتال، يسهم له من الغنيمة لأنها لا تملك إلا بإحرازها في دار الإسلام.
٢- ومنها أنه إذا مات أحد الغانمين في دار الحرب يسهم له ويورث نصيبه عند الجمهور. ولا يسهم له ولا يورث نصيبه عند الأحناف.
٣- ومنها: أنه إذا أتلف أحد الغانمين شيئا من الغنيمة، يضمنه عند الجمهور وعند الحنفية لا يضمن.
٤- ومنها: أن الإمام إذا باع شيئا من الغنيمة بدون حاجة جاز له ذلك عند الجمهور، ولا يجوز عند الحنفية.
٥- ومنها: أن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب من غير اجتهاد جاز له ذلك عند الجمهور، وعند الحنفية لا يجوز.٣
стр. 541
الفصل الرابع: اختلاف الدار وأثره في أحكام المعاملات والنكاح
المبحث الأول: أثره في التعامل بالربا في دار الكفر
الربا من العقود الفاسدة التي يحرم على المسلم التعامل بها لأنه من الكبائر ومن الموبقات المهلكة لصاحبها وقد ثبت تحريمه بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين.
فدليل التحريم من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١
وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
стр. 542
فجميع هذه الآيات الكريمات تدل دلالة واضحة على تحريم الربا، وأنه من كبائر الذنوب، والوعيد الشديد لمن يتعامل به من المسلمين في الدنيا يمحق الله به بركة ماله، وفي الآخرة يكون من أصحاب النار الخالدين فيها.
أما دليل التحريم من السنة:
فبما ثبت عن جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء"١ فالحديث يدل دلالة واضحة على أن الربا محرم ومن كبائر الذنوب، لأن الرسول ﷺ لعن من تعامل به، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولا يكون إلا على فعل محرم.
أما الإجماع:
فقد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم التعامل بالربا، وأنه من كبائر الذنوب.٢
وقد اتفق الفقهاء على تحريم التعامل بالربا بين المسلمين في دار الإسلام أو في دار الحرب.٣
стр. 543
إلا الإمام أبا حنيفة قال الحربي إذا أسلم ولم يهاجر إلى دار الإسلام يجري الربا بينه وبين المسلم الأصلي، لأن مال المسلم في دار الحرب إذا لم يهاجر إلى دار الإسلام باق على حكم مالهم وهو الإباحة، ألا ترى أنه إذا أتلفه متلف لم يضمن، أما إذا هاجر إلى دار الإسلام ثم عاد إلى دار الحرب لم يجز الربا معه، لأنه قد أحرز ماله بدارنا فصار كأهل الإسلام.١
ولكن قوله هذا خلاف عموم الآيات والأحاديث التي دلت على تحريم التعامل بالربا بين المسلمين في أي مكان وفي كل زمان.
أما التعامل بالربا بين المسلم وغير المسلم فلا يخلو ذلك من حالتين:
الحالة الأولى: ذا كان هناك أمان بينهما-كالكافر إذا دخل دار الإسلام بأمان - فقد اتفق الفقهاء على تحريم التعامل معه بالربا سواء كان ذمياً أو مستأمناً أخذا وإعطاء على حد سواء.٢
لأن تعامل المسلم مع الذميين والمستأمنين في دار الإسلام له حكم تعامل المسلمين بعضهم مع بعض، لوجوب التزام المسلم بالأحكام
стр. 544
الشرعية، وعصمة مال المسلمين والمعاهدين من غير المسلمين فيها، لأن عقد الذمة بالنسبة للذميين خلف عن الإسلام في عصمة المال، وفي وجوب التزام أحكام الإسلام في الدنيا فيما يرجع إلى المعاملات، والمستأمنين في دار الإسلام بمنزلة الذميين في ذلك.١
بل إن الفقهاء نصوا على منع المستأمنين والذميين من التعامل بالربا فيما بينهم في دار الإسلام فهذا الإمام السرخسي يقول: "فإن دخل تجار أهل الحرب دار الإسلام بأمان فاشترى أحدهم من صاحبه درهما بدرهمين لم أجز من ذلك إلا ما أجيزه بين أهل الإسلام، وكذلك أهل الذمة إذا فعلوا ذلك لأن مال كل واحد منهم معصوم متقوم ولا يتملكه إلا بجهة العقد وجرمة الربا ثابتة في حقهم، وهو مستثنى من العهد فإن النبي ﷺ كتب إلى نصارى نجران "من أربى فليس بيننا وبينه عهد"، وكتب إلى مجوس هجر "إما أن تدعوا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله"، فالتعرض لهم بمنعهم من الربا لا يكون غدرا بالأمان، لأنه ثبت أنهم نهو عن الربا كما قال تعالى: ﴿وأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ٢ فيمنعون من التعامل بالربا كما يمنع المسلمون من ذلك.٣
هذا فيما إذا كان الكافر هو المستأمن في دار الإسلام. أما إذا كان
стр. 545
المسلم هو المستأمن١ -كمن دخل دار الكفر بأمان.
стр. 546
فقد اختلف الفقهاء في حكم التعامل بالربا بينه وبين الحربي، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.
الحالة الثانية: إذا لم يكن هناك أمان بينهما، كما إذا دخل الحربي دار الإسلام بغير أمان، أو دخل المسلم دار الكفر بغير أمان يعطاه، ففي هذه الحالة اختلف الفقهاء في حكم التعامل بالربا مع الحربي إلى قولين:
القول الأول: يباح للمسلم أن يتعامل بالربا مع الحربي في دار الإسلام إذا دخلها بغير أمان، أو في دار الكفر فيما إذا دخلها المسلم بغير أمان. وهو قول فقهاء الحنفية والحنابلة في الرواية.١
قال الزيلعي: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب"٢
وقال مجد الدين ابن تيمية: "الربا محرم في دار الإسلام والحرب، إلا بين مسلم وحربي لا أمان بينهما"٣
وحجتهم في ذلك أن مال الحربي غير المستأمن مباح الاعتداء بأي صورة من صور الاعتداء بالربا أو السرقة أو الغصب أو غير ذلك، لأنه
стр. 547
عصمة له، فهو مباح الدم، والمال، وكذلك إذا دخل المسلم داره بدون أمان فله الاعتداء على أمواله بأي نوع من أنواع الاعتداء.١
وقال ابن مفلح بعد أن ذكر إباحة التعامل بالربا بين المسلم والحربي: "لأن أموالهم مباحة وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحا"٢
القول الثاني: يحرم التعامل بالربا بين المسلم والحربي مطلقا، أخذا أو عطاء في دار الإسلام، أو في دار الحرب، بأمان أو بدون أمان. وهو قول فقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح من المذهب.٣
قال النووي: "ولا فرق في تحريمه، بين دار الإسلام، ودار الحرب، فما كان حراما في دار الإسلام، كان حراما في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين، أو مسلم وحربي، وسواء دخلها المسلم بأمان أم بغيره"٤
وقال المرادي: "والصحيح من المذهب أن الربا محرم بين الحربي
стр. 548
والمسلم مطلقا"١
وقال البهوتي: "ويحرم الربا بين المسلم والحربي، في دار الإسلام ودار الحرب، ولو لم يكن بينهما أمان" ٢
وحجتهم في هذا عموم النصوص من الكتاب والسنة الدالة على تحريم الربا في أي مكان، في دار الحرب أو في دار الإسلام.
كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٣
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤.
وفي حديث جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء"٥
فهذه النصوص من الكتاب والسنة تدل بعمومها على تحريم الربا بين المسلمين وغير المسلمين في دار الإسلام أو في دار الحرب، بأمان أو بدون أمان.٦
стр. 549
الرأي المختار:
وبعد عرض آراء الفقهاء في المسألة وأدلتهم اتضح لي أنه ينبغي التفريق بين أمرين:
الأمر الأول: إعطاء المسلم الربا للحربي، فهذا لا يجوز، سواء وقع التعامل في دار الإسلام أو في دار الحرب على السواء.
وذلك لعموم الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على تحريم الربا على المسلم. ولأن المسلم مأمور بالتزام أحكام الإسلام، كيف ما كان حاله، وحيث ما يكون، ومن قواعد الإسلام حرمة هذا النوع من المعاملة، ولأن مال المسلم معصوم في دار الإسلام ودار الحرب، والمسلم مسئول عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعلى ذلك فلا يجوز له أن ينفقه فيما هو محرم كالتعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة.
الأمر الثاني: أخذ المسلم الربا من الحربي:
وحكم هذا الأخذ حكم أخذ أمواله عن طريق الغنيمة أو السرقة أو الغصب، ونحو ذلك من أنواع الاعتداء، ولما كان أخذ مال الحربي الذي لا أمان له مباحا في دار الإسلام أو في دار الحرب، نظرا لعدم عصمة مال الحربي في هذه الحالة، وإذا كان دمه مباحا فإباحة ماله من باب أولى.
لأن الحربي الذي لا أمان له ينصب أشد العداوة للمسلم ويتحين أقرب الفرص للاعتداء على نفسه، فإن لم يستطع فإنه لا يستنكف عن أخذ ماله بكل وسيلة محرمة قهرا إن استطاع، ولأن كلا منهما لا يضمن
стр. 550
مال صاحبه عند الإتلاف، وإذا كانت أموال الحربي الذي لا أمان له مباحة عن طريق الغنيمة أو السرقة، أو نحو ذلك من أنواع الاعتداء، فإباحة ماله برضاه عن طريق الربا من باب أولى.
أما حكم التعامل بالربا بين المسلم -الذي دخل دار الحرب بأمان- وببين الحربي فقد اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين:
القول الأول: يجوز للمسلم مستأمنا كان أو غير مستأمن أن يتعامل بالربا مع الحربيين في دار الحرب، بل يجوز له التعامل بجميع العقود الفاسدة فيها، فلو باعهم ميتة وقامرهم وأخذ منهم مالاً بالقمار فذلك جائز ويملك ما أخذه من مال بهذا التعامل، والذمي كالمسلم في هذا وهو قول فقهاء الحنفية ما عدا أبا يوسف١، وبه قال عبد الملك ابن الماجشون من المالكية٢ وهو رواية للحنابلة في غير المشهور من المذهب إذا لم يكن المسلم مستأمنا، وبعضهم أخذها على ظاهرها مستأمنا كان أو غير
стр. 551
مستأمن وينسب هذا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀-١.
القول الثاني: يحرم على المسلم التعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة في أي مكان، حتى في دار الحرب فلا يجوز له أن يتعامل بالربا مع الحربي وغيره في دار الحرب سواء كان المسلم مستأمناً أو غير مستأمن، فالربا محرم عليه في دار الحرب كما هو محرم عليه في دار الإسلام، وهو مروي عن
стр. 552
الأوزعي وإسحاق وأبي ثور. وهو قول فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب الظاهرية وأبي يوسف من الحنفية.١
الأدلة
استدل أصحاب القول الأول الذين قالوا بإباحة التعامل بالربا بين المسلم والحربي في دار الحرب: بالسنة، والمأثور، والمعقول:
دليلهم من السنة:
١- بما روي عن مكحول أن الرسول ﷺ قال: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" ٢
وجه الدلالة:
دل الحديث على إباحة الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، لأن النبي ﷺ نفى جريان الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب. قال
стр. 553
السرخسي: "الحديث دليل على جواز بيع المسلم الدرهم بالدرهمين من الحربي في دار الحرب"١
٢- وبما ثبت عن جابر بن عبد الله ﵄ أن الرسول ﷺ قال في خطبته في حجة الوداع: "كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع وأول ربا أوضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله" ٢
وجه الدلالة من الحديث:
الوضع في الحديث معناه الحط والإسقاط، فدل ذلك على أن ربا العباس كان قائما بمكة، لما كانت دار حرب، حتى وضعه النبي ﷺ في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، لأنه لا يضع إلا ما كان قائما لا ما قد سقط قبل وضعه إياه.٣
قال الطحاوي: "ففي ذلك ما قد دل على أن الربا كان حلالا، فيما بين المسلمين والمشركين بمكة لما كانت دار حرب، وهو حينئذ حرام بين المسلمين في دار الإسلام، وفي ذلك ما قد دل على إباحة الربا بين المسلمين وأهل دار الحرب في دار الحرب"٤
وقال الجصاص: "وفيه الدلالة على أن العقود الواقعة في دار الحرب،
стр. 554
إذا ظهر عليها الإمام لا يتعرض عليها بالفسخ، وإن كانت معقودة على فساد، لأنه معلوم أنه قد كان بين نزول الآية، وبين خطبة النبي ﷺ بمكة ووضع الربا الذي لم يكن مقبوضا عقود من عقود الربا بمكة قبل الفتح، ولم يتعقبها بالفسخ ولم يميز ما كان منها قبل نزول الآية، مما كان منها بعد نزولها، فدل ذلك على أن العقود الواقعة في دار الحرب بينهم وبين المسلمين، إذا ظهر عليها الإمام يفسخ منها ما كان مقبوضا"١
وقال ابن التركماني: "مذهب البيهقي وأصحابه أن البيع المذكور لا يجوز وأن الربا ثابت بين المسلم والحربي، وهذا الحديث يدل على خلاف ذلك وأنه لا ربا بينهما"٢
وقال ابن رشد: "هذا استدلال صحيح- أي استدلال الحنفية بالحديث- لأنه لو لم يكن الربا بين المسلمين والمشركين حلالا في دار الحرب لكان ربا العباس موضوعا يوم أسلم وما قبض منه بعد ذلك مردود٣ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ٤
٣- وبحديث ركانة رضي الله عنه٥ أن النبي ﷺ لقيه بأعلى مكة فقال له
стр. 555
ركانة هل تصارعني على ثلث غنمي فقال ﷺ نعم، وصارعه فصرعه النبي ﷺ إلى أن أخذ منه جميع غنمه ثم ردها عليه تكرما.١
قال السرخسي: "هذا الحديث دليل على جواز الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي"
أما دليلهم من المأثور:
فبما روي عن أبي بكر ﵁ أنه قبل الهجرة حين أنزل الله تعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ٢.
قال له مشركوا قريش يرون أن الروم تغلب فارس فقال نعم فقالوا: هل لك أن تخاطرنا على أن نضع بيننا وبينك خطرا فإن غلبت الروم أخذت خطرنا، وإن غلبت فارس أخذنا خطرك، فخاطرهم أبو بكر ﵁ على ذلك ثم أتى النبي ﷺ وأخبره فقال اذهب إليهم فزد في الخطر وأبعد في الأجل ففعل أبو بكر ﵁ وظهرت الروم على فارس فبعث إلى أبي بكر ﵁ أن تعال فخذ خطرك وأخذه فأتى النبي ﷺ به فأمره بأكله وهذا القمار لا يحل بين أهل الإسلام، وقد أجازه الرسول الله ﷺ بين أبي بكر ﵁ وهو مسلم وبين مشركي قريش، لأنه كان بمكة في دار الشرك حيث لا تجري
стр. 556
أحكام المسلمين.١
أما دليلهم من المعقول: فمن ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن أحكام المسلمين لا تجري على الحربيين في دارهم فبأي وجه أخذ منهم المسلمون أموالهم برضا منهم فهو جائز.٢
الوجه الثاني: أن المسلم إذا دخل بغير أمان يجوز له أخذ مال الحربي بأي أنواع الاعتداء وبغير طيبة نفسه أي بغير رضاه فإذا أخذه على هذا الوجه بطيبة نفسه كان أولى بالجواز.٣
الوجه الثالث: أن الأصل في أموال الحربيين الإباحة، إلا أن الأمان منع من غدرهم وخيانتهم، وأخذ أموالهم بغير رضاهم، أما إذا رضوا بأخذ أموالهم بالربا أو بأي عقد آخر فاسد، فهذا جائز لأنه أخذ مالا مباحا بلا غدر، فيملكه بحكم الإباحة السابقة، ومن ثم إذا رضي الحربي ببذل ماله عن طيب نفس منه زال المعنى الذي حرم لأجله.٤
стр. 557
أدلة أصحاب القول الثاني الذين قالوا بتحريم التعامل بالربا في دار الحرب كدار الإسلام:
استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس:
دليلهم من الكتاب:
١- قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ﴾ ١
٢- قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ٢
٣- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣
٤- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ ٤
وجه الدلالة من الآيات:
الآيات الكريمات تدل بعمومها على تحريم الربا على المسلمين في
стр. 558
أي مكان في دار الإسلام، أو في دار الحرب، لأنها عامة ولم يرد ما يخصص هذا العموم.١
قال ابن قدامة: "عموم الآيات يقتضي تحريم التفاضل"٢
أما دليهم من السنة:
١- فبما روي عن جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وقال هم سواء"٣
وجه الدلالة من الحديث:
فالحديث بعمومه يدل على تحريم التعامل بالربا بين المسلمين والمشركين في دار الإسلام أو في دار الحرب ولم يرد ما يخصص هذا العموم.٤
٢- وبما روى عن عبادة بن الصامت ﵁ "أنه سمع رسول الله ﷺ ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى"٥
стр. 559
فهذا الحديث أيضا يدل على تحري الربا على المسلمين لأن معنى قوله: "فقد أربى" أي فقد فعل الربا المحرم على المسلمين في دار الإسلام أو في دار الحرب.١
٣- وبحديث جابر ﵁ المتقدم فيه: "وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله"٢
وجه الدلالة من الحديث:
أن النبي ﷺ أبطل ربا الجاهلية وأوله ربا العباس وكان مسلما وكانت مكة آنذاك دار حرب، فلم يبح له النبي ﷺ التعامل بالربا في دار الحرب.
أما دليلهم من المعقول: فمن أربعة أوجه:
١- أن ما كان محرما في دار الإسلام فهو محرم في دار الحرب كالخمر وسائر المعاصي، فالمسلم مخاطب بالشريعة الإسلامية وأحكامها في جميع الأماكن من غير فرق بين دار إسلام أو دار حرب، فالربا محرم عله في جميع الديار.٣
٢- أن الربا من العقود الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام فلم يصح في
стр. 560
دار الحرب كالنكاح الفاسد.١
٣- أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين ثابتة في حق الكفار لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال، قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ ٢ فاشتراطه في البيع يوجب فساده كما إذا تبايع المسلم والحربي المستأمن في دار الإسلام.٣
٤- أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فقد وجب عليه الوفاء بالعهد وحرمت عليه خيانتهم، وتعامله معهم بالربا فيه خيانة لهم وأكل لأموالهم، وقد أخذ عليه بأن لا يخون عهدهم، ولا يتعرض لمالهم، ولا لشيء من أمرهم.٤
أما القياس: فهو القياس على المستأمن الحربي في دارنا.
فالحربي إذا دخل دار الإسلام بأمان وتعامل معه المسلم بالربا لا يجوز باتفاق الفقهاء، فكذلك لا يجوز للمسلم التعامل معه بالربا في دار الحرب.٥
стр. 561
المناقشة:
أولا: مناقشة أدلة الحنفية ومن وافقهم الذين قالوا بإباحة الربا في دار الحرب
أولا: مناقشة أدلتهم من السنة:
١- بالنسبة لاستدلالهم بحديث مكحول يرد عليه من وجهين:
الوجه الأول: أن الحديث مرسل غريب كما يقول الأحناف أنفسهم كالزيلعي وابن الهام.١
وقال الإمام الشافعي: "الحديث ليس ثابت ولا حجة فيه"٢
وقال الحافظ ابن حجر: "لم أجده"٣
وقال النووي: "الحديث مرسل ضعيف فلا حجة فيه"٤
وقال العيني: "هذا حديث غريب ليس له أصل مسند"٥
وقال الحنابلة: "الحديث مرسل ومجهول، لا نعرف صحته ولم يرد في صحيح، ولا مسند ولا كتاب موثوق به، وهو مع ذلك مرسل محتمل"٦
стр. 562
أجاب الحنفية عن ذلك فقال السرخسي: "الحديث وإن كان مرسلا فمكحول فقيه ثقة والمرسل من مثله مقبول"١
ونحن لا ننكر بأن مكحول فقيه ثقة لكنه ليس مرسل صحيح حتى يقبل. وبهذا لم يثبت هذا الحديث عن النبي ﷺ .
الوجه الثاني: على فرض أن الحديث ثابت عن الرسول ﷺ وصحيح فهو محمول على أن معناه: لا يباح الربا في دار الحرب بين المسلم والحربي، جمعا بين الأدلة كما يقول النووي.٢
وقال ابن قدامة: "ويحتمل أن المراد بقوله: "لا ربا النهي عن الربا"٣
كقوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ﴾ ٤، قال الإمام السبكي: "واعتضد هذا الاحتمال بالعمومات!! فيكون المراد بلا في الحديث نفي الحل والمشروعية جمعا بين الأدلة"٥
٢- وكذلك حديث العباس لا دلالة لهم فيه بل هو حجة عليهم لأن النبي ﷺ قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلام من ذلك،
стр. 563
وكان أول ربا وضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكانت مكة آنذاك دار حرب والعباس مسلم فأبطل رباه فيها.١
وكذلك يمكن الرد على استدلالهم بحديث العباس من وجوه:
الوجه الأول: أنه من المحتمل أن يكون النبي ﷺ رخص للعباس خاصة بأخذ الربا منهم في مكة وهي دار كفر، فتكون الإباحة قضية عين لا يقاس عليها غيرها.
الوجه الثاني: أن العباس كان له ربا في الجاهلية من قبل إسلامه فيكفي حمل اللفظ عليه، وليس ثم دليل على أنه بعد إسلامه استمر على الربا، ولو سلم استمراره عليه، فإنه قد لا يكون عالما بتحريمه فأراد النبيصلى الله عليه وسلم إنشاء هذه القاعدة وتقريرها من يومئذ.٢
الوجه الثالث: أنه لا يبعد أن يكون تعامل العباس معهم بربا الفضل دون ربا الجاهلية - ربا الدين- وربا الفضل لم يكن معلوم التحريم لجميع الصحابة ﵃ لأن تحريمه كان يوم خيبر في السنة السابعة من الهجرة وعلى هذا فربما لم يبلغ العباس ﵁ تحريم ربا البيوع فكان يتعامل به لعدم معرفته بنهي النبي ﷺ عنه حتى أعلن ﵊ حرمته في خطبته بحجة الوداع، ووضع ربا العباس وكل ربا لم يقبض.٣
стр. 564
الوجه الرابع: أن العباس ﵁ كان يأخذ الربا - مطلقا- من المشركين بمكة وهو مسلم، لا لأن أخذ الربا من الحربيين حلال جائز في دار الحرب دون دار الإسلام، ولكن الربا وقتئذ لم يكن تحريمه قد استقر، ولم يكن تشريع الإسلام فيه قد اكتمل حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١
وذلك بعد إسلام ثقيف وصلحهم في رمضان سنة تسع من الهجرة أي قبل حجة الوداع، أما قبل ذلك فلم يكن تحريمه باتا قاطعا، ولهذا كان العباس ﵁ يتعامل به ويأخذه من المشركين، وهو مسلم مقيم بمكة، حتى أتم الله تشريعه، وقضى بحرمته قضاء مبرما عند نزول الآية الكريمة المشار إليها، عندها امتنعرضي الله عنه عن أخذه وتوقف عن التعامل به، وقد جاء قوله ﷺ في حجة الوداع وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، تأكيدا لحكم الآية وترسيخا للحرمة وبيانا قاطعا للأمة بنهي الإسلام عنه بعدما كمل الدين وتمت الرسالة٢
وبهذا يتضح لنا أنه لا دلالة للحنفية في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ وإنما هو حجة عليهم.
٢- وكذلك حديث ركانة لا دلالة لهم فيه، وغاية ما يدل عليه
стр. 565
الحديث أن الرسول ﷺ صارع ركانه فصرعه الرسول ﷺ .
وأيضا اللفظ الذي استدلوا به وهو "أن النبي ﷺ صارعه على بعض غنمه وأخذها منه عندما صرعه"، لا وجود له فيما اطلعت عليه من كتب السنة والآثار المشهورة، ولم يوجد إلا في كتبهم.١
وأيضا الثابت من الحديث ليس صحيحا بل فيه مقال.٢
وعلى فرض ثبوت الحديث ووجود اللفظ الذي استدلوا به، يقال لهم هذا ليس من باب الربا.
ثانياً: مناقشة دليلهم من المأثور:
استدلالهم بقصة أبي بكر ﵁ غير صحيح، لأنها لم تثبت باللفظ الذي ذكروه فما في السنن والآثار يخالف هذا اللفظ.٣
وبهذا يسقط احتجاجهم بهذه القصة.
ثالثا: أما أدلتهم من المعقول فيمكن الرد عليها بما يلي:
قولهم بأن أحكام المسلمين لا تجري على أهل الحرب في دارهم، نقول لهم نعم أحكام الإسلام لا تجري عليهم إلا إذا كانوا مستأمنين في دار الإسلام، ولكن يقال لهم بأن أحكام الإسلام تجري على المسلم المتعامل بالربا معهم وفي دارهم، ويجب عليه أن يلتزم بهذه الأحكام في أي