← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وفي رواية أخرى: "لا تقطع الأيدي في الغزو"١. وفي لفظ ثالث: عن جنادة بن أبي أمية٢، قال: كنا عند بسر بن أرطأة في البحر، فأتى بسارق يقال له مصدر، قد سرق بختيه٣، فقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ ينهانا عن القطع لقطعتك فجلده ثم خلى سبيله.٤ وجه الدلالة من الحديث: الحديث ظاهر الدلالة في النهي عن إقامة حد السرقة في دار الحرب، ويقاس عليها سائر الحدود، فلا تقام في دار الحرب.٥ ٣- حديث عطية بن قيس الكلابي٦، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا هرب الرجل وقد زنا أو سرق، إلى العدو ثم أخذ أمانا على نفسه فإنه

стр. 667

يقام عليه ما فر منه، وإذا قتل في أرض العدو أو زنا أو سرق، ثم أخذ أمانا لم يقم عليه شيء مما أحدث في أرض العدو" ١. فالحديث يدل أيضا على عدم إقامة الحدود في دار الحرب، كما ذكر ذلك السرخسي.٢ ج- دليلهم من المأثور: ١- ما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى عماله ألا يجلدن أمير الجيش ولا سرية أحدا حتى يخرج إلى الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار.٣ وفي البيهقي: أن عمر ﵁ كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري٤ وإلى عماله، أن لا يقيموا حدا على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة.٥ ٢- ما روي مكحول عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: لا تقام

стр. 668

الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو.١ ٣- وبما روي عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان ينهى أن تقام الحدود على المسلمين في أرض العدو.٢ ٤- وعن علقمة قال: كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁ وعلينا الوليد بن عقبة٣، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم.٤ وفي لفظ آخر، عن علقمة قال: أصاب أمير الجيش وهو الوليد بن عقبة شرابا فسكر، فقال الناس لأبي مسعود وحذيفة بن اليمان: أقيما عليه الحد، فقالا: لا نفعل نحن بإزاء العدو، ونكره أن يعلموا فيكون جرأة منهم علينا، وضعفا بنا.٥

стр. 669

٥- وبقصة أبي محجن١رضي الله عنه وستأتي بالتفصيل. فقد ذكر ابن القيم ﵀ أن اسقاط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن قد يتمسك به من يقول لا حد على مسلم في دار الحرب وهم الحنفية، لأن سعداً أسقط الحد عن أبي محجن عندما رأى منه التوبة النصوح.٢ ج - دليلهم من المعقول: من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، أو يرتد عن الإسلام، فينضم إلى الأعداء، فيتقوى شأنهم على المسلمين.٣ الوجه الثاني: أنه لا ولاية ولا قدرة لإمام المسلمين على دار الحرب، فكيف يقم الحدود، لأن الوجوب مشروط بالقدرة، ولا قدرة للإمام على مسلم

стр. 670

تلبس بالحد في دار الحرب، فلا حد إذا، أما لو كان الإمام معه في المعسكر، فيقيم الحد عليه، لأنه تحت يده، فالقدرة ثابتة عليه.١ وفي هذا يقول الكاساني: "لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية، ولو فعل شيئا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد أيضا، لأن الفعل لم يقع موجبا أصلا" (٢) الوجه الثالث: أن المقصود من إقامة الحدود هو الانزجار والارتداع، وولاية الإمام منقطعة في دار الحرب، فيعرى الوجوب عن الفائدة، فإذا أقيم الحد في دار الحرب، لم يحصل مقصوده.٣ وفي هذا يقول الزيلعي: ولأنه - أي الحد-لم يجب لذاته، وإنما وجب لمقصوده، وهو الانزجار والاستيفاء فإن لم يمكن الاستيفاء، فلا يجب لخلوه من الفائدة، فامتنع الوجوب لعدم الفائدة، وهو الاستيفاء، فإذا لم ينعقد موجبا من الابتداء، فلا ينقلب موجبا بالخروج.٤

стр. 671

ثانيا: أدلة المالكية والشافعية الذين قالوا بوجوب إقامة الحدود في دار الحرب: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول، والقياس: أ- دليلهم من الكتاب: عموم الآيات الدالة على وجوب إقامة الحدود على مرتكبيها من غير فرق بين مكان وزمان، والتي منها: ١- قوله تعالى ﴿.. الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ١. ٢- وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢ ٣- وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ فقد دلت هذه الآيات الكريمات بعمومها على إقامة الحدود على

стр. 672

مرتكبيها في كل مكان وزمان، من غير فرق بين دار الإسلام ودار الحرب.١ وفي هذا يقول الإمام الشافعي ﵀: "لا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام، فيما أوجب الله على خلقه من الحدود، لأن الله يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ، وسن رسول الله ﷺ على الزاني الثيب الرجم، وحد الله القاذف ثمانين جلدة، لم يستثن من كان في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر، ولم يضع عن أهله شيئا من فرائضه، ولم يبح لهم شيئا مما حرم عليهم ببلاد الكفر، وهو مما يعقله المسلمون ويجتمعون عليه، أن الحلال في دار الإسلام حلال في دار الكفر، والحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر، فمن أصاب حراماً فقد حده الله على ما شاء منه، ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئا"٢ ب - أما دليلهم من السنة: فقد استدلوا بعموم الأوامر التي يأمر فيها النبي ﷺ بإقامة الحدود في كل وقت، وفي أي أرض من غير فرق بين دار الإسلام ودار الحرب.٣

стр. 673

ومن هذه الأحاديث: ١- ما روت عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا".١ ٢- ما روى عبادة بن الصامت ﵁ قال رسول الله ﷺ : "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم".٢ ٣- وعن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: "سمعت النبي ﷺ يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام".٣ ٤- وبما روى أنس ﵁ "أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين".٤ وفي لفظ آخر: "أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالنعال والجريد أربعين".٥

стр. 674

وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن الرسول ﷺ أمر بإقامة الحدود وأقامها بنفسه، وأمره عام غير خاص بمكان دون آخر، أو بزمان دون زمان، فكما تقام الحدود في دار الإسلام، تقام في دار الحرب، وهناك أحاديث صرحت بإقامة الحدود في دار الحرب منها: ٥- ما روي عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "جاهدوا الناس في الله ﵎، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر".١ الحديث ظاهر الدلالة في وجوب إقامة الحدود في الحضر والسفر، والسفر عام يشمل دار الإسلام ودار الحرب. وفي هذا يقول البنا في الفتح الرباني: "الحديث يدل على عدم جواز تأخير إقامة الحد، سواء كان في الحضر أو السفر" قال الحافظ: "وقد احتج به الجمهور على إقامة الحد في السفر والحضر لأنه أصح من حديث بسر، ويشهد لصحته عموم الكتاب والسنة وإطلاقاتهما لعدم الفرق فيها بين القريب والبعيد والمقيم والمسافر، والحديثان إذا تعارضا وجب العمل بأصحهما"٢

стр. 675

٦- وبما روي عن عبد الرحمن بن أزهر الزهري١ ﵁ قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد، وأتى بسكران فأمر من كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم، وحثا رسول الله ﷺ عليه من التراب" ٢. فالرسول ﷺ في هذا الحديث أمر بإقامة حد الخمر على شاربه في أرض الحرب، وهذا يدل على وجوب إقامة الحدود فيها. ج- أدلتهم من المأثور: ١- بما رواه يحي٣بن عروة بن الزبير عن أبيه، أن بعض الصحابة كضرار بن مالك٤ ﵁ شربوا الخمر بالشام، فأتى بهم إلى أبي عبيدة بن

стр. 676

الجراح ﵁ فكتب في أمرهم إلى عمر رضي الله عنهفأمره بإقامة الحد عليهم، فدعاهم أبو عبيدة ﵁ فأقام عليهم الحد.١ ٢- وبما روي عن الليث بن سعد، أنه كان يرى إقامة الحدود في أرض الروم لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ٢ وقال أيضا: "ما رأينا ولا سمعنا قديما ولا حديثا ترك الحدود، بل تقام في أرض العدو"٣ د- أما دليلهم من المعقول فهو: أن فعل هذه الجرائم كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وغيرها محرم في دار الحرب، كما هو محرم في دار الإسلام، وإذا كانت الداران لا تختلفان في تحريم الفعل، فالواجب أن لا تختلفا في العقوبة التي شرعت لهذه الجرائم.٤ هـ - أما دليلهم من القياس: فهو قياس دار الحرب على دار الإسلام، فكما تقام الحدود في دار الإسلام فكذلك تقام في دار الحرب بجامع تحريم الفعل في كل.٥

стр. 677

ثالثا: أدلة الحنابلة ومن معهم الذين قالوا بتأخير إقامة الحدود في دار الحرب حتى الرجوع إلى دار الإسلام: استدلوا بالسنة، والمأثور، والإجماع، والمعقول، والقياس: أ- دليلهم من السنة: حديث بسر بن أرطأة، وفيه يقول ﷺ : "لا تقطع الأيدي في الغزو". وفي لفظ آخر: "لا تقطع الأيدي في السفر، وقد تقدم بألفاظه الثلاثة "١. قالوا في وجه الدلالة: أن الحديث ظاهر الدلالة في النهي عن إقامة حد القطع في الغزو ويقاس عليه غيره من الحدود، كما فهم ذلك ابن القيم ﵀ فقال: "إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم". أما وجه الدلالة على التأخير إلى دار الإسلام، فيفهم من منعه ﷺ ، من ذلك في دار الحرب، لأن الحد لا يسقط عن مرتكبه أينما كان وأنى ذهب، وهذا الذي فهمه الصحابة ﵃ كعمر وأبي الدرداء، وهم أقرب الأمة لفه كلام نبيها ﷺ ومعرفة مراده، وبهذا أخذ ابن القيم

стр. 678

رحمه الله وحمل ما وقع من الصحابة ﵃ من تأخير الحد تفسيراً للنص وكشفا عن مراده ﷺ .١ وقد قال ابن القيم -بعد أن ذكر الحديث-: "فهذا حد من حدود الله، وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله، أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا٢. ب - دليلهم من المأثور: ١- بما روى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كتب إلى عماله أن لا يجلدن أمير جيش أو سرية ولا رجل من المسلمين حدا، وهو غاز، حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار٣. وجه الدلالة من هذا الأثر على تأخير الحد حتى الرجوع إلى دار الإسلام ظاهرة، لنهيه ﵁، عن إقامة الحد على الغزاة إلا إذا قطع الدرب راجعا إلى دار الإسلام، مبينا ﵁ علة التأخير بقوله: لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار.٤

стр. 679

٢- وبما روي عن أبي الدرداء ﵁ أنه كان ينهى أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله، حتى يقفل، مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا فإن عقوبة الله من ورائهم.١ وجه الدلالة: أن أبا الدرداء نهى عن إقامة الحدود في الغزو، وإنما تؤخر حتى الرجوع إلى دار الإسلام، مبينا ﵁ علة التأخير. ٣- وبما روى علقمة أنه قال: "كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁ وعلينا الوليد بن عقبة، فشرب الخمر فاردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أيركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم" وفي لفظ آخر: قال: "أصاب أمير الجيش وهو الوليد بن عقبة شرابا فسكر، فقال الناس لأبي مسعود وحذيفة بن اليمان: أقيما عليه الحد، فقالا: لا نفعل نحن بإزاء العدو ونكره أن يعلموا فيكون جرأة منهم علينا وضعفا بنا"٢ وجه الدلالة من الأثر: أن حذيفة ﵁ لم يسقط الحد عن الوليد، ولكنه استنكر عليهم تعجيله وهم بأرض العدو، مخافة أن يطمع فيهم الأعداء، فامتنع عن إقامة

стр. 680

الحد عليه لهذه العلة، وعند الرجوع إلى دار الإسلام تزول هذه العلة، فعندئذ يقام الحد. ج - أما دليلهم من الإجماع: فهو إجماع الصحابة ﵃ على تأخير إقامة الحدود في دار الحرب، حتى الرجوع إلى دار الإسلام، كما ذكر ذلك ابن قدامة وابن القيم وابن مفلح١ وغيرهم من فقهاء الحنابلة. د - أما دليلهم من المعقول: فقالوا: لا يقام الحد في دار الحرب خشية أن يلحق المحدود بدار الكفر، ويحمله الغضب على الدخول في الكفر.٢ وفي هذا يقول ابن القيم: لا يقام الحد في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضبا.٣ هـ - أما دليلهم من القياس: فهو قياس تأخير الحد في دار الحرب على تأخيره في دار الإسلام عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض.

стр. 681

وفي هذا يقول ابن القيم ﵀ تأخير الحد لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى.١ وقال ابن مفلح: "ولأن تأخيره لعارض من مرض أو شغل جائز، فإذا زال، أقيم عليه لوجود المقتضى السالم عن المعرض"٢ وقال ابن قدامة: "وإنما يؤخر لعارض كما يؤخر لمرض أو شغل، فإذا زال العارض أقيم الحد لوجود مقتضيه وانتفاء معارضه"٣ وهذا قياس مسلم يفيد مطابقة صريح المعقول لصحيح المنقول قد استوفى شروط القياس وأركانه.٤ أما دليلهم على وجوب إقامة الحدود المرتكبة في دار الحرب عند تأخيرها إلى دار الإسلام فهو: عموم الآيات والأحاديث التي دلت على وجوب إقامة الحدود، وأنها لا تسقط عن مرتكبها في دار الإسلام، أو في دار الحر ب، إلا أنها تؤخر إذا ارتكبت في دار الحرب لمصلحة المحدود،

стр. 682

وهو الخوف عليه من اللحاق بالكفار.١ ومع أن ابن القيم اختار تأخير الحدود عن المسلمين في دار الحرب حتى الرجوع إلى دار الإسلام. إلا أنه استثنى من هذا، أن من كانت له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته التي وقع فيها، وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح، فإنه يسقط عنه الحد بالكلية.٢ وقد استدل على هذا الإستثناء بقصة أبي محجن ﵁ مع سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال: أتى سعد بن أبي وقاص ﵁ بأبي محجن ﵁ يوم القادسية، وقد شرب الخمر، فأمر بع إلى القيد، فلما التقى الناس، قال أبو محجن: كفى حزنا أن تطرد الخيل بالقنا٣ ... وأترك مشدودا عليّ وثاقيا فقال لامرأة سعد٤: أطلقيني ولك والله عليّ إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قتلت استرحم مني، قال: فخلته حتى

стр. 683

التقى الناس، وكانت بسعد جراحة، فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق البيت١ ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة٢، فوثب أبو محجن على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحا ثم خرج، فجعل لا يجعل على ناحية من العدو، إلاّ هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك، لما يرونه يصنع. وجعل سعد يقول: الضبر ضبرا٣ البلقاء والطعن طعن أبي محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرته امرأته -أي امرأة سعد- بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فخلى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام عليّ الحد، وأطهر منها، أما إذ بهرجتني٤ فو الله لا أشربها أبدا.٥

стр. 684

وقال ابن القيم في إيضاح وجه الدلالة من هذه القصة، عن سقوط الحد ممن كانت حاله كحال أبي محجن من الإبلاء في الإسلام، والنكاية بالعدو، وظهور مخايل التوبة النصوح منه: والظاهر أن سعدا ﵁ اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى درأ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة، وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد رأى منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم اصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت، وأيضا فإنه بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختياراً، قد استحق أن يوهب له وحده، كما قال النبي ﷺ للرجل الذي قال له يا رسول الله أصبت حدا فأقمه عليّ، فقال: هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال نعم، قال: إذهب فإن الله قد غفر لك حدك.١ وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته، فقال: والله لا أشربها أبدا، وفي رواية أبد الأبد، وقد بريء النبي ﷺ مما صنع خالد ببني خذيمة، وقال: اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد، ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام. وقال أيضا: وقوله إذ بهرجتني، أي أهدرتني بإسقاط الحد عني، ومنه يبهرج دم ابن الحارث، أي أبطله، وليس في هذا ما يخالف نصا ولا قياسا

стр. 685

ولا إجماعا ولا قاعدة من قواعد الشرع، بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب.١ المناقشة: أولا: مناقشة أدلة الحنفية أمناقشة أدلتهم من السنة: بالنسبة لاستدلالهم بحديث: لا تقام الحدود في دار الحرب. يرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث لم يصح عن النبي ﷺ ولم يوجد في كتب الصحاح والسنن المشهورة، حتى أن الحنفية أنفسهم، قالوا: إنه غير صحيح، فهذا الزيلعي يقول في نصب الراية: حديث غريب.٢ وقال ابن الهمام: الحديث لم يعلم له وجود.٣ وبهذا يتضح عدم ثبوت هذا الحديث. الوجه الثاني: على فرض وجوده، فالاستدلال به محتمل، وهو على خلاف مدعاهم، فإن مذهبهم سقوط الحد بشرط أن لا يكون الإمام مع العسكر،

стр. 686

والحديث لا إشارة فيه إطلاقا إلى وجوب إقامة الحد مع وجود الإمام في المعسكر في دار الحرب، بل ينافيه، وكذلك الحديث لا تثبت به دعوى سقوط الحد من أصلها، لأن عدم إقامة الحد في دار الحرب لا تستلزم سقوطه، بل تحتمل تأخيره حتى الرجوع إلى دار الإسلام. ومع هذا الاحتمال يسقط به الاستدلال، بل أن معناه في تأخير الحد أظهر، ويقوي هذا المعنى الآثار المروية عن بعض الصحابة ﵃ في تأخير الحد، إذا كان مرتبكا في دار الحرب حتى الرجوع إلى دار الإسلام. وبهذا يبطل استدلال الحنفية بهذا الحديث رواية ودراية.١ ٢- وكذلك حديث بسر بن أرطأة، أخرجه الترمذي، وقال غريب٢، وسكت عنه أبو داود٣، وبسر راوي الحديث اختلف في صحبته.٤

стр. 687

ولكن مع هذا الخلاف في صحة الحديث، وصحبة راويه.. أقول: إن المنع من إقامة القطع في دار الحرب لا يستلزم سقوطه، بل يستلزم تأخيره حتى الرجوع إلى دار الإسلام، وهذا هو الذي فهمه الصحابة ﵃ كعمر وأبي الدرداء وحذيفة بن اليمان، وهم أقرب الأمة إلى فهم كلام الرسول صلى الله عليه وسلمو مراده من المنع عن إقامة الحد في أرض الأعداء. ٣- أما حديث عطية بن قيس، فهو أيضا لم يثبت عن النبي ﷺ ولم تذكره كتب الصحاح والسنن المشهورة، ولم يذكره إلا محمد بن الحسن في السير الكبير، ولو كان صحيحا وثابتا عن النبي ﷺ لذكرته الكتب المعينة بالأحاديث. ولكني أقول: على فرض صحته وثبوته عن النبي ﷺ فهو محمول على تأخير الحد إلى أن يرجع المحدود إلى دار الإسلام، لأن لفظ الحديث لم يقم عليه شيء مما أحدث في أرض العدو، وإذا لم يقم في أرض العدو، أخر إلى أرض الإسلام، لأن الحد لا يسقط عن المحدود، لا في دار الحرب، ولا في دار الإسلام، والمنع من إقامته في دار الحرب، لا يفهم منه إلاّ تأخيره حتى الرجوع إلى دار الإسلام. ب - مناقشة أدلتهم من المأثور: ١- أثر عمر بن الخطاب ﵁ الذي استدلوا به ضعيف الاسناد.١ وعلى فرض صحة هذا الأثر، فإنه لا دلالة لهم فيه، لأن عمر ﵁

стр. 688

منع من إقامة الحدود على المسلمين في أرض الأعداء، خشية أن يلحق المحدود بالكفار ويرتد عن الإسلام، فمن أجل ذلك منع من إقامة الحدود في دار الحرب، وأخرها حتى الرجوع إلى دار الإسلام، ولم يسقط الحدود في دار الحرب كما ذهب إلى ذلك الحنفية. وقال الإمام الشافعي في الأم: "وما روى عن عمر بن الخطاب، منكر غير ثابت، وهو بعيد أن يحتج بحديث غير ثابت"١ ٢- أما ما روى عن زيد بن ثابت، فهو كذلك لم يثبت عنه، لأنه من رواية مكحول عنه، ومكحول لم ير زيد بن ثابت، كما قال الإمام الشافعي.٢ وعلى فرض صحته، فهو محمول على أن المنع من إقامة الحدود في دار الحرب، ليس المراد منه إسقاطها، بل تأخيرها حتى الرجوع إلى دار الإسلام، لأن الحد لا يسقط عن مرتكب الجريمة في أي مكان كان، في دار الإسلام، أو في دار الحرب. ٣- وكذلك أيضا أثر أبي الدرداء ﵁ لا تثبت به حجة، لأنه ضعيف الإسناد بأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، وهو ضعيف.٣

стр. 689

وعلى فرض صحته، فهو يحمل على أن مراد أبي الدرداء ﵁ من منع إقامة الحدود في دار الحرب، هو ليس سقوطها بالكلية، بل تأخيرها إلى حين أن يرجع المحدود إلى دار الإسلام، كما جاء في بعض ألفاظه: حتى يقفل مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار.١ وهذا هو الاحتمال الصحيح لهذا الأثر. ٤- أما أثر حذيفة بن اليمان ﵁، فهو صحيح، لأن جميع رواته ثقات.٢ ولكنه مع صحته لا دلالة لهم فيه على سقوط الحدود في دار الحرب، وإنما الذي يفهم من كلام حذيفة ﵁ أن الحد لا يقام أمام الأعداء، لئلا يطمعوا فينا، وإنما يؤخر حتى الرجوع إلى دار الإسلام، لقوله: "لا نفعل ونحن بإزاء العدو، ومفهوم المخالفة، أنا إذا لم نكن بازاء الأعداء وبأرضهم، وكنا بازاء المسلمين وأرضهم عندئذ نقيم الحدود" ٥- أما قصة أبي محجن ﵁، فلا حجة للحنفية فيها، كما يقول ابن القيم، وإنما أسقط سعد الحد عن أبي محجن، لأنه رأى فيه بذل نفسه لله والظفر بالأعداء، وبلائه في الإسلام البلاء الحسن، وظهور مخايل التوبة النصوح منه٣، فمن أجل ذلك أسقط عنه الحد، أما أن يقال:

стр. 690

إنه أسقطه عنه لأن الجريمة ارتكبت في دار الحرب، فهذا لم يقل به أحد من العلماء. وأيضا هذه الآثار التي استدلوا بها -على فرض صحتها- فإنه لا يمكن أن تقوى على معارضة عموم الآيات والأحاديث التي دلت على وجوب إقامة الحدود من غير فرق بين كون الجريمة ارتكبت في دار الإسلام، أو في دار الحرب. ج - مناقشة دليلهم من المعقول: أما قولهم بأن الحدود لا تقام في دار الحرب مخافة أن يلحق المحدود بالعدو أو يرتد عن الإسلام، فقد رد عليهم الإمام الشافعي بقوله: "فأما قولهم: يلحق بالمشركين، فإن لحق بهم فهو أشقى له، ومن ترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم١التي اتصلت ببلاد الحرب مثل طرسوس٢" ٣. وأقول: إذا كانت هناك مصلحة في تأخير الحد إلى دار الإسلام كأن يخاف لحوق المحدود بدار الحرب، أو ارتداده عن الإسلام، فلا بأس بذلك تفاديا لهذه المخاوف التي قد تلحق بالمحدود.

стр. 691

٢- أما قولهم بأنه لا ولاية ولا قدرة للإمام على دار الحرب، والواجب مشروط بالقدرة: نقول لهم: نسلم أن مناط إقامة الحد هي القدرة، لكن ما الذي أسقطه بالكلية، حتى ولو رجع المحدود إلى دار الإسلام؟، فإن المسلم إذا رجع إلى داره، فهو تحت ولاية وقدرة إمامه، فالولاية والقدرة ثابتة عليه، فإذا لم تقم الحدود، لا في دار الحرب، ولا إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام، نكون أهدرنا نصوص الكتاب والسنة، الآمرة بإقامة الحدود، أما إذا قلنا بتأخير إقامة الحد عن مرتكبه في دار الحرب حتى يرجع إلى دار الإسلام، فقد راعينا المصلحة، ولم نهدر الحد بالكلية.١ ٣ - أما قولهم: بأن المقصود من إقامة الحدود هو الانزجار والارتداع، وإذا أقيم الحد في دار الحرب لا يحصل هذا المقصود، بل ربما يحصل العكس، وهو اللحاق بالأعداء أو الارتداد عن الإسلام، فهذا استدلال وجيه، إلاّ أنه معارض بالعمومات من الكتاب، والسنة الدالة على إقامة الحدود في كل مكان، وفي أي زمان، فيكون فاسد الاعتبار، وأيضا الانزجار يحصل بإقامة الحد على مرتكبه في دار الحرب، عند الرجوع إلى دار الإسلام. ثانيا: مناقشة أدلة المالكية والشافعية: أ- بالنسبة لاستدلالهم بعموم الآيات والأحاديث الدالة على وجوب

стр. 692

إقامة الحدود في كل مكان من غير فرق بين دار الإسلام ودار الحرب: يرد عليه بأن هذا العموم معارض بالأدلة الدالة على تأخير الحد حتى الرجوع إلى دار الإسلام التي سبق ذكرها. فإن المصلحة تقتضي تأخير الحد خوفا من لحوق المحدود بالكفار وارتداده عن الإسلام، ولمصلحة المسلمين تكثيرا لصفهم، ومحافظة على سلامة وحدتهم، وهذا ما فهمه الصحابة ﵃. يجاب عن ذلك: بأن الأدلة التي دلت على وجوب تأخيرها إلى دار الإسلام، لا تقوى على معارضة العموم، أما من ناحية عدم القدرة على إقامتها في دار الحرب أو كانت هناك مصلحة للمحدود في التأخير إلى دار الإسلام، فهذا ما قال به جميع الفقهاء، ما عدا الحنفية. أما حديث عبادة بن الصامت فهو ضعيف الإسناد.١ وعلى فرض صحته، فالحديث لم يصرح بإقامته الحدود في دار الحرب، لأن نص الحديث: "وأقيموا الحدود في السفر والحضر"، والسفر قد يكون داخل الإسلام، فالمراد به إقامة الحدود في السفر، وهو معارض بحديث بسر بن أرطأة، وهو أقوى منه، ويمنع من إقامة الحدود في الغزو.٢

стр. 693

وأجيب عن ذلك: بأننا لا نسلم ضعف الحديث، لأن أسانيد أحمد ثقات، ويشهد له ويعضده شواهد صحيحة، كعموم الآيات والأحاديث الدالة على إقامة الحدود من غير فرق بين القريب والبعيد، والمقيم والمسافر، وقال ابن حجر: "حديث عبادة أصح من حديث بسر، ويقدم عليه"١، ودعوى المعارضة لا تسلم أيضا، فقال الشوكاني: "لا معارضة بين الحديثين، لأن حديث بسر أخص مطلقا من حديث عبادة، فيبني العام على الخاص، وبيان أن السفر المذكور في حديث عبادة أعم مطلقا من الغزو المذكور في حديث بسر، لأن المسافر قد يكون غازيا وقد لا يكون، وأيضا حديث بسر في حد السرقة، وحديث عبادة في عموم الحد"٢ أما حديث عبد الرحمن الزهري ﵁ هو لا يقوى على معارضة حديث بسر بن أرطأة، الذي منع من إقامة الحدود في دار الحرب، وأيضا فإن الحديث لم يصرح بإقامة الحد، وإنما صرح بأن الرسول ﷺ حثا عليه التراب، وأمر من عنده فضربوه بما كان في أيديهم، وهذا قد يكون من باب التعزير والتأديب. ولكن يمكن أن يجاب عن هذا: بأن الأحاديث التي صرحت بإقامة الحدود في دار الحرب -ولو كان

стр. 694

في إسنادها ضعف- فإنها تقوي بعضها البعض، ويشهد لها ويقويها عموم الآيات والأحاديث التي تدل لعمومها على وجوب إقامة الحدود في دار الحرب، وبهذا تسلم هذه الأحاديث من المعارضة وتبقى دلالتها ثابتة على وجوب إقامة الحدود في دار الحرب. وبالنسبة لحديث بسر وغيره من الأحاديث والآثار، فإن المنع فيها من إقامة الحدود لا يستلزم سقوطها، وإنما يستلزم تأخيرها عند الرجوع إلى دار الإسلام، إذا كانت هناك مصلحة للمحدود، وهي مخافة أن يلحق بالعدو أو يرتد عن الإسلام. ج - أما بالنسبة للآثار التي استدلوا بها: فيرد عليها بما يلي: ١- أثر يحي بن عروة ليس في دلالة على إقامة الحدود في دار الحرب، وإنما غاية ما دل عليه هو تأخيرها إلى دار الإسلام، كما يفهم ذلك من الأثر، وأيضا الإمام البيهقي ذكره في باب من زعم ألا تقام الحدود في أرض الحرب حتى يرجع.١ ٢- وكذلك أثر الليث بن سعد، لا يقوى على معارضة الأحاديث والآثار الدالة على تأخير إقامة الحدود في دار الحرب، حتى الرجوع إلى دار الإسلام، والآية التي استدل بها ليس له فيها دلالة.

стр. 695

أما قوله: ما رأينا ولا سمعنا أحدا ترك الحد في الحرب، فيقال له: أن الرسول ﷺ منع من إقامة الحد في الغزو، كما في حديث بسر، وأمر بتأخير الحدود في دار الحرب، عمر وحذيفة بن اليمان وأبو الدرداء، وقد ترك سعد بن أبي وقاص إقامة الحد على أبي محجن ﵃ أجمعين وهذا كله يعتبر ناقصا لما قاله الليث بن سعد. وأجيب عن ذلك بأن هذه الآثار تدل على وجوب إقامة الحدود في كل مكان، ويقويها ويشهد لها عموم الكتاب، والسنة. د- أما دليلهم من المعقول: فيرد عليه بما يلي: قولهم بأن فعل هذه الجرائم محرم في دار الحرب، كما هو محرم في دار الإسلام، يقال لهم: هذا بالاتفاق، ولم يخالف فيه أحد، وإنما الخلاف في العقوبة المشروعة لهذه الجرائم، هل تقام على ذلك الفعل في دار الحرب أم لا؟ فقال الحنفية: لا تقام وإنما تسقط لوجود الشبهة، وهو مخافة أن يلحق المحدود بالعدو ويرتد عن الإسلام، والحدود تدرأ بالشبهات. أما الحنابلة فقالوا: تؤخر إلى دار الإسلام لمصلحة المحدود. وأجيب عن ذلك: بأن العقوبة المشروعة لهذه الجرائم كالفعل، ولا تسقط عنه في دار الحرب، كما لا يسقط عنه الذنب.

стр. 696

هـ- أما قياس إقامة الحد في دار الحرب على إقامته في دار الإسلام: فهو قياس مع الفارق، لأن الولاية والقدرة على إقامة الحدود ثابتة للإمام ثبوتا كاملا في دار الإسلام، بخلاف دار الحرب، ولأنه توجد شبهة بإقامة الحد في دار الحرب، وهي مخافة أن يلحق المحدود بالكفار، بخلاف دار الإسلام، فلا شبهة عند إقامة الحدود فيها. ثالثا: مناقشة أدلة الحنابلة ومن معهم الذين قالوا بتأخير إقامة الحدود في دار الحرب إلى دار الإسلام: بالنسبة لاستدلالهم بحديث بسر بن أرطأة. يرد عليه من وجهين: الوجه الأول: بأن الحديث مختلف في صحته، فقيل غريب، وقيل راوية لا صحبة له. وقد سبق تفصيل ذلك عند مناقشة أدلة الحنفية.١ الوجه الثاني: لا دلالة لهم فيه على تأخير الحد إلى دار الإسلام، لأن ظاهر الحديث سقوط الحد لا تأخيره، والحال يقتضي البيان، لأن لفظ الحديث: "لا تقطع الأيدي في الغزو".٢

стр. 697

ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة من وجهين: الوجه الأول: بالنسبة لدراسة الحديث الإسنادية، قد تبين صحة الإسناد إلى بسر وأن مدارك الكلام في هذا الحديث على بسر، وهو قد صرح بالسماع في هذا الحديث وغيره، فدل تصريحه بالسماع على صحبته وسماعه من رسول الله ﷺ ولهذا صحح بعض الأئمة هذا الحديث. فقال الذهبي: "الحديث جيد لا يرد هذا أحد، بمثل الكلام في بسر"١ وقال ابن حجر: "إسناده قوي"٢ ولعل الظاهر من كلام ابن القيم على هذا الحديث هو تصحيحه.٣ وقال الألباني: "إسناده صحيح على ما قيل في ابن أبي أرطأة"٤ الوجه الثاني: أن الحديث لم ينه عن إقامة الحدود في دار الحرب، وإنما نهى عن إقامة حد القطع في ظرف خاص، وهو في حالة الغزو، فهذا نهى عن إقامة الحد في حالة الغزو، وليس إسقاطا له، ولأن بعض الصحابة رضي الله

стр. 698

عنهم الذين هم أعلم الناس بسنة نبيهم ﷺ ومعرفة مراده ﷺ من هذا الحديث. أخروا إقامة الحدود عن مرتكبيها في الغزو في قضايا متعددة، كما تقدم أثر عمر وأبي الدرداء وحذيفة ﵃ أجمعين. فبهذا يكون الحديث سليم الدلالة رواية ودراية، لصراحة لفظه وصحة إسناده.١ ثانيا: مناقشة استدلالهم بالمأثور: أ- أثر عمر بن الخطاب ﵁ الذي استدلوا به، ضعيف الإسناد كما سبق.٢ وأجيب عن ذلك: بأن هذا الأثر ليس فيه ضعف وخاصة أن له شواهد تقويه، كحديث بسر، وأثر أبي الدرداء وحذيفة ﵄. ب- وكذلك أيضا أثر أبي الدرداء لا دلالة فيه، لأنه ضعيف الإسناد كما سبق.٣ ويجاب عن ذلك:

стр. 699

بأن ضعف الإسناد لا يضعف من دلالة هذا الأثر، وبخاصة أن له متابعات وشواهد تقوية، ودلالته نصية على تأخير الحد كأثر عمر ﵃.١ ج- أما أثر حذيفة بن اليمان ﵁ لا دلالة لهم فيه، لأنه لم ينص على تأخير الحد إلى دار الإسلام، لأن حذيفة لم يسقط الحد، وإنما استنكر إقامته في أرض العدو. ويجاب عن ذلك: بأن استنكار حذيفة ﵁ تعجيل إقامة الحد في أرض العدو، يدل على تأخير الحد، لأن العلة في استنكاره هي قربهم من العدو، خشية طمعه فيهم، فدل أنه بعد العودة يعود الحكم بالحد لزوال علته، وعليه فإن أثر حذيفة ﵁ دل على تأخير إقامة الحدود في دار الحرب حتى الرجوع إلى دار الإسلام.٢ ثالثا: مناقشة استدلالهم بالإجماع: قولهم: بأن تأخير الحد إلى دار الإسلام عند وقوع الجريمة في دار الحرب، هو إجماع الصحابة، هذا منقوض، لأن الصحابة ﵃ لم يجمعوا على ذلك، كما قال الحنابلة، بل منهم المخالف، ولم يقل بتأخير الحد إلى دار الإسلام، إلا بعض الصحابة كعمر وأبي الدرداء وحذيفة ﵃، فكيف يكون هذا إجماعا.

стр. 700

ويرد على هذا: بأن الإجماع المذكور -والله أعلم- هو الإجماع السكوتي١، فإن القول بهذا قد ورد عن جملة من الصحابة ﵃ في مواجهة آخرين منهم، فلم يظهر في سياق الأخبار خلاف أحد منهم، فصار إذا إجماعا على تأخير الحد.٢ رابعا: مناقشة استدلالهم بالمعقول: أما قولهم بأن الحد يؤخر مخافة أن يلحق المحدود بدار الكفر، ويحمله الغضب على الدخول في الكفر. فيرد عليهم بما قاله الإمام الشافعي. حيث قال: "فأما قولهم بأن المحدود يلحق بالمشركين، فإن لحق بهم فهو أشقى له"٣ خامسا: مناقشة استدلالهم بالقياس: قياسهم تأخير الحد في دار الحرب إلى دار الإسلام، على تأخيره عن الحامل والمرضى ووقت المرض، قياس مع الفارق، لأن العلة الجامعة بينهما مختلفة، فالعلة من تأخير الحد في دار الحرب، هي مخافة أن يلحق المحدود ببلاد الكفر.

стр. 701

بينما العلة في تأخير الحد عن المريض والحامل، هي مخافة أن يموت المحدود. وأيضا فإن تأخير الحد في دار الحرب يكون من دار إلى دار، بينما تأخير الحد عن المريض وغيره، يكون في نفس الدار، وبهذا يكون القياس غير صحيح، ويسقط الاستدلال به أما استدلال ابن القيم ﵀ بقصة أبي محجن ﵁ على سقوط الحد عمن كانت حاله كحال أبي محجن ﵁ له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته، وظهرت منه التوبة النصوح، فهذا في النفس منه شيء، لأن الحدود لا تسقط عن مرتكبيها أينما كانوا، ومهما فعلوا من الأعمال الحسنة، والظفر بالأعداء، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث السابقة التي دلت بعمومها على وجوب إقامة الحدود في أي مكان، وفي كل وقت وعلى كل أحد مهما بلغت حسناته، فلم يرد ما يخصص هذا العموم، وأن ما ورد في هذه القصة لا يقوى على تخصيص عموم الكتاب والسنة، ويحتمل أن سعدا لم يسقط الحد عن أبي محجن، وإنما أخره حتى رجع إلى دار الإسلام، وعلى فرض أنه أسقطه عنه، فربما يكون هذا اجتهادا من سعد ﵁ والله أعلم. الرأي المختار: وبعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم، وما طرأ عليها من مناقشات وردود، تبين لي أن الرأي الأولى بالاختيار هو:

стр. 702

الرأي القائل بوجوب إقامة الحدود في دار الحرب، ولا تسقط عن مرتكبيها، لا في دار الحرب، ولا في دار الإسلام، كما قال المالكية والشافعية. ولكن إذا لم تكن هناك قدرة على إقامتها في دار الحرب، أو كانت هناك مصلحة للمحدود، فلا بأس بتأخيرها، كما قال فقهاء الحنابلة. وقد اخترت هذا الرأي للأسباب التالية: ١- لقوة ما استدلوا به، وهو عموم الآيات والأحاديث السابقة الدالة على وجوب إقامة الحدود في أي مكان من غير فرق بين دار الإسلام ودار الحرب، ولم يرد من النصوص ما يخصص هذا العموم. ٢- لضعف ما استدل به الحنفية، فلم يسلم لهم دليل صحيح، يدل على إسقاط الحدود التي ترتكب جرائمها في دار الحرب، وكذلك ما استدل به الحنابلة - إلا إذا لم يقدر على إقامتها في دار الحرب، أو إذا كانت هناك مصلحة للمحدود - فهذا دليل قوي في التأخير. ٣- ولأن الجريمة شر وفساد في الأرض، وهذا الوصف لاصق بها ولا ينفك عنها أينما كان محل ارتكابها، فجريمة الزنى مثلا، لا يتصور إنفكاكها عن الفساد والشر، سواء ارتكبت في دار الإسلام، أو في دار الحرب، وحيث أن وصف الفعل بالإجرام يبقى قائما، فلا بد أن يترتب عليه أثره، وهو العقاب، وتعذر العقاب المانع لا يسقط العقاب، وإنما ينتظر إمكان استيفائه، كالمدين إذا تعذر استيفاء الدين منه لإفلاسه أو

стр. 703

لغيبته أو لهربه، فإن الدين لا يسقط، وإنما يتأخر الاستيفاء، فكذلك إذا تعذر استيفاء الحدود في دار الحرب، فلا تسقط، وإنما تؤخر إلى دار الإسلام.١ ٤- وللحرص على الفضيلة والشرف والأمانة وحفظ النفس، وحتى لا يفسح المجال أمام ضعاف الإيمان الذين ينتهزون الفرص للقيام بأعمال إجرامية على العرض والمال، ترجع نتائجها على المجتمع الإسلامي، وخصوصا في هذا الزمان الذي سهل فيه الانتقال والسفر إلى ديار الكفار بأبسط الطرق، لتقدم وسائل النقل الحديثة، كالطائرات والقاطرات وغيرها، فقد يعمل هؤلاء المفسدون أعمالهم الإجرامية ويتذرعون بما جاء في المذهب الحنفي، فيعم الفساد والخراب، ويستفحل الشر. وللأسف أن الذين يقومون بهذه الأعمال يمثلون الإسلام والمسلمين، فتنعكس صورة غير طيبة عن الإسلام بسبب هذه الأعمال، فربما يظن أهل الكفر أن الإسلام يبيح هذه الأشياء، ولم يورد لها عقوبة رادعة، ولكن سدا لهذا الباب، نقول بوجوب إقامة الحدود في دار الكفر، حربية، كانت، أو غير حربية، حسب الاستطاعة والقدرة، أما إذا انتفت، فلا بأس بتأخيرها، حتى الرجوع إلى دار الإسلام. ٥- ولأن في الأخذ بهذا الرأي - وهو وجوب إقامة الحدود في دار الحرب حسب القدرة، ولا بأس بتأخيرها إلى دار الإسلام إذا كانت

стр. 704

هناك مصلحة- جمعا بين الأدلة وعملا بكل ما ورد منها في هذه المسألة، والعمل بجميع الأدلة أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض الآخر. ٦- ولأن الإسلام دين العزة والكرامة، لا يجيز لأبنائه التردي في الفواحش والمفاسد، ولا يرضى لهم الانحلال من أخلاقهم ومعتقداتهم بمجرد مغادرتهم دار الإسلام، في الوقت الذي يجب أن يكونوا فيه القدوة الحسنة، والمثل الأعلى في التحلي بآداب الإسلام والتزام أحكامه في ديار الكفار التي يسافرون إليها، لأن أعداء الإسلام ينظرون إلى المسلمين المنحرفين أخلاقيا على أنهم هم أهل الإسلام، وهذا له الأثر السيئ في نفوس الذين يريدون الدخول في الإسلام، لأنهم هم القدوة التي يقتدون بها، والمجرم والفاسد لا يكونان مثلا أعلى يقتدى بهما، بل إن المسلمين بأعمالهم الإجرامية -التي يمكن أن تحدث - في دار الكفر، يصدون عن سبيل الله، وعن طريق الهدى، وفي إهمالهم من تطبيق حدود الله عليهم، تشجيع لغيرهم من أبناء الإسلام الذين يغادرون بلادهم للتحلل من أخلاق الإسلام، والبعد عن منهجه، وعلى العكس من ذلك، وهو إقامة الحدود عليهم أمام أعداء الإسلام ليعرفوا أن الإسلام شرع العقوبة الرادعة لمثل هذه الجرائم، وأنه دين العدالة، والدين الصحيح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأخيرا نقول: إنه يجب إقامة الحدود في كل مكان، من غير فرق بين دار الإسلام

стр. 705

ودار الحرب، وينطبق هذا الحكم على ديار الكفار في هذا الزمان، الحربية وغير الحربية. فالمسلم الذي يرتكب جرائم الزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو غيرها في ديار الكفار في هذا الزمان، يجب إقامة الحد عليه، بحسب القدرة والاستطاعة على إقامته، والتي قد تكون متيسرة في دار الكفر غير الحربية -دار العهد- للعهد الذي بين أهلها وبين المسلمين، ولا يحتاج إلى تأخير حتى الرجوع إلى دار الإسلام، أما إذا لم يستطع إمام المسلمين إقامة الحدود في ديار الكفار، وبخاصة الحربية منها، لعدم وجود العلاقة بينها وبين الدول الإسلامية، فلا بأس بتأخيرها حتى رجوع مرتكبيها إلى دار الإسلام، فيقيمها عليهم ولا تسقط عنهم بأية حال من الأحوال، سواء ارتكبت في دار الإسلام، أو في دار الكفر. وبناء على هذا الاختيار يتضح لي أن اختلاف الدار لا أثر له في إسقاط الحدود عن مرتكبي الجرائم في دار الكفر، سواء كانت حربية، أو غير حربية، فالحدود كما يجب إقامتها في دار الإسلام، فكذلك يجب إقامتها في دار الكفر، ولا يؤثر اختلاف الدار إلا من ناحية التأخير، فالإمام إذا لم يقدر على إقامة الحدود في ديار الكفار، فلا بأس بتأخيرها حتى الرجوع إلى دار الإسلام لأنه لا سلطة ولا قدرة لإقامتها في دار الكفر.
следующие страницы →