← Сияса и кади

Сияса и кади · id 11421

اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية

عبد العزيز بن مبروك الأحمدي

Полный текст (803 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

بينما العلة في تأخير الحد عن المريض والحامل، هي مخافة أن يموت المحدود. وأيضا فإن تأخير الحد في دار الحرب يكون من دار إلى دار، بينما تأخير الحد عن المريض وغيره، يكون في نفس الدار، وبهذا يكون القياس غير صحيح، ويسقط الاستدلال به أما استدلال ابن القيم ﵀ بقصة أبي محجن ﵁ على سقوط الحد عمن كانت حاله كحال أبي محجن ﵁ له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته، وظهرت منه التوبة النصوح، فهذا في النفس منه شيء، لأن الحدود لا تسقط عن مرتكبيها أينما كانوا، ومهما فعلوا من الأعمال الحسنة، والظفر بالأعداء، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث السابقة التي دلت بعمومها على وجوب إقامة الحدود في أي مكان، وفي كل وقت وعلى كل أحد مهما بلغت حسناته، فلم يرد ما يخصص هذا العموم، وأن ما ورد في هذه القصة لا يقوى على تخصيص عموم الكتاب والسنة، ويحتمل أن سعدا لم يسقط الحد عن أبي محجن، وإنما أخره حتى رجع إلى دار الإسلام، وعلى فرض أنه أسقطه عنه، فربما يكون هذا اجتهادا من سعد ﵁ والله أعلم. الرأي المختار: وبعد عرض آراء الفقهاء وأدلتهم، وما طرأ عليها من مناقشات وردود، تبين لي أن الرأي الأولى بالاختيار هو:

стр. 702

الرأي القائل بوجوب إقامة الحدود في دار الحرب، ولا تسقط عن مرتكبيها، لا في دار الحرب، ولا في دار الإسلام، كما قال المالكية والشافعية. ولكن إذا لم تكن هناك قدرة على إقامتها في دار الحرب، أو كانت هناك مصلحة للمحدود، فلا بأس بتأخيرها، كما قال فقهاء الحنابلة. وقد اخترت هذا الرأي للأسباب التالية: ١- لقوة ما استدلوا به، وهو عموم الآيات والأحاديث السابقة الدالة على وجوب إقامة الحدود في أي مكان من غير فرق بين دار الإسلام ودار الحرب، ولم يرد من النصوص ما يخصص هذا العموم. ٢- لضعف ما استدل به الحنفية، فلم يسلم لهم دليل صحيح، يدل على إسقاط الحدود التي ترتكب جرائمها في دار الحرب، وكذلك ما استدل به الحنابلة - إلا إذا لم يقدر على إقامتها في دار الحرب، أو إذا كانت هناك مصلحة للمحدود - فهذا دليل قوي في التأخير. ٣- ولأن الجريمة شر وفساد في الأرض، وهذا الوصف لاصق بها ولا ينفك عنها أينما كان محل ارتكابها، فجريمة الزنى مثلا، لا يتصور إنفكاكها عن الفساد والشر، سواء ارتكبت في دار الإسلام، أو في دار الحرب، وحيث أن وصف الفعل بالإجرام يبقى قائما، فلا بد أن يترتب عليه أثره، وهو العقاب، وتعذر العقاب المانع لا يسقط العقاب، وإنما ينتظر إمكان استيفائه، كالمدين إذا تعذر استيفاء الدين منه لإفلاسه أو

стр. 703

لغيبته أو لهربه، فإن الدين لا يسقط، وإنما يتأخر الاستيفاء، فكذلك إذا تعذر استيفاء الحدود في دار الحرب، فلا تسقط، وإنما تؤخر إلى دار الإسلام.١ ٤- وللحرص على الفضيلة والشرف والأمانة وحفظ النفس، وحتى لا يفسح المجال أمام ضعاف الإيمان الذين ينتهزون الفرص للقيام بأعمال إجرامية على العرض والمال، ترجع نتائجها على المجتمع الإسلامي، وخصوصا في هذا الزمان الذي سهل فيه الانتقال والسفر إلى ديار الكفار بأبسط الطرق، لتقدم وسائل النقل الحديثة، كالطائرات والقاطرات وغيرها، فقد يعمل هؤلاء المفسدون أعمالهم الإجرامية ويتذرعون بما جاء في المذهب الحنفي، فيعم الفساد والخراب، ويستفحل الشر. وللأسف أن الذين يقومون بهذه الأعمال يمثلون الإسلام والمسلمين، فتنعكس صورة غير طيبة عن الإسلام بسبب هذه الأعمال، فربما يظن أهل الكفر أن الإسلام يبيح هذه الأشياء، ولم يورد لها عقوبة رادعة، ولكن سدا لهذا الباب، نقول بوجوب إقامة الحدود في دار الكفر، حربية، كانت، أو غير حربية، حسب الاستطاعة والقدرة، أما إذا انتفت، فلا بأس بتأخيرها، حتى الرجوع إلى دار الإسلام. ٥- ولأن في الأخذ بهذا الرأي - وهو وجوب إقامة الحدود في دار الحرب حسب القدرة، ولا بأس بتأخيرها إلى دار الإسلام إذا كانت

стр. 704

هناك مصلحة- جمعا بين الأدلة وعملا بكل ما ورد منها في هذه المسألة، والعمل بجميع الأدلة أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض الآخر. ٦- ولأن الإسلام دين العزة والكرامة، لا يجيز لأبنائه التردي في الفواحش والمفاسد، ولا يرضى لهم الانحلال من أخلاقهم ومعتقداتهم بمجرد مغادرتهم دار الإسلام، في الوقت الذي يجب أن يكونوا فيه القدوة الحسنة، والمثل الأعلى في التحلي بآداب الإسلام والتزام أحكامه في ديار الكفار التي يسافرون إليها، لأن أعداء الإسلام ينظرون إلى المسلمين المنحرفين أخلاقيا على أنهم هم أهل الإسلام، وهذا له الأثر السيئ في نفوس الذين يريدون الدخول في الإسلام، لأنهم هم القدوة التي يقتدون بها، والمجرم والفاسد لا يكونان مثلا أعلى يقتدى بهما، بل إن المسلمين بأعمالهم الإجرامية -التي يمكن أن تحدث - في دار الكفر، يصدون عن سبيل الله، وعن طريق الهدى، وفي إهمالهم من تطبيق حدود الله عليهم، تشجيع لغيرهم من أبناء الإسلام الذين يغادرون بلادهم للتحلل من أخلاق الإسلام، والبعد عن منهجه، وعلى العكس من ذلك، وهو إقامة الحدود عليهم أمام أعداء الإسلام ليعرفوا أن الإسلام شرع العقوبة الرادعة لمثل هذه الجرائم، وأنه دين العدالة، والدين الصحيح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأخيرا نقول: إنه يجب إقامة الحدود في كل مكان، من غير فرق بين دار الإسلام

стр. 705

ودار الحرب، وينطبق هذا الحكم على ديار الكفار في هذا الزمان، الحربية وغير الحربية. فالمسلم الذي يرتكب جرائم الزنا أو السرقة أو شرب الخمر أو غيرها في ديار الكفار في هذا الزمان، يجب إقامة الحد عليه، بحسب القدرة والاستطاعة على إقامته، والتي قد تكون متيسرة في دار الكفر غير الحربية -دار العهد- للعهد الذي بين أهلها وبين المسلمين، ولا يحتاج إلى تأخير حتى الرجوع إلى دار الإسلام، أما إذا لم يستطع إمام المسلمين إقامة الحدود في ديار الكفار، وبخاصة الحربية منها، لعدم وجود العلاقة بينها وبين الدول الإسلامية، فلا بأس بتأخيرها حتى رجوع مرتكبيها إلى دار الإسلام، فيقيمها عليهم ولا تسقط عنهم بأية حال من الأحوال، سواء ارتكبت في دار الإسلام، أو في دار الكفر. وبناء على هذا الاختيار يتضح لي أن اختلاف الدار لا أثر له في إسقاط الحدود عن مرتكبي الجرائم في دار الكفر، سواء كانت حربية، أو غير حربية، فالحدود كما يجب إقامتها في دار الإسلام، فكذلك يجب إقامتها في دار الكفر، ولا يؤثر اختلاف الدار إلا من ناحية التأخير، فالإمام إذا لم يقدر على إقامة الحدود في ديار الكفار، فلا بأس بتأخيرها حتى الرجوع إلى دار الإسلام لأنه لا سلطة ولا قدرة لإقامتها في دار الكفر.

стр. 706

الفصل السادس: اختلاف الدار وأثره في الميراث والوصية المبحث الأول: اختلاف الدار وأثره في الميراث المطلب الأول: أثره في الميراث بين غير المسلمين قبل أن نبين هل لاختلاف الدار أثر في الميراث بين غير المسلمين، ينبغي أن نبين معنى اختلاف الدارين، الذي يمنع الميراث وأنواعه، والنوع الذي يمنع الميراث عند القائلين به. أولا: معنى اختلاف الدارين الذي يمنع الميراث عند القائلين به: هو أن يكون كل من الوارث والموروث في دار تخالف الأخرى، في المنعة والملك والسلطة وغلبة الأحكام، مع انقطاع الولاية والعصمة بينهما، كدار الإسلام ودار الكفر، فالذمي الذي في دار الإسلام لا يرث قريبه في دار الكفر والعكس. وبين أجزاء دار الكفر نفسها كالروم والهند، فالكافر الذي في الروم مثلا لا يرث قريبه الكافر في الهند والعكس. أما دار الإسلام فتعتبر وطنا واحدا لجميع المسلمين، فيرث المسلم في أي بلد من بلاد الإسلام قريبه المسلم، لأن الإسلام صير بلاد المسلمين وطنا واحدا، فمهما تباعدت الديار، واختلفت الجنسيات، فلا عبرة بهذا كله، فدار الإسلام وطن واحد لجميع المسلمين، لأن الإسلام جمع بينهم وجعلهم إخوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة ... ﴾ ١، وحرم دماء بعضهم على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا

стр. 707

خَطَأً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ ٢، وقال ﷺ : "إذا إلتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" ٣. وبهذا فإن المسلم يرث قريبه في أي دار من ديار الإسلام.٤ ثانيا: أنواع اختلاف الدارين: النوع الأول: الاختلاف حقيقة وحكما، ويتحقق باختلاف التبعية والإقامة، كأن يكون الوارث حربيا في دار الكفر والمورث ذميا في دار الإسلام. فإذا مات الحربي في دار الكفر وله قريب ذمي في دار الإسلام، أو مات الذمي في دار الإسلام وله قريب حربي في دار الكفر، لم يرث أحدهما من الآخر. لأن الذمي من أهل دار الإسلام والحربي من أهل دار الكفر، فهما وإن اتحدا في الملة، لكن لتباين الدارين بينهما حقيقة وحكما، تنقطع الولاية بينهما، فتنقطع الوارثة المبنية على الولاية، لأن الوارث خلف

стр. 708

المورث في ماله ملكا ويدا وتصرفا. وكذلك يتحقق الاختلاف الحقيقي والحكمي بين الكافرين، إذا كان كل منهما في دار مختلفة عن الأخرى، كالروم والهند، لأن دار كل واحد منهما مختلفة عن الأخرى في الملك، والسلطة، والمنعة، والقوة، والجيوش التي تدافع عنها. النوع الثاني: الاختلاف حكما فقط، كالذمي والمستأمن في دار الإسلام، فالمستأمن الحربي لا يرث قريبه الذمي، والذمي لا يرث قريبه المستأمن، لأن داريهما مختلفتان، فالمستأمن من أهل دار الكفر حقيقة ومن أهل دار الإسلام حكماً، والذمي من أهل دار الإسلام حقيقة ومن أهل دار الحرب حكماً. النوع الثالث: الاختلاف حقيقة فقط، كالمستأمن الحربي في دار الإسلام، والحربي في دار الكفر، فإنهما يتوارثان، فالحربي المستأمن في دار الإسلام يرث قريبه الحربي في دار الحرب والعكس.١

стр. 709

أما النوع الذي يمنع الميراث عند القائلين بأن اختلاف الدار مانع من موانع الميراث -وهم فقهاء الحنفية- فهو النوع الأول، أي الاختلاف حقيقة وحكما، كالذمي في دار الإسلام والحربي في دار الحرب، فلا توارث بينهما لانقطاع العصمة والولاية بين داريهما.١ قال ابن عابدين: "إذا مات الحربي في دار الحرب، وله وارث ذمي في دارنا، أو مات الذمي في دارنا وله وارث في دارهم، لم يرث أحدهما من الآخر، لتباين الدارين حقيقة وحكما، وإن اتحدا ملة"٢ كذلك يتحقق الاختلاف حقيقة وحكما بين الحربيين، فلا يتوارثون فيما بينهم إذا اختلفت ديارهم في السلطة والمنعة والقوة. قال السرخسي: "أهل الحرب لا يتوارثون إذا اختلفت منعتهم وملكهم، فباختلاف المنعة والملك تختلف الدار فيما بينهم، وبتباين الدار ينقطع التوارث"٣. وكذلك النوع الثاني: وهو اختلاف الدارين حكما يمنع التوارث، كالذمي والمستأمن في دار الإسلام، فلا يرث أحدهما الآخر، لأن المستأمن من أهل دار الحرب، والذمي من أهل دار الإسلام، فلا توارث بينهما

стр. 710

لتباين الدارين١. قال الزيلعي: "اختلاف الدار يمنع الإرث، والمؤثر هو الاختلاف حكما حتى لا تعتبر الحقيقة بدونه، حتى لا يجري الإرث بين المستأمن والذمي في دارنا ولا في دار الحرب"٢ وقال السرخسي: "المستأمن في دار الإسلام لا يجري التوارث بينه وبين الذمي"٣ أما النوع الثالث: وهو الاختلاف حقيقة فقط، فلا أثر له في المنع من الميراث، كالمستأمن الحربي في دار الإسلام، والحربي في دار الحرب فيرث أحدهما الآخر.٤ وقبل أن نبين آراء الفقهاء في أثر اختلاف الدار في المنع من الميراث بين غير المسلمين ينبغي أن نشير إلى بعض الأحكام المتفق عليها في الميراث ... ومنها: ١- اتفق الفقهاء على أن اختلاف الدار لا أثر له في التوارث بين

стр. 711

المسلمين وغير المسلمين١، لقوله ﷺ في حديث أسامة بن زيد ﵄: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ٢ ٢- وكذلك اتفقوا على أن غير المسلمين يتوارثون فيما بينهم إذا كانوا من ملة واحدة.٣

стр. 712

وعلى أن الذميين يتوارثون فيما بينهم إذا كانوا في دار الإسلام. ٣- وكذلك اتفقوا على أن اختلاف الدار لا أثر له في التوارث بين المسلمين، فالمسلم في دار الإسلام يرث قريبة المسلم الذي في دار الحرب، وكذلك المسلم التاجر أو الأسير- إذا مات في دار الحرب- ورثه قرابته في دار الإسلام.١ إلا أن الحنفية في رواية مرجوحة قالوا: إن المسلم الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر، لا يرث من المسلم الأصلي الذي في دار الإسلام، وكذلك المسلم في دار الإسلام، لا يرث ممن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام، سواء كان في دار الحرب مستأمنا، أو لم يكن، لأن الله نفى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ٢. فلما كانت الولاية بينهما منتفية كان الميراث منتفيا، لأن الميراث مبني على الولاية.٣ ويمكن أن يرد على هذا: بأن التوارث بالهجرة كان في ابتداء الإسلام، وقد نسخ حكمه،

стр. 713

عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ، قال: هذه كانت في المهاجر لا يتولى الأعرابي ولا يرثه وهو مؤمن ولا يرث الأعرابي المهاجر١، ثم نسختها: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٢ وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ ، قال: لبث المسلمون زمانا يتوارثون بالهجرة، والأعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئا، فنسخ ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً﴾ ٣، أي من أهل الشرك، فأجيزت الوصية ولا ميراث لهم، وصارت المواريث

стр. 714

بالملل، والمسلمون يرث بعضهم بعضا من المهاجرين والمؤمنين.١ ولأن هذه الرواية خلاف ما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة من أن المسلم يرث قريبه المسلم في أي مكان وجد في أنحاء الأرض، ولا أثر لاختلاف الدار في ذلك، لأن المسلم ولايته للإسلام، مهما اختلفت داره أو جنسيته، ولأن الهجرة وإن كانت واجبة من دار الحرب إلى دار الإسلام، لكنها ليست شرطا في التوارث بين المسلمين. واختلفوا في اختلاف الدار هل له أثر في منع التوارث بين غير المسلمين؟ إلى قولين: القول الأول: أن اختلاف الدار له أثر في منع التوارث بين غير المسلمين، والمؤثر هو الاختلاف الحقيقي والحكمي، كالذمي إذا مات في دار الإسلام، وقرابته في دار الحرب، لم يرث أحدهم من الآخر. وكذلك الحربي إذا مات في دار الحرب وله قرابة من أهل الذمة في دار الإسلام فإنهم لا يتوارثون فيما بينهم، لأن الذمي من أهل دار الإسلام حقيقة، ومن أهل دار الحرب حكما، والحربي من أهل دار الحرب حقيقة ومن أهل دار الإسلام حكماً إذا كان مستأمناً، فلاختلاف الدارين بينهما حقيقة وحكما، لا يرث أحدهما من الآخر، وإن اتحدا في الملة.

стр. 715

وكذلك الاختلاف الحكمي فقط، كالذمي والمستأمن في دار الإسلام فلا يرث أحدهما من الآخر، لتباين الدارين بينهما، فالذمي من أهل دار الإسلام والمستأمن من أهل دار الحرب. وهو قول فقهاء الحنفية.١ والشافعية في أصح الأوجه، ولكن المؤثر عندهم هو الاختلاف الحقيقي والحكمي، فالذمي في دار الإسلام لا يرث قريبه الحربي في دار الحرب والعكس. أما الاختلاف الحكمي فقط فلا أثر له، فالذمي يرث المستأمن في دار الإسلام وعكسه.٢ قال النووي: "فلو كان أحدهما ذميا والآخر حربيا، فطريقان: المذهب وبه قطع الأكثرون لا يتوارثان، لانقطاع الموالاة بينهما، وربما نقل الفرضيون الإجماع على هذا"٣

стр. 716

وهو رواية عن الحنابلة١. قال ابن مفلح: "ولا يرث ذمي حربيا، ولا حربي ذميا، وذكره القاضي، وقاله أكثر أصحابنا، وذكره أبو الخطاب في التهذيب اتفاقا لانقطاع الموالاة بينهما"٢ القول الثاني: أن اختلاف الدار لا أثر له في منع التوارث بين غير المسلمين، فالذمي يرث الحربي والعكس، والحربي يرث المستأمن في دار الإسلام، والعكس، والذمي يرث المستأمن في دار الإسلام، والعكس، لكن بشرط اتحاد الدين بين الوارث والمورث. وهو قول المالكية ووجه للشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب.٣ الأدلة: أولا: أدلة الحنفية ومن وافقهم: استدلوا بالمعقول والقياس.

стр. 717

أ- دليلهم من المعقول: قالوا: إن الميراث مبناه على الولاية والمناصرة، وباختلاف الدار تنقطع الولاية والمناصرة بين المتوارثين، فينقطع بانقطاعها التوارث.١ ويرد عليه: بأن انقطاع الولاية بين الدارين لا أثر له في المنع من التوارث، فالكافر يرث الكافر حتى مع انقطاع الولاية بين داريهما.٢ ب- دليلهم من القياس: قاسوا انقطاع التوارث بين غير المسلمين عند اختلاف الدار على انقطاع عصمة النكاح بين الزوجين عند تباين الدارين بينهما. قالوا: فكما أن الفرقة تقع بين الزوجين إذا اختلفت الدار بينهما لانقطاع الولاية، فكذلك يمنع التوارث بين الكفار عند تباين الدارين، لانقطاع الولاية بينهما.٣ ويرد عليه: بأنه قياس غير صحيح، لآن أصل المقيس عليه غير مسلم به،

стр. 718

فاختلاف الدار لا أثر له في الفرقة بين الزوجين، كما سبق بيانه في المبحث الثالث من هذا الباب١، فكيف يصح القياس عليها!!؟. قال ابن قدامة في الرد على ما قاله الحنفية: "جعلهم اختلاف الدار ضابطا للتوريث وعدمه، لا نعلم في هذا كله حجة من كتاب ولا سنة، مع مخالفته لعموم النص المقتضي للتوريث"٢ ثانيا: أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والقياس. أ- دليلهم من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٣ وجه الدلالة من الآية: أن الآية الكريمة دلت على أن الكافر ولي الكافر في أي مكان وجد، وفي أي زمان، والإرث مبني على المناصرة والموالاة، وطالما أنها موجودة بينهم فيرث أحدهم من الآخر مهما اختلفت ديارهم.٤

стр. 719

٢- قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ ١ وجه الدلالة من الآية الكريمة: أن الله جعل لكل من الناس موالي، يتولونه ويتولاهم، ومن بين هؤلاء الناس الكفار فهم أولياء بعض، يتناصرون ويتوارثون فيما بينهم وإن اختلفت ديارهم.٢ ب- دليلهم من السنة: ١- بحديث أسامة بن زيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم" ٣ وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن أهل الملة الواحدة يتوارثون فيما بينهم، فالمسلم لا يرث إلا المسلم، ودل بمفهومه على أن الكفار يتوارثون فيما بينهم، فالكافر لا يرث إلا الكافر، فاشترط الحديث اتحاد الدين فقط، ولم يذكر اتحاد الدار، وعدم ذكره له دليل على عدم اعتباره في التوارث. ٢- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال

стр. 720

رسول الله ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى" ١ وجه الدلالة من الحديث: الحديث يدل بمفهومه على أن أهل الملة الواحدة يتوارثون فيما بينهم وإن اختلفت بينهم الدار.٢ قال ابن القيم في وجه الدلالة منه: "ومفهومه يقتضي توارث أهل الملة الواحدة وإن اختلفت ديارهم"٣ ج- دليلهم من المعقول: أن ضبط الشرع للتوارث بالملة، وهي الإسلام أو الكفر، دليل على أن المعتبر هو اتحاد الدين فقط دون غيره، لأن مقتضى التوريث قائم وموجود، وهو القرابة، فيجب العمل به ما لم يقم دليل على تحقق المانع.٤

стр. 721

د - دليلهم من القياس: قاسوا عدم تأثير اختلاف الدار بين غير المسلمين في الميراث على عدم تأثيره بين المسلمين. فقالوا: إن المسلم يرث المسلم في أي مكان، ولا أثر لاختلاف الدار في ذلك، فكذلك الكافر يرث قريبه الكافر في أي مكان، ولا أثر لاختلاف الدار في ذلك.١ الرأي المختار: الذي أميل إليه في هذه المسألة أن اختلاف الدار لا أثر له في المنع من الميراث بين غير المسلمين، كما ذهب إلى ذلك المالكية والحنابلة في الصحيح، والشافعية في وجه، وذلك للأسباب الآتية: ١- لقوة الأدلة التي استدلوا بها، وهي العمومات من النصوص، التي تقتضي توريث غير المسلمين بعضهم من بعض من غير اشتراط اتحاد الدار فيما بينهم، ولأنه لم يرد من النصوص الأخرى ما يخصص هذا العموم، باشتراط اتحاد الدار لثبوت الإرث بين الكفار. ٢- ولأن الأدلة التي استدل بها من خالفهم، من المعقول والقياس لا تقوى على تخصيص هذا العموم، ولا يصح أن يمنع بسببها التوارث بين الكفار لاختلاف الدار بينهم، فيجب العمل إذن بعموم النصوص التي

стр. 722

دلت على أن الكفار بعضهم أولياء بعض، ويتوارثون بينهم حتى لو اختلفت ديارهم.١ وبناء على هذا الاختيار يمكن القول بأن هذا الحكم ينطبق على ديار الكفار في هذا الزمان، فالكافر الذي في دار الإسلام، سواء كان ذميا أو مستأمنا يرث قريبه الكافر الذي في دار الكفر، وكذلك الكافر الذي في دار الكفر يرث قريبه الذمي أو المستأمن في دار الإسلام، ولا أثر لاختلاف الدار في منعهم من الميراث، فيتوارثون فيما بينهم، اتفقت ديارهم أو اختلفت، علما بأن أكثر ديار الكفار في هذا الوقت توجد بينها وبين ديار المسلمين معاهدات واتفاقات دولية، والتي بسببها ربما تكون الولاية موجودة غير منقطعة بين الديار، أو بين الكفار أنفسهم.

стр. 723

المطلب الثاني: أثره في ميراث المرتد وفيه فرعان: الفرع الأول: ميراث المرتد في دار الإسلام اتفق الفقهاء على أن المرتد لا يرث أحدا بحال.١ أما مال المرتد في دار الإسلام فله حالتان: الحالة الأولى: فيما إذا ارتد وبقي في دار الإسلام، فإن أمواله توقف، فإن أسلم دفعت إليه بالإتفاق.٢ الحالة الثانية: فيما إذا مات أو قتل على ردته، فهل يورث أم لا؟. اختلف الفقهاء في ذلك إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: المرتد إذا قتل أو مات على ردته وترك مالا ورثه عنه ورثته من المسلمين دون الكفار.

стр. 724

وهو مروي عن أبي بكر الصديق وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت في رواية ﵃ أجمعين والحسن البصري وسعيد بن المسيب والنخعي وجابر بن زيد، وعمر بن عبد العزيز، وحماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة، والأوزاعي، والثوري، والشعبي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهوية.١ وهو قول فقهاء الحنفية والحنابلة في رواية، إلا أن الإمام أبا حنيفة قال: "ما اكتسبه في حال الردة فهو فيء"٢ القول الثاني: إذا مات المرتد أو قتل على ردته، وترك مالا لا يرثه ورثته المسلمون ولا الكفار، وماله يكون فيئا في بيت مال المسلمين. وهو مروي عن عبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت في الرواية الأخرى ﵃ وابن أبي ليلي، وربيعة، وأبي ثور.٣

стр. 725

وهو قول فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح من المذهب.١ وبه قال الإمام أبو حنيفة فيما إذا كان المال مكتسبا بعد الردة.٢ وهو قول الظاهرية في ماله الذي ظفر به المسلمون.٣ القول الثالث: أن ماله إذا مات أو قتل على ردته، يرثه ورثته الكفار الذين اختار دينهم. وهو مروي عن قتادة وعلقمة٤، وذهب إليه فقهاء الحنابلة في رواية٥.

стр. 726

وهو قول الظاهرية في ماله الذي لم يظفر به المسلمون.١ الأدلة: أولا: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول. أ - دليلهم من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ٢ قال الجصاص في وجه الدلالة: "ظاهر هذه الآية يقتضي توريث المسلم من المرتد، إذ لم يفرق بين الميت المسلم والمرتد"٣ ٢- وبقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٤ وجه الدلالة من الآية: دلت الآية بعمومها على توريث ذوي الأرحام بعضهم من بعض، ولم تفرق بين المرتد وغيره، لأن صلة الرحم بينه وبينهم باقية، فتكون سببا في بقاء ميراثهم منه.

стр. 727

٣- وبقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ١ قال السرخسي في وجه الدلالة: "والمرتد هالك، لأنه ارتكب جريمة استحق بها قتل نفسه فيكون هالكا"٢ ب- دليلهم من السنة: بما روي عن أبي الأسود الدؤلي٣ قال: أُتي معاذ بن جبل ﵁ في رجل قد مات على غير الإسلام وترك ابنه مسلما فورثه منه معاذ وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الإسلام يزيد ولاينقص" ٤ ج- دليلهم من المأثور: ١- بما روي عن علي ﵁ أنه أتي بمستور العجلي، وقد ارتد، فعرض عليه الإسلام، فأبى فقتله، وجعل ميراثه بين ورثته من المسلمين.٥

стр. 728

٢- وبما روي القاسم بن محمد، أن ابن مسعود ﵁ قال: "ميراثه لورثته من المسلمين"١ ٣- وبما روي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: بعثني أبو بكر ﵁ عند رجوعه إلى أهل الردة أن أقسم أموالهم بين ورثتهم من المسلمين.٢ فهذه الآثار المروية عن بعض الصحابة ﵃ تدل على أن ورثة المرتد من المسلمين هم أحق الناس بتركته٣ د - دليلهم من المعقول: من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن قرابة المرتد من المسلمين أولى بماله، لأنهم يدلونه بسببين: بالإسلام والقرابة، أما المسلمون من غير قرابته، فيدلون بسبب واحد، وذو السببين قدم في الاستحقاق على ذي سبب واحد، فكان الصرف إليهم أولى.٤ الوجه الثاني: أن المرتد- لما لم يرثه أقرباؤه المشركون- وجب أن يرثه أقرباؤه

стр. 729

المسلمون كالمسلم.١ الوجه الثالث: أن الردة ينتقل بها مال المرتد، فوجب أن ينتقل إلى ورثته المسلمين كما لو انتقل بالموت.٢ ثانيا: أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمأثور، والمعقول. أ- دليلهم من الكتاب: عموم الآيات التي نفت الولاية بين المؤمنين والكفار، والميراث مبناه على الولاية، فإذا انتفت، انتفى الميراث.٣ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ

стр. 730

تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ١ فهذه الآيات الكريمات، تنفي الولاية والمناصرة بين المؤمنين والكفار. والميراث مبناه على الولاية والمناصرة، فينتفي بانتفائها. ب- دليلهم من السنة: ١- حديث أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" ٢ وجه الدلالة من الحديث: الحديث دل بوضوح على منع التوارث بين المسلم والكافر، والكافر والمسلم، والمرتد كافر، فلا يرث ولا يورث.٣ ٢- وبحديث عمرو بن شعيب لا يتوارث أهل ملتين شتى.٤ وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث على أن المرتد لا يرث ولا يورث لأنه كافر.٥

стр. 731

ج- دليلهم من المأثور: دليلهم من المأثور: بما روي أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ كتب إلى عبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت ﵃ يسألهما عن ميراث المرتد، فقالا: "لبيت المال"، قال الشافعي: "يعنيان أنه فيء"١ د- دليلهم من المعقول: من ثلاثة أوجه: ١- أن المرتد بردته صار كافرا، ولا توارث بين المسلم والكافر. ٢- أن الميراث مبناه على الموالاة، ولا موالاة بين المسلم والمرتد، فلا يرث أحدهما من الآخر. ٣- أن ماله مال مرتد، سواء كسبه قبل الردة أو بعدها، فيكون فيئا، ولا يمكن جعله لأهل دينه، لأنه لا يرثهم فلا يرثونه، لأنه يخالفهم في الحكم٢. ثالثا: أدلة أصحاب القول الثالث: استدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول.

стр. 732

أ- دليلهم من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ١ وجه الدلالة من الآية: دلت الآية على أن الكفار أولياء بعض، والميراث مبناه على المولاة، والمرتد كافر، فورثته الكفار الذين اختار دينهم، هم أولى به فيرثونه ويرثهم.٢ ب- دليلهم من السنة: حديث أسامة بن زيد ﵁ "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم"٣ وجه الدلالة من الحديث: دل الحديث بمفهومه على أن الكافر يرث الكافر، والمرتد كافر، فيجب أن يرثه ورثته من الكفار.٤ ج- دليلهم من المعقول: أن المرتد يتفق دينه مع أقربائه الذين اختار دينهم ويجمعهم

стр. 733

الضلال، فيتوارثون فيما بينهم كسائر الكفار.١ المناقشة: أولا: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول: أ- بالنسبة لاستدلالهم بعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ٣ يرد عليه: بأن العموم في هذه الآيات مخصص بحديث أسامة: "لا يرث المسلم الكافر"، والمرتد كافر، فلا يرثه ورثته من المسلمين.٤ ب- أما استدلالهم بفعل معاذ ﵁ استنادا إلى قوله ﷺ : الإسلام يزيد ولا ينقص. فيرد عليه: بأن سماع أبي الأسود من معاذ بن جبل ﵁ فيه نظر،

стр. 734

والحديث فيه رواة مجهولون. وبهذا يضعف احتجاجهم به.١ وعلى فرض صحته، فلا دلالة لهم فيه، كما قال الإمام البيهقي: "وإن صح الخبر فتأويله غير ما ذهبوا إليه، لأنه ﷺ أراد أن الإسلام في زيادة ولا ينقص بالردة"٢ ج- مناقشة أدلتهم من المأثور: ١- استدلالهم بأثر علي ﵁ يعترض عليه من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الحفاظ لم يحفظوا عن علي ﵁ أنه تعرض للمال، ويمكن أن يكون الذي زاد هذا غلط، وقد ضعف الإمام أحمد هذا الأثر.٣ الوجه الثاني: وعلى فرض صحته، فلا حجة لهم فيه، لأنه معارض بقول ابن عباس، وزيد بن ثابت ﵃ وإذا وجد الخلاف، وجب النظر وطلب الحجة، والحجة قائمة، وهي قوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" ٤، قولا عاما مطلقا، والمرتد كافر لا محالة.٥

стр. 735

الوجه الثالث: يحتمل أن يكون علي ﵁ صرف مال المرتد إلى ورثته لما رأى أن المصلحة في ذلك، لجبر خاطر الورثة، لأن ما صرف إلى بيت المال من الأموال فسبيله أن يصرف في المصالح، وعلي ﵁ كان إمام المسلمين، فله أن يتصرف في ماله كيف يشاء.١ ٢- أما الأثر المروي عن ابن مسعود ﵁ ففيه مقال، لأن القاسم بن محمد لم يدرك جده، فروايته منقطعة، وكذلك الطريق الآخر الذي رواه عنه الحكم منقطع، لأنه لم يلق ابن مسعود ﵁ وبهذا يضعف استدلالهم بهذا الأثر.٢ ٣- أما الأثر المروي عن زيد بن ثابت ﵁، فلا دلالة لهم فيه، لأن كتب الآثار المشهورة لم تذكره، فربما كان ضعيفا أو لا أصل له، ولأن زيد بن ثابترضي الله عنه زوى عنه بإسناد أقوى: أن مال المرتد يكون فيئا لبيت مال المسلمين.٣ د - مناقشة دليلهم من المعقول: قولهم بأن المسلمين يستحقون ماله بالإسلام وحده، أما ورثته فيستحقونه بالإسلام والرحم.

стр. 736

يرد عليه: بأن استحقاق المسلمين لمال المرتد، إنما هو عن طريق الفيء، لا كونه إرثا، وبهذا لا اعتبار للرحم هنا.١ وقولهم: بأن قرابة المرتد من المسلمين هم أحق بماله. يقال لهم: بأنه لا حق لهم في ماله، لأنه كافر، والكافر لا يرث ولا يورث٢. أما قولهم بأن الردة ينتقل بها مال المرتد، فوجب أن ينتقل إلى ورثته من المسلمين. فيرد عليه: بأن انتقاله إلى بيت المال أولى، لأنه مال كافر والمسلم لا يرث الكافر.٣ ثانيا: مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني: أ- استدلالهم بعموم الآيات التي نفت الولاية بين المؤمنين والكفار. يرد عليه:

стр. 737

بأن نفى الولاية في الآيات، لا يوجب نفي الميراث، لأن الولاية لا دخل لها في الميراث، ولأن الولاية المنهي عنها في الآيات، هي الولاية بين المؤمنين والكفار الأصليين. وعلى فرض أن لهم دلالة بهذا العموم، فيمكن أن يخرج المرتد من هذا العموم بفعل الصحابة ﵃ كعلي وابن مسعود، ومعاذ وزيد بن ثابت ﵃ الذين هم أعلم هذه الأمة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ حتى أن معاذا ﵁ عندما ورث الابن المسلم من أبيه الذي مات على غير الإسلام استند في ذلك إلى قوله ﷺ الإسلام يزيد ولا ينقص، ويبقى سائر الكفار تحت هذا العموم، فلا توارث بينهم وبين المسلمين، هذا إذا كان في هذه الآيات دلالة على نفي الميراث بناء على نفي الولاية.١ ب- أما استدلالهم بحديث أسامة على نفي التوارث بين المرتد وورثته من المسلمين. فيرد على ذلك: بأن الكافر الذي قصده النبي ﷺ في هذا الحديث، لم يبين لنا فيه أي كافر هو، حيث يحتمل أن يكون الكافر الذي له ملة، كما يحتمل أن يكون أي كافر ذا ملة أو غيرها، فلما احتمل ذلك لم يجز أن يصرف إلى أحد المعنيين دون الآخر إلا بدليل، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال في

стр. 738

حديث عمرو بن شعيب: "لا يتوارث أهل ملتين شتى"، فعلم بهذا أنهصلى الله عليه وسلم أراد الكافر ذا الملة، فلما رأينا الردة ليست بملة، رأينا أن المرتدين لا يرث بعضهم بعضا، لأن الردة ليست بملة، فيبقى التوارث بينهم وبين ورثتهم من المسلمين.١ ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الحديث نص صريح في منع التوارث بين المسلم والكافر، والكافر والمسلم، والمرتد سواء كان صاحب ملة، أو لم يكن، فهو كافر، بل كفره أغلظ وأشد، لأنه اطلع على الإسلام دون غيره من الكفار، فلهذا لا توارث بينه وبين ورثته من المسلمين، وماله يكون فيئا لبيت مال المسلمين. ج- أما استدلالهم بأثر ابن عباس وزيد بن ثابت ﵃. فيرد عليه: بأنه محمول على أن مال المرتد لبيت المال إذا لم يكن له ورثة يرثونه، أو أنه يوضع في بيت المال حتى يحصى ورثة المرتد، ثم يدفع إليهم، وعلى فرض ضعف هذا الاحتمال فهو لا يقوى على معارضة عموم الآيات السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾

стр. 739

وقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ، التي دلت بعمومها على توريث المسلم من المرتد، لأن صلة الرحم بينه وبينهم باقية.١ ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن الاحتمال الذي ذكروه ضعيف، لأن المسلم –كذلك- إذا لم يكن له ورثة وضع ماله في بيت مال المسلمين. د- مناقشة أدلتهم من المعقول: مما لا شك فيه أن المرتد بمجرد ردته أصبح كافرا، ولا يرث أحدا جزاءً له على ذلك، أما ورثته من المسلمين فلا ذنب لهم، وجناية المرتد على نفسه، لا على ورثته، لأنه ربما قصد بردته حرمانهم من الميراث وهذا فيه إضرار عليهم، ولأن ورثته المسلمين ربما كانوا فقراء يحتاجون إلى ماله الذي هم أحق به من غيرهم، فلماذا نحرمهم منه؟ أما الموالاة، فلا دخل لها في الميراث، لأن الموالاة المنهي عنها بين المسلم والمرتد، إنما محبته ومودته. ويمكن أن يجاب عن ذلك: بأن المرتد كافر لا يرث ولا يورث، قصد حرمان الورثة أو لم يقصد، لحديث أسامة ﵁ السابق.

стр. 740

أما ورثته إذا كانوا فقراء فيصرف عليهم من بيت مال المسلمين، ولا يشفع لهم ذلك باستحقاق إرث المرتد. ثالثا: مناقشة أدلة أصحاب القول الثالث: أ- استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فيرد عليه: بأن الآية لا دلالة لهم فيها على أن المرتد يرثه ورثته من الكفار، لأن غاية ما دلت عليه الآية أن الكفار أولياء بعض يتناصرون فيما بينهم ويتوادون فيما بينهم، ولا دخل للولاية في الميراث. وعلى فرض أن الآية فيها دلالة على أن الكفار يتوارثون فيما بينهم، إنما يكون ذلك بين الكفار الأصليين أصحاب الملل، أما المرتد فلا ملة له، فبهذا لا توارث بينه وبين ورثته الكفار، ولأن ورثته من المسلمين لا يرثونه، الذين هم أحق الناس بماله، فحرمان ورثته الكفار من ميراثه من باب أولى. ب- أما استدلالهم بمفهوم حديث أسامة، على أن الكفار يتوارثون فيما بينهم. فهو وإن دل على ذلك، لكن المراد الكفار الأصليين، أما المرتدون فلا توارث بينهم. ج- أما قولهم بأن المرتدين يتوارثون فيما بينهم كسائر الكفار. فيرد عليه:
следующие страницы →