٥- مستويات التحليل اللغوي:
إن دراسة اللغة -على ما جرى عليه العرف- سواء كان المنهج وصفيا أو تاريخيا، وتندرج في أربعة مستويات، وإن كانت الحدود بينها غير واضحة تماما كما قد نحب أن يكون. هذه المستويات هي:
١- مستوى الأصوات phonology، ويدرس أصوات اللغة، ويشمل كلا النوعين المعروفين باسم علم الأصوات العام phonetics وعلم الفونيمات phonemics. وسوف نحدد المراد بهذين المصطلحين فيما بعد.
٢- مستوى الصرف Morphology، أو مستوى دراسة الصيغ اللغوية وبخاصة تلك التغييرات التي تعتري صيغ الكلمات فتحدث معنى جديدًا، مثل اللواحق التصريفية inflectional endings "على سبيل المثال S التي تضاف إليه Cat فتصيرها جمعا"، والسوابق prefixes "مثل re قبل
стр. 37
tell لتعطيها معنى يخبر مرة ثانية"، والتغيرات الداخلية internal changes "مثل تغيير حرف العلة في sing إلى sang لإفادة الماضي".
٣- مستوى النحو Syntax, الذي يختص بتنظيم الكلمات في جمل أو مجموعات كلامية "مثل نظام الجملة: ضرب موسى عيسى، التي تفيد عن طريق وضع الكلمات في نظام معين أن موسى هو الضارب وعيسى هو المضروب"١.
٤- مستوى المفردات Vocabulary. الذي يختص بدراسة الكلمات المنفردة، ومعرفة أصولها، وتطورها التاريخي، ومعناها الحاضر، وكيفية استعمالها، ويدخل تحت دراسة المفردات فرع يسمى بالاشتقاق Etymology وهو يختص بدراسة تاريخ الكلمات، وفرع آخر يسمى الدلالة Semantics ويختص بدراسة معاني الكلمات وهناك فرع يسمى المعجم Lexicography وهو فن عمل المعجمات اللغوية، ويستمد وجوده من علم دراسة تاريخ الكلمات وعلم الدلالة، يضاف إلى ذلك اهتمامه ببيان كيفية نطق الكلمة، ومكان النبر فيها، وطريقة هجائها، وكيفية استعمالها في لغة العصر الحديث.
وإن الحدود بين هذه المستويات الأربعة غير واضحة تمامًا ومتشابكة، فأصوات اللغة مثلا تتأثر كثيرًا بالصيغ، والعكس كذلك صحيح، والصوت والصيغة كلاهما يتأثران -غالبًا- بالمعنى، كذلك يوجد تبادل مطرد بين الصرف والنحو، كما هو الحال بالنسبة لبعض اللغات حين تستعمل واحدًا منهما وتستغني عن الآخر٢.
стр. 38
ولهذا فإن الصرف والنحو كثيرًا ما يجمعان تحت اسم واحد هو التركيب القواعدي Grammatical Structure.
وإذا نظرنا من زاوية اكتساب اللغة نجد أن أولئك الذين يتعلمون لغتهم الأم يكتسبون النماذج الصوتية وقواعد اللغة الأساسية في وقت مبكر، وهم من ثم يستعملونها بصورة مشتركة، مع اختلافات بسيطة ترجع إلى الموقع الجغرافي "لهجات محلية"، وطبقة المتكلم الاجتماعية، ونوع تعليمه ولكن نفس الشيء لا يمكن أن يقال بالنسبة لمفردات اللغة التي تعكس اختلافات هائلة بين المتكلمين في مجتمع لغوي واحد، إلى جانب ذلك هناك قدر أساسي مشترك من المفردات يستعمله أبناء اللغة الواحدة بوجه عام.
وإن التعليم الطبيعي لعملية اللغة يأتي عن طريق التكرار، والمحاكاة، وخصوصًا فيما يمس الأصوات وصور التنغيم وقواعد اللغة الأساسية، وإن دراسة اللغة عن طريق قواعد النحو قد وصفت -ببراعة- بأنها حيلة لاستنفاذ الوقت، حيث تستغل قدرة الشخص العقلية على التعميم والتجريد، بدلا من اللجوء إلى التكرار والتقليد اللانهائيين، كما هو الحال حيث يكتسب الشخص لغته الأم في مرحلة الطفولة.
стр. 39
٦- علم الأصوات, علم الأصوات العام, علم الفونيمات:
إن عدد الأصوات التي يمكن لجهاز النطق الإنساني أن ينتجها لم يمكن حصرها أو تقديرها على وجه الدقة حتى الآن، وهذا يرجع إلى أن أقل انحراف في المخرج point of articulation يمكن أن يعطي نتائج مختلفة تدركها الأجهزة الحساسة مثل السبكتروجراف أو مسجل تردد الموجات الصوتية، إن لم تدركها الأذن، وأيضًا فإن كثيرًا من الأصوات الإنسانية التي لا تعد أصواتًا كلامية في بعض اللغات تعد -بكل تأكيد- أصواتًا كلامية في بعضها الآخر.
стр. 40
وعلى سبيل المثال فإن الصوت الذي نحدثه حينما نريد إطفاء عود الكبريت، أو صوت التقبيل، أو صوت استدعاء فرس أو نحوها, كل أولئك يشكل جزءًا من معدات الأصوات الكلامية في لغات مثل اليابانية أو الهوتنتوتية Hottentot "في جنوب إفريقية" وقد درج اللغويون على تقسيم أصوات الكلام -في شيء من التحكم- إلى أصوات علة Vowels وأشباه العلة Semivowels وسواكن١ Consonants في أقسام وأوصاف أخرى مثل: انفجاري plosive، واحتكاكي Fricative وجانبي Lateral وأنفي Nasal ومجهور Voiced ومهموس Unvoiced ... إلخ "انظر المبحث رقم ١٨؛ علم الأصوات".
وقد سبق تعريفنا لعلم الأصوات phonology بأنه دراسة أصوات اللغة، ولكن بعض اللغويين يطلقونه ويريدون به دراسة التغيرات والتحولات التي تحدث في أصوات اللغة نتيجة تطورها "ولكن هذه الدراسة للتغيرات التاريخية في الأصوات يمكن أن يطلق عليها كذلك اسم علم الأصوات التاريخي historical phonetics أو diachronic phonetics وهناك فريق ثالث يعتبر المصطلحين: phonology و phonetics مترادفين.
وإذا نحن قبلنا تعريف الفونولوجي phonology على أنه الدراسة التاريخية لأصوات اللغة فلأن علم الأصوات العام phonetics ينبغي أن يعرف على أنه العلم الذي يدرس ويحلل ويصنف الأصوات الكلامية من غير إشارة إلى تطورها التاريخي، وإنما فقط بالإشارة إلى كيفية إنتاجها وانتقالها واستقبالها، وعلم
стр. 41
الأصوات العام بهذا المعنى الأخير فرع من فروع علم اللغة الوصفي، وله أقسام عدة "مثل علم الأصوات النطقي articulatory phonetics، والفزيائي أو الأكوستيكي أو السمعي١ acoustic phonctics والتجريبي experimental phonctics وما بعد الإنتاجي٢ genemmic phonetics والإنتاجي٣ genetic phonctics والوظائفي physiological phonetics، وإن كان هناك نوعان فقط منها يمكن معالجتها هنا.
وإننا في مجال الإصلاح نختار هنا موقفا وسطا بين موقفين يقيد أحدهما الـphonology بالدراسة التاريخية للتغيرات الصوتية، والـ phonetics بوصف الأصوات عند نقطة معينة من الزمن، أما الآخر فيستعمل المصطلحين مترادفين مع إتباعهما بكلمة التاريخي أو الوصفي على حسب الحالة.
وإن الوحدة الأساسية أو المادة الخام لعلم الأصوات العام phonetics هي الصوت المفرد phone الذي يعرف بأنه أي صوت لغوي مفرد بسيط يمكن تسجيله بالآلات الحساسة في المعمل، وعلم الأصوات النطقي يقوم أساسًا على تحديد مخارج الأصوات وبيان الصفات الصوتية التي تشكل الصوت. إنه يعطينا وصفًا موضوعيا لهذه الأصوات وكيفية إنتاجها، ويصنفها تصنيفًا ضيقا أو واسعا "على سبيل المثال كيف ينتج الصوت p في Pit الإنجليزية، وكيف يختلف ذلك الصوت عن F في fit", وهذا التصنيف قد تكلفت به الأبجدية الصوتية الدولية
lnternational phonetic Alphabet التي تشتمل -من الوجهة النظرية
стр. 42
على الأقل- على التنوعات الأساسية الممكنة لأصوات الكلام، وتصنفها على حسب المخارج الصوتية المستعملة مع كل منها، والأوضاع التي تتعرض لها هذه المخارج.
ولكن هناك طريقا آخر لتصنيف الأصوات الخاصة بلغة ما، علاوة على التصنيف الموضوعي الميكانيكي للأصوات الكلامية لكل اللغات، وإن علم الأصوات الأكوستيكي يعالج أصوات الكلام كما تسقبلها أذن السامع، أما علم الفونيمات فهو علم حديث بالنسبة لعلم الأصوات العام، ووظيفته وصف أصوات لغة معنية وتصنيفها على أساس من إحساس المتكلمين باللغة، واعتبارهم عددًا من الأصوات صوتًا واحدا أو أصواتا متعددة منفصلة، "على سبيل المثال ماذا يجعل الرجل الإنجليزي يقبل p في pit و Spit و sip كصوت واحد على الرغم من اختلافها في السمع، وماذا يجعله يرفض تطابق الصوتين p في pit و f في fit?", هنا يتدخل عامل المعنى، ودعنا الآن نفحص هذه الأمثلة المتقابلة في شيء من الدقة:
موضوعيا، ومن وجهة نظر علم الأصوات النطقي، الأصوات الثلاثة المسماة p في pit و spit و sip "الأخير كما ينطق عادة في أمريكا مع قفل نهائي للشفتين في عبارة مثل Take a sip" تعتبر أصوتا ثلاثة متميزة منفصلة يسمى كل منها فونا phone "على الرغم من أنها متقاربة جدا"، ولكن من الصعب أن تقنع الرجل الأمريكي العادي بذلك لسبب واحد، هو أنها جميعا تمثل على الورق بشكل واحد P. ولكن ما هو أهم من ذلك أن تلك الأصوات الثلاثة لا تقع أبدا بعضها في مكان البعض الآخر، وفوق كل هذا إن أيًا من هذه الأصوات الثلاثة لا يعار لموضع يؤدي فيه إلى معنى خاطئ، الصوت القوي نطقا p في pit الذي تتلوه نفخة هوائية مسموعة لا يقع إلا في أول كلمة، أو مع مجموعة نفسية، والصوت الرقيق غير المتلو بدفعة هوائية في Spit يقع باستمرار بعد s سواء كانت الـ S في أول الكلمة "وهو الغالب"، أو في موقع آخر، أما الصوت المكتوم في sip الذي لا تنفتح الشفتان من أجله، والذي لا يحدث معه
стр. 43
مطلقا أن تنفتح الشفتان، فيقع عادة في آخر الكلمة أو مجموعة الكلمات، هذه الأصوات اللغوية الثلاثية -من وجهة نظر اللغة الإنجليزية- يقال إنها ذات توزيع تكاملي complementary distribution إنها تمثل ثلاثة تنوعات موضعية positional variants لما يعد في عرف المتكلم الإنجليزي ووعيه شيئًا واحد، إن الرجل الإنجليزي على الرغم من نطقه لها باستمرار لا يفطن للفرق بينها، ولكن -وهذا دليل قاطع- إذا حدث لأمر ما أن استعمل متكلم أحد الأصوات مكان الآخر "كما إذا كان المتكلم مريضا ونطق pit بقوة أقل من المعدل، وكان في الحقيقة ناطقا لـ P الموجودة في spit، أو كان قوي الانفعال ونطق spit مستعملا الـp القوية الموجودة في pit " لا سوء فهم ينجم عن ذلك بخلاف ما إذا أحل صوت k مثلا محل وحد من هذه الأصوات الثلاثة.
معنى هذا أنه يوجد -في فهم الأمريكي المتكلم بالإنجليزية- p واحدة، أو كما يقال اصطلاحا "فونيم" واحد هو P بثلاثة أصواتا منفصلة، أو كما يقال في الاصطلاح ثلاثة "فونات"، ذات مواقع متنوعة. "الفونيم" إذن يمكن أن يعرف على أنه مجموعة أو تنوع أو ضرب يضم أصواتا وثيقة الصلة "فونات" ينظر إليها المتكلمون على أنها تمثل وحدة واحدة، بغض النظر عن تنوعاتها الموضعية.
ولكن الصورة قد تتغير تماما إذا نحن حاولنا أن نستعمل p الموجودة في Pit وفي spit بالتبادل في لغات أخرى مثل الصينية والهندية، هناك من الممكن أن يقع كل من الصوتين "الفونين" في موقع الآخر أو محيطه، وقد يتغير معنى الكلمة إذا وضع أحدهما موضع الآخر، وبناء على هذا يمكن أن يقال إن p في spit و pit يمثلان "بالإضافة إلى الصوت المكتوم في sip" فونيمًا واحدا في اللغة الإنجليزية وفونيمين في اللغة الصينية١. ومن وجهة نظر اللغة الإنجليزية الصوتان
стр. 44
"أو الثلاثة" الداخلان تحت p يطلق عليها allophones "ومعناها الحر في أصوات أخرى، ومعناها الدقيق أصوات تقع في مواقع أخرى أو محيطات أخرى" أي أصوات ترتبط بالفونيم الأساسي الواحد.
ولنعكس الصورة؛ دعنا نمثل بالكمتين leave و live اللتين تشتملان على صوتي علة متماثلين، ومع ذلك يعدان في الإنجليزية فونيمين مختلفين، إن سائر حروف الكلمتين متماثلة، واختلاف حرفي العلة في كلتا الكلمتين هو السبب في هذا الفرق الجوهري بينهما في المعنى، ولكن المتكلم بالإسبانية من ناحية أخرى قد يستعمل كلا الصوتين بالتبادل في كلمة مثل vivo "أعيش" دون أن يتغير المعنى، الصوت الأول من الممكن أن يقع في الإسبانية حين تلقى الكلمة بمهل وضغط على الحروف، والثاني حين تلقى الكلمة بسرعة وعدم اكتراث. وعليه فإن هذين الصورتين "أو الفونين" المختلفين موضوعيا يشكلان فونيمين مختلفين في الإنجليزية في حين أنهما في الإسبانية تنوعان "ليسا من التنوعات الموضعية وإنما التنوعات الحرة١ free variants".
موضوع علم الأصوات إذن هو أصوات اللغة المدركة "الفونات" التي هي حقائق عامة ويمكن قياسها بدقة بالآلات الميكانيكية. وموضوع علم الفونيمات هو الأصوات أو المجموعات الصوتية المتقاربة التي يدرك علاقتها شعور الجماعة التي تتكلم لغة معينة، والاختيار الموضوعي للفونيمات هو "المغايرة"، أو الاختلاف في المعنى الذي يظهر أو لا يظهر عندما يحل صوت محل آخر، مع بقاء سائر حروف الكلمة كما هي، استعمل الصوت p الموجود في pit في الكلمة Spit ستجد المعنى هو هو، ولكن استعمل k لتصير الكلمة Kit تجد المعنى قد تغير ولهذا فالتنوعان الصوتيان لـp يعدان في اللغة الإنجليزية فونيما واحدا، ولكن P و k يعدان فيها فونيمين مختلفين.
стр. 45
٧- الكتابة الصوتية والكتابة الفونيمية:
حيث إن المادة اللغوية تظهر غالبا في شكل مكتوب، وجد اللغويون أن من الأفضل استعمال طريقتين كتابيتين لتمثيل أصوات اللغة بشكل يخلصهم من العيوب والتناقضات الموجودة في طرق الكتابة الاصطلاحية، أحد النظامين الهجائيين صوتي، ويستعمل الأبجدية الصوتية الدولية International phonetic alphabet التي توضع رموزها بين قوسين معقوفين هكذا [] ، وتعتبر -من الناحية النظرية على الأقل- ممثلة لأصوات الكلام الموضوعية، إنها يمكن أن تستعمل في كتابة أي لغة من اللغات، وإن كانت بعض رموزها -بدون شك- تستعمل في كتابة بعض اللغات دون بعضها الآخر.
أما الأبجدية الثانية ففونيمية، وهي -في جزئها الأكبر- تستعمل الأبجدية الاصطلاحية الرومانية، وأحيانا تستعمل الأبحدية الصوتية الدولية حين يكون ذلك مطلوبا، والرموز الفونيمية توضع عادة بين خطين مائلين هكذا / /، وكل لغة تفضل نظامها الكتابي الخاص الذي قد لا يصلح للغة أخرى.
стр. 46
وإن الكتابة الفونيمية أكثر اقتصادا للوقت وعدد الرموز، ولكنها من ناحية أخرى تختص بلغة واحدة، وتقتضي معرفة كاملة بالتركيب الفونيمي لتلك اللغة، أما الكتابة الصوتية فأكثر تعقيدا، ولكنها أدق، وذات تطبيق عالمي.
стр. 47
٨- التركيب القواعدي؛ صرف ونحو:
الكلمة قواعد grammar اصطلاح تقليدي يستعمل ليشمل ما يمكن أن يوصف بأنه قوانين المرور، أو نظام السلوك للغة، ومن الناحية الاشتقاقية ترجع الكلمة grammar إلى أصل يوناني قديم يدل على معنى الكتابة، وحيث إن الكتابة عند اللغوي مظهر ثانوي للغة، والكلام مظهر أساسي يفضل بعض اللغويين المحدثين استعمال كلمة "التركيب" structure التي يدل اشتقاقها التاريخي على طريقة بناء الشيء وإقامته.
وبينما يعد من المسلمات أن كل اللغات -بدون استثناء- تتكون أساسًا من أصوات لغوية، وأن هذه الأصوات -في معظم اللغات- تتجمع في شكل كلمات "في بعض اللغات من الصعب التفريق بين الكلمة والمجموعة الكلامية أو الجملة"؛ فإنه من النادر جدا أن تجد الكلمات منفصلة في الاستعمال اللغوي فمن ناحية تتجمع الكلمات عادة في شكل مجموعات، وحنيئذ فطريقة تنظيم هذه الكلمات تصبح مهمة، وربما متحكمة في المعنى كله "ضرب موسى
стр. 48
عيسى، وضرب عيسى موسى١ على سبيل المثال يختلف معناهما إلى حد كبير على الرغم من اتحاد الكلمات الثلاث المستعملة"، ومن ناحية أخرى غالبا ما تتعرض الكلمات نفسها لتغييرات معينة في الصيغة تؤدي إلى تغيير في المعنى "أرى الكلب, رأيت الكلب" فالتغييرات الحادثة هنا داخل الكلمات نفسها تشكل موضوع علم الصرف morphology الذي يختص بدراسة الصيغ. وتنظيم الكلمات في نسق معين يشكل موضوع علم النحو syntax. وإن الصرف والنحو ليكونان ما يسمى بعلم القواعد grammar أو التركيب structure, أو قوانين المرور التي لا يمكن أن تنتهك تجنبًا للوقوع في ورطة تعوق تيار المعاني، المتدفق الذي يربط متكلما بآخر، وتوفق التفاهم الذي هو الهدف الأساسي أو الوحيد للغة.
والموضوع الأساسي، أو موضوع الدراسة في علم الصرف هو دور السوابق واللواحق والتغييرات الداخلية التي تؤدي إلى تغيير المعنى الأساسي للكلمة "مثل tell و retell و foretell ومثل dog و dog's و dogs، ومثل walk و walked و walking, ومثل see و saw و seen، ومثل write و wrote و written".
وإن علم اللغة الوصفي الحديث ليفضل مصطلح "مورفيم" morpheme على المصطلحات التقليدية مثل النهايات التصريفية، والجذر، والأصل، ويعرف المورفيم على أنه أصغر وحدة ذات معنى فبينما النحو التقليدي قد يصف dogs أنها تشتمل على أصل هو dog ونهاية تصريفية تفيد الجمع هي s، يصف علم اللغة التركيبي الحديث dog، و s كليهما على أنهما مورفيمان، أو وحدتان ذواتا معنى، تحمل إحداهما المعنى الأساسي للكلمة، وتحمل الثانية فكرة الجمعية الإضافية، وعلى كل حال فالتفرقة بين اللفظين، ربما تتم عن طريق تسمية.
стр. 49
الأول باسم المورفيم الحر free morpheme "أي الذي يمكن أن يستعمل بمفرده" والثاني "s" باسم المورفيم المتصل bound morpheme "أي الذي لا يستعمل منفردا، وإنما متصلا بمورفيم آخر".
أما علم النحو syntax الذي هو تنظيم الكلمات في شكل مجموعات أو جمل، فقد يتسع مدلوله في بعض الأحيان على أيدي النحاة التقليديين ليشمل سمات وخصائص تتعلق بالأسلوب الأدبي، وليس لها في الواقع أي اتصال، أو لها اتصال بسيط بالنماذج الأساسية للغة المتكلمة، وفي لغات معينة "الصينية على سبيل المثال" يحتل علم النحو مكانًا هامًا نظرًا لعدم وجود علم الصرف، وفي لغات أخرى "مثل اللاتينية" يلعب النحو دورًا ثانويا بسيطا، حيث إن المعدات الصرفية، المتمثلة في النهايات التصريفية توجه اهتماما إلى معظم المشاكل المتعلقة بالتغيرات التي تؤثر في المعنى، وفي معظم اللغات الغربية الحديثة يوجد مزيج من كلام الفرعين، وهو مزيج غير محتاج إليه في بعض الأحيان، وفي الجملة كلا الفرعين، وهو مزيج غير محتاج إليه في بعض الأحيان، وفي الجملة الإنجليزية John hit George، إنه فقط النظام النحوي الذي يدل السامع على الضارب وعلى المضروب، وفي He hit me نجد دليلين اثنين، "He وليس him" على الفاعلية. وفي نفس الوقت "me" جاءت في الوضع المعتاد المخصص للمفعول، ودلت على المفعولية كذلك بصيغتها "me وليست I". وإذا أدخلنا في الاعتبار لغات أخرى، وأردنا المقارنة نجد أنه في الصينية ليس من الممكن إلا أن تقول "He hit I" بدون تغيير الضمير لاختلاف محله، وحينئذ فموقعية الضمير وحدها تتابعا في الجملة مثل هذا "Me hit he" وحتى "Hit he me" أو "Hit me he"، وكذلك في حالات تغيير الضمائر إلى أسماء ظاهرة اعتمادا على ما تحتويه الأسماء من نهايات معينة تشير إلى الفاعل والمفعول١.
стр. 50
٩- المفردات؛ علما الدلالة وتاريخ الكلمات:
ينكر بعض اللغويين أن تكون اللغة تكتسب في شكل كلمات مفردة، أو أن يكون المتكلم على وعي بالكلمات مفردة حين يتكلم، إن هؤلاء يفضلون أن يتحدثوا عن العملية اللغوية على أنها تبنى على جمل أو مجموعات كلامية، وهناك شك حول صدق هذه النظرية. وعلى أي حال، سواء كانت صحيحة أو لا، فإن الكلمة المفردة قد قبلها علماء اللغة على أنها موضوع من الموضوعات الرئيسية لعلم اللغة، وعلى أنها محل اهتمام ما يعرف بعلم المفرادات vocabulary.
وكما يتضح من معاجمنا الضخمة، فإن أهم المشاكل المرتبطة بالمفردات هي ما يتصل بالدلالة المفردة لكل كلمة semantics، وتاريخ الكلمات وتطورها etymology. وكلا الموضوعين، وخصوصا ثانيهما يمثل مكانة هامة لدى عالم اللغة التاريخي لا الوصفي، وعلى كل حال فإنه من الممكن تماما دراسة الدلالة بطريقة وصفية محضة تركز على المعنى أو المعاني التي تدل عليها الكلمة اليوم "أو عند أي لحظة زمنية معينة" من غير إشارة إلى كيفية اكتساب الكلمة لمعناها هذا بمرور الوقت.
стр. 51
١٠- تصنيف اللغات:
حتى الآن، ناقشنا موضوعات تمس اللغة بوجه عام، وتتعلق باللغات جميعها قديمها وحديثها، وهذه المناقشة قد خصصت لموضوعات من علم اللغة العام أو الوصفي أو التركيبي، ولكن حينما نأتي لتصنيف اللغات نكتشف أن هناك طريقتين رئيسيتين للتصنيف، هما: القرابة اللغوية أو الرجوع إلى الأصل، والطريقة التشكيلية أو التصنيف على أساس وسائل بناء الكلمات وتوليدها، أما الطريقة الأولى فتعد في معظمها تاريخية، وأما الثانية فوصفية، وهناك طريقة ثالثة غير علمية تعتمد على المعيار الجغرافي "اللغات الأوربية, اللغات الإفريقية لخ". وهذه الطريقة ما تزال مستعملة في المجالات التي يصعب فيها تطبيق أحد المنهجين السابقين، حينما تكون معلوماتنا "أو حينما كانت حتى عهد قريب جدا" غير كافية. ولهذا فنحن ما نزال نتكلم عن اللغات الأسترالية الوطنية أو غيرها، "واضعين تحت المنطقة الجغرافية ما قد يمكن تصنيفه إلى أنواع متعددة لو طبقنا أحد المنهجين الأولين، والتصنيف الجغرافي -على أي الحالات- ربما يكون جديرًا بالاستعمال لأغراض لغوية جغرافية.
أما التصنيف على أساس القرابات اللغوية genetic classification، فيتطلب ولا شك دراسة تاريخية لربط اللغات بأصل معروف أو تخميني. اللغات الرومانسية مثلا مصطلح يستعمل ليغطي كل اللغات التي ترجع إلى أصل لاتيني. ولكن اللاتينية نفسها تعتبر عضوا في عائلة أكبر تسمى اللغات الهندية الأوربية وإن التقسيمات الواسعة إلى عائلات لغوية كبيرة مثل الهندية الأوربية، والحامية السامية، والطوراني لتتضمن لغات يبدو رجوعها في القديم إلى أصل واحد، فهي لذلك رغم بعد ذلك الأصل وعدم توافر وسائل الإثبات أحيانا تقسيمات واضحة إلى حد كبير، أو على الأقل محتملة الصحة.
وأما التصنيف التشكيلي typological classification الذي ربما يكون أو لا يكون قد بني على عوامل تاريخية, فيهتم أولا بالتركيب الحديث للغة، ولذا فهو في جزئه الأعظم وصفي. أما الأنواع العامة للغات فهي كما يلي:
١- اللغات التصريفية inflectlonal وهي التي تدل على العلاقات النحوية عن طريق السوابق واللواحق والتغييرات الداخلية في بنية الكلمة وإذا استعملنا مصطلحات أكثر تحديدا، نقول عن طريق الجمع بين مورفيمات حرة ومتصلة على سبيل المثال: الكلمات الإنجليزية walk و walk-s و walk-ing وفي لغات مثل اللاتينية أو الروسية يقل بشكل ملحوظ عدد المورفيمات الحرة، حيث إن الأسماء والصفات والأفعال لا يمكن -بوجه عام-
стр. 52
٤- اللغات المركبة polysynthetic "أو incorporating"، وهي التي تركب أعدادا من المورفيمات المتصلة في شكل عبارة واحدة، بحيث تكون الوحدة هي المجموعة الكلامية أو الجملة لا الكلمة، ومثال ذلك:
العبارة: g-nagla-sl-i-zak-s التي تعني: أنا أبحث عن قرية: فالرمز "g" معناه "أنا" و"nagla" تفيد معنى "مقيم" و"sl" أداة تعطي "nagla" صفة الأسمية ليصبح معناها معها "قرية". أما "i" فهي سابقة فعلية تدل على أن "zak" فعل. أما "zak" فمعناها "أبحث عن" و"s" تدل على الاستمرار. ولا أحد من هذه الواحدات يمكن أن يعطي معنى محددا لو استعمل بمفرده.
وإن اللغات التي ينظر إليها باعتبارها تنتمي إلى عائلة لغوية واحدة لتعيد توزيع نفسها إذا صنفت بالطريقة التشكيلية، فداخل اللغات التي تنتمي إلى العائلة
стр. 53
الهندية الأوربية، والتي كانت في أصلها تصريفية إلى حد كبير، نجد اللغتين الإنجليزية، والأفريكانية تميلان إلى نوع اللغات المفردة نظرا لتوسعهما في إسقاط اللواحق، واستعمالها للأصول المجردة -ذات المقطع الواحد غالبا- التي يدل على معناها عادة بنظام الجملة. وإلى جانب ذلك نجد في نفسي العائلة، اللغة الهندية التي تقرب من نوع اللغات اللاصقة، تاركة نظام النهايات التصريفية الموجود في اللغة السنسكريتية، ونجد الفرنسية، في بعض صيغها المتكلمة، تميل إلى نوع اللغات المركبة.
أما توزيع اللغات ودراسة جغرافيتها فموضوع -في عمومه- وصفي، حيث يعالج الجانب الجغرافي للغة، ولكنه مع ذلك يمكن أن يحوي ملامح تاريخية، إذا ما أخذ في الاعتبار مقارنة امتداد اللغة وأهميتها في لحظة معينة من الزمن بها في لحظة متقدمة، ولقد كانت أمريكا الشمالية -على سبيل المثال- مغطاة تماما بلغات أمريكية هندية ولغات الإسكيمو خلال القرن الرابع عشر، ولكنها الآن مغطاة بالإنجليزية، والإسبانية والفرنسية، إلى جانب اللغات الأصلية المحصورة بين بعض الأقليات والمجموعات المحلية المنعزلة.
стр. 54
١١- علم اللغة المقارن؛ إعادة التركيب اللغوي:
كان علم اللغة المقارن comparative linguistics بمفهوم القرن التاسع عشر يعني تماما علم اللغة التاريخي. إنه يحوي أساسًا منهجًا للبحث بواسطته توضح مجموعة من اللغات -عادة في أشكالها المؤكدة القديمة- بعضها بجانب بعض بقصد الوصول إلى الروابط والعلاقات بينها. وبالوصول إلى ذلك يمكن فرض صورة اللغة الأم التي تفرعت منها هذه اللغات، والتي لم تصلنا مادتها فعلا. والفضل كل الفضل يرجع إلى هذا المنهج في تقسيم اللغات إلى عائلات، إن المقارنة بين صيغ لغات قديمة مثل السنسكريتية واليونانية القديمة واللاتينية والأيرلندية القديمة والسلافية القديمة والقوطية تؤكد بشيء لا يقبل الجدل أن
стр. 55
كل هذه اللغات قد انشعبت عن لغة غير مكتوبة امتدت فروعها من شمالي الهند إلى أيسلندة، وشملت معظم أوربا وأقساما كبيرة من جنوب غربي آسيا، وقد أدى هذا إلى اختيار اسم اللغات الهندية والأوربية لهذه العائلة، وقد مكن هذا المنهج المقارن اللغويين -من جهة- من إعادة خلق تلك اللغة الأم، على الأقل على سبيل المحاولة، كما مكنهم -من جهة أخرى- من أن يقرروا مع شيء من الثقة أن اللغات الحديثة مثل الإنجليزية والألمانية والأسكندنافية والرومانسية والسلافية وكذلك اللتوانية واليونانية والألبانية والأرمينية والفارسية ومعظم اللغات الموجودة الآن في شمال الهند وباكستان كل أولئك ترجع إلى لغة أم واحدة.
ومقارنة اللغات -على كل حال- يمكن القيام بها الآن بطريقة وصفية بالنسبة للغات العالم الحديثة بقصد الوصول إلى مواطن الاتفاق والاختلاف في نماذجها الصوتية وتراكيبها النحوية ورصيدها اللغوي من المفردات، ولعله من الحق أن يقال إن علم اللغة المقارن في صورته المبسطة يدخل في دراسة كل اللغات الأجنبية وتدريسها، ما لم تتجنب هذه المقارنة بطريقة مباشرة عمدية، من غير أن يؤخذ في الاعتبار لغة المتكلم نفسه، أو يشار إليها ألبتة، "وحتى هنا فمن المستحيل أن تمنع المتعلم من عقد هذه المقارنة في عقله بين صيغ اللغة التي يتكلمها ويعرفها، وما يقابلها في اللغة التي يريد اكتسابها وتعلمها".
وإن منهج البحث التاريخي المقارن ربما امتزج بالمنهج الوصفي حين يأخذ الدارس لغة ما في فترتين زمنيتين معالجًا كلا منهما أولا معالجة وصفية "وذلك باستخلاص النماذج الصوتية والتراكيب النحوية والرصيد اللغوي لكل مرحلة من مراحل اللغة"، وأخيرًا يقارن الاثنتين ليصل من ذلك إلى التغيرات التي طرأت على الظواهر التي يهتم بدراستها.
стр. 56
١٢- الكتابة:
إن الصورة المكتوبة للغة، التي كانت، ولا تزال، وستظل ذات أهمية ضخمة للجنس البشري في نقل المعاني من مكان إلى مكان عبر السنين "على الرغم من تضاؤل قيمتها نسبيا أما وسائل القرن العشرين المختلفة في تسجيل أصوات الكلام المنطوق" لتعد من وجهة نظر علم اللغة مفيدة ومضمرة في وقت واحد.
إنها مفيدة بمقدار ما أمدتنا به من مادة لتلك اللغات التي اختفت من عالم الوجود، وهي مضرة لأنها ليست دائما أمينة في إعطاء الصورة المنطوقة كما هي، بل ربما كانت خادعة ومضللة، وليس هناك مثال في هذا المقام أدل على التعبير عما نعنيه من طريقة الهجاء الحديثة للغة الإنجليزية التي تعطي صورة جزئية، وكثيرا ما تكون مضللة، لطريقة النطق اليوم.
وللكتابة طريقتان رئيسيتان: الطريقة التي تعبر عن الفكرة بصورة أو رمز وتسمى Pictographic-ideographic أو logographic "وذلك مثل اللغة الصينية" حيث لا توجد أي رابطة بين الأصوات المنطوقة والرموز المكتوبة، لأن تلك الرموز تشير مباشرة إلى الصورة الذهنية١، أما الطريقة الثانية فتعرف بالطريقة الأبجدية المقطعية syllabic-alphabetic حيث تمثل الرموز المكتوبة أصوات اللغة المنطوقة. فكأن تلك الرموز يعد كل منها رمزا لرمز. "اللغة المتكلمة نفسها تعد سلسلة من الرموز التحكمية لصورة ذهنية٢".
стр. 57
وهذا رسم يبين طريقتي الكتابة الرئيسيتين:
والحقيقة القائلة: إن اللغة المتكلمة عرضة للتطور بسرعة في حين أن المكتوبة تميل إلى الجمود والتمسك بالتقاليد تفسد العلاقة الم ثالية بين الرموز الكتابية والأصوات المنطوقة، وهذا يعني أننا في دراستنا اللغوية -سواء كانت وصفية أو تاريخية- يجب أن نأخذ الحيطة في قبول اللغة المكتوبة -انخداعا بقيمتها الظاهرية- على أنها أشرف وأرقى من اللغة المنطوقة، إن الثقة في النصوص المكتوبة يجب أن تقرر دائما في حذر، وليس معنى هذا أنها يجب أن تستبعد أو تطرح جانبا من ميدان دراستنا، فهذا غير مقبول وبخاصة في الدراسة التاريخية، حيث لا يوجد لدينا من المادة الموثوق بها سوى هذه النصوص المكتوبة رغم نقصها، ولكن في مجال علم اللغة الوصفي أو التزامني، فإن وجود متكلمين باللغة على قيد الحياة، وسهولة تسجيل كلامهم قد قلل من الاعتماد على النصوص المكتوبة.
ولكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار في الصيغة المكتوبة للغة -وخصوصا إذا كانت اللغة واسعة الانتشار- تقوم بدور هام في تعطيل تيار التغير الذي يلحق لغة الكلام بسرعة إن لغة الكلام إذا تركت وشأنها تكون عرضة لتغيرات طبيعية فطرية تبعدها عن المركز تعبر عن نفسها بسرعة خلال الزمن وتظهر في شكل
стр. 58
لهجات عبر الزمان١. وكلا العاملين "التطور الفطري والانقسام إلى لهجات" يعوق تحقق الغاية العملية للغات وهي الاتصال وإن الصيغة المكتوبة بفرضها مستوى معينًا من الصواب -مهما كان تعسفيًا- تعطل حركة هذين العاملين وتعوق فعاليتهما، إنها تحرك قوى مركزية جاذبة -ولو صناعية- تعادل القوى المركزية الطاردة الموجودة في اللغة. اللغة المكتوبة إذن تساعد على تحسين وسائل الاتصال -حتى في مجالات التفاهم الشفوي- بين أعضاء الجماعة اللغوية الواحدة "إن فائدتها -على الأقل- تتمثل في إضفاء روح اللغة الأدبية المشتركة -التي تتمتع باهتمام الدارسين- على اللغة المتكلمة ليسهل التفاهم بها، وإلا فإنه من المشكوك فيه أن يتمكن رجلان فرنسيان أحدهما من الشمال والآخر من الجنوب من أن يتفاهما بسهولة وفي الصين حيث نعد لغتها المكتوبة معقدة، تتقطع الصلة بينها وبين لغة الكلام بشكل عاق تفاهم الصينيين من ذوي اللهجات المختلفة بعضهم مع بعض.
وإنه من المحتمل -في المستقبل القريب- أن يزيد نفوذ الاتجاه المحافظ المعياري الذي تمثله الصورة المكتوبة للغة، والذي أخذ في الظهور منذ عهد قريب عن طريق الوسائل الفعالة المنتشرة للاتصال الشفوي، مثل أجهزة الراديو والتليفزيون والأفلام الناطقة، ولهذا فإنه في معظم البلاد المتحضرة قد ظهرت للغة الكلام صورة أدبية إلى حد ما، أو هي في طريق الظهور.
стр. 59
١٣- توزيع اللغات وعلم اللغة الجغرافي:
من أهم الدراسات التطبيقية العلمية لعلم اللغة معرفة اللغات الإنسانية -ولو الرئيسي منها- وتوزيعها على أجزاء الكرة الأرضية، والعلم بعدد المتكلمين بكل منها، ونوع من يتكلمون بها، وفي أي نمط من الحياة يمكن أن تستعمل، وكيف -إذا تيسر ذلك- يمكن أن تتراجع لغة أمام لغة أخرى، وبخاصة ما كان منها مشهورا، وراء هذه المعلومات ذات الطابع العام -التي تجمع بين الدراسة الجغرافية واللغوية- يمكن السؤال الخاص بالتعرف اللغوي language identification وهذا يتطلب معرفة أولية بأشكال اللغات في صورتها المكتوبة، وكذلك بمعالمها الصوتية الأساسية في صورتها المتكلمة، حتى يمكن تمييز كل منها عن الأخرى بواسطة التعرف المسبق.
وإن معلومات تفصيلية -إلى حد ما- من هذا النوع تمثل جزءا من أسلحة المتخصصين اللغويين وخبراتهم. وعلاوة على ذلك فإن الحقائق المؤكدة الخاصة بتوزيع اللغات في العالم والأهمية النسبية للغات الرئيسية منها، يجب، بل ويمكن أن يجعل معروفا لكل الأفراد المثقفين أو المتعلمين حتى من لم يتخصص منهم في الدراسات اللغوية، وهذا القدر من المعلومات، الذي يعد ذا أهمية عملية كبيرة لغير المتخصصين، أكثر من أهميته للغويين الوصفيين أو التاريخيين، يمكن أن ترد أبحاثه -ولو من الناحية الظاهرة على الأقل- إلى كلا النظامين الرئيسيين في الدراسة اللغوية "النظام الوصفي والنظام التاريخي" علم اللغة الوصفي يهتم أساسا بالحقائق التركيبية المشتركة في مجموع اللغة أو اللغات. وفي إيضاحه للأسس اللغوية العامة ينزل في بعض الأحيان -وبقصد التمثيل- إلى اللغة المفردة.
وحينما يصف لغة ما بشيء من التفصيل، يعزل هذه اللغة عادة ليتمكن من التركيز على بعض الحقائق الخاصة بها، ووضعها جنبا إلى جنب مع الأسس العامة للغة، أما الدراسة اللغوية التاريخية فتركز -من الناحية الأخرى- على تطور اللغة أو اللغات عبر السنين والصور العادية للمقارنة التي تلجأ إليها، تأخذ
стр. 60
شكل دراسة لمرحلتين أو أكثر من مراحل لغة واحدة، أو لغتين كانتا في الأصل لغة واحدة، ولا توجه اهتماما كبيرا لمقارنة لغات حديثة في صورتها الحالية.
وعلم اللغة الجغرافي Geolinguistics يغطي -بشيء من التفصيل- الوضع الحالي للغات العالم، عاقدا المقارنة بينها على ضوء العوامل الموضوعية الحديثة مثل عدد المتكلمين، والتوزيع الجغرافي، واحتمالات الاستفادة منها، وأهميتها التجاربة والعلمية والسياسية والاستراتيجية والثقافية في إطار عالمنا الذي نعيش فيه.
ومن بين أبحاثه دراسة عوامل مثل: اللغات المحلية area languages ومجالات النفوذ اللغوي، واللغات الوطنية indigenous, والاستعمارية colonial أو superimposed، مع تتبع نفوذ الأخيرة على الأولى حتى بعد زوال الاستعمار. وكذلك دراسة موضوع اللغات الأولية primary والثانوية secondary في منطقة معينة، وما يترتب على ذلك من ثنائية اللغة bilingualism، أو تعددها multilingualism. ويعطي اهتماما أيضا لموضوع إحلال لغة محل أخرى substitution وموضوع اللغات الناشئة من الهجرة أو التجنس، ومن مباحثه كذلك موضوع انتشار اللغات التي تكونت بطريق الانتخاب المتعمد من مجموعة من اللهجات الإقليمة ثم حلت محلها koines، وغير ذلك من اللغات ذات العلاقات المشتركة مع غيرها "مثل تلك اللغات التي توضع للتفاهم بين الأقاليم المتجاورة بنحو مبسط وكلمات مختلطة pidgins أو تلك اللغات التي تتولد عن لغة وتتميز ببساطة تركيبها creoles, أو تلك اللغة التي يتعمد تغيرها من ناحية الهجاء أو النطق أو القواعد النحوية بقصد تيسيرها على المتعلمين modified language كذلك يعطي اهتماما للمركز الاجتماعي أو التربوي "لغة رسمية official language، لغة وطنية national language، لغة أدبية literary language لهجة dialect, لهجة شائعة بين أفراد الطبقة الدنيا في المجتمع patois، لغة طبقية class language مجموعة من الكلمات أو التعبيرات أو المصطلحات
стр. 61
الخاصة بمهنة أو جماعة معينة jargon، لهجة عامية siang". ويهتم إلى جانب هذا كله بمعامل معرفة القراءة والكتابة literacy coefficient الذي يوضح مجالات اللغة المكتوبة، وبالمعاملين الوطني nationalistic coefficient والديني liturgical اللذين يؤثران في حياة لغة ما، ومدى فاعليتها. وأخيرا يعطي اهتماما لمشكلة التعايش السلمي بين لغتين "أو أكثر" في مكان واحد، symbiosis أو احتكاكهما وتبادل التأثير والتأثر بينهما "لإيضاح بعض هذه المصطلحات ارجع إلى المبحث رقم ٣٧ المعنون: وظيفة علم اللغة الجغرافي".
стр. 62
١٤- الموقع وعدد المتكلمين وتوزيع اللغات في الوقت الحاضر:
يوجد في العالم الآن نحو ثلاثة آلاف لغة متكلمة، بخلاف اللهجات، وكل لغة من هذه اللغات لها جمهورها الخاص من المتكلمين الذين يتفاهمون بها، ويتخذونها وسيلتهم العادية لاتصالاتهم الشفوية، وتعد كل لغة من هذه اللغات صاحبة السيادة في منطقتها الخاصة، ولا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار.
وهناك تفاوت كبير بين هذه اللغات، سواء في عدد المتكلمين أو في المساحات التي تسود فيها. فمعظم هذه الآلاف الثلاثة من اللغات يتكلم بها قلة قليلة من الناس يتراوحون ما بين بضع مئات إلى ما دون المليون، وتتراوح مناطق اللغات من قرية منعزلة إلى عدة مئات من الأميال المربعة.
أما عدد لغات العالم التي تملك جمهورا يبلغ المليون فصاعدا فلا تتجاوز المائة بكثير وحتى من بين هذه المائة التي تحتل مكان الصدارة من الناحية العددية يوجد تفاوت كبير؛ فهناك فقط ١٣ لغة يتكلم بها أكثر من٥٠ مليون نسمة. وبين اللغات الثلاث عشر، وحتى بين المائة، تفاوت كبير في المساحات ومناطق التوزيع، فبعض هذه اللغات يمثل اللغة الرسمية في مساحات شاسعة من العالم, وبعض آخر منحصر في منطقة جد صغيرة. وبعضها يتكلم في مناطق غير
стр. 63
متلاصقة، وبعضها الآخر يتركز في منطقة واحدة، وبعض اللغات مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية تتمتع بمعاملات عالية في مستوى الإنتاج والتجارة والنتاج العلمي والأدبي، وبعض آخر يستعمل بين جماعة من الناس يمكن أن توصف بالتخلف حيث يهبط فيها مستوى الإنتاج، ويقل حجم التجارة، وينعدم -أو يكاد- إنتاجها العلمي والعقلي، -هذه هي الحال مع معظم اللغات الهندية الأمريكية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومع اللغات الوطنية في أستراليا. بعض هذه اللغات تستخدمها مجموعات بشرية ذات مكانة سياسية وعسكرية ممتازة "مثل الإنجليزية والروسية"، وبعضها يعاني في تفاهة مركزه السياسي والعسكري "مثل لغة هاواييني وبعض لغات نيوزلندة", ولكن بعضا من لغات القسم الثاني تستعمل في مناطق ذات مركز سياسي واستراتيجي هام، على الرغم من ضآلة قيمة المتكلمين بها "مثل الفيتنامية، والسواحيلية في شرقي إفريقية".
وإن الدراسة التفصيلية الموضوعية العلمية لكل هذه العوامل لتشكل المجال الحقيقي لعلم اللغة الجغرافي، وعلى ضوء ما هو معروف عن مجالات علم اللغة بفرعيه الرئيسيين الوصفي والتاريخي، وميادين بحث كل منهما، فإنه من غير المتوقع أن يتمكن أي من هذين الفرعين من معالجة الموضوعات السابقة على وجهها الأكمل، أو يدعي لنفسه المقدرة على فعل ذلك.
стр. 64
١٥- لغات المناطق وأهميتها النسبية:
بعض اللغات -لأسباب تاريخية سابقة- قد فرضت نفسها كلغات عامة للتفاهم في مناطق تتجاوز منطقتها الأساسية التي تعتبر فيها لغة وطنية، وربما أصبحت مكانتها كبيرة في تلك المناطق الجديدة، ومثال ذلك الألمانية في وسط أوربا، والفرنسية في الشمال الإفريقي والإنجليزية في الهند، وتتفاوت درجة أهمية تلك اللغات وفائدتها في أداء وظيفتها تفاوتًا كبيرا.
وفي القديم، كانت اليونانية واللاتينية تستعملان كلغات مناطق على طول حوض البحر المتوسط وغربي أوربا، وقد ثبتت اللغة اللاتينية في النهاية دعائمها كلغة متكلمة عامة في مناطق واسعة كان أصحابها يتكلمون في الأصل لغات أخرى. وفي العصور الوسطى كان استعمال اللاتينية لغة العلم والدين يشمل أوربا الغربية كلها، أما الآن فإن الإنجليزية تستعمل كلغة بديلة في مناطق واسعة مثل الهند وباكستان اللتين كانتا يومًا ما ضمن المستعمرات البريطانية، وكذلك اللغة الفرنسية التي تستعمل بطريقة مماثلة في حوالي نصف إفريقية، كذلك فإن الروسية هي لغة التفاهم العامة في أقاليم الاتحاد السوفيتي في آسيا التي لا تعد الروسية لغتها الأساسية.
هذا الانتشار لبعض اللغات ليغطي -بصورة أو بأخرى- مناطق واسعة لم تكن تتكلمها من قبل يعطي أهمية لما سميناه بلغات المناطق area languages. وفي بعض الحالات من الممكن التكهن -على أساس دراسة العوامل والظواهر الموجودة- أن لغة معينة سوف تتمكن في النهاية من فرض نفسها في منطقة معينة، وتحل محل لغات أخرى ما تزال مستعملة حتى الآن في هذه المناطق. وفي حالات أخرى من الممكن التنبؤ -على نفس الأساس- بأن لغة منطقة معينة سوف تتقهقر، وفي النهاية تختفي من أجزاء معينة في المنطقة المستعملة فيها الآن، وعلى هذا فإن السواحيلية من الممكن أن تحل محل الإنجليزية في شرقي إفريقية، وإن الهولاندية آخذة في الاختفاء بالفعل من إندونيسيا.
ولكن هذه التقديرات اللغوية للاحتمالات المستقبلة، مع تطبيقاتها الواسعة المدى تحتاج إلى دراسة متخصصة ولا شك.
стр. 65
١٦- اللغة الأدبية, اللغة الوطنية, اللهجات, اللغة الدارجة, العامية:
كل الدارسين لعلم اللغة دراسة وصفية أو تاريخية يجتهدون ليضعوا حدًا فاصلا بين اللغات واللهجات، وبين المستويات الاجتماعية والتعليمية المتنوعة للغة الواحدة المعينة، ولكنهم نادرًا ما يتبعون طريقا واقعيا في الإشارة إلى تلك الظواهر اللغوية، أو محاولة تفسيرها في ضوء أهميتها العملية، سواء للمجتمع أو للأفراد، وهذا راجع -في الأعم الأغلب- إلى سوء تقديرهم لما يشكل اتجاها علميا، وانحرافهم في اختيار الحقائق التي يمكن أن تعتبر أحكاما ذات قيمة.
إنه ليس حكمًا ذا قيمة أن تصف لغة ما بأنها تحتل مكانا عمليا عظيما أكثر من غيرها إذا أخذت في الاعتبار العوامل الموضوعية المحققة مثل عدد السكان، ومناطقهم السكنية وإنتاجيتهم، وليس حكما ذا قيمة كذلك أن تدعي أن لغة ما -في الوقت الحاضر- تفوق غيرها ثقافيا إذا كانت ثمرات الثقافة تتحقق بصورة واضحة في شكل نتاج عقلي وأدبي وعلمي، وأخيرا، فليس حكما ذا قيمة أن تدعي أن شكلا معينا من أشكال اللغة تسعمله الجماعة كلها، يجري على ألسنة الطبقة المثقفة, أن تدعي أنه أفضل من شكل آخر يتصف بالمحلية، ويستعمل بين طائفة من الأميين أو أنصاف الأميين.
ومن الطبيعي تحت ظروف معينة أن يكون الأبلغ استعمال اللغة الأكبر محلية أو الأقل ثقافة فبعثة تبشيرية إلى أدغال الأمازون نجد من الأفضل لها أن تستعمل لغة هندية قليلة الأهمية لا أن تستعمل لغة يستخدمها مئات الملايين من الأوربيين، وضابط البوليس في تعقبه للمجرمين يجد لغتهم الخاصة أنفع له من لغة المحامين والأطباء والأساتذة، ولكن هذه حالات استثنائية ويجب أن تعرض كما هي.
وإن وجود دعائم التوحد بشكل واسع وقوي بين جماعة ما ليبرز ما يسمى باللغة الوطنية national language وهذه اللغات الوطنية كانت في الأصل ظواهر صناعية تتكون في معظم الأحيان إما من لهجة معينة اختيرت لتقوم بوظيفة عامة، وإما من مجموعة من اللهجات طفت على السطح، أو حدث توفيق بينها كحل وسط. ويحدث هذا عادة استجابة لحاجة ملحة في التفاهم العام، وخصوصا لتيسير التبادل التجاري بين الأقاليم المتعددة، إن اللغة
стр. 66
الوطنية هي الصورة الكلامية التي تحظى بتأييد الحكومة، وتدرس -نظريًا على الأقل- في مدراس الدولة.
وكثيرًا -ولكن ليس دائمًا- ما تتطابق اللغة الوطنية مع اللغة الأدبية literary language التي تؤدي بها معظم الأعمال الكتابية، وقد كان هذا هو الحال مع اللغة الفلورنتية التوسكانية Florentine Tuscan في إيطاليا، وإن تم ذلك بعد إدخال تعديلات كبيرة والاستفادة من اللهجات الأخرى، وغالبًا ما يكون للهجة شكل أدبي ونتاج أدبي، وربما -من أجل ذلك- وصفت بأنها لغة أدبية، هكذا كان الحال مع اللهجة البيكاردية picard في العصور الوسطى بفرنسا، ومع لهجة نابولي الحديثة modern Neapolitan، ولكن ظهور اللغة الوطنية -على أي حال- يثبط الهمم في استعمال اللهجات للتعبير عن الإحساسات الأدبية.
اللهجات إذن تعتبر شكلا محليًا للكلام يستعمل في محيط واسع. وإن كان من الممكن أن تصنف اللهجات إلى وحدات كبيرة على أساس من سماتها العامة، فإن البحث الدقيق قد أثبت أن مثل هذا التصنيف -على الرغم من فائدته- يعد من صنع الخيال إلى درجة كبيرة. لا يوجد -من الناحية الموضوعية- شيء كهذا في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا؛ فلا يوجد ما يمكن أن يسمى لهجة جنوبية، أو لهجة غربية وسطى، أو لهجة نيو إنجلاند، ولكن توجد سلسلة من الخصائص المحلية غير المتناهية مع بعض ملامح مشتركة من ناحية وملامح متباينة -من إقليم إلى إقليم- من ناحية أخرى. وعلى أساس من الحقيقة المطلقة، فإن كل مدينة أو بلدة أو قرية لها لهجتها الخاصة. وقد وضع الفرنسيون لهذه الصورة الكلامية المحلية غير المكتوبة اسم patois. ولو ذهبنا بالتحليل أبعد من ذلك لأمكننا أن نقول إن كل شخص على حدة له خصائصه النطقية المختلفة التي تميزه عن غيره، حتى ما بين أعضاء أسرته القريبين، والتي تسمح لأصدقائه ومعارفه بأن يميزوه في حالة عدم رؤيته عن طريق صوته. هذه الصورة
стр. 67
الفردية للكلام تسمى العادات الكلامية idiolects.
ومن ناحية أخرى فإن الحدود المميزة للصور الكلامية الفردية المتنوعة ربما تمثل بخطوط افتراضية تسمى الخطوط الفاصلة isoglosses وهناك -على سبيل المثال- خط افتراضي واضح محدد يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي يخترق معظم الأراضي الألمانية، وعلى أحد جانبي هذا الخط يقول المتكلمون: dat وعلى الجانب الآخر يقولون: das. وإذا كان هذا الخط الافتراضي لا يتطابق دائما مع الواقع فإنه غالبا ما ينظم الظواهر في شكل حزم أو مجموعات، مع اختلافات بسيطة نسبيا، وإذا أخذ المرء المتوسط أو المعدل أو مجموعات مع اختلافات بسيطة نسبيا، وإذا أخذ المرء المتوسط أو المعدل لهذه الخطوط الفاصلة فإنه يمكنه أن يحدد خطأ مفردا يفصل منطقة لهجة رئيسية عن غيرها. وهذا هو أساس الطريقة العلمية لتصنيف اللهجات الرئيسية في لغة معينة.
ومن الناحية العملية، لكل لغة مستويات مختلفة على أساس الطبقة الاجتماعية أو التعليمة، وناتج هذا يمكن أن يسمى اللغات الطبقية
class languages. فحينما يستعمل المتعلمون في مجتمع ما طريقة كلامية خاصة نجد طبقة أنصاف المتعلمين يستعملون طريقة أخرى. وقد أدى هذا إلى ظهور المصطلح الإنجليزي المستخدم في بريطانيا وهو: لغة الجامعيين "U"language. ولغة غير الجامعيين "non-U"language "فكلمات مثل lidy و bob يتجنبها الإنجليزي الجامعي عادة" وإلى جانب ذلك فهناك بعض المهن، والأعمال التي تستعمل نوعا معينا من المفردات والمصطلحات وهذا يختص باسم jargon. أما الصورة الدارجة للغة colloquial فهي التي تستعمل في مجالات الأحاديث غير الجادة، حتى من رجال مثقفين، ونادرا ما تستعمل في الأحاديث أو
الكتابات الرسمية "وذلك مثل: l've got five dollars". وقد تهبط اللغة الدارجة إلى درجة أكبر فتدخل تحت ما تسميه المعاجم القديمة باللغة المبتذلة vulgarisms "مثل I ain't seen him أو العامية slang مثل
стр. 68
He packs a gat". التي ربما كانت لها صفة المحلية، ولكنها في الغالب تتصف بالعمومية. هذه الطبقات الاجتماعية أو الثقافية للغة هامة، جدا من وجهة نظر علم اللغة الجغرافي، لأنه تبلور الصورة العامة للتنوعات اللغوية المستعملة على ظهر الكرة الأرضية.
وإن الفروق الطبقية في اللغة -التي تحدثنا عنها سابقا- تعد أكثر فعالية في اللغات الثقافية الكبيرة الهامة، منها في اللغات الأقل متكلمين وثقافة، ومع ذلك ففي بعض الحالات يمكن للنوع الأخير من اللغات أن يمثل ما يعد من الناحية، العملية طبقات اجتماعية، عن طريق استعمال مجموعة من الناس لبعض الصيغ المنبوذة لدى مجموعة أخرى من المتكلمين بنفس اللغة، وفي بعض القبائل الهندية الأمريكية -على سبيل المثال- تتكلم المرأة لغة تختلف إلى حد كبير عن لغة الرجل.
وسترد معلومات أوفى عن بعض المصطلحات السابق الإشارة إليها، من وجهة نظر علم اللغة التاريخي في المبحث رقم ٢٨ وعنوانه: نقاط اتصال مع علم اللغة الوصفي وعلم اللغة الجغرافي.
стр. 69
١٧- الصورة اللغوية المتغيرة:
إن الاتجاه الطبيعي للغة، وبخاصة في صورتها الدارجة أو المتكلمة، هو اتجاه يبعدها عن المركز، أو ما يمكن أن يسمى اتجاها طرد بمركزيا centrifugal. فاللغة تميل إلى التغير، سواء خلال الزمان أو عبر المكان، إلى الحد الذي لا توقف تياره العوامل الجاذبة نحو المركز أو التي يمكن أن تسمى بالجذبيمركزية centripetal. هذه الخاصية العالمية للغة هامة لعالم اللغة التاريخي حيث إنها تشكل الأساس في كل تغير لغوي، وهي هامة لعالم اللغة الوصفي لأنها تكون الأساس للاختلافات اللهجية أو الطبقية التي يصادفها الباحث
стр. 70
في اللغة موضوع دراسته ووصفه وتحليله. وهي هامة لعالم اللغة الجغرافي، ليس فقط بسبب أنها تعطيه صورة -أقرب إلى الدقة- للغات العالم، وتبين له أهمية بعضها بالنسبة للبعض الآخر، ولكن أيضا لأنها تمده بالأسس التي يبنى عليها تنبؤاته فيما يتعلق بمستقبل اللغات في العالم.
ومن الحقائق العامة أنه وجدت -في الماضي- لغات معينة كانت يوما ما هامة ومنتشرة, ثم اختفت من الوجود نهائيا وبادت معالمها، اللهم إلا من بعض نصوص كتابية وكلمات قليلة افترضتها لغات كانت أكثر حظًا، وهي تلك التي عاشت وازدهرت، وهناك لغات أخرى أظهرت قوة جبارة في التوسع والامتصاص واستمالة أعداد هائلة من المتكلمين الجدد الذين لم يسبق استعمالهم لها. وقد كانت اللغة اللاتينية من ذلك النوع الذي جذب عددا من المتكلمين بلغات مثل الإترورية Etruscan والأسكانية Oscan والأمبرية Umbrian والأيبيرية Iberian والغالية Gaulish وألسنة أخرى كثيرة ضاعت معالمها وقد عاشت اللاتينية ونجحت، وظلت تنبض فيها الحياة حتى عصرنا الحاضر في شكل اللغات الرومانسية التي هي في الواقع سليلة اللاتينية، وهي هي مع بعض خلافات حدثت بمرور الزمن.
ولو انتقلنا إلى لغات حديثة زمنيًا لشاهدنا ازديادا في قوة الشخصية وعدد المتكلمين بالنسبة للغات كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية، فكل منها قد اكتسب متكلمين جددا عن طريق الامتصاص من ناحية، والنمو الطبيعي من ناحية أخرى، ونحن في بعض الأحيان نصطدم بلغات مثل اللغة الصينية التي يرجع التزايد العددي لمتكلميها إلى سبب واحد، وهو النمو السكاني الداخلي.
وإنه من بين وظائف عالم اللغة الجغرافي أن يدرس العوامل التي تؤدي إلى تقدم لغة أو تقهقرها، وأن يعكس صورة اللغة المستقبلة من خلال حاضرها.
стр. 71
ولكن الوظيفة الأخيرة جد صعبة، وذلك بسبب تعدد وتنوع العوامل التاريخية التي تدخل في تكوين تلك الصورة، وهذه العوامل قد تكون ذات طبيعة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو دينية أو ثقافية. فاللغة اللاتينية مثلا قد انتشرت نتيجة لغزو عسكري، وحنكة سياسية، ومهارة إدارية، ولكن بقاءها مؤخرا في مساحات واسعة كان مرده -في الأعم الأغلب- إلى عوامل دينية، حيث كانت اللغة اللاتينية قد أصبحت اللغة الرسمية للكنيسة المسيحية الغربية، وامتداد اللغة العربية كانت نتيجة لعالم الغزو العسكري المصحوب بالتوسع الديني، وقد أصبحت القشتالية Castilian هي اللهجة الغالبة في شبه الجزيرة الإسبانية نتيجة للدور العسكري الذي لعبه المتكلمون بها بعد إعادة فتحها على يد المور Moors. وإن التوسع اللاحق للقشتالية إلى مسافات بعيدة من العالم الجديد كان يرجع إلى الجهود الاستعمارية التي امتزجت بعوامل عسكرية ودينية واقتصادية، وقد حدث شيء مماثل بالنسبة للغة الإنجليزية، بالإضافة إلى الفعالية الكبيرة لعامل الامتصاص لمجموعة ضخمة من المهاجرين وأعقابهم، الذين كانوا يتكلمون عادة لغة أخرى غير الإنجليزية، وإن لهجة شمال فرنسا Francien بعد انتصارها في العصور الوسطى على لهجات أخرى أدبية مماثلة، نظرا لما تصادف من أنها اللهجة المحلية لباريس حيث البلاط الملكي، استطاعت مؤخرًا أن تفرض نفسها على مساحات واسعة من الأرض نتيجة قوة عسكرية واستعمارية من ناحية، وما تتمتع به من إغراء ثقافي من ناحية أخرى.
واستنتاجا من دروس الماضي ينبغي على عالم اللغة الجغرافي أن يقاوم أي زعم بأن المركز النسبي الحالي للغات العالم اليوم سوف يستمر، إن الصورة التي يجب أن تكون مائلة أمامه هي أن اللغة سريعة التطور، ولربما لم تكن هذه الصورة في أي يوم مضى أصدق منها الآن. وبينما يجب على اللغوي أن يصف موضوعيا
стр. 72
صورة لغات العالم كما تظهر الآن، وربما يعطي تنبؤات متحفظة عن المستقبل. يجب أن يكون مستعدا للتغيرات المفاجئة وربما المروعة، وقد شاهدنا فعلا تغيرات متعددة من هذا القبيل خلال القرن الحالي١.
стр. 73
القسم الثاني: علم اللغة الوصفي "اصطلاحات أساسية "
١٨- علم الأصوات:
يتم إنتاج الأصوات اللغوية المنفردة "تسمى أيضًا فونات Phones" "انظر المبحث رقم٦" بواسطة أعضاء النطق الإنسانية. فالرئتان Iungs تقومان بوظيفة المنفاخ الذي يوفر التيار الهوائي الذي يعتبر المادة الخام لإنتاج الأصوات اللغوية، هذا التيار الهوائي يتجه إلى أعلى خلال القصبة الهوائية wind pipe ويواجه تضاريس مختلفة من التقبضات والانسدادات، وبمجرد أن يغادر الهواء الأوتار الصوتية vocal cords والحنجرة larynx يمكن له أن يتجه إما إلى الفم أو إلى الأنف اللذين يقومان بوظيفة حجرتي رنين resonating chamber. والأوتار الصوتية التي يمكن تحسسها بملس تفاحة آدم Adam's apple يمكن أن يغلق نهائيا وأن تتذبذب وأن تفتح نهائيا، فإذا أغلقت الأوتار الصوتية تماما تم أطلقت ينتج ما يسمى بالهمزة glottat stop، أو بداية تيار النفس الذي يمكن سماعه في تجمع ألماني مثل die Eier "وأحيانا في اللغة الإنجليزية حين النطق بكلمة "co-operate" حين الانتقال من "O" الأولى إلى الثانية. وقد توجد في نطق لهجي لكلمة مثل "bottle" حينما ينطق حرف الـ"T" كأنه همزة، ويكون الناتج صوتا مثل: "bo'le". فإذا توجه تيار الهواء إلى الفم تنتج الأصوات الفموية oral sounds, وإذا توجه إلى الأنف نتجت الأصوات الأنفية nasal sounds وحتى من قبل أن يصل تيار الهواء إلى الفم أو الأنف من الممكن إنتاج بعض الأصوات اللغوية داخل التجويف الحلقي. وإن مثل هذه
стр. 74
الأوسط فيقابل نقطة الالتقاء بين الطبق وما يسمى بالغار أو وسط الحنك الصلب hard palate. أما مقدمه فيقابل الغار، وأما طرفه فعادة ما يقابل الأسنان السفلي أو العليا. والشفتان تليان اللسان في القدرة على التحرك من بين أعضاء النطق، ويوجد كذلك اللهاة uyula التي يمكن أن تتذبذب بجريان النفس وينتج ما يعرف بالراء اللهوية الفرنسية "يمكن توضيح حركة اللهاة أيضًا بحركتها عند النحنحة الخفيفة". أما الأسنان، وسقف الحلق، والتجويف الأنفي فغير قابلة للحركة.
وإنها لحقيقة هامة تلك التي يقررها علم وظائف الأعضاء من أن تلك الأجزاء المسماة بأعضاء النطق ليست وظيفتها الأولى النطق، وأنها تؤدي وظائف أخرى أساسية في بقاء الكائن الحي مثل التنفس والأكل.
وعند إنتاج أصوات العلة ينفتح الفراغ الفموي بوجه عام، ويكون حرا، من العقبات بالقياس إليه عند إنتاج الأصوات الساكنة، ولكن -مع ذلك- يوجد شيء من الانقباض نتيجة وضع اللسان والشفتين، إن اللسان يمكن أن يرتفع من مقدمه، أو وسطه، أو جزئه الخلفي؛ والشفتين يمكن أن تنفتحا إلى أقصى أو أقل حد، وكذلك يمكن أن تستديرا "كما في وضع القبلة" أو تمتدا إلى الأمام. ومعنى هذا أن صوت العلة ربما وصف بأنه أمامي front، أو وسطي middle, أو central، أو خلفي back، تبعًا للجزء المرتفع من اللسان "الكسرة أمامية، والحركة في hat وسطية، والضمة خلفية" وصوت العلة كذلك يمكن أن يوصف بأنه عال high أو متوسط mid أو منخفض low على أساس مدى ارتفاع اللسان إلى أعلى، أو يوصف بأنه مفتوح open، أو نصف مفتوح half open أو ضيف close على أساسي درجة انفتاح الشفتين١.
стр. 75
وصوت العلة أخيرًا يمكن أن يوصف بأنه مستدير rounded، أو نصف مستدير half rounded، أو منبسط spread - على حسب وضع الشفتين (حرف الـ U في rule مستدير، و aw في awful نصف مستدير و a في hat غير مستدير، أو منبسط".
وعلى هذا يمكننا الآن أن نصف صوت العلة في machine كصوت أمامي منبسط عال "ضيق"، والصوت الفرنسي u في lune بأنه أمامي عال "ضيق" ولكنه مستدير ليس منبسطًا. أما u الإنجليزية في rule فهي خلفية مستديرة عالية "ضيقة". وأما a في father فهي متوسطة منبسطة منخفضة "مفتوحة". ولعل مما ينبغي ملاحظته أن بعضًا من هذه الإمكانيات الناتجة عن اجتماع ثلاث صفات متعددة لصوت العلة توجد في بعض اللغات، دون بعض "لا يوجد في الإنجليزية مثلا U أمامية عالية مستديرة مثل الفرنسية" ولكن من المهم أن نشير إلى أن النطق الصحيح لأي صوت غير مألوف لدى المتكلم يمكن إلى حد ما أن يتوصل إليه عن طريق وصفه الدقيق بثلاث كلمات موضحة من مثل تلك التي استعملناها فيما سبق بقصد توجيه المتكلم إلى مخرجه الدقيق حين إنتاجه. وهذه إحدى فوائد المصطلحات اللغوية العلمية الدقيقة.
ومن الناحية الصوتية فإن حرف العلة يتكون من صوت مفرد لا يصحبه تغيير في وضع الأعضاء النطقية، ولكن إذا تغير وضع الأعضاء النطقية خلال إنتاج الصوت، كما يحدث في الكلمات الإنجليزية sigh أو bone فإن الناتج يكون صوت علة مزدوجًا diphthng. ومن الممكن تعريفه بأنه تتابع مباشر لصوتي علة يوجدان في مقطع واحد فقط "من الممكن أن يعرف بأنه صوتا علة ينطقان في فترة زمنية لا تكفي إلا لنطق صوت واحد، وهذا التعريف وإن كان أقل علمية أكثر وضوحًا وتفهما" وهناك إلى جانب ذلك احتمال