← Сира

Сира · id 11425

مرويات غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

Полный текст (350 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وفيه: قال عمر بن الخطاب ﵁: "دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق"، قال النبي ﷺ : "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ١. قال النووي: "قوله ﷺ : "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، فيه ما كان عليه ﷺ من الحلم، وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد، خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه"، وكان ﷺ يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه ﷺ ، ويجاهدون معه، إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم٢. وقال ابن العربي: "قول النبي ﷺ : "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" هو إخبار عن وجه المصلحة في الإمساك عن قتلهم، لما يرجى من تأليف الكلمة بالعفو عنه، والاستدراك لما فاتهم في المستقبل من أمرهم توقعا لسوء الأحدوثة المنفرة عن القبول للنبي ﷺ والإقبال عليه"٣. وعند ابن إسحاق من طريق عاصم بم عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكرن ومحمد بن حبان، قال: كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث بتفاصيل الغزوة وفيه "فبينا رسول الله ﷺ على ذلك

стр. 177

الماء١ وردت واردة الناس، ومع عمر بن لخطاب أجير له، من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر٢ الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم: زيد بن أرقم غلام حدث، فقال: "أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب٣ قريش إلا كما قال الأول٤:سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: "هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموه بلادكم، وقاسمتموه أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم"، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول ﷺ ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوه، فأخبره، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: "مر به عباد بن بشر فليقتله"، فقال له رسول الله ﷺ : "فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا"، ولكن أذن بالرحيل، وذلك ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله٥ بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ ، حين بلغه أن

стр. 178

زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال: ولا تكلمت به - وكان شريفا عظيما - فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: "يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل"، حدبا١ على ابن أبي ابن سلول، ودفعا عنه، فلما استقل رسول الله ﷺ ، وسار لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: "يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة مبكرة، ما كنت تروح في مثلها"، فقال له رسول الله ﷺ : "أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ " قال: وأي صاحب يا رسول الله؟ قال: "عبد الله بن أبي"، قال: وما قال؟ قال: "زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: "يا رسول الله ارفق به٢، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا". ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي، إلى أن قال: "وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه"، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت ٣ له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري"٤.

стр. 179

"الحديث رجاله ثقات، ولكنه مرسل". وأورده ابن جرير الطبري من هذه الطريق نفسها١. وله شاهد عند ابن أبي حاتم من مرسل عروة بن الزبير، وعمر بن ثابت الأنصاري. وهو مرسل جيد كما قال ابن حجر٢. وهو أيضا عند ابن أبي شيبة من مرسل عروة وحده٣. وأصله في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله٤. وبهذا يكون الحديث حسنا لغيره. والحكمة ظاهرة من أمره ﷺ بالرحيل في وقت غير معتاد، وهي أن ترك مثل هذا الخبر ينتشر في الجيش يسبب بلبلة في الأفكار، ويثير القيل والقال مما ويصرف أذهان الجند الإسلامي إلى مهاترات كلامية، لا تحمد عقباها، فكانت مسيرة الجيش المتصلة ليلا ونهارا، مما أجهدهم، حتى وقعوا نياما، فمسح النوم العميق بعد النصب الشديد آثار الفتنة. وهذا منهج في سياسة الأمور ينبغي أن يسلكه القادة الراشدون في كل زمان ومكان.

стр. 180

المبحث الخامس: موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه ١- ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله أتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغنك عنه، فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا

стр. 181

أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار"، فقال رسول الله ﷺ : "بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا". وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري"١. ومن طريقه رواه ابن جرير الطبري وابن كثير٢. ٢- ما رواه الحميدي: حدثنا سفيان٣ قال: ثنا أبو٤ هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: "والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول رسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل"، قال: وجاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، وإن شئت أن آتيك برأسه، أتيتك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي"٥. ٣- ورواه الطبراني من طريق عروة بن الزبير ولفظه: أن عبد الله ابن عبد الله بن أبي استأذن النبي ﷺ أن يقتل أباه،

стр. 182

قال: "لا تقتل أباك"١. قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، إلا أن عروة بن الزبير لم يدرك عبد الله بن عبد الله بن أبي. قلت: وذلك لأن عبد الله بن عبد الله بن أبي، قتل في خلافة أبي بكر الصديق سنة اثنتي عشرة، كما ذكر ذلك ابن سعد وابن الأثير وابن حجر٢. وكانت ولادة عروة في خلافة عمر بن الخطاب٣. فتكون ولادته بعد وفاة عبد الله. ٤- ورواه البزار من حديث أبي هريرة ولفظه: قال: مر رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي وهو في ظل أطم٤، فقال، عبر علينا ابن أبي كبشة٥، فقال: ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، والذي أكرمك، لئن شئت أتيتك برأسه، فقال: "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته" ٦. قال الهيثمي: "رجاله ثقات". ٥- ما أورده ابن كثير بقوله: وذكر عكرمة٧ وابن زيد٨ وغيرهما أن

стр. 183

الناس لما قفلوا راجعين على المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبو عبد الله ابن أبي، قال له ابنه وراءك؟ فقال مالك ويلك؟ فقال: "والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ فإنه العزيز وأنت الذليل"، قلما جاء رسول الله ﷺ ، وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: "والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له"، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: "أما إذا أذن لك رسول الله ﷺ ، فجز الآن"١. قلت: وهو منقطع أيضا وذلك لما تقدم من أن وفاة عبد الله بن عبد الله بن أبي، كانت سنة اثنتي عشرة، وعكرمة أقل ما قيل في وفاته أنها سنة (١٠٤) وكان عمره ثمانين سنة، فتكون ولادته سنة أربع وعشرين بعد وفاة عبد الله باثنتي عشرة سنة٢، وبهذا تكون الأحاديث الأربعة منقطعة، ولكن بمجموعها يؤيد بعضها بعضا وترتقي إلى درجة الحسن لغيره. ويقويها ما رواه الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: "كنا في غزاة قال سفيان يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار". الحديث ... وفي آخره، وقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز ففعل. "هذا حديث حسن صحيح"٣. والحديث أخرجه الشيخان دون هذه الزيادة، وقد تقدم٤. ومجموع هذه الروايات المختلفة يبرز لنا موقفا صلبا قويا من مواقف العقيدة الإسلامية إذا

стр. 184

تمكنت من قلب المسلم ورسخت فيه، ذلك لأن بناء الشخصية الإسلامية على هذه العقيدة يخرج للبشرية نمطا فريدا من الناس يتحدون جميع الروابط والأواصر التي عهدها البشر في أعرافهم وتقاليدهم ومذاهبهم الاجتماعية، وتكون الآصرة الوحيدة في حياة المسلم هي آصرة العقيدة وحدها، ومن هنا نفهم ما ورد في التاريخ الإسلامي من رسوخ المسلم وثباته في وجه أبيه وأخيه الكافرين ولو أدى به ذلك إلى قتلهما، لأن أغلى شيء يملكه المسلم هو عقيدته، فإذا وقف في سبيل الدعوة إليها عرف اجتماعي أو رابطة قبلية أو مذاهب تقليدية، تحداها المسلم بعزم وإصرار. ومن ذلك هذا الموقف المشرف الذي وقفه عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه عبد الله بن أبي ابن سلول، حتى وصل به الأمر إلى مراودة الرسول ﷺ واستئذانه في قتله إن كان يحب ذلك. وليس في الدنيا مذهب يخلق هذا النوع الفريد من التفاني في سبيل المبدأ أو العقيدة وتلك معجزة عقيدة الإسلام التي يفتقر إليها الناس في كل زمان ومكان، وهي وحدها الكفيلة بسعادة البشرية ووحدتها وقوتها فما أحوجها إلى مثل هذا الغرس الطيب لينشأ جيل فريد في تصوره الإسلامي، وسلوكه العملي في واقع الحياة، لانتشال شباب الأمة الإسلامية من وهده الضلال إلى قمة العقيدة الإسلامية واستعلائها. ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [سورة آل عمران، من الآية: ١٣٩] . ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، [سورة المجادلة، الآية: ٢٢] . قال ابن كثير: "قوله ﴿وَلَو كَانُوا آبَاءَهم﴾ نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر. ﴿أَوْ أَبْنَاءَهَم﴾ نزلت في أبي بكر الصديق هم ﷺ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن،

стр. 185

﴿أَوْ إِخْوَانَهُم﴾ في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، ﴿أَوْ عَشِيْرَتَهُم﴾ في عمر بن الخطاب قتل قريبا له يومئذ. وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا: عقبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ وهو من عشيرتهم"١.

стр. 186

المبحث السادس: هبوب العاصفة في طريق العودة من المريسيع ذكر ابن إسحاق في حديثه الطويل الذي يرويه عن مشايخه: عاصم ابن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز، حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع١ يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبت ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ : "لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار"، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد ابن التابوت أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين، مات في ذلك اليوم، الحديث٢ ... والحديث عند ابن جرير الطبري من هذه الطريق٣. وكذا أورده ابن كثير من هذه الطريق أيضا، وزاد: وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي، ثم قال:

стр. 187

وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان١ عن جابر، نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين، قال: هبت ريح شديدة، والنبي ﷺ في بعض أسفاره، فقال: "هذه لموت منافق"، فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. انتهى٢. قلت: حديث مسلم المشار إليه هو: حدثني أبو كريب٣ محمد بن العلاء حدثنا حفص٤ (يعني بن غياث) عن الأعمش٥، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق"، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات٦. وأورده عبد بن حميد من هذه الطريق وسمى المنافق رافع بن التابوت وهذا نصه: حدثنا إبراهيم٧ بن الأشعث، ثنا فضيل٨ بن عياض عن سليمان٩، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ "كنا مع النبي صلى الله

стр. 188

عليه وسلم في سفر، فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله ﷺ : "هبت هذه الريح لموت منافق"، فلما رجعنا إلى المدينة وجدنا مات في ذلك اليوم منافق عظيم النفاق، فسمعت بعد يقولون هو رافع بن التابوت١. وأورده أحمد من ثلاث طرق: ١- من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. ٢ و ٣- ومن طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، وبين في طريق ابن لهيعة جهة السفر الذي عصفت فيه الريح. وهذا نص الحديث: حدثنا حسن٢، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر أنهم غزوا فيما بين مكة والمدينة، فهاجت عليهم ريح شديدة حتى دفعت الرجال، فقال رسول الله ﷺ : "هذا لموت المنافق"، فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق قد مات٣. وأورده الواقدي من ثلاث طرق أيضاً: أ- من طريق جابر بن عبد الله وهذا نصه: حدثني خارجة بن الحارث، عن عباس٤ بن سهل، عن جابر بن عبد الله قال: كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط، إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، قال جابر: فسألت حين قدمت قبل أن أدخل بيتي، من مات؟ فقالوا: زيد بن رفاعة بن التابوت. وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح٥.

стр. 189

ب- من حديث رافع بن خديج: حدثني عبيد الله١ بن الهرير عن أبيه٢، عن رافع بن خديج، قال: لما رجعنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بيننا يومنا وليلتنا الحديث طويل وفيه "ثم راح رسول الله ﷺ بالناس مبرداً، فنزل من الغد ماء يقال له نقعاء فوق النقيع، وسرح الناس ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها، وسألوا رسول الله ﷺ وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث وإنما بالمدينة الذراري والصبيان، وكانت بين النبي ﷺ وبين عيينة بن حصن مدة، فكان ذلك حين انقضائها، فدخلهم أشد الخوف، فبلغ رسول الله ﷺ خوفهم، فقال: "ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نقب ٣ إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا"، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم٤. ج- ومن حديث عبادة بن الصامت: حدثني عبد الحميد٥ بن جعفر

стр. 190

عن أبيه١ قال: قال عبادة بن الصامت٢ يومئذ لابن أبي: "أبا حباب٣، مات خليلك! ". قال: "أي أخلائي؟ " قال: "من موته فتح للإسلام وأهله"، قال: "من؟ " قال: "زيد بن رفاعة ابن التابوت". قال: "يا ويلاه، كان والله وكان! " فجعل يذكر٤، فقلت: "اعتصمت بالذنب الأبتر"٥، قال: "من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ " قلت: "رسول الله ﷺ أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة"، قال: "فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا"، قالوا: "وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهورهم"٦. مناقشة الأحاديث: حديث ابن إسحاق مرسل ورجاله ثقات.

стр. 191

وحديث مسلم وعبد بن حميد فيهما الأعمش وأبو سفيان، والأعمش مدلس وقد عنعن١، وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثانية من طبقات المدلسين وهي المرتبة التي احتمل الأئمة تدليسهم. وهذا نص كلامه: "الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة"٢. وقال النووي في تقريبه: "وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى"٣. وأما أبو سفيان: "فقال أبو خيثمة٤ عن ابن عيينة ووكيع عن شعبة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة"، وقال أبو حاتم٥: "عن شعبة أيضان لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، وكذا قال علي ابن المديني". قال ابن حجر: "ولم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر وأظنها التي عناها شيخه علي ابن المديني. منها حديثان في الأشربة والثالث في الفضائل حديث اهتز العرش - يعني لموت سعد بن معاذ - مقرونا بأبي صالح٦، والرابع في تفسير سورة الجمعة قرنه

стр. 192

بسالم بن أبي الجعد". انتهى كلام ابن حجر١. وعلى هذا فرواية أبي سفيان عن جابر بطريق الوجادة، وهي مختلف في الاحتجاج بها لأنها من قبيل المنقطع٢. ولكن قد تابعه أبو الزبير في جابر بن عبد الله وصرح بإخبار جابر له عند أحمد في مسنده٣. وبهذا يكون الحديث قد ورد مرسلا عند ابن إسحاق ورجاله ثقات ووصله مسلم وأحمد وعبد بن حميد والواقدي. فيكون حديث ابن إسحاق عندئذ حسنا لغيره.

стр. 193

الفصل الثالث: اختلاق المنافقين حادثة الإفك حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية. وقد تضمن حديث مسلم سياق القصة وبيانها أحسن بيان، وهذا نصه: حدثنا حبان١ بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يونس٢ بن يزيد الأيلي، ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومحمّد ابن رافع وعبد بن حميد، قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر٣، والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع، قال يونس ومعمر جميعا عن الزهري: أخبرني سعيد٤ بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة٥ بن وقاص

стр. 194

وعبيد الله١ بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا. وكلهم حدثني٢ طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه"، قالت عائشة: "فأقرع بيننا في غزوة غزاها٣ فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أنزل الحجاب٤، فأنا أحمل في هودجي٥، وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل". سبب تأخر عائشة عن الجيش: فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت

стр. 195

من شأني أقبلت إلى الرحيل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع١ ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني اتغاؤه، وأقبل الرهط٢ الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يهبلن٣ ولم يغشن٤

стр. 196

اللحم إنما يأكلن العلقة١ من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل٢ الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس٣ من وراء الجيش فادلج٤، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه٥ حين عرفني، فخمرت٦ وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني٧ كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش

стр. 197

بعد ما نزلوا موغرين١ في نحر الظهيرة٢، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول". انتشار الدعاية في المدينة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك٣، وهو يريبني٤ في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف٥ الذي كنت أرى منه

стр. 198

حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ ، فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذاك يربيني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت١ وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع٢، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف٣ قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه٤ وكنا نتأذى بالكنف٥ أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح٦، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن

стр. 199

عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح١ بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا٢ من شأننا. فعثرت٣ أم مسطح في مرطها٤ فقالت: "تعس٥ مسطح" فقلت لها: "بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا"٦؟!! قالت: "أي هنتاه٧ أولم تسمعي ما قال؟ " قلت: "وماذا قال؟ "

стр. 200

قالت: "فأخبرتني بقول١ أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت على بيتي فدخل رسول الله ﷺ ثم قال: "كيف تيكم؟ " قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت٢ أبوي فقلت لأمي: "يا أمتاه ما يتحدث الناس"، فقالت: "يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة٣ عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن٤ عليها"، قالت: "قلت: سبحان

стр. 201

الله! وقد تحدث الناس بهذا١؟ " قالت: "فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ٢ لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي". استشارة رسول الله ﷺ أصحابه عند تأخر نزول الوحي: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد حين استلبث٣ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم من نفسه لهم من الود فقال: "يا رسول الله هم أهلك٤ ولا نعلم إلا خيرا"،

стр. 202

وأما علي١ بن أبي طالب فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير٢، وإن تسأل الجارية تصدقك"، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: "طأي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " قالت له بريرة: "والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه٣ عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن٤، فتأكله" قالت: فقام رسول الله ﷺ علىالمنبر٥،فاستعذر٦ من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين

стр. 203

من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي١، فوالله٢ ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا٣ ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي"٤، فقام سعد ابن معاذ الأنصاري فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه٥، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك". آثار فتنة الإفك: قالت: فقام سعد٦ بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً٧ صالحا، ولكن اجتهلته٨ الحمية، فقال لسعد بن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا

стр. 204

تقدر على قتله"، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين"، فثار١ الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت٢، قالت وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة٣ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول٤ الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ ما قيل لي ما قيل.

стр. 205

مفاتحة الرسول ﷺ لعائشة وجوابها له: وقد لبث شهرا١ لا يوحى إليه في شأني بشيء، قال: فتشهد٢ رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا٣، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه"، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص٤ دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ ، فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول٥ لرسول الله ﷺ ، فقلت

стр. 206

لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ ، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت١، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن٢، إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر٣ في نفوسكم، وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني - ولئن اعترفت لكم بأمر- الله يعلم أني بريئة - لتصدقونني٤ - وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف٥

стр. 207

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ، [سورة يوسف، الآية: ١٨] ١. قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببرائتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى٢، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها". نزول الوحي ببراءة عائشة: قالت: فوالله ما رام٣ رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله على نبيه ﷺ ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء٤ عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان٥ من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت:

стр. 208

فلما سري١ عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري ٢ يا عائشة، أما والله فقد برأك الله"، فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد٣ إلا الله هو الذي برأني قالت: فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ، [عشر آيات من سورة النور: من الآية١١-٢٠] فأنزل الله هؤلاء الآيات ببراءتي قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله : ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ٢٢] . قال حبان بن موسى، قال عبد الله بن المبارك: "هذه أرجى آية في كتاب الله" فقال أبو بكر: "والله إني لأحب أن يغفر الله٤ لي"، فرجع إلى مسطح النفقة

стр. 209

التي كان ينفق عليه، وقال: "لا أنزعها منه أبدا"، قالت عائشة: "وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري، ما علمت أو ما رأيت"، فقالت: "يا رسول الله أحمي سمعي١ وبصري، والله ما علمت إلا خيرا"، قالت عائشة: "وهي التي كانت تساميني٢ من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع"٣. تورط حمنة بنت جحش وجماعة آخرين: وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال الزهري: "فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط". وقال في حديث يونس: "احتملته الحمية"٤. وحدثني أبو الربيع العتكي، حدثنا فليح٥ بن سليمان، ح وحدثنا الحسن٦ بن علي الحلواني، وعبد بن حميد قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح٧ بن كيسان كلاهما٨ عن الزهري، بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما.

стр. 210

وفي حديث فليح "احتملته الحمية"، كما قال معمر، وفي حديث صالح "احتملته الحمية"، كقول يونس. وزاد في حديث صالح: قال عروة: "كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: فإنه قال: "فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء". وزاد أيضا: قال عروة: قالت عائشة: "والله إن الرجل١ الذي قيل له ما قيل، ليقول سبحان الله، فو الذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط". قالت: "ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله". وفي حديث يعقوب بن إبراهيم "موعرين٢ في نحر الظهيرة". وقال عبد الرزاق: "موغرين". قال عبد بن حميد: "قلت لعبد الرزاق ما قوله موغرين؟ " قال: "الوغرة شدة الحر"٣. قلت: في الحديث الثاني الذي أورده مسلم (فليح بن سليمان) وهو كثير الخطأ. ولكن قد تابعه يونس ومعمر وصالح بن كيسان في الزهري.

стр. 211

الباب الثالث: في مسائل متعلقة بحديث الإفك الفصل الأول: الخائضون في الإفك وتنفيذ الحد المبحث الأول: التحقيق فيمن تولي كبر الإفك ... المبحث الأول: التحقيق فيمن تولى كبر الإفك إن الحق الذي لا مرية فيه ولا شبهة، أن الذي تولى كبر الإفك١ هو: عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وبذلك تظاهرت الروايات عن عائشة ﵂، وهي صاحبة القصة. فقد بوب البخاري بقوله: باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور الآية:١١] . ثم ساق بسنده: حدثنا أبو نعيم٢، حدثنا سفيان٣ عن معمر عن الزهري عن عروة، عن عائشة ﵂ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ ، [سورة النور، من الآية: ١١] . قالت: "

стр. 212

عبد الله بن أبي ابن سلول"١. وعنده أيضا من رواية صالح بن كيسان عن الزهري: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول"٢. وفي رواية فليح بن سليمان والليث عن يونس٣ عن الزهري: "وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول"٤. وعند مسلم من رواية يونس ومعمر كلاهما عن الزهري "وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول"٥. فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وما كنا بحاجة إلى الكلام في هذا وتثبيته بالأدلة والبراهين، بعد أن استفاض أن صاحب هذه المقالة الخبيثة هو عبد الله بن أبي ابن سلول، لولا ورود ما يشير إلى أن حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة ممن تولى كبره أيضا. وذلك أيضا فيما رواه البخاري ومسلم من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه٦ ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة٧.

стр. 213

وعند أحمد والطبري من رواية هشام المذكورة: "وكان الذين تكلموا فيه: المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره ومسطح وحسان وثابت"١. وورد عند البخاري ومسلم: حدثني محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي٢، أنبأنا شعبة٣، عن الأعمش٤ عن أبي الضحى٥ عن مسروق، قال: "دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بريبة ... وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل٦ قالت: "لست كذاك"٧. قلت: "تدعين مثل هذا يدخل عليك"، وقد أنزل الله ﴿والذي تولى كبره منهم﴾ . فقالت: "وأي عذاب أشد من العمى".

стр. 214

وقالت: "وقد كان يرد عن رسول الله ﷺ "لفظ البخاري١. قلت: الذي يظهر في هذا المقام أن الذي بدأ بالكلام في الإفك وكان يصول فيه ويجول هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يجمع الناس في بيته ممن هم على شاكلته في الخبث والنفاق وكان يذيع ذلك ويردده مع عصابته وأهل بيته، ولما انتشر الكلام في ذلك من قبلهم، وكانوا يتناقلونه فيما بينهم، أثر ذلك في بعض المؤمنين فانزلقوا معهم، وصاروا يتكلمون بذلك مع من تكلم، ويرددون قول الإفك والنفاق دون وعي وإدراك لما يقصده ابن أبي من وراء ذلك. فقد روى إسحاق بن راهويه: أخبرنا يحيى٢ بن آدم نا ابن أبي زائدة٣ وهو يحيى بن زكرياء عن محمد٤ بن عمرو عن يحيى٥ بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره عن عائشة قالت: لما قال أهل الإفك ما قالوا دخل علي رسول الله ﷺ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ هؤلاء الآيات وكان الذي تولى كبره الذي يجمعهم في بيته عبد الله بن أبي ابن سلول٦. وأورد الطبري الأحاديث التي يفهم منها أن حسان بن ثابت ومسطحا وحمنة ممن تولى كبر الإفك ثم عقب بقوله: "وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الإفك كان عبد الله بن أبي، وذلك أنه

стр. 215

لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن الذي بدأ بذكر الإفك وكان يجمع أهله ويحدثهم عبد الله بن أبي ابن سلول"١. وأورد عن ابن زيد أنه قال: "أما الذي تولى كبره منهم فعبد الله بن أبي ابن سلول الخبيث، هو الذي ابتدأ هذا الكلام، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها". وقال ابن القيم أثناء شرحه لقصة الإفك: "ولما قدم صفوان لعائشة، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة ورأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به، ووجد الخبيث عدو الله ابن أبي متنفسا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه فجعل يستحكي الإفك، ويستوشيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه"٢. وقال ابن كثير تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُم﴾ الآية. فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به، وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن إلى أن قال: " ... ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث". وقال ذلك مجاهد وغير واحد. ثم قال: "وقيل المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله ﷺ ، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ : "هاجهم ٣ وجبريل معك" ٤ انتهى.
следующие страницы →