أ- ما ثبت في الصحيح م رواية أبي عثمان١ النهدي عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن الصديق ﵄ أن أصحاب الصفة٢ كانوا ناسا فقراء، فذكر الحديث في قصة أضياف أبي بكر، وفيه قال: قال عبد الرحمن: إنما هو أنا وأمي وامرأتي وخادم بيتنا. الحديث٣ ...
وفي بعض طرقه عند البخاري في كتاب الأدب فلما جاء أبو بكر قالت له أمي: احتبست عن أضيافك. الحديث"٤ ...
وأم عبد الرحمن هي أم رومان لأنه شقيق عائشة، وعبد الرحمن إنما أسلم بعد سنة ست، وقد ذكر الزبير بن بكار من طريق ابن عيينة عن علي بن زيد أن إسلام عبد الرحمن كان قبل الفتح، وكان الفتح في رمضان سنة ثمان، فبان ضعف ما قال علي بن زيد في تقييده وفاة أم رومان بسنة ست، مع ما اشتهر من سوء حفظه في غير ذلك فكيف تعل به الروايات الصحيحة المعتمدة.
ب- ما رواه الإمام أحمد في مسنده أن عائشة ﵂ قالت: "لما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بي" فقال: "يا عائشة إني عارض عليك أمرا فلا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان" قالت: "قلت: يا رسول الله وما هو؟ " قال: " قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ... ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، [سورة الأحزاب، من الآيتان: ٢٨-٢٩] .
стр. 282
قالت: "فقلت: فإني أريد الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبا بكر وأم رومان، فضحك".
وهذا إسناد جيد، وأصله في الصحيحين١ بلفظ: "استأمري أبويك" ولم يسمهما، والتخيير كان في سنة تسع، والحديث دال على أن أم رومان كانت إذ ذاك موجودة، فبان وهم علي بن زيد ومن معه٢.
قلت: حديث أحمد المشار إليه هو: حدثنا محمد٣ بن بشر قال: ثنا محمد٤ بن عمرو ثنا أبو سلمة عن عائشة قالت: "لما أنزلت آية التخيير٥، قال: بدأ بعائشة فقال: "يا عائشة: إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتن٦ فيه
стр. 283
بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان"، قالت: "أي رسول الله وما هو؟ "
قال: " قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ "، [سورة الأحزاب، الآيتان: ٢٨-٢٩] .
قالت: "إني أريد الله ورسول والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان"، قالت: "فضحك النبي ﷺ ، ثم استقرأ١ الحجر" فقال: "إن عائشة قالت: كذا وكذا"، قال: "فقلن مثل الذي قالت عائش"٢.
قلت: الحديث رجاله رجال الجماعة إلا أن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص أخرج له البخاري مقرونا بغيره وتعليقا ومسلم في المتابعات، وهو حسن الحديث٣.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن اعتراض الخطيب ومن تبعه على البخاري في سماع مسروق من أم رومان يتلخص فيما يلي:
دعوى وفاة أم رومان في عهد الرسول ﷺ سنة ست أكثر تقدير.
أنه حصل تصحيف في الرواية فإن مسروقا كان يرسله فيقول: سئلت أم رومان فتصحف على بعضهم (سألت) .
стр. 284
اختلاط حصين١ بن عبد الرحمن الذي مدار الحديث عليه.
والجواب عن هذا أن يقال:
أما دعوى وفاة أم رومان في زمن النبي ﷺ سنة ست أو قبل ذلك فإنهم استندوا في ذلك على حديث علي بن زيد بن جدعان وفيه علتان: ضعف علي بن زيد والانقطاع بين القاسم بن محمد والرسول ﷺ لأن القاسم تابعي من كبار الثالثة كما هو معروف٢.
وعلى هذا فلا تقوم بالحديث حجة، كيف وقد عارضته أحاديث أخرى صحيحة ذكرت أن أم رومان كانت موجودة سنة تسع كما في قصة تخييره ﷺ بين نسائه، وذلك سنة تسع بالاتفاق، ذكر ذلك ابن حجر٣، وفي هذه القصة أن الرسول ﷺ عرض الأمر على عائشة وقال لها: لا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان، ولهذا جزم إبراهيم الحربي وأبو نعيم بأن وفاتها كانت بعد النبي ﷺ بزمن.
وأما دعوى التصحيف فإنها ضعيفة لأمرين:
الأول: أن في صحيح البخاري التصريح بالتحديث فدل على أن دعوى تصحيف سألت عن (سئلت) غير صحيحة.
الثاني: أن توهيم الثقات بدون حجة قاطعة باطل عند أهل العلم وهذا نوع من التوهيم بدون دليل.
стр. 285
وأما اختلاط حصين بن عبد الرحمن فيجاب عنه من أوجه:
أ- أن يكون البخاري أخرج له قبل اختلاطه ثم طرأ عليه الاختلاط بعد ذلك، وهذا هو المظنون بالبخاري.
ب- أن يكون البخاري أخرج له ما تأكد من حفظه له دون ما فيه شبهة الاختلاط، وهذا لا مانع منه لأن الممنوع في رواية المختلط ما كانت بعد اختلاطه أو لم تعرف هل هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده، وتحري البخاري ومعرفته بعلل الحديث يرشداننا إلى أنه لا يروي عن مختلط إلا ما حفظه وكان ثابتا فيه.
ج- ما أجاب به ابن حجر في مقدمة الفتح في سياق أسماء من طعن فيهم من رجال الصحيح، قال: "وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم".
وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي في ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن١ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: "هذا جاز القنطرة"، يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
стр. 286
قال الشيخ أبو الفتح١ القشيري في مختصره: "هكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك رواتهما"٢.
د- ما أجاب به ابن حجر أيضا عن الأحاديث المنتقدة جملة:
قال: "والجواب عنه على سبيل الإجمال أن نقول لا ريب في تقدم البخاري ثم مسلم على أهل عصرهما ومن بعده من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث وعنه أخذ البخاري ذلك، حتى كان يقول ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك كله فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري، يقول: دعوا قوله ما رأى مثل نفسه".
وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعا.
وروى الفربري٣ عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته.
وقال مكي٤ بن عبدان سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي
стр. 287
هذا على أبي زرعة١ الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته.
ثم قال ابن حجر: "فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون قوله معارضا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما فيندفع الاعتراض من حيث الجملة"٢ ا?.
وبهذا التقرير الذي سقناه عن ابن حجر وغيره يتضح أن البخاري مقدم على غيره، من علماء هذا الشأن، لا سيما الخطيب البغدادي ومن تبعه، فيما أخرجه في كتابه الصحيح من المتون وفيمن أخرج لهم من الرواة، وذلك لتقدم البخاري في هذا الفن ودقة فهمه فيه، وبوجه أخص إذا نظرنا إلى مستند الخطيب ومن وافقه في توهيم البخاري، نجدهم استندوا إلى حجة ضعيفة وقد سبق بيان ضعفها، فبان رجحان قول البخاري هنا في سماع مسروق من أم رومان على قول الخطيب وموافقيه، والله أعلم.
стр. 288
الباب الرابع: الأحكام والعبر المستنبطة من غزوة المريسيع
الفصل الأول: الأحكام المستنبطة من غزوة المريسيع
المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الإسلام قبل بدء القتال
...
المبحث الأول: حكم الدعوة إلى الإسلام قبل بدء القتال
إن النصوص تدل بظاهرها على أن المدعوين قبل القتال على قسمين:
القسم الأول: قوم لم تبلغهم الدعوة، فهؤلاء تجب دعوتهم قبل قتالهم حتى تقوم عليهم الحجة، ويدل لذلك حديث ابن عباس ﵄ قال: "ما قاتل رسول الله ﷺ قوما قط حتى دعوهم"١، وحديثه أيضا في بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه، عبادة الله" الحديث٢ ...
القسم الثاني: قوم بلغتهم الدعوة وعلموا بها، فهؤلاء تستحب دعوتهم
стр. 289
من باب التأكيد وزيادة في إقامة الحجة عليهم، وتجوز الإغارة عليهم، بغتة، بدون تجديد دعوة لهم، اكتفاء بالدعوة السابقة التي قد بلغتهم، ويدل لذلك حديث ابن عمر ﵄ "أن رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء"، الحديث١ ...
وحديث الصعب بن جثامة الليثي أن النبي ﷺ قيل له: لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين، قال: "هم من آبائهم"، وفي لفظ: "إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين"، قال: "هم منهم"، وفي لفظ: سئل٢ النبي ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم" ٣ وقد تقدم ذلك مفصلا في محله٤.
стр. 290
المبحث الثاني: مشروعية قسمة الغنائم بين المقاتلين
ورد في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قسم سبايا بني المصطلق وأن جويرية بنت الحارث وقعت في سهم ثابت بن شماس أو ابن عم له. الحديث١ ...
وفي حديث أبي سعيد الخدريس ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله
стр. 291
صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل".الحديث١ ...
وقد بينت الأحاديث الأخرى كيفية القسمة.
فعند البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ : "جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما" ٢.
وفي لفظ: "قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما"، قال٣: "فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإذا لم يكن له فرس فله سهم"٤.
وأورده مسلم بلفظ: "أم رسول الله ﷺ قسم في النفل٥ للفرس سهمين وللرجل سهما"٦.
وعند أبي داود: أن رسول الله ﷺ : "أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه"٧.
والأحاديث صريحة في أن للفرس سهمين ولصاحبه سهما، فيكون للفارس ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان لفرسه، وللراجل سهم واحد.
وبهذا قال الجمهور من العلماء لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في
стр. 292
ذلك. وخالف الأحناف فقالوا: للفارس سهمان فقط سهم له وسهم لفرسه، واحتجوا بما رواه أبو داود من حديث مجمع١ بن جارية الأنصاري أن رسول الله ﷺ : "أعطى للفارس سهمين وأعطى الراجل سهما" ٢.
وقد أجاب ابن حجر عن هذا الحديث بأن في إسناده ضفعا٣ ثم قال: "ولو ثبت فيكون معناه: أسهم للفارس بسبب فرسه سهمين، غير سهمه المختص به".
وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ومسنده بهذا الإسناد فقال: (للفرس) .
ثم قال ابن حجر: "وللنسائي٤ من حديث الزبير "أن النبي ﷺ ضرب له أربعة أسهم وسهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته"٥.
والقول الراجح في هذا هو ما ذهب إليه الجمهور لقوة أدلتهم في ذلك.
стр. 293
المبحث الثالث: صحة جمع العتق صداقا
...
المبحث الثالث: صحة جعل العتق صداقا
تقدم في حديث عائشة ﵂ أن جويرية بنت الحارث ابن أبي ضرار وقعت في سهم ثابت بن قيس أو ابن عم له، فكاتبته على
стр. 294
نفسها وجاءت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، فقال لها رسول الله ﷺ : "هل لك في خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك"، قالت: قد فعلت١.
وعند الطحاوي: حدثنا أحمد٢ بن داود قال: حدثنا يعقوب٣ بن حميد قال: ثنا سليمان٤ بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد عن ابن عون٥ قال: كتب إليَّ نافع أن النبي ﷺ أخذ جويرية في غزوة بني المصطلق، فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، أخبرني بذلك عبد الله ابن عمر، وكان في ذلك الجيش.
ثم قال الطحاوي: "فقد روي هذا عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ كما ذكرنا، ثم قال هو من بعد النبي ﷺ في مثل هذا، أنه يجدد لها صداقا.
حدثنا بذلك سليمان٦ بن شعيب، قال: ثنا الخصيب٧، قال: ثنا
стр. 295
حماد بن سلمة عن عبيد الله١، عن نافع عن ابن عمر مثل ذلك. فهذا عبد الله بن عمر ﵄ قد ذهب إلى أن الحكم في ذلك بعد رسول الله ﷺ على غير ما كان لرسول الله ﷺ .
فيحتمل أن يكون ذلك سماعا سمعه من النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون دله على ذلك المعنى الذي استدللنا به نحن على خصوصية رسول الله ﷺ في ذلك٢ بما وصفنا دون الناس"٣.
قلت: هذا الحديث الذي أيد به الطحاوي الخصوصية لا ينهض لفصل النزاع وذلك للاحتمال الموجود فيه. وحديثه الأول٤ صريح في أن النبي ﷺ أعتق جويرية وجعل عتقها صداقها. والأصل في ذلك الإقتداء به ﷺ في ذلك حتى تثبت الخصوصية، وهذا الحديث فيه الاحتمال المذكور يبطل الاستدلال، بخلاف جعل العتق صداقا فإن الأحاديث صريحة في ذلك.
فعند البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والطحاوي: "أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها"٥.
стр. 296
وفي لفظ عند البخاري: "سبي النبي ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها فقال ثابت١ لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها فأعتقها"٢.
وفي لفظ عند مسلم: "تزوج صفية وأصدقها عتقها"٣.
وفي لفظ عند البخاري من حديث أنس أيضا قال: صلى النبي ﷺ الصبح قريبا من خيبر بغلس، ثم قال: "الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". الحديث ...
وفيه: "وكان في السبي صفية، فصارت إلى دحية٤ الكلبي، ثم صارت إلى النبي ﷺ ، فجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز٥ بن صهيب لثابت: يا أبا محمد أنت قلت لأنس: ما أصدقها؟ فحرك ثابت رأسه تصديقا له"٦.
ولفظ مسلم أن دحية قال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: "يا نبي أله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيد قريظة والنضير ما تصلح إلا لك" قال: "ادعوه بها" قال: فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها"، قال: "وأعتقها وتزوجها" فقال ثابت: "يا أبا حمزة٧: ما أصدقها" قال: "نفسها أعتقها وتزوجها"٨.
стр. 297
فهذه الألفاظ كلها صريحة في صحة جعل العتق صداقا، ومع هذا كله فقد صرفها بعض العلماء عن ظاهرها وأولها بتأويلات بعيدة فيها تكلف، من تلك التأويلات: دعوى الخصوصية لرسول الله ﷺ ، كما تقدم في قول الطحاوي١، ومنها أنه ﷺ لما أعتقها وجبت له عليها قيمتها فصح به العقد. ومنها أن هذا شيء قاله أنس بن مالك من قبل نفسه، لما لم يعلم أن رسول الله ﷺ ساق صداقا ... الخ.
والذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة بالذات هو العمل بنا نصت عليه الأحاديث وهي صريحة في هذا، لأن الأصل عدم الخصوصية، ولأن الراوي أعرف بتأويل ما روى، فما كان لأنس أن يقول شيئا من قبل نفسه، لا سيما أنه قد ورد عند الطبراني٢ وأبي الشيخ٣ عن صفية نفسها قالت: "أعتقني وجعل عتقي صداقي"٤.
وهذا يوافق ما قاله أنس ﵁، وصاحب القصة أدرى بها من غيره.
وقد تعرض لهذه المسألة ابن القيم في زاد المعاد أثناء كلامه على الأحكام الفقهية في غزوة خيبر وأيد القول بصحة جعل العتق صداقا، ورد على القائلين بغيره.
وهذا نص كلامه: "ومنها٥ جواز عتق الرجل أمته، وجعل عتقها صداقا لها، ويجعلها زوجته بغير إذنها ولا شهود ولا ولي غيره، ولا لفظ إنكاح ولا
стр. 298
تزويج، كما فعل رسول الله ﷺ بصفية، ولم يقل هذا قط خاص بي، ولا أشار إلى ذلك مع علمه بإقتداء أمته به، ولم يقل أحد من الصحابة إن هذا لا يصلح لغيره، بل رووا القصة ونقلوها إلى الأمة ولم يمنعوهم، ولا رسول الله ﷺ من الإقتداء به في ذلك، والله سبحانه لما خصه في النكاح بالموهوبة قال: ﴿خَالَصَةً لَّكَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينِ﴾ فلو كانت هذه خالصة له دون أمته لكان هذا التخصيص أولى بالذكر لكثرة ذلك من السادات مع إمائهم، بخلاف المرأة التي تهب نفسها للرجل لندرته وقلته أو مثله في الحاجة إلى البيان، ولا سيما والأصل مشاركة الأمة له، وإقتداؤها به، فكيف سكت عن منع الإقتداء به في ذلك الموضع الذي لا يجوز مع قيام مقتضى الجواز؟ هذا شبه المحال، ولم تجتمع الأمة على عدم الإقتداء به في ذلك، فيجب المصير إلى إجماعهم وبالله التوفيق".
ثم أيد بالقياس الصحيح أيضا فقال: والقياس الصحيح يقتضي جواز ذلك، فإنه يملك رقبتها ومنفعة وطئها وخدمتها، فله أن يسقط حقه من ملك الرقبة، ويستبقي ملك المنفعة أو نوعا منها، كما لو أعتق عبده وشرط عليه أن يخدمه ما عاش، فإذا أخرج المالك رقبة ملكه، واستثنى نوعا من منفعته لم يمنع من ذلك في عقد البيع، فكيف يمنع منه في عقد النكاح؟.
ولما كانت منفعة البضع لا تستباح إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، وكان إعتاقها يزيل ملك اليمين عنها كان من ضرورة استباحة هذه المنفعة
جعلها زوجة وسيدها كان يلي نكاحها وبيعها ممن شاء بغير رضاها، فاستثنى لنفسه ما كان يملكه منها.
ولما كان من ضرورته١ عقد النكاح ملكه لأن بقاء ملكه المستثنى لا يتم إلا
стр. 299
به، فهذا محض القياس الصحيح الموافق للسنة الصحيحة، والله أعلم١.
стр. 300
المبحث الرابع: مشروعية القرعة بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن
إن من عدالة الإسلام وسماحته ومراعاة للحقوق الإنسانية، أن المرء إذا كان لديه أكثر من زوجة فإنه يأمره ويطالبه العدل بينهن في المأكل والمشرب والملبس والمبيت لأن لكل واحدة منهن حقا، ومن ثم فإنه إذا أراد السفر ببعضهن أرشده الإسلام إلى القرعة بينهن ليكون ذلك أدعى إلى رضى الجميع وعدم وقوع بغضاء وشحناء بينهن لأنه لو اختار واحدة منهن بدون قرعة لكان في ذلك شقاق ونزاع مع بقية الزوجات، لاستوائهن في هذا لحق، فكانت القرعة حاسمة لهذا كله.
ولما كانت غزوة بني المصطلق أقرع رسول الله ﷺ بين نسائه كعادته فأصابت القرعة عائشة فخرج بها ﷺ معه، ودلت الأحاديث الصحيحة أن عائشة ﵂ خرجت وحدها في هذه الغزوة ولم تخرج معه ﷺ امرأة سواها، وأما ما ورد من خروج أم سلمة في هذه الغزوة أيضا فإنه لا يصح.
فعند ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة عن نفسها، حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع
стр. 301
بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله ﷺ "١.
وعند البزار من حديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق". الحديث ...
قال الهيثمي: "رواه البزار وفيه محمد بن عمرو٢ وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات٣ ونسبه السيوطي للبزار وابن مردويه وقال بسند حسن"٤.
وبوب البخاري بقوله: "باب حمل الرجل امرأته في الغزوة دون بعض نسائه"، ثم ذكر طرفا من حديث عائشة في قصة الإفك وهو "كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي ﷺ . فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع النبي ﷺ بعدما أنزل الحجاب"٥.
قال ابن حجر: "قوله باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه "ذكر فيه طرفا من حديث عائشة في قصة الإفك وهو ظاهر فيما ترجم له، وسيأتي شرح حديث الإفك تاما في التفسير، وفيه التصريح بأن حمل عائشة معه كان بعد القرعة بين نسائه"٦. اهـ.
قلت: ومعلوم أن قصة الإفك كانت في غزوة بني المصطلق، وبهذا التقرير يتضح أن عائشة كانت وحدها في غزوة بني المصطلق، ولذا فقد قال ابن حجر
стр. 302
أثناء شرحه لحديث الإفك: "قوله: (فخرج سهمي) ، هذا يشعر بأن عائشة كانت في تلك الغزوة وحدها، لكن عند الواقدي١ من طريق عباد بن عبد الله عن عائشة أنها خرجت معه في تلك الغزوة أيضا أم سلمة، وكذا في حديث ابن عمر، وهو ضعيف"٢.
ثم قال: "ولم يقع لأم سلمة في تلك الغزوة ذكر، ورواية ابن إسحاق٣ من رواية عباد ظاهرة في تفرد عائشة بذلك، ولفظه "فخرج سهمي عليهن، فخرج بي معه"٤.اهـ. وأما حكم العمل بالقرعة فالجمهور من العلماء على القول بذلك.
والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبارها٥. والأحاديث ترد عليهم فإنها صريحة في ذلك.
стр. 303
المبحث الخامس: جواز خروج النساء في الغزوات وغيرها
تقدم في حديث الإفك عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ بعد ما أنزل الحجاب".الحديث١ ...
стр. 304
وفي حديث الربيع١ بنت معوذ عند البخاري قالت: "كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقي القوم نخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلى المدينة"٢.
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم٣ ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيسقين الماء ويداوين الجرحى"٤.
وعند البخاري ومسلم من حديث أنس أيضا قال: "لما كان يوم أحد انهزم ناس من الناس عن النبي ﷺ " الحديث....
وفيه: "ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان٥ أرى خدم٦ سوقهما تنقلان القرب على متونهما٧ ثم تفرغانه في أفواههم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان تفرغانه في أفواه القوم" الحديث٨ ...
стр. 305
وفي حديث أم عطية١ الأنصارية ﵂ قالت: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى"٢.
وفي هذه النصوص تبرز بوضوح كامل قيمة المرأة في المجتمع المسلم، فإنها فيه عضو فعال، فها هي الأحاديث الصحيحة تصرح بأن المرأة على عهد رسول الله ﷺ تشارك في الحرب، كما أنها في السلم سيدة البيت ومربية أجيال، فليس في الإسلام حظر للمرأة أن تشارك الجيش أعباءه في القتال، بل في ذلك حث لها على سقي الماء ومداواة الجرحى وتمريض المرضى، وأكثر من ذلك فقد ورد في حديث أنس بن مالك، أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها فرآها أبو طلحة٣ فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله ﷺ : "ما هذا الخنجر"، قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين، بقرت به بطنه، فجعل رسول الله ﷺ يضحك، قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا٤ من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ : يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن ٥.
ولكن كل ذلك مقيد بقيود الإسلام وشروطه التي تهدف إلى صيانة المرأة عن الابتذال والسفور، والخروج عن حد الاعتدال، لتكون لقمة سائغة لكل جسد شهواني، كما تدعو إليه حضارة الغرب والشرق اليوم، ويقلدهم في ذلك أذنابهم من أبناء المسلمين، الذين اغتروا بهذه الدعايلت الزائفة، التي يروجها
стр. 306
دعاة الباطل والإلحاد، بغية الانجراف في تياراتهم المنحرفة الضالة، التي تهدف إلى خلخلة البناء الإسلامي من أساسه الأول وهو الأسرة، وقوام الأسرة في الإسلام، هو المرأة المسلمة، فإذا خرجت وانتهكت الحرمات، وتبرجت تبرج الجاهلية الأولى، فقد وصل دعاة تحرير المرأة إلى مبتغاههم الخبيث.
فنسأل الله أن يرزق المسلمين البصيرة في دينهم، والتنبه لمخاطر أعدائهم، وما يدبرونه لهم من مكايد.
стр. 307
المبحث السادس: ثبوت إقامة الحد على القاذفين
تقدم الحديث الوارد في ذلك عند أصحاب السنن وأحمد وغيرهم من حديث عائشة ﵂. ومن حديث أبي هريرة ﵁، وهو أن رسول الله ﷺ لما نزل القرآن ببراءة عائشة، أمر بحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، فضربوا حدهم.
والخلاف في عبد الله بن أبي ابن سلول فالأكثر على أنه لم يقم عليه حد، وقد تقدم تحقيق ذلك في مبحث إقامة الحد على القاذفين١
стр. 308
المبحث السابع: جواز استرقاق العرب
إن الأحاديث الواردة في ذلك من الكثرة والشهرة بمكان، وهو أمر معلوم في عهد رسول الله ﷺ وصحابته من بعده.
وسأقتصر على إيراد الأحاديث الواردة في غزوة بني المصطلق وهي:
أولاً: حديث عبد الله بن عمر عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياق مسلم قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي حدثنا سليم بن أخضر عن ابن عون
стр. 309
قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ" قال يحيى: أحسبه قال (جويرية) أو قال البتة١ ابنة الحارث. وحدثني هذا الحديث عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش ثم قال مسلم: وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون بهذا الإسناد مثله وقال: "جويرية بنت الحارث ولم يشك"٢.
ثانياً: حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل". الحديث٣ ...
ثالثاً: حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها" الحديث ...
وفيه "فلقد أعتق بتزويجه مائة من أهل بيت بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها"٤.
وبهذه الأحاديث وغيرها قال جمهور العلماء بجواز استرقاق العرب كغيرهم من سائر الكفار من الأعاجم من يهود ونصارى وغير ذلك.
وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ملك من العرب رقيقا فوهب وباع
стр. 310
وجامع وفدى وسبى الذرية"، ثم أورد جملة أحاديث منها حديث عبد الله بن عمر وحديث أبي سعيد١ قال ابن حجر: "هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف في استرقاق العرب، وهي مسألة مشهورة، والجمهور على أن العربي إذا سبى جاز أن يسترق، وإذا تزوج أمة بشرطه كان ولدها رقيقا".
وذهب الأوزاعي٢ والثوري٣ وأبو ثور إلى أن على سيد الأمة تقويم الولد ويلزم أبوه بأداء القيمة ولا يسترق الولد أصلا. وقد جنح المصنف إلى الجواز، وأورده الأحاديث الدالة على ذلك. الخ٤.
وقال الشافعي: "وإذا قوتل أهل الحرب من العجم جرى السبا على ذراريهم ونسائهم ورجالهم لا اختلاف في ذلك وإذا قوتلوا وهم من العرب، فقد سبا رسول الله ﷺ بني المصطلق وهوازن وقبائل من العرب، وأجرى عليهم الرق، حتى من عليهم بعد. فاختلف أهل العلم بالمغازي، فزعم بعضهم أن النبي ﷺ لما أطلق سبي هوازن قال: "لو كان تاما على أحد من العرب سبي لتم على هؤلاء، ولكنه أسار وفداء"، فمن أثبت هذا الحديث زعم أن الرق لا يجري على عربي بحال، وهذا قول الزهري وسعيد٥ بن المسيب والشعبي ويروى عن عمر بن الخطاب، وعمر٦ بن
стр. 311
عبد العزيز، ثم قال: أخبرنا سفيان١ عن يحيى٢ بن يحيى الغساني عن عمر بن عبد العزيز، قال: وأخبرنا سفيان عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "لا يسترق عربي".
قال الربيع٣: "قال الشافعي ولولا أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا" ... ثم قال: "وأخبرنا ابن أبي ذئب٤ عن الزهري عن ابن المسيب أنه قال في المولى ينكح الأمة يسترق ولده، وفي العرب ينكحها لا يسترق ولده، وعليه قيمتهم".
قال الربيع: "رأى الشافعي أن يأخذ منهم الجزية وولدهم رقيق ممن دان دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان" ثم قال الشافعي: "ومن لم يثبت الحديث عن النبي ﷺ ذهب إلى أن العرب والعجم سواء، وأنه يجري عليهم الرق حيث جرى على العجم".انتهى كلام الشافعي٥.
قلت: الحديث لم يثبت كما بين ذلك البيهقي والشوكاني قال البيهقي: بعد أن أورد كلام الشافعي هذا: "وأما الرواية فيه عن النبي ﷺ ، فإنما ذكرها الشافعي - في القديم عن محمد بن عمر الواقدي٦، عن موسى بن
стр. 312
محمد بن غبراهيم بن الحارث عن أبيه عن السلولي١ عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم حنين: "لو كان ثابتا ٢ على أحد من العرب سباء بعد اليوم لثبت على هؤلاء، ولكن إنما هو أسار وفداء".
وهذا إسناد ضعيف لا يحتج بمثله.
وأما الرواية فيه عن عمر بن الخطاب ﵁ فهي رواية منقطعة٣.
ثم قال: وجريان الرق على سبايا بني المصطلق وهوازن صحيح ثابت، والمن عليهم بإطلاق السبايا تفضل.
ثم أورد حديث أبي سعيد الخدري وحديث عائشة٤، وأحاديث أخرى تؤيد القول بجواز استرقاق العرب٥.
стр. 313
قلت: وفي الحديث علة أخرى غير الواقدي، وهو موسى بن محمد ابن إبراهيم بن الحارث التيمي وهو منكر الحديث١.
وأورد الشوكاني حديث معاذ الآنف الذكر ثم قال: فيه الواقدي وهو ضعيف جدا ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها يزيد٢ بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي. ومثل هذا لا تقوم به حجة٣.ا?ـ.
قلت: وأورد مجد الدين ابن تيمية٤ حديث ابن عمر في الإغارة على بني المصطلق وسبي ذراريهم، ثم قال عقبه: وهو دليل على استرقاق العرب٥. وبوب في موضع آخر من المنتقى بقوله: "باب جواز استرقاق العرب".
ثم أورد أحاديث تؤيد ما بوب عنه، ومنها حديث عائشة ﵂ في وقوع جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس أو ابن عم له.
وقال عقبه: "رواه أحمد٦ واحتج به في رواية محمد بن الحكم"٧، وقال: "لا أذهب إلى قول عمر: ليس على عربي ملك، قد سبى النبي ﷺ العرب في غير حديث وأبو بكر وعلي حين سبى بني ناجية"٨.
قال الشوكاني: "استدل المصنف بأحاديث الباب على جواز استرقاق
стр. 314
العرب، وإلى ذلك ذهب الجمهور، كما حكاه الحافظ في كتاب العتق من فتح الباري. ثم قال الشوكاني: وبنو ناجية من قريش"١.
وخلاصة القول في هذا هو جواز استرقاق العرب لا فرق بين ذكورهم وإناثهم وهو قول جمهور العلماء٢.
стр. 315
المبحث الثامن: حكم من قذف عائشة ﵂ بما برأها الله منه
...
المبحث الثامن: حكم من قذف عائشة ﵂
قال ابن تيمية في الصارم المسلول تحت عنوان: حكم من سب عائشة:
"قال القاضي١ أبو يعلى: من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف. وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد. وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم. ثم ذكر بعض الوقائع التي قتل فيها من رماها ﵂ بعد نزول القرآن ببراءتها"٢.
وقال ابن القيم: "اتفقت الأمة على كفر قاذفها"٣.
وقال ابن كثير - تحت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور الآية: ٢٣] :
стр. 316
"أجمع العلماء قاطبة على أن من سب عائشة ﵂ بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن"١.
وقال بدر الدين الزركشي: "من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها"٢.
وقال السيوطي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ، [سورة النور، من الآية: ١١] الآيات: قال: "نزلت في براءة عائشة فيما قذفت به، فاستدل به الفقهاء على أن قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن، قال العلماء: قذف عائشة كفر لأن الله سبح نفسه عند ذكره٣، فقال: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد٤.
وقال النووي أثناء تعداد فوائد حديث الإفك: "الحادية والأربعون: براءة عائشة من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله- صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين، قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهذا إكرام من الله تعالى لهم"٥.
стр. 317
المبحث التاسع: حكم العزل
ورد في حديث أبي سعيد الخدري من طريق ابن محيريز١ أنه قال: "دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري، فجلست إليه، فسألته عن العزل٢، قال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟! فسألناه عن ذلك فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" هذا لفظ البخاري في المغازي وفي كتاب العتق نحو هذا٣.
وفي كتاب النكاح: عن ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبيا فكنا نعزل، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "أو إنكم لتفعلون؟ " - قالها ثلاثا - ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة"٤.
وفي كتاب القدر عن عبد الله بن محيريز الجمحي أن أبا سعيد الخدري أخبره أنه بينما هو جالس عند النبي ﷺ جاءه رجل٥ من الأنصار فقال: يا رسول الله إنا نصيب سبيا ونحب المال، كيف ترى في العزل؟
стр. 318
فقال رسول الله ﷺ : "أو إنكم تفعلون ذلك؟ لا عليكم إلا تفعلوا فإنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا هي كائنة" ١.
وحديث أبي سعيد هذا أورده مسلم بألفاظ متعددة٢.
وهو أيضا عند أبي داود والنسائي وابن ماجة وأحمد٣.
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينْزل"، لفظ البخاري وابن ماجة٤،وزاد مسلم: "لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن"٥.
وفي لفظ عند مسلم من حديث جابر أيضا "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك نبي الله ﷺ فلم ينهنا"٦.
وفي لفظ قال جابر: سأل رجل النبي ﷺ فقال: إن عندي جارية لي وأنا أعزل عنها، فقال رسول الله ﷺ : "إن ذلك لن يمنع شيئا أراده الله"، قال فجاء الرجل فقال: يا رسول الله إن الجارية التي كنت ذكرتها لك حملت، فقال رسول الله ﷺ : "أنا عبد الله ورسوله" ٧.
وهذه الأحاديث التي ظاهرها جواز العزل، ورد ما يعارضها فعند مسلم وأحمد من حديث جدامة٨ بنت وهب قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه
стр. 319
وسلم في أناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة١، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا"،ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله ﷺ : "ذلك الوأد الخفي" زاد عبيد الله في حديثه عن المقرئ٢: وهي ﴿وَإِذَا المُوْؤُودَةُ٣ سُئِلَت﴾ ٤.
وبسبب هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض اختلف العلماء في حكم العزل. فذهب ابن حبان وابن حزم إلى تحريمه أخذا بحديث جدامة هذا وما في معناه.
وعلل ابن حزم ذلك بأن الأحاديث الدالة على الإباحة، متمشية مع أصل الإباحة، وحديث حدامة دال على التحريم، فصح أن حديثها ناسخ لجميع الإباحات المتقدمة التي لا شك في أنها قبل البعث وبعد البعث، وهذا أمر متيقن، لأنه إذا أخبر ﵊ أنه الوأد الخفي، والوأد محرم، فقد نسخ الإباحة المتقدمة بيقين، فمن ادعى أن تلك الإباحة المنسوخة قد عادت، وأن النسخ المتيقن قد بطل فقد ادعى الباطل، وقفى ما لا علم له به، وأتى بما لا دليل عليه.
وأيد ذلك بما ورد في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم٥
стр. 320
قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: "لا عليكم ألا تفعلوا ذلك فإنما القدر"، قال ابن سيرين١ - قوله: "لا عليكم أقرب إلى النهي"٢.
وذهب الجمهور إلى جواز العزل عن الزوجة الحرة بإذنها وعن السرية بدون إذن والخلاف في الزوجة المملوكة هذا أقرب الأقوال في هذه المسألة والخلاف طويل بين العلماء، واستدل الجمهور على الجواز بالأحاديث المتقدمة التي ظاهرها الجواز. وأجابوا عن حديث جدامة وما في معناه بأن النهي فيها محمول على كراهة التنزيه - وأجيب عن قوله في حديث جدامة "ذلك الوأد الخفي" أنه ليس صريحا في التحريم، لأن التحريم للوأد المحقق الذي هو قطع حياة محققة، والعزل وإن شبهه ﷺ به فإنما هو قطع لما يؤدي إلى الحياة والمشبه دون المشبه به، وإنما سماه وأدا لما تعلق به من قصد منع الحمل.
وهناك أجوبة أخرى فيها أخذ ورد فلا نطيل الكلام فيها ونكتفي بالإشارة إلى أماكنها لمن أراد الوقوف عليها٣.
وخلاصة القول في هذا الباب هو جواز العزل وأحاديث جابر بن عبد الله على اختلاف ألفاظها صريحة في جواز ذلك وأصرح منها حديثه عند مسلم وأبي داود ولفظه: أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل فقال: "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها"، فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها"٤.