← Сира

Сира · id 11425

مرويات غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع

إبراهيم بن إبراهيم قريبي

Полный текст (350 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "بل هو الأقوى من حيث نقل الرواية، وقد ذكر عياض أن النسفي١رواه عن البخاري بلفظ: (مسيئا) ". وقال: "وكذلك رواه أبو علي بن السكن عن الفربري". وقال الأصيلي٢ بعد أن رواه بلفظ: " (مسلما) : كذا قرأناه والأعراف غيره"٣. قلت: وقد أورد صاحب (الدر المنثور) ما يقوي لفظ: (مسيئا) . قال: أخرج البخاري٤ وابن المنذر والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في (الدلائل) عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم علي، فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة تقول: "الذي تولى كبره عبد الله بن أبي". قال: "فقال لي فما كان جرمه قلت: حدثني شيخان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنهما سمعا عائشة تقول: "كان مسيئا في أمري"٥. وقد بينت رواية ابن مردويه سبب هذه المقالة الصادرة من الوليد قال الزهري: كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي وهو يقرأ سورة النور، مستلقيا، فلما بلغ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ

стр. 247

لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١١] ، جلس ثم قال: "يا أبا بكر من تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ " قال: "قلت في نفسي: "ماذا أقول؟ لئن قلت لا، لقد خشيت أن ألقى منه شرا، ولئن قلت نعم، لقد جئت بأمر عظيم، قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيرا، قلت: لا"، قال: فضرب بقضيبه على السرير ثم قال: "فمن فمن؟ " حتى ردد ذلك مرارا، قلت: "لكن عبد الله بن أبي"١. وقد جاء عن الزهري أيضا: أن هشام٢ بن عبد الملك، كان يعتقد هذا أيضا، فقد أخرج يعقوب بن شيبة في مسنده: حدثنا الحسن بن علي الحلواني، ثنا الشافعي٣، ثنا عمي٤. قال: دخل سليمان٥ بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: "يا سليمان ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، من هو؟ قال: "ابن أبي". قال: "كذبت هو علي"، قال: "أمير المؤمنين أعلم بما يقول"، فدخل الزهري، فقال: "يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ " قال: "ابن أبي"، قال: "كذبت هو علي"، فقال: "أنا أكذب، لا أبا لك٦، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت". حدثني عروة وسعيد وعبيد الله وعلقمة عن عائشة: "أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي (فذكر له قصة مع هشام وفي آخرها - نحن هيجنا الشيخ) "٧.

стр. 248

عذر علي بن أبي طالب في ذلك: قال النووي: "الذي قاله علي ﵁ هو الصواب في حقه ﷺ ، لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي ﷺ في اعتقاده، ولم يكن ذلك في نفس الأمر، لأنه رأى انزعاج النبي ﷺ بهذا الأمر، وتقلقه، فأراد راحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره".ا?ـ١. وقال ابن قيم الجوزية: "ولما استشار النبي ﷺ أصحابه في فراق أهله فأشار عليه ﵁ أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا، لأنه لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين، ليتخلص رسول الله ﷺ من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس، فأشار بحسم الداء"٢. وقال ابن حجر: "هذا الذي قاله علي ﵁ حمله عليه ترجيح جانب النبي ﷺ لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان ﷺ شديد الغيرة٣، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها". ثم أورد ما ذكره ابن أبي جمرة في هذا: فقال: وقال الشيخ أبو محمد* بن أبي جمرة: "لم يجزم علي بالإشارة بفراقها، لأنه عقب بذلك بقوله: "وسل الجارية تصدقك" ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي ﷺ فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها، لأنه كان

стр. 249

يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة"١. وبهذا اتضح عذر علي ﵁ وأنه على خلاف ما وصفه به الوليد وهشام بل وعلى خلاف ما ثبت عن عائشة ﵂ فإنها لم تقل كان علي ممن تولى كبر الإفك وإنما قالت: كان مسيئا في شأني، حيث إنه لم يجزم ببراءتها كما جزم أسامة بن زيد بذلك٢.

стр. 250

المبحث الثالث: موقف بريرة ورد ذكرها في حديث الإفك عندما استشار الرسول ﷺ عليا في شأن عائشة ﵂، فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك"، قالت عائشة: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة"، فقال: "أي بريرة١ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " الحديث٢ ... ورغم هذا كله فقد استشكل العلماء وجودها في قصة الإفك وذلك لأن قصة الإفك متقدمة، وكان شراء عائشة لبريرة ومكاتبتها متأخرين وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بما يأتي: أ- قال ابن القيم: "وقد استشكل وجود بريرة في هذا الحديث وذلك أن بريرة إنما كاتبت وعتقت بعد هذا بمدة طويلة، وكان العباس عم رسول الله ﷺ إذ ذاك في المدينة، والعباس إنما قدم المدينة بعد

стр. 251

الفتح، ولهذا قال له النبي ﷺ ، وقد شفع إلى بريرة أن تراجع زوجها فأبت أن تراجعه، يا عباس ألا تعجب من بغض بريرة مغيثا وحبه لها، ففي قصة الإفك لم تكن بريرة عند عائشة، وهذا الذي ذكروه إن كان لازما فيكون الوهم من تسمية الجارية بريرة، ولم يقل علي سل بريرة، وإنما قال: فسل الجارية تصدقك، فظن بعض الرواة أنها بريرة فسماها بذلك، وإن لم يلزم بأن يكون طلب مغيث لها استمر إلى ما بعد الفتح ولم ييأس منها زال الإشكال"١. قلت: ما أشار إليه من قصة رسول الله ﷺ مع عمه العباس هو ما رواه البخاري عن ابن عباس: "أن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ لعباس: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا"، فقال النبي ﷺ لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: "إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه"٢. ب- وقال ابن حجر في أثناء شرحه لحديث الإفك تحت قوله: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة - قد قيل: إن تسميتها هنا وهم، لأن قصتها كانت بعد فتح مكة"، ثم أشار إلى حديث ابن عباس الآنف الذكر، ثم عقب بقوله: "ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدم عائشة وهي في رق مواليها، وأما قصتها معها في مكاتبتها وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدة، أو أن اسم هذه الجارية المذكورة في قصة الإفك، وافق اسم بريرة التي وقع لها التخيير بعد عتقها". ثم قال ابن حجر: "وجزم البدر الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة أن تسمية هذه الجارية ببريرة مدرج من بعض الرواة، وأنها جارية أخرى ... " ثم قال: "وأخذ هذا من ابن القيم٣ الحنبلي٤".

стр. 252

قلت: كلام البدر الزركشي المشار إليه هذا نصه: "فإنه بعد أن ذكر نزول القرآن ببراءة عائشة مما رميت به وجلد الذين قذفوها قال عقب ذلك: تنبيه جليل على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخاري أحدهما١ قول علي ﵁ "وسل الجارية تصدقك" قال: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة ... ". وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك. ويدل عليه أنها لما أعتقت واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تتحادر على لحيته، فقال لها النبي ﷺ "لو راجعته" فقلت: أتأمرني؟ فقال: "إنما أنا شافع". فقال النبي ﷺ : "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له" والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح. والمخلص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنا منه أنها هي. وهذا كثيرا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث، وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق. ومن نظائره ما وقع في الترمذي وغيره٢ من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: "خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش"، فذكر الراهب وقال في آخرها: "

стр. 253

فرده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك١ والزبيب"٢. فهذا من الأوهام الظاهرة، لأن بلالا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ وبعد أن أسلم بلال، وعذبه قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وأيام، ولعل بلالا لم يكن ولد. ولما خرج في المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة ولم يكن مع عمه أبي طالب، إنما كان مع ميسرة"٣.ا? قلت: أورد ابن حجر استشكال٤ البدر الزركشي، ثم عقب بقوله: وأجاب غيره بجواز أنها كانت تخدم عائشة بالأجرة، وهي في رق مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة. ثم قال ابن حجر: هذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ٥. وبين هذا الغير في موضع آخر٦ بأنه تقي الدين السبكي٧. والخلاصة: أن البدر الزركشي ذكر ثلاثة أوهام تتعلق بحديث الإفك، وهم في ذكر بريرة، ووهم في ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة ومحاورته مع سعد بن عبادة، ووهم في سماع مسروق من أم رومان، أم عائشة التي هي إحدى من روى قصة الإفك، ثم كر على الوهمين الأخيرين بما يدفعهما.

стр. 254

أما الوهم المتعلق ببريرة، فلم يدفعه بشيء، بل نظر له بوهم لا شك فيه، وهو ما وقع في حديث الترمذي في قصة ذهاب الرسول ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام، وما حصل له مع الراهب، وما كان من أمر عمه له بالرجوع إلى مكة، وما كان من قصة أبي بكر وبلال، وتزويد الراهب له، بالكعك والزيت، فهذا الصنيع منه يدل على أنه جازم بأن ذكر بريرة في حديث الإفك، مدرج من بعض الرواة، وأن الجارية التي أرادها علي بن أبي طالب غير بريرة، مولاة عائشة ﵂. فظن هذا الراوي أنها هي، غير أنه في ختام كلامه على هذه الأوهام الثلاثة، قال: "فهذه ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح، فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين، وقد تقدم ما يدفع الكل". لكن المتتبع لكلامه يجد أنه تقدم له ما يدفع وهمين فقط. وهما: الوهم في ذكر سعد بن معاذ، والوهم في سماع مسروق من أم رومان. أما الوهم المدعى في بريرة، فلم يسبق له ما يدفعه كما يفهم من كلامه وتعميمه، بل الذي سبق له يدل على جزمه بهذا الوهم كما نظر لذلك بالوهم المذكور في قصة ذهاب الرسول ﷺ إلى الشام، وقد مر قريبا١. ولعل هذا الصنيع منه هو الذي حمل ابن حجر، فقال عنه: إنه جازم بهذا الوهم كما سبق ذكره٢. ولكنني أستشعر من صنيعه أنه متردد في الجزم بهذا الوهم أيضا، لأن قوله: "هو ثلاثة أوهام ادعيت في حديث الإفك، والثلاثة ثابتة في الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بين" دليل على ما أقول. هذا على فرض أن هناك تعارضا بين قصة مغيث وزوجته، وبين ذكر بريرة في قصة الإفك، ولكن يظهر للمتأمل أن لا وجود للتعارض أصلا، لأن

стр. 255

رؤية ابن عباس لمغيث وهو يطوف في سكك المدينة متابعا لزوجه بريرة، وهي كارهة له، لا يدل على عدم وجود صلة بين عائشة وبريرة قبل ذلك، لأن بريرة مولاة للأنصار وهي موجودة حتما في المدينة، قبل هجرة العباس وابنه، فما المانع من وجود صلة وثيقة بينها وبين عائشة أم المؤمنين، بل مجيئها إلى عائشة تستعينها في فكاك رقبتها يدل دلالة واضحة على تقدم الصلة بينهما، ومعروف أن الناس يتسابقون إلى خدمة بيت رسول الله ﷺ ، فلتكن بريرة إحدى الخدم في بيت عائشة بالأجرة، أو بغيرها، ونكون قد سلمنا من توهيم العلماء وتغليط الحفاظ، وتكلفات الجمع التي ذكرت في هذا الصدد خاصة أن ذكر بريرة في حديث الإفك ثابت في أصح الصحيح في البخاري ومسلم، وغيرهما من كتب السنة وتظافرت الروايات على ذكرها، مما يدفع أي ريب في وجودها في هذه الحادثة، ومساءلة الرسول ﷺ لها والله أعلم.

стр. 256

المبحث الرابع: موقف أبي أيوب الأنصاري وزوجه قال البخاري: "لما أخبرت عائشة بالأمر١ قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي، فأذن لها وأرسل معها الغلام"٢. "وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"٣. قال ابن حجر: قوله: "وقال رجل من الأنصار ... "الخ وقع عند ابن إسحاق أنه أبو أيوب الأنصاري، وأخرجه الحاكم من طريقه، وأخرجه الطبراني

стр. 257

في مسند الشاميين، وأبو بكر الآجري١ في طرق حديث الإفك من طريق عطاء٢ الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة٣. وأشار ابن حجر أيضا إلى هذا في تفسير سورة النور أثناء شرحه لحديث الإفك، فقال: وفي رواية هشام عن عروة: "قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد"". وزاد عطاء الخراساني عن الزهري هنا قبل قوله فقام: "وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب: "أما سمعت ما يتحدث الناس؟ " فحدثته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم"، ثم أشار إلى ما علقه البخاري بقوله: "وقال رجل من الأنصار"٤. وقال: فيستفاد معرفته من رواية عطاء هذه٥. قلت: وقد رواه الواحدي أيضا موصولا من طريق عطاء المذكور ولفظه: عن الزهري عن عروة أن عائشة

стр. 258

رضي الله عنها حدثته بحديث الإفك وقالت فيه: "وكان أبو أيوب١ الأنصاري حين أخبرته امرأته٢ وقالت: "يا أبا أيوب ألم تسمع بما تحدث الناس؟ " قال: "وما يتحدثون؟ " فأخبرته بقول أهل الإفك، فقال: "ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم". قالت: "فأنزل الله : ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١٦] ٣. ورواية ابن إسحاق التي أشار إليها ابن حجر فيما تقدم٤، هذا نصها: قال ابن إسحاق: حدثني أبي٥ إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب: "يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ " قالت: "لا والله ما كنت لأفعله" قال: "فعائشة والله خير منك"، قالت: "فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١١] .

стр. 259

وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا. ثم قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ ، [سورة النور، الآية: ١٢] ، أي فقالوا: كما قال أبو أيوب وصاحبته". الحديث ... ١. وأخرجه من طريق الطبري وابن كثير٢. وفي الدر، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا ... الحديث٣ وأما رواية الحاكم فقال ابن حجر فيما تقدم٤ إنها من طريق ابن إسحاق، وقال في موضع٥ آخر بعد أن ذكر رواية ابن إسحاق: وللحاكم من طريق أفلح٦ مولى أبي أيوب ونحوه٧. وقال السيوطي بعد أن ذكر الطريق المتقدمة: "وأخرج الواحدي٨ وابن عساكر الحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب، أن أم أيوب قالت: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، الحديث"٩ ... وهكذا ذكر الشوكاني بعد أن ساق الطريق الأولى، التي عند السيوطي

стр. 260

قال: "وأخرج الواقدي والحاكم وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب فذكر نحوه١ فهذا ظاهر في أن للحاكم روايتين: إحداهما من طريق ابن إسحاق، والأخرى ليست من طريقه". وحديث الواقدي المشار إليه هو: حدثني ابن أبي٢ حبيبة عن داود٣ بن الحصين عن أبي سفيان٤ عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: "ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ " قال: "بلى، وذلك الكذب"، ثم ساق قريبا من ألفاظ حديث ابن إسحاق٥ المتقدم٦. فهذه ثلاث روايات وردت في هذا الباب: الأولى: رواية ابن إسحاق وفيها الإبهام المذكور (عن بعض رجال بني النجار) . الثانية: رواية الحاكم والواقدي وابن عساكر من طريق أفلح مولى أبي أيوب وهي موصولة عند الواقدي، وأما رواية الحاكم وابن عساكر فلا نستطيع الجزم بوصلها أو عدمه إلا بعد الإطلاع على تاريخ ابن عساكر والإكليل للحاكم. الثالثة: رواية أبي بكر الآجري والواحدي من طريق عطاء الخراساني عن الزهري عن عروة عن عائشة وهي موصولة عند الواحدي.

стр. 261

فهذه الروايات بمجموعها يقوي بعضها بعضا ويكون الحديث على أقل تقدير حسنا لغيره. وهذه الأحاديث المتعاضدة تبرز موقف أبي أيوب وزوجه من حادثة الإفك، وهو موقف جدير بالتنويه، ذلك لأن بعض الناس وقعوا في شرك هذه الدسيسة السيئة والفرية الذميمة فأخذوا يشيعونها دون وعي لأبعادها السيئة، أما أبو أيوب وزوجه فقد نفياها واعتبراها بهتانا عظيما، وأوضحا أن أقل رتبة في الورع والاستقامة من عائشة وصفوان لا يقع في مثل هذه السفاسف. فكيف بأم المؤمنين وزوج سيد الخلق أجمعين، فرضي الله عن أبي أيوب وزوجه وأرضاهما. ولقد أنصفتهما عائشة ﵂ فنوهت بموقفهما النزيه الشريف من هذه الفرية وكأنها تعرض بمن وقع في حبائل هذه الفتنة العمياء. وأنزل الله سبحانه فيما أنزل في كتابه: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى موقف أبي أيوب وزوجه، وقولهما ذلك كما أثبتت ذلك الروايات السابقة، وعلى هذا جرى عامة المفسرين فإنهم حين يفسرون قوله سبحانه ﴿ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ يذكرون هذه روايات المتعلقة بموقف أبي أيوب وزوجه على أن المراد بهذه الإشارة القرآنية هو أبو أيوب الأنصاري وزوجه والله أعلم.

стр. 262

المبحث الخامس: النزاع بين الأوس والخزرج حصل نزاع شديد بين الحيين الأوس والخزرج بين يدي رسول الله ﷺ ، حين خطب في الناس يستعذر من ابن أبي، فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي". فقام سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس فقال: "أنا أعذرك منه

стр. 263

يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك". فرد عليه سعد بن عبادة سيد الخزرج بقوله: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله". فقام أسيد بن حضير ابن عم١ سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة:"كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين". فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا، وسكت. وسوف أسرد الروايات المتعلقة بهذا الشجار مبينا السبب الدافع لسعد بن عبادة على مقالته، ومحاولا بعد ذلك تحليلها حسب الإمكان. فأقول: إن السبب الدافع لسعد ابن عبادة على ما جرى منه هو قول سعد بن معاذ: "إن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك"، فأثرت هذه الكلمة في سعد بن عبادة تأثيرا شديدا، ذلك لأنه رأى أن فيها هضما لحقه بحكم أنه سيد الخزرج ويريد سعد بن معاذ أن يتحكم فيهم، مما يجعله يتهم سعد بن معاذ بأن فعله هذا لم يكن نصرة لرسول الله ﷺ ، وإنما أراد بذلك الانتقام من الخزرج لما كان بينهم من العداوة قبل الإسلام، وهذه الروايات المتعلقة بذلك: فقد صرحت عائشة بأن رسول الله ﷺ دعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله الحديث، وفيه فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".

стр. 264

قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية، فقال لسعد ابن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله". فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين". فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا الحديث ... ١. وفي لفظ: "وكان رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية"٢. وعند الواقدي: "وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله"٣. ما رواه البخاري في المغازي: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها ثم ساق الحديث ... وفيه: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله ابن أبي وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي ... " فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال: "أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا٤ من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك".

стр. 265

قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه١ وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: "كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل"، وهذا محل الشاهد٢. وعند ابن إسحاق من رواية عباد بن عبد الله بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة "فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا، فقال: كذبت لعمر الله لا تضرب أعناقهم، أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا"٣ا?. وعند ابن إسحاق بن راهويه والطبري من حديث يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة بن وقاص وغيره أيضاً قال: خرجت عائشة تريد المذهب ومعها أم مسطح وكان مسطح بن أثاثة ممن قال، وكان رسول الله ﷺ خطب الناس قبل ذلك فقال: "كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني؟ " فقال سعد بن معاذ: "أي رسول الله إن كان منا معشر الأوس جلدنا رأسه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فأطعناك"، فقال سعد بن عبادة: "يا ابن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله، ولكنها قد كانت ضغائن٤ في الجاهلية وأحن٥ لم تحلل٦ لنا من صدوركم" فقال ابن معاذ: "الله أعلم ما أردت".

стр. 266

فقام أسيد بن حضير فقال: "يا ابن عبادة إن سعدا ليس شديدا، ولكنك تجادل عن المنافقينن وتدفع عنهم"، وكثر اللغط في المسجد، ورسول الله ﷺ جالس على المنبر، فما زال النبي ﷺ يومئ بيده إلى الناس ههنا وههنا حتى هدأ الصوت" الحديث١ ... وقد صرح إسحاق بن راهويه في روايته بتحديث ابن حاطب لمحمد٢ بن بشر العبدي، ولكن الذي يظهر أنه سقط من السند شيخ محمد بن بشر العبدي وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ويكون هو الذي قال: حدثنا ابن حاطب، كما هو مصرح به عند الطبري في هذا الحديث. ويقوي هذا أن محمد بن بشر العبدي من التاسعة، وابن حاطب من الثالثة فبينهما ست طبقات٣. وفي إسناد الطبري شيخه سفيان بن وكيع بن الجراح، وهو متكلم فيه٤. ولكن ما يدل عليه هذا الحديث، ثابت عند البخاري وابن إسحاق، كما أوضحت ذلك٥. خلاصة القول في ذلك: من المعلوم أن سعد بن عبادة رئيس قبيلة الخزرج، التي منها عبد الله بن أبي ابن سلول، وأن سعد بن معاذ رئيس الأوس، وقد جرى بين السعدين ﵄ نزاع أمام رسول الله ﷺ ، قال: "من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي". الحديث. فقام سعد بن معاذ فقال:"يا رسول الله إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".

стр. 267

وفي هذه الكلمة من سعد بن معاذ إغفال لقيادة سعد بن عبادة لقومه الخزرج، وسبب هذا الإغفال -فيما يبدو - هو تأثر سعد بن معاذ من ألم رسول الله ﷺ من هذه الفرية على أهله. غير أن هذا السبب الحامل لسعد بن معاذ على مقالته لم يكن ليجدي نفعا في تهدئة انفعال سعد بن عبادة الذي رأى في هذا الإغفال هضما لحقه وتنقصا لقبيلته، فقال فورا: "كذبت١ لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله"، فأثارت هذه الكلمة أيضا أسيد بن حضير ابن عم سعد ابن معاذ فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق٢ تجادل عن المنافقين". وكانت هذه الكلمة القوية من أسيد بن حضير سببا في احتدام الصراع العنيف الذي دار بين الفريقين (الأوس والخزرج) وارتفعت الأصوات من كلا الجانبين وكثر اللغط وكادت تكون كارثة، تقر بها أعين الحاقدين على الإسلام وأهله، لولا أن الله سلم. ولقد كان رسول الله ﷺ حكيما في معالجة الموقف، فما زال بالحيين يخفضهم وينهاهم عن هذه العصبيات الجاهلية، التي أرسل لهدمها حتى هدأ القوم وعادوا إلى صوابهم راشدين. وكان في ذلك انتصار للمسلمين وانكسار لأعداء الله من المنافقين والمشركين.

стр. 268

الفصل الثالث: فوائد في المصطلح مستنبطة من حديث الإفك المبحث الأول: الإنتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث ... المبحث الأول: الانتقاد الوارد على الزهري في جمعه حديث الإفك والجواب عنه مع تخريج الحديث تقدم في أول حديث الإفك أن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها مما قالوا: "وكلهم حدثني طائفة من حديثها ... "١. ومن هنا انتقد على الزهري هذا في كونه لم يفرد حديث كل واحد منهم على الآخر. وقد أجاب العلماء عن هذا بما يأتي: أ- أجاب النووي بقوله: "هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا مانع منه، ولا كراهة فيه، لأنه قد بين أن بعض الحديث عن بعضهم وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء أئمة حفاظ ثقات من أجل التابعين، فإذا

стр. 269

ترددت اللفظة من هذا الحديث، كونها عن هذا أو ذاك لم يضر، وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان". وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب، جاز الاحتجاج به. وقال أيضا في أثناء تعداد فوائد الحديث١: إحداها: جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه، وهذا وإن كان فعل الزهري وحده٢، فقد أجمع المسلمون على قبوله منه، والاحتجاج به٣. ب- وأورد أحمد بن عبد الرحيم العراقي قول النووي هذان وزاد: وحكى القاضي عياض عن بعضهم أنه انتقد هذا على الزهري قديما، وقال: "كان الأولى أن يذكر حديث كل منهم بجهته". ثم عقب العراقي بقوله: "ولا درك على الزهري في شيء منه، لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات"٤. ج- ونقل ابن حجر قول عياض هذا الذي ذكره العراقي، ثم عقب بقوله: "وقد تتبعت طرق الحديث فوجدته من رواية عروة على انفراده، ومن رواية علقمة بن وقاص على انفراده، وفي سياق كل منهما مخالفات ونقص وبعض زيادة لما في سياق الزهري عن الأربعة". ثم قال: "وأما رواية سعيد بن المسيب وعبيد الله فلم أجدهما إلا من رواية الزهري عنهما". ثم ذكر أن الحديث رواه جماعة عن عائشة غير مشايخ الزهري الأربعة. وذكر أيضا أنه رواه جماعة من الصحابة غير عائشة ﵂، ثم

стр. 270

أشار إلى الذين خرجوا هذه الروايات من العلماء. انتهى باختصار من فتح الباري ٨/ ٤٥٦ وفيما يلي تخريجه: أولاً: رواية الحديث من طريق الزهري عن مشايخه الأربعة: أ- رواية صالح بن كيسان عنه. أخرجها البخاري في المغازي باب حديث الإفك ٥/ ٩٦ و٦/ ٦٤ التفسير، باب ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرا﴾ و٨/ ١١٤ كتاب الأيمان والنذور، باب قول الرجل لعمر الله و٩/ ٩١ كتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وأخرجها مسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة، وأحمد في مسنده ٦/ ١٩٧ و١٩٨، وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٧ أو ٤/ ق ٤٥٠ ب. ب- رواية فليح بن سليمان عنه: أخرجها البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا، ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة وابن شيبه في تاريخ المدينة ١/ ١٠١ وأبو يعلى في مسنده ٤/ ق ٤٤٤ و٤/ ق ٤٤٧ أ. ج- رواية معمر بن راشد عنه: أخرجها مسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي٥/١٧ وعبد الرزاق في المصنف ٥/٤١٠ حديث الإفك وأحمد في المسند ٦/١٩٤ وإسحاق بن راهويه في مسنده ٤/ ق ١٢٧ ب والطبري في التفسير ١٨/ ٨٩- ٩٠. د- رواية يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري: أخرجها البخاري ٣/ ١٤٧ كتاب الشهادات، باب إذا عدل رجل أحدا فقال لا نعلم إلا خيرا و٤/ ٢٧ كتاب الجهاد والسير باب حمل الرجل امرأته في الغزو دون بعض نسائه و٦/ ٦٤ من تفسير سورة يوسف باب قوله تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ و٦/٨٤ تفسير سورة النور باب: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ و٨/١١٤كتاب الأيمان والنذور باب قول الرجل لعمر الله ٩/١١٦، كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ و٩/ ١٢٧ من كتاب التوحيد باب قول النبي ﷺ : "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة"

стр. 271

ومسلم ٨/ ١١٢ كتاب التوبة والترمذي ٥/ ١٧ كتاب التفسير وأبو داود ٢/ ٥٣٦ كتاب السنة باب في القرآن. هـ- رواية محمد بن إسحاق عن الزهري ٢/ ٢٩٧ من سيرة ابن هشام والطبري من هذه الطريق في التفسير ١٨/٩٢ والتاريخ ٢/٦١١. ثناياً: رواية الحديث عن عروة على انفراده أخرجها البخاري ٣/ ١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق هشام بن عروة عنه و٦/ ٨٤ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ﴾ من طريق الزهري عنه و٦/ ٨٩ تفسير سورة النور باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من طريق هشام بن عروة عنه. وكتاب الاعتصام باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ من طريق هشام عنه. ومسلم ٨/١١٨ كتاب التوبة من طريق هشام بن عروة عنه. والترمذي ٥/١٣ كتاب التفسير وأحمد في المسند ٦/٥٩ من طريق هشام بن عروة عنه. وابن إسحاق٢/٢٩٦ سيرة ابن هشام من طريق الزهري عنه. والطبري في التاريخ ٢/٦١٠- ٦١١. ثالثاً: رواية الحديث عن علقمة بن وقاص على انفراده، أخرجها إسحاق ابن راهويه في مسنده ٤/ق ١٣٤ ب و٤/ق١٣٥ب من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عنه. والطبري في التفسير ١٨/ ٩٤ من هذه الطريق. رابعاً: روابية الحديث عن عائشة من غير مشايخ الزهري: أ- أخرجه البخاري ٣/١٥٤ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر عنها. ب- وأخرجه ابن إسحاق من طريق يحيى بن عباد عن أبيه عن عائشة ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، سيرة ابن هشام ٢/٢٩٧. وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود باب في حد القذف ٢/٤٧١، والترمذي ٥/١٧ في تفسير سورة

стр. 272

النور وابن ماجه ٢/ ٨٥٧ كتاب الحدود باب حد القذف. الجميع من طريق ابن إسحاق الثانية. مختصرا. ج- وأخرجه عبد بن حميد في مسنده ٢/ق ١٥٩ من طريق أبي عوانة عن عمر بن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري عن أبيه عن عائشة. د- وأخرجه الطبراني من طريق الأسود بن يزيد عنها ٩/٢٣٠ مجمع الزوائد للهيثمي. خامساً: رواية الحديث عن جماعة من الصحابة غير عائشة ﵂: ١- أخرجه البخاري عن عبد الله بن الزبير في الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا عقب رواية فليح بن سليمان عن هشام بن عروة ولم يسق لفظه ٣/ ١٥٤. ومن حديث أم رومان ٤/١٢٠ كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ و٥/١٠٠ كتاب المغازي باب حديث الإفك و٦/٦٤ تفسير سورة يوسف باب قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ و٦/٨٧ باب قوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . ٢- وأبو دواد الطيالسي من حديث أم رومان أيضا ٢/١٣١منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، وأحمد في مسنده ٦/٣٦٧. ٣- وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي اليسر١ ٩/٢٣٦ و٩/٢٣٧ مجمع الزوائد للهيثمي والدر المنثور للسيوطي ٥/ ٢٩. ٤- وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة٩/٢٣٠ مجمع الزوائد للهيثمي. ٥- وأخرجه ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأبي اليسر٥/ ٢٧و٥/٢٩ الدر المنثور للسيوطي. فهذه طرق هذا الحديث التي عثرت عليها.

стр. 273

المبحث الثاني: الخلاف في سماع مسروق من أم رومان تفرد البخاري دون مسلم بحديث مسروق عن أم رومان من طريق حصين بن عبد الرحمن وقد أورده بثلاث صيغ وهي: أ- صيغة التحديث: حدثنا موسى١ حدثنا أبو عوانة٢ عن حصين٣ عن أبي وائل٤ قال: حدثني مسروق٥ بن الأجدع قال حدثتني أم رومان٦ وهي أم عائشة قالت: "بينا أنا وعائشة أخذتها الحمى، فقال النبي ﷺ : "لعل في حديث تحدث؟ " قالت: "نعم"، وقعدت عائشة،

стр. 274

قالت: "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ، [سورة يوسف، من الآية: ١٨] ١. والحديث من هذه الطريق بهذه الصيغة في التاريخ الصغير للبخاري٢ وفي مسند الطيالسي، تحت رقم (٢٤٩٧) ٣. ب- صيغة (سألت) حدثنا محمد٤ بن سلام أخبرنا ابن فضيل٥، حدثنا حصين عن شقيق عن مسروق قال:" سألت أم رومان وهي أم عائشة لما قيل فيها ما قيل، قالت: "بينما أنا مع عائشة جالستان، إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار، وهي تقول: فعل الله بفلان وفعل"، قالت: " فقلت: لم؟ " قالت: إنه نمى"٦ ذكر الحديث. فقالت عائشة: "أي حديث؟ " فأخبرتها، قالت: "فسمعه أبو بكر، ورسول الله ﷺ ؟ " قالت: "نعم"، فخرت مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى٧ بنافض، فجاء النبي ﷺ فقال: "ما لهذه؟ " قلت: "حمى أخذتها من أجل حديث تحدث به"، فقعدت، قالت: "والله لئن حلفت لا تصدقوني ولئن اعتذرت لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه، فالله المستعان على ما تصفون"، فانصرف النبي صلى

стр. 275

الله عليه وسلم فأنزل الله ما أنزل فأخبرها فقالت: "بحمد الله لا بحمد أحد"١. والحديث بهذا الإسناد وبهذه الصيغة عند البخاري في تاريخه الصغير٢. ج- صيغة (العنعنة) حدثنا محمد٣ بن كثير أخبرنا سليمان٤ عن حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان أم عائشة أنها قالت: "لما رميت عائشة خرت٥ مغشيا عليها"٦ والحديث بهذا الإسناد وبهذه الصيغة عند البخاري في تاريخه الصغير٧. وهو عند أحمد أيضا بهذه الصيغة من طريق أبي جعفر الرازي٨ وعلي بن عاصم٩ عن حصين١٠. وعلى هذا فالبخاري يرى أن مسروقا سمع من أم رومان قطعا وأنها عاشت بعد النبي ﷺ ، ولذلك فقد أورد في تاريخه الصغير الرواية المصرحة بسماع مسروق من أم رومان.

стр. 276

ثم أورد بعد ذلك حديث علي بن زيد الوارد فيه أن أم رومان ماتت في زمن النبي ﷺ فقال: "وروى علي١ بن زيد عن القاسم٢، ماتت أم رومان زمن النبي ﷺ ، ثم عقب بقوله: وفيه نظر، وحديث مسروق أسند"٣. قال ابن حجر: "يعني أصح إسنادا وهو كما قال". انتهى٤. وقد صرح بسماع مسروق من أم رومان. وجزم جماعة من العلماء٥ بأن مسروقا لم يدرك أم رومان اعتمادا على رواية علي بن زيد هذه المصرحة بأن أم رومان ماتت زمن النبي ﷺ ، وكان قدوم مسروق إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ ، ومن ثم وهم البخاري في إدخاله هذه الحديث في الصحيح وتصريحه فيه بأن مسروقا سمع من أم رومان. وقد انتصر لقول البخاري هذا ابن القيم وابن حجر وردا على القائلين بغيره. وهذا نص كلام ابن القيم قال: "ومما وقع في حديث الإفك: أن في

стр. 277

بعض طرق البخاري عن أبي وائل١: عن مسروق قال: "سألت أم رومان عن حديث الإفك فحدثتني"٢. قال غير واحد: وهذا غلط ظاهر، فإن أم رومان ماتت على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، وقال: "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى هذه". قالوا: ولو كان مسروق قدم المدينة في حياتها وسألها للقي رسول الله ﷺ وسمع منه، ومسروق إنما قدم المدينة بعد موت رسول الله ﷺ ، قالوا: وقد روى مسروق عن أم رومان حديثا غير هذا، فأرسل الرواية عنها، فظن بعض الرواة أنه سمع منها، فحمل هذا الحديث على السماع. قالوا: ولعل مسروقا قال: سئلت أم رومان فتصحفت على بعضهم سألت لأن بعض الناس من يكتب الهمزة بالألف على كل حال. ثم عقب بقوله: وقال آخرون: كل هذا لا يرد الرواية الصحيحة التي أدخلها البخاري في صحيحه، وقد قال إبراهيم الحربي٣ وغيره: إن مسروقا سألها وله خمس عشرة سنة، ومات وله ثمان وسبعون سنة٤، وأم رومان أقدم من حدث عنه. قالوا: وأما حديث موتها في حياة رسول الله ﷺ ونزوله في قبرها فحديث لا يصح وفيه علتان تمنعان صحته.

стр. 278

إحداهما: رواية علي بن زيد بن جدعان له، وهو ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه. والثانية: أنه رواه عن القاسم بن محمد عن النبي ﷺ ، والقاسم لم يدرك زمن رسول الله ﷺ ، فكيف يقدم هذا على حديث إسناده كالشمس يرويه البخاري في صحيحه ويقول فيه مسروق: سالت أم رومان فحدثتني، وهذا يرد أن يكون اللفظ سئلت، وقد قال أبو نعيم١ في كتاب معرفة الصحابة قد قيل: إن أم رومان توفيت في عهد رسول الله ﷺ وهو وهم". انتهى كلام ابن القيم٢.

стр. 279

وأورد ابن حجر هذا الاعتراض على حديث مسروق في خمسة من كتبه وبين أن المتصدر في هذا القول هو الخطيب١ البغدادي، وتبعه في ذلك جماعة من العلماء منهم: ابن عبد البر٢ والسهيلي٣ وابن سيد الناس٤ والحافظ المزي٥ والذهبي٦ والعلائي٧ وآخرون. وذكر أن مما أعل به الخطيب حديث مسروق كون حصين اختلط فلعله حدث به بعد اختلاطه. وهذا معنى كلام الخطيب قال: "أخرج البخاري عن مسروق عن أم رومان ﵂ وهي أم عائشة طرفا من حديث الإفك وهو وهم، لم يسمع مسروق من أم رومان ﵂ لأنها توفيت في عهد رسول الله ﷺ وكان لمسروق حين توفيت ست سنين"، قال: "وخفيت هذه العلة على البخاري، وأظن مسلما فطن لهذه العلة، فلم يخرج له، ولو صح هذا لكان مسروق صحابيا لا مانع له من السماع من النبي ﷺ ، والظاهر أنه مرسل، قال: ورأيته في تفسير سورة يوسف من الصحيح عن مسروق قال: سألت أم رومان" فذكره، قال: "وهو من رواية حصين عن شقيق، وحصين اختلط فلعله حدث به بعد اختلاطه، وقد رأيته في رواية أخرى٨ عنه عن

стр. 280

شقيق عن مسروق قال: سئلت أم رومان فلعل قوله في رواية البخاري سألت تصحيف من سئلت". انتهى١. ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "وعندي أن الذي وقع في الصحيح هو الصواب والراجح، وذلك أن مستند هؤلاء في انقطاع هذا الحديث٢، إنما هو ما روى علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف أن أم رومان ماتت سنة ست وأن النبي ﷺ حضر دفنها". ثم قال ابن حجر: "وقد نبه البخاري في تاريخه الأوسط والصغير على أنها رواية ضعيفة، فقال في (فصل) من مات في خلافة عثمان قال علي بن زيد عن القاسم: ماتت أم رومان زمن النبي ﷺ سنة ست"٣. ثم قال البخاري: "وفيه نظر، وحديث مسروق أسند"٤. قال ابن حجر: "يعني أصح إسنادا وهو كما قال٥، وقد جزم إبراهيم الحربي بأن مسروقا سمع من أم رومان وله خمس عشرة سنة، فعلى هذا يكون سماعه منها في خلافة عمر بن الخطاب لأن مولد مسروق كان في سنة الهجرة، ولهذا قال أبو نعيم الأصبهاني: "عاشت أم رومان بعد النبي ﷺ دهرا". ثم قال ابن حجر: "ومما يدل على ضعف رواية علي بن زيد بن جدعان:

стр. 281

أ- ما ثبت في الصحيح م رواية أبي عثمان١ النهدي عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن الصديق ﵄ أن أصحاب الصفة٢ كانوا ناسا فقراء، فذكر الحديث في قصة أضياف أبي بكر، وفيه قال: قال عبد الرحمن: إنما هو أنا وأمي وامرأتي وخادم بيتنا. الحديث٣ ... وفي بعض طرقه عند البخاري في كتاب الأدب فلما جاء أبو بكر قالت له أمي: احتبست عن أضيافك. الحديث"٤ ... وأم عبد الرحمن هي أم رومان لأنه شقيق عائشة، وعبد الرحمن إنما أسلم بعد سنة ست، وقد ذكر الزبير بن بكار من طريق ابن عيينة عن علي بن زيد أن إسلام عبد الرحمن كان قبل الفتح، وكان الفتح في رمضان سنة ثمان، فبان ضعف ما قال علي بن زيد في تقييده وفاة أم رومان بسنة ست، مع ما اشتهر من سوء حفظه في غير ذلك فكيف تعل به الروايات الصحيحة المعتمدة. ب- ما رواه الإمام أحمد في مسنده أن عائشة ﵂ قالت: "لما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله ﷺ بي" فقال: "يا عائشة إني عارض عليك أمرا فلا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان" قالت: "قلت: يا رسول الله وما هو؟ " قال: " قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ... ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ ، [سورة الأحزاب، من الآيتان: ٢٨-٢٩] .

стр. 282

قالت: "فقلت: فإني أريد الله تعالى ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبا بكر وأم رومان، فضحك". وهذا إسناد جيد، وأصله في الصحيحين١ بلفظ: "استأمري أبويك" ولم يسمهما، والتخيير كان في سنة تسع، والحديث دال على أن أم رومان كانت إذ ذاك موجودة، فبان وهم علي بن زيد ومن معه٢. قلت: حديث أحمد المشار إليه هو: حدثنا محمد٣ بن بشر قال: ثنا محمد٤ بن عمرو ثنا أبو سلمة عن عائشة قالت: "لما أنزلت آية التخيير٥، قال: بدأ بعائشة فقال: "يا عائشة: إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتن٦ فيه

стр. 283

بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان"، قالت: "أي رسول الله وما هو؟ " قال: " قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ "، [سورة الأحزاب، الآيتان: ٢٨-٢٩] . قالت: "إني أريد الله ورسول والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان"، قالت: "فضحك النبي ﷺ ، ثم استقرأ١ الحجر" فقال: "إن عائشة قالت: كذا وكذا"، قال: "فقلن مثل الذي قالت عائش"٢. قلت: الحديث رجاله رجال الجماعة إلا أن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص أخرج له البخاري مقرونا بغيره وتعليقا ومسلم في المتابعات، وهو حسن الحديث٣. وخلاصة القول في هذه المسألة أن اعتراض الخطيب ومن تبعه على البخاري في سماع مسروق من أم رومان يتلخص فيما يلي: دعوى وفاة أم رومان في عهد الرسول ﷺ سنة ست أكثر تقدير. أنه حصل تصحيف في الرواية فإن مسروقا كان يرسله فيقول: سئلت أم رومان فتصحف على بعضهم (سألت) .

стр. 284

اختلاط حصين١ بن عبد الرحمن الذي مدار الحديث عليه. والجواب عن هذا أن يقال: أما دعوى وفاة أم رومان في زمن النبي ﷺ سنة ست أو قبل ذلك فإنهم استندوا في ذلك على حديث علي بن زيد بن جدعان وفيه علتان: ضعف علي بن زيد والانقطاع بين القاسم بن محمد والرسول ﷺ لأن القاسم تابعي من كبار الثالثة كما هو معروف٢. وعلى هذا فلا تقوم بالحديث حجة، كيف وقد عارضته أحاديث أخرى صحيحة ذكرت أن أم رومان كانت موجودة سنة تسع كما في قصة تخييره ﷺ بين نسائه، وذلك سنة تسع بالاتفاق، ذكر ذلك ابن حجر٣، وفي هذه القصة أن الرسول ﷺ عرض الأمر على عائشة وقال لها: لا تعجلي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان، ولهذا جزم إبراهيم الحربي وأبو نعيم بأن وفاتها كانت بعد النبي ﷺ بزمن. وأما دعوى التصحيف فإنها ضعيفة لأمرين: الأول: أن في صحيح البخاري التصريح بالتحديث فدل على أن دعوى تصحيف سألت عن (سئلت) غير صحيحة. الثاني: أن توهيم الثقات بدون حجة قاطعة باطل عند أهل العلم وهذا نوع من التوهيم بدون دليل.

стр. 285

وأما اختلاط حصين بن عبد الرحمن فيجاب عنه من أوجه: أ- أن يكون البخاري أخرج له قبل اختلاطه ثم طرأ عليه الاختلاط بعد ذلك، وهذا هو المظنون بالبخاري. ب- أن يكون البخاري أخرج له ما تأكد من حفظه له دون ما فيه شبهة الاختلاط، وهذا لا مانع منه لأن الممنوع في رواية المختلط ما كانت بعد اختلاطه أو لم تعرف هل هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعده، وتحري البخاري ومعرفته بعلل الحديث يرشداننا إلى أنه لا يروي عن مختلط إلا ما حفظه وكان ثابتا فيه. ج- ما أجاب به ابن حجر في مقدمة الفتح في سياق أسماء من طعن فيهم من رجال الصحيح، قال: "وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم". وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي في ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الحسن١ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح: "هذا جاز القنطرة"، يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
следующие страницы →