مقدّمة
الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا، أنزل القرآن الكريم كاملا وشاملا، ومن أيّ تناقض أو ارتياب سالما، قال الله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [الكهف: ١].
وجعل التّدبّر في آياته مقصدا، والوصول إلى إتقان تلاوته ولذّة قراءته هدفا وموئلا، فقال سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢].
والصّلاة والسّلام على رسول الله، بعثه الله رحمة للعالمين، وأيّده بقرآنه المعجزة وكلامه المبين، ورضي الله عن أصحابه والتّابعين، ومن اتّبع سبيلهم، فاتّبع هدي القرآن وصراطه المستقيم، إلى يوم الدّين.
وبعد:
فإنّ القرآن الكريم عظيم الفضل رفيع المنزلة في حياة المسلمين جميعا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وتتجلّى مكانته السّامقة في حفظه من كلّ تحريف أو تبديل، وفي إعجازه لجميع بني البشر أن يأتوا بأقصر سورة من مثله، ولو كان بعضهم لبعض عونا وظهيرا.
وهو شرف وفخار للرسول الكريم ﷺ ، ولأمّته الماجدة المتمسّكة بمبادئ
стр. 2
الكتاب العزيز وأحكامه قولا وعملا، قال الله تعالى:
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ [الزخرف: ٤٤].
ومن آياته وسوره الكريمات تستمدّ الأمّة المسلمة عقيدتها الحنيفية، وعبادتها الصحيحة، وأخلاقها الكريمة، وأحكامها القويمة: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩].
وفي ثنايا صفحات القرآن المباركة، تتجلّى تجارب الأمم، وتاريخ الإنسانية، وحياة الأنبياء، فيتطلّع المسلمون إلى حاضر سعيد ومستقبل رغيد، على بصيرة وعلم بالماضي الحافل بالعظات والعبر، وعلى هدي من النّداءات الإلهية الحانية، تدعوهم صباح مساء إلى العزّة والمجد في حاضرهم ومستقبلهم.
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨].
وكلّ هذه الحقائق المرتبطة بأهمية القرآن، منوطة بمعرفة علومه ومرهونة بفهم تنزّلاته، وطرائق جمعه وكتابته وحفظه، وكيفيّة رسمه، ووجوه إعجازه، ومناهج تفسيره وفهمه، والتعرّف على أحكام تجويده، وأساليب بيانه.
إنّ التلاوة لكتاب الله، المسبوقة بهذه الثقافة القرآنية، لا بدّ أن تصل إلى غاياتها في الثّواب والخشوع، والفهم والعمل.
وقد كان هدفنا في جميع أبواب الكتاب وفصوله، أن يبقى القرآن الكريم في بؤرة الضّوء شاهدا ومشهودا، وأمام السمع والبصر والوجدان مقروءا ومتلوّا. وقد توخينا فيما كتبناه أو اخترناه العبارة الواضحة، والأسلوب السهل، وأبعدنا كلّ البعد عن المناقشات اللّفظية، والخلافات الشّكلية التي لا ينبني عليها كبير فائدة، والتي من شأنها أن تبعد القارئ عن جوّ التّدبّر والفهم، والاعتزاز بقدسيّة وحفظ الكتاب العزيز.
وقد أضفنا بابا تطبيقيا يحتوي على فصلين:
стр. 3
الأول: سبعة نصوص تطبيقية مدروسة لمعظم البحوث المتقدمة.
والثاني: نصوص تطبيقية للدراسة، وأسئلة وتطبيقات على جميع موضوعات الكتاب، للأخذ بيد القارئ والدارس إلى تذوق فنون علوم القرآن بشكل عملي ومنهجي.
اللهمّ تقبّل منا هذا العمل، واكتبه يا ربنا في صحائف أعمالنا، واختم لنا بالحسنى يا رحمن يا رحيم.
دمشق في ١/ ١٢/ ١٤١٦ هـ ٧/ ٥/ ١٩٩٦ م المؤلفان الدكتور مصطفى البغا محيي الدين مستو
стр. 4
مدخل تمهيدي تعريف «علوم القرآن» وموضوعه وفائدته وتاريخه
١ - تعريف «علوم القرآن»
هو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وترتيبه، وجمعه وكتابته، وقراءاته، ومحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وإعجازه، وأساليبه ودفع الشبه عنه ... إلخ ذلك.
ويتضح من هذا التعريف أن (علوم القرآن) علم عربي إسلامي في نشأته وتكوينه، بدأ مع نزول القرآن الكريم، وما زال ينضج ويتكامل حتى قيام الساعة.
٢ - موضوعه
القرآن الكريم من أية ناحية من النواحي المذكورة في التعريف.
٣ - فائدته
الثقافة العالية العامة في القرآن الكريم، والتسلّح بالمعارف القيّمة فيه، استعدادا لحسن الدفاع عن حمى الكتاب العزيز، وتسهيل خوض غمار تفسير القرآن الكريم، وهو من هذه الناحية كمثل علوم الحديث (المصطلح) لمن أراد أن يدرس علم الحديث.
٤ - تاريخ علوم القرآن
أ- عهد ما قبل التدوين: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعرفون عن القرآن وعلومه ما عرفه العلماء من بعد، ولكن معرفتهم لم تدوّن، ولم تجمع في كتاب،
стр. 5
لعدم حاجتهم إلى ذلك، فقد كان رسول الله ﷺ بين أظهرهم ينزل عليه الوحي فيرتّله على مسامعهم، ويكشف لهم عن معانيه وأسراره بوحي من ربّه، وكان الصحابة عربا خلّصا، يتّصفون بقوة الذاكرة وتذوّق البيان وتقدير الأساليب، فأدركوا من علوم القرآن ما لم ندركه نحن، وكانت الأمية متفشية بينهم ووسائل الكتابة بدائية وغير ميسّرة لديهم، ومع ذلك فقد نشطوا في نشر الإسلام وتعاليمه والقرآن وعلومه تلقينا ومشافهة.
ب- عهد التمهيد لكتابة علوم القرآن: إنّ ما تمّ في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ من جمع القرآن في مصحف إمام، ونسخ عدة نسخ منه لإرسالها إلى الأقطار الإسلامية- والذي نفصّل فيه القول في الباب الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى- كان الأساس لما يسمّى «علم رسم القرآن». وفي عهد عليّ ﵁ وضع الأساس لما يسمّى «علم النحو» بعد أن أمر عليّ ﵁ أبا الأسود الدؤلي أن يضع بعض القواعد، لحماية لغة القرآن من العجمة وتفشي اللحن بين الناس.
وفي العهد الأمويّ ساهم عدد من الصحابة والتابعين في وضع الأساس لما يسمّى «علم التفسير» و «علم أسباب النزول» و «علم الناسخ والمنسوخ» و «علم غريب القرآن».
ج- عهد التدوين: وفي هذا العهد ألّفت الكتب في أنواع علوم القرآن، واتّجهت الهمم أول الأمر إلى التفسير باعتباره أمّ العلوم القرآنية، ومن أوائل من كتب في التفسير شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح. وتفاسيرهم جامعة لأقوال الصحابة والتابعين، ثم تلاهم الطبري المتوفى سنة (٣١٠ هـ). وفي علوم القرآن الأخرى كتب علي بن المديني- شيخ البخاري- المتوفى سنة (٢٣٤ هـ) كتابا في «أسباب النزول» وأبو عبيد القاسم بن سلّام المتوفى سنة
стр. 6
(٢٢٤ هـ) كتب في «الناسخ والمنسوخ» وكلاهما من علماء القرن الثالث.
وأبو بكر السجستاني المتوفى (٣٣٠ هـ) كتب في «غريب القرآن» وهو من القرن الرابع، وعليّ بن سعيد الحوفي صنف في «إعراب القرآن» وهو من علماء القرن الخامس. وفي هذا القرن الخامس ظهر اصطلاح «علوم القرآن» وأول من كتب فيه هو علي بن سعيد الحوفي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ واسم كتابه: «البرهان في علوم القرآن» ويقع في ثلاثين مجلدا، والموجود منه الآن في دار الكتب المصرية (١٥) مجلدا. وفي القرن السادس ألّف ابن الجوزي المتوفى سنة (٥٩٧ هـ) كتابين هما:
«فنون الأفنان في علوم القرآن» و «المجتبى في علوم تتعلق بالقرآن».
وفي القرن السابع ألّف علم الدين السخاوي المتوفى سنة (٦٤١ هـ) كتابا سمّاه «جمال القراء». وألّف أبو شامة المتوفى سنة (٦٦٥ هـ) كتابا سمّاه «المرشد الوجيز فيما يتعلق بالقرآن العزيز».
وفي القرن الثامن كتب بدر الدين الزركشي المتوفى سنة (٧٩٤ هـ) كتابا وافيا سماه «البرهان في علوم القرآن». وألّف تقي الدين أحمد بن تيمية الحرّاني المتوفى سنة (٧٢٨ هـ) رسالة في أصول التفسير، وهي مشتملة على بعض موضوعات علوم القرآن.
وفي القرن التاسع: ألّف محمد بن سليمان الكافيجي المتوفى سنة (٨٧٣ هـ) كتابا في علوم القرآن، وألّف جلال الدين البلقيني المتوفى سنة (٨٢٤ هـ) كتابه «مواقع العلوم من مواقع النجوم».
وفي القرن العاشر ألّف جلال الدين السيوطي المتوفى سنة (٩١١ هـ) كتابه المشهور «الإتقان في علوم القرآن» وهو من أجمع الكتب في موضوعه، لأنه استفاد من مؤلفات السابقين وزاد عليها «١».
стр. 7
وفي عصر النهضة الحديثة أثرت المكتبة العربية وازدانت بمؤلفات عديدة في الموضوعات القرآنية وفي علوم القرآن بالذات ونستطيع أن نعدّ منها على سبيل المثال لا الحصر:
«التبيان في علوم القرآن» للشيخ طاهر الجزائري.
«منهج الفرقان في علوم القرآن» للشيخ محمد علي سلامة.
«مناهل العرفان في علوم القرآن» للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني.
«مباحث في علوم القرآن» للدكتور صبحي الصالح.
«من روائع القرآن» للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
«مباحث في علوم القرآن» للأستاذ مناع القطان.
стр. 8
الباب الأوّل معنى القرآن وفضله واحترامه
أولا: معنى القرآن لغة، وأسماؤه.
ثانيا: تعريف القرآن الكريم اصطلاحا.
ثالثا: فضل القرآن الكريم وأهميته في حياة المسلمين.
رابعا: فضل تلاوة القرآن الكريم.
خامسا: احترام القرآن الكريم.
стр. 9
أولا: معنى القرآن لغة وأسماؤه
«القرآن» هو أول أسماء الكتاب العزيز وأشهرها، وأصحّ الأقوال في شرح معناه اللغوي أنه مرادف للقراءة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٧ - ١٨] ثم نقل من هذا المعنى المصدري وجعل اسما لكلام الله المنزل على نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وقد قيل: إن اسم القرآن مشتق من القرء بمعنى الجمع؛ لأنه جمع ثمرات الكتب السماوية السابقة، والرأي الأوّل أصح.
وذهب الإمام الشافعي ﵁ إلى أن لفظ القرآن ليس مشتقا ولا مهموزا، وأنه قد ارتجل وجعل علما للكتاب المنزل، كما أطلق اسم التوراة على كتاب موسى، والإنجيل على كتاب عيسى ﵉.
ومن أسماء القرآن: الفرقان، ويعني أنه الكلام الذي يفرّق بين الحق والباطل.
قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: ١] ومن أسمائه المشهورة: الكتاب، والذكر، والتنزيل. قال تعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: ٣] وقال سبحانه: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ [الأنبياء: ٥٠] وقال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ١٩٢].
ويقف الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه القيم «النبأ العظيم» عند أشهر اسمين وهما «القرآن» و «الكتاب» ليستجلي الحكمة الربانية في ذلك، فيقول: روعي في
стр. 10
تسميته «قرآنا» كونه متلوّا بالألسنة، كما روعي في تسميته «كتابا» كونه مدوّنا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه.
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعا، أن تضلّ إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفّاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداء بنبيّها بقي القرآن في حرز حريز، إنجازا لوعد الله الذي تكفّل بحفظه حيث يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند «١».
стр. 11
ثانيا: تعريف القرآن الكريم اصطلاحا
القرآن هو اللفظ العربي المعجز، الموحى به إلى محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇، وهو المنقول بالتواتر، المكتوب في المصحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس.
شرح عناصر التعريف:
أ- المعجز:
القرآن هو معجزة الرسول الكبرى، وقد أعجز العرب وهم أهل الفصاحة بما تضمّنه من فصاحة وبلاغة، وأنباء الغيب، وأخبار الأمم السابقة، وما حواه القرآن من إعجاز علمي وتشريع محكم دقيق صالح لكل زمان ومكان، ومن الثابت أن النبيّ ﷺ تحدّى قومه بالقرآن وأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله، قال تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨].
وتحدّاهم بعد ذلك أن يأتوا بعشر سور، قال تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [هود: ١٣].
ولما عجزوا أيضا هذه المرة تحدّاهم أن يأتوا بأقصر سورة من مثله، قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [البقرة: ٢٣].
ولا شكّ أن هذا الإعجاز هو المقصد الأوّل من إنزال القرآن إثباتا لرسالة ونبوّة
стр. 12
محمد ﵊، ويأتي الكلام عن وجوه الإعجاز مفصلا في الباب الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ب- الموحى به:
والقرآن الكريم بجميع ألفاظه ومعانيه منزل من الله تعالى على محمد بن عبد الله ﷺ بواسطة جبريل ﵇، قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:
١٩٢ - ١٩٥].
وقال سبحانه: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٤]. وهذا أهم عنصر في تعريف القرآن، وتحديد ماهيته، وتعيين مصدره، وواسطة نقله. ولذلك لا بد من دراسة علمية وافية وموجزة عن كلمة الوحي وبيان معناها اللغوي والاصطلاحي.
١ - معنى الوحي لغة وشرعا:
لغة: يقال وحيت إليه وأوحيت: إذا كلّمته بما تخفيه عن غيره. والوحي:
الإشارة السريعة، ويكون ذلك على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرّد وبإشارة ببعض الجوارح. فمادة الكلمة إذا تدل على معنيين أصليين هما الخفاء والسرعة، ولذا قيل في معناه: الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجّه إليه بحيث يخفى على غيره. وهذا المعنى اللغوي للوحي يشمل:
١ - الإلهام الغريزي: كالوحي إلى النحل؛ قال الله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: ٦٨].
٢ - الإلهام الفطري؛ كالوحي إلى أمّ موسى: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص: ٧].
٣ - وسوسة الشيطان وتزيينه الشر في نفس الإنسان: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ [الأنعام: ١٢١].
стр. 13
٤ - الإشارة السريعة على سبيل الرمز، كإيحاء زكريا ﵇ لقومه:
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم: ١١].
٥ - وما يلقيه الله إلى ملائكته من أمر ليفعلوه: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [الأنفال: ١٢٦].
ووحي الله إلى أنبيائه قد روعي فيه المعنيان الأصليان لكلمة الوحي وهما:
الخفاء والسرعة، وهذا معنى المصدر. ويطلق الوحي على متعلّقه وهو ما وقع به الوحي، أي اسم المفعول: وهو ما أنزله الله تعالى على أنبيائه وما عرّفهم به من أنباء الغيب والشرائع والحكم، ومنهم من أعطاه كتابا، أي تشريعا، ومنهم من لم يعطه.
شرعا: أما التعريف الشرعي للوحي إلى الأنبياء فقد عرفوه بأنه: إعلام الله تعالى لنبيّ من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه. أو: هو كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه. وهو تعريف له بمعنى اسم المفعول، أي: للموحى به.
وعرّفه الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد، فقال: «عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوت يتمثّل لسمعه أو بغير صوت. ويفرّق بينه وبين الإلهام، بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس فتنساق إلى ما يطلب من غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والسرور».
وهو تعريف للوحي بمعنى المصدر، وبدايته تشمل ما يسمّونه بحديث النفس أو الكشف، ولكن التفريق بين الوحي وبين الإلهام في عجز التعريف ينفي هذا ويفسر معنى الوحي الشرعي: على ما يتلقاه النبيّ من خارج نفسه نازلا عليها من السماء، قال تعالى: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦].
٢ - أنواع الوحي:
للوحي أنواع ثلاثة، ذكرها الله تعالى في الآية الكريمة: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ
стр. 14
يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى: ٥١].
فالوحي أولا: إلقاء المعنى في القلب، وقد يعبّر عنه بالنّفث في الرّوع
قال ﷺ : «إن روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» «١»
وهو- بالضم- القلب والخلد والخاطر.
وثانيا: الكلام من وراء حجاب، وهو أن يسمع كلام الله من حيث لا يراه، كما سمع موسى ﵇ نداء ربه من وراء الشجرة قال تعالى:
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [القصص: ٣٠].
وثالثا: هو ما يلقيه ملك الوحي المرسل من الله تعالى إلى رسول الله، فيراه متمثلا بصورة رجل أو غير متمثل، ويسمعه منه أو يعيه بقلبه. وهذا النوع الثالث أشهر الأنواع
وأكثرها وقوعا، ووحي القرآن كلّه من هذا القبيل، وهو المسمّى:
(الوحي الجلي) قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
٣ - حالات الوحي:
كان جبريل ﵇ يأتي النبيّ ﷺ على حالات متنوعة:
١ - فتارة يظهر للرسول في صورته الحقيقية الملكية، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: ١٨] قال: رأى جبريل في
стр. 15
صورته، له ستمائة جناح «١».
٢ - وتارة يظهر في صورة إنسان يراه الصحابة ويستمعون إليه، كما في حديث عمر ﵁ الذي رواه البخاري: «بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ... »
وقال النبي ﷺ في آخر الحديث: «إنّه جبريل جاء يعلّمكم دينكم» «٢»
. وكان كثيرا ما يأتي في صورة (دحية الكلبيّ) الصحابي الجليل، وكان دحية من أجمل الصحابة.
٣ - وتارة يهبط الوحي على رسول الله ﷺ خفية فلا يرى، ولكن يظهر أثر التّغيّر والانفعال على النبيّ ﷺ فيغطّ غطيط «٣» النائم، ويثقل ثقلا شديدا حتى قد يتصبّب جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد.
وقد يكون وقع الوحي على رسول الله كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعه، وذلك أشدّ أنواعه، وربما سمع الحاضرون صوتا عند وجه رسول الله ﷺ كأنه دويّ النحل،
عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: كان إذا نزل الوحي على رسول الله ﷺ يسمع عند وجهه دويّ كدويّ النحل «٤»
. لكنهم لا يفهمون كلاما، أما هو فإنه يسمع ويعي ما يوحى إليه، ويعلم علما ضروريا أن هذا هو وحي الله دون لبس ولا خفاء، فإذا انجلى عنه الوحي وجد ما أوحي إليه حاضرا في ذاكرته، منقوشا في حافظته كأنما كتب في قلبه الشريف كتابة.
روى البخاري في صحيحه: عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنّ الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟
стр. 16
فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس- وهو أشدّه علي- فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» «١» قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا.
٤ - شبه الجاحدين والمنكرين للوحي:
وقد حرص هؤلاء الجاحدون قديما وحديثا أن يفسّروا حادثة الوحي بنظريات غامضة ومنحرفة، وتهدف في النهاية إلى إنكار رسالة محمد ﵊، فنجدهم يفسّرون ظاهرة الوحي بالإلهام النفسي تارة، وبالإشراق الروحي تارة أخرى، ويعميهم الحقد فيتجرّءون على القول بأنه ضرب من الصّرع والجنون كان ينتابه، وواضح أنّها شبه واهية لا تثبت أمام الوقائع النّيّرة والمنطق السليم والحكم العادل النزيه، والذي يهمنا أن نرد عليه هنا ونكشف زيفه هو ما يسمّيه الملحدون في هذا العصر ب (الوحي النفسي):
١ - إن حالة الإلهام النفسي، أو الإشراق الروحي، لا تستدعي الخوف والرعب وتغيّر اللون، لأن الصفاء النفسي والتدرّج في التفكير والتأمل لا ينسجم مع حالة الخوف والاضطراب، بل هما حالتان متناقضتان تماما، وخوف النبيّ ﷺ ثابت
في حديث بدء الوحي وفيه: «فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: زمّلوني زمّلوني، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي «٢»» «١».
وقد ذكرنا في حالات الوحي ما كان يعتري رسول الله ﷺ من تغير واضطراب وتصبّب العرق من جبينه وهو على مرأى من أهله وأصحابه.
стр. 17
٢ - واقتضت حكمة الله تعالى أن يحتجب الملك عن رسول الله «١» مدة بعد رؤيته له في غار حراء، فاستبدّ به القلق، وخاف أن يكون الله تعالى قد قلاه لسوء صدر منه، وراحت نفسه تحدّثه كلما وصل إلى ذروة جبل أن يلقي بنفسه منها ...
إلى أن رأى جبريل وقد ملأ شكله ما بين السماء والأرض يناديه، ويقول: يا محمد أنت رسول الله حقّا وأنا جبريل «٢».
وهذا الانقطاع الذي حصل في حياة النبيّ ﷺ يجعل القول بأن الوحي إلهام نفسيّ كلاما باطلا وضربا من الجنون.
٣ - إن جانبا عظيما من القرآن الكريم احتوى على أنباء من سبق من الأمم والجماعات، وقصص الأنبياء، وذكر الأحداث التاريخية بوقائعها الصحيحة الدقيقة.
وهذه الأخبار لا يمكن أن يقول عاقل بأنها إلهام نفسي أو إشراق روحي، لأنها لا تعتمد إلا على التلقي والتعليم؛ قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [يوسف: ٣] وقال سبحانه: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].
٤ - واحتوى القرآن كذلك على حقائق علمية، ونظريات طبيعية وفلكية تثبت الأيام بعد تقدّم العلم صحتها وأسبقيتها، قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣]. وتضمّن القرآن في بيان العقائد أمورا تفصيلية عن بدء الخلق ونهايته وعن الحياة الآخرة وما فيها من الموقف
стр. 18
والحساب والجنة والنار، ويضاف إلى ذلك كله ما تضمّنه القرآن من أحكام قاطعة عن أخبار المستقبل، وما يجري من أحداث تقع وفق سنن الله الاجتماعية في القوة والضعف والعزة والذلة. والذي ينطق بهذا رجل أميّ لم يعرف الكتابة ولم يقرأ في كتاب، ومع ذلك يتحدّى بما جاء به جميع الناس في كل أرض وفي كل زمان. إن التفسير المنصف لما جاء به هو الإيمان بهذا الاتصال الذي حدث بين الأرض والسماء عن طريق الوحي لتبليغ هداية الله؛ قال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣ - ٤].
يقول الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه (النبأ العظيم):
هذا الرأي هو الذي يروّجه الملحدون اليوم باسم (الوحي النفسي) زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاءونا برأي علمي جديد، وما هو بجديد، وإنما هو الرأي الجاهلي القديم، لا يختلف عنه في جملته ولا في تفصيله، فقد صوّروا النبيّ ﵊ رجلا ذا خيال واسع وإحساس عميق فهو إذا شاعر، ثم زادوا فجعلوا وجدانه يطغى كثيرا على حواسه حتى يخيّل إليه أنه يرى ويسمع شخصا يكلّمه، وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة أخيلته ووجداناته فهو إذا الجنون أو أضغاث الأحلام، على أنهم لم يطيقوا الثبات طويلا على هذه التعليلات، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة (الوحي النفسي) حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلة، فقالوا: لعله تلقّفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة، فهو إذا قد علّمه بشر. فأيّ جديد ترى في هذا كله؟ أليس كله حديثا معادا يضاهون به قول جهّال قريش؟ وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة متّسخة، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه، وكان غذاء هذه القلوب المتحضّرة في العصر الحديث مستمدّا من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجّرة في عصور الجاهلية الأولى، قال تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة:
١١٨].
стр. 19
وبعد هذه العجالة في بيان معنى الوحي، وردّ شبه الجاحدين له، نعود إلى شرح عناصر التعريف للقرآن الكريم.
ج- المتعبّد بتلاوته:
وهذا يعني أن قراءة آيات القرآن الكريم عبادة، يتقرّب بها المؤمن من خالقه، ويكتب له بها الأجر الجزيل والثواب العظيم، كما سيأتي عند الكلام عن فضل قراءة القرآن.
ومما يدلّ على أهمية التلاوة في مجال العبادة: أنّ الصّلاة لا تصحّ إلا بقراءة آيات من القرآن، ولا يغني عنه شيء من الأذكار والدعاء، قال الله تعالى: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل: ٢٠].
وقال ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» «١».
د- المنقول بالتواتر:
ومعنى التواتر هو نقل الجمع عن الجمع بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب، ومن المسلّم به تاريخيا: أن أصحاب رسول الله ﷺ تلقّوا القرآن مشافهة من فم رسول الله وحفظه أكثرهم، ونقلوه إلى جيل التابعين، وهكذا بقي القرآن ينتقل من جيل إلى جيل آخر حتى وصلنا، وهذا يجعلنا نجزم بأن القرآن نقل إلينا بالتواتر، نقلته جموع المسلمين عن جموعهم إلى النبيّ ﷺ ، بحيث قطع بصدق وضبط كل طبقة منهم واستحالة اتّفاقهم على الكذب، وفي أبحاثنا القادمة سندرس بالتفصيل كيف نقلت الأجيال المسلمة هذا القرآن بالحفظ في الصدور والكتابة في السطور، مما يثلج صدر المسلم ويزيده يقينا بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحافِظُونَ
[الحجر: ٩].
стр. 20
وهذه العناصر الأربعة من عناصر تعريف القرآن، تحدّد حقيقة القرآن، وتميّزه عن غيره من الحديث النبوي، أو الحديث القدسي، أو القراءات الشاذة، أو الترجمة الحرفية، أو غير الحرفية للقرآن، لأن الحديث ليس بمعجز، والقراءات الشاذة غير متواترة، والترجمة ليست هي اللفظ المنزل.
стр. 21
ثالثا: فضل القرآن وأهميته في حياة المسلمين وضرورة العمل به وأثره في العالم
١ - فضل القرآن الكريم
القرآن هو كتاب الله الخالد، وحجته البالغة على الناس جميعا، ختم الله به الكتب السماوية، وأنزله هداية ورحمة للعالمين، وضمّنه منهاجا كاملا وشريعة تامّة لحياة المسلمين، قال تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً [الإسراء: ٩].
والقرآن معجزة باقية ما بقي على الأرض حياة أو أحياء، أيّد الله تعالى به رسوله محمدا ﷺ وتحدّى الإنس والجنّ على أن يأتوا بسورة من مثله، فكان عجز البلغاء والفصحاء قديما وحديثا أكبر دليل على سماويّة هذا الكتاب وأنه كلام ربّ العالمين، قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء: ٨٨].
ونقتصر في بيان فضل القرآن على وصف الله تعالى، ووصف رسول الله ﷺ له، وشهادة أحد أعداء الإسلام بفضله.
(١) - الله يصف القرآن الكريم
وصف الله القرآن بأوصاف عديدة هي أسماء له، تدلّ على عظيم فضله وعلوّ منزلته:
١ - وصفه الله بأنه روح، والروح بها الحياة، قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا
стр. 22
إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢].
٢ - ووصفه بأنّه نور، والنور به الإبصار، قال تعالى:
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ [المائدة: ١٥ - ١٦].
٣ - ووصفه بأنه الهادي إلى أفضل طريق إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩].
٤ - ووصفه بأنه شفاء ورشاد، قال تعالى: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ [فصلت: ٤٤].
٥ - وهو كتاب الحق الذي لا يعرض له الباطل قط، قال تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥] وقال سبحانه: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
(٢) النبيّ العظيم يصف القرآن
ووصف النبيّ ﷺ القرآن الكريم، فكان وصفا حافلا بمزايا القرآن، جامعا لفضائله؛
روى الترمذيّ عن عليّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق (لا يبلى) على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتى قالوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن: ١ - ٢]. ومن قال به صدق
стр. 23
ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» «١».
(٣) الوليد بن المغيرة يصف القرآن
وهذا الوليد بن المغيرة، وهو كافر يظهر العداوة لرسول الله ﷺ يصف القرآن الكريم وصفا دقيقا وصادقا يشهد بفضل كلام الله وعظمته وتميزه عن كلام المخلوقين؛ أخرج الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس ﵄ قال: إن الوليد بن المغيرة المخزوميّ، وهو أحد رؤساء قريش، جاء إلى النبيّ ﷺ فقرأ عليه القرآن. فكأنّه رقّ له، وقال: يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة- يعني محمدا ﷺ فو الله ما هو بشعر، ولا سحر، ولا بهمز من الجنون، وإنّ قوله لمن كلام الله. فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا:
والله لئن صبأ الوليد لتصبون قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته فقال: يا عمّ، إنّ قومك يريدون أن يجمعوا
لك مالا ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا. قال: فقل فيه قولا يبلغ قريشا أنك تنكر له.
فقال: وماذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، لا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ. والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئا من هذا. والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى عليه. فقال أبو جهل: والله ما يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قولا. قال: فدعني أفكر، فلما فكّر قال: هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. فخرج على قومه بهذا القول الآثم، فأنزل الله فيه قوله تعالى:
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ
стр. 24
وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر: ١٨ - ٢٤] «١»
٢ - أهمية القرآن في حياة المسلمين
تكمن أهمية القرآن الكبرى فيما اشتمل عليه من هداية إلى العقائد الصحيحة، والعبادات الحقة، والأخلاق الكريمة، والتشريعات العادلة، وما اشتمل عليه من تعاليم بناء المجتمع الفاضل، وتنظيم الدولة القوية.
وإنّ المسلمين لو جدّدوا إيمانهم بأهمية هذا الكتاب الكريم، وكانوا جادّين في الالتزام والطاعة لما فيه من أوامر وتوجيهات إلهية حكيمة، فإنهم يجدون ما يحتاجون إليه من حياة روحية طاهرة، وقوة سياسية وحربية، وثروة وحضارة، ونعم لا تعدّ ولا تحصى؛ قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى «٢» آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦].
وإذا أراد المسلمون الخير والصلاح والعزّة لأنفسهم وأمتهم، فعليهم اتّباع هدي نبيّهم ﷺ وصحابته الكرام ﵃ في حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه؛ لأنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوّلها.
٣ - أثر القرآن في العالم
من المعلوم أن لهذا القرآن ما يشبه السحر في تأثيره على النفوس والقلوب، ومن الثابت تاريخيا أن هذا التأثير كان له فعله في أنفس المؤمنين خاصّة، وفي أنفس المشركين عامة، والآن بعد تعاقب الشهور والسنين والقرون لا تزال للقرآن جدّته،
стр. 25
ولا يزال له تأثيره، بل زادت قوّته قوة وحجّته حجة، فملايين المسلمين يطبقون أحكام القرآن ويطيعون أوامره بشكل اختياري ومن غير أي إجبار أو إكراه، وملايين الألسنة تتلوه صباح مساء، وإذا عات العالم تبثّ آياته من أقصى الأرض إلى أقصاها، والمطابع تدفع كلّ يوم آلاف النسخ إلى جميع أنحاء العالم، وفي كلّ عام نجد القرآن الكريم ينير بآياته مساحة جديدة من الأرض، وينشر الإسلام في أناس لم يكونوا في عداد المسلمين من قبل. ومع ذلك فإنّ المسلم يجد هذا الأثر جزئيا بالمقارنة مع ما يطمح إليه من وصول هداية القرآن للناس جميعا، وتخليص العالم من شرور المدنية المادية الحديثة، وإنقاذهم من واقع حياتهم المليء بالرذائل والأهواء والتفنّن في إثارة الشهوات.
وهذا متوقف ولا شك على عودة المسلمين إلى قرآنهم عودة صادقة، ليسترشدوا بآياته، ويلتزموا بأحكامه، ويتعظوا بعبره ودروسه.
وعندها يمكن للمسلمين أن يكونوا دعاة إصلاح وسلام صادقين وناجحين، كما صدق ونجح أسلافهم من قبل، ويوم يتحقّق ذلك يفرح المؤمنون بنصر الله.
стр. 26
رابعا: فضل تلاوة القرآن، وآداب التلاوة، وحكم التغني بالقرآن
١ - فضل تلاوة القرآن
تلاوة القرآن سنة من سنن الإسلام والإكثار منها مستحبّ، لأنها وسيلة إلى فهم كتاب الله والعمل به، وفضلها ثابت في القرآن الكريم والسنة الشريفة، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٢٩ - ٣٠].
وروى مسلم عن أبي أمامة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» «١».
وروى أبو داود والنسائي والترمذي، عن رسول الله ﷺ قوله: «يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق، ورتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا، فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرأ» «٢».
والتلاوة مع إخلاص النية عبادة يؤجر عليها المسلم، وتقرّبه من خالقه؛
روى الترمذيّ عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله به حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول
стр. 27
(الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» «١».
وروى البخاريّ ومسلم عن عائشة ﵂: أن النبيّ ﷺ قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاقّ له أجران» «٢».
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يحافظون على تلاوة القرآن، ومنهم من كان يختم في اليوم والليلة، ومنهم من كان يختم في أكثر؛
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ القرآن في شهر». قلت: إني أجد قوة، قال: «اقرأه في عشر». قلت: إني أجد قوة، قال: «اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك» «٣».
وأما القدر الذي ينبغي للمسلم أن يقرأه ليختم القرآن: فيختلف باختلاف الأشخاص، يقول النووي في كتابه «الأذكار»: «المختار أن ذلك مختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذلك من كان مشغولا بنشر العلم أو فصل الحكومات أو غير ذلك من مهمّات الدين والمصالح العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، ولا فوات كماله، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملل أو الهذرمة في القراءة» «٤».
стр. 28
٢ - آداب التلاوة
القرآن الكريم كلام الله تعالى، ولتلاوة كلام الله آداب يجب مراعاتها والمحافظة عليها، وهي:
١ - إخلاص النية لله، والتجرّد عن الأهواء والرغبات والأغراض الدنيوية الزائلة، لأن بعض هذه الأشياء إن وجد كان حجابا كثيفا بين القارئ أو السامع وبين كلام الله تعالى.
٢ - تحسين الهيئة واستقبال القبلة، والتّطهّر والتّطيب، وتنظيف الفم بالسّواك، وترك العبث أو الالتفات.
٣ - استحضار القلب، والتّأهّب لقراءة القرآن كأنما يسمع من الله سبحانه.
٤ - الاستعاذة: عند ابتداء القراءة؛ لقوله تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]. ثم البسملة في مطلع كل سورة سوى سورة «براءة».
٥ - الخشوع والتدبّر في معاني القرآن، والوقوف على كل عبرة ومعنى والتأثر بكل وعد ووعيد؛ قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]. وقال سبحانه: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: ١٠٩].
٦ - تحسين الصوت بالقرآن، وتجويده وترتيله ترتيلا حسنا؛ قال تعالى:
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٤].
وقال رسول الله ﷺ : «زيّنوا القرآن بأصواتكم» «١».
٧ - الاجتماع للقراءة، وتوسيع المجلس ليتمكن القرّاء من الجلوس فيه؛ لما
стр. 29
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» «١».
٨ - ويجب على السامع للقرآن أن ينصت ويفكّر في آياته، سواء أكان يسمعه من قارئ أو من مذياع ... قال تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٣].
٣ - التغني بالقرآن
ذكرنا فيما سبق أن من آداب التلاوة: تحسين الصوت وتجويد التلاوة، ونزيد هنا هذا الأمر وضوحا فنقول: إنّ تحسين الصوت وتزيينه بالقرآن مستحب ولو بالألحان العربية المعروفة، ولكن بشرط مراعاة آداب القرآن وملاحظة الأحكام المنصوص عليها في علم التجويد، وعدم الإخلال بأيّ حكم من أحكام القرآن، ويؤيّد هذا
قول النبيّ ﷺ لأبي موسى الأشعري: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» «٢»
أي أوتيت صوتا حسنا. وكان عبد الله بن مسعود ﵁ قارئا نديّ الصوت ويجيد تلاوة القرآن،
وقد قال عنه رسول الله ﷺ : «من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» «٣»
يعني ابن مسعود.
وعن البراء بن عازب ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ قرأ في
стр. 30
العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحدا أحسن صوتا منه «١»
. متفق عليه.
وفي أبي داود والبخاري تعليقا، أن النبيّ ﵊ قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم، ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» «٢».
أما المبالغة في التجويد إلى حد الإفراط والتكلّف فحرام؛ لأن فيها زيادة حرف أو إخفاء حرف، ويوضح الماوردي في كتابه «الحاوي» هذا الحكم فيقول:
«القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صفته بإدخال حركات فيه، وإخراج حركات منه، أو قصر ممدود، أو مدّ مقصور، أو تمطيط يخفى فيه اللفظ فيلتبس به المعنى، فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع، وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقرأ به على ترتيله كان مباحا؛ لأنه زاد بألحانه في تحسينه».
وقد نبّه العلماء على ما ابتدعه الناس من قراءة القرآن بنغم شجيّ يتردّد فيه الصوت تردّد الوقع الموسيقى، وعبّر الرافعي في كتابه «إعجاز القرآن» عن ذلك بقوله: «ومما ابتدع في القراءة والأداء هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتناقله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم، ويقرءون به على ما يشبه الإيقاع، وهو الغناء! .. ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم (الترعيد): وهو أن يرعد القارئ صوته، كأنه يرعد من البرد أو الألم ... و (الترقيص): وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة كأنّه في عدو أو هرولة، و (التّطريب) وهو أن يترنّم بالقرآن ويتنغم به فيمدّ في غير مواضع المد، ويزيد في المد إن أصاب موضعه، و (التحزين) وهو أن يأتي القراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع،
стр. 31
ثم (الترديد) وهو ردّ الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن واحد على وجه من تلك الوجوه.
وإنما كانت القراءة تحقيقا: وهو إعطاء كل حرف حقّه على مقتضى ما قرّره العلماء مع ترتيل وتؤدة، أو حدرا: وهو إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة شروط الأداء الصحيحة، أو تدويرا: وهو التّوسّط بين التحقيق والحدر» «١».
وقد أخرج الطبراني والبيهقي، أن النبيّ ﷺ قال: «اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق، فإنه سيجيء أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم» «٢».
стр. 32
خامسا: احترام القرآن معناه ومظاهره- البدع المتعلقة بذلك
١ - احترام القرآن:
معناه: لا ريب أن الاحترام الحقيقي للقرآن الكريم إنما يكون بالإكثار من تلاوته، وإتقان حفظه، والعمل بما جاء في آياته، وما طواه في صفحاته من امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ووقوف عند حدوده، وتأدّب بآدابه، واتخاذه ميزانا في القبول والرفض، والأخذ والترك، والحب والبغض، وأن يكون القرآن هو الغاية في العلم والأدب والعقيدة والعمل، والمنهج والسلوك.
ومن المؤكد أن الغرض من نزول القرآن الكريم على محمّد بن عبد الله ﷺ هو هداية الناس إلى الحق «١»، وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ قال تعالى:
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥ - ١٦].
مظاهره: وإلى جانب هذا الاحترام الحقيقي لا بد من مراعاة مظاهر التعظيم والتوقير لكتاب الله تعالى ومنها: وجوب الطهارة عند مسّ القرآن، قال تعالى:
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٩]
وعن ابن عمر ﵄، قال:
стр. 33
قال رسول الله ﷺ : «لا يمسّ القرآن إلا طاهر» «١»
، ووجوب حفظ كتاب الله في غلاف خاص مناسب جميل، والحرص على نظافته، ووضعه في مكان لائق، وعدم إلقائه على الأرض.
وقد أفتى العلماء بكفر من رمى به في قاذورة، وبحرمة بيعه لمن يخشى منه عدم احترامه.
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر به إلى أرض العدو، إذا خيف وقوع المصحف في أيديهم «٢».
وقد ورد عن سلفنا الصالح ما يدلّ على تعظيمهم لكتاب الله وإجلالهم له بأقوالهم وأفعالهم؛ قال قتادة ﵁: ما أكلت الكرّاث منذ قرأت القرآن.
وقال يزيد بن أبي مالك: إنّ أفواهكم طرق من طرق القرآن فطهّروها ونظّفوها ما استطعتم. وقال الراوي الذي يحدث عنه: فما أكل البصل منذ قرأ القرآن. وقال مجاهد: إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن حتى يذهب تثاؤبك. وقال النووي: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه؛ لأن القيام يستحب للعلماء والأخيار، فالمصحف أولى.
٢ - البدع المتعلقة باحترام القرآن والتحذير منها:
أ- تقبيل المصحف:
نتساءل في بحث احترام القرآن عن تقبيل المصحف، هل هو فعل مأثور ومشروع، أم بدعة مستحدثة؟ ونجد جوابا لهذا التساؤل في قول ضعيف أن التقبيل بدعة، ولكننا نتبيّن من التحقيق في ذلك أنه روي عن عمر بن الخطاب رضي الله
стр. 34
عنه، أنه كان يأخذ المصحف كلّ غداة ويقبّله ويقول: عهد ربّي ومنشور ربّي . وكان عثمان ﵁ يقبّل المصحف ويمسحه على وجهه.
وهذا يدل على أنّ التقبيل للمصحف مع العمل بآياته وأحكامه مستحسن، اقتداء بعمر وعثمان ﵄؛ لما
رواه أبو داود من قول النبيّ ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» «١».
وأما التقبيل للمصحف مع ترك العمل به، فهو مخالفة ظاهرة لسنّة الخلفاء الراشدين، واحترام سطحيّ وظاهريّ لا يقام له وزن ولا قيمة.
ب- تعليق المصحف بالأعناق:
إذا علّق المؤمن أو المؤمنة المصحف الشريف أو آيات من القرآن تعظيما له أو بنية الحفظ أو الاستشفاء به فهو جائز. وأما إذا علّقه بنية الزينة، أو لعادة جرت (موضة) أو
غير ذلك مما يوهم الاستعمال، أو يكون لغير التعظيم فلا يخلو من كراهة أو حرمة، وهذا كلّه مع ملاحظة أن يكون القرآن مخطوطا بشكل ظاهر ويقرأ بأدنى تأمل، أما ما اعتاده الناس في أيامنا هذه من حمل مصحف صغير الحجم جدا، فقد نصّ الفقهاء على كراهة ذلك، ففي الدر المختار: «ويكره تصغير مصحف وكتابته بقلم دقيق». وكذا ما يفعله بعض النساء أو بعض طالبات المدارس خاصة من وضع مصحف صغير في علبة مذهبة وتعليقه على نحورهن، مظهرات صدورهن في الأسواق أمام الرجال، فهذا حرام قطعا، لإضافتهن على ما تقدم تكشيف العورات، ولا يقبل منهن هذا الاحترام الزائف للقرآن، ولا عذر لهن في أنهن يفعلن ذلك ليتميزن عن غيرهن من غير المسلمات؛ لأن المرأة المسلمة والفتاة المؤمنة يميزها سترها ودينها وخلقها.
стр. 35
ج- الاستخارة بالقرآن:
ومن الناس من يعبّر عن احترامه للقرآن بتصرّف غريب، وهو أخذ الفأل من القرآن، فإن وجد آية تأمر بفعل شيء فعل، كأن يسافر أو يتزوج، وإن وجد آية تنهى عن فعل شيء، ترك الفعل، ويفهم أنه نهي عنه، وذكر فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين في كتاب «بلاغة القرآن» أنه حكى بعض المؤرخين أن بعض العلماء أراد السفر في البحر ففتح المصحف وقابله قول الله تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [الدخان: ٢٤] فترك السفر، وغرق المركب في البحر براكبيه. وهذا الذي حدث مجرّد مصادفة، والقرآن لم ينزله الله تعالى لأخذ الفأل منه، بل أنزله ليكون شفاء لما في الصدور.
ومن الناس من يستخير بالقرآن بطريقة أخرى، وهي أن يأخذ المصحف ويفتحه عفوا ثم ينظر إلى أولى سطر في الصحيفة الأولى، وبعضهم يعدّ سبع ورقات ثم سبعة أسطر ثم سبع كلمات، ثم يقرأ، فإن وجد آية تأمر بفعل شيء فعل، وإن وجد آية تنهى عن فعل شيء ترك الفعل، وهذه الاستخارة لا أصل لها في الشرع ولم تنقل عن أحد من الأئمة أو العلماء، وهي مبنية على المصادفة والمخاطرة، والقرآن إنما أنزل كتاب هداية كما ذكرنا من قبل.
وقد شرع النبيّ ﵊ صلاة الاستخارة ودعاءها،
ففي البخاري عن جابر ﵁ قال: كان النبيّ ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلّها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب.
اللهمّ إن كنت تعلم أنّ هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي
стр. 36
ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به»
قال: ويسمّي حاجته «١».
وينظر المسلم بعد صلاة الاستخارة ودعائها إلى انشراح صدره، فإن لم ير شيئا كرّر الصلاة والدعاء سبعا،
لحديث ابن السني: «إذا هممت بأمر فاستخر ربّك فيه سبع مرات» «٢»
وقد كان الصحابة يكرّرونها.
وحرام على المسلم أن يلجأ إلى غير هذا الطريق القويم، كأن يلجأ إلى الاستخارة بمثل هذه البدع المتقدمة، والتي ليس فيها أي احترام لكتاب الله، وحرام عليه أن يلجأ إلى منجم أو عرّاف، وجمود منه أن يطلب من غيره أن يستخير له ويترك إحياء سنة الاستخارة الشرعية الميسرة بنفسه.
стр. 37
سادسا: أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه، والمداواة به
١ - أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه:
تعليم القرآن فرض كفاية، وحفظه واجب على الأمة، حتى لا ينقطع عدد التواتر فيه حفظا، ولا يتطرّق إليه التبديل والتحريف؛
روى البخاري عن عثمان بن عفان ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» «١».
وقد اختلفت أنظار الفقهاء في أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه:
فذهب الجمهور- منهم مالك والشافعي- إلى جواز أخذ الأجرة على ذلك، واستدلّوا بما
رواه البخاري عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» «٢»
، ويؤيّده
ما رواه البخاري وغيره أن النبيّ ﵊ جعل تعليم الرجل لامرأته القرآن مهرا لها فقال له:
«زوّجناكها بما معك من القرآن» «٣».
وذهب الحنفية إلى تحريم أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه، واستدلوا بما
أخرجه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت قال: علّمت ناسا من أهل الصّفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا، فقلت: ليست لي بمال، فأرمي
стр. 38
عليها في سبيل الله، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليّ قوسا ممن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن، وليست لي بمال فأرمي عليها في سبيل الله؟ فقال: «إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقا من نار فاقبلها» «١».
وما رواه الإمام أحمد والبزار: أن النبيّ ﷺ قال: «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به» «٢».
وفي حاشية العلامة ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار): (أن أصول المذهب تقتضي أن الإجارة على الطاعات غير صحيحة؛ لأنّ كلّ طاعة يختص بها المسلم لا يصح الاستئجار عليها؛ ولأن كل قربة تقع من العامل إنما تقع عنه لا عن غيره، فلو لم يكن أهلا لأدائها لا تقع منه، فلا يصح له أن يأخذ عليها أجرا من غيره).
ولكن المتأخرين من الحنفية أفتوا بجواز أخذ الأجرة على بعض الطاعات للضرورة، فأجازوا أخذ الأجرة على تعليم القرآن، خوفا من ضياعه، ومثله تعليم الفقه وغيره من العلوم الشرعية حتى لا يبقى الناس جهّالا في دينهم، وكذا أجازوا أخذ الأجرة على الأذان، والإمامة، والخطابة، والتدريس، والوعظ، خوفا من تعطيلها. أما قراءة القرآن على المقابر وفي الولائم والمآتم، فإنه لا يصحّ الاستئجار عليها إذ لا ضرورة تدعو إليها.
والذي ترتاح إليه نفس المؤمن عدم اتخاذ قراءة القرآن وسيلة للتكسب أو للتسول، وعدم قراءته من غير اتعاظ أو خشية، كما يحصل في بعض مجالس الولائم والمآتم، حيث يتأوّه الناس أو يطربون لصوت القارئ، دون تدبّر أو فهم
стр. 39
لمعنى القرآن، فهذا ولا شكّ حرام لا يجوز إقراره أو السكوت عليه.
٢ - المداواة بالقرآن:
المداواة بالقرآن أو ما يسمّى بالرقية، وهي قراءة القرآن على المريض بقصد الاستشفاء جائزة، وأخذ الأجرة عليها جائز أيضا،
فقد روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات «١».
وفي رواية أخرى: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي «١».
وأخرج البخاريّ ومسلم، وغيرهما، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: كنّا في مسير لنا، فنزلنا منزلا، فجاءت جارية، فقالت: إنّ سيّد الحيّ سليم. وإنّ نفرنا غيّب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنّا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية؟
أو: كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأمّ الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي- أو نسأل- رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبيّ ﷺ ، فقال:
«وما كان يدريه أنها رقية، اقسموا واضربوا لي بسهم» «٣».
[سليم: السليم اللديغ، سمي به تفاؤلا له بالسلامة. وإن نفرنا غيّب: النفر هاهنا الرجال خاصة، والغيّب: الغائبون عن الحيّ. نأبنه: أي نتهمه].
واحتجّ الشافعية وغيرهم بهذا الحديث على جواز أخذ العوض في مقابل قراءة القرآن كما سبق، ولا فرق عندهم بين قراءته للتعليم، وقراءته للطب.
стр. 40
أما الحنفية فقد أجابوا عن هذا الحديث، بأن الرقية ليست تلاوة فقط، بل المقصود منها الطبّ، وأخذ الأجرة على الطبّ جائز عندهم.