← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11426

الواضح في علوم القرآن

مصطفى ديب البغا

Полный текст (319 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به» قال: ويسمّي حاجته «١». وينظر المسلم بعد صلاة الاستخارة ودعائها إلى انشراح صدره، فإن لم ير شيئا كرّر الصلاة والدعاء سبعا، لحديث ابن السني: «إذا هممت بأمر فاستخر ربّك فيه سبع مرات» «٢» وقد كان الصحابة يكرّرونها. وحرام على المسلم أن يلجأ إلى غير هذا الطريق القويم، كأن يلجأ إلى الاستخارة بمثل هذه البدع المتقدمة، والتي ليس فيها أي احترام لكتاب الله، وحرام عليه أن يلجأ إلى منجم أو عرّاف، وجمود منه أن يطلب من غيره أن يستخير له ويترك إحياء سنة الاستخارة الشرعية الميسرة بنفسه.

стр. 37

سادسا: أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه، والمداواة به ١ - أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه: تعليم القرآن فرض كفاية، وحفظه واجب على الأمة، حتى لا ينقطع عدد التواتر فيه حفظا، ولا يتطرّق إليه التبديل والتحريف؛ روى البخاري عن عثمان بن عفان ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» «١». وقد اختلفت أنظار الفقهاء في أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه: فذهب الجمهور- منهم مالك والشافعي- إلى جواز أخذ الأجرة على ذلك، واستدلّوا بما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحقّ ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» «٢» ، ويؤيّده ما رواه البخاري وغيره أن النبيّ ﵊ جعل تعليم الرجل لامرأته القرآن مهرا لها فقال له: «زوّجناكها بما معك من القرآن» «٣». وذهب الحنفية إلى تحريم أخذ الأجرة على قراءة القرآن وتعليمه، واستدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت قال: علّمت ناسا من أهل الصّفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليّ رجل منهم قوسا، فقلت: ليست لي بمال، فأرمي

стр. 38

عليها في سبيل الله، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليّ قوسا ممن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن، وليست لي بمال فأرمي عليها في سبيل الله؟ فقال: «إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقا من نار فاقبلها» «١». وما رواه الإمام أحمد والبزار: أن النبيّ ﷺ قال: «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به» «٢». وفي حاشية العلامة ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار): (أن أصول المذهب تقتضي أن الإجارة على الطاعات غير صحيحة؛ لأنّ كلّ طاعة يختص بها المسلم لا يصح الاستئجار عليها؛ ولأن كل قربة تقع من العامل إنما تقع عنه لا عن غيره، فلو لم يكن أهلا لأدائها لا تقع منه، فلا يصح له أن يأخذ عليها أجرا من غيره). ولكن المتأخرين من الحنفية أفتوا بجواز أخذ الأجرة على بعض الطاعات للضرورة، فأجازوا أخذ الأجرة على تعليم القرآن، خوفا من ضياعه، ومثله تعليم الفقه وغيره من العلوم الشرعية حتى لا يبقى الناس جهّالا في دينهم، وكذا أجازوا أخذ الأجرة على الأذان، والإمامة، والخطابة، والتدريس، والوعظ، خوفا من تعطيلها. أما قراءة القرآن على المقابر وفي الولائم والمآتم، فإنه لا يصحّ الاستئجار عليها إذ لا ضرورة تدعو إليها. والذي ترتاح إليه نفس المؤمن عدم اتخاذ قراءة القرآن وسيلة للتكسب أو للتسول، وعدم قراءته من غير اتعاظ أو خشية، كما يحصل في بعض مجالس الولائم والمآتم، حيث يتأوّه الناس أو يطربون لصوت القارئ، دون تدبّر أو فهم

стр. 39

لمعنى القرآن، فهذا ولا شكّ حرام لا يجوز إقراره أو السكوت عليه. ٢ - المداواة بالقرآن: المداواة بالقرآن أو ما يسمّى بالرقية، وهي قراءة القرآن على المريض بقصد الاستشفاء جائزة، وأخذ الأجرة عليها جائز أيضا، فقد روى البخاري وغيره عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات «١». وفي رواية أخرى: كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي «١». وأخرج البخاريّ ومسلم، وغيرهما، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: كنّا في مسير لنا، فنزلنا منزلا، فجاءت جارية، فقالت: إنّ سيّد الحيّ سليم. وإنّ نفرنا غيّب، فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنّا نأبنه برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية؟ أو: كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأمّ الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئا حتى نأتي- أو نسأل- رسول الله ﷺ ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبيّ ﷺ ، فقال: «وما كان يدريه أنها رقية، اقسموا واضربوا لي بسهم» «٣». [سليم: السليم اللديغ، سمي به تفاؤلا له بالسلامة. وإن نفرنا غيّب: النفر هاهنا الرجال خاصة، والغيّب: الغائبون عن الحيّ. نأبنه: أي نتهمه]. واحتجّ الشافعية وغيرهم بهذا الحديث على جواز أخذ العوض في مقابل قراءة القرآن كما سبق، ولا فرق عندهم بين قراءته للتعليم، وقراءته للطب.

стр. 40

أما الحنفية فقد أجابوا عن هذا الحديث، بأن الرقية ليست تلاوة فقط، بل المقصود منها الطبّ، وأخذ الأجرة على الطبّ جائز عندهم.

стр. 41

الباب الثاني نزول القرآن الكريم الفصل الأول: نزول القرآن منجما والحكمة من ذلك. الفصل الثاني: أول ما نزل وآخر ما نزل منه. الفصل الثالث: نزوله وفقا للأسباب والحكمة من ذلك. الفصل الرابع: المكي والمدني وخصائص كل منهما.

стр. 42

الفصل الأول نزول القرآن الكريم منجما تمهيد: البحث في نزول القرآن بحث مهمّ وجليل، لأن العلم به أساس للإيمان بالقرآن وأنه كلام الله المنزل، وأساس للتصديق برسالة محمد ﷺ ، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. أ- تنزلات القرآن الكريم: للقرآن الكريم تنزلات ثلاثة: الأول: تنزله إلى اللوح المحفوظ، ودليل ذلك قول الله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١ - ٢٢]. الثاني: تنزله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ودليله قول الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدخان: ٣]. وقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] وقوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: ١٨٥]. وأخرج النسائي والحاكم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبيّ ﷺ «١».

стр. 43

وأخرج النسائي والحاكم من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. ثم قرأ: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا «١» [الإسراء: ١٠٥ - ١٠٦]. الثالث: تنزل القرآن من بيت العزة في السماء الدنيا على قلب النبيّ ﷺ بواسطة جبريل ﵇ منجما، قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]. ب- نزول القرآن منجما: تتابع نزول القرآن منجما، فكانت تنزل الآية أو الآيتان أو الآيات في أوقات مختلفة، ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]. ويضاف إلى هذا الدليل القرآني الصريح، أنه قد ثبت ثبوتا قاطعا في السنة والسيرة النبوية أن القرآن لم ينزل على رسول الله جملة واحدة، وإنما نزل مفرّقا خلال مدة بعثته المباركة والتي قدرت بثلاثة وعشرين عاما تقريبا، قال السيوطي في «الإتقان»: الذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة وغيرها: أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة، خمس آيات وعشرا، وأكثر وأقلّ، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة «٢»، وصحّ نزول عشر آيات من أول المؤمنون جملة «٣»، وصحّ نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء: ٩٥] وحدها «٤»، وهي

стр. 44

بعض آية «١» ... وكان هذا التنجيم في نزول القرآن سببا في اعتراض اليهود والمشركين وتساؤلهم: لماذا لم ينزل القرآن كما نزلت التوراة جملة واحدة؟ وقد أنزل الله آية كريمة تسجّل هذا الاعتراض وتردّ عليه، وهي قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]. حكم نزول القرآن منجما: نستطيع أن نتعرّف على حكم نزول القرآن منجّما من الآيتين الكريمتين: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ... [الإسراء: ١٠٦] وكَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] اللتين ورد فيهما الردّ على اعتراض المشركين واليهود بالحجة الدامغة، كما أن هناك أسرارا لهذا التنجيم تدرك بالعقل والاجتهاد، وهذه الحكم والأسرار هي: ١ - تثبيت فؤاد النبيّ ﷺ : وهذا ما صرّحت به الآية كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وكان النبيّ ﵊ بحاجة لهذا التثبيت وهو يواجه من الناس القسوة والنفور، ويجد من الكثيرين في مكة الغلظة والجفاء والإصرار على الكفر، مع رغبته الصادقة في هدايتهم إلى الحق، فكان الوحي يتنزل على رسول الله ﷺ بين وقت وآخر فيشحذ من همته ويزيد من صبره وتحمله، بل كان ينزل القرآن في أحلك الأوقات وأقسى الحالات شدة، وإذا بالآيات تدعو رسول الله ﷺ إلى متابعة الطريق بكل صبر وثبات، وتقصّ عليه ما لقي الأنبياء من أتباعهم من قسوة وعناد، قال تعالى:

стр. 45

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا [الأنعام: ٣٣ - ٣٤]. قال أبو شامة: «فإن قيل: ما السرّ في نزول القرآن منجما؟ وهلّا أنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولّى الله جوابه فقال تعالى: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ أي لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدّد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشدّ عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولذلك كان رسول الله ﷺ أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل» «١». ٢ - تيسير حفظ القرآن وتسهيل فهمه: وذلك لأن القرآن نزل على أمة تغلب فيها الأمية، فلا تعرف القراءة والكتابة، وإنما سجلها ذاكرتها؛ قال تعالى في إثبات ذلك: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ٢]. فكان من رحمة الله بهذه الأمة أن يسّر لها حفظ القرآن وسهّل عليهم فهم آياته التي تنزل مفرقة خلال فترات متقطعة من الزمن فيحفظونها ويفهمونها. وكأن القرآن بنزوله منجما رسم للصحابة الكرام منهجا تعليميا طبقوه في حياتهم وتوارثه عنهم التابعون وهو التعلّم التدريجي. أخرج البيهقي في (شعب الإيمان) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: تعلموا القرآن خمس

стр. 46

آيات خمس آيات «١». وأخرج ابن عساكر عن أبي نضرة قال: كان أبو سعيد الخدري ﵁ يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات «٢». ٣ - التدرج في التشريع: قضت إرادة الله أن يتم الإصلاح الاجتماعي بصورة تدريجية؛ لأنه ليس من الممكن أن ينقلب المجتمع الجاهلي الفاسد بين عشية وضحاها إلى مجتمع صالح، فكانت آيات القرآن تراعي الانقلاب التدريجي، وتراعي بناء الأسس الثابتة لهذا التغيير، فنزلت أولا الآيات المتعلقة بالعقيدة ودلائلها، والآيات الداعية إلى محاسن الأخلاق، حتى إذا آمن الناس وزكت نفوسهم نزلت آيات الحلال والحرام في تدرج حكيم. ويدل على ذلك ما رواه البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر. لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنى «٣». ٤ - مسايرة الحوادث: وإيجاد الحلول المناسبة للحوادث الطارئة، لتكون آيات القرآن أوقع في النفس وألصق بالحياة؛ ومن ذلك: لما توفي عبد الله بن أبيّ- رأس المنافقين- دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف قال عمر: أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟ يعدّد أيامه. ورسول الله ﷺ

стр. 47

يبتسم، ثم قال له: «إني قد خيّرت، قد قيل لي: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: ٨٠] فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر لزدت عليها». ثم صلّى عليه رسول الله ﷺ ، ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه، قال عمر: فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله ﷺ ، والله ورسوله أعلم، فو الله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ ... [التوبة: ٨٤] فما صلّى رسول الله ﷺ على منافق بعد حتى قبضه الله «١». وحين تخلّف نفر من المؤمنين الصادقين في غزوة تبوك، وأقاموا بالمدينة، ولم يجد رسول الله ﷺ لديهم عذرا، هجرهم وقاطعهم، حتى ضاقوا ذرعا بالحياة، ثم نزل القرآن بقبول توبتهم، فكان درسا في عدم التخلف عن الجهاد لا يمكن أن ينساه أو يتجاهله أي مسلم، قال تعالى: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٧ - ١١٨] «٢». ٥ - الدلالة القاطعة على أن القرآن كلام الله وحده: لقد عرفت أن هذا القرآن نزل مفرقا على رسول الله في مدة ثلاثة وعشرين عاما، تنزل منه الآية أو الآيات في فترات زمنية مختلفة، ومع ذلك فإنك تجده من أوله إلى آخره محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قويّ الاتصال، آخذا بعضه

стр. 48

برقاب بعض في سوره وآياته وجمله، وكأنه عقد فريد نظمت حباته بشكل دقيق وفريد بما لم يعهد له مثيل من كلام البشر لا من قبل ولا من بعد. قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: ١]. وهذا التناسق وعدم الاختلاف في أسلوب القرآن أكبر دليل على أنه كلام الله العليم الحكيم؛ إذ لو كان من كلام المخلوقين لظهر فيه الاختلاف من سنة إلى أخرى؛ قال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]. وحتى أحاديث النبيّ ﷺ رغم أنها في ذروة الفصاحة والبلاغة بعد القرآن، فإنها لا تنتظم حباتها في كتاب واحد سلس العبارة فيه وحدة وترابط كالقرآن، أو ما يدانيه في الاتساق والانسجام. ٦ - توثيق وقائع السيرة النبوية: والدلالة من خلال الآيات القرآنية المنجمة على أن محمدا ﷺ خاتم النّبيّين، وتشكّل السيرة النبوية من خلال الحوادث، وضمّها إلى قصص الأنبياء، وسير المرسلين، وحياة الأمم السابقين «١»، وتوثيق ذلك إلى درجة التواتر، ورسم القواعد التي تبنى وفقها السيرة النبوية بوصفها المقدمة للتاريخ الإسلامي منذ جيل الصحابة وحتى عصرنا الحاضر.

стр. 49

الفصل الثاني أول ما نزل وآخر ما نزل من القرآن يعتمد في هذا البحث على النقل والتوقيف، ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة، ويفيدنا في تمييز الناسخ من المنسوخ، ومعرفة تاريخ التشريع الإسلامي، ومراقبة سيره التدريجي، ويظهر مدى عناية سلفنا الصالح بالقرآن ومعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل منه. ١ - أول ما نزل: اختلف في تعيين أول ما نزل من القرآن، لورود أربعة أقوال في ذلك: القول الأول: أن أول ما نزل هو صدر سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١] ... إلى قوله تعالى: عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ٥]. وهذا أصح الأقوال ويستند إلى حديث صحيح رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عائشة ﵂ قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنّث فيه الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة ﵂ فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ : فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم

стр. 50

أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق ... حتى بلغ: ما لم يعلم) فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره» «١». القول الثاني: أن أوّل ما نزل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ويستند هذا القول إلى حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: سألت جابر بن عبد الله ﵄: أيّ القرآن أنزل قبل؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ فقلت: أو اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ. فقال: أحدثكم ما حدثنا به رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ : إني جاورت بحراء، فلما قضيت جواري نزلت، فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو- يعني جبريل- جالس على عرش بين السماء والأرض فأخذتني رجفة فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ «٢». والمعروف أن هذه الآية نزلت بعد فترة الوحي، فكانت أول ما نزل على الرسول بعدها. فلعل جابرا سمع من الرسول حديثه عن أول ما نزل عليه من القرآن بعد فترة الوحي فاعتبر ذلك أول ما نزل على الإطلاق. وأنه- ﵁ استخرج ذلك باجتهاده، وليس هو من روايته فيقدم عليه ما روته عائشة «٣».

стр. 51

القول الثالث: أن أول ما نزل هو الفاتحة، ويستند هذا القول إلى حديث مرسل رواه البيهقي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل؛ أن رسول الله ﷺ قال لخديجة ولم يذكر في السند اسم الصحابي: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا» فقالت: معاذ الله، ما كان ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له. وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة. فانطلقا، فقصّا عليه، فقال: «إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد! يا محمد! فأنطلق هاربا في الأفق» فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد! قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى بلغ: وَلَا الضَّالِّينَ «١». فلا يقوى على معارضة حديث عائشة ﵂ السابق في بدء الوحي، ولم يقل بهذا الرأي إلا قلة من العلماء، منهم الزمخشري صاحب (الكشاف). القول الرابع: أن أول ما نزل (بسم الله الرحمن الرحيم). ويستند هذا القول إلى ما أخرجه الواحدي بسنده عن عكرمة والحسن قالا: أوّل ما نزل من القرآن (بسم الله الرحمن الرحيم) وأول سورة (سورة اقرأ) «٢» . وهذا الحديث مرسل أيضا، فليست له قوة الحديث الصحيح، ويضاف إلى ذلك أن البسملة تجيء في أول كل سورة إلا ما استثني، ومعنى ذلك أنها نزلت صدرا لسورة اقرأ.

стр. 52

ومما ذكرناه تعقيبا على الأقوال الثلاثة المتأخرة يترجح القول الأول، وهو أنّ أوّل ما نزل صدر سورة (اقرأ). ٢ - آخر ما نزل: أما آخر ما نزل من القرآن، ففيه أقوال كثيرة أصحّها وأشهرها أنّه قول الله تعالى في سورة البقرة: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١]. فقد أخرج النسائي وغيره عن ابن عباس ﵄ أن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن «١» وعاش النبيّ ﷺ بعد نزولها تسع ليال. ومن الأقوال التي وردت «٢»: أن آخر ما نزل قوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وهي خاتمة سورة النساء. أو أن آخر ما نزل هو سورة الفتح: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. أو أن آخر ما نزل سورة المائدة، وفيها قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣]. وأصح ما يجاب به عن هذه الأقوال؛ أنها أواخر نسبية: فآية الكلالة آخر ما نزل في المواريث، وأن سورة المائدة آخر ما نزل في الحلال والحرام، وقد اتفق العلماء على أن آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... [المائدة: ٣] نزلت يوم عرفة من حجة الوداع «٣». وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بكى لما نزلت هذه

стр. 53

الآية، فقال له ﷺ : «ما يبكيك يا عمر؟» فقال: أبكاني أنّا كنّا في زيادة من ديننا، فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. قال: «صدقت» «١» . فكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ . أما سورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر: ١] فإنها آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبيّ ﵊، ويؤيده ما روي من أنه ﷺ قال حين نزلت: «نعيت إليّ نفسي» «٢» وكذلك فهم بعض كبار الصحابة. وأما آية وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] فهي آخر ما نزل مطلقا على الأرجح «٣»، ويؤيده ما روي أنه ﷺ لم يمكث بعدها إلا تسع ليال أو سبعة أيام، ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى.

стр. 54

الفصل الثالث نزول القرآن وفقا للأسباب والحكمة من ذلك وهذا المبحث من مباحث علوم القرآن مهم جدا لعلاقته بالتفسير والفهم لآيات الكتاب العزيز وأحكامه، لأنه يعتمد على فهم قسم من القرآن نزل لأسباب معينة؛ إجابة لسؤال، أو بيانا لحكم يتعلق بحادثة من الحوادث التي وقعت في حياة النبي ﵊. وتنقسم آيات القرآن إزاء هذا الموضوع إلى قسمين: قسم نزل ابتداء، أي بدون سبب من الأسباب، وموضوع هذا القسم غالبا: الحديث عن الأمم الغابرة وما حلّ بها، أو عن وصف الجنة والنار. وقسم نزل عقب حادثة أو سؤال، ومعظم موضوعات هذا القسم: التشريع والأحكام والأخلاق. ١ - حكمة ارتباط الآيات بأسباب النزول: علمنا مما سبق أن معظم الآيات المرتبطة بأسباب النزول إنما كان في التشريع والأحكام والأخلاق، والهدف منها التدرج في تحويل حياة الناس إلى الأفضل وهدايتهم إلى الأقوم، وإبعادهم عن كل ما هو سيئ وقبيح في حياتهم الجاهلية، ولذلك فإن آيات الأحكام والأخلاق لم تنزل ابتداء في فراغ، ولم تكن بعيدة عن أسبابها وظروفها العملية، حتى لا تكون نظرية وسطحية، ولا ريب أن القرآن سلك طريقا تربويا مؤثّرا حين قدّم للناس أحكامه وتوجيهاته الأخلاقية متصلة بالوقائع والأحداث، أو جوابا للأسئلة وحلا للإشكالات، حتى تمتزج الأحكام مع الوقائع

стр. 55

وتغرس الأخلاق في تربة التطبيق العملي فور نزولها، ويكون ذلك أدعى لحفظها وبيان قيمتها./ ٢ - أمثلة لأسباب النزول: ١ - أخرج البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: كنت أمشي مع النبيّ ﷺ بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه. فقالوا: حدثنا عن الروح. فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] «١». ٢ - أخرج الحاكم والترمذي عن عائشة ﵂، أنه جاء عبد الله بن أم مكتوم- وهو ضرير- فقال: يا رسول الله، أرشدني، وعند النبيّ ﷺ بعض عظماء المشركين، فجعل النبيّ ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخرين، فنزل قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى [عبس: ١ - ٤] «٢». ٣ - وأخرج الحاكم والترمذيّ عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى:

стр. 56

فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ [آل عمران: ١٩٥] «١». ٣ - أهمية معرفة أسباب النزول: تظهر أهمية معرفة أسباب النزول في توضيح معاني الآيات، ومعرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، كما أن هناك أبحاثا في أصول الفقه استندت على معرفة سبب النزول، أو أفادت منها، مثل: (خصوص السبب) و (عموم اللفظ). وقد ذهب الواحدي في كتابه (أسباب النزول) «٢» إلى أن: أسباب النزول أول ما يجب الوقوف عليه، وأول ما تصرف العناية إليه، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها. وقال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. ونذكر هنا مثالين للدلالة على أهمية العلم بأسباب النزول: المثال الأول: قول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١١٥]. إذ قد يفهم من الآية أن يتوجه المصلي في صلاته إلى أي جهة يشاء، وأنه لا يجب عليه أن يولّي وجهه شطر المسجد الحرام، ويستوي في ذلك المسافر والمقيم. ولكننا عند ما نعرف سبب النزول لهذه الآية يظهر لنا أنها تقتصر على أحوال معينة، وليست حكما عاما يعفي من التوجّه إلى المسجد الحرام؛ فقد روى البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄ أنها نزلت في صلاة المسافر النفل على الراحلة أينما توجّهت «٣».

стр. 57

المثال الثاني: قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما [البقرة: ١٥٨]. من المعروف أن السعي بين الصفا والمروة جزء من شعائر الحج واجب الأداء، وعبارة (لا جناح) في الآية الكريمة لا تفيد الوجوب، وقد أشكل هذا على عروة بن الزبير فسأل خالته السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، فأفهمته أن نفي الجناح في الآية ليس نفيا للفرضية، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين- وهم في مطلع عصر الإيمان- من أن السعي بين الصفا والمروة كان من عمل الجاهلية، فلقد كان على الصفا صنم يقال له: إساف، وكان على المروة صنم يقال له: نائلة، وكان المشركون في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة ويتمسحون بالصنمين. ولقد حطّم الصنمان بعد فتح مكة، لكن المسلمين تحرّجوا في الطواف بينهما فنزلت الآية «١». ٤ - طريقة معرفة أسباب النزول: إن الطريقة الوحيدة لمعرفة أسباب النزول مقصورة على النقل الصحيح، ولا يحل القول فيها إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب وبحثوا عن علمها: أ- فإن رويت أسباب النزول عن الصحابة فهي مقبولة، لأن أقوال الصحابة فيما لا مجال للاجتهاد فيه حكمها حكم المرفوع إلى النبيّ ﷺ ، ومن البعيد كل البعد أن يكون الصحابي قد قال ذلك من تلقاء نفسه. ب- وإن رويت أسباب النزول عن تابعي فحكمه أنه لا يقبل إلا إذا صحّ واعتضد بمرسل آخر، وكان الراوي له من أئمة التفسير الآخذين من الصحابة؛ كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.

стр. 58

٥ - اهتمام العلماء بالكتابة في أسباب النزول: اهتم العلماء الباحثون في علوم القرآن بمعرفة سبب النزول، ولمسوا شدة الحاجة إليه في تفسير القرآن، فأفرده جماعة منهم بالكتابة والتأليف، ومن أشهرهم: ١ - المحدث علي بن المديني شيخ الإمام البخاري المتوفى عام (٢٣٤ هـ)، مخطوط. ٢ - أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري المتوفى عام (٤٦٨ هـ)، مطبوع «١». ٣ - الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى عام (٨٥٢ هـ)، مخطوط. ٤ - الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى عام (٩١١ هـ)، والذي قال عن نفسه: وقد ألّفت فيه- أي في أسباب النزول- كتابا حافلا لم يؤلف مثله في هذا النوع سميته: (لباب النقول في أسباب النزول)، مطبوع.

стр. 59

الفصل الرّابع المكي والمدني وخصائص كل منهما من المعلوم أن القرآن الكريم قد بدأ نزوله في مكة، واستمر مدة ثلاثة وعشرين عاما تقريبا، وهذه المدة تنقسم إلى قسمين: مدة إقامة النبيّ ﷺ في مكة قبل الهجرة، ومدة إقامته في المدينة بعد الهجرة، ومن هنا تنوّع القرآن في مجموعه إلى مكي ومدني، وقد عني العلماء والرواة من سلفنا الصالح بتمييز هذين القسمين عن بعضهما واستخراج خصائص كل منهما، وذلك للفوائد التشريعية والتاريخية التي سنذكرها في هذا البحث. ١ - تحديد المكي والمدني: للعلماء في تحديد المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات: ١ - أن المكّي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، ويدخل في مكة ضواحيها، فيعتبر مكيّا ما أنزل على النبيّ ﷺ بمنى وعرفات والحديبية، كما يدخل في المدينة ضواحيها، فيعتبر مدنيا ما أنزل على النبيّ ببدر وأحد وسلع. وهذا الاعتبار الاصطلاحي مبني على مكان النزول فقط، فلا يفيد الحصر، لوجود آيات في القرآن أنزلت على الرسول في غير مكة والمدينة وفي غير ضواحيهما. ٢ - أنّ المكي ما وقع خطابا لأهل مكة، والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة، ويقال هنا: إن ما صدّر في القرآن بلفظ (يا أيها الناس) أو بصيغة

стр. 60

(يا بني آدم) فهو مكي؛ لأن الكفر كان غالبا على أهل مكة، فخوطبوا بيا أيها الناس أو يا بني آدم، وإن كان غيرهم داخلا فيهم. أما ما صدر من القرآن بعبارة (يا أيها الذين آمنوا) فهو مدني؛ لأن الإيمان كان غالبا على أهل المدينة، وإن كان غيرهم داخلا فيهم. ويعترض على هذا القول: أ- بأنه غير ضابط، ولا يفيد الحصر، لأن في القرآن ما نزل خطابا لغير الفريقين؛ مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ [الأحزاب: ١]. ب- وهذا التقسيم غير مطّرد، لوجود آيات مدنية صدّرت بصيغة (يا أيها الناس) ووجود آيات مكية صدّرت ب (يا أيها الذين آمنوا). ج- وهذا التقسيم لن يفيدنا شيئا في دراسة تاريخ القرآن الكريم؛ لما فيه من استبعاد الجانب الزمني. ٣ - أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة وإن كان نزوله بمكة. وهذا الاصطلاح هو أصوب وأشهر الاصطلاحات الثلاثة وأولاها بالقبول، لأنه يأخذ في اعتباره تاريخ النزول، ولهذا أهمية في معرفة الناسخ والمنسوخ واستنباط الأحكام. وعليه فآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] مدنية، مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجة الوداع. وكذلك آية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [النساء: ٥٨] فإنها مدنية، مع أنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم. ٢ - الطريقة الموصلة إلى معرفة المكي والمدني: إن الطريقة الوحيدة إلى معرفة المكي والمدني هي الرواية الصحيحية عن الصحابة والتابعين، لأنه لم يرد عن النبيّ ﷺ بيان للمكي والمدني، ولم يكن

стр. 61

المسلمون في زمانه بحاجة إلى هذا البيان، إذ هم يشهدون نزول الوحي ومكانه وزمانه وأسباب نزوله. ومن الثابت أن الصحابة رضوان الله عليهم قد اعتنوا بالقرآن عناية فائقة، فكانوا يحفظون مشاهداتهم لنزول الوحي ويؤرّخون كلّ آية بوقت ومكان نزولها؛ روى البخاريّ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله تعال إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه «١». وذكر السيوطي في (الإتقان) نقلا عن كتاب (الحلية) بالسند: أن رجلا سأل عكرمة ﵁ عن آية من القرآن فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل، وأشار إلى سلع «١». ٣ - خصائص كلّ من المكي والمدني: ذكرنا في الفقرة السابقة أن الطريقة لمعرفة المكي والمدني هي النقل والسماع، ويضاف إلى ذلك أن العلماء توصلوا إلى بعض الضوابط أو الخصائص لمعرفة المكي والمدني، وذلك نتيجة النظر في أساليب القرآن الكريم وموضوعاته. أ- خصائص القرآن المكي والمدني اللفظية أو الأسلوبية: ١ - كل سورة فيها لفظ (كلا) فهي مكية. ٢ - كل سورة افتتحت بالأحرف المقطعة (حروف التهجي) فهي مكية، ويستثنى من ذلك سورة البقرة وسورة آل عمران، فهما مدنيتان بالإجماع، وفي سورة الرعد خلاف. ٣ - كل سورة فيها النداء ب (يا أيها الناس) أو ب (يا بني آدم) فهي غالبا

стр. 62

مكية، وكل سورة فيها النداء ب (يا أيها الذين آمنوا) فهي مدنية غالبا. ٤ - السور ذات الآيات القصار (المفصل) غالبا مكية. ب- خصائص القرآن المكي والمدني الموضوعية: وهي خصائص مستمدة من طبيعة المرحلتين اللتين عاشهما النبيّ ﷺ في مكة والمدينة، حيث كان في مكة يعاني صدود الكافرين ومقاومتهم، وفي المدينة يبني الدولة الإسلامية ويقاوم مكر اليهود وتآمر المنافقين. أولا: في القرآن المكي: ١ - ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة، ويستثنى من ذلك سورة البقرة. ٢ - تأكيد وحدانية الله وقدرته على بعث الأجساد بعد الموت والحساب، والسخرية من المشركين وآلهتهم وتهديدهم بالعذاب المقيم في النار. ٣ - ذكر قصة آدم وإبليس، ويستثنى من ذلك سورة البقرة. ٤ - تثبيت فؤاد النبيّ ﷺ ودعوته إلى الصبر وتحمّل أذى المشركين. ثانيا: في القرآن المدني: ١ - ذكر الحدود والفرائض والأحكام التي تنظّم حياة الفرد والمجتمع. ٢ - الأمر بالجهاد أو الإذن به أو الحديث عن أحكامه. ٣ - ذكر المنافقين وبيان أحوالهم وكشف مؤامراتهم في المجتمع الإسلامي الجديد في المدينة. ٤ - البحث في شئون الحكم والشورى وضرورة الرجوع فيهما إلى الكتاب والسنة. ٥ - الكلام عن أهل الكتاب وجدالهم ودعوتهم ومعاملتهم. وهكذا أصبح بالإمكان التمييز بين المكي والمدني عن طريق النظر والاجتهاد،

стр. 63

ودون الرجوع إلى طريق النقل لمعرفة رأي العلماء والمفسرين في ذلك، ويكفي أن تقرأ في سورة البقرة- وتطّلع على ما تجمّع فيها من أحكام الصيام والحج والقصاص والنكاح والطلاق وغيرها، وما في آياتها الطويلة من لين وهدوء؛ لتعلم أنها سورة مدنية. ويكفي أن تقرأ في سورة الصّافّات؛ فتجد فيها النقاش والحجاج مع المشركين، وإظهار الأدلة على وجود الله تعالى، وما ينبعث من آياتها القصيرة من معاني الشّدّة والتّهديد ما يزلزل القلوب؛ فتعلم أنها سورة مكية. ٤ - فوائد معرفة المكّي والمدني: ١ - من فوائد معرفة المكي والمدني تمييز الناسخ من المنسوخ، لنأخذ بالحكم الناسخ ونترك الحكم المنسوخ، وتوضيح ذلك أنه إذا وردت آيات من القرآن في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات مخالفا للحكم في غيرها، ثم عرفنا أن بعضها مكّي وبعضها مدني، فإننا نحكم بأن المدني ناسخ للمكّي نظرا لتأخّر القرآن المدني عن المكّي. ٢ - ومن فوائد هذا العلم معرفة تاريخ التشريع الإسلامي، وتدرّج المشرع الحكيم في نقل الناس إلى المنهج الإسلامي المتكامل. ٣ - الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالما من أي تغيير أو تحريف، ويدلّ على ذلك اهتمام المسلمين بالقرآن وتاريخ نزوله، وتسجيل دقائق نزوله الزمانية والمكانية، ونقلها بكل أمانة وضبط. ٤ - ومن فوائده أنه يبصّر المؤمن والمفسّر بمعنى الآية، ومثال ذلك: أن من يقرأ سورة: (قل يا أيها الكافرون) ويعلم أنها مكية، ونزلت عند ما قال بعض زعماء المشركين للنبي ﷺ : نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة أخرى «١»، فإن هذا العلم بمكان النزول وزمانه وسببه يحجز عن الخطأ في تفسيرها وفهمها.

стр. 64

٥ - عدد السور المكية والمدنية المتفق عليها و المختلف فيه ا: نقل السيوطي في كتابه (الإتقان) أقوالا كثيرة في تعيين السور المكية والمدنية، نختار منها ما نقله عن أبي الحسن الحصّار في كتابه (الناسخ والمنسوخ): حيث يقول: المدني باتفاق / ٢٠ سورة المختلف فيه/ ١٢ سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق/ ٨٢ سورة ١١٤ المدني باتفاق: ١ - سورة البقرة ٢ - آل عمران ٣ - النساء ٤ - المائدة ٥ - الأنفال ٦ - التوبة ٧ - النور ٨ - الأحزاب ٩ - محمد ١٠ - الفتح ١١ - الحجرات ١٢ - الحديد ١٣ - المجادلة ١٤ - الحشر ١٥ - الممتحنة ١٦ - الجمعة ١٧ - المنافقين ١٨ - الطلاق ١٩ - التحريم ٢٠ - النصر. المختلف فيه: ١ - الفاتحة ٢ - الرعد ٣ - الرحمن ٤ - الصف ٥ - التغابن ٦ - التطفيف ٧ - القدر ٨ - لم يكن ٩ - إذا زلزلت ١٠ - الإخلاص ١١ و ١٢ المعوذتين. والمكي بالاتفاق: ما عدا ذلك وهو اثنتان وثمانون سورة.

стр. 65

الباب الثالث جمع القرآن وكتابته الفصل الأول: حفظ القرآن وكتابته في عهد النبيّ ﷺ ، ترتيبه، أسماء سوره. الفصل الثاني: جمع القرآن وكتابته في عهد أبي بكر. الفصل الثالث: جمع القرآن وكتابته في عهد عثمان. الفصل الرابع: رسم القرآن والمراحل التحسينية التي تدرّج فيها، حكم كتابته بالرسم الحالي. الفصل الخامس: أثر هذه الجهود في حفظ كتاب الله سبحانه من التحريف والتبديل.

стр. 66

تمهيد تطلق كلمة جمع القرآن ويراد بها معنيان: المعنى الأول: حفظه واستظهاره، فهو جمع في القلوب والصدور. وهو بهذا المعنى قد أوتيه رسول الله ﷺ قبل الجميع، قال الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٨]. وعلى هذا المعنى، فقد جمعه أيضا كثير من الصحابة ﵃، ومنه ما رواه ابن أبي داود: قال عليّ ﵁: لما مات رسول الله ﷺ آليت أن لا آخذ عليّ ردائي إلا لصلاة جمعة - وفي رواية: إلا لصلاة- حتى أجمع القرآن فجمعه «١». المعنى الثاني: كتابته كله حروفا وكلمات وآيات وسورا، وهو جمع في الصحائف والسطور، وهو بهذا المعنى قد حدث ثلاث مرات. قال الحاكم في (المستدرك): جمع القرآن ثلاث مرات: أحدهما بحضرة النبيّ ﷺ «٢»، والثانية بحضرة أبي بكر ﵁، والجمع الثالث في زمن عثمان ﵁ «٣».

стр. 67

وهذه المرات الثلاث، التي جمع فيها القرآن بهذا المعنى، كانت كيفياتها مختلفة: * ففي المرة الأولى: اقتصر الجمع على كتابة الآيات وترتيبها، ووضعها في مكانها الخاص من سورها، وفق إشارة النبيّ ﷺ وتوقيفه، دون أن تكون كل سورة مجموعة في صحيفة واحدة، أو يكون كل آيات القرآن وسوره في صحائف مجتمعة. أخرج الحاكم بسند على شرط الشيخين، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلف القرآن من الرقاع «١». ومراد زيد ﵁ من التأليف هنا ما ذكرنا، قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبيّ ﷺ . * وأما المرة الثانية: فقد تعدّى الجمع فيها معنى الكتابة فقط؛ إلى جمع الآيات من كل سورة مرتبة في صحيفة واحدة أو أكثر، وضم تلك الصحف بعضها إلى بعض، ولو لم تكن مرتبة السور. * وأما المرة الثالثة: فقد كان الجمع عبارة عن نسخ القرآن وكتابته مجتمعا كله في صحائف، مرتب السور والآيات، مع كتابة عدد من هذه الصحف. وسنبين لك فيما يلي من بحث ما كان من حفظ القرآن وكتابته في عهد النبيّ ﷺ وفي عهد أبي بكر وعثمان ﵄.

стр. 68

الفصل الأول حفظ القرآن وكتابته في عهد النبيّ ﷺ ترتيبه- أسماء سوره ١ - حفظ القرآن في الصدور: (١) حفظ النبيّ ﷺ : كان رسول الله ﷺ ينتظر نزول الوحي بلهفة وشوق، وكانت همّته بادئ الأمر تنصرف إلى حفظ كلام الله المنزل وفهمه، ثم يقرؤه على الناس على مكث، ليحفظوه ويستظهروه في صدورهم، لأنه ﷺ كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة، وقد بعثه الله في أمة تغلب عليها الأميّة، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢]. وقد بلغ من حرص النبيّ ﷺ على حفظ القرآن: أنه كان يردّده أثناء نزول الوحي عليه مخافة أن تفوته كلمة أو ينسى حرفا، حتى طمأنه ربّه وتكفّل له بحفظه في صدره وعدم نسيانه بعد سماعه من الوحي، قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: ١٦ - ١٩]. وقال تعالى: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه: ١١٤]. وقال سبحانه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى: ٦]. ومن هنا نستطيع أن نعلم أنّ النبيّ ﷺ كان أوّل جامع للقرآن في صدره الشريف وسيّد الحفّاظ، ومرجع الصحابة في حفظهم للقرآن وفهمهم له، وكان

стр. 69

يحيي بالقرآن ليله ويزيّن به صلاته. وكان جبريل يعارضه (يدارسه) إياه في كل عام مرة في رمضان، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين. قالت عائشة وفاطمة ﵄: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «إنّ جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي» «١». (٢) حفظ الصحابة للقرآن: وأما الصحابة الذين كان يتنزل الوحي على رسول الله ﷺ بعلمهم ومشاهدتهم، فكان لهم الأسوة الحسنة برسول الله ﷺ بالإسراع إلى حفظ القرآن واستظهار آياته، وقد ساعدهم نزول القرآن منجّما على الحفظ كما علمت، وأن الأمة العربية قوية الذاكرة بالسجية، يساعدها على ذلك بيئة صافية بسيطة، كما أن الأميّ يحاول أن يعوّض بالحفظ ما فاته بالقراءة والكتابة. والنصوص الواردة في كتب السير والسنن تدلّ على أن الصحابة كانوا يتنافسون في حفظ القرآن، ويحفّظونه أزواجهم وأولادهم، والنبيّ ﷺ كان يذكي فيهم روح العناية بالقرآن، فيبعث إلى القبائل من أصحابه من يعلّمهم ويقرئهم القرآن. قال عبادة بن الصامت ﵁: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبيّ ﷺ إلى رجل منا يعلّمه القرآن «٢». وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفّضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا «٣». وبذلك كله نستطيع أن نؤكّد أن حفّاظ القرآن من الصحابة في حياة النبي جمع غفير، ويكفي دليلا على ذلك أن الذين قتلوا في بئر معونة من الصحابة كان

стр. 70

يقال لهم القرّاء وكانوا سبعين رجلا. قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون من القرّاء، وقتل في عهد النبيّ ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد «١». وذكر أبو عبيد في كتاب (القراءات) القرّاء من أصحاب النبيّ ﷺ ، فعدّ من المهاجرين: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدا، وابن مسعود، وحذيفة، وسالما، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، ومعاذا- الذي يكنى أبا حليمة- ومجمع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وصرّح بأن بعضهم إنما كمّله بعد النبيّ ﷺ «٢». وذكر الحافظ الذهبي في (طبقات القرّاء) أن هذا العدد من القرّاء هم الذين عرضوه على النبيّ ﷺ ، واتّصلت بنا أسانيدهم، وأما من جمعه منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير «٣». والاعتماد على الحفظ في النقل من خصائص هذه الأمة، يقول ابن الجوزي شيخ القرّاء في عصره: إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف- الكتب- أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة. وقد ورد في صفة هذه الأمة: أناجيلهم صدورهم، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتاب، ولا يقرءونه كلّه إلا نظرا لا عن ظهر قلب. ٢ - كتابة القرآن في السطور: لم يكتف النبيّ ﷺ بحفظ القرآن في صدره الشريف وفي صدور أصحابه، وإنما كان يأمر بكتابة ما ينزل من الآيات في السطور، واتّخذ كتّابا للوحي من

стр. 71

أجلّاء الصحابة «١»، تنزل الآية أو الآيات، فيأمرهم النبي ﵊ بكتابتها ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، وكان بعض الصحابة يكتبون ابتداء من أنفسهم، وكانت الوسائل المتوفرة بدائية وتحتاج إلى مشقة، ومع ذلك كتبوا على العسب واللّخاف والرّقاع وعظام الأضلاع والأكتاف. فقد روي أنه لما نزل على النبيّ ﷺ قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٥] قال ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش: يا رسول الله! إنا أعميان، فهل لنا رخصة؟ فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء: ٩٥]. قال رسول الله ﷺ : «ائتوني بالكتف والدّواة» وأمر زيدا أن يكتبها فكتبها. فقال زيد: كأني أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف. رواه البخاري «٢»، واقتصر على عبد الله بن أمّ مكتوم، ولم يذكر عبد الله بن جحش. وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب، فقال: «ضعوا هذا في السّورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» «٣». وقال ﷺ : «من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» «٤». وعن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع. وكان المكتوب يوضع في بيت رسول الله، ولم تكن هذه الكتابة في عهد النبي ﵊ مجتمعة في مصحف عام.

стр. 72

ومما يدلّ على اهتمام رسول الله ﷺ بكتابة المصحف وقت نزوله: إفراده بهذه الرعاية، خوف التباسه بالحديث النبويّ، فنهى أصحابه أن يكتبوا ما عدا القرآن أوّل الأمر، ففي صحيح مسلم: قال ﷺ : «من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» «١». وقبض رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في صدور أصحابه، ومكتوب منثورا بين الرّقاع ونحوها، وكان الجمع بين الطريقتين في عهد النبي المبارك الميمون مصداقا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩]. ٣ - ترتيب آيات القرآن الكريم: ترتيب الآيات «٢» في القرآن على الشكل الذي نراه اليوم في المصاحف توقيفي عن رسول الله ﷺ ، ولا مجال للرأي والاجتهاد فيه، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك، منهم الزركشيّ في (البرهان) «٣». وأبو جعفر بن الزبير في كتابه (المناسبات) إذ يقول: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف بين المسلمين «٤». وجزم السيوطي بذلك فقال: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك. فكان جبريل ينزل بالآيات على رسول الله ﷺ ويرشده إلى موضعها من السورة، فيقرؤها النبيّ على أصحابه، ثم يأمر كتّاب الوحي بكتابتها في موضعها الذي حدّده له جبريل «٣».

стр. 73

واستند الإجماع المنقول في هذا الموضوع إلى نصوص كثيرة وثابتة نختار منها: * ما رواه الإمام أحمد، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره، ثم صوّبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة» «١»: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: ٩٠]. * وما أخرجه البخاريّ عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قلت لعثمان بن عفان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [البقرة: ٢٣٤] نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها «٢»؟ قال: يا ابن أخي لا أغيّر شيئا من مكانه «٣». ٤ - أسماء سور القرآن وترتيبها: أ- أسماء السور: لقد ثبت لنا من نصوص السنة، وانعقاد الإجماع أن ترتيب الآيات في السورة «٤» توقيفي، وهذا يجعلنا نجزم بأن تسمية سور القرآن- والبالغ عددها ١١٤ «٥» سورة- توقيفي أيضا، إذ لا يمكننا تصور وقوع الترتيب من رسول الله ﷺ

стр. 74

إلا بعد ذكر اسم السورة وتحديد الموضع الذي توضع فيه الآية. قال ابن عباس ﵄: لما نزلت آخر آية على النبيّ ﷺ : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ .. [البقرة: ٢٨١] قال له جبريل: «يا محمد، ضعها على رأس ثمانين ومائتي آية من سورة البقرة» «١». وأحاديث النبيّ ﷺ في بيان فضل أكثر سور القرآن كثيرة وبعضها ثابت في كتب الصحاح وغيرها؛ أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد بن المعلّى ﵁ قال: كنت أصلّي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي. فقال: «ألم يقل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]. ثم قال: لأعلّمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد. ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ... هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» «٢». وأخرج الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبيّ ﷺ : «إن لكلّ شيء سناما، وإنّ سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيّدة آي القرآن:

стр. 75

آية الكرسيّ» «١». ب- ترتيب السور: وأما ترتيب السور فتوقيفيّ أيضا، تولّاه النبيّ ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه، وقد علم هذا الترتيب في عهد النبيّ ﷺ ، وهو نفس الترتيب الموجود في مصاحفنا اليوم، وهو ترتيب مصحف عثمان الذي تلقّاه الصحابة جميعا بالموافقة والقبول. قال ابن الحصّار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي، كان رسول الله ﷺ يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ ، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف «٢».
следующие страницы →