أجلّاء الصحابة «١»، تنزل الآية أو الآيات، فيأمرهم النبي ﵊ بكتابتها ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، وكان بعض الصحابة يكتبون ابتداء من أنفسهم، وكانت الوسائل المتوفرة بدائية وتحتاج إلى مشقة، ومع ذلك كتبوا على العسب واللّخاف والرّقاع وعظام الأضلاع والأكتاف.
فقد روي أنه لما نزل على النبيّ ﷺ قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٥] قال ابن أم مكتوم وعبد الله بن جحش: يا رسول الله! إنا أعميان، فهل لنا رخصة؟ فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء: ٩٥]. قال رسول الله ﷺ : «ائتوني بالكتف والدّواة» وأمر زيدا أن يكتبها فكتبها. فقال زيد: كأني أنظر إلى موضعها عند صدع الكتف. رواه البخاري «٢»، واقتصر على عبد الله بن أمّ مكتوم، ولم يذكر عبد الله بن جحش.
وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب، فقال: «ضعوا هذا في السّورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» «٣».
وقال ﷺ : «من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه» «٤».
وعن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع.
وكان المكتوب يوضع في بيت رسول الله، ولم تكن هذه الكتابة في عهد النبي ﵊ مجتمعة في مصحف عام.
стр. 72
ومما يدلّ على اهتمام رسول الله ﷺ بكتابة المصحف وقت نزوله: إفراده بهذه الرعاية، خوف التباسه بالحديث النبويّ، فنهى أصحابه أن يكتبوا ما عدا القرآن أوّل الأمر،
ففي صحيح مسلم: قال ﷺ : «من كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» «١».
وقبض رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في صدور أصحابه، ومكتوب منثورا بين الرّقاع ونحوها، وكان الجمع بين الطريقتين في عهد النبي المبارك الميمون مصداقا لقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩].
٣ - ترتيب آيات القرآن الكريم:
ترتيب الآيات «٢» في القرآن على الشكل الذي نراه اليوم في المصاحف توقيفي عن رسول الله ﷺ ، ولا مجال للرأي والاجتهاد فيه، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك، منهم الزركشيّ في (البرهان) «٣». وأبو جعفر بن الزبير في كتابه (المناسبات) إذ يقول: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف بين المسلمين «٤».
وجزم السيوطي بذلك فقال: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك. فكان جبريل ينزل بالآيات على رسول الله ﷺ ويرشده إلى موضعها من السورة، فيقرؤها النبيّ على أصحابه، ثم يأمر كتّاب الوحي بكتابتها في موضعها الذي حدّده له جبريل «٣».
стр. 73
واستند الإجماع المنقول في هذا الموضوع إلى نصوص كثيرة وثابتة نختار منها:
* ما رواه الإمام أحمد، عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره، ثم صوّبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة» «١»: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: ٩٠].
* وما أخرجه البخاريّ عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قلت لعثمان بن عفان: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [البقرة: ٢٣٤] نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها «٢»؟ قال: يا ابن أخي لا أغيّر شيئا من مكانه «٣».
٤ - أسماء سور القرآن وترتيبها:
أ- أسماء السور:
لقد ثبت لنا من نصوص السنة، وانعقاد الإجماع أن ترتيب الآيات في السورة «٤» توقيفي، وهذا يجعلنا نجزم بأن تسمية سور القرآن- والبالغ عددها ١١٤ «٥» سورة- توقيفي أيضا، إذ لا يمكننا تصور وقوع الترتيب من رسول الله ﷺ
стр. 74
إلا بعد ذكر اسم السورة وتحديد الموضع الذي توضع فيه الآية.
قال ابن عباس ﵄: لما نزلت آخر آية على النبيّ ﷺ : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ .. [البقرة: ٢٨١] قال له جبريل: «يا محمد، ضعها على رأس ثمانين ومائتي آية من سورة البقرة» «١».
وأحاديث النبيّ ﷺ في بيان فضل أكثر سور القرآن كثيرة وبعضها ثابت في كتب الصحاح وغيرها؛
أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد بن المعلّى ﵁ قال: كنت أصلّي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي. فقال: «ألم يقل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤]. ثم قال: لأعلّمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد. ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ... هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» «٢».
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال النبيّ ﷺ : «إن لكلّ شيء سناما، وإنّ سنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيّدة آي القرآن:
стр. 75
آية الكرسيّ» «١».
ب- ترتيب السور:
وأما ترتيب السور فتوقيفيّ أيضا، تولّاه النبيّ ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه، وقد علم هذا الترتيب في عهد النبيّ ﷺ ، وهو نفس الترتيب الموجود في مصاحفنا اليوم، وهو ترتيب مصحف عثمان الذي تلقّاه الصحابة جميعا بالموافقة والقبول.
قال ابن الحصّار: ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي، كان رسول الله ﷺ يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ ، ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف «٢».
стр. 76
الفصل الثاني جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁
أخرج البخاري في صحيحه: أن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شابّ عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. فتتبّعت القرآن أجمعه من العسب واللّخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵁ «١».
стр. 77
استحر: كثر وانتشر. العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، واللّخاف: جمع لخفة وهي الحجارة البيضاء الرقيقة.
هذا الحديث يوجز لنا عمل أبي بكر ﵁، وما كان له من أسباب، وما آل إليه أمر القرآن في عهده، وما تمّ له من خدمة، وسنبين لك ذلك مفصلا.
تمهيد:
علمنا سابقا أن القرآن كله كان مكتوبا على عهد رسول الله ﷺ ، وأنه لم ينقض عهد النبوة السعيد إلا وهو مجموع على النحو الذي علمنا، بيد أنه لم يجمع في مصحف واحد، أو صحائف مجتمعة، بل كان متفرّقا منشورا بين الرقاع وغيرها.
روي عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قبض النبيّ ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء «١».
قال الخطّابيّ: إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء وعده الصّادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصّدّيق بمشورة عمر «٢».
وكلام الخطّابيّ هذا يبيّن لنا سرّ عدم جمع القرآن بالكيفية التي قام بها أبو بكر ﵁، ويضاف إلى ما ذكره: أن الأسباب التي اقتضت جمعه على تلك الكيفية، فيما بعد، لم توجد على عهد النبيّ ﷺ .
١ - كيفية جمع أبي بكر ﵁ للقرآن:
إن الذي أمر به أبو بكر ﵁ وتمّ تنفيذه: هو جمع ما تفرّق من
стр. 78
الرقاع وغيرها، مما كتب عليه القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، ثم نسخ ما كتب فيها إلى صفحات مجتمعة، مع مراعاة ترتيب الآيات في السور، حسب توقيف رسول الله ﷺ ، لتكون هذه الصفحات محفوظة في دار الخلافة، مرجعا للمسلمين في معرفة آيات القرآن وسوره، وحفظا لكتاب الله تعالى من الضياع، أو الزيادة أو النقصان.
٢ - سبب القيام بهذا الجمع:
إنّ السبب الحامل على هذا العمل الذي أمر به أبو بكر ﵁: هو ما كان من مقتل عدد من قرّاء القرآن وحفّاظه في موقعة اليمامة، التي دارت فيها رحى الحرب بين المسلمين وأهل الردة، من أتباع مسيلمة الكذّاب.
وكان عدد هؤلاء الحفّاظ ينوف على السبعين، من أجلّهم سالم مولى أبي حذيفة ﵁. ولقد هال ذلك المسلمين وأفزعهم، وخافوا على القرآن كتاب الله المنزل من الضياع بموت الحفّاظ ومقتلهم، وكان أشدّهم خوفا وأكثرهم ارتياعا عمر الفاروق ﵁، الذي هرع إلى أبي بكر ﵁ محذّرا ومنبّها، وأشار عليه أن يتدارك دين الله تعالى، ويأمر بجمع القرآن، ويحفظه بين دفتين، قبل أن يموت أشياخ القرآن والحفّاظ، فيضيع على الناس شيء من كتاب الله .
٣ - قرار أبي بكر ﵁ وتنفيذه:
تردّد أبو بكر ﵁ بادئ الأمر في اقتراح عمر ﵁، لما كان يأخذ به نفسه من الوقوف عند حدود ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وكان يقول:
كيف أفعل شيئا ما فعله رسول الله ﷺ ؟! ولكن عمر ﵁ ما زال يراجعه في ذلك، ويبيّن له وجه المصلحة بهذا العمل، وأنه يراد به خير الأمة وحفظ الدين، حتى شرح الله تعالى صدره لذلك، وتجلّت له الحكمة وتبيّن وجه المصلحة.
стр. 79
وما أن اقتنع ﵁ بصواب الفكرة حتى اهتمّ لها اهتماما بالغا وسعى لتحقيقها، فأخذ يجيل النظر ويعمل الفكر، فيمن يصلح للقيام بهذا الأمر الجليل، فاهتدى بنور الله تعالى، ووقع اختياره على زيد بن ثابت ﵁، لما اجتمع فيه من مواهب، واختصّ به من مزايا، لها كبير أثر في هذا الأمر الخطير، لم تجتمع في غيره من الصحابة. فهو من حفّاظ القرآن، ومن كتّاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وممن شهد العرضة الأخيرة للقرآن في ختام حياته ﷺ .
وهو إلى جانب ذلك كان معروفا بخصوبة العقل وشدّة الورع وعظم الأمانة، وكمال الخلق واستقامة الدّين. كلّ هذه الصفات وغيرها رجّحت لدى أبي بكر ﵁ أنه أولى من يقوم بهذا العمل، وأكّد ذلك عنده أنه استشار فيه عمر ﵁ فوافقه على اختياره.
أرسل أبو بكر إلى زيد- ﵄ ولما حضر عرض عليه الأمر، وبيّن له الأسباب الداعية إليه، وإشارة عمر في الموضوع، وما كان منه من تردّد ثم اقتناعه بذلك، وأنه وقع الاختيار عليه للقيام بهذه المهمة، لما يعهد فيه من صفات. ولكن زيدا ﵁ لم يكن أقلّ تردّدا من أبي بكر ﵁ بادئ الأمر، وهاب الموقف واستثقل المسئولية، ولكن أبا بكر ما زال به حتى أقنعه بصواب ما ندب إليه، فاطمأنت نفسه وسكن قلبه وشرح الله صدره، فشرع بالعمل العظيم، يشرف عليه ويعاونه كبار الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم أجمعين، واستمرّ العمل حتى تمّ لهم ما أرادوا، وأتمّ الله تعالى عليهم نعمته وأكمل لهم دينهم الذي ارتضى لهم.
٤ - منهج زيد ﵁ في الجمع:
لقد اتبع زيد في جمعه القرآن منهجا قويما وطريقة دقيقة محكمة، وضعها له أبو بكر، وساعده على تنفيذها صاحب الرأي عمر، رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 80
أخرج ابن أبي داود: أن أبا بكر ﵁ قال لعمر وزيد ﵄: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه «١».
وأخرج أيضا: عن عبد الرحمن بن حاطب قال: قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله ﷺ شيئا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في المصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان «٢».
قال ابن حجر: المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة.
وكلام السخاوي في (جمال القرّاء) يفيد: أن المراد بهما رجلان عدلان، فإنه قال: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ﷺ «٣».
والذي يدلّ على ما أفاده كلام السخاوي ما أخرجه ابن أشتة «٤» في (المصاحف) عن الليث بن سعد «٥» قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر، وكتبه زيد، وكان الناس يأتون زيد بن ثابت، فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل.
ويتلخّص لدينا أن الطريقة التي اتّبعت في الجمع كانت تقوم على أمرين:
الأمر الأول: معتمده فيما يجمع من آيات، فقد اعتمد ﵁ على
стр. 81
مصدرين يأخذ منهما آيات الله تعالى:
* المصدر الأول: ما كتب بين يدي رسول الله ﷺ من آيات على الرقاع ونحوها.
* المصدر الثاني: ما كان محفوظا في صدور الرجال من قرّاء الصحابة وحفّاظهم.
الأمر الثاني: الاستيثاق مما يجمع من الآيات، وقد كان هذا الاستيثاق قائما على أساسين:
* الأساس الأول: أنه كان ﵁ لا يقبل شيئا محفوظا إلا إذا دعّم بالكتابة، فمن جاءه بآية يحفظها لم يثبتها حتى يأتيه بها هو أو غيره مكتوبة.
* الأساس الثاني: أنه كان لا يقبل ما كان مكتوبا إلا إذا شهد شاهدان أنه كتب بين يدي رسول الله ﷺ على تلك الرقعة هكذا.
وإذا علمنا أنّ زيد بن ثابت ﵁ كان حافظا لكتاب الله تعالى وأحد كتّاب الوحي، وكذلك كان مساعده في الجمع عمر بن الخطاب ﵁، أدركنا مدى الدّقة والحيطة والحذر، ومدى التّحرّي الشامل، الذي أخذ المسلمون به أنفسهم، في كتابة آيات الله تعالى وتبليغها، حيث لم يكن أحدهم ليكتفي بما حفظ في قلبه، ولا بما كتب بيده، ولا بما سمع بأذنه، حتى يضمّ إلى ذلك وثائق أخرى، زيادة في الوثوق، ومبالغة في الاحتياط، وإبعادا للشك والارتياب. ولقد كانت هذه الشدة في المنهج نابعة عن الشعور بعظم المسئولية وخطورة العمل، الذي عبّر عنه زيد ﵁ بقوله: فو الله لو كلّفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن.
وهذه الدّقة وهذا الحذر هو الذي يفسر لنا قول زيد ﵁: حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها عند غيره
стр. 82
لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة «١». فالمراد أنه لم يجدها مكتوبة عند غيره، وليس المراد أنه لم يجدها محفوظة عند غيره، وإلا فقد كان هو وكثير من الصحابة يحفظونها، وإنما أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، ولذلك تأخّر في إثباتها حتى وجدها مكتوبة عند أبي خزيمة ﵁. بل إنه توقّف في بادئ الأمر عن كتابتها لأنه لم يشهد لديه شاهدان على كتابتها بين يدي رسول الله ﷺ حسب منهجه، ثم كتبها أخيرا بعد أن توفّر لديه ذلك.
٥ - مكان هذه الصحف:
لقد استغرق عمل زيد ﵁ سنة كاملة، وكان الانتهاء أواخر السنة الثانية عشرة للهجرة، وما أن انتهى ﵁ من عمله وأبرز تلك الصحف حتى استقبلها الناس بما تستحق من عناية فائقة، فحفظها أبو بكر ﵁ عنده بقية حياته، ثم كانت عند خليفته أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مدة خلافته، ثم انتقلت إلى دار حفصة أم المؤمنين بنت عمر ﵄، عملا بوصية أبيها أمير المؤمنين، حيث لم يكن الخليفة الجديد معروفا بعد، بل كان الأمر شورى بين ستة اختارهم عمر ﵁ كما هو معروف.
هذا إلى جانب ما كانت عليه حفصة ﵂ من مكانة تجعلها أهلا لهذه المكرمة، فهي فوق أنها زوج رسول الله ﷺ حافظة لكتاب الله تعالى، تقوم به آناء الليل وتتلوه أطراف النهار. ثم كانت هذه الصحف مرجعا لعمل عثمان ﵁ الذي ستعرفه فيما بعد.
٦ - مزايا هذه الصحف:
لقد امتازت الصحف التي جمعها زيد ﵁ بأمور أهمها:
стр. 83
١ - أنها جمعت القرآن بجميع آياته وسوره، على أدقّ وجه من البحث والتحرّي، وأسلم طريقة في التثبت العلمي.
٢ - أنه اقتصر فيها على ما لم تنسخ تلاوته، ولذلك لم يثبت فيها آية الرجم، لأنها نسخت تلاوتها.
٣ - أنها ظفرت بإجماع الأمّة عليها وتواتر ما فيها، حيث أعلن زيد ﵁ عمله على رءوس الأشهاد، والصحابة متوافرون، وأقرّ الجميع ولم يعترض أحد.
٧ - أسبقية وفضل:
لقد كان هذا العمل الجليل منقبة من مناقب أبي بكر ﵁، وخدمة عظيمة من جملة خدماته لدين الله تعالى، فقد كان جمع القرآن في صحف مجتمعة على ذلك النمط الذي عرفت، وتلك المزايا التي علمت، عملا جديدا لم يسبق إليه أحد قبل أبي بكر ﵁.
أخرج ابن أبي داود في (المصاحف) بسند حسن عن عليّ ﵁ أنه قال: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أوّل من جمع كتاب الله «١».
وقد شارك أبا بكر في هذه الأسبقية للفضل عمر بن الخطاب باقتراحه، وزيد بن ثابت بعمله وتنفيذه، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
стр. 84
الفصل الثالث جمع القرآن على عهد عثمان ﵁
مجمل ما جدّ في عهد عثمان ﵁:
إن الذي قام به عثمان ﵁ وأمر به، هو كتابة عدد من النسخ عن ذلك المصحف الإمام، الذي جمع على عهد أبي بكر ﵁، وأجمع عليه المسلمون واعتمده الخلفاء الراشدون المهديّون، مع مراعاة ترتيب السور في هذه النسخ، إلى جانب ما كان في الأصل من ترتيب الآيات، وأن يكون الرسم صالحا لوجوه القراءات وأحرف القرآن السبعة التي نزل بها، ثم إرسال تلك النسخ إلى الأمصار والأقطار، ليجتمع الناس عليها، وتكون مرجعا في قراءة القرآن لفظا وأداء، وتحسم مادة النزاع والشقاق ولا تبقى للعجمة واللهجات المختلفة سبيل إلى اختلاف الناس في كتاب الله تعالى.
أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك ﵁: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من
стр. 85
القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق «١».
هذا الحديث الصحيح يجمل لنا ما قام به عثمان ﵁ من خدمة لكتاب الله ، وما كان له من أسباب، وما انتهى إليه من نتائج، وإليك تفصيل ذلك.
١ - أسباب عمل عثمان ﵁:
أ- من المعلوم أن الفتوحات الإسلامية أيام عثمان ﵁ كانت قد اتسعت، وتفرّق المسلمون في البلدان والأمصار، ونبت جيل مسلم جديد يحتاج إلى دراسة القرآن، وكان أهل كل إقليم يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، الذين تلقوا القرآن عن رسول الله ﷺ بلهجاته المختلفة وأحرفه السبعة التي نزل عليها، وكان من الطبيعي أن يوجد بينهم اختلاف في طرق الأداء ووجوه القراءة.
وبسبب تباعد الديار وبعد عهد الناس بالنبوة، كاد هذا الاختلاف في أوجه القراءات يحدث بينهم شقاقا ونزاعا، يظهر حين التقاء الناس وخاصة في المغازي أو المواسم، إذ إن الأحرف السبعة لم تكن معروفة لدى أهل تلك الأمصار.
ب- وساعد على هذا الاختلاف وجود عديد من المصاحف الخاصة- إلى جانب تلك الصحف التي وضعت عند حفصة ﵂ كان بعض الصحابة قد كتبها لنفسه ثم اشتهرت بين الناس، ومن أشهرها: مصحف أبيّ بن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود، ولذلك نجد أن هذا الاختلاف والنزاع قد شمل كلّ الأمصار حتى المدينة نفسها.
стр. 86
أخرج ابن أبي داود في (المصاحف) من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلّم يعلّم قراءة الرجل، والمعلم يعلّم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلّمين حتى كفّر بعضهم بعضا، فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال: أنتم عندي تختلفون، فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافا «١».
وقد تحقّق توقّع عثمان ﵁، فقد كانت الأمصار أشدّ اختلافا، حتى أفزع اختلافهم حذيفة بن اليمان ﵁ كما رأيت في حديث البخاري- فجاء محذّرا عثمان ﵁ أن يتدارك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها اختلاف اليهود والنصارى.
فهذه الأسباب وتلك العوامل هي التي كانت الحامل لعثمان ﵁ على أن يقوم بما قام به من خدمة لكتاب الله .
قرار عثمان ﵁ وتنفيذه:
لما تضافرت الأسباب لدى عثمان ﵁، ورأى ما رأى من اختلاف الناس في كتاب الله تعالى، وجاءه حذيفة ﵁ يخبره باختلاف من نأى عنه من الناس في قراءة القرآن وما ينذر به هذا الاختلاف من خطر، أسرع ﵁ لتدارك الموقف، فجمع كبار الصحابة ﵃ واستشارهم في الأمر، فأجمعوا أمرهم على استنساخ عدد من المصاحف يرسل بها إلى الأمصار، وأن يؤمر الناس بإحراق كل ما عداها، وألا يعتمدوا على سواها.
وشرع عثمان ﵁ بتنفيذ هذا القرار الذي توصّل إليه مع كبار الصحابة فألّف لجنة من خيرة الصحابة حفظا لكتاب الله تعالى وإتقانا له وضبطا، وهم: زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن
стр. 87
الحارث بن هشام، ﵃، وعهد إليهم بكتابة المصاحف.
وفور اتّخاذ القرار وتعيين اللجنة التي كلّفت بالعمل، أرسل ﵁ إلى حفصة ﵂ يطلب منها أن ترسل إليه بالصحف التي كانت عندها، والتي جمعت على عهد أبي بكر ﵁، لتكون هي العمدة والمرجع في استنساخ كتاب الله تعالى، إذ إنها جمعت وكتبت على النهج الذي كتب به القرآن بين يدي رسول الله ﷺ .
ولقد لبّت حفصة ﵂ الطلب، طاعة لأمير المؤمنين، ومشاركة في خدمة كتاب الله تعالى التي لا تدانيها خدمة، فأرسلت بالصّحف، واستلمتها اللجنة الرباعية الموقرة، وبقيت عندها الإمام والمرشد، حتى إذا انتهت من عملها، أعيدت الصحف إلى صاحبة الحق فيها، وبقيت عندها حتى توفيت، ﵂ وأرضاها.
٢ - منهج اللجنة في كتابة النسخ وقيمة هذا المنهج:
لقد اتبعت اللجنة الرباعية منهجا يعتمد الأسس التالية:
١ - أن الصحف التي كتبت على عهد أبي بكر ﵁، والتي قام بكتابتها زيد بن ثابت ﵁ رئيس اللجنة الرباعية- هي المرجع والأساس في استنساخ هذه المصاحف. وبهذا يعلم أن هذه المصاحف، بترتيبها ورسمها، إنما كانت على النهج الذي كتب به القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، كما قطع به كافة العلماء والباحثين، لأن زيدا ﵁ كان أشهر الصحابة ضبطا للقرآن وحفظا.
٢ - أن المعتمد في الكتابة والرسم، حال اختلاف أعضاء اللجنة، إنما هو طريقة قريش في كتابتها ورسمها، لأن القرآن نزل بلغتها ولهجتها، ويفهم هذا من قول عثمان ﵁ للرهط الثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في
стр. 88
شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. والمراد: إذا اختلفتم في الرسم والإملاء واللهجة.
٣ - أن أعضاء اللجنة الرباعية كانوا، بالإضافة إلى الأساسين السابقين، لا يكتبون شيئا إلا بعد أن يعرض على الصحابة، ويقرّوا أنه على النحو الذي قرأ عليه رسول الله ﷺ ، وأنه قرآن محقّق، وقد استقرّ في العرضة الأخيرة على رسول الله ﷺ ولم ينسخ.
٣ - مزايا مصاحف عثمان ﵁:
لقد أنهت اللجنة عملها، فجاء على خير مثال، واتّصفت مصاحفها التي نسختها بعديد من المزايا، أهمها:
١ - الاقتصار على ما ثبت بالتواتر من أوجه القراءات، دون ما كانت روايته آحادا، ولذلك لم يكتبوا مثل (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) بزيادة كلمة (صالحة) لأن هذه الكلمة لم تتواتر.
٢ - تجريدها من كل ما كان في بعض المصاحف الخاصّة من تفسيرات وشروح أو ذكر أسباب نزول وغير ذلك.
٣ - إهمال ما نسخت تلاوته ولم يستقرّ في العرضة الأخيرة، كما هو الشأن في الأصل المعتمد، وهو ما كتبه زيد ﵁ على عهد أبي بكر ﵁.
٤ - ترتيب السور والآيات على الوجه المعروف الآن، والذي كان بتوقيف من رسول الله ﷺ ، بينما لم تكن صحف أبي بكر ﵁ مرتبة السور، بل كانت مرتبة الآيات فقط.
٥ - أن رسمها كان بطريقة تجمع الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن، وتصلح لأوجه القراءات المختلفة، وكان يساعد على ذلك أنها لم تكن مشكولة
стр. 89
ولا منقوطة، فقوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] يصلح للقراءتين المتواترتين (فتبينوا) و (فتثبتوا)، وكذلك قوله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩] تصلح لأن تقرأ (ننشزها) و (ننشرها) كما هو ثابت.
وإذا لم تكن كل نسخة من النسخ جامعة لهذه المزية، فقد كانت النسخ بمجموعها تحقق هذا الغرض. وبيان ذلك: أنه إذا لم يكن الرسم للكلمة صالحا لأوجه القراءات فقد كانوا يكتبونها في بعض النسخ برسم يدلّ على قراءة، وفي بعض آخر برسم آخر يدلّ على القراءة الثانية.
ومثال ذلك: قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [البقرة: ١٣٢] فقد ثبتت قراءتها بالهمز (وأوصى) كما ثبتت بالتضعيف (ووصى) ولذا كتبت في نسخة بالهمز، وفي أخرى بالتضعيف.
ومثلها أيضا: قوله تعالى: لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ [التوبة: ١٠٠] فقد ثبتت قراءتها أيضا (من تحتها) بإضافة (من).
ولم يكونوا في مثل هذه الحالات ليكتبوا الرسمين في نسخة واحدة، حتى لا يتوهم أن اللفظ مكرر، أو أن الثاني تصحيح للأول.
٤ - تحريق الصحف والمصاحف المخالفة:
وما أن انتهت اللجنة من عملها حتى سارع عثمان ﵁ إلى الأمر بكل مصحف أو صحيفة، سوى صحف حفصة ﵂، أن يجمع ويحرق دون أن يبقي على شيء منه، سواء أكان ذلك في المدينة أم في غيرها من الأمصار.
وقد تمّ ذلك الأمر، ولم يعارض فيه أحد، إلا ما كان من عبد الله بن مسعود ﵁ في بادئ الأمر، ثم عاد إلى التزام أمر الخليفة ﵄. وكان الغرض من ذلك: أن يقطع مادة النزاع، ويحصر اعتماد المسلمين على الجادّة القويمة في كتاب الله .
стр. 90
وأما صحف حفصة ﵂، فإنها قد أعيدت إليها بعد تحقيق الغرض منها، ولم تكن في جملة ما أحرق من المصاحف، إذ لا داعي لذلك ولا محذور من بقائها طالما أنها هي العمدة والأصل وليس بينها وبين ما نسخ كبير اختلاف، إلا ما كان من ترتيب السور، وذلك أمر لا خوف منه.
وبقيت تلك الصحف عند حفصة ﵂ حتى توفيت، فأخذها مروان بن الحكم وأحرقها، وقال مدافعا عن تصرّفه: إنما فعلت هذا، لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف الإمام، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب «١». وكان مروان قد حاول أخذها من حفصة ﵂ ليحرقها عام ٦٥ هـ فأبت عليه ذلك.
٥ - عدد النسخ ومصيرها:
لقد اختلف في عدد النسخ التي كتبتها اللجنة: فقد قيل إنها خمسة، وقيل إنها أربعة، وقيل إنها سبعة، وأيا ما كان الأمر: فقد ترك عثمان ﵁ واحدة منها لتكون مرجعا لديه في دار الخلافة، وفي المدينة مهبط الوحي ومنزل القرآن وموئل الإسلام، وأرسل بباقيها إلى الأمصار، كل نسخة إلى ناحية، كالكوفة والبصرة والشام، وقيل أيضا: إلى مكة واليمن والبحرين.
ولقد بقيت إحدى هذه النسخ في دمشق، بمسجد بني أمية الكبير حتى القرن الثامن الهجري، حيث يقول ابن كثير في كتابه فضائل القرآن: أما الصحف العثمانية الأئمة، فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقيّ المقصورة المعمورة بذكر الله «٢».
стр. 91
٦ - قيمة عمل عثمان ﵁:
لقد كان عمل عثمان ﵁ عملا جليلا، ذا قيمة علمية رفيعة، ومكانة دينية سامية، وحقيقة تاريخية لا تقبل الريب، وقد وقع من قلوب الناس موقع القبول والاستحسان، لأنه لم يكن عملا فرديا أو تصرّفا شخصيا، بل كان عملا جماعيا بمشورة كبار الصحابة وموافقتهم، بل بمعاونتهم وتأييدهم وشكرهم، وعلى ملأ من الناس ومشاهدتهم وإقرارهم.
أخرج ابن أبي داود بسند صحيح، عن سويد بن غفلة قال: قال عليّ: لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملأ منا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرا. قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يجمع النّاس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت «١».
وفي رواية عن سويد قال: سمعت عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يقول: يا معشر الناس اتقوا الله وإياكم والغلو في عثمان، وقولكم حرّاق مصاحف، فو الله ما حرّقها إلا على ملأ منا أصحاب رسول الله ﷺ «٢».
وعنه ﵁ قال: لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان. فرضي الله عنهم وأرضاهم «٣».
٧ - كتابة وحفظ:
لقد علمنا في كل ما سبق أن الأمة الإسلامية اعتمدت في تناقل كتاب الله تعالى وقراءته أمرين اثنين: الحفظ والكتابة، يسيران جنبا إلى جنب. فيتلقونه رسما من
стр. 92
الصحف والسطور، ومشافهة من الأفواه والصدور، ولم يستغنوا في يوم من الأيام بأحد الطريقين عن الآخر. وهكذا نجد عثمان ﵁ يزيد هذا المعنى رسوخا في أذهان المسلمين، فحتى لا يعتمدوا على الكتابة ويتكلوا على النسخ فحسب، راح يرسل مع النسخ إلى الأمصار، كبار الصحابة من القراء، فقد كان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني، وعبد الله بن السائب مقرئ المكي، والمغيرة بن شهاب مقرئ الشامي، وأبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفي، وعامر بن عبد القيس مقرئ البصري.
وما أن توزّعت المصاحف الجديدة على البلدان الإسلامية، حتى أحرق كلّ مسلم ما كان عنده من قبل، وأقبل الناس يعكفون على هذه الأصول الوثيقة المعتمدة، نسخا وكتابة وحفظا، بالتلقي والمشافهة، مما يزيدنا يقينا أن المصحف الذي بين أيدينا اليوم، هو القرآن الذي نزل على قلب المصطفى ﷺ . لا سيما وقد علمت أن إحدى نسخ المصحف الإمام بقيت حتى القرن الثامن الهجري، وأن لدى المكتبات الإسلامية اليوم، مصاحف تعود إلى ما قبل هذا التاريخ.
وهكذا فتاريخ هذا الكتاب سلسلة متصلة، لا تفقد حلقة من حلقاتها، فتثير بفقدانها الظنون والشكوك، وصدق الله العظيم: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١ - ٤٢].
стр. 93
الفصل الرّابع رسم القرآن والمراحل التحسينية التي تحرج فيها
١ - الرسم العثماني:
لقد اتبعت اللجنة الرباعية في كتابة المصاحف على عهد عثمان ﵁ طريقة خاصّة في رسم كلمات القرآن وحروفه، اعتمدوا فيها غالبا على الرسم الذي كتبت به الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر ﵁، والتي كانت توافق ما كتب على عهد النبيّ ﷺ ، وقد اصطلح العلماء على تسمية الطريقة التي اتبعتها هذه اللجنة (رسم المصحف) وكثيرا ما ينسبون هذا الرسم إلى عثمان ﵁، لأنه جرى في عهده وبأمر منه وبموافقته، فيقولون: (رسم عثمان) أو (الرسم العثماني) وأحيانا يقولون (المصحف العثماني) ولقد كان هذا الرسم يتصف بصفتين:
الصفة الأولى: أن له إملاء خاصا به من حيث كيفية كتابة بعض الحروف والكلمات، كالهمزة مثلا في كتابة (مائة) والأحرف اليائية والواوية كما في كلمات (الزكوة، والصلاة، والحيوة) وما شابه ذلك من الحذف أو الزيادة لبعض الحروف «١». وكان هذا الإملاء يتفق في جملته مع الرسم القرشي في ذلك الوقت، ودليل ذلك قول عثمان ﵁ للثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم.
стр. 94
ولقد ظهر أثر ذلك عند ما اختلفوا في كيفية رسم كلمة (التابوت) في قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ٢٤٨] فقد قال زيد (التابوة) بالتاء المربوطة وقالوا (التابوت) بالمبسوطة، فترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوا (التابوت) - أي بالمبسوطة- فإنما أنزل القرآن على لسان قريش.
الصفة الثانية: أن هذه المصاحف كان رسمها مجرّدا عن الشكل الذي يوضح إعرابه، وعن النقط الذي يميز الأحرف المعجمة (كالزاي، والذال، والغين، والجيم، والخاء) عن المهملة (كالراء، والدال، والحاء) وغيرها.
ولقد كان المسلمون يهتدون إلى النطق السليم بالقرآن في ذاك الوقت بوسيلتين:
الأولى: سليقة اللسان العربي الأصيل الذي كانوا يتمتعون به، فلم يكن اللحن ليعرف سبيلا إلى لسانهم، كما لم يكن المعنى ليستعجم على أذهانهم.
الثانية: التلقّي والمشافهة، وقد علمنا أن المسلمين كانوا يعتمدون في أخذ القرآن وحفظه وضبطه على الكتابة والتلقي مشافهة من أفواه الرجال، وكانوا لا يكتفون بأحد الطريقين عن الآخر، فكان التلقي والمشافهة وسيلة لوضوح الكتابة، وعاصما من اللبس في الكلمات التي تحتمل برسمها عددا من وجوه القراءة والأداء.
وبهاتين الوسيلتين- السليقة والمشافهة- لم يكن عدم شكل رسم القرآن ونقطه عائقا في طريق قراءته قراءة سليمة، وفهم مضمونه ومعناه فهما صحيحا.
٢ - المراحل التحسينية التي تدرج فيها الرسم:
لقد طرأ على الرسم العثماني تحسينات اقتضتها ظروف وملابسات، وكانت هذه التحسينات على مراحل تدريجية، حسب الضرورة وإلحاح المقتضيات، وإليك بيان ذلك:
стр. 95
١ - التحسين الذي يبيّن إعراب الكلمات ويمنع اللحن فيها: فقد علمنا أن الرسم القرآني كان خاليا عن الشكل الذي يبيّن إعراب الكلمات نصبا أو رفعا، وجرا أو جزما، وأن العربيّ كان بسليقته يهتدي إلى قراءتها على وجه الصواب، لأنه لا يمكن- وهو فطريّ اللسان- أن يرفع المفعول وينصب الفاعل، وغير ذلك.
ولكن لما اتّسعت الفتوحات، وأقبل المسلمون غير العرب على تعلم القرآن وقراءته واختلط العرب بغيرهم وكاد لسانهم أن يستعجم، وفشا اللحن في اللغة العربية على الألسنة وكاد أن يصل إلى القرآن، فخشي المسلمون أن ينتشر ذلك ويكثر ويمتد إلى كتاب الله تعالى، فيقع التحريف في أدائه ومعناه، فأسرعوا إلى تدارك الأمر قبل أن يستفحل، ووضعوا علامات يعرف بها إعراب كلماته.
وكان السابق لهذا الفضل، والمباشر لهذا التحسين لأول مرة هو أبو الأسود الدؤلي الذي وضع قواعد النحو بإشارة من عليّ ﵁.
والذي فعله أبو الأسود: هو أنه جعل علامات الإعراب نقطا على أواخر الحروف فقد جعل علامة النصب نقطة فوق الحرف، وعلامة الرفع نقطة وسطه، وعلامة الجر نقطة تحته، وعلامة السكون نقطتين. وكان السبب المباشر لقيامه بهذا العمل، هو أنه سمع قارئا يقرأ قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بكسر اللام من (رسوله) فقال: عزّ وجه الله أن يبرأ من رسوله، وقال:
ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا. وكان زياد بن أبيه، قد طلب منه أن يعمل شيئا يكون إماما، ويعرف به كتاب الله فاستعفاه من ذلك، ولكن لما سمع ما سمع، رجع إلى زياد وأخبره أنه عازم على فعل ما طلب منه، واستعانه بكاتب يفعل ما يقوله له، وقال للكاتب لما بدأ العمل: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت، ففعل ذلك «١».
стр. 96
٢ - التحسين الذي يميز الحروف: قد علمنا أن القرآن، كما أنه لم يكن رسمه يبيّن إعرابه، كذلك لم يكن ليميّز حروفه المعجمة من المهملة. ولم يكن العرب ليخطئوا في قراءته بحكم فطرتهم وسليقتهم، إذ لم يكن من المعقول أن يقرأ العربي قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ باستبدال ذال بدل الدال في لفظ (الحمد) أو استبدال غين بدل العين في لفظ (العالمين) لأن كلّا من الكلمتين لا يصبح لها معنى بهذه الحالة في اللغة العربية. وكذلك لا يعقل أن يستبدل حرف الدال في قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بالذال، لأنها لا تناسب سياق الكلام في تلك الحالة أيضا.
ولكن ما ذكرنا من دخول الأعاجم في الإسلام، وإقبالهم على تعلّم القرآن، كان له أثر في خطأ الناس في القراءة؛ لأن هؤلاء لا يعرفون ما هو من العربية وما هو ليس منها، كما أنهم قد لا يدركون المعنى ومناسبته للسياق لأول وهلة. ولذا سارع المسلمون كما ذكرنا إلى إدخال التحسين على الرسم القرآني، وقد علمنا أن التحسين الذي طرأ إنما اقتصر فقط على بيان إعراب الكلمات، وبقيت الحروف غير مميزة بعضها عن بعض، فربما التبس على القارئ الحرف المعجم كالذال وغيره، بالحرف المهمل كالدال وغيره، ولذلك وجد المسلمون أنفسهم مضطرين إلى تحسين جديد، يجرونه على الرسم القرآني، غير ما قام به أبو الأسود يميزون به بين الحرف، ليحصنوا كتاب الله تعالى من عجمة اللسان.
ولقد قام بهذا العمل لأول مرة نصر بن عاصم تلميذ أبي الأسود الدؤلي، بأمر من الحجاج بن يوسف الثقفي، فوضع علامات تميّز الحروف المشتبهة بعضها عن بعض. وكانت هذه العلامات نقطا على الحرف، التزم فيها ألّا تزيد عن ثلاث نقط في أي حرف «١».
стр. 97
وعندها اضطر لأن يستبدل النقط السابق، الذي كان علامة الإعراب، بعلامات أخرى، حتى لا تلتبس الكلمات، فكان الشكل المعروف الآن والمتداول، والذي جعل علامات الإعراب الفتحة والكسرة والضمة والسكون.
٣ - تحسينات متعددة ومتلاحقة: إن تحسين الرسم القرآني أخذ يتدرج في أطوار متلاحقة، لا يمكن ضبط كل منها بتاريخ دقيق، أو نسبته إلى شخص معين، وعلى كل حال فالمتفق عليه: أن التحسين قد سار بخطوات متقاربة وسريعة، حتى قارب الكمال على أيام الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وضع الهمز والتشديد والروم والإشمام. وما زالت الخطوات التحسينية مطّردة على مر الأزمان إلى يومنا هذا، ابتغاء تحقيق المزيد من ضبط رسم القرآن وتسهيل قراءته، فوضعت أسماء السور، وعدد الآيات، والرموز التي تشير إلى رءوس الآية، وعلامات الوقف، وغير ذلك «١».
٤ - التحسين في الإملاء: من خلال ما سبق تبيّن لك: أن التحسينات التي طرأت على الرسم العثماني، إنما كانت أمورا تتعلّق بكيفية أداء القرآن وتلاوته، على النهج الذي نزل به، وقرأه به رسول الله ﷺ ، وكذلك أصحابه من بعده رضوان الله عليهم، حتى سلم القرآن من أي تحريف أو تبديل، يمكن أن يتناول لفظه أو معناه. وعليه فالتحسينات إنما تناولت الصفة الثانية من صفات الرسم العثماني، وهي كونه بدون شكل أو نقط، وما أشبه ذلك.
وأما ما يتعلّق بالصفة الأولى، وهي الإملاء الخاص بكتابة الكلمات والحروف، فهذا مما بقي على حاله، ولم يطرأ عليه أي تغيير أو تبديل أو تحسين أو تحوير، وظلّت
المصاحف تكتب على الرسم الذي كتبت به الصحف الأولى، والمصحف العثماني الإمام. وهو المتبع في طباعة المصاحف بدءا بالطبعة الأولى في البندقية سنة
стр. 98
١٥٣٠ م، ثم طبعة بترسبورغ بروسيا سنة ١٧٨٧ م، ثم طبعة الآستانة سنة ١٨٧٧ م، وما تبع ذلك من آلاف الطبعات والأحجام «١».
٣ - حكم كتابة القرآن بالرسم الحالي:
لقد اختلف علماء المسلمين في حكم كتابة المصحف بالرسم العثماني، هل هي واجبة أم لا؟ وبالتالي: هل تجوز كتابته بالرسم المتعارف الآن أو لا؟
* فذهب فريق من العلماء إلى أن هذا الرسم، الذي كتب به المصحف الإمام، رسم توقيفي، لا تجوز مخالفته. ونسبوا التوقيف فيه إلى رسول الله ﷺ ، واستدلوا لهذا: بأن النبيّ ﷺ كان له كتّاب يكتبون الوحي، وقد كتبوا القرآن فعلا بهذا الرسم، وأقرّهم رسول الله ﷺ على كتابتهم، ومضى عهده والقرآن مكتوب على هذا النحو، لم يحدث فيه تغيير ولا تبديل. ثم جاء أبو بكر ﵁، فجمع القرآن في الصّحف بهذا الرسم، ثم حذا حذوه عثمان ﵁، فاستنسخ المصاحف على تلك الكتابة، وأقرّ الصحابة ﵃ عمل أبي بكر وعثمان ﵄، ثم انتهى الأمر إلى التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم، ولم يخالف أحد منهم في هذا الرسم، وعليه فيجب التزامه ولا تجوز مخالفته.
* وذهب فريق آخر إلى أن الرسم العثماني اصطلاحي لا توقيفي، فلا يجب التزامه ولا مانع من مخالفته، إذا اصطلح الناس على رسم خاصّ للإملاء وشاع بينهم. واحتجّوا لذلك بأنه: لم يرو في القرآن ولا في السنة ولا إجماع الأمة ما يدلّ على وجوب التزام ذلك، بل السّنّة دلّت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر بكتابته، ولم يبيّن لهم وجها معيّنا لرسمه، ولا نهى أحدا عن كتابته، ولذلك اختلفت خطوط المصاحف التي كتبها الصحابة لأنفسهم.
* والرأي الثالث، الذي ذهب إليه جمهور العلماء، هو أنّ الرسم العثماني
стр. 99
ليس توقيفيا عن رسول الله ﷺ ، ولكنّه اصطلاح ارتضاه عثمان ﵁، وأجمع عليه الصحابة، وتلقّته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. وهذا الرأي هو المنقول عن الأئمة والمذاهب المعتبرة.
روى أبو عمرو الداني، في كتابه (المقنع) عن أشهب قال: سئل مالك رحمه الله تعالى: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال:
لا، إلا على الكتبة الأولى. قال أبو عمرو: ولا مخالف له من علماء الأمة. ونقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: تحرم مخالفة خطّ مصحف عثمان في واو، أو ألف، أو ياء، أو غير ذلك «١». ونقل عن كتب فقه الشافعية والحنفية: أنه ينبغي ألا يكتب المصحف بغير الرسم العثماني، لأن رسمه سنة متبعة.
والظاهر أن هذا الرأي هو الأرجح من الآراء، لما فيه من اعتدال، إلى جانب زيادة احتياط لكتاب الله ، والحفاظ عليه ضمان لصيانة القرآن من التغيير أو التبديل حتى في الشكل. علما بأن الاصطلاح الإملائي عرضة للتغيير والتبديل، بل إن قواعد الإملاء في العصر الواحد، قد تختلف وجهات النظر فيها وتتفاوت في بعض الكلمات من بلد لآخر، فإذا أبيح كتابة القرآن بالاصطلاح الإملائي لكل عصر، أدّى ذلك إلى التغيير في خطّ المصحف من عصر لآخر، وهذا مما يتنافى مع قداسة القرآن وعظمته في نفوس المؤمنين، ومما قد يؤدّي إلى اختلاف المسلمين في كتاب الله تعالى، ويجرّ إلى فتنة أشبه بالفتنة التي حدثت أيام عثمان ﵁، وحملته على استنساخ المصاحف. وحجة تيسير قراءة القرآن على الدارسين والعامة لا تبرّر التغيير الذي يمكن أن يؤدي إلى التهاون في تحري الدقة في كتابة القرآن، ثم يجر إلى الفتنة والاختلاف.
стр. 100
على أنه يمكن تحقيق ذلك التيسير، باعتياد قراءة القرآن في المصاحف على ذوي الاختصاص، لا سيما وقد علم أنه لا بدّ في أخذ القرآن وحفظه وتعلمه من الاعتماد على المشافهة إلى جانب الكتابة، وأنه لا يكتفى بأحدهما عن الآخر، بل ربما كان الاعتماد على المشافهة أكثر من الكتابة وأولى.
هذا إلى جانب تعلّم فنّ التجويد والانتباه إلى الإشارات التحسينية التي وضعها العلماء على الكلمات، لمعرفة الفوارق الإملائية في الرسم. على أنه يمكن أن ينبّه في ذيل كل صفحة من صفحات المصحف، إلى ما يوجد فيها من كلمات تخالف في رسمها وإملائها الرسم المتعارف والإملاء المألوف.
وأخيرا يمكننا أن نقول: إنه لا بأس بمخالفة الرسم العثماني والكتابة بالإملاء المتعارف، إذا كنا نكتب آيات القرآن في مجالات التعليم والتدريس، كأن يكتب على السبورة مثلا أو على لوح للصغار أو ما إلى ذلك من أشياء، لا يقصد بها كتابة مصحف أو جزء منه، بل المقصود أن يذاكر الطلاب هذه الآيات ويستظهرونها على الوجه الأكمل والأداء الصحيح. وقد نقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام ما يفيد جواز ما قلناه، والترخيص فيه، بل الدعوة إليه «١».
стр. 101
الفصل الخامس أثر الجهود السابقة في حفظ كتاب الله من التحريف والتبديل
حفظ القرآن شكلا ومضمونا:
لقد كان لتلك الجهود المتلاحقة، في خدمة كتاب الله تعالى شكلا ومضمونا، منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا، كبير أثر في حفظه سليما من كل زيغ، وبقي كما أراد الله تعالى له أن يبقى، لم تمتد إليه الأيدي تحريفا أو تبديلا، لا في لفظه ولا في معناه، بل بقي محافظا على روحه وجسمه، يأخذه المسلمون كابرا عن كابر، أداء وحفظا وكتابة، والعقد بينهم وبين مصدره الأول رسول الله ﷺ ، الذي تلقّاه من وحي الله تعالى، لم ينقطع، والكلّ حذر من أن يدخل على كتاب الله شيء ليس منه، أو أن يخرج منه شيء من ذاته أو وصفه.
اهتمام النبيّ ﷺ والصحابة من بعده:
فهذا رسول الله ﷺ يسابق الملك في حفظه وقراءته وهو يوحى إليه حتى ينهى عن ذلك لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] ثم يأمر بما نزل أن يكتب لفوره، وينهى أن يكتب عنه شيء غير القرآن بادئ الأمر، ويقبل الصحابة على حفظه واستظهاره، واستنساخه وكتابته، ويتّخذ الكثير منهم مصحفا لنفسه خاصّا به، يرجع إليه لتثبيت حفظه وضبطه، ولا يمضي رسول الله ﷺ إلى ربه، إلا والقرآن- كما علمت- محفوظ بكامله في الصدور، ومكتوب بأجمعه في السطور.
стр. 102
ولم تمض سنتان على وفاة رسول الله ﷺ حتى كان عمل أبي بكر ﵁، الذي جمع القرآن في صحف مجتمعة بين دفتين، وحفظ بذلك على الأمة كتابها المنزل، من أن يضيع منه شيء بذهاب الحفظة من الرجال والضابطين من القراء.
ولم يمض على وفاة رسول الله ﷺ خمسة عشر عاما حتى كان عمل عثمان ﵁، ذاك العمل المبارك الميمون، الذي جمع الأمّة على كتاب الله تعالى، كتابة وأداء، وقطع من بينها دابر الاختلاف والنزاع في قرآنها، وصان كلام الله المحكم من أي خطأ أو زلل.
اهتمام الأمة وتشدّدها في كتاب الله :
وكل ذلك يجري والمسلمون يقفون ذلك الموقف المتشدّد من كتاب الله تعالى، خشية أن يزاد فيه شيء أو ينقص، أو يظن منه ما هو دخيل عليه، فلا يقبلون أن يزاد فيما بين دفتي المصحف ما ليس بقرآن حتى ولو كان رموزا وعلامات، يسترشد بها لقراءة كتاب الله . فهذا ابن مسعود ﵁ الصحابي الجليل يقول: جرّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء «١». وإنما قال ذلك خشية أن يظنّ الناس ما ليس بقرآن قرآنا.
ولم يمض على وفاة رسول الله ﷺ خمس وأربعون سنة حتى كان ذلك العمل العظيم، الذي تناول رسم القرآن شكلا ونقطا وتحسينا يساعد على الأداء الصحيح، ويحفظ كتاب الله تعالى من أن يناله تحريف أو تبديل في لفظه أو معناه، حين اضطرت الظروف إلى ذلك، وكثرت العجمة، وفشا اللحن، وأصبح النقط والشكل عندها أمرا لا مناص منه، بل هو شيء مستحبّ ومندوب إليه بعد أن كان مكروها
стр. 103
ومرغوبا عنه، كل ذلك حسب ما تقتضيه المصلحة في حفظ كتاب الله. قال النووي رحمه الله تعالى: نقط المصحف وشكله مستحبّ، لأنه صيانة له من اللحن والتحريف «١».
دراسات وعلوم تصون القرآن:
وهكذا تجد أن الجهود لا تفتأ تبذل لصون كتاب الله تعالى، وحسبك في هذا المجال أن علم النحو لم يقعّد ولم يدوّن إلا خدمة لضبط القرآن وحفظه من التحريف أو التبديل، بل إن علوما عربية أخرى قامت في جلّها خدمة للقرآن أو نبعت من مضمونه.
ومن جملة الجهود التي بذلت، وكان لها أثر في حفظ كتاب الله تعالى، ما قام به العلماء من الأمة من إحصاء عدد آيات القرآن وكلماته وحروفه. بل وصل الحذر والحيطة بهم أن أحصوا ما فيه من شدّات وغيرها من الحركات، وما فيه من كل حرف من الحروف، إلى غير ذلك مما فيه صون له وتحصين.
أضف إلى ذلك كلّه تلك التفاسير وكتب الفقه والحديث وغيرها من العلوم الإسلامية، التي تنبث فيها آيات القرآن، بحيث يعجز أهل الأرض عن جمعها، لو أرادوا أن يحرّفوا شيئا من القرآن أو يبدلوه.
المعجزة الإلهية:
هذا إلى جانب ما رأيت من تشدّد الجمهور من العلماء والأئمة في المحافظة على رسم القرآن على الكتبة الأولى وعدم تجويزهم كتابته بما يخالف ذلك الرسم، حتى يحفظ كتاب الله تعالى من التغيير والتبديل حتى ولو في الشكل والمظهر، فضلا عن المضمون والجوهر، وهكذا فقد بقي القرآن كما كان، وكما أنزل على
стр. 104
قلب رسول الله ﷺ ، يحفظه المسلمون عربا وعجما، كبارا وصغارا، نساء ورجالا، ويكتبونه في مشارق الأرض ومغاربها، بلسان عربيّ مبين، لم ينقص منه حرف ولم يزد عليه، ولم يداخله خطأ أو زيف، ولو اجتمع قرّاء القرآن من جميع أنحاء العالم، أو جمعت نسخه من أرجاء الأرض، لما وجد اختلاف في حرف واحد منه رسما أو أداء. وهكذا فقد تحقّقت معجزة الوحي الإلهي إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩].
стр. 105
الباب الرّابع الأحرف السبعة والقراءات
الفصل الأول: ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث، وسبب وروده، ومعنى الأحرف السبعة والمقصود بها، ومصيرها.
الفصل الثاني: الفرق بين الأحرف السبعة والقراءات.
الفصل الثالث: الفرق بين القراءات المتواترة والشاذة، وضابط القراءات المتواترة.
стр. 106
الفصل الأول ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث، وسبب وروده، ومعنى الأحرف السبعة، والمقصود بها، ومصيرها
١ - ما ورد في الأحرف السبعة من الأحاديث:
ورد في الأحرف السبعة أكثر من عشرة أحاديث نقتصر منها على ثلاثة هي:
الأول:
عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصّلاة، فانتظرته حتى سلّم ثم لببته بردائه أو بردائي، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت له: كذبت فو الله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها وأنت أقرأتني سورة الفرقان.
فقال رسول الله ﷺ : «أرسله يا عمر، اقرأ يا هشام» فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، قال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت». ثم قال ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه» «١»
متّفق عليه.
الثاني:
عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن النبيّ ﷺ كان على أضاة بني غفار «٢» فأتاه جبريل ﵇ فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرف، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه الثانية
стр. 107
فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على حرفين، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك.
فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا» «١» رواه مسلم.
الثالث:
وعن عبد الله بن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل ﵇ على حرف واحد، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف» «٢».
وحديث إنزال القرآن على سبعة أحرف متواتر، وقد نصّ الإمام الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلّام على تواتره «٣»، وتتبع الحافظ ابن الجزري طرقه، وذكر الصحابة الذين رووه، وهم: عمر بن الخطاب، وهشام بن حكيم، وعبد الرحمن بن عوف، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وحذيفة بن اليمان، وأبو بكرة، وعمرو بن العاص، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب، وعمر بن أبي سلمة، وأبو جهيم، وأبو طلحة الأنصاري، وأم أيوب الأنصارية «٣». ﵃.
٢ - أسباب ورود القرآن على سبعة أحرف:
أ- التخفيف على هذه الأمة المسلمة، وإرادة اليسر بها، والتهوين عليها؛ شرفا لها، وتوسعة ورحمة، وخصوصية لفضلها.
стр. 108
ب- الإجابة لقصد نبيها محمد ﷺ أفضل الخلق وحبيب الحقّ،
حيث أتاه جبريل فقال: «إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف. فقال ﷺ : أسأل الله معافاته ومعونته، إن أمتي لا تطيق ذلك»
ولم يزل يردّد المسألة حتى بلغ سبعة أحرف.
روي عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «كان الكتاب الأوّل نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف» «١».
وقد أوضح الحافظ ابن الجزري الحكمة الكامنة في ذلك بقوله: «إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يبعثون إلى قومهم الخاصّين بهم، والنبيّ ﷺ بعث إلى جميع الخلق، أحمرها وأسودها عربيها وعجميها، وكانت العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لغاتهم مختلفة، وألسنتهم شتى، ويعسر على أحدهم الانتقال من لغته إلى غيرها، أو من حرف إلى آخر، بل قد يكون بعضهم لا يقدر على ذلك ولا بالتعليم والعلاج، لا سيما الشيخ والمرأة، ومن لم يقرأ كتابا، كما أشار إليه ﷺ ، فلو كلّفوا العدول عن لغتهم والانتقال عن ألسنتهم، لكان من التكليف بما لا يستطاع، وما عسى أن يتكلّف المتكلف وتأبى الطباع» «٢».
ج- التدرّج بالأمة، لتجتمع في لهجاتها على لغة واحدة هي لغة قريش.
٣ - معنى الأحرف السبعة والمقصود بها:
المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه في الاختلاف ورسم القراءة واحد، وهو ما ذهب إليه أبو الفضل الرازي وابن قتيبة، وابن الطيّب، واستحسنه ابن الجزري، وهذه الأوجه هي:
الأول: اختلاف الأسماء من إفراد، وتثنية، وجمع، وتذكير، وتأنيث مثل:
стр. 109
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ [المؤمنون: ٨] قرئ «لأمانتهم».
الثاني: اختلاف تصريف الأفعال، من ماض ومضارع وأمر، مثل: فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا [سبأ: ١٩] قرئ «ربّنا بعّد».
الثالث: اختلاف وجوه الإعراب، مثل وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة:
٢٨٢] قرئ «ولا يضارّ».
الرابع: الاختلاف بالنقص والزيادة، مثل وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [الليل:
٣] قرئ «والذكر والأنثى» بنقص «ما خلق».
الخامس: الاختلاف بالتقديم والتأخير، مثل وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: ١٩] قرئ «وجاءت سكرة الحقّ بالموت».
السادس: الاختلاف بالإبدال، مثل وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة: ٢٥٩] قرئ «ننشرها» بالراء.
السابع: اختلاف اللغات- اللهجات- كالفتح والإمالة، والترقيق والتفخيم، والإظهار والإدغام، مثل وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى [طه: ٩] تقرأ بالفتح والإمالة في «أتي» ولفظ «موسي» «١».
والمقصود من هذه الأحرف السبعة:
١ - أن جبريل نزل على رسول الله ﷺ بها حرفا حرفا، وأنه ﷺ قرأ بها جميعا، وأقرأ الناس عليها، وقرءوا بها، فلا يسبقن إلى الذهن أن الأحرف السبعة راجعة إلى لغات الناس واختيارهم في ذلك كما يشاءون.
стр. 110
٢ - إن الحرف الواحد والأحرف السبعة للقرآن الكريم هي تنزيل من لدن حكيم حميد، وليس فيه لرسولنا ﷺ إلا البلاغ المبين، وقد فعل ﷺ وأدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، على أكمل وجه.
٣ - ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن القرآن أنزل على هذا الشرط وهذه التوسعة، بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف سبعة أوجه، مهما كثر ذلك التعدّد والتنوع في أداء اللفظ الواحد، ومهما تعددت القراءات وطرقها في الكلمة الواحدة.
٤ - لا نزاع بين العلماء المعتبرين أن الأحرف السبعة ليست قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع ذلك ابن مجاهد في القرن الرابع؛ ليكون ذلك موافقا لعدد الحروف التي أنزل عليها القرآن، لا لاعتقاده واعتقاد غيره من العلماء أن القراءات السبع هي الحروف السبعة، أو أن هؤلاء السبعة المعينين هم الذين لا يجوز أن يقرأ بغير قراءاتهم «١».
٤ - مصير الأحرف السبعة:
إن الأحرف السبعة باقية إلى يومنا هذا، وستبقى ما بقي القرآن؛ لأنها لا ترجع إلى الاختلاف في الألفاظ مع اتحاد المعاني، ولا اختلاف اللغات، وإنما ترجع إلى أمور بسيطة يحتملها جميعا رسم القرآن الكريم على كتبته الأصلية دون إعجام وحركات، ويرجّح ابن الجزري صواب هذا الرأي، لأن الأحاديث الواردة تشهد له وتدلّ عليه، فيقول: «والمصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبيّ ﷺ على جبريل ﵇، متضمنة لها، لم تترك حرفا منها» «٢».