← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 11428

نصب الراية

الجمال الزيلعي

Полный текст (2 019 стр.). Показаны 1996–2019 · переход к 2001.

стр. 1996

النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ، وَعَدَّهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ، وَغَلِطَا فِيهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، انْتَهَى. كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ إلَى جَيْفَرٍ، وَعَبْدٍ ابْنَيْ الْجُلُنْدَى، الْأَزْدِيَّيْنِ، مَلِكَيْ عُمَانَ، مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " بسم الله الرحمن الرحيم، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إلَى جَيْفَرٍ، وَعَبْدٍ ابْنَيْ الْجُلُنْدَى، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكُمَا بِدَاعِيَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمَا تَسْلَمَا، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَى النَّاسِ كَافَّةً، لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنَّكُمَا إنْ أَقْرَرْتُمَا بِالْإِسْلَامِ، وَلَّيْتُكُمَا، وَإِنْ أَبَيْتُمَا أَنْ تُقِرَّا بِالْإِسْلَامِ، فَإِنَّ مُلْكَكُمَا زَائِلٌ عَنْكُمَا، وَخَيْلِي تَحُلُّ بِسَاحَتِكُمَا، وَتَظْهَرُ نُبُوَّتِي عَلَى مُلْكِكُمَا ". وَكَتَبَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَخَتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْكِتَابَ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فَخَرَجْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إلَى عُمَانَ، فَقَدِمْتُ عَلَى عَبْدٍ، وَكَانَ أَسْهَلَ الرَّجُلَيْنِ، فَقُلْت لَهُ: إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْك، وَإِلَى أَخِيك، فَقَالَ: أَخِي الْمُقَدَّمُ عَلَيَّ بِالسِّنِّ وَالْمُلْكِ، أَنَا أُوصِلُك إلَيْهِ، فَيَقْرَأُ كِتَابَك، ثُمَّ سَأَلَنِي أَيْنَ كَانَ إسْلَامِي؟ فَقُلْت لَهُ: عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَأَخْبَرْته أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَسْلَمَ، فَقَالَ: مَا أَظُنُّ أَنَّ هِرَقْلَ عَرَفَ بِإِسْلَامِهِ، قُلْت: بلى، قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَك؟ قُلْت: كَانَ النَّجَاشِيُّ يُخْرِجُ خَرْجًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ، قَالَ: وَاَللَّهِ لَوْ سَأَلَنِي دِرْهَمًا وَاحِدًا مَا أَعْطَيْته، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ هِرَقْلَ، قِيلَ لَهُ: أَتَدَعُ عَبْدَك لَا يُخْرِجُ لَك خَرْجًا، وَيَدِينُ دِينًا مُحْدَثًا؟ فَقَالَ: وَمَا الَّذِي أَصْنَعُ؟ رَجُلٌ رَغِبَ فِي دِينٍ، وَاخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، وَاَللَّهِ لَوْلَا الضَّنُّ بِمُلْكِي، لَصَنَعْت مِثْلَ الَّذِي صَنَعَ، فَقَالَ: اُنْظُرْ يَا عَمْرُو مَا تَقُولُ، إنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصْلَةٍ فِي الرَّجُلِ أَفْضَحَ لَهُ مِنْ الْكَذِبِ، فَقُلْت لَهُ: وَاَللَّهِ مَا كَذَبْت، وَإِنَّهُ لَحَرَامٌ فِي دِينِنَا فَقَالَ: وَمَا الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ؟ قُلْت: يَدْعُو إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَالْبِرِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَيَنْهَى عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَعَنْ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَعَنْ الزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَعِبَادَةِ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ، وَالصَّلِيبِ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا، لَوْ كَانَ أَخِي يُتَابِعُنِي، لَرَكِبْنَا إلَيْهِ حَتَّى نُؤْمِنَ بِهِ، وَلَكِنَّ أَخِي أَضَنُّ بِمُلْكِهِ، مِنْ أَنْ يَدَعَهُ، قُلْت: إنَّهُ إنْ أَسْلَمَ مَلَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمِهِ، قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرَ أَخَاهُ بِخَبَرِي، فَدَعَانِي، فَدَخَلْت عَلَيْهِ، وَدَفَعْت إلَيْهِ الْكِتَابَ، فَفَضَّهُ، وَقَرَأَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَى أَخِيهِ، فَقَرَأَهُ مِثْلَهُ، إلَّا أَنَّ أَخَاهُ أَرَقُّ مِنْهُ، وَقَالَ لِي: مَا صَنَعَتْ قُرَيْشٌ؟ قُلْت: مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا وَأَسْلَمَ إمَّا رَاغِبًا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا مَقْهُورًا بِالسَّيْفِ، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَرَفُوا بِعُقُولِهِمْ مَعَ هِدَايَةِ اللَّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ضَلَالٍ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ غَيْرَك، وَأَنْتَ إنْ لَمْ تسلم، توطئك الخيل، وتبيد خضرائك، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، قَالَ: دَعْنِي يَوْمًا هَذَا، قَالَ: فَلَمَّا خَلَا بِهِ أَخُوهُ، قَالَ: مَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ؟ وَقَدْ ظَهَرَ أَمْرُ هَذَا الرَّجُلِ، وَكُلُّ مَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِ أَجَابَهُ؟ قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إلَيَّ، وَأَجَابَ هُوَ

стр. 1997

وَأَخُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ جَمِيعًا، وَخَلَّيَا بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ، وَالْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وكانا لي عوناً إلى مَنْ خَالَفَنِي، انْتَهَى١. كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ، مَلِكِ الشَّامِ، مَعَ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ، هَكَذَا عِنْدَ الْوَاقِدِيِّ، وَعِنْدَ ابْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، عِوَضَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ شُجَاعًا إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، وَهُوَ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ٢ فَكَتَبَ إلَيْهِ، مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَ، وَإِنِّي أَدْعُوك إلَى أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، يَبْقَى لَك مُلْكُك". وَخَتَمَ الْكِتَابَ، وَدَفَعَهُ إلَى شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَيْهِ انْتَهَيْتُ إلَى حَاجِبِهِ، فَقُلْت لَهُ: إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِ، فَقَالَ لِي: إنَّك لَا تَصِلُ إلَيْهِ إلَى يَوْمِ كَذَا، فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَيْنِ، أوثلاثة، وَجَعَلَ حَاجِبُهُ وَكَانَ رُومِيًّا، اسْمُهُ مُرَيٌّ يَسْأَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يَدْعُو إلَيْهِ، فَكُنْت أُحَدِّثُهُ، فَيَرِقُّ قَلْبُهُ، حَتَّى يَغْلِبَهُ الْبُكَاءُ، وَقَالَ: إنِّي قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ صِفَةَ هَذَا النَّبِيِّ، وَكُنْتُ أَرَى أَنَّهُ يَخْرُجُ بالشام، وأنا أؤمن بِهِ، وَأُصَدِّقُهُ، وَكَانَ يُكْرِمُنِي، وَيُحْسِنُ ضِيَافَتِي، وَيُخْبِرُنِي عَنْ الْحَارِثِ بِالْيَأْسِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: هُوَ يَخَافُ قَيْصَرَ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ الْحَارِثُ يَوْمَ جُلُوسِهِ أَذِنَ لِي عَلَيْهِ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِ الْكِتَابَ، فَقَرَأَهُ، ثُمَّ رَمَى بِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَنْتَزِعُ مِنِّي مُلْكِي، أَنَا سَائِرٌ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ جِئْتُهُ، عَلَيَّ بِالنَّاسِ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْرِضُ٣ حَتَّى اللَّيْلِ، وَأَمَرَ بِالْخَيْلِ أَنْ تُنَعَّلَ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْ صَاحِبَك بِمَا تَرَى، وَكَتَبَ إلَى قَيْصَرَ يُخْبِرُهُ خَبَرِي، فَصَادَفَ قَيْصَرَ بِإِيلِيَاءَ، وَعِنْدَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، وَقَدْ بَعَثَهُ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَرَأَ قَيْصَرُ كِتَابَ الْحَارِثِ، كَتَبَ أَنْ لَا تَسِرْ إلَيْهِ، وَالْهُ عَنْهُ، وَوَافِنِي بِإِيلِيَاءَ، قَالَ: وَرَجَعَ الْكِتَابُ، وَأَنَا مُقِيمٌ، فَدَعَانِي، وَقَالَ: مَتَى تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إلَى صَاحِبِك؟ قُلْت: غَدًا، فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ، وَوَصَّلَنِي الْحَاجِبُ بِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، وَقَالَ لِي: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مُتَّبِعٌ دِينَهُ، قَالَ شُجَاعٌ: فَقَدِمْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرْته، فَقَالَ: "بَادَ مُلْكُهُ"، وَأَقْرَأْته السَّلَامَ، وَأَخْبَرْته بِمَا قَالَ، فَقَالَ ﵇: "صَدَقَ"، انْتَهَى.

стр. 1998

كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ ١ إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ، مَعَ سَلِيطِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِيِّ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ، سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى، اعْلَمْ أَنَّ دِينِي سَيَظْهَرُ إلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلْ لَك مَا تَحْتَ يَدَيْك"، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى سَلِيطٍ أَنْزَلَهُ وَحَيَّاهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَتَبَ إلَى النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَحْسَنَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ وَأَجْمَلَهُ، وَأَنَا شَاعِرُ قَوْمِي، وَخَطِيبُهُمْ، وَالْعَرَبُ تَهَابُ مَكَانِي، فَاجْعَلْ إلَيَّ بَعْضَ الْأَمْرِ أَتَّبِعْك، وَأَجَازَ سَلِيطًا بِجَائِزَةٍ، وَكَسَاهُ أَثْوَابًا، مِنْ نَسْجِ هَجَرَ، فَقَدِمَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ، وَقَرَأَ كِتَابَهُ، فَقَالَ: "وَاَللَّهِ لَوْ سَأَلَنِي شَيْئًا بِهِ مِنْ الْأَرْضِ مَا فَعَلْتُ، بَادَ، وَبَادَ مَا فِي يَدَيْهِ"، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من الفتح، جاءه جبرئيل ﵇ بِأَنَّ هَوْذَةَ مَاتَ، فَقَالَ ﵇: "أَمَا إنَّ الْيَمَامَةَ سَيَخْرُجُ بِهَا كَذَّابٌ، يَتَنَبَّأُ، يُقْتَلُ بِهَا بَعْدِي"، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يَقْتُلُهُ؟ قَالَ: "أَنْتَ وَأَصْحَابُك"، فَكَانَ كَذَلِكَ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ وَالصَّوَابِ. (*)

стр. 1999

ملاحق [هذه الملاحق التالية، ليست في الطبعة التي اعتمدناها (مؤسسة الريان للطباعة والنشر - بيروت -لبنان/ دار القبلة للثقافة الإسلامية- جدة - السعودية)، وإنما ذكرناها هنا لتكون هذه النسخة جامعة لما في النسخ الإلكترونية التي بين أيدينا من مزايا كالتشكيل وموافقة المطبوع، ومقدمات وحواشي المعلقين .... ]

стр. 2000

مقدمة ط دار الحديث [هذه مقدمة أيمن صالح شعبان محقق طبعة دار الحديث، بالقاهرة، أثبتنا منها هنا هذا القدر اليسير، لأن باقيها كله مستل من مقدمة البنوري المثبتة في أول هذا الكتاب] ⦗٥⦘ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم إِن الْحَمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا. إِنَّه من يهده الله فَلَا مضل لَهُ، وَمن يضلل فَلَا هادى لَهُ، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَحده لَا شريك لَهُ. وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله. (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ). (يَا أَيهَا النَّاس تقو ربكُم الذى خَلقكُم من نَفْس وَاحِدَة وَخلق مِنْهَا زَوجهَا وَبث مِنْهَا رجَالًا كثيرا وَنسَاء وَاتَّقوا الله الذى تساءلون بِهِ والارحام إِن الله كَانَ عَلَيْكُم رقيبا). (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزا عَظِيما). إِن أصدق الحَدِيث كتاب الله، وَخير الْهدى هدى مُحَمَّد وَشر الامور محدثاتها، وكل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة، وكل ضَلَالَة فِي النَّار. أما بعد: إِن الْحَرَكَة التصنيفية فِي حَيَاة الامة الاسلامية أخذت كثيرا من الاشكال وتطورت من طور آخر. وَهَذِه حَقِيقَة لَا يقبل دَفعهَا، وَلَا يستساغ إِلَّا قبُولهَا - فَمن عهد النُّبُوَّة إِلَى وقتنا هَذَا والمسيرة العلمية فِي حَيَاة الامة تمر بانماط وأطوار. وَعَلَى هَذِه الْمسلمَة يكون التَّمْهِيد بَين يدى كتاب: نصب الرَّايَة تَخْرِيج أَحَادِيث الْهِدَايَة فِي الْفِقْه الْحَنَفِيّ فاولا: الْهِدَايَة مُصَنف لشرح الْمَتْن الفهى الْمُسَمَّى " بداية المبتدى " وَكِلَاهُمَا لمصنف وَاحِد هُوَ: عَلَى بن أَبَى بكر بن عبد الْجَلِيل الفرغان، شيخ الاسلام برهَان الدَّين المرغينانى (*) الْعَلامَة الْمُحَقق " صَاحب الْهِدَايَة ". كَانَ إِمَامًا، فَقِيها، حَافِظًا مُحدثا، مُفَسرًا، جَامعا للعلوم، ضابطا للفنون، متقنا، محققا، نظارا. ⦗٦⦘ تفقه عَلَى أَئِمَّة عصره، كمفتى الثقلَيْن، نجم الدَّين أَبَى حَفْص عمر النسفى، وَابْنه أَبَى اللَّيْث " أَحْمد النسفى "، والصدر الشَّهِيد " حسام الدَّين عمر "، والصدر السعيد " تَاج الدَّين أَحْمد " " وَأَبَى عَمْرو عُثْمَان البيكندى " تلميذ شمس الائمة السرخسى وَغَيرهم كثير. فاق شُيُوخه وأقرانه، وأذعنوا لَهُ كلهم، وَلَا سِيمَا بعد تصنيفه لكتاب " الهدايد شرح الْبِدَايَة ": " والبداية " متن فقهى كالمتون الْفِقْهِيَّة المذهبية الَّتِى كَانَ لَهَا دور بارز فِي حفظ الدَّين للامة الاسلامية. فقد كَانَت الْحَاجة العلمية للامة إبان عصر تدوين الحَدِيث تتمثل فِي تَرْجَمَة الاحاديث وَالْخُرُوج بِنَصّ تعبدي سِيمَا وَقد فترت الهمم وَقل الْحِفْظ وركن الْعلمَاء إِلَى التَّقْلِيد. فَلَا بُد من طور آخر يلائم حَاجَة الامة فَكَانَ: " النَّص التعبدى المذهبي " أَو " الْمَتْن المذهبي "، بَعْدَمَا توافر الْعلمَاء بالامصار وَكَانُوا أعلاما لَهَا حَتَّى كَانَ يجْتَمع بِالْمَدِينَةِ الْوَاحِدَة مِائَتَان مِنْهُم أَو يزِيد وحصيلة الافراد من الامة - غير الْعلمَاء - مئات من الاحاديث بل أُلُوف - كَانَت حِكْمَة الله وَهُوَ الْخَبِير بانحصار الْعلم فِي أفذاذ معدودين فِي الْمصر الْوَاحِد. وَكَانَ لهَؤُلَاء الافذاذ الْمَعْدُودين - لتقدير الْعَزِيز الْحَكِيم - دور فِي نشاة الْمذَاهب الاسلامية وانتشارها فِي الامصار، والتمذهب الفقهى الذى ظهر جَلِيلًا فِي وضعهم للمصنفات لمسيرة الْوَاقِع وملاءمته لحَاجَة الامة فِي هَذَا الْوَقْت. وَبِهَذَا نرَى بنظرة عابرة كَيْفيَّة نشوء " الْمَتْن المذهبي " ونقدر دوره الْهَام فِي حفظ الدَّين للامة. وباستدارة الزَّمَان دارت المصنفات المستحدثة بعد الْمَتْن المذهبي فِي فلك هَذِه الْمُتُون تَارَة فِي شكل كشف غامض، أَو تَنْقِيح، أَو تذييل أَو شرح أَو ذكر دَلِيل ويغر ذَلِك. " وَالْهِدَايَة " إِحْدَى المصنفات الَّتِى دارت فِي هَذَا الْفلك لشرح " بداية المبتدى " وَهُنَاكَ شُرُوح عَلَى الْهِدَايَة أَيْضا

стр. 2001

[هذه كلمة الكوثري في الدفاع عن أبي حنيفة، وهي غير موجودة في طبعتنا هذه أصلا، واستدركناها من مقدمة نسخة برنامج المحدث، وإنما أثبتناها تكميلا للنسخة] تقدمة (١) " نصب الرَّايَة" وَكلمَة عَن فقه أهل الْعرَاق بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي أَعلَى منَازِل الْفُقَهَاء، إعلاء يوازن مَا لَهُم من الهمم القعساء، فِي خدمَة الحنيفية السمحة الْبَيْضَاء، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى سيدنَا مُحَمَّد خَاتم الْأَنْبِيَاء، وَسَنَد الأتقياء، ومخرج الْأمة من الظُّلُمَات إِلَى النُّور والضياء، وَعَلَى آله وَصَحبه، السَّادة النجباء، والقادة الأصفياء، شموس الْهِدَايَة، وبدور الاهتداء، الناضري الْوُجُوه، بتبليغ مَا بلغوه من أَدِلَّة الشَّرِيعَة الغراء. وَبعد: فَإِن كتاب نصب الرَّايَة - لتخريج أَحَادِيث الْهِدَايَة" للْإِمَام الْحَافِظ الْفَقِيه النَّاقِد الشَّيْخ "عبد الله بن يُوسُف الزَّيْلَعِيّ" - أَعلَى الله سُبْحَانَهُ مَنْزِلَته فِي الْجنَّة - كتاب لَا نَظِير لَهُ فِي استقصاء أَحَادِيث الْأَحْكَام، حَيْثُ كَانَ مُؤَلفه لَا يفتر سَاعَة عَن الْبَحْث، وَلَا يعوقه عَن التنقيب عائق، وَلَا يحول دون فحصه تواكل، وَلَا تكاسل، وَلَا يزهده فِي الْأَخْذ عَن أقرانه، وَعَمن هُوَ دونه كبَر النَّفس، وسعته فِي الْعلم، بل طَرِيقَته الدأب، ليل نَهَار، عَلَى نشدان طلبته، أَيْنَمَا وجد ضالته، وَهَذَا الْإِخْلَاص الْعَظِيم، وَهَذَا الْبَحْث الْبَالِغ، جعلا لكتابه من الْمنزلَة فِي قُلُوب الْحفاظ، مَالا تساميه منزلَة كتاب من كتب التَّخْرِيج، وَالْحق يُقَال: إِنَّه لم يدع مطمعاً لباحث وَرَاء بَحثه وتنقيبه، بل اسْتَوْفَى فِي الْأَبْوَاب ذكر مَا يُمكن لطوائف الْفُقَهَاء أَن يَتَمَسَّكُوا بِهِ عَلَى اخْتِلَاف مذاهبهم، من أَحَادِيث، قَلما يَهْتَدِي إِلَى جَمِيع مصادرها أهل طبقته، وَمن بعده من محدثي الطوائف، إِلَّا من أجهد نَفسه إجهاده، وَسَعَى سَعْيه لوُجُود كثير مِنْهَا فِي غير مظانها، بل قلَّ من ينصف إنصافه، فيدون أَدِلَّة الْخُصُوم تدوينه، غير مقتصر عَلَى أَحَادِيث طَائِفَة دون طَائِفَة، مَعَ بَيَان مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا، بغاية النصفة، بِخِلَاف كثير مِمَّن ألفوا فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام فِي الْمذَاهب، فَإنَّك تراهم يغلب عَلَيْهِم التَّقْصِير فِي الْبَحْث، أَو السّير وَرَاء أهواء، وَالتَّقْصِير فِي الْبَحْث، يظْهر الْمَسْأَلَة القوية الْحجَّة بمظهر أَنَّهَا لَا تدل عَلَيْهَا حجَّة، وَالسير وَرَاء هوى، تعصب يأباه أهل الدَّين، وأخطر مَا يغشى عَلَى بَصِيرَة الْعَالم عِنْد النّظر فِي الادلة، هُوَ التعصب المذهبي، فَإِنَّهُ يلبس الضَّعِيف لِبَاس الْقوي، وَالْقَوِي لِبَاس الضَّعِيف، وَيجْعَل الناهض من الْحجَّة داحضاً، وَبِالْعَكْسِ، وَلَيْسَ ذَلِك شَأْن من يخَاف الله فِي أَمر دينه، ويتهيب ذَلِك الْيَوْم الرهيب الَّذِي يُحَاسب فِيهِ كل امْرِئ عَلَى مَا قدمت يَدَاهُ، فَإِذا وجد المتفقه من هُوَ وَاسع الْعلم، غوَّاص لَا يتغلب عَلَيْهِ الْهَوَى، بَين حفاظ الحَدِيث، فليعض عَلَيْهِ بالنواجذ، فَإِن ذَلِك، الكبريت الْأَحْمَر بَينهم، والحافظ الزَّيْلَعِيّ هَذَا، جَامع لتِلْك الْأَوْصَاف حَقًا، وَلذَلِك أَصبَحت أَصْحَاب التخاريج بعده عَالَة عَلَيْهِ، فدونك كتب: الْبَدْر الزَّرْكَشِيّ. وَابْن الملقن. وَابْن حجر. وَغَيرهم، من الَّذين يظنّ بهم أَنهم يحلقون فِي سَمَاء الْإِعْجَاب، ويناطحون السَّحَاب، وقارنها بكتب الزَّيْلَعِيّ، حَتَّى تتيقن صدق مَا قُلْنَا، بل إِذا فعلت ذَلِك رُبمَا تزيد، وَتقول: إِن سَدى تِلْكَ الْكتب ولحمتها، كتب الزَّيْلَعِيّ، إِلَّا فِي التعصب المذهبي، وَكتاب الزَّيْلَعِيّ هَذَا يجد فِيهِ الْحَنَفِيّ صفوة مَا اسْتدلَّ بِهِ أَئِمَّة الْمذَاهب من أَحَادِيث الْأَحْكَام، ويلقى الْمَالِكِي فِيهِ نقاوة مَا خرجه ابْن عبد الْبر فِي "التَّمْهِيد" و "الاستذكار" وخلاصة مَا بَسطه عبد الْحق فِي كتبه، فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام، وَالشَّافِعِيّ يرَى فِيهِ غربلة مَا خرجه الْبَيْهَقِيّ فِي "السّنَن". و"الْمعرفَة". وَغَيرهمَا، وتمحيص مَا ذكره النَّوَوِيّ فِي "الْمَجْمُوع". و"شرح مُسلم" واستعراض مَا يُبينهُ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي "الإِلمام". و"الإِمَام". و"شرح الْعُمْدَة"، وَكَذَلِكَ الْحَنْبَلِيّ يلاقي فِيهِ وُجُوه النَّقْد فِي "كتاب التَّحْقِيق" - لِابْنِ الْجَوْزِيّ. و"تَنْقِيح التَّحْقِيق" - لِابْنِ عبد الْهَادِي، وَغير ذَلِك من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام، بل يجد الباحث فِيهِ سُوَى مَا فِي الصِّحَاح، وَالسّنَن، وَالْمَسَانِيد، والْآثَار، والمعاجم، من أَدِلَّة الْأَحْكَام أَحَادِيث فِي الْأَبْوَاب، من مُصَنف ابْن أبي شيبَة - أهم كتاب فِي نظر الْفَقِيه -، ومصنف عبد الرَّزَّاق، وَنَحْوهمَا، مِمَّا لَيْسَ بمتناول يَد كل باحث الْيَوْم، مَعَ اسْتِيفَاء الْكَلَام فِي كل حَدِيث، من أَقْوَال أَئِمَّة الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وَمن كتب الْعِلَل الْمَعْرُوفَة، وَهَذَا مَا جعل لهَذَا الْكتاب ميزة عظمى بَين كتب التخاريج. وَلَا أُرِيد بِهَذَا، الثَّنَاء عَلَى كِتَابه تثبيط العزائم، وتخدير الهمم، وَلَا إِنْكَار أَنه لَا نِهَايَة لما يفِيض الله سُبْحَانَهُ عَلَى أهل الْعَزِيمَة الصادقة من خبايا الْعُلُوم، وَلَا نفي أَن فِي كتب من بعده بعض فَوَائِد، يشْكر مؤلفوها عَلَيْهَا، ويزداد استقاء أَمْثَالهَا من ينابيعها الصافية، عِنْد مضاعفة السَّعْي، وَصدق الْعَزِيمَة، وَإِنَّمَا قلت مَا قلت، إعطاءٍ لكل ذِي حق حَقه، واجلالاً للْعلم واستنهاضاً للهمم، نَحْو محاولة الِاسْتِدْرَاك، عَلَى مثل هَذَا الْعَالم الْجَلِيل. وَهَذَا حَافظ وَاحِد من حفاظ الْحَنَفِيَّة، قَامَ بِمثل هَذَا الْعَمَل الْعَظِيم الَّذِي وَقع موقع الإِعجاب الْكُلِّي بَين طوائف الْفُقَهَاء كلهم، فِي عصره، وَبعد عصره، فَمن قلب صَحَائِف هَذَا الْكتاب، ودرس مَا فِي الْأَبْوَاب من الْأَحَادِيث، تَيَقّن أَن الْحَنَفِيَّة فِي غَايَة التَّمَسُّك بالأحاديث، والْآثَار فِي الْأَبْوَاب كلهَا، لَكِن لَا تَخْلُو البسيطة من متعنت يتقوَّل فيهم، إِمَّا جهلا، أَو عصبية جَاهِلِيَّة، فَمرَّة يَتَكَلَّمُونَ فِي أَخذهم بِالرَّأْيِ، عِنْد فقدان النَّص، مَعَ أَنه لَا فقه بِدُونِ رَأْي، وَمرَّة يرمونهم بقلة الحَدِيث، وَقد امْتَلَأت الْأَمْصَار بأحاديثهم، وَأُخْرَى يَقُولُونَ: إِنَّهُم يستحسنون، وَمن اسْتحْسنَ فقد شرَّع، وَأَيْنَ يكون موقع هَذَا الْكَلَام من الصدْق؟! بعد الِاطِّلَاع عَلَى كَلَامهم فِي الِاسْتِحْسَان، وَكَيف يَسْتَطِيع الْقَائِل بِالْقِيَاسِ رد الِاسْتِحْسَان؟ وَالشَّرْع لله وَحده، إِنَّمَا الرَّسُول صلوَات الله عَلَيْهِ - مبِّلغه، وقصارى مَا يعْمل الْفَقِيه فَهْم النُّصُوص فَقَط، فَمن جعل للفقيه حظاً من التشريع، لم يفهم الْفِقْه وَالشَّرْع، بل ضل السَّبِيل، وَجعل شرع الله من الأوضاع البشرية، وحاش لله أَن يَجْعَل للبشر دخلا فِي شَرعه ووحيه. هَذَا، وَقد رَأَيْت تفنيد تِلْكَ النقولات، بسرد مُقَدمَات فِي الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد، وَفِي الِاسْتِحْسَان الَّذِي يَقُول بِهِ الْحَنَفِيَّة، وَفِي شُرُوط قبُول الأخيار عِنْدهم، وَفِي منزلَة الْكُوفَة من عُلُوم الْقُرْآن، والْحَدِيث، والعلوم الْعَرَبيَّة، وَالْفِقْه، وأصوله، وَكَون الْكُوفَة ينبوع الْفِقْه، المُشرق، من بِلَاد الْمشرق، الْمُنْتَشِر فِي قارات الأَرْض كلهَا، وميزة مَذْهَب أهل الْعرَاق عَلَى سَائِر الْمذَاهب، ومبلغ اتساعهم فِي الْحِفْظ، وَكَثْرَة الْحفاظ بَينهم من أقدم العصور الاسلامية إِلَى عصرنا هَذَا، زِيَادَة عَلَى مَا لَهُم من الْفَهم الدَّقِيق، والغوص فِي الْمعَانِي، وَقد اعْترف لَهُم بذلك كل الْخُصُوم، ونظرة عجلى فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، والله سُبْحَانَهُ حسبي، وَنعم الْوَكِيل.

стр. 2002

الرَّأْي وَالِاجْتِهَاد - وَردت فِي الرَّأْي، آثَار تذمه، وآثار تمدحه، والمذموم هُوَ الرَّأْي عَن هوى، والممدوح هُوَ استنباط حكم النَّازِلَة من النَّص، عَلَى طَريقَة فُقَهَاء الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وتابعيهم، برد النظير إِلَى نَظِيره، فِي الْكتاب، وَالسّنة. وَقد خرَّج الْخَطِيب غَالب تِلْكَ الْآثَار فِي "الْفَقِيه والمتفقه"، وَكَذَا ابْن عبد الْبر، مَعَ بَيَان موارد تِلْكَ الْآثَار. وَالْقَوْل المحتم فِي ذَلِك: إِن فُقَهَاء الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وتابعيهم، جروا عَلَى القَوْل بِالرَّأْيِ بِالْمَعْنَى الَّذِي سبق "أَعنِي استنباط حكم النَّازِلَة من النَّص"، وَهَذَا من الإجماعات الَّتِي لَا سَبِيل إِلَى إنكارها، وَقد قَالَ الإِمَام أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي "الْفُصُول"، بعد أَن سرد مَا كَانَ عَلَيْهِ فُقَهَاء الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ من القَوْل بِالرَّأْيِ: "إِلَى أَن نَشأ قوم ذُو جهل بالفقه وأصوله، لَا معرفَة لَهُم بطريقة السّلف، وَلَا توقي للإقدام عَلَى الْجَهَالَة، وَاتِّبَاع الْأَهْوَاء البشعة الَّتِي خالفوا بهَا الصَّحَابَة، ومَن بعدهمْ من أخلافهم، فَكَانَ أول من نَفَى الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد فِي أَحْكَام الْحَوَادِث، إِبْرَاهِيم النظَّام، وَطعن عَلَى الصَّحَابَة من أجل قَوْلهم بِالْقِيَاسِ، ونسبهم إِلَى مَا لَا يَلِيق بهم، والى ضد مَا وَصفهم الله بِهِ، وَأَثْنَى بِهِ عَلَيْهِم - بتهوره وَقلة علمه بِهَذَا الشان -، ثمَّ تبعه عَلَى هَذَا القَوْل نفر من الْمُتَكَلِّمين البغداديين، إِلَّا أَنهم لم يطعنوا عَلَى السّلف كطعنه، وَلم يعيبوهم، لكِنهمْ ارتكبوا من المكابرة، وَجحد الضَّرُورَة امراً بشعاً، فِرَارًا من الطعْن عَلَى السّلف، فِي قَوْلهم بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاس، وَذَلِكَ أَنهم زَعَمُوا أَن قَول الصَّحَابَة فِي الْحَوَادِث كَانَ عَلَى وَجه التَّوَسُّط وَالصُّلْح بَين الْخُصُوم لَا عَلَى وَجه قطع الحكم، وإبرام القَوْل، فكأنهم قد حسنوا مَذْهَبهم بِمثل هَذِه الْجَهَالَة، وتخلصوا من الشناعة الَّتِي لحقت النظَّام بتخطئته السّلف. ثمَّ تَبِعَهُمْ رجل من الحشو جهول، يُرِيد - دَاوُد بن عَلّي - لم يدر مَا قَالَ هَؤُلَاءِ، وَلَا مَا قَالَ هَؤُلَاءِ، وَأخذ طرفا من كَلَام النظَّام، وطرفاً من كَلَام متكلمي بَغْدَاد، من نفاة الْقيَاس، فاحتج بِهِ فِي نفي الْقيَاس وَالِاجْتِهَاد، مَعَ جَهله بِمَا تكلم بِهِ الْفَرِيقَانِ، من مثبتي الْقيَاس، ومبطليه، وَقد كَانَ مَعَ ذَلِك يَنْفِي حجج الْعُقُول، وَيَزْعُم أَن الْعقل لَا حَظّ لَهُ فِي إِدْرَاك شَيْء من عُلُوم الدِّين، فَأنْزل نَفسه منزلَة الْبَهِيمَة بل هُوَ أضلّ مِنْهَا، اهـ"، وَأَبُو بكر الرَّازِيّ أَطَالَ النَّفس جدا فِي إِقَامَة الْحجَّة عَلَى حجية الرَّأْي وَالْقِيَاس، بِحَيْثُ لَا يدع أَي مجَال للتشغيب ضد حجيته، فَالرَّأْي بِهَذَا الْمَعْنى، وصف مادح يُوصف بِهِ كل فَقِيه، يُنبئ عَن دقة الْفَهم، وَكَمَال الغوص، وَلذَلِك تَجِد ابْن قُتَيْبَة يذكر فِي "كتاب المعارف" الْفُقَهَاء بعنوان أَصْحَاب الرَّأْي، ويَعدُّ فيهم الْأَوْزَاعِيّ. وسُفْيَان الثَّوْريّ. وَمَالك بن أنس ﵃، وَكَذَلِكَ تَجِد الْحَافِظ مُحَمَّد بن الْحَارِث الْخُشَنِي، يذكر أَصْحَاب مَالك فِي "قُضَاة قرطبة" باسم أَصْحَاب الرَّأْي. وَهَكَذَا يفعل أَيْضا الْحَافِظ أَبُو الْوَلِيد بن الفرضي فِي "تَارِيخ عُلَمَاء الأندلس"، وَكَذَلِكَ الْحَافِظ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ، يَقُول فِي شرح حَدِيث الدَّاء العضال من "الْمُوَطَّأ" فِي صدد الرَّد عَلَى مَا يرويهِ النقلَة عَن مَالك، فِي تَفْسِير الدَّاء العضال: وَلم يرو مثل ذَلِك عَن مَالك أحد من أهل الرَّأْي من أَصْحَابه "يَعْنِي من أهل الْفِقْه، من أَصْحَاب مَالك" إِلَى غير ذَلِك، مِمَّا لَا حَاجَة إِلَى اسْتِقْصَائِهِ هُنَا. وَبِهَذَا يتَبَيَّن أَن تَنْزِيل الْآثَار الْوَارِدَة فِي ذمّ "الرَّأْي عَن هوى" فِي فقه الْفُقَهَاء، وَفِي ردهم النَّوَازِل الَّتِي لَا تَنْتَهِي إِلَى انْتِهَاء تَارِيخ الْبشر، إِلَى الْمَنْصُوص فِي كتاب الله، وَسنة رَسُوله، إِنَّمَا هُوَ هوى بشع، تنبذه حجج الشَّرْع، وَأما تَخْصِيص الْحَنَفِيَّة بِهَذَا الإسم، فَلَا يَصح إِلَّا بِمَعْنى البراعة الْبَالِغَة فِي الاستنباط، فالفقه حَيْثُمَا كَانَ يَصْحَبهُ الرَّأْي، سَوَاء كَانَ فِي الْمَدِينَة أَو فِي الْعرَاق، وَطَوَائِف الْفُقَهَاء كلهم إِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي شُرُوط الِاجْتِهَاد، بِمَا لَاحَ لَهُم من الدَّلِيل، وهم متفقون فِي الْأَخْذ بِالْكتاب، وَالسّنة، والإِجماع، وَالْقِيَاس، وَلَا يقتصرون عَلَى وَاحِد مِنْهَا. وَأما أهل الحَدِيث فهم الروَاة النقلَة، وهم الصيادلة، كَمَا أَن الْفُقَهَاء هم الاطباء، كَمَا قَالَ الْأَعْمَش، فَإِذا اجترأ عَلَى الْإِفْتَاء أحد الروَاة الَّذين لم يتفقهوا، يَقع فِي مهزلة، كَمَا نَص الرامَهُرْمُزِي فِي "الْفَاصِل"، وَابْن الْجَوْزِيّ فِي "التلبيس"، و"أَخْبَار الحمقى"، والخطيب فِي "الْفَقِيه والمتفقه"، عَلَى نماذج من ذَلِك، فَذكر مدرسة للْحَدِيث هُنَا، مِمَّا لَا مَعْنَى لَهُ (١)، قَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْقوي الطوفي الْحَنْبَلِيّ فِي شرح "مُخْتَصر الرَّوْضَة" - فِي أصُول الْحَنَابِلَة: "وَاعْلَم أَن أَصْحَاب الرَّأْي بِحَسب الإِضافة، هم كل من تصرف فِي الْأَحْكَام بِالرَّأْيِ، فَيتَنَاوَل جَمِيع عُلَمَاء الْإِسْلَام، لِأَن كل وَاحِد من الْمُجْتَهدين لَا يَسْتَغْنِي فِي اجْتِهَاده عَن نظر ورأي، وَلَو بتحقيق المناط، وتنقيحه الَّذِي لَا نزاع فِي صِحَّته، وَإِمَّا بِحَسب العلمية فَهُوَ فِي عرف السّلف "من الروَاة بعد محنة خلق الْقُرْآن"، علم عَلَى أهل الْعرَاق، وهم أهل الْكُوفَة، أَبُو حنيفَة، وَمن تَابعه مِنْهُم وَبَالغ بَعضهم فِي الشنيع عَلَيْهِ واني، والله لَا أرَى إِلَّا عصمته مِمَّا قَالُوهُ، وتنزيهه عَمَّا إِلَيْهِ نسبوه، وَجُمْلَة القَوْل فِيهِ: إِنَّه قطعا، لم يُخَالف السّنة عناداً، وَإِنَّمَا خَالف فِيمَا خَالف مِنْهَا اجْتِهَادًا، بحجج وَاضِحَة، وَدَلَائِل صَالِحَة لائحة، وحججه بَين أَيدي النَّاس مَوْجُودَة، وقلَّ أَن ينتصف مِنْهَا مخالفوه، وَله بِتَقْدِير الْخَطَأ أجر، وَبِتَقْدِير الْإِصَابَة أَجْرَانِ، والطاعنون عَلَيْهِ إِمَّا حساد، أَو جاهلون بمواقع الِاجْتِهَاد، وَآخر مَا صَحَّ عَن الإِمَام أَحْمد ﵁ إِحْسَان القَوْل فِيهِ، وَالثنَاء عَلَيْهِ، ذكره أَبُو الْورْد من أَصْحَابنَا فِي "كتاب أصُول الدَّين"، اهـ. وَقَالَ الشهَاب بن حجر الْمَكِّيّ الشَّافِعِي فِي "خيرات الحسان": ص.٣:" يتَعَيَّن عَلَيْك أَن لَا تفهم من أَقْوَال الْعلمَاء - أَي الْمُتَأَخِّرين من أهل مذْهبه - عَن أبي حنيفَة، وَأَصْحَابه أَنهم أَصْحَاب الرَّأْي، أَن مُرَادهم بذلك تنقيصهم، وَلَا نسبتهم إِلَى أَنهم يقدمُونَ رَأْيهمْ عَلَى سنة رَسُول الله ﷺ ، وَلَا عَلَى قَول أَصْحَابه، لأَنهم بُرَآء من ذَلِك، ثمَّ بسط مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو حنيفَة، وَأَصْحَابه فِي الْفِقْه، من الْأَخْذ بِكِتَاب الله، ثمَّ بسنَّة رَسُوله، ثمَّ بأقوال الصَّحَابَة، ردا عَلَى من توهم خلاف ذَلِك، وَلَا أنكر أَن هُنَاكَ أُنَاسًا من الروَاة الصَّالِحين، يخصون أَبَا حنيفَة، وَأَصْحَابه بالوقيعة من بَين الْفُقَهَاء، وَذَلِكَ حَيْثُ لَا ينتبهون إِلَى الْعِلَل الفادحة فِي الْأَخْبَار، الَّتِي تَركهَا أَبُو حنيفَة، وَأَصْحَابه، فيظنون بهم أَنهم تركُوا الحَدِيث إِلَى الرَّأْي، وَكَثِيرًا مَا يَعْلُو عَلَى مداركهم وَجه استنباط هَؤُلَاءِ، الحكم من الدَّلِيل، لدقة مداركهم، وجمود قرائح النقَلة، فيطعنون فِي الْفُقَهَاء أَنهم تركُوا الحَدِيث إِلَى الرَّأْي، فَهَذَا النبز مِنْهُم لَا يُؤْذِي سُوَى أنفسهم. وَأما ابْن حزم فقد تَبرأ من الْقيَاس جملَة وتفصيلاً، فحظ أبي حنيفَة، وَأَصْحَابه من شتائمه مثل حَظّ بَاقِي الْأَئِمَّة الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ. وَالْقَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ مِمَّن قَامَ بِوَاجِب الرَّد عَلَيْهِ فِي "العواصم والقواصم"، وَلَيْسَ لِابْنِ حزم شبْه دَلِيل، فِيمَا يَدعِيهِ من نفي الْقيَاس، غير المجازفة بِنَفْي مَا ثَبت من الصَّحَابَة فِي حجَّة الْقيَاس، وَغير الاجتراء عَلَى تَصْحِيح رِوَايَات واهية، وَردت فِي رد الْقيَاس، والغريب أَن بعض أَصْحَاب - المجلات - مِمَّن لم ينشأ نشأة الْعلمَاء، اتخذ مجلته منبراً يخْطب عَلَيْهِ الدعْوَة إِلَى مَذْهَب، لَا يدْرِي أَصله وَلَا فَرعه، فألَّف قبل عشر سنوات رِسَالَة فِي "أصُول التشريع الْعَام" وَجمع فِيهَا آراء ابْن حزم فِي نفي الْقيَاس، وآراء بعض مثبتيه، عَلَى طَرِيق غير طَرِيق الْأَئِمَّة المتبوعين، وآراء أُخْرَى لبَعض الشذاذ، يَبْنِي مذْهبه عَلَى مَا يعده مصلحَة فَقَط، وَإِن خَالف صَرِيح الْكتاب وَالسّنة، فَصَارَ بذلك جَامعا لأصول متضادة، تتفرع عَلَيْهَا، فروع متضادة، لَا يجْتَمع مثلهَا، إِلَّا فِي عقل مُضْطَرب، وَمَا هَذَا إِلَّا من قبيل محاولة استيلاد الْبشر من الْبَقر، وَنَحْوه، فترى ابْن حزم يحْتَج فِي نفي الْقيَاس بِحَدِيث "نعيم بن حَمَّاد" الَّذِي سقط نعيم بروايته، عِنْد جمهرة النقاد، وَلَيْسَ ابْن حزم عَلَى علم من ذَلِك! وَهَذَا مِمَّا يعرفهُ صغَار أهل الحَدِيث من المشارقة، وَهُوَ حَدِيث قِيَاس الْأُمُور بِالرَّأْيِ، وَفِي سَنَده أَيْضا "حريز الناصبي"، وان كَانَ الصحافي - المتمهجد! - يَجعله: جَرِيرًا، وَيزِيد عَلَى حجَّة ابْن حزم حجَّة أُخْرَى، وَهِي حَدِيث: سَبَايَا الْأُمَم فِي "ابْن مَاجَه" وَيرَى - الصحافي - أَنه حسن، مَعَ أَن فِي سَنَده "سويداً"، وَفِيه يَقُول ابْن معِين: حَلَال الدَّم. وَأحمد، مَتْرُوك الحَدِيث، وَفِيه أَيْضا ابْن أبي الرِّجَال، وَهُوَ مَتْرُوك، عِنْد النَّسَائِيّ، ومنكر الحَدِيث، عِنْد البُخَارِيّ، وَيتَصَوَّر فريقين من الْفُقَهَاء، أهل رَأْي، وَأهل حَدِيث، وَلَيْسَ لهَذَا أصل بالمرة، وَإِنَّمَا هَذَا خيال بعض متأخري الشذاذ، أخذا من كَلِمَات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أَحْمد، وَأما مَا وَقع فِي كَلَام إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. وَبَعض أهل طبقته من القَوْل: بِأَن أهل الرَّأْي أَعدَاء السّنَن، فبمعنى الرَّأْي الْمُخَالف للسّنة المتوارثة فِي المعتقد يعنون بِهِ الْخَوَارِج، والقدرية، والمشبهة، وَنَحْوهم من أهل الْبدع، لَا بِمَعْنى الِاجْتِهَاد فِي فروع الْأَحْكَام، وَحمله عَلَى خلاف ذَلِك تَحْرِيف للكلم عَن موَاضعه، فَكيف! وَالنَّخَعِيّ نَفسه، وَابْن المسيِّب نَفسه من أهل القَوْل بِالرَّأْيِ فِي الْفُرُوع، رغم انصراف المتخيلين، خلاف ذَلِك. ويحاول ابْن حزم أَن يكذب كل مَا يرْوَى عَن الصَّحَابَة فِي الْقيَاس، لَا سِيمَا حَدِيث عمر، مَعَ أَن الْخَطِيب، وَغَيره يروون عَنهُ بطرق كَثِيرَة، بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة، وَكَذَا عَن بَاقِي الصَّحَابَة، قَالَ الْخَطِيب، بعد أَن رَوَى حَدِيث معَاذ فِي اجْتِهَاد الرَّأْي فِي "الْفَقِيه والمتفقه": وَقَول الْحَارِث بن عَمْرو عَن أنَاس من أَصْحَاب معَاذ، يدل عَلَى شهرة الحَدِيث، وَكَثْرَة رُوَاته، وَقد عرف فضل معَاذ، وزهده وَالظَّاهِر من حَال أَصْحَابه، الدِّين، والثقة، والزهد، وَالصَّلَاح، وَقد قيل: إِن عبَادَة بن نسى، رَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن غنم عَن معَاذ، وَهَذَا إِسْنَاد مُتَّصِل، وَرِجَاله معروفون بالثقة، عَلَى أَن أهل الْعلم قد تقبلوه، وَاحْتَجُّوا بِهِ، فوقفنا بذلك عَلَى صِحَّته عِنْدهم، اهـ. وَمثله بل مَا هُوَ أَوْفَى مِنْهُ، مَذْكُور فِي فُصُول أبي بكر الرَّازِيّ، وَقد سبقت كَلمته فِي "نفاة الْقيَاس"، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بسط لذَلِك، فَليُرَاجع فُصُول أبي بكر الرَّازِيّ. و"الْفَقِيه والمتفقه" - للخطيب، من أَرَادَ معرفَة طرق الرِّوَايَات القاضية عَلَى مجازفات الظَّاهِرِيَّة، وأذيالهم وَلَعَلَّ هَذَا الْقدر كَاف هَاهُنَا.

стр. 2003

الِاسْتِحْسَان - ظن أنَاس مِمَّن لم يمارس الْعلم، وَلم يُؤْت الْفَهم، أَن الِاسْتِحْسَان عِنْد الْحَنَفِيَّة هُوَ الحكم بِمَا يشتهيه الْإِنْسَان، ويهواه ويلذه، حَتَّى فسره ابْن حزم فِي "أَحْكَامه" بِأَنَّهُ مَا اشتهته النَّفس ووافقتها، خطأ، أَو صَوَابا، لَكِن لَا يَقُول بِمثل هَذَا الِاسْتِحْسَان فَقِيه من الْفُقَهَاء، فَلَو كَانَ هَذَا مُرَاد الْحَنَفِيَّة بالاستحسان، لَكَانَ للمخالفين، ملْء الْحق، فِي تقريعهم، وَالرَّدّ عَلَيْهِم، إِلَّا أَن الْمُخَالفين ساءت ظنونهم، وطاشت أحلامهم، ففوَّقوا سهاماً إِلَيْهِم، ترتد إِلَى أنفسهم، وَذَلِكَ لتقاصر أفهامهم عَن إِدْرَاك مرامهم، ودقة مدرك هَذَا الْبَحْث فِي حد ذَاته، وايس بَين الْقَائِلين بِالْقِيَاسِ من لَا يستحسن بِالْمَعْنَى الَّذِي يُريدهُ الْحَنَفِيَّة، وَهَذَا الْموضع لَا يَتَّسِع لذكر نماذج من مَذَاهِب الْفُقَهَاء، فِي الْأَخْذ بالاستحسان، وَإِبْطَال الِاسْتِحْسَان مَا هُوَ إِلَّا سبق قلم من الإِمَام الشَّافِعِي ﵁، فَلَو صحت حججه فِي إبِْطَال الِاسْتِحْسَان، لقضت عَلَى الْقيَاس الَّذِي هُوَ مذْهبه، قبل أَن يقْضِي عَلَى الِاسْتِحْسَان. وَمن الحكايات الطريفة فِي هَذَا الْبَاب، مَا يرْوَى عَن إِبْرَاهِيم بن جَابر، أَنه لما سَأَلَهُ أحد كبار الْقُضَاة فِي عهد المتقي لله العباسي، عَن سَبَب انْتِقَاله من مَذْهَب الشَّافِعِي إِلَى مَذْهَب أهل الظَّاهِر، جاوبه قَائِلا: "إِنِّي قَرَأت إبِْطَال الِاسْتِحْسَان للشَّافِعِيّ، فرأيته صَحِيحا فِي مَعْنَاهُ، إِلَّا أَن جَمِيع مَا احْتج بِهِ فِي إبِْطَال الِاسْتِحْسَان هُوَ بِعَيْنِه يبطل الْقيَاس، فصح بِهِ عِنْدِي بُطْلَانه"، كَأَنَّهُ لم يرد أَن يَبْقَى فِي مَذْهَب يهد بعضه بَعْضًا، فانتقل إِلَى مَذْهَب يبطلهما مَعًا، لَكِن الْقيَاس، وَالِاسْتِحْسَان كِلَاهُمَا بِخَير، لم يبطل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْمَعْنَى الَّذِي يُريدهُ الْقَائِلُونَ بهما، بل الْخلاف بَين أهل الْقيَاس فِي الِاسْتِحْسَان، لَفْظِي بحت، وأود أَن أسوق بعض كَلِمَات من فُصُول أبي بكر الرَّازِيّ، لتنوير الْمَسْأَلَة، لِأَنَّهُ من أحسن من تكلم فِيهِ بإِسهاب مَفْهُوم - فِيمَا أعلم -، وَهُوَ يَقُول فِي الْفُصُول فِي بحث الِاسْتِحْسَان: "وَجَمِيع مَا يَقُول فِيهِ أَصْحَابنَا بالاستحسان، فَإِنَّهُم قَالُوهُ مَقْرُونا بدلائله وحججه، لَا عَلَى جِهَة الشَّهْوَة، وَاتِّبَاع الْهَوَى، ووجوه دَلَائِل مسَائِل الِاسْتِحْسَان مَوْجُودَة فِي الْكتب الَّتِي عملناها، فِي شرح كتب أَصْحَابنَا، وَنحن نذْكر هُنَا جملَة تُفْضِي بالناظر فِيهَا إِلَى معرفَة حَقِيقَة قَوْلهم فِي هَذَا الْبَاب، بعد تقدمة القَوْل فِي جَوَاز إِطْلَاق لفظ الِاسْتِحْسَان، فَنَقُول: لما كَانَ ماحسَّنه الله تَعَالَى بإقامته الدَّلَائِل عَلَى حسنه، مستحسناً، جَازَ لنا إِطْلَاق لفظ الِاسْتِحْسَان، فِيمَا قَامَت الدّلَالَة بِصِحَّتِهِ، وَقد ندب الله تَعَالَى إِلَى فعاله، وَأوجب الْهِدَايَة لفَاعِله، فَقَالَ عز من قَائِل: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اْلقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ، وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، وَقد رُوِيَ مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ ، أَنه قَالَ "مَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا، فَهُوَ عِنْد الله حسن، وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ سَيِّئًا، فَهُوَ عِنْد الله سيء"، فَإِذا كُنَّا قد وجدنَا لهَذَا اللَّفْظ أصلا فِي الْكتاب، وَالسّنة، لم يمْنَع إِطْلَاقه فِي بعض مَا قَامَت عَلَيْهِ الدّلَالَة بِصِحَّتِهِ عَلَى جِهَة تَعْرِيف الْمَعْنى وإفهام المُرَاد ... ثمَّ لَيْسَ يَخْلُو العائب للاستحسان من أَن ينازعنا فِي اللَّفْظ، أَو فِي الْمَعْنى، فَإِن نازعنا فِي اللَّفْظ، فاللفظ مُسَلم لَهُ، فليعبر هُوَ بِمَا شَاءَ، عَلَى أَنه لَيْسَ للمنازعة فِي اللَّفْظ وَجه، لِأَن لكل أحد أَن يعبر عَن الْمَعْنى بِمَا عقله من الْمَعْنى، بِمَا شَاءَ من الْأَلْفَاظ، لَا سِيمَا بِلَفْظ يُطَابق مَعْنَاهُ فِي الشَّرْع، وَفِي اللُّغَة، وَقد يعبر الْإِنْسَان عَن الْمَعْنى بِالْعَرَبِيَّةِ تَارَة، وبالفارسية أُخْرَى، فَلَا ننكره، وَقد أطلق الْفُقَهَاء لفظ الِاسْتِحْسَان فِي كثير من الْأَشْيَاء، وَقد رُوِيَ عَن إِيَاس بن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ: "قيسوا الْقَضَاء، مَا صلح النَّاس، فَإِذا فسدوا، فاستحسنوا"، وَلَفظ الِاسْتِحْسَان مَوْجُود فِي كتب مَالك بن أنس، وَقَالَ الشَّافِعِي: أستحسن أَن تكون الْمُتْعَة ثَلَاثِينَ درهما، فَسقط بِمَا قُلْنَا، الْمُنَازعَة فِي إِطْلَاق الِاسْم، أَو مَنعه، وَإِن نازعنا فِي الْمَعْنى، فَإِنَّمَا لم يسلم خصمنا تَسْلِيم الْمَعْنى لنا، بِغَيْر دلَالَة، وَقد اصطحب جَمِيع الْمعَانِي الَّتِي تذكرها، مِمَّا ينتظمه لفظ الِاسْتِحْسَان، عِنْد أَصْحَابنَا، إِقَامَة الدّلَالَة عَلَى صِحَّته، وإثباته بحجته، وَلَفظ الِاسْتِحْسَان يكتنفه مَعْنيانِ: أَحدهمَا: اسْتِعْمَال الِاجْتِهَاد، وَغَلَبَة الرَّأْي فِي إِثْبَات الْمَقَادِير، الموكولة إِلَى اجتهادنا وآرائنا، نَحْو تَقْدِير مُتْعَة المطلقات، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ، مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقَّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾، فأوجبها عَلَى مِقْدَار يسَار الرجل وإعساره، ومقدارهما غير مَعْلُوم، إِلَّا من جِهَة أغلب الرَّأْي، وَأكْثر الظَّن، ونظيرها أَيْضا، نفقات الزَّوْجَات، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهًنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَلَا سَبِيل إِلَى إِثْبَات الْمَعْرُوف من ذَلِك، إِلَّا من طَرِيق الِاجْتِهَاد، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً، فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ، هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكينَ، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامَاً﴾، ثمَّ لَا يَخْلُو الْمثل المُرَاد بِالْآيَةِ، من أَن يكون الْقيمَة، أَو النظير من النَّعَم عَلَى حسب اخْتِلَاف الْفُقَهَاء فِيهِ، وَأيهمَا كَانَ، فَهُوَ موكول إِلَى اجْتِهَاد العَدْلَين، وَكَذَلِكَ أُروش الْجِنَايَات الَّتِي لم يرد فِي مقاديرها نَص، وَلَا اتِّفَاق، وَلَا تعرف إِلَّا من طَرِيق الِاجْتِهَاد، ونظائرها فِي الْأُصُول أَكثر من أَن تحصى، وَإِنَّمَا ذكرنَا مِنْهَا مِثَالا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى نَظَائِره، فَسَمَّى أَصْحَابنَا هَذَا الضَّرْب من الِاجْتِهَاد اسْتِحْسَانًا، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنى خلاف بَين الْفُقَهَاء، وَلَا يُمكن أحدا مِنْهُم القَوْل بِخِلَافِهِ، وَأما الْمَعْنى الآخر من ضربي الِاسْتِحْسَان، فَهُوَ ترك الْقيَاس، إِلَى مَا هُوَ أولَى مِنْهُ، وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن يكون فرع يتجاذبه أصلان، يَأْخُذ الشّبَه من كل وَاحِد مِنْهُمَا، فَيجب إِلْحَاقه بِأَحَدِهِمَا، دون الآخر، لدلَالَة توجبه، فسموا ذَلِك اسْتِحْسَانًا، اذ لَو لم يعرض شبه للْوَجْه الثَّانِي، لَكَانَ لَهُ شبه من الأَصْل الآخرْ، فَيجب إِلْحَاقه بِهِ، وأغمض مَا يَجِيء من مسَائِل الْفُرُوع، وأدقها مسلكاً، مَا كَانَ من هَذَا الْقَبِيل، ووقف هَذَا الْموقف، لِأَنَّهُ مُحْتَاج فِي تَرْجِيح أحد الْوَجْهَيْنِ عَلَى الآخر، إِلَى إنعام النّظر، وَاسْتِعْمَال الْفِكر، والروية فِي إِلْحَاقه بِأحد الْأَصْلَيْنِ دون الآخر فنظير الْفَرْع الَّذِي يتجاذبه أصلان، فَيلْحق بِأَحَدِهِمَا دون الآخر، مَا قَالَ أَصْحَابنَا، فِي الرجل يَقُول لامْرَأَته: إِذا حِضْت، فَأَنت طَالِق، فَتَقول: قد حِضْت: إِن الْقيَاس أَن لَا تصدق حَتَّى يعلم وجود الْحيض مِنْهَا، أَو يصدقها الزَّوْج، إِلَّا أَنا نستحسن، فنوقع الطَّلَاق. قَالَ مُحَمَّد: وَقد ندخلُ فِي هَذَا الِاسْتِحْسَان بعض الْقيَاس، قَالَ أَبُو بكر: أما قَوْله: إِن الْقيَاس أَن لَا تصدق، فَإِن وَجهه أَنه قد ثَبت بِأَصْل مُتَّفق عَلَيْهِ، إِن الْمَرْأَة لَا تصدق فِي مثله فِي إِيقَاع الطَّلَاق عَلَيْهَا، وَهُوَ: الرجل يَقُول لامراته: إِن دخلت الدَّار، فَأَنت طَالِق، وَإِن كلمت زيداُ، فَأَنت طَالِق، فَقَالَت بعد ذَلِك: قد دَخَلتهَا بعد الْيَمين، أَو كلمت زيدا، وكذبها الزَّوْج، إِنَّهَا لَا تصدق، وَلَا تطلق حَتَّى يعلم ذَلِك بِبَيِّنَة، أَو بِإِقْرَار الزَّوْج، فَكَانَ قِيَاس هَذَا الأَصْل يُوجب أَن لَا تصدق فِي وجود الْحيض، الَّذِي جعله الزَّوْج شرطا لإيقاع الطَّلَاق، وكما أَنه لَو قَالَ لَهَا: إِذا حِضْت، فَإِن عَبدِي حر، أَو قَالَ فامرأتي الْأُخْرَى طَالِق، فَقَالَت: حِضْت، وكذبها الزَّوْج، لم يعْتق العَبْد، وَلم تطلق الْمَرْأَة الْأُخْرَى، فقد أخذت هَذِه الْحَادِثَة شبها من هَذِه الْأُصُول الَّتِي ذكرنَا، فَلَو لم يكن لهَذِهِ الْحَادِثَة غير هَذِه الْأُصُول لَكَانَ سَبِيلهَا أَن تلْحق بهَا، وَيحكم لَهَا بحكمها، إِلَّا أَنه قد عرض لَهَا أصل آخر، منع إلحاقها بِالْأَصْلِ الَّذِي ذكرنَا، وَأوجب إلحاقها بِالْأَصْلِ الثَّانِي، وَهُوَ أَن الله تَعَالَى لما قَالَ: ﴿وَلا يَحِلُّ لُهَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، وَرُوِيَ عَن السّلف، أَنه أَرَادَ: من الْحيض وَالْحَبل. وَعَن أبيّ بن كَعْب أَنه قَالَ: "من الْأَمَانَة أَن ائتمنت الْمَرْأَة عَلَى فرجهَا"، دَلَّ، وعظه إِيَّاهَا، وَنَهْيه لَهَا عَن الكتمان، عَلَى قبُول قَوْلهَا فِي بَرَاءَة رَحمهَا من الْحَبل، وشغلها بِهِ، وَوُجُود الْحيض وَعَدَمه، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْن: ﴿فَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾، فوعظه وَنَهَاهُ عَن البخس وَالنُّقْصَان، علم أَن الْمرجع إِلَى قَوْله فِي مِقْدَار الدَّيْن، فَصَارَت الْآيَة الَّتِي قدمنَا أصلا فِي قبُول قَول الْمَرْأَة، إِذا قَالَت: أَنا حَائِض، وَتَحْرِيم وَطئهَا فِي هَذِه الْحَال، فَإِنَّهَا إِذا قَالَت: قد طهرت، حل لزَوجهَا قربهَا، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَت، وَهِي مُعْتَدَّة: قد انْقَضتْ عدتي، صدقت فِي ذَلِك، وانقطعت رَجْعَة الزَّوْج عَنْهَا، وَانْقِطَاع الزَّوْجِيَّة بَينهمَا. وَكَانَ الْمَعْنى فِي ذَلِك أَن انْقِضَاء الْعدة بِالْحيضِ مَعْنَى يَخُصهَا، وَلَا يعلم إِلَّا من جِهَتهَا، فَيُوجب عَلَى ذَلِك إِذا قَالَ الزَّوْج: إِذا حِضْت، فَأَنت طَالِق، فقد قَالَت: قد حِضْت، أَن تصدق فِي بَاب وُقُوع الطَّلَاق عَلَيْهَا، كَمَا صدقت فِي انْقِضَاء الْعدة، مَعَ إِنْكَار الزَّوْج، لِأَن ذَلِك مَعْنَى يَخُصهَا، أَعنِي أَن الْحيض لَا يعلم وجوده إِلَّا من جِهَتهَا، وَلَا يطلع عَلَيْهِ غَيرهَا، وَلأَجل ذَلِك أَنَّهَا لَا تصدق عَلَى وجود الْحيض، إِذا علق بِهِ طَلَاق غَيرهَا، أَو علق بِهِ عتق العَبْد، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جعل قَوْلهَا كالبينة فِي الْأَحْكَام الَّتِي تخصها، دون غَيرهَا، أَلا ترَى أَنهم قَالُوا: إِن الزَّوْج لَو قَالَ: قد أَخْبَرتنِي أَن عدتهَا انْقَضتْ، وَأَن أُرِيد أَن أَتزوّج أُخْتهَا، كَانَ لَهُ ذَلِك، وَلَا تصدق هِيَ عَلَى بَقَاء الْعدة فِي حق غَيرهَا، وَتَكون عدتهَا بَاقِيَة فِي حَقّهَا، وَلَا تسْقط نَفَقَتهَا، فَصَارَ كقولها: قد حِضْت، وَله حكمان: أَحدهمَا: فِيمَا يَخُصهَا، وَيتَعَلَّق بهَا. وانقضاء عدتهَا، وَمَا جَرَى مجْرى ذَلِك، فيجل قَوْله فِيهِ كالبينة، وَالْآخر: فِي طَلَاق غَيرهَا، أَو عتق العَبْد، فَصَارَت فِي هَذِه الْحَال شاهدة، كإخبارها بِدُخُول الدَّار، وَكَلَام زيد إِذا علق بِهِ الْعتْق، أَو الطَّلَاق، اهـ. ثمَّ ضرب أَبُو بكر الرَّازِيّ أَمْثَالًا كَثِيرَة، مِمَّا يكون فِيهِ لقولها حكمان من الْوَجْهَيْنِ، وأجاد فِي ذكر النَّظَائِر، إِلَى أَن أَتَى دور الْكَلَام فِي الْقسم الآخر من الِاسْتِحْسَان، وَهُوَ تَخْصِيص الحكم مَعَ وجود الْعلَّة، وَشَرحه شرحاُ ينثلج بِهِ الصَّدْر، وَلَا يدع شكا لمرتاب، فِي أَن هَذَا الْقسم من الِاسْتِحْسَان، مقرون أَيْضا فِي جَمِيع الْفُرُوع، بِدلَالَة ناهضة، من نَص. أَو إِجْمَاع. أَو قِيَاس آخر يُوجب حكما سواهُ فِي الْحَادِثَة، وَهَذَا الْقدر يَكْفِي فِي لفت النّظر، إِلَى أَن قَول الْخُصُوم فِي الِاسْتِحْسَان بعيد عَن الوجاهة.

стр. 2004

شُرُوط قبُول الْأَخْبَار يرَى الْحَنَفِيَّة قبُول الْخَبَر الْمُرْسل إِذا كَانَ مرسله ثِقَة، كالخبر الْمسند، وَعَلِيهِ جرت جمهرة فُقَهَاء الْأمة، من الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ، وتابعيهم، إِلَى رَأس الْمِائَتَيْنِ، وَلَا شكّ أَن إغفال الْأَخْذ بالمرسل - وَلَا سِيمَا مُرْسل كبار التَّابِعين - تَرْكٌ لشطر السُّنَّة. قَالَ أَبُو دَاوُد صَاحب "السّنَن" فِي رسَالَته إِلَى أهل مَكَّة المتداولة بَين أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ: "وَأما الْمَرَاسِيل، فقد كَانَ يحْتَج بهَا الْعلمَاء، فِيمَا مَضَى، مثل سُفْيَان الثَّوْريّ. وَمَالك بن أنس، وَالْأَوْزَاعِيّ حَتَّى جَاءَ الشَّافِعِي، فَتكلم فِيهِ"، وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: "لم يزل النَّاس عَلَى الْعَمَل بالمرسل، وقبوله، حَتَّى حدث بعد الْمِائَتَيْنِ القَوْل برده" كَمَا فِي "أَحْكَام الْمَرَاسِيل" - للصلاح العلائي، وَفِي كَلَام ابْن عبد الْبر مَا يَقْتَضِي أَن ذَلِك إِجْمَاع، ومناقشة من ناقشهم بِأَنَّهُ يُوجد بَين السّلف من يُحَاسب بعض من أرسل محاسبة غير عسيرة، مناقشة فِي غير محلهَا، لِأَن تِلْكَ المحاسبة إِنَّمَا هِيَ من عدم الثِّقَة بالراوي الْمُرْسل، كَمَا ترَى مثل هَذِه المحاسبة فِي حق بعض المسندين، فَإِذن لَيست الْمَسْأَلَة مَسْأَلَة إِسْنَاد وإرسال، بل هِيَ مَسْأَلَة الثِّقَة بالراوي، وَالشَّافِعِيّ، لما رد الْمُرْسل، وَخَالف من تقدمه اضْطَرَبَتْ أَقْوَاله، فَمرَّة قَالَ: إِنَّه لَيْسَ بِحجَّة مُطلقًا، إِلَّا مَرَاسِيل ابْن المسيِّب، ثمَّ اضْطر إِلَى رد مَرَاسِيل ابْن المسيِّب نَفسه فِي مسَائِل، ذكرتها فِيمَا علقت عَلَى طَبَقَات الْحفاظ، ثمَّ إِلَى الْأَخْذ بمراسيل الآخرين، ثمَّ قَالَ بحجية الْمُرْسل عِنْد الاعتضاد، وَلذَلِك تَعب أَمْثَال الْبَيْهَقِيّ فِي التَّخَلُّص من هَذَا الِاضْطِرَاب، وركبوا الصعب، وَفِي "مُسْند" الشَّافِعِي نَفسه مَرَاسِيل كَثِيرَة، بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ الَّذِي هُوَ الْمَعْرُوف بَين السّلف، وَفِي "موطأ مَالك"، نَحْو ثَلَاثمِائَة حَدِيث مُرْسل، وَهَذَا الْقدر أَكثر من نصف مسانيد "الْمُوَطَّأ" وَمَا فِي أَحْكَام الْمَرَاسِيل للصلاح العلائي من البحوث فِي الْإِرْسَال، جُزْء يسير، مِمَّا لأهل الشان من الْأَخْذ وَالرَّدّ فِي ذَلِك، وَفِيمَا علقناه عَلَى شُرُوط الْأَئِمَّة الْخَمْسَة، وَجه التَّوْفِيق بَين قَول الْفُقَهَاء بتصحيح الْمُرْسل، وَقَول متأخري أهل الرِّوَايَة بتضعيفه، مَعَ نوع من الْبسط فِي الِاحْتِجَاج بالمرسل، بل البُخَارِيّ نَفسه ترَاهُ يسْتَدلّ فِي كتبه بالمراسيل، وَكَذَا مُسلم فِي الْمُقدمَة، وجزء الدّباغ، وَلَا يتَحَمَّل هَذَا الْموضع لبسط الْمقَال فِي ذَلِك بِأَكْثَرَ من هَذَا. وَمن شُرُوط قبُول الْأَخْبَار عِنْد الْحَنَفِيَّة مُسندَة، كَانَت، أَو مُرْسلَة، أَن لَا تشذ عَن الْأُصُول المجتمعة عِنْدهم، وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء بالغوا فِي استقصاء موارد النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة، وأقضية الصَّحَابَة، إِلَى أَن أرجعوا النَّظَائِر الْمَنْصُوص عَلَيْهَا، والمتلقاة بِالْقبُولِ إِلَى أصل تتفرع هِيَ مِنْهُ، وَقَاعِدَة تندرج تِلْكَ النَّظَائِر تحتهَا، وَهَكَذَا فعلوا فِي النَّظَائِر الْأُخْرَى، إِلَى أَن أَتموا الفحص والاستقراء، فاجتمعت عِنْدهم أصُول - مَوضِع بَيَانهَا، كتب الْقَوَاعِد والفروق - يعرضون عَلَيْهَا أَخْبَار الْآحَاد، فَإِذا ندت الْأَخْبَار عَن تِلْكَ الْأُصُول، وشذت، يعدونها مناهضة لما هُوَ أَقْوَى ثبوتاً مِنْهَا، وَهُوَ الأَصْل المؤصل من تتبع موارد الشَّرْع الْجَارِي مجْرى خبر الكافة، والطَّحَاوِي كثير المراعاة لهَذِهِ الْقَاعِدَة فِي كتبه، ويظن من لَا خبْرَة عِنْده أَن ذَلِك تَرْجِيح مِنْهُ لبَعض الرِّوَايَات عَلَى بَعْضهَا بِالْقِيَاسِ، وَآفَة هَذَا الشذوذ الْمَعْنَوِيّ فِي الْغَالِب، كَثْرَة اجتراء الروَاة عَلَى الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى، بِحَيْثُ تخل بِالْمَعْنَى الْأَصْلِيّ، وَهَذِه قَاعِدَة دقيقة، يتعرف بهَا البارعون فِي الْفِقْه مَوَاطِن الضعْف، والنتوء فِي كثير من الرِّوَايَات، فيرجعون الْحق إِلَى نصابه بعد مضاعفة النّظر فِي ذَلِك، وَلَهُم أَيْضا مدارك أُخْرَى فِي علل الحَدِيث دقيقة، لَا ينتبه إِلَيْهَا دهماء النقَلة، وللعمل المتوارث عِنْدهم شَأْن يختبر بِهِ صِحَة كثير من الْأَخْبَار، وَلَيْسَ هَذَا الشَّأْن بمختص بِعَمَل أهل الْمَدِينَة، بل الْأَمْصَار الَّتِي نزلها الصَّحَابَة وسكنوها، وَلَهُم بهَا أَصْحَاب، وَأَصْحَاب أَصْحَاب. سَوَاء فِي ذَلِك - وَفِي رِسَالَة اللَّيْث إِلَى مَالك، مَا يُشِير إِلَى ذَلِك -. وَمن الْقَوَاعِد المرضية، عِنْد أبي حنيفَة أَيْضا اشْتِرَاط اسْتِدَامَة الْحِفْظ من آن التَّحَمُّل إِلَى آن الْأَدَاء، وَعدم الِاعْتِدَاد بِالْحِفْظِ، إِذا لم يكن الرَّاوِي ذَاكِرًا لمرويه، كَمَا فِي "الإِلماع" - للْقَاضِي عِيَاض. وَغَيره، وَكَذَلِكَ اقْتِصَار تسويغ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى عَلَى الْفَقِيه، مِمَّا يرَاهُ أَبُو حنيفَة حتما. وَمن قواعدهم أَيْضا مُرَاعَاة مَرَاتِب الْأَدِلَّة فِي الثُّبُوت، وَالدّلَالَة، فللقطعي ثبوتاً. أَو دلَالَة مرتبته، وللظني كَذَلِك حكمه عِنْدهم، فَلَا يقبلُونَ خبر الْآحَاد إِذا خَالف الْكتاب، وَلَا يعدون بَيَان الْمُجْمل بِهِ فِي شَيْء من الْمُخَالفَة للْكتاب، فَلَا يكون بَيَان الْمُجْمل بِخَبَر الْآحَاد من قبيل الزِّيَادَة عَلَى الْكتاب عِنْدهم، وَإِن أورد بعض المشاغبين مَا هُوَ من قبيل الْبَيَان عَلَى قَاعِدَة الزِّيَادَة، تعنتاً، وجهلاً بالفارق، وَمن قواعدهم أَيْضا رد خبر الْآحَاد فِي الْأُمُور المحتمة الَّتِي تعم بهَا الْبَلْوَى، وتتوفر فِيهَا الدَّوَاعِي إِلَى نقلهَا بطرِيق الاستفاضة، حَيْثُ يعدون ذَلِك مِمَّا تكذبه شَوَاهِد الْحَال، وَاشْتِرَاط شهرة الْخَبَر عِنْد طوائف الْفُقَهَاء. وَيَقُول ابْن رَجَب: إِن أَبَا حنيفَة يرَى أَن الثِّقَات إِذا اخْتلفُوا فِي خبرٍ، زِيَادَة، أَو نقصا، فِي الْمَتْن، أَو السَّنَد، فالزائد مَرْدُود إِلَى النَّاقِص، إِلَى غير ذَلِك من قَوَاعِد رصينة، أَقَامُوا الْحجَج عَلَى كل مِنْهَا، فِي كتب الْأُصُول المبسوطة، فَمن يقبل الحَدِيث عَن كل من دَبَّ وهبَّ، فِي عهد ذيوع الْفِتَن، وشيوع الْكَذِب، بِنَصّ الرَّسُول صلوَات الله عَلَيْهِ، يظنّ بهم أَنهم يخالفون الحَدِيث، لَكِن الْأَمر لَيْسَ كَذَلِك، بل عمدتهم الْآثَار فِي التأصيل، والتفريع، كَمَا يظْهر ذَلِك لمن أحسن الْبَحْث، ووُفق للإجادة فِي الْمُقَارنَة والموازنة، من غير أَن يستسلم للهوى، والتقليد الْأَعْمَى، والله سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُوفق.

стр. 2005

منزلَة الْكُوفَة من عُلُوم الِاجْتِهَاد وَلَا بدَّ هُنَا من استعراض مَا كَانَت عَلَيْهِ الْكُوفَة، من عهد بنائها إِلَى زمن أبي حنيفَة، ليعلم من لَا يعلم وَجه امتيازها عَن بَاقِي الْأَمْصَار، فِي تِلْكَ العصور، حَتَّى أَصبَحت مشرق الْفِقْه الناضج، المتلاطم الْأَنْوَار، فَأَقُول: لَا يخْفَى أَن الْمَدِينَة المنورة زَادهَا الله تَشْرِيفًا - كَانَت مهبط الْوَحْي، ومستقر جمهرة الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ - إِلَى أَوَاخِر عهد ثَالِث الْخُلَفَاء الرَّاشِدين، خلا الَّذين رحلوا إِلَى شواسع الْبلدَانِ للْجِهَاد وَنشر الدَّين، وتفقيه الْمُسلمين، وَلما ولي الْفَارُوق ﵁، وافتتح الْعرَاق فِي عَهده، بِيَد سعد بن أبي وَقاص ﵁، أَمر عمر بِبِنَاء الْكُوفَة، فبنيت سنة ١٧ هـ، وأسكن حولهَا الفصح من قبائل الْعَرَب، وَبعث عمر ﵁ عبد الله بن مَسْعُود ﵁، إِلَى الْكُوفَة، ليعلم أَهلهَا الْقُرْآن، ويفقههم فِي الدَّين، قَائِلا لَهُم: "وَقد آثرتكم بِعَبْد الله عَلَى نَفسِي" وَعبد الله هَذَا مَنْزِلَته فِي الْعلم بَين الصَّحَابَة عَظِيمَة جدا، بِحَيْثُ لَا يَسْتَغْنِي عَن علمه - مثل عمر - فِي فقهه، ويقظته، وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ عمر: "كُنَيْفٌ ملئ فقهاً"، وَفِي رِوَايَة "علما"، وَفِيه ورد حَدِيث: "إِنِّي رضيت لأمتي مَا رَضِي لَهَا ابْن أم عبد"، وَحَدِيث: "وتمسكوا بِعَهْد ابْن مَسْعُود"، وَحَدِيث: "من أَرَادَ أَن يقْرَأ الْقُرْآن غضاً، كَمَا أنزل، فليقرأه عَلَى قِرَاءَة ابْن أم عبد"، وَقَالَ النَّبِي صلوَات الله عَلَيْهِ: "خُذُوا الْقُرْآن من أَرْبَعَة"، وَذكر ابْن مَسْعُود فِي صدر الْأَرْبَعَة، وَقَالَ حُذَيْفَة ﵁: "كَانَ أقرب النَّاس هَديا، ودلاً، وسمتاً، برَسُول الله ﷺ ابْن مَسْعُود، حَتَّى يتَوَارَى منا فِي بَيته، وَلَقَد علم المحفظون من أَصْحَاب مُحَمَّد أَن ابْن أم عبد، هُوَ أقربهم إِلَى الله زلفى"، وَحُذَيْفَة حُذَيْفَة، وَمَا ورد فِي فضل ابْن مَسْعُود، فِي - كتب السّنة - شَيْء كثير جدا، فَابْن مَسْعُود عُني بتفقيه أهل الْكُوفَة، وتعليمهم الْقُرْآن من سنة بِنَاء الْكُوفَة، إِلَى أَوَاخِر خلَافَة عُثْمَان ﵁، عناية لَا مزِيد عَلَيْهَا، إِلَى أَن امْتَلَأت الْكُوفَة بالقراء، وَالْفُقَهَاء الْمُحدثين، بِحَيْثُ أبلغ بعض ثِقَات أهل الْعلم عدد من تفقه عَلَيْهِ، وَعَلَى أَصْحَابه، نَحْو أَرْبَعَة آلَاف عَالم، وَكَانَ هُنَاكَ مَعَه أَمْثَال سعد بن مَالك - أبي وَقاص - وَحُذَيْفَة، وعمار، وسلمان، وَأبي مُوسَى، من أصفياء الصَّحَابَة ﵃، يساعدونه فِي مهمته، حَتَّى إِن عَلّي بن أبي طَالب كرم الله وَجهه، لما انْتقل إِلَى الْكُوفَة سُرَّ من كَثْرَة فقهائها، وَقَالَ: "رحم الله ابْن أم عبد، قد مَلأ هَذِه الْقرْيَة علما" وَفِي لفظ: "أَصْحَاب ابْن مَسْعُود، سُرُج هَذِه الْقرْيَة" وَلم يكن بَاب مَدِينَة الْعلم، بِأَقَلّ عناية بِالْعلمِ مِنْهُ، فوالى تفقيههم، إِلَى أَن أَصبَحت الْكُوفَة لَا مثيل لَهَا فِي أَمْصَار الْمُسلمين، فِي كَثْرَة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم الْقُرْآن، وعلوم اللُّغَة الْعَرَبيَّة فِيهَا، بعد أَن اتخذها عَلّي بن أبي طَالب كرم الله وَجهه، عَاصِمَة الْخلَافَة، وَبعد أَن انْتقل إِلَيْهَا أقوياء الصَّحَابَة، وفقهاؤهم، وبينما ترَى مُحَمَّد بن الرّبيع الجيزي، والسيوطي لَا يستطيعان أَن يذكرَا من الصَّحَابَة الَّذين نزلُوا مصر إِلَّا نَحْو ثَلَاثمِائَة صَحَابِيّ، تَجِد الْعجلِيّ يذكر أَنه توطن الْكُوفَة وَحدهَا، من الصَّحَابَة، نَحْو ألف وَخَمْسمِائة صَحَابِيّ، بَينهم نَحْو سبعين بَدْرِيًّا، سُوَى من أَقَامَ بهَا، وَنشر الْعلم بَين ربوعها، ثمَّ انْتقل إِلَى بلد آخر، فضلا عَن بَاقِي بِلَاد الْعرَاق، وَمَا يرْوَى عَن ربيعَة وَمَالك من الْكَلِمَات البتراء فِي أهل الْعرَاق، لَيْسَ بثبات عَنْهُمَا أصلاُ، وجلَّ مقدارهما عَن مثل تِلْكَ المجازفة، ولسنا فِي حَاجَة هُنَا إِلَى شرح ذَلِك، فنكتفي بِالْإِشَارَةِ، فكبار أَصْحَاب عَلّي. وَابْن مَسْعُود ﵄ بهَا، لَو دونت تراجمهم فِي كتاب خَاص لأتى كتابا ضخماً، والمجال وَاسع جدا لمن يُرِيد أَن يؤلف فِي هَذَا الْمَوْضُوع، وَقد قَالَ مَسْرُوق بن الأجدع التَّابِعِيّ الْكَبِير: "وجدت علم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ يَنْتَهِي إِلَى سِتَّة: إِلَى عَلّي. وَعبد الله. وَعمر. وَزيد بن ثَابت. وَأبي الدَّرْدَاء. وأبيّ بن كَعْب، ثمَّ وجدت علم هَؤُلَاءِ السِّتَّة انْتَهَى إِلَى عليّ، وَعبد الله"، وَقَالَ ابْن جرير: "لم يكن أحد لَهُ أَصْحَاب معرفون، حرروا فتياه ومذاهبه فِي الْفِقْه، غير ابْن مَسْعُود، وَكَانَ يتْرك مذْهبه، وَقَوله، لقَوْل عمر. وَكَانَ لَا يكَاد يُخَالِفهُ فِي شَيْء من مذاهبه، وَيرجع من قَوْله، إِلَى قَوْله" وَكَانَ بَين فُقَهَاء الصَّحَابَة من يُوصي أَصْحَابه بالإلتحاق إِلَى ابْن مَسْعُود، إِقْرَارا مِنْهُم بواسع علمه، كَمَا فعل معَاذ بن جبل، حَيْثُ أَوْصَى صَاحبه عَمْرو بن مَيْمُون الأودي باللحاق بِابْن مَسْعُود، بِالْكُوفَةِ وَلَا مطمع هُنَا فِي استقصاء ذكر أَسمَاء أَصْحَاب عَلّي. وَابْن مَسْعُود بِالْكُوفَةِ، وَلَكِن لَا بَأْس فِي ذكر بَعضهم هُنَا، فَنَقُول: ١ - مِنْهُم - عُبَيْدَة بن قيس السَّلمَانِي، الْمُتَوفَّى سنة ٧٢ هـ، كَانَ شُرَيْح إِذا اشْتبهَ عَلَيْهِ الْأَمر فِي قَضِيَّة يُرْسل إِلَى السَّلمَانِي هَذَا يستشيره، كَمَا فِي "الْمُحدث المفاصل" - للرامهرمزي، وَشُرَيْح ذَلِك، الْمَعْرُوف بِكَمَال الْيَقَظَة فِي الْفِقْه، وَأَحْكَام الْقَضَاء. ٢ - وَمِنْهُم - عَمْرو بن مَيْمُون الأودي، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤ هـ، من قدماء أَصْحَاب معَاذ بن جبل كَمَا سبق، معمر مخضرم، أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وَحج مائَة عمْرَة وَحجَّة. ٣ - وَمِنْهُم - زر بن حُبَيْش، الْمُتَوفَّى سنة ٨٢ هـ، معمر مخضرم، كَانَ يؤم النَّاس فِي التَّرَاوِيح، وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة، وَهُوَ رِوَايَة قِرَاءَة ابْن مَسْعُود، وَمِنْه أَخذهَا عَاصِم، وَقد رَوَاهَا عَنهُ أَبُو بكر بن عَيَّاش، وفيهَا الْفَاتِحَة. والمعوذتان. وَأما مَا يرْوَى عَن ابْن مَسْعُود من الشواذ، فَلَيْسَ بقرَاءَته، وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظ رويت عَنهُ فِي صدد التَّفْسِير. فدوَّنها من دَوَّنها فِي عداد الْقِرَاءَة، كَمَا يظْهر من "فَضَائِل الْقُرْآن" - لأبي عبيد، وَكَانَ زر من أعرب النَّاس، وَكَانَ ابْن مَسْعُود يسْأَله عَن الْعَرَبيَّة. ٤ - وَمِنْهُم - أَبُو عبد الرَّحْمَن عبد الله بن حبيب السّلمِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤ هـ، عرض الْقُرْآن عَلَى عليّ كرم الله وَجهه، وَهُوَ عمدته فِي الْقِرَاءَة، وَقد فرَّغ نَفسه لتعليم الْقُرْآن لأهل الْكُوفَة بمسجدها، أَرْبَعِينَ سنة. كَمَا أخرجه أَبُو نعيم بِسَنَدِهِ، وَمِنْه تلقى السبطان الشهيدان، الْقِرَاءَة بِأَمْر أَبِيهِمَا، وَعَاصِم تلقى قِرَاءَة عليٍّ عَنهُ، وَهِي الْقِرَاءَة الَّتِي يَرْوِيهَا حَفْص عَن عَاصِم، وَقِرَاءَة عَاصِم بالطريقين فِي أقْصَى دَرَجَات التَّوَاتُر فِي جَمِيع الطَّبَقَات، وَعرض السّلمِيّ أَيْضا عَلَى عُثْمَان. وَزيد بن ثَابت. ٥ - وَمِنْهُم - سُوَيْد بن غَفلَة الْمذْحِجِي، ولد عَام الْفِيل، فصحب أَبَا بكر، وَمن بعده، إِلَى أَن توفّي بِالْكُوفَةِ سنة ٨٢ هـ. ٦ - وَمِنْهُم - عَلْقَمَة بن قيس النَّخعِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٦٢ هـ، وَعنهُ يَقُول ابْن مَسْعُود: "لَا أعلم شَيْئا إِلَّا وعلقمة يُعلمهُ". وَفِي "الْفَاصِل": حَدثنَا الْحسن بن سهل الْعَدوي، من أهل رامهرمز، حَدثنَا عَلّي بن الْأَزْهَر الرَّازِيّ، حَدثنَا جرير عَن قَابُوس، قَالَ: قلت لأبي، كَيفَ تَأتي عَلْقَمَة، وَتَدَع أَصْحَاب النَّبِي ﷺ ؟! فَقَالَ: يَا بني، لِأَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ يستفتونه، وَله رحْلَة إِلَى أبي الدَّرْدَاء بِالشَّام، والى عمر. وَزيد. وَعَائِشَة بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ مِمَّن جمع عُلُوم الْأَمْصَار. ٧ - وَمِنْهُم - مَسْرُوق بن الأجدع، عبد الرَّحْمَن الْهَمدَانِي الْمُتَوفَّى سنة ٦٣ هـ، معمر مخضرم، أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وَله رحلات وَاسِعَة فِي الْعلم. ٨ - وَمِنْهُم - الْأسود بن يزِيد بن قيس النَّخعِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤، مُعَمر مخضرم، حج ثَمَانِينَ، مَا بَين حجَّة وَعمرَة وَهُوَ ابْن أخي عَلْقَمَة، وَكَانَ خَال إِمَام أهل الْعرَاق، إِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ. ٩ - وَمِنْهُم - شُرَيْح بن الْحَارِث الْكِنْدِيّ، مُعَمر مخضرم، وَلَي قَضَاء الْكُوفَة فِي عهد عمر، وَاسْتمرّ عَلَى الْقَضَاء، اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة، إِلَى أَيَّام الْحجَّاج، إِلَى أَن توفّي سنة ٨٠ هـ. وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ عليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه: "قُم يَا شُرَيْح! فَأَنت أقضى الْعَرَب" (١) فناهيك بقاض يكون مَرْضيَّ الْقَضَاء فِي عهد الرَّاشِدين، وَفِي الدولة الأموية طول هَذِه الْمدَّة، وَقد غَذَّى بأقضيته الدقيقة، فقه أهل الْكُوفَة، ودربهم عَلَى الْفِقْه العلمي. ١٠ - وَمِنْهُم - عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، أدْرك مائَة وَعشْرين من الصَّحَابَة، وَوَلِيَ الْقَضَاء، غرق مَعَ ابْن الْأَشْعَث شَهِيدا، سنة ٨٣ هـ.

стр. 2006

وَمِنْهُم ١١ - عَمْرو بن شُرَحْبِيل الْهَمدَانِي. ١٢ - وَمرَّة بن شراحبيل. ١٣ - وَزيد بن صوحان. ١٤ - والْحَارث بن قيس الْجعْفِيّ. ١٥ - وَعبد الرَّحْمَن بن الْأسود النَّخعِيّ. ١٦ - وَعبد الله بن عتبَة بن مَسْعُود. ١٧ - وخثيمة بن عبد الرَّحْمَن. ١٨ - وَسَلَمَة بن صُهَيْب. ١٩ - وَمَالك بن عَامر. ٢٠ - وَعبد الله بن سَخْبَرَة. ٢١ - وخلاس بن عَمْرو. ٢٢ - وَأَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة. ٢٣ - وَعبيد بن نَضْلَة. ٢٤ - وَالربيع بن خَيْثَم. ٢٥ - وَعتبَة بن فرقد. ٢٦ - وصلَة بن زفر. ٢٧ - وَهَمَّام بن الْحَارِث. ٢٨ - والْحَارث بن سُوَيْد. ٢٩ - وزاذان أَبُو عَمْرو الْكِنْدِيّ. ٣٠ - وَزيد بن وهب. ٣١ - وَزِيَاد بن جرير. ٣٢ - وكرودس بن هَانِئ. ٣٣ - وَيزِيد بن مُعَاوِيَة النَّخعِيّ، وَغَيرهم من أصحابهما، وَأكْثر هَؤُلَاءِ لقوا عمر. وَعَائِشَة أَيْضا، وَأخذُوا عَنْهُمَا، وَهَؤُلَاء كَانُوا يفتون بِالْكُوفَةِ، بِمحضر الصَّحَابَة، فَلَو تلِيَ حَدِيث هَؤُلَاءِ، أَو فقههم عَلَى مَجْنُون لأفاق، فَلَا يَسْتَطِيع من يدْرِي مَا يَقُول، أَن يُوَجه أَي مُؤَاخذَة نَحْو حَدِيث هَؤُلَاءِ، وفقههم، وتليهم طبقَة لم يدركوا عليا، وَلَا ابْن مَسْعُود، وَلَكنهُمْ تفقهوا عَلَى أصحابهما، وجمعوا عُلُوم عُلَمَاء الْأَمْصَار إِلَى علومهم، وَمَا ذكره ابْن حزم، مِنْهُم نبذة يسيرَة فَقَط، وَعدد هَؤُلَاءِ فِي غَايَة الْكَثْرَة، وَأمرهمْ فِي نِهَايَة الشُّهْرَة، ولسنا بسبيل سرد أسمائهم إِلَّا أَنا نلفت الأنظار إِلَى عدد الَّذين خَرجُوا مَعَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، عَلَى الْحجَّاج الثَّقَفِيّ، فِي دير الجماجم، سنة ٨٣ هـ، من الْفُقَهَاء الْقُرَّاء خَاصَّة من أهل الطبقتين، وَبينهمْ أَمْثَال (آ) - أبي البخْترِي سعيد بن فَيْرُوز. (ب) - وَعبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى. (ج) - وَالشعْبِيّ. (د) - وَسَعِيد بن حبير، قَالَ الْجَصَّاص فِي "أَحْكَام الْقُرْآن" ص ٧١ - ١: وَخرج عَلَيْهِ من الْقُرَّاء أَرْبَعَة آلَاف رجل، هم خِيَار التَّابِعين، وفقهاؤهم، فقاتلوه مَعَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث، اهـ. فَإِذا نظرت إِلَى عُلَمَاء سَائِر الْأَمْصَار (١) يعدُّ من أحْسنهم حَالا من يُهَاجر أَبَاهُ، وَمن يقبل جوائز الْحُكَّام، ويساير أهل الحكم، وقَلَّ بَينهم من يخْطر لَهُ عَلَى بَال مقاومة الظُّلم، وبذل كل مرتخص وغال فِي هَذَا السَّبِيل، فبذلك أَصبَحت أَحْوَال الْكُوفَة فِي أَمر الدِّين. والخُلُق. وَالْفِقْه. وَعلم الْكتاب. وَالسّنة. واللغة الْعَرَبيَّة ماثلة أَمَام الباحث الْمنصف، فَيحكم بِمَا تمليه النَّصَفة، فِي الموازنة بَين عُلَمَاء الْأَمْصَار. وَهَذَا مِمَّا يَجْعَل للكوفة مركزاً لَا يسامى عَلَى توالي الْقُرُون، وَلَوْلَا ذَلِك لما كَانَت الْكُوفَة معقل أهل الدَّين، يفر اليها المضطهدون، طول أَيَّام الْجور، فِي عهد الأموية. وَسَعِيد بن جُبَير وَحده، جمع علم ابْن عَبَّاس إِلَى علمه حَتَّى أَن ابْن عَبَّاس كَانَ يَقُول، حينما رَأَى أهل الْكُوفَة يأتونه ليستفتوه: أَلَيْسَ فِيكُم ابْن أم الدهماء؟ يَعْنِي "ابْن جُبَير"، يذكرهم مَا خصّه الله من الْعلم الْوَاسِع، بِحَيْثُ يُغني علمه أهل الْكُوفَة، عَن علم ابْن عَبَّاس. وَإِبْرَاهِيم بن يزِيد النَّخعِيّ من أهل هَذِه الطَّبَقَة، قد جمع أشتات عُلُوم هَاتين الطبقتين، بعد أَن تفقه عَلَى عَلْقَمَة، قَالَ أَبُو نعيم: أدْرك إِبْرَاهِيم أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ، وَعَائِشَة، وَمن بعدهمَا، من الصَّحَابَة ﵃، اهـ. وعامر بن شرَاحِيل الشعبي، الَّذِي يَقُول عَنهُ ابْن عمر، لما رَآهُ يحدث بالمغازي: "لَهو أحفظ لَهَا مني، وَإِن كنت قد شهدتها مَعَ رَسُول الله ﷺ "، يفضل أَبَا عمرَان إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ هَذَا، عَلَى عُلَمَاء الْأَمْصَار كلهَا، حَيْثُ يَقُول لرجل حضر جنَازَته، عِنْدَمَا توفّي سنة ٩٥ هـ: "دفنتم أفقه النَّاس"، فَقَالَ الرجل: ومِنَ الْحسن؟ قَالَ: أفقه من الْحسن، وَمن أهل الْبَصْرَة، وَمن أهل الْكُوفَة، وَأهل الشَّام، وَأهل الْحجاز، كَمَا أخرجه أَبُو نعيم بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ. وَأهل النَّقْد يعدون مَرَاسِيل النَّخعِيّ صحاحاً، بل يفضلون مراسيله عَلَى مسانيد نَفسه، كَمَا نَص عَلَى ذَلِك ابْن عبد الْبر فِي "التَّمْهِيد"، وَيَقُول الْأَعْمَش": مَا عرضت عَلَى إِبْرَاهِيم حَدِيثا قطّ إِلَّا وجدت عِنْده مِنْهُ شَيْئا، وَقَالَ الْأَعْمَش أَيْضا: كَانَ إِبْرَاهِيم صيرفي الحَدِيث، فَكنت إِذا سَمِعت الحَدِيث من بعض أَصْحَابنَا عرضته عَلَيْهِ، وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد: كَانَ الشّعبِيّ، وَأَبُو الضُّحَى، وَإِبْرَاهِيم، وأصحابنا يَجْتَمعُونَ فِي الْمَسْجِد، فيتذاكرون الحَدِيث، فَإِذا جَاءَتْهُم فتْيا، لَيْسَ عِنْدهم مِنْهَا شَيْء، رموا بِأَبْصَارِهِمْ إِلَى إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ. وَقَالَ الشّعبِيّ، عَن إِبْرَاهِيم: أَنه نَشأ فِي أهل بَيت فقه، فَأخذ فقههم، ثمَّ جالسنا، فَأخذ صفو حديثنا، إِلَى فقه أهل بَيته، فَإِذا نعيته أنعى الْعلم، مَا خلف بعده مثله، وَقَالَ سعيد بن جُبَير: تستفتوني، وَفِيكُمْ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ؟!، وَمِمَّا أخرجه أَبُو نعيم فِي "الْحِلْية": حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد بن حَيَّان حَدثنَا أَبُو أسيد ثَنَا أَبُو مَسْعُود ثَنَا ابْن الْأَصْبَهَانِيّ ثَنَا عثام عَن الْأَعْمَش، قَالَ: مَا رَأَيْت إِبْرَاهِيم يَقُول بِرَأْيهِ فِي شَيْء قطّ. اهـ. وَمثله فِي "ذمّ الْكَلَام" - لِابْنِ مت، فعلَى هَذَا يكون كل مَا يرْوَى عَنهُ من الْأَقْوَال فِي أَبْوَاب الْفِقْه، فِي "آثَار" أبي يُوسُف. و"آثَار" مُحَمَّد بن الْحسن، و"المُصَنّف" لِابْنِ أبي شيبَة، وَغَيرهَا أثرا من الْآثَار. وَالْحق أَنه كَانَ يروي وَيرَى، فَإِذا رَوَى فَهُوَ الْحجَّة، واذا رَأَى واجتهد، فَهُوَ الْبَحْر الَّذِي لَا تعكره الدّلاء، لتوفر أَسبَاب الِاجْتِهَاد عِنْده بأكملها، بل هُوَ الْقَائِل: "لَا يَسْتَقِيم رَأْي إِلَّا بِرِوَايَة، وَلَا رِوَايَة إِلَّا بِرَأْي" كَمَا أخرجه أَبُو نعيم بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ، وَهِي الطَّرِيقَة المثلى فِي الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ والرأي.

стр. 2007

وَقَالَ الْخَطِيب فِي " الْفَقِيه والمتفقه": أخبرنَا أَبُو بشر مُحَمَّد بن عمر الْوَكِيل أخبرنَا عمر بن أَحْمد بن الْوَاعِظ ثَنَا مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة ثَنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش حَدثنِي الْحسن بن عبيد الله النَّخعِيّ، قَالَ: قلت لإِبراهيم: أكل مَا أسمعك تُفْتِي بِهِ سمعته؟ فَقَالَ لي: لَا، قلت: تُفْتِي بِمَا بِمَا لم تسمع؟!، فَقَالَ: سَمِعت الَّذِي سَمِعت، وَجَاءَنِي مَا لم أسمع، فقسته بِالَّذِي سَمِعت، اهـ. وَهَذَا هُوَ الْفِقْه حَقًا، وبمثل هَذَا الإِمَام الْجَلِيل تفقه حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، شيخ أبي حنيفَة، وَكَانَ حَمَّاد شَدِيد الْمُلَازمَة لإِبراهيم، قَالَ أَبُو الشَّيْخ فِي "تَارِيخ أَصْبَهَان": حَدثنَا أَبُو بكر أَحْمد بن الْحسن بن هَارُون بن سُلَيْمَان بن يَحْيَى بن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول: حَدثنِي أبي عَن جدي، قَالَ: وَجه إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ حماداً، يَوْمًا يَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا بدرهم، فِي زنبيل، فَلَقِيَهُ أَبوهُ رَاكِبًا دَابَّة، وبيد حَمَّاد الزنبيل، فزجره، وَرَمَى بِهِ من يَده، فَلَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيم جَاءَ أَصْحَاب الحَدِيث، والخراسانية يدقون عَلَى بَاب مُسلم بن يزِيد - وَالِد حَمَّاد -، فَخرج إِلَيْهِم فِي اللَّيْل بالشمع، فَقَالُوا: لسنا نريدك، نُرِيد ابْنك حماداً، فَدخل إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بني! قُم إِلَى هَؤُلَاءِ، فقد علمت أَن الزنبيل أَدَّى بك إِلَى هَؤُلَاءِ، اهـ. وَقَالَ أَبُو الشَّيْخ، قبيل هَذَا: حَدثنَا أَحْمد بن الْحسن، قَالَ: سَمِعت ابْن خَالِي عبيد بن مُوسَى، يَقُول سَمِعت جدتي، تَقول عَن جدَّتهَا الْكُبْرَى عَاتِكَة، أُخْت حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: قَالَت: كَانَ النُّعْمَان ببابنا يندف قطننا، ويشري لبننا وبقلنا، وَمَا أشبه ذَلِك، فَكَانَ إِذا جَاءَ الرجل يسْأَله عَن الْمَسْأَلَة، قَالَ: مَا مسألتك؟ قَالَ: كَذَا. وَكَذَا، قَالَ: الْجَواب فِيهَا، كَذَا، ثمَّ يَقُول: عَلَى رِسلك، فَيدْخل إِلَى حَمَّاد، فَيَقُول لَهُ: جَاءَ رجل، فَسَأَلَ عَن كَذَا، فأجبته بِكَذَا، فَمَا تَقول أَنْت؟ فَقَالَ: حدثونا بِكَذَا، وَقَالَ أَصْحَابنَا، كَذَا، وَقَالَ: إِبْرَاهِيم كَذَا، فَيَقُول: فأروي عَنْك؟ فَيَقُول: نعم، فَيخرج فَيَقُول: قَالَ حَمَّاد، كَذَا، اهـ. هَكَذَا كَانَت مُلَازمَة بَعضهم لبَعض، وخدمة بَعضهم لبَعض، أَوَان الطّلب، وَبِهَذَا نالوا بركَة الْعلم. وَقد أخرج ابْن عدي فِي "الْكَامِل" بطرِيق يَحْيَى بن معِين عَن جرير عَن مُغيرَة، قَالَ: قَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان: "لقِيت قَتَادَة، وطاوساً، ومجاهداً، فصبيانكم أعلم مِنْهُم، بل صبيان صِبْيَانكُمْ أعلم مِنْهُم" إِنَّمَا قَالَه هَذَا تحديثاً بِالنعْمَةِ، وردا عَلَى بعض شُيُوخ الرِّوَايَة، مِمَّن لم يُؤْت نَصِيبا من الْفِقْه، حَيْثُ كَانَ يُفْتِي فِي مَسْجِد الْكُوفَة، غَلطا، وَيَقُول: لَعَلَّ هُنَاكَ صبياناً يخالفوننا، فِي هَذِه الْفَتَاوَى، وماذا يُفِيد تقدم السن فِي الرِّوَايَة لمن حرم الدِّرَايَة، وَيُرِيد بالصبيان التلاميذ، وَقد أخرج ابْن عدي فِي "الْكَامِل" بطرِيق يَحْيَى بن معِين عَن ابْن إِدْرِيس عَن الشَّيْبَانِيّ عَن عبد الْملك بن إِيَاس الشَّيْبَانِيّ، أَنه قَالَ: قلت لإِبراهيم: من نسْأَل بعْدك؟ قَالَ: حماداً، اهـ، وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان هَذَا، توفّي سنة ١٢٠. وَقَالَ العقييلي: حَدثنَا أَحْمد بن مَحْمُود الْهَرَوِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُغيرَة الْبَلْخِي، قَالَ: حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْأَصْبَهَانِيّ، قَالَ: لما مَاتَ إِبْرَاهِيم اجْتمع خَمْسَة من أهل الْكُوفَة، فيهم عمر بن قيس الماصر، وَأَبُو حنيفَة، فَجمعُوا أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وجاؤوا إِلَى الحكم بن عتيبة، فَقَالُوا: إِنَّا قد جَمعنَا أَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، نَأْتِيك بهَا، وَتَكون رئيسنا. فَأَبَى عَلَيْهِم الحكَم، فَأتوا حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، فَقَالُوا، فأجابهم، اهـ، وَبِهَذَا الْقدر نكتفي من أنباء هَذِه الطَّبَقَة، لِكَثْرَة رجالها، وتشعب أنبائها، مُقْتَصرا عَلَى سَوْق خبريْن، مِمَّا يدل عَلَى اتساع الْكُوفَة فِي الرِّوَايَة والدراية، فِي تِلْكَ الطَّبَقَة.

стр. 2008

قَالَ أَبُو مُحَمَّد الرامَهُرْمُزِي فِي "الْفَاصِل": حَدثنَا الْحُسَيْن بن نَبهَان ثَنَا سُهَيْل بن عُثْمَان ثَنَا حَفْص بن غياث عَن أَشْعَث عَن أنس بن سِيرِين، قَالَ: أتيت الْكُوفَة فَرَأَيْت فِيهَا أَرْبَعَة آلَاف يطْلبُونَ الحَدِيث، وَأَرْبَعمِائَة قد فقهوا، اهـ. وَفِي أَي مصر من أَمْصَار الْمُسلمين، غير الْكُوفَة، تَجِد مثل هَذَا الْعدَد الْعَظِيم للمحدثين، وَالْفُقَهَاء. وَفِي هَذَا مَا يدل عَلَى أَن الْفَقِيه مهمته شاقة جدا، فَلَا يكثر عدده كَثْرَة عدد النقلَة. وَقَالَ الرامَهُرْمُزِي أَيْضا: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن معدان حَدثنَا مَذْكُور بن سُلَيْمَان الوَاسِطِيّ، قَالَ: سَمِعت عَفَّان يَقُول - وَسمع قوما يَقُولُونَ: نسخنا كتب فلَان، ونسخنا كتب فلَان -، فَسَمعته يَقُول: نرَى هَذَا الضَّرْب من النَّاس لَا يفلحون، كُنَّا نأتي هَذَا فنسمع مِنْهُ مَا لَيْسَ عِنْد هَذَا، ونسمع من هَذَا مَا لَيْسَ عِنْد هَذَا، فقدمنا الْكُوفَة فَأَقَمْنَا أَرْبَعَة أشهر وَلَو أردنَا أَن نكتب مائَة ألف حَدِيثا لكتبناها، فَمَا كتبنَا إِلَّا قدر خمسين ألف حَدِيث، وَمَا رَضِينَا من أحد إِلَّا مالأمة (١) ، إِلَّا شَرِيكا، فَإِنَّهُ أَبَى علينا، وَمَا رَأينَا بِالْكُوفَةِ لحاناً مجوزاً، اهـ. أنظر، مصرا يكْتب بهَا - مثل - عَفَّان - فِي أَرْبَعَة أشهر. خمسين ألف حَدِيث! مَعَ هَذَا التروي (٢) ، ومسند أَحْمد أقل من ذَلِك بِكَثِير، أيعد مثل هَذَا الْبَلَد قَلِيل الحَدِيث؟! عَلَى أَن أَحَادِيث الْحَرَمَيْنِ مُشْتَركَة بَين عُلَمَاء الْأَمْصَار فِي تِلْكَ الطَّبَقَات، لِكَثْرَة حجهم، وَكم بَينهم من حج أَرْبَعِينَ حجَّة وَعمرَة، وَأكْثر، وَأَبُو حنيفَة وَحده، حج خمْسا وَخمسين حجَّة، وَأَنت ترَى البُخَارِيّ يَقُول: وَلَا أحصي مَا دخلت الْكُوفَة فِي طلب الحَدِيث، حينما يذكر عدد مَا دخل بَاقِي الْأَمْصَار، وَلِهَذَا أيضاُ دلَالَته فِي هَذَا الصدد. وَمِمَّا يدل عَلَيْهِ الْخَبَر السَّابِق، بَرَاءَة عُلَمَاء الْكُوفَة من اللّحن الَّذِي اكتظت بِهِ بِلَاد الْحجاز، وَالشَّام، ومصر فِي ذَلِك الْعَهْد، وَأَنت تَجِد فِي كَلَام ابْن فَارس مدافعته عَن مَالك فِي ذَلِك، وَقَول اللَّيْث فِي ربيعَة، تَجدهُ فِي"الْحِلْية" وَقَول أبي حنيفَة فِي نَافِع، تَجدهُ فِي - كتاب - ابْن أبي الْعَوام، والكلمة الَّتِي تروى عَن أبي حنيفَة، (٣) بِدُونِ سَنَد مُتَّصِل، عَلَى أَن وَجههَا فِي الْعَرَبيَّة ظَاهرا جدا، عَلَى فرض ثُبُوتهَا عَنهُ، وَقد توسع الْمبرد فِي - اللحَنة - أنباء اللاحنين من أهل الْأَمْصَار، سُوَى بِلَاد الْعرَاق، وَقد نقل مَسْعُود بن شيبَة جملَة من ذَلِك فِي "التَّعْلِيم"، عَلَى أَن مصر كَانَت تعاشر القبط، وَالشَّام يساكن الرّوم، وَكَانَ الْحجاز يطرقه كل طَارق من الْأَعَاجِم، وَلَا سِيمَا بعد عهد كبار التَّابِعين، مَعَ عدم وجود أَئِمَّة بهَا للغة، يحفظونها من الدخيل. واللحون، وَأما الْكُوفَة، وَالْبَصْرَة، ففيهما دونت الْعَرَبيَّة، فَأهل الْكُوفَة راعوا تدوين جَمِيع اللهجات الْعَرَبيَّة، فِي عهد نزُول الْوَحْي، ليستعينوا بذلك عَلَى فهم أسرار الْكتاب وَالسّنة، ووجوه الْقِرَاءَة، وَأهل الْبَصْرَة انتهجوا مَسْلَك التخير من اللهجات، مَا يحِق أَن يتَّخذ لُغَة الْمُسْتَقْبل، فأحد المسلكين لَا يُغني عَن الآخر. فَعلم بذلك مَرْكَز الْكُوفَة فِي الْفِقْه. والْحَدِيث. واللغة، وَأما الْقُرْآن، فالأئمة الثَّلَاثَة، من السَّبْعَة، كوفيون، وهم: ١ - عَاصِم. ٢ - وَحَمْزَة. ٣ - وَالْكسَائِيّ، وزد خلفا، الْعَاشِر، من بَين الْعشْرَة، وَقد سبق بَيَان قِرَاءَة عَاصِم.

стр. 2009

طَريقَة أبي حنيفَة فِي التفقيه - ولسنا نَخُوض هُنَا فِي عباب تَرْجَمَة أبي حنيفَة النُّعْمَان، وَفِي كتب الْأَئِمَّة مَا يغنينا عَن ذَلِك، فدونك كتاب "أبي الْقَاسِم بن أبي الْعَوام، الْحَافِظ". وَكتاب "أبي عبد الله الْحُسَيْن الصيمرمي". و"كتاب الْحَارِثِيّ، المندمج فِي كتاب الْمُوفق الْمَكِّيّ". و"جُزْء ابْن الدخيل" الَّذِي نقل ابْن عبد الْبر غَالب مَا فِيهِ فِي "الانتقاء"، وَكَانَ ابْن الدخيل راوية الْعقيلِيّ، فألف جُزْء فِي فَضَائِل أبي حنيفَة، ردا عَلَى الْعقيلِيّ، حَيْثُ أَطَالَ لِسَانه فِي فَقِيه الْملَّة، وَأَصْحَابه البررة، شَأْن الجهلة الأغرار، وتبرؤً مِمَّا خطته يَمِين الْعقيلِيّ، مِمَّا يُجَافِي الْحَقِيقَة، فَسَمعهُ حكم بن الْمُنْذر البلوطي الأندلسي من ابْن الدخيل بِمَكَّة، وسَمعه مِنْهُ ابْن عبد الْبر، فساق غَالب مَا فِيهِ من المناقب فِي "تَرْجَمَة أبي حنيفَة" من الانتقاء، وَمَا يذكرهُ ابْن عبد الْبر عَن البُخَارِيّ كَانَ من تَمام النَّصفة، أَن ينظر فِي سَنَده، وَكَذَا مَا يرويهِ إِبْرَاهِيم بن بشار عَن ابْن عُيَيْنَة، وَأما ابْن الْجَارُود، فقد ثَبت رد شَهَادَته عِنْد قَاضِي الْمُسلمين، فَلَو أَشَارَ إِلَى ذَلِك كُله لأحسن صنعا. وَالْحَاصِل أَنه لم يتَكَلَّم فِيهِ أحد بِحجَّة، كَمَا شرحنا ذَلِك أوسع شرح، فِيمَا رددنا بِهِ عَلَى الْخَطِيب فِي هَذَا الصدد، وَإِنَّمَا نتكلم هُنَا عَن طرف من أَحْوَاله، مِمَّا يُنبئ عَن طَرِيقَته فِي التفقيه. فَأَقُول: هُوَ أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت النُّعْمَان بن الْمَرْزُبَان، الْفَارِسِي الأَصْل، لم يَقع عَلَيْهِ رق أصلا، وَإِسْمَاعِيل بن حَمَّاد مُصدق فِي ذَلِك، وَقد قَالَ الصّلاح بن شَاكر الكتبي فِي "عُيُون التواريخ": قَالَ مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ: مَا وَلِيَ الْقَضَاء من أَيَّام عمر بن الْخطاب إِلَى الْيَوْم "يَعْنِي بِالْبَصْرَةِ" مثل إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد، فَقيل لَهُ: وَلَا الْحسن الْبَصْرِيّ؟ قَالَ: والله، وَلَا الْحسن الْبَصْرِيّ، وَكَانَ عَالما، زاهداً، عابداً، ورعاً. اهـ. أمثله لَا يصدق فِي نسبه؟! وَقد حدث الطَّحَاوِيّ فِي "مُشكل الْآثَار": ص ٥٤ - ٤ عَن بكار بن قُتَيْبَة عَن عبد الله بن يزِيد المقريء: "أتيت أَبَا حنيفَة، فَقَالَ لي: من الرجل؟. فَقلت. رجل مَنَّ الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ لي: لَا تقل هَكَذَا، وَلَكِن وَال بعض هَذِه الْأَحْيَاء، ثمَّ انتم إِلَيْهِم، فَإِنِّي كنت أَنا كَذَلِك" فَعلم أَن ولاءه كَانَ وَلَاء الْمُوَالَاة، لَا وَلَاء الْعتْق، وَلَا وَلَاء الْإِسْلَام، ﴿وماذا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "المنتظم": لَا يخْتَلف النَّاس فِي فهم أبي حنبفة، وفقهه، كَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ، وَابْن الْمُبَارك، يَقُولَانِ: أَبُو حنيفَة أفقه النَّاس، وَقيل لمَالِك: هَل رَأَيْت أَبَا حنيفَة؟ فَقَالَ: رَأَيْت رجلا، لَو كلمك فِي هَذِه السارية أَن يَجْعَلهَا ذَهَبا، لقام بحجته، وَقَالَ الشَّافِعِي: النَّاس عِيَال فِي الْفِقْه عَلَى أبي حنيفَة اهـ، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض فِي " تَرْتِيب المدارك": قَالَ اللَّيْث لمَالِك: أَرَاك تعرق؟، فَقَالَ مَالك: "عرقت مَعَ أبي حنيفَة، إِنَّه لفقيه يَا مصري"، اهـ. وَقد ذكرت وُجُوه استمداد بَاقِي الْمذَاهب من مذْهبه ﵁، فِي "بُلُوغ الْأَمَانِي"، فَلَا أُعِيد الْكَلَام هُنَا، وَكَانَ أجلى مميزات مَذْهَب أبي حنيفَة، أَنه مَذْهَب شُورَى، تلقنه جمَاعَة عَن جمَاعَة، إِلَى الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، بِخِلَاف سَائِر الْمذَاهب، فَإِنَّهَا مَجْمُوعَة آراء لأئمتها. قَالَ ابْن أبي الْعَوام: حَدثنِي الطَّحَاوِيّ، كتب إليّ ابْن أبي ثَوْر، قَالَ: أَخْبرنِي، نوح أَبُو سُفْيَان، قَالَ لي الْمُغيرَة بن حَمْزَة: كَانَ أَصْحَاب أبي حنيفَة الَّذين دَوَّنوا مَعَه الْكتب أَرْبَعِينَ رجلا، كبراء الكبراء، اهـ. وَقَالَ ابْن أبي الْعَوام أَيْضا: حَدثنِي الطَّحَاوِيّ، كتب إِلَيّ مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي ثَوْر "الرعيني" حَدثنِي سُلَيْمَان بن عمرَان حَدثنِي أَسد بن الْفُرَات، قَالَ: كَانَ أَصْحَاب أبي حنيفَة الَّذين دَوَّنوا الْكتب أَرْبَعِينَ رجلا، فَكَانَ فِي الْعشْرَة الْمُتَقَدِّمين: أَبُو يُوسُف، وَزفر بن الْهُذيْل، وَدَاوُد الطَّائِي، وَأسد بن عَمْرو، ويوسف بن خَالِد السَّمْتِي" أحد مَشَايِخ الشَّافِعِي": وَيَحْيَى بن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَكْتُبهَا لَهُم ثَلَاثِينَ سنة، اهـ. وَبِهَذَا السَّنَد إِلَى أَسد بن الْفُرَات، قَالَ: قَالَ لي أَسد بن عَمْرو: كَانُوا يَخْتَلِفُونَ عِنْد أبي حنيفَة فِي جَوَاب الْمَسْأَلَة، فَيَأْتِي هَذَا بِجَوَاب، وَهَذَا بِجَوَاب، ثمَّ يرفعونها إِلَيْهِ، ويسألونه عَنْهَا، فَيَأْتِي الْجَواب من كثب - أَي من قرب -، وَكَانُوا يُقِيمُونَ فِي الْمَسْأَلَة ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ يكتبونها فِي الدِّيوَان، اهـ. قَالَ الصيمرمي: حَدثنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الْهَاشِمِي، ثَنَا أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَكِّيّ ثَنَا عَلّي بن مُحَمَّد النَّخعِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْبَلْخِي حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد الْخَوَارِزْمِيّ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: كَانَ أَصْحَاب أبي حنيفَة يَخُوضُونَ مَعَه فِي الْمَسْأَلَة، فَإِذا لم يحضر عَافِيَة - ابْن يزِيد القَاضِي -، قَالَ أَبُو حنيفَة: لَا تَرفعُوا الْمَسْأَلَة حَتَّى يحضر عَافِيَة، فَإِذا حضر عَافِيَة وَوَافَقَهُمْ، قَالَ أَبُو حنيفَة: أثبتوها، وَإِن لم يوافقهم، قَالَ أَبُو حنيفَة، لأخرى سواهَا، اهـ. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين فِي "التَّارِيخ"، و"الْعِلَل": رِوَايَة الدوري عَنهُ فِي - ظاهرية دمشق -: قَالَ أَبُو نعيم "الْفضل بن دُكَيْن" سَمِعت زفر يَقُول: كُنَّا نَخْتَلِف إِلَى أبي حنيفَة، ومعنا أَبُو يُوسُف، وَمُحَمّد بن الْحسن، فَكُنَّا نكتب عَنهُ، قَالَ زفر: فَقَالَ يَوْمًا أَبُو حنيفَة، لأبي يُوسُف: "وَيحك يَا يَعْقُوب، لَا تكْتب كل مَا تسمع مني، فَإِنِّي قد أرَى الرَّأْي الْيَوْم، وأتركه غَدا، وَأرَى الرَّأْي غَدا، وأتركه فِي غده"، اهـ. انْظُر كَيفَ كَانَ ينْهَى أَصْحَابه عَن التدوين الْمسَائِل، إِذا تعجل أحدهم بكتابتها قبل تمحيصها كَمَا يحب، فَإِذا أحطت خَبرا، بِمَا سبق علمت صدق مَا يَقُوله الْمُوفق الْمَكِّيّ: ص ١٣٣ - ٢، حَيْثُ قَالَ، بعد أَن ذكر كبار أَصْحَاب أبي حنيفَة: وضع أَبُو حنيفَة مذْهبه شُورَى بَينهم، لم يستبد فِيهِ بِنَفسِهِ دونهم، اجْتِهَادًا مِنْهُ فِي الدَّين، ومبالغة فِي النَّصِيحَة لله، وَرَسُوله، وَالْمُؤمنِينَ. فَكَانَ يلقِي الْمسَائِل مَسْأَلَة مَسْأَلَة، وَيسمع مَا عِنْدهم، وَيَقُول مَا عِنْده، ويناظرهم شهرا، أَو أَكثر، حَتَّى يسْتَقرّ أحد الْأَقْوَال فِيهَا، ثمَّ يثبتها أَبُو يُوسُف فِي الْأُصُول، حَتَّى أثبت الْأُصُول كلهَا، وَهَذَا يكون أولَى وأصوب، وَإِلَى الْحق أقرب، والقلوب إِلَيْهِ أسكن، وَبِه أطيب، من مَذْهَب من انْفَرد، فَوضع مذْهبه بِنَفسِهِ، وَيرجع فِيهِ إِلَى رَأْيه، اهـ. وَمن هَذَا يظْهر أَن أَبَا حنيفَة لم يكن يحمل أَصْحَابه عَلَى قبُول مَا يلقيه عَلَيْهِم، بل كَانَ يحملهم عَلَى إبداء مَا عِنْدهم، إِلَى أَن يَتَّضِح عِنْدهم الْأَمر، كوضح الصُّبْح، فيقبلون مَا وضح دَلِيله، وينبذون مَا سَقَطت حجَّته، وَكَانَ يَقُول مَا مَعْنَاهُ: لَا يحل لأحد أَن يَقُول بقولنَا، حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَا، وَهَذَا هُوَ سر ظُهُور مذْهبه فِي الْخَافِقين، ظهوراً لم يعْهَد لَهُ مثيل، وَهُوَ السَّبَب الْأَصْلِيّ لبراعة المتفقهين عَلَيْهِ، وكثرتهم، إِذْ طَرِيقَته تِلْكَ هِيَ الطَّرِيقَة المثلى، فِي التدريب عَلَى الْفِقْه، وتنشئة الناشئين، وَلذَلِك يَقُول ابْن حجر الْمَكِّيّ فِي "خيرات الحسان" ص ٢٦: "قَالَ بعض الْأَئِمَّة: لم يظْهر لأحد من أَئِمَّة الْإِسْلَام الْمَشْهُورين، مثل مَا ظهر لأبي حنيفَة، من الْأَصْحَاب. والتلاميذ، وَلم ينْتَفع الْعلمَاء، وَجَمِيع النَّاس، بِمثل مَا انتفعوا بِهِ، وبأصحابه فِي تَفْسِير الْأَحَادِيث المشتبهة، والمسائل المستنبطة، والنوازل، وَالْقَضَاء، وَالْأَحْكَام"، اهـ. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق النديم فِي "الفهرست": و"الْعلم برا وبحراً، وشرقاً وغرباً، بعدا وقرباً تدوينه لَهُ، ﵁. وَقَالَ الْمجد بن الْأَثِير فِي "جَامع الْأُصُول" مَا مَعْنَاهُ: لَو لم يكن لله فِي ذَلِك سر خَفِي، لما كَانَ شطر هَذِه الْأمة من أقدم عهد إِلَى يَوْمنَا هَذَا، يعْبدُونَ الله سُبْحَانَهُ عَلَى مَذْهَب هَذَا الإِمَام الْجَلِيل، وَلَيْسَ أحد من هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة عَلَى مَذْهَب هَذَا الإِمَام، حَتَّى يُرْمَى بالتحزب لَهُ، ﵁. وَالْحَاصِل: أَن من خَصَائِص هَذَا الْمَذْهَب كَون تدوين الْمسَائِل فِيهِ عَلَى الشورى، والمناظرات المديدة، وتلقي الْأَحْكَام فِيهِ من جمَاعَة، عَن جمَاعَة، إِلَى أوَّل نبع غزير فياض فِي الْفِقْه، فِي عهد جمهرة فُقَهَاء الصَّحَابَة، واستمرار سعي الْجَمَاعَة فِي تَبْيِين أَحْكَام النَّوَازِل، جمَاعَة بعد جمَاعَة، إِلَى مَا شَاءَ الله سُبْحَانَهُ كَذَلِك، بِحَيْثُ يتمشى الْمَذْهَب مَعَ حاجات العصور، ومقتضيات الرقي الحضاري فِي الْبشر. وَلذَا ترَى ابْن خلدون يَقُول عَن مَذْهَب مَالك مَا لَفظه: وَأَيْضًا فالبداوة كَانَت غالبة عَلَى الْمغرب، والأندلس، وَلم يَكُونُوا يعاونون الحضارة الَّتِي لأهل الْعرَاق (١) فَكَانُوا إِلَى أهل الْحجاز أميل، لمناسبة البداوة، وَلِهَذَا لم يزل الْمَذْهَب الْمَالِكِي غضاً عِنْدهم، وَلم يَأْخُذهُ تَنْقِيح الحضارة وتهذيبها، اهـ. "مُقَدّمَة - علم الْفِقْه"، فَإِذا كَانَ مَذْهَب مَالك الَّذِي عَاشَ الأندلس تَحت حكمه طوال قُرُون، هَكَذَا فِي نظر ابْن خلدون، فَمَا ظَنك بِمَا سواهُ من الْمذَاهب الَّتِي لم تعاشر الحضارة فِي أَحْكَامهَا مُدَّة طَوِيلَة؟ وَأما قِرَاءَة أبي حنيفَة، فَهِيَ قِرَاءَة عَاصِم المنتشرة فِي الْآفَاق، وللقرآن الْمنزلَة الْعليا عِنْده فِي الِاحْتِجَاج، حَيْثُ يعد عموماته قَطْعِيَّة، وَقد علم الْخَاص وَالْعَام خَتمه الْقُرْآن فِي رَكْعَة، عَلَى قلَّة من فعل هَذَا من السّلف، وَمَا ينْسب إِلَيْهِ من الْقرَاءَات الشاذة، فِي بعض - كتب التَّفْسِير -، غير ثَابت عَنهُ أصلا، فَلَا حَاجَة لتكلف توجيهها، كَمَا فعل الزَّمَخْشَرِيّ، والنسفي فِي "تفسيرهما"، بل تِلْكَ الْقرَاءَات مَوْضُوعَة عَلَيْهِ، كَمَا ذكره الْخَطِيب فِي "تَارِيخه"، والذهبي فِي "طَبَقَات الْقُرَّاء"، وَابْن الْجَزرِي فِي "الطَّبَقَات" أَيْضا، وواضعها الْخُزَاعِيّ، قَالَ الذَّهَبِيّ فِي "الْمِيزَان - فِي تَرْجَمَة أبي الْفضل، مُحَمَّد بن جَعْفَر الْخُزَاعِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٤٠٧": ألف كتابا فِي قِرَاءَة أبي حنيفَة، فَوضع الدَّارَقُطْنِيّ خطه، بِأَن هَذَا مَوْضُوع، لَا أصل لَهُ، وَقَالَ غَيره: لم يكن ثِقَة، اهـ. وَأما كَثْرَة حَدِيثه فتظهر من حججه المسرودة فِي أَبْوَاب الْفِقْه، والمدونة فِي تِلْكَ المسانيد السَّبْعَة عشر، لكبار الْأَئِمَّة من أَصْحَابه، وَسَائِر الْحفاظ، وَكَانَ مَعَ الْخَطِيب عِنْدَمَا حل دمشق، مُسْند أبي حنيفَة، للدارقطني، ومسند أبي حنيفَة، لِابْنِ شاهين، وهما زائدان عَلَى السَّبْعَة عشر الْمَذْكُورَة، وَقَالَ الْمُوفق الْمَكِّيّ ص ٩٦ - ١: قَالَ الْحسن بن زِيَاد: كَانَ أَبُو حنيفَة يروي أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث: أَلفَيْنِ لحماد. وألفين لسَائِر المشيخة، اهـ. وَأَقل مَا يُقَال فِي مسَائِله: إِنَّهَا تبلغ ثَلَاثَة وَثَمَانِينَ ألفا، وَكَانَت مشايخه بِكَثْرَة بَالِغَة. وَأما قُوَّة أبي حنيفَة فِي الْعَرَبيَّة، فَمَا يدل عَلَيْهَا نشأته فِي مهد الْعُلُوم الْعَرَبيَّة، وتفريعاته الدقيقة عَلَى الْقَوَاعِد الْعَرَبيَّة، حَتَّى ألف أَبُو عَلّي الْفَارِسِي، والسيرافي، وَابْن جني كتبا فِي شرح آرائه الدقيقة فِي الْأَيْمَان فِي "الْجَامِع الْكَبِير" إِقْرَارا مِنْهُم بتغلغل صَاحبهَا فِي أسرار الْعَرَبيَّة وَفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة.

стр. 2010

بعض الْحفاظ، وكبار الْمُحدثين من أَصْحَابه، وَأهل مذْهبه - ١ - الإِمَام زفر بن الْهُذيْل الْبَصْرِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ١٥٨ هـ، ذكره ابْن حَيَّان بِالْحِفْظِ والإتقان فِي "كتاب الثِّقَات"، وَهُوَ من أجلِّ أَصْحَاب الإِمَام. وَله "كتاب الْآثَار". - ٢ - الإِمَام الْحَافِظ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان الْهَرَوِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ١٦٣، مترجم فِي "طَبَقَات الْحفاظ"، كَانَ صَحِيح الحَدِيث مكثراً. - ٣ - الإِمَام اللَّيْث بن سعد، الْمُتَوفَّى سنة ١٧٥، عدّه كثير من أهل االعلم حنفياً، وَبِه جزم القَاضِي زَكَرِيَّا الْأنْصَارِيّ، فِي "شرح البُخَارِيّ". وَأخرج ابْن أبي الْعَوام بِسَنَدِهِ عَن اللَّيْث أَنه شهد مجْلِس أبي حنيفَة بِمَكَّة، وَقد سُئِلَ فِي ابْن يُزَوجهُ أَبوهُ بِصَرْف مَال كثير، فيطلقها، وَيَشْتَرِي لَهُ جَارِيَة، فيعتقها، فَأَوْصَى أَبُو حنيفَة السَّائِل أَن يَشْتَرِي لنَفسِهِ جَارِيَة تقع عَلَيْهِ عين الابْن، ثمَّ يُزَوّجهَا إِيَّاه، فَإِن طَلقهَا رجعت مَمْلُوكَة لَهُ، وَإِن أعْتقهَا لم يجز عتقه، قَالَ اللَّيْث: فوالله مَا أعجبني صَوَابه، كَمَا أعجبني سرعَة جَوَابه، وَكَانَ اللَّيْث من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين. - ٤ - الإِمَام الحاقظ الْقَاسِم بن معن المَسْعُودِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ١٧٥، كَانَ من أروى النَّاس للْحَدِيث وَالشعر، وأعلمهم بالفقه والعربية، وَكَانَ مُحَمَّد بن الْحسن يسْأَله عَن الْعَرَبيَّة، وَهُوَ من أجلِّ أَصْحَاب أبي حنيفَة، رَاجع "طَبَقَات الْحفاظ" - للذهبي، و"الْجَوَاهِر المضيئة": لِلْحَافِظِ الْقرشِي. - ٥ - الإِمَام أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم القَاضِي، ذكره الذَّهَبِيّ فِي "طَبَقَات الْحفاظ"، وَترْجم لَهُ فِي جُزْء، وَقَالَ ابْن جرير: كَانَ فَقِيها، عَالما، حَافِظًا، وَكَانَ يعرف بِحِفْظ الحَدِيث، كَانَ يحضر الْمُحدث، فيحفظ خمسين وَسِتِّينَ حَدِيثا، ثمَّ يقوم فيمليها عَلَى النَّاس، وَكَانَ كثير الحَدِيث، اهـ. وَوَصفه بِالْحِفْظِ الْبَالِغ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "أَخْبَار الْحفاظ". وَابْن حبَان قبله فِي "كتاب الثِّقَات" - لَهُ توفّي سنة ١٨٢، "وَكتاب الأمالي" - لَهُ وَحده، يُقَال: إِنَّه فِي ثَلَاثمِائَة جُزْء، وَفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة. - ٦ - يَحْيَى ابْن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة، الْحَافِظ الثبت الْفَقِيه، الْمُتَوفَّى سنة ١٨٢، كَانَ من أجلِّ أَصْحَاب أبي حنيفَة، تَرْجَمته فِي "طَبَقَات الْحفاظ" - للذهبي، "والجواهر المضيئة". - ٧ - عبد الله بن الْمُبَارك، الْمُتَوفَّى سنة ١٨١، كتبه تحتوي عَلَى نَحْو عشْرين ألف حَدِيث، وَكَانَ ابْن الْمهْدي يفضله عَلَى الثَّوْريّ، قَالَ يَحْيَى بن آدم: إِذا طلبت الدَّقِيق من السَّائِل، فَلم أَجِدهُ فِي كتب ابْن الْمُبَارك، أَيِست مِنْهُ اهـ.، وَهُوَ من أخص أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَقد قوَّله بعض الروَاة، مَا لم يقلهُ فِي حق أبي حنيفَة، كَمَا فعلوا مثل ذَلِك، فِي كثير من الْعلمَاء سواهُ. - ٨ - الإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ١٨٩ كَانَ كثير الحَدِيث، تَرْجَمته فِي "بُلُوغ الْأَمَانِي". و"الْآثَار" - و"الْمُوَطَّأ"، و"الْحجَّة عَلَى أهل الْمَدِينَة"، مِمَّا يقْضِي لَهُ بالبراعة فِي الحَدِيث، رغم أنوف الْجَاهِلين، بمقداره الْعَظِيم. - ٩ - حَفْص بن غياث القَاضِي، كتبُوا عَنهُ أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث من حفظه، توفّي سنة ١٩٤، رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ١٠ - وَكِيع بن الْجراح، الْمُتَوفَّى سنة ١٩٧، قَالَ الذَّهَبِيّ: كَانَ يُفْتِي بقول أبي حنيفَة، قَالَ أَحْمد: عَلَيْكُم بمصنفات وَكِيع. - ١١ - يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان الْبَصْرِيّ، إِمَام الْجرْح وَالتَّعْدِيل، الْمُتَوفَّى سنة ١٩٨، قَالَ الذَّهَبِيّ: كَانَ يُفْتِي بِرَأْي أبي حنيفَة. رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ١٢ - الْحَافِظ الْقدْوَة الْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي، الْمُتَوفَّى سنة ٢٠٤، كَانَ عِنْده نَحْو اثْنَي عشر ألف حَدِيث من ابْن جريح، مِمَّا لَا يسمع الْفَقِيه جَهله، وَقَالَ يَحْيَى بن آدم: مَا رَأَيْت أفقه مِنْهُ، وتقولات بعض الروَاة فِيهِ، كتقولهم فِي الإِمَام نَفسه، رَاجع "الْجَوَاهِر". - ١٣ - الْحَافِظ مُعلى بن مَنْصُور الرَّازِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٢١١، جمع بَين الْإِمَامَة فِي الْفِقْه والْحَدِيث. رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ١٤ - الْحَافِظ عبد الله بن دَاوُد الْخُرَيْبِي، الْمُتَوفَّى سنة ٢١٣، إِمَام قدوة فِي الْفِقْه والْحَدِيث، رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ١٥ - أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ عبد الله بن يزِيد الْكُوفِي، الْمُتَوفَّى سنة ٢١٣، من المكثرين عَن أبي حنيفَة، رَاجع "الطَّبَقَات". - ١٦ - أَسد بن الْفُرَات القيرواني، الْمُتَوفَّى سنة ٢١٣، مِمَّن جمع بَين الطَّرِيقَة العراقية، والحجازية فِي الْفِقْه، والْحَدِيث. - ١٧ - مكي بن إِبْرَاهِيم الْحَنْظَلِي، شيخ خُرَاسَان، الْمُتَوفَّى سنة ٢١٥، من المكثرين عَن أبي حنيفَة، رَاجع "الطَّبَقَات". - ١٨ - أَبُو نعيم فضل بن دُكَيْن، الْمُتَوفَّى سنة ٢١٩، من المكثرين عَن أبي حنيفَة، رَاجع "الطَّبَقَات". - ١٩ - الإِمَام عِيسَى بن أبان الْبَصْرِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٢٢١، "كتاب الْحجَج الْكَبِير" - لَهُ، و"كتاب الْحجَج الصَّغِير" - لَهُ، مِمَّا يشْهد لَهُ بالبراعة فِي الحَدِيث، رَاجع - "الصيمرمي"، و"ابْن أبي الْعَوام"، و"الْجَوَاهِر". - ٢٠ - الْحَافِظ الثبت عَلّي بن الْجَعْد، الْمُتَوفَّى سنة ٢٣٠، إِمَام جليل فِي الْفِقْه والْحَدِيث، والجعديات لَهُ من أقدم الْكتب المحفوظة بدار الْكتب المصرية، رَاجع "الطَّبَقَات"، والجواهر.

стр. 2011

- ٢١ - يَحْيَى بن معِين إِمَام الْجرْح وَالتَّعْدِيل، الْمُتَوفَّى سنة ٢٣٣، سمع "الْجَامِع الصَّغِير" من مُحَمَّد بن الْحسن، وتفقه عَلَيْهِ، وَسمع الحَدِيث من أبي يُوسُف، وَفِي "عُيُون التواريخ": كَانَ ابْن الْمَدِينِيّ، وَأحمد، وَابْن أبي شيبَة، وَإِسْحَاق يتأدبون مَعَه، ويعرفون لَهُ فَضله، ورث من أَبِيه ألف ألف دِرْهَم، فأنفقها جَمِيعًا عَلَى الحَدِيث، وَكتب بِيَدِهِ سِتّمائَة ألف حَدِيث. وَقَالَ أَحْمد: كل حَدِيث لَا يعرفهُ يَحْيَى فَلَيْسَ بِحَدِيث، وَرَأَيْت تَارِيخه - رِوَايَة الدوري - فِي ظاهرية دمشق، وتختلف الرِّوَايَات عَنهُ فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، ويعده الذَّهَبِيّ، حنفياً، صُلْباً فِي جزئه الَّذِي أَلفه فِي الَّذين تكلم فيهم من الثِّقَات، بل متعصباً لأهل مذْهبه، وَمَعَ ذَلِك ترَى بعض الروَاة لَا يَأْبَى أَن يقوّله (١) كَلِمَات قاسية فِي كثير من أَصْحَاب أبي حنيفَة، ولله فِي خلقه شؤون. - ٢٢ - مُحَمَّد بن سَمَّاعَة التَّمِيمِي، الْمُتَوفَّى سنة ٢٣٣، وَفِي "عُيُون التواريخ": وَهُوَ من الْحفاظ الثِّقَات، صَاحب اختيارات فِي الْمَذْهَب، وَرِوَايَات، وَله مصنفات. قَالَ ابْن معِين: لَو كَانَ أهل الحَدِيث يصدقون كَمَا يصدق ابْن سَمَّاعَة فِي الرَّأْي، لكانوا فِيهِ عَلَى نِهَايَة، رَاجع "الْجَوَاهِر". - ٢٣ - الْحَافِظ الْكَبِير إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الْبَلْخِي الْبَاهِلِيّ الماكياني، الْمُتَوفَّى سنة ٢٣٩، كَانَ مقاطعاً لقتيبة بن سعيد، لِأَنَّهُ آذاه عِنْد مَالك، فَقَالَ: هَذَا مرجئ، فأقامه من مَجْلِسه، وَمَا سمع من مَالك غير حَدِيث وَاحِد، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ، وَفِي ذَلِك عِبْرَة، رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ٢٤ - أَبُو اللَّيْث الْحَافِظ عبد الله بن سُرَيج بن حجر البُخَارِيّ، الْمُتَوفَّى فِي حُدُود سنة ٢٥٨، هُوَ من أَصْحَاب أبي حَفْص الْكَبِير البُخَارِيّ، كَانَ يحفظ عشرَة آلَاف حَدِيث، وَكَانَ عَبْدَانِ يجله، ذكره غُنْجَار فِي "تَارِيخ بُخَارَى"، وَلم يذكر وَفَاته، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٢٥ - الإِمَام مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي، الْمُتَوفَّى سنة ٢٦٦، وَهُوَ ساجد فِي صَلَاة الْعَصْر، وَقَالَ الْمُوفق الْمَكِّيّ: إِنَّه ذكر فِي تصانيفه نيِّفاً وَسبعين ألف حَدِيث، وَله "الْمَنَاسِك" فِي نيِّف وَسِتِّينَ جزءٍ، وَله "تَصْحِيح الْآثَار" كَبِير جدا، وَله "الرَّد عَلَى المشبهة"، وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي "النبلاء": كَانَ من بحور الْعلم اهـ، تكلم فِيهِ بعض الروَاة بتعصب، رَاجع تَرْجَمته فِي "فهرست ابْن النديم" و"الْجَوَاهِر المضيئة"، وَفِيمَا كتبناه عَلَى تَبْيِين كذب المفتري، وتكملة الرَّد عَلَى - نونية - ابْن الْقيم. - ٢٦ - الْفَقِيه الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى البرتي، الْمُتَوفَّى سنة ٢٨٠، تفقه عَلَى أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني، وَكَانَ يُجِله إِسْمَاعِيل القَاضِي، وَله - مُسْند أبي هُرَيْرَة -. رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ٢٧ - أَبُو الْفضل عبيد الله بن وَاصل البُخَارِيّ، الْمُتَوفَّى شَهِيدا سنة ٢٨٢، وَهُوَ مُحدث بخاري، وَأخذ عَنهُ الْحَارِثِيّ، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٢٨ - الْحَافِظ إِبْرَاهِيم بن معقل النَّسَفِيّ، مصتف "الْمسند الْكَبِير" - وَا"لتفسير "، الْمُتَوفَّى سنة ٢٩٥، حدث الصَّحِيح عَن البُخَارِيّ، قَالَ المستغفري: كَانَ فَقِيها، حَافِظًا، بَصيرًا باخْتلَاف الْعلمَاء، عفيفاً، صيناً، رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ٢٩ - أَبُو يعْلى أَحْمد بن عَلّي بن الْمثنى الْموصِلِي، صَاحب "الْمسند الْكَبِير". و"المعجم"، الْمُتَوفَّى سنة ٣٠٧، أَخذ عَن عليّ بن الْجَعْد وطبقته، قَالَ أَبُو عَلّي الْحَافِظ: لَو لم يشْتَغل أَبُو يعْلى بكتب أبي يُوسُف عَلَى بشر بن الْوَلِيد، لأدرك بِالْبَصْرَةِ سُلَيْمَان بن حَرْب، وَأَبا دَاوُد الطَّيَالِسِيّ، وَهَذَا مِمَّا يدل عَلَى أَن كتب أبي يُوسُف بِكَثْرَة بَالِغَة، وَلَوْلَا ذَلِك لما حَال سَماع كتبه، دون علو سَنَد أبي يعْلى، مَعَ تسرع الْمُحدثين فِي السماع، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٣٠ - الْحَافِظ أَبُو بشر الدولابي مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَمَّاد، الْمُتَوفَّى سنة ٣١٠، وَهُوَ مؤلف "الكنى". وَغَيره من الْكتب الممتعة، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تكلمُوا فِيهِ، مَا تبين من أمره إِلَّا خير. فَقَوْل ابْن عدي: ابْن حَمَّاد مُتَّهم فِي نعيم، إِسْرَاف فِي القَوْل، كَمَا هُوَ شَأْنه، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٣١ - الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد الطَّحَاوِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٣٢١، فِي غَايَة من الاتساع فِي الْحِفْظ، وَمَعْرِفَة الرِّجَال، وَالْفِقْه، توسع الْبَدْر الْعَيْنِيّ فِي تَرْجَمته فِي رجال مَعَاني الْآثَار، وشيوخ الطَّحَاوِيّ الثَّلَاثَة: (ا) - بكار بن قُتَيْبَة (ب) - وَابْن أبي عمرَان (ج) - وَأَبُو حَازِم، كلهم من كبار حفاظ الحَدِيث. - ٣٢ - الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي الْعَوام، السَّعْدِيّ، الْمُتَوفَّى فِي حُدُود سنة ٣٣٥، لَهُ ذكر فِي"طَبَقَات الذَّهَبِيّ - فِي تَرْجَمَة النَّسَائِيّ"، والطَّحَاوِي، وَأبي بشر الدولابي، وَكتابه فِي فَضَائِل أبي حنيفَة، فِي مُجَلد ضخم، و - مُسْند أبي حنيفَة -، لَهُ، من أهم المسانيد السَّبْعَة عشر، وحفيده مترجم فِي "قُضَاة مصر"، و"الْجَوَاهِر". - ٣٣ - الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْحَارِثِيّ البُخَارِيّ، الْمُتَوفَّى سنة.٣٤، لَهُ مَنَاقِب أبي حنيفَة، وَله مُسْند أبي حنيفَة أَيْضا أَكثر فِيهِ جدا من سَوْق طرق الحَدِيث، وَقد أَكثر ابْن مندة الرِّوَايَة عَنهُ، وَكَانَ حسن الرَّأْي فِيهِ، وَقد تكلم فِيهِ أنَاس بتعصب، وَأكْثر مَا يرمونه بِهِ إكثاره من الرِّوَايَة عَن النجيرمي، أباء بن جَعْفَر، فِي مُسْند أبي حنيفَة، وَلم ينتبهوا إِلَى أَن رِوَايَته عَنهُ لَيْسَ فِي أَحَادِيث ينْفَرد هُوَ بهَا، بل فِيمَا لَهُ مشارك فِيهِ، كَمَا فعل مثل ذَلِك التِّرْمِذِيّ فِي مُحَمَّد بن سعيد المصلوب، والكلبي، لَكِن قَاتل الله التعصب، يُعمي ويُصم. رَاجع "الْجَوَاهِر"، و" تَعْجِيل الْمَنْفَعَة".

стр. 2012

- ٣٤ - الْحَافِظ أَبُو الْحُسَيْن عبد الْبَاقِي بن قَانِع القَاضِي، صَاحب التصانيف، الْمُتَوفَّى سنة ٣٥١، قَالَ الْخَطِيب: عَامَّة شُيُوخنَا يوثقونه. قَالَ الْحسن بن الْفُرَات: حدث بِهِ بِهِ اخْتِلَاط قبل وَفَاته بِسنتَيْنِ. - ٣٥ - الْحَافِظ الإِمَام أَبُو بكر أَحْمد بن عَلّي الرَّازِيّ الْجَصَّاص، الْمُتَوفَّى سنة ٣٧٠، كَانَ إِمَامًا فِي الْأُصُول، وَالْفِقْه، والْحَدِيث. كَانَ جيد الاستحضار لأحاديث أبي دَاوُد، وَابْن أبي شيبَة وَعبد الرَّزَّاق، وَالطَّيَالِسِي: يَسُوق بِسَنَدِهِ مَا شَاءَ مِنْهَا فِي أَي مَوضِع شَاءَ، وَكتابه "الْفُصُول فِي الْأُصُول" وشروحه عَلَى مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ، وَالْجَامِع الْكَبِير، وَكتابه فِي "أَحْكَام الْقُرْآن" مِمَّا يقْضِي لَهُ بالبراعة الَّتِي لَا تلْحق، وَقُوَّة مَعْرفَته بِالرِّجَالِ تظهر من كَلَامه فِي أَدِلَّة الْخلاف. - ٣٦ - الْحَافِظ مُحَمَّد بن المظفر بن مُوسَى الْبَغْدَادِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٣٧٩، وَهُوَ مؤلف مُسْند أبي حنيفَة، وَكَانَ الدَّارَقُطْنِيّ يُجِله، وَهُوَ من أَعْيَان الْحفاظ، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٣٧ - الْحَافِظ أَبُو نصر أَحْمد بن مُحَمَّد الكلاباذي، الْمُتَوفَّى سنة ٣٧٨، مؤلف رجال البُخَارِيّ، وَكَانَ الدَّارَقُطْنِيّ يرْضَى فهمه، وَهُوَ كَانَ أحفظ من كَانَ بِمَا وَرَاء النَّهر فِي زَمَانه، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٣٨ - أَبُو حَامِد أَحْمد بن الْحُسَيْن الْمروزِي، الْمَعْرُوف بِابْن الطَّبَرِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٣٦٧، كَانَ متقناً فِي الحَدِيث وَالرِّوَايَة، رَاجع "الْجَوَاهِر". - ٣٩ - الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم طَلْحَة بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمعدل الْبَغْدَادِيّ، صَاحب مُسْند أبي حنيفَة، الْمُتَوفَّى سنة ٣٨٠. - ٤٠ - الْحَافِظ أَبُو الْفضل السُّلَيْمَانِي أَحْمد بن عَلّي البيكندي، شيخ مَا وَرَاء النَّهر، الْمُتَوفَّى سنة ٤٠٤، وَعنهُ أَخذ جَعْفَر المستغفري، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٤١ - غُنْجَار الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد االبخاري، الْمُتَوفَّى سنة ٤١٢، صَاحب تَارِيخ بُخَارَى. رَاجع "الطَّبَقَات". - ٤٢ - الْحَافِظ أَبُو الْعَبَّاس جَعْفَر بن مُحَمَّد المستغفري، صَاحب المصنفات، الْمُتَوفَّى سنة ٤٣٢، رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ٤٣ - الْحَافِظ أَبُو سعد السمان إِسْمَاعِيل بن عَلّي بن زَنْجوَيْه الرَّازِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٤٤٥، كَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث، وَالرِّجَال، وَفقه أبي حنيفَة، عَلَى بدعته، رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ٤٤ - الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عبيد الله بن عبد الله النَّيْسَابُورِي الْحَاكِم، الْمُتَوفَّى سنة ٤٩٠، رَاجع "الطَّبَقَات"، و"الْجَوَاهِر". - ٤٥ - الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد السَّمرقَنْدِي، الْمُتَوفَّى سنة ٤٩١، تخرج بالمستغفري، قَالَ أَبُو سسعد: لم يكن فِي زَمَانه فِي فنه مثله فِي الشرق والغرب، لَهُ كتاب "بَحر الْأَسَانِيد، من صِحَاح المسانيد"، فِي ثَمَانمِائَة جُزْء، جمع فِيهِ مائَة ألف حَدِيث، وَلَو رتب وهذب، لم يَقع فِي الْإِسْلَام مثله، رَاجع "الطَّبَقَات". - ٤٦ - مُسْند هراة نصر بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الزَّاهِد بَقِيَّة المسندين، الْمُتَوفَّى سنة ٥١٠. - ٤٧ - مُسْند سَمَرْقَنْد إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التنوخي النَّسَفِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٥١٨. - ٤٨ - الْمُحدث أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن خسرو الْبَلْخِي، صَاحب "مُسْند أبي حنيفَة". الْمُتَوفَّى سنة ٥٢٢، يَأْخُذهُ ابْن حجر بروايته الْمسند لقَاضِي المارستان، قَائِلا: إِنَّه لَا مُسْند لَهُ، لَكِن تِلْمِيذه السخاوي يرويهِ عَن التدمري عَن الْمَيْدُومِيُّ عَن النجيب عَن ابْن الْجَوْزِيّ عَن الْجَامِع قَاضِي المارستان، فَبِهَذَا ظهر تهور ابْن حجر. - ٤٩ - الْحَافِظ أَبُو حَفْص ضِيَاء الدِّين عمر بن بدر بن سعيد الْموصِلِي، الْمُتَوفَّى سنة ٦٢٢. - ٥٠ - أَبُو الْفَضَائِل الْحسن بن مُحَمَّد الصغاني، الْمُتَوفَّى سنة ٦٥٠، كَانَ إِمَامًا فِي اللُّغَة، وَالْفِقْه، والْحَدِيث. لَهُ "الْعباب"، و"الحكم"، و"مَشَارِق الْأَنْوَار". - ٥١ - الْمُحدث الجوال أَبُو مُحَمَّد عبد الْخَالِق بن أَسد الدِّمَشْقِي، صَاحب المعجم، الْمُتَوفَّى سنة ٥٦٤. - ٥٢ - مُسْند الشَّام تَاج الدِّين أَبُو الْيمن زيد بن الْحسن الْكِنْدِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٦١٣. - ٥٣ - الإِمَام الْمسند أَبُو عَلّي الْحسن بن الْمُبَارك الزبيدِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٦٢٩. - ٥٤ - الإِمَام الْمُحدث الْجمال أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الظَّاهِرِيّ، الْمُتَوفَّى سنة ٦٩٦، خرج مشيخة للفخر البُخَارِيّ فِي خَمْسَة أَجزَاء. رَاجع "الطَّبَقَات"، و "الْجَوَاهِر". - ٥٥ - الْمُحدث أَبُو مُحَمَّد عَلّي بن زَكَرِيَّا بن مَسْعُود الْأنْصَارِيّ المنبجي، مؤلف "اللّبَاب - فِي الْجمع بَين السّنة وَالْكتاب"، وشارح آثَار الطَّحَاوِيّ، الْمُتَوفَّى فِي حُدُود سنة ٦٩٨، وَابْنه مُحَمَّد مَذْكُور فِي "الْجَوَاهِر المضيئة"، و"الدُّرَر الكامنة". - ٥٦ - الشَّمْس السرُوجِي أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْغَنِيّ شَارِح الْهِدَايَة، الْمُتَوفَّى سنة ٧٠١.

стр. 2013

- ٥٧ - عَلَاء الديِّن عَلّي بن بلبان الْفَارِسِي، شَارِح تَلْخِيص الخلاطي، ومؤلف الْإِحْسَان فِي تَرْتِيب صَحِيح ابْن حبَان، توفّي سنة ٧٣١. - ٥٨ - الْمُحدث الْكَبِير ابْن المهندس مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن غَنَائِم، الشُّرُوطِي، الْمُتَوفَّى سنة ٧٣٣. - ٥٩ - الْحَافِظ قطب الدِّين عبد الْكَرِيم بن عبد النُّور الْحلَبِي، شَارِح البُخَارِيّ فِي عشْرين مجلداً، ومؤلف - الاهتمام بتلخيص الْإِلْمَام -، و - الْقدح الْمُعَلَّى فِي الْكَلَام، عَلَى بعض أَحَادِيث الْمُحَلَّى -، توفّي سنة ٧٣٥، رَاجع ذيل الْحُسَيْنِي عَلَى "الطَّبَقَات". - ٥٠ - الْحَافِظ أَمِين الدَّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الواني، الْمُتَوفَّى سنة ٧٣٥، رَاجع "ذيل السُّيُوطِيّ". - ٥١ - الْحَافِظ الشَّمْس السرُوجِي مُحَمَّد بن عَلّي بن أيبك، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤٤، رَاجع الذيول. - ٥٢ - الْحَافِظ عَلَاء الدِّين عَلّي بن عُثْمَان المارديني، مؤلف "الْجَوْهَر النقي"، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤٩، بِهِ تخرج الْجمال الزَّيْلَعِيّ، والزين الْعِرَاقِيّ، وَعبد الْقَادِر الْقرشِي، رَاجع الذيول. - ٥٣ - الْحَافِظ ابْن الواني عبد الله بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم، الْمُتَوفَّى سنة ٧٤٩، رَاجع "الْحُسَيْنِي". - ٥٤ - الْحَافِظ جمال الدَّين عبد الله بن يُوسُف الزَّيْلَعِيّ، مؤلف "نصب الرَّايَة"، الْمُتَوفَّى سنة ٧٦٢. - ٥٥ - الْحَافِظ عَلَاء الدَّين مغلطاوي البكجري، الْمُتَوفَّى سنة ٧٦٢، رَاجع "ذيل ابْن فَهد". - ٥٦ - الْحَافِظ عبد الْقَادِر الْقرشِي، الْمُتَوفَّى سنة ٧٧٥، رَاجع الذيول. - ٥٧ - الْمجد إِسْمَاعِيل البلبيسي صَاحب - مُخْتَصر أَنْسَاب الرشاطي -، الْمُتَوفَّى سنة ٨٠٢. - ٥٨ - الْعَلامَة جمال الدَّين يُوسُف بن مُوسَى الْمَلْطِي، صَاحب "المعتصر"، الْمُتَوفَّى سنة ٨٠٣ هـ. - ٥٩ - الْعَلامَة شمس الدَّين مُحَمَّد بن عبد الله الديري، مؤلف "الْمسَائِل الشَّرِيفَة فِي أَدِلَّة مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة"، الْمُتَوفَّى سنة ٨٢٧. - ٧٠ - الْمُحدث أَبُو الْفَتْح أَحْمد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد الكلوتاي، الْكرْمَانِي، الْمُتَوفَّى سنة ٨٣٥، مكثر جدا من رِوَايَة الْكتب الْكِبَار، وسماعها، وإسماعها، رَاجع "الضَّوْء اللامع". - ٧١ - الْمُحدث عز الدَّين عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن الْفُرَات، الْمُتَوفَّى سنة ٨٥١، من الْمُحدثين المكثرين، أَصْحَاب الْأَسَانِيد الْعَالِيَة، رَاجع "الضَّوْء اللامع". - ٧٢ - الْحَافِظ الْبَدْر الْعَيْنِيّ مَحْمُود بن أَحْمد، الْمُتَوفَّى سنة ٨٥٥، تَرْجَمته تَرْجَمَة وَاسِعَة، فِي أول "عُمْدَة الْقَارِي" - من الطبعة المنيرية. - ٧٣ - كَمَال الديِّن بن الْهمام مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد صَاحب "فتح الْقَدِير"، الْمُتَوفَّى سنة ٨٦١. - ٧٤ - سعد الدَّين بن الشَّمْس الديري صَاحب "تَكْمِلَة شرح الهدداية" - للسروجي، الْمُتَوفَّى سنة ٧٦٨ هـ. - ٧٥ - تَقِيّ الدَّين أَحْمد بن مُحَمَّد الشمني، الْمُتَوفَّى سنة ٨٧٢، شَرحه عَلَى "الْوِقَايَة" الْمُسَمَّى - بِكَمَال الدِّرَايَة - يدل عَلَى يَده الْبَيْضَاء فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام. - ٧٦ - الْحَافِظ الْعَلامَة، قَاسم بن قطلوبغا، الْمُتَوفَّى سنة ٨٧٩، تَخْرِيجه لأحاديث "الِاخْتِيَار". ولأحاديث "أصُول البزودي". وَسَائِر مَا أَلفه فِي الحَدِيث وَالْفِقْه، تدل عَلَى عظم شَأْنه فِي الحَدِيث، وَالْفِقْه. رَاجع "الضَّوْء اللامع". - ٧٧ - شمس الدِّين مُحَمَّد بن عَلّي، الْمَعْرُوف بِابْن طولون الدِّمَشْقِي، الْمُتَوفَّى سنة ٩٥٣، هُوَ من المكثرين فِي الحَدِيث وَالْفِقْه، لَهُ من المؤلفات مَا يُقَارب خَمْسمِائَة مؤلف. - ٧٨ - عَلّي المتقي بن حسام الدَّين الْهِنْدِيّ، صَاحب "كنز الْعمَّال" فِي - تَرْتِيب الْجَامِع الْكَبِير - للسيوطي، قَالَ أَبُو الْحسن السُّبْكِيّ: لَهُ منَّة عَلَى السُّيُوطِيّ، توفّي سنة ٩٧٥. - ٧٩ - ملك الْمُحدثين الشَّيْخ مُحَمَّد بن طَاهِر الفتني الكجراتي، مؤلف "مجمع الْبحار"، و"تذكرة الموضوعات"، و"الْمُغنِي"، وَغَيرهَا من المؤلفات الممتعة، فِي الحَدِيث وغريبه، توفّي سنة ٩٨٧ شَهِيدا. - ٨٠ - الْمُحدث عَلّي بن سُلْطَان مُحَمَّد الْقَارِي الْهَرَوِيّ الْمَكِّيّ، الْمُتَوفَّى سنة ١٠١٤، شَرحه عَلَى الْمشكاة، وَشَرحه عَلَى مُخْتَصر الْوِقَايَة، من الْكتب المهمة فِي أَحَادِيث الْأَحْكَام، تخرج عَلَى القطب النهروالي. وَعبد الله السندي. - ٨١ - الْمُحدث أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يُونُس الشلبي، الْمُتَوفَّى سنة ١٠٢٧. - ٨٢ - مُحدث الْهِنْد عبد الْحق بن سيف الدَّين الدهلوي، مؤلف - اللمعات شرح الْمشكاة - و - التِّبْيَان فِي أَدِلَّة مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة النُّعْمَان -، توفّي سنة ١٠٥٢، أَخذ عَن عبد الْوَهَّاب المتقي، تلميذ عَلّي المتقي، وَعَن عَلّي الْقَارِي، أَخذ عَنهُ مُحَمَّد حُسَيْن الخافي، وَعنهُ حسن العجيمي.

стр. 2014

- ٨٣ - الْمُحدث أَيُّوب بن أَحْمد بن أَيُّوب الخلوتي الدِّمَشْقِي، الْمُتَوفَّى سنة ١٠٧١. - ٨٤ - الْمُحدث حسن بن عَلّي العجيمي الْمَكِّيّ، الْمُتَوفَّى سنة ١١١٣، وأسانيد مروياته فِي "كِفَايَة المستطلع" فِي مجلدين. - ٨٥ - أَبُو الْحسن الْكَبِير، ابْن عبد الْهَادِي السندي، الْمُتَوفَّى سنة ١١٣٩، صَاحب "الْحَوَاشِي عَلَى الْأُصُول السِّتَّة"، و"مُسْند أَحْمد". - ٨٦ - الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ بن إِسْمَاعِيل النابلسي، مؤلف "ذخائر الْمَوَارِيث - فِي أَطْرَاف الْأُصُول السَّبْعَة"، الْمُتَوفَّى سنة ١١٤٣. - ٨٧ - الْمُحدث مُحَمَّد بن أَحْمد عقيلة، الْمَكِّيّ الْمُتَوفَّى سنة ١١٥٠، لَهُ "المسلسلات - وعدة أثبات - والدر المنظوم - فِي خمس مجلدات - فِي تَفْسِير الْقُرْآن بالمأثور - وَالزِّيَادَة وَالْإِحْسَان فِي عُلُوم الْقُرْآن"، هذب بِهِ "الإتقان"، وَزَاد كثيرا من عُلُوم الْقُرْآن، وغالب مؤلفاته فِي مكتبة عَلّي باشا الْحَكِيم، باصطنبول، أَخذ عَن العجيمي، وَغَيره. - ٨٨ - الشَّيْخ عبد الله بن مُحَمَّد الأماسي، شرح البُخَارِيّ، وَسَماهُ: "نجاح الْقَارِي - فِي شرح البُخَارِيّ" فِي ثَلَاثِينَ مجلداً، وَشرح - صَحِيح مُسلم - فِي سبع مجلدات، وَسَماهُ: "عناية الْمُنعم بشرح صَحِيح مُسلم"، بلغ فِيهِ إِلَى شطر مُسلم، الْمُتَوفَّى سنة ١١٦٧. - ٨٩ - مُحَمَّد بن الْحسن الْمَعْرُوف، بِابْن همات، مؤلف "تحفة الرَّاوِي - فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الْبَيْضَاوِيّ"، الْمُتَوفَّى سنة ١١٧٥. - ٩٠ - السَّيِّد مُحَمَّد المرتضى الزبيدِيّ، شَارِح "الْإِحْيَاء" ومؤلف "عُقُود الْجَوَاهِر المنيفة - فِي أَدِلَّة مَذْهَب الإِمَام أبي حنيفَة"، الْمُتَوفَّى سنة ١٢٠٥. - ٩١ - الْمُحدث الْفَقِيه مُحَمَّد هبة الله البعلي، مؤلف "حديقة الرياحين - فِي طَبَقَات مَشَايِخنَا المسندين". ومؤلف "التَّحْقِيق الباهر فِي شرح الْأَشْبَاه والنظائر" فِي خمس مجلدات ضخام، الْمُتَوفَّى سنة ١٢٢٤. - ٩٢ - صَاحب "رد الْمُحْتَار" الْعَلامَة مُحَمَّد أَمِين بن السَّيِّد عمر الْمَشْهُور "بِابْن عابدين"، الْمُتَوفَّى سنة ١٢٥٢، صَاحب المؤلفات الْمَشْهُورَة، وَأَسَانِيده ومروياته فِي ثبته الْمَشْهُور باسم "عُقُود اللآلي - فِي الْأَسَانِيد العوالي". - ٩٣ - الشَّيْخ مُحَمَّد عَابِد السندي صَاحب "حصر الشارد" و"طوالع الْأَنْوَار" - عَلَى الدّرّ الْمُخْتَار" فِي سِتَّة عشر مجلداً ضخماً، وشارح "مُسْند أبي حنيفَة" فِي مجلدات، سَمَّاهُ: "الْمَوَاهِب اللطيفة"، الْمُتَوفَّى سنة ١٢٥٧. - ٩٤ - الشَّيْخ عبد الْغَنِيّ المجددي، الْمُتَوفَّى سنة ١٢٩٦، أسانيده فِي "اليانع الجني". - ٩٥ - الشَّيْخ مُحَمَّد عبد الْحَيّ اللكنوي، أعلم أهل عصره بِأَحَادِيث الْأَحْكَام، الْمُتَوفَّى سنة ١٣٠٤، إِلَّا أَن لَهُ بعض آراء شَاذَّة، لَا تقبل فِي الْمَذْهَب، واستسلامه لكتب التجريح من غير أَن يتعرف دخائلها، لَا يكون مرضياً عِنْد من يعرف مَا هُنَاكَ.

стр. 2015

- ٩٦ - شيخ مَشَايِخنَا، الشَّيْخ الْمُحدث أَحْمد ضِيَاء الدَّين بن مصطفى الكمشخانوي، الْمُتَوفَّى سنة ١٣١١ ألَّف "راموز أَحَادِيث الرَّسُول" فِي مُجَلد ضخم، وَشَرحه "لوامع الْعُقُول" فِي خَمْسَة مجلدات، وَله نَحْو خمسين مؤلفاً سُوَى ذَلِك. وَفِي الْهِنْد عُلَمَاء بارعون فِي الحَدِيث من أهل الْمَذْهَب، لَا مجَال لاستقصائهم، كثَّر الله أمثالهم، وَهَذِه نبذة يسيرَة من محدثي الْحَنَفِيَّة، سردنا أسمائهم هُنَا، ليدل الْقَلِيل عَلَى الْكثير، ﵏ (١) .

стр. 2016

= ولصديقنا الأديب الْفَاضِل "مُحَمَّد يُوسُف الكاملفوري" صَاحب "تَكْمِلَة الْحَاشِيَة عَلَى تَخْرِيج الزَّيْلَعِيّ" "قصيدة رائعة فِي ذكر أكَابِر الْمُحدثين فِي الْهِنْد، فِي غابرها وحاضرها، وَلَا أرَى بَأْسا فِي سردها هُنَا، لتَكون بَصِيرَة عَلَى بعض مآثر محدثي الْهِنْد، لمن يُرِيد الْخِبْرَة بهَا، وَهِي هَذِه: (١) . فلق الصديع، وذرّ نور ذكاء ... وبدا محيّا الصُّبْح بعد مسَاء وَالْأَرْض مشرقة الربي مخضرّة ... تزهو برونق وَجههَا ورواء موشيّة الرَّوْض الأريض، كَأَنَّهَا ... خود جلت بمنصة علياء كَائِن بهَا من رَوْضَة أنف بهَا ... عين معِين، للهدى وعلاء تجْرِي ينابيع المعارف جمّة ... مِنْهَا كَمَا يجْرِي زلال المَاء لاسيما - كجرات - خطة. بهجة ... مهد الْعُلُوم، وملتقى الْفُضَلَاء كَانَت قَدِيما مهبطاً لأماثل ... ومحطة الْفُضَلَاء والحكماء من بَلْدَة حلّ الحَدِيث تمائماً ... فِيهَا، وشب شبيبة بنماء مَرْفُوعَة آيَاته، منشورة ... راياته بِالْعِزَّةِ القعساء وحوت رجال الْعلم أيّ رِجَاله، ... أَعْلَام دين الله ذِي النعماء غرّ الْوُجُوه، كَرِيمَة أحسابهم، ... شم الأنوف، ذَوي سَناً وسناء [أَهلا وسهلاً بالذين أودّهم ... وأحبّهم فِي الله ذِي الآلاء:] مِنْهُم عَلّي بن الحسام المتقي ... متفيهق بِالْعلمِ، كالداماء أَبْقَى عَلَى الْأَيَّام كنزاً غالياً، ... للعاملين، كدَّرة بَيْضَاء عِنْد الصبيحة يحمد الْقَوْم السرى ... من بهجة الغبراء والخضراء والطاهر الفتنىّ، رحْلَة عصره، ... ملىء الكُنَيْفُ بحكمة وبهاء وَالشَّيْخ عبد الْحق شَارِح سنة، ... فِي صَدره مِصْبَاح كل ضِيَاء لمعت عَلَى وَجه الدنا لمعاته، ... كَالشَّامَةِ السَّوْدَاء فِي الْحَمْرَاء أَحْيَا نفوسهمُ مآثر دارسا ... تٍ، (دراسات) قد عفت بِالْجَهْلِ والباساء [أَهلا بِقوم صالحين ذَوي التقَى، ... غرّ الْوُجُوه، وزين كل ملاء] طَابَ النسيم ولاحت الْأَنْوَار، ... من كَثْرَة الأزهار والأضواء طابت نُفُوسهم، فَعم فيوضهم ... غرر الزَّمَان، كشأمة الْحَسْنَاء فتنقّل الْأَيَّام بعد حياتهم، ... كتنقل الأظلال والأفياء والدهر ذُو دوَل، كريشة طَائِر، ... ظهرا عَلَى بطن بِكُل فضاء فتعطلت عَنْهُم مشَاهد حِكْمَة، ... ومشارق الْأَنْوَار بعد ضِيَاء ركدت نسائمهم، وغاضت أبحر، ... تركُوا الْأَنَام بليلة ليلاء صَاح الْغُرَاب، وَقد ترحل جيرة، ... فَأطَال فِي تِلْكَ الرسوم بُكَائِي فَمَضَى عَلَى هَذَا التعطل بُرْهَة، ... اذ جاش روح الله للإِحياء فَنَشَأَ ولي الله، عصرة عصره، ... بَحر الْحَقَائِق، فَارس العلياء هُوَ مُسْند الْوَقْت الأغرّ، محجّل، ... وَحَكِيم هذي الأمّة الشُّهَدَاء من بَيت علم، كَابِرًا عَن كَابر، ... بسيادة، ومجادة، ووفاء فَأَحبهُ أهل الزَّمَان، وَمثله، ... وضع الْقبُول لَهُ بِكُل سَمَاء وَقَفاهُ من أنجاله غر الوجو ... هـ، (الْوُجُوه) هم النُّجُوم بليلة طخياء عبد الْعَزِيز، الحبر، قدوة دهره، ... علم الْهدى، بالإِخوة النجباء وَالشَّيْخ إِسْمَاعِيل، ذَاك ذبيحنا، ... بَطل، ومقدام لَدَى الهيجاء نَالَ الشَّهَادَة من سَعَادَة جده، ... متهللاً مُتَبَسِّمًا برضاء [لَهُم المهابة، وَالْجَلالَة، والنهى، ... وفضائل جلّت عَن الإِحصاء] [يسعون فِي نشر الحَدِيث بعفَّة، ... وتوقر، وسكينة، وحياء] فَتَبَسَّمَ الأيّامُ من أنفاسهم، ... كتبسم الْأَنْوَار بالأنواء فازدانت الدُّنْيَا بأبهج زِينَة، ... عجبا من الصَّفْرَاء والحمراء

стр. 2017

مَا مِنْهُم، إِلَّا همام قد سما، ... كَالشَّمْسِ ترنوه برأد، ضحاء فتسلطت بِالْهِنْدِ، عبّاد الْمسـ ... ـيح، (الْمَسِيح) وَذَاكَ خطب مَاله بكفاء بلغ السُّيُول زبى الْأسود، وَدِيننَا ... أَضْحَى غَرِيبا، فَاقِد الْأَبْنَاء فتصعدت كلم الدُّعَاء إِلَى السما، ... وتنزلت بَرَكَات ذِي الْأَسْمَاء بعث الإِله، وسيبه من غيبه، الـ ... ـفاروق، (الْفَارُوق) بَين النُّور والظلماء هُوَ قَاسم الْخيرَات، والبركات، ... ولسان هذي الْملَّة الْبَيْضَاء وَصفيه، وخليله، ورفيقه ... الْمولى الرشيد، مجاب كل دُعَاء كَانَا شهابي كل أكفرعاند، ... أَو ملحد متعنّت عوّاء لدفاعه ونضاله وطراده، ... وطعانه، وضرابه، ورماء وتفرسا بفراسة من نوره ... إِن الضلال، سجا بِكُل فنَاء عزما عَلَى تأسيس جَامِعَة الْهدى، ... فِي ديوبند بعزمة حصداء لَا يَهْتَدِي للخير إِلَّا خير، ... وموفق، ذُو همة شمَّاء أَبقوا عَلَى وَجه الزَّمَان مآثراً، ... يفنى الزَّمَان، وَذكرهمْ بِبَقَاء إِذْ جاهدوا فِي الله حق جهاده، ... سسقياً ورعياً، مَا لَهُم ببواء فتعطر العَرف الشذي بأرضها، ... كتضوع الْأَنْوَار بالأنداء فتفجرت أنهارها بمشارق ... ومغارب بالسقي والإِرواء فتصدر الْمَحْمُود بعد مضائهم ... ركن الْهدى، كالصخرة الصماء نور الْعِبَادَة، لامع من وَجهه ... فِي كل حَال شدَّة ورخاء لم يخْش إِلَّا الله مُدَّة عمره، ... فِي كل شَأْن خَوفه ورجاء لم يلْتَفت نَحْو المطامع لفتة، ... فِي كل طور زعزع ورُخاء لم يدر إِلَّا الله عدّة صَحبه، ... هُوَ مُنْتَهى الإِسناد فِي الإِملاء لما دَعَاهُ الله، نَاب مَنَابه، ... الْمُفْرد الْعلم المنيف الشائي الشَّيْخ أنورنا، الرفيع مكانةً، ... شرقاً وغرباً، مُنْتَهى الأنحاء وَبَقِيَّة السّلف الْكِرَام، وَحجَّة ... لشيوخه الأمجاد والنبلاء شمس الْهدى، بدر الدجى، علم التقَى ... كَهْف الورى، هُوَ مأمن الغرباء ولواذهم، وعياذهم، ومآبهم ... خفض الْجنَاح لطارق أَو جائي مَيْمُون وَجه، ذُو الشَّمَائِل حلوة، ... ملقى الرّحال، وموسم الْفُضَلَاء زهداً وتقوى، سيرة وسريرة، ... شمس الْعُلُوم، توسطت بسماء من فيضه انْشَرَحَ الصُّدُور، وَفتحت ... عُمى الْعُيُون بِسنة وصفاء محيي لدين الله، سيف صارم ... للكفر والإِلحاد والإِرجاء علم من الْأَعْلَام، رحْلَة عصره، ... كالبدر يحلو حندس الظلماء إِذْ خيف أَن يَسْطُو عَلَى نور الْهدى ... كفر المبير، بغارة شعواء نبضت لَهُ عرق تذب عَن الْحمى ... فِي قطع تِلْكَ البقلة الحمقاء (١) قد كَانَ معْجزَة، بَقِيَّة أمة ... سلفت، وحاشانا من الإطراء فبقى عَلَى هَذَا يروي أمة، ... فِي الدَّهْر كل صباحه وَمَسَاء فَأَصَابَهُ نوب الزَّمَان وضيمه، ... وَكَذَا الْكِرَام دريئة لبلاء فانحاز عَنْهَا صَابِرًا، فِيمَا دها ... من شدَّة، وملمَّة عمياء فَدَعَاهُ أهل الْفضل من دابهيل للتـ ... ـحَدِيث، (للتحديث) والإخبار والإنباء إِذْ وفْق الله الْكِرَام لأمة ... تأسيس جَامِعَة، لريَّ ظلماء وغدوا عَلَى سنَن الْكِرَام، وقلد الـ ... ـأنباء (الأنباء) فِيهَا سنة الْآبَاء لبَّى مجيباً بالحبور نداءهم، ... للدّين لَا الدُّنْيَا، ونيل رقاء فَأَعَادَ للدّين المتين رواءه، ... وبهاؤه، وغضارة النعماء فَجَرَى عَلَى هَذَا النظام صَنِيعه، ... يسْقِي، ويشفي مُسْند الْإِمْلَاء فَدَعَاهُ روح الله فِي جناته، ... والبدر مفتقد لَدَى الظلماء فجزاه رب الْعَرْش أحسن مَا جزى ... للْعَالمين الصفوة الْعلمَاء فتصدر الشَّيْخ الشهير مفضل، ... شبير أَحْمد ذُو نَثَا، وثناء هُوَ صنوه، وَخَلِيفَة من بعده ... فِي مُسْند الْأَخْبَار والأنباء هُوَ ترجمان الْوَحْي حبر زَمَانه، ... وَلَدي الْبَيَان فكوكب الجوزاء ومفسر الْقُرْآن تَفْسِيرا بديـ ... ـعاً (بديعاً) رائقاً، بلطائف وبهاء [فمداد مَا يجْرِي بِهِ أقلامه ... أَزْكَى وَأطيب من دم الشُّهَدَاء] [يَا ناشري علم النَّبِي مُحَمَّد، ... مَا أَنْتُم وسواكم بِسَوَاء] يَا شارحي علم الحَدِيث وَسنة ... نلتم رضَا فِي جنَّة خضراء ولشيخنا الْمَحْمُود أَصْحَاب كبا ... رٌ، (كبار) كَالنُّجُومِ، ذَوي سنا وسناء كالشيخ مَوْلَانَا الرِّضَى، أشرف عَلَى ... خير الْعباد، وأسوة الصلحاء أوقاته، أنفاسه، حركاته، ... سكناته، للملة الْبَيْضَاء فِي الزّهْد وَالتَّقْوَى، فُضَيْل زَمَانه، ... وشقيقه الْمَعْرُوف ذُو العلياء مَلأ البسيطة حِكْمَة ومعارفاً، ... بالوعظ، والتصنيف، والإفتاء

стр. 2018

وَخَلِيفَة الْمَحْمُود خير رَفِيقه ... فِي السجْن، عِنْد الْبَأْس وَالضَّرَّاء مولَى الْكِرَام حُسَيْن أَحْمد ذُو التقَى، ... ملجى ومأوى النَّاس، عِنْد بلَاء شيخ الحَدِيث، ورحلة فِي وقته، ... رب المآثر قدوة الكملاء نور التقَى متهلل بجبينه، ... كَالشَّمْسِ ترنوه بِكُل مَرَائي الْمَاجِد الْمِقْدَام قَائِد أمة، ... ملك القيادة، سيد الزعماء وَالشَّيْخ مَوْلَانَا السمىّ كِفَايَة ... الله الشهير، وقائد الْعلمَاء مفتي ديار الْهِنْد، أوحد عصره ... تزهو بِهِ "دهلي" عَلَى الأنحاء متضلع بسياسة شَرْعِيَّة، ... ومعارف ملية وبهاء وَالْحَمْد لله الْمُوفق رَحْمَة، ... لتَمام نظم جيد الْإِنْشَاء يَا رب فَاغْفِر مَا اقترفت من الخطا، ... وأجب بِفَضْلِك مطلبي وَدُعَائِي عفوا، وعافية، وَرِزْقًا وَاسِعًا، ... علما نفوعاً، حِكْمَة بشفاء

стр. 2019

كلمة فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل - نجد فِي "الضُّعَفَاء" - للعقيلي، و"الْكَامِل" - لِابْنِ عدي، كلَاما كثيرا عَن هوى فِي سادتنا أَئِمَّة الْفِقْه، فَالْأول: لفساد معتقده عَلَى طَريقَة الحشوية. وَالثَّانِي: لتعصبه المذهبي عَن جهل، مَعَ سوء المعتقد، وَسَار من بعدهمَا سيرهما، إِمَّا جهلا، أَو تعصباً، وَلم يؤذ من سلك هَذَا المسلك إِلَّا نَفسه، وَلم يضع من شان أحد إِلَّا من شَأْن نَفسه، انْظُر قَول ابْن عدي فِي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي يَحْيَى الْأَسْلَمِيّ، شيخ الشَّافِعِي:"نظرت الْكثير من حَدِيثه فَلم أجد لَهُ حَدِيثا مُنْكرا" مَعَ أَنَّك تعلم أَقْوَال أهل النَّقْد فِيهِ، كأحمد. وَابْن حبَان، قَالَ الْعجلِيّ:" مدنِي، رَافِضِي، جهمي، قدري، لَا يكْتب حَدِيثه"، بل كذبه غير وَاحِد من النقاد، وَلَوْلَا أَن الشَّافِعِي كَانَ يكثر مِنْهُ، قدر إكثاره من مَالك، لما سَعَى ابْن عدي فِي تَقْوِيَة أمره، استناداً إِلَى قَول مثل ابْن عقدَة، وَلَا أَدْرِي كَيفَ ينْطَلق لِسَان ابْن عدي بالاستغناء عَن علم مثل مُحَمَّد بن الْحسن، وإمامه لم يسْتَغْن عَن علمه، بل بِهِ تخرج فِي الْفِقْه، لَكِن المتشبع بِمَا لَا يُعْط، يَسْتَغْنِي عَن علم كل عَالم، متغمغماً فِي جهلاته، غير نَاظر إِلَى مَا وَرَاءه وأمامه، وَهَكَذَا مَعَ سَائِر أَئِمَّتنَا كلهم، ألهمهم الله سُبْحَانَهُ مسامحته، وَمن معايب كَامِل ابْن عدي، طعنه فِي الرجل بِحَدِيث، مَعَ أَن آفته الرَّاوِي عَن الرجل، دون الرجل نَفسه، وَقد أقرّ بذلك الذَّهَبِيّ فِي مَوَاضِع من "الْمِيزَان"، وَمن هَذَا الْقَبِيل كَلَامه فِي أبي حنيفَة فِي مروياته الْبَالِغَة - عِنْد ابْن عدي - ثَلَاثمِائَة حَدِيث، وَإِنَّمَا تِلْكَ الْأَحَادِيث من رِوَايَة أباء بن جَعْفَر النجيرمي، وكل مَا فِي تِلْكَ الْأَحَادِيث من المؤاخذات كلهَا، بِالنّظرِ إِلَى هَذَا الرَّاوِي الَّذِي هُوَ من مَشَايِخ ابْن عدي، ويحاول ابْن عدي أَن يلصق مَا للنجيرمي إِلَى أبي حنيفَة مُبَاشرَة، وَهَذَا هُوَ الظُّلم والعدوان، وَهَكَذَا بَاقِي مؤاخذاته، وَطَرِيق فَضَح أَمْثَاله، النّظر فِي أسانيدهم. وَأما الْعقيلِيّ، فقد نقلنا كلمة الذَّهَبِيّ فِيهِ، فِي مُقَدّمَة انتقاد الْمُغنِي، وَسبق منا الْكَلَام فِيهِ أَيْضا. وَأما كتب البُخَارِيّ فِي الرِّجَال، فَلَيْسَ ثُبُوتهَا مِنْهُ، كثبوت الْجَامِع الصَّحِيح عَلَى أَن النّظر فِي أسانيدها هُوَ الطَّرِيق الوحيد، لتعرف دخائلها، فَإِذا رَأَيْته يروي عَن نعيم بن حَمَّاد، تذكر قَول الدولابي، وَأبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ فِيهِ، وَإِذا رَأَيْته يروي عَن الْحميدِي، تذكر كلمة مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم فِيهِ، وَإِذا وجدته يروي عَن إِسْمَاعِيل بن عرْعرة، تبحث عَنهُ فِي كتب الرِّجَال. مَعَ الانتباه إِلَى انْقِطَاع خبر الْحميدِي. وَخبر إِسْمَاعِيل، وَهَكَذَا تفعل فِي بَاقِي الْكتب، وَأما كتاب ابْن حبَان فِي الرِّجَال، فتنظر حَال مُؤَلفه فِي "مُعْجم الْبلدَانِ" - لياقوت فِي (بست)، وَقد قَالَ الذَّهَبِيّ عَن ابْن حبَان فِي "تَرْجَمَة أَيُّوب بن عبد السَّلَام - من الْمِيزَان": إِنَّه صَاحب تشنيع وتشغيب، وَلَا تنسى كلمة ابْن الْجَوْزِيّ - فِي مَنَاقِب أَحْمد - فِي ابْن الْمَدِينِيّ، وَأما عبد الرَّحْمَن بن مهْدي، فَكَانَ كثير الطعْن، كثير التراجع، قَالَ أَبُو طَالب الْمَكِّيّ فِي "قوت الْقُلُوب": كَانَ عبد الرَّحْمَن يُنكر الحَدِيث، ثمَّ يخرج بعد وَقت، فَيَقُول: هُوَ صَحِيح، وَقد وجدته، وَعَن ابْن أُخْته أَنه قَالَ: كَانَ خَالِي قد خطّ عَلَى أَحَادِيث، ثمَّ صحّح عَلَيْهَا بعد ذَلِك، وقرأتها عَلَيْهِ، فَقلت: قد كنت خططت عَلَيْهَا؟ فَقَالَ: نعم، ثمَّ تفكرت، فَإِذا أَنِّي إِذا ضعفتها أسقطت عَدَالَة ناقلها، وَإِن جَاءَنِي بَين يَدي الله تَعَالَى، وَقَالَ لي: لم أسقطت عدالتي؟ رَأَيْتنِي لم يكن لي حجَّة، رَاجع كلمة الْعجلِيّ فِي سُؤَالَات ابْنه، فِي "ابْن مهْدي"، وَأما الْخَطِيب، فتدرس أشعاره الَّتِي نقلهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي "السهْم الْمُصِيب" من خطه، ثمَّ مَا ذكره سبط ابْن الْجَوْزِيّ فِي "مرْآة الزَّمَان" بِشَأْنِهِ (١) حَتَّى تعلم قيمَة كَلَامه فِي الْجرْح. وَكتاب "الْجرْح وَالتَّعْدِيل" - لِابْنِ أبي حَاتِم، فَبعد أَن ترَى فِيهِ كَلَامه فِي البُخَارِيّ شيخ حفاظ الْأمة - تَركه أَبُو زرْعَة. وَأَبُو حَاتِم -، تعلم مبلغ تهوره، فتتروى فِي قبُول مَا يَقُوله من الجروح، وَفِي أَوَائِل مَا علقناه عَلَى شُرُوط الْأَئِمَّة فَوَائِد من الرامَهُرْمُزِي فِي هَذَا الصدد. قَالَ ابْن معِين: رُبمَا نتكلم فِي الرجل، وَقد حط رَحْله فِي دَار النَّعيم من زمن بعيد، وَكم اختلق إِبْرَاهِيم بن بشار الرَّمَادِي عَلَى لِسَان ابْن عُيَيْنَة من الرِّوَايَات؟، وَكم افتروا عَلَى مَالك فِي هَذَا الصدد؟، كَمَا يظْهر من كَلَام أبي الْوَلِيد الْبَاجِيّ فِي "الْمُنْتَقَى - شرح الْمُوَطَّأ" ص ٣٠٠ - ٧، وَقَالَ أَبُو الْحسن بن الْقطَّان. وَغَيره عَن السَّاجِي: مُخْتَلف فِي الحَدِيث، ضعفه قوم، وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ، بل ترَاهُ كثير الِانْفِرَاد بمناكير الْأَخْبَار عَن مَجَاهِيل، كَمَا تَجِد ذَلِك مِنْهُ بِكَثْرَة فِي تَارِيخ الْخَطِيب. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ فِي حَدِيث ذَكَاة الْجَنِين، عِنْد ذكره كلمة انْفَرد بهَا السَّاجِي: إِنَّه لَيْسَ بمأمون، وَلَا ثِقَة، فَلَا يكون كَلَامه فِي الْعِلَل وَالْخلاف مَوضِع تعويل أصلا. وتعصبه الْبَارِد مِمَّا لَا يُطَاق. وَمن تحامل عَلَى أَئِمَّتنَا، إِمَّا راو جامد، لَا ينتبه إِلَى دقة مدرك أَئِمَّتنَا فِي الْفِقْه، فيطعن فيهم بمخالفة الحَدِيث، وَهُوَ الْمُخَالف للْحَدِيث دونهم، أَو زائغ، صَاحب بِدعَة، يظنّ بهم أَنهم عَلَى ضلال، وَهُوَ الضال الْمِسْكِين. وَمن الطعون مَا يسْقط بِهِ الطاعن بِأول نظرة، حَيْثُ يكون كَلَامه ظَاهر المجازفة، فَإِذا رَأَيْته يَقُول مثلا: "فلَان مَا ولد بِالْإِسْلَامِ أشأم مِنْهُ" لاحظت أَنه لَا شُؤْم فِي الْإِسْلَام، وَإنَّهُ عَلَى تَسْلِيم وجوده فِي غير الثَّلَاث الْوَارِدَة فِي الحَدِيث، لَا تشك أَن دَرَجَات الشؤم تكون متصاعدة، فَالْحكم عَلَى شخص بِأَنَّهُ أشأم المشؤومين بِغَيْر نَص من الْمَعْصُوم، حكم غيبي يبرأ مِنْهُ أهل الدَّين، فَمثل هَذَا الْكَلَام يسْقط قَائِله عَلَى تَقْدِير ثُبُوته عَنهُ، قبل إِسْقَاط الْمَقُول فِيهِ، فمسكين جدا من يسجل مثل هَذَا الهراء فِي شَأْن الْأَئِمَّة القادة، وَأما الطعْن فِي الرجل بِاعْتِبَار أَنه لَيْسَ من بلد الطاعن، أَو لَيْسَ من قومه، أَو لَيْسَ عَلَى مذْهبه، فتعصب بَارِد، يأباه أهل الدَّين، قَالَ الشَّافِعِي فِي "الْأُم": من أبْغض الرجل، لِأَنَّهُ من بني فلَان، فَهُوَ متعصب، مَرْدُود الشَّهَادَة، قَالَ أَبُو طَالب فِي "قوت الْقُلُوب": وَقد يتَكَلَّم بعض الْحفاظ بالإقدام. والجرأة، فيتجاوز الْحَد فِي الْجرْح، وَيَتَعَدَّى فِي اللَّفْظ، وَيكون الْمُتَكَلّم فِيهِ أفضل مِنْهُ، وَعند الْعلمَاء بالله تَعَالَى أَعلَى دَرَجَة، فَيَعُود الْجرْح عَلَى الْجَارِح، اهـ. وَفِي: ص ٦٢ من - الِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ - لِابْنِ قُتَيْبَة مَا يكْشف النقاب عَن وُجُوه مجازفاتهم باسم الْجرْح وَالتَّعْدِيل، بعد محنة أَحْمد، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي "التلبيس": وَمن تلبيس إِبْلِيس عَلَى أَصْحَاب الحَدِيث، قدح بَعضهم فِي بعض، طلبا للتشفي، وَيخرجُونَ ذَلِك مخرج الْجرْح وَالتَّعْدِيل الَّذِي اسْتَعْملهُ قدماء هَذِه الْأمة، للذب عَن الشَّرْع، والله أعلم بالمقاصد، وَدَلِيل خبث هَؤُلَاءِ سكوتهم عَمَّن أخذُوا عَنهُ، اهـ. وَالْحَاصِل أَن كتب الْجرْح من أَمْثَال مَا سبق، وأمثال تَارِيخ ابْن أبي خثيمَةَ. وَكتاب "المدلسين" - للكرابيسي، لم تدع من لم تغمز فِيهِ، سَوَاء أَكَانَ من الْحفاظ، أم من الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء، بِحَيْثُ يجد مثل الصاحب بن عباد أكبر طعن فِي كبار الْحفاظ، وَأهل الحَدِيث فِي تِلْكَ الْكتب، ويؤلف فِي ذَلِك مؤلفاً خَاصّا، وَكَذَلِكَ يفعل بعض الفاتنين فِي أَئِمَّة الدِّين، فَلَا نود أَن نتوسع هُنَا فِي الْبَحْث بِأَكْثَرَ من هَذَا، وَمِمَّا يؤسف لَهُ جدا اسْتِمْرَار هَذَا التعصب الْمَرْدُود، عَلَى توالي الْقُرُون، وَهَذَا الْحَافِظ ابْن حجر، ترَاهُ يسند فِي "لِسَان الْمِيزَان - فِي تَرْجَمَة معمر بن شبيب بن شيبَة": أَنه سمع الْمَأْمُون يَقُول: "امتحنت الشَّافِعِي فِي كل شَيْء، فَوَجَدته كَامِلا، وَقد بقيت خصْلَة، وَهُوَ أَن أسقيه من النَّبِيذ، مَا يغلب عَلَى الرجل الْجيد الْعقل، قَالَ: فَحَدثني ثَابت الْخَادِم أَنه استدعى بِهِ، فَأعْطَاهُ رطلا، فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا شربته قطّ، فعزم عَلَيْهِ، فشربه، ثمَّ والى عَلَيْهِ عشْرين رطلا، فَمَا تغير عقله، وَلَا زَالَ عَن حجَّته" ثمَّ يَقُول ابْن حجر: قلت: لَا يخْفَى عَلَى من لَهُ أدنَى معرفَة بالتاريخ أَنَّهَا كذب، اهـ. ثمَّ تَجِد ابْن حجر يَقُول فِي "توالي التأسيس" ص ٥٦: "وَقَالَ معمر بن شبيب: يَقُول: سَمِعت الْمَأْمُون يَقُول: "امتحنت مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي فِي كل شَيْء فَوَجَدته كَامِلا". مُقْتَصرا عَلَى هَذَا الْقدر من الحَدِيث، مَعَ أَن الْحِكَايَة بأسرها مكذوبة، فَكيف استساغ ابْن حجر الِاحْتِجَاج بِشَطْر الْخَبَر المكذوب فِي إِثْبَات منقبة للشَّافِعِيّ، وَمَا ورد بِسَنَد وَاحِد، إِمَّا أَن يردَّ كُله، أَو يقبل كُله، وَمَا فعله ابْن حجر هُنَا هِيَ الْخِيَانَة بِعَينهَا، وَكم سجل عَلَيْهِ أبر أَصْحَابه إِلَيْهِ من تعصبات بَارِدَة ضد الْحَنَفِيَّة. وَغَيرهم فِي "الدُّرَر الكامنة"، رَاجع - هوامشها - المنقولة من خطّ السخاوي، وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بسط لسرد مَاله من هَذَا الْقَبِيل. وَمن هَذَا الْقَبِيل مَا قَالَه فِي "توالي التأسيس": ص ٤٧: وَيدل عَلَى اشتهاره فِي القدماء مَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن، اهـ، وَهُوَ يعلم أَن أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن هُوَ: ابْن الْجَارُود الرقي الْكذَّاب الْمَشْهُور، وَلَا عذر لَهُ فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ بطريقه، لِأَنَّهُ لَا يعلم أَنه لَا يَتَّقِي رِوَايَة رحْلَة الشَّافِعِي، الظَّاهِرَة الْكَذِب، بطرِيق أَحْمد بن مُوسَى النجار عَن عبد الله بن مُحَمَّد البلوي: كَمَا فعل مثل ذَلِك أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ، وهما يعرفان جَمِيعًا أَن البلوي كَذَّاب، والنجار مثله، لَكِن قَاتل الله التعصب، يفتك بالمتعصبين. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي "الْمِيزَان" عَن النجار هَذَا: حَيَوَان وَحشِي، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن سهل الْأمَوِي حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد البلوي، فَذكر محنة مكذوبة للشَّافِعِيّ، فضيحة لمن تدبرها، اهـ.، وَهِي الرحلة الَّتِي كذبهَا ابْن حجر أَيْضا فِي "مَنَاقِب الشَّافِعِي": ص ٧١، وَمِمَّا يُؤَاخذ عَلَيْهِ ابْن حجر، ذكره الْبَلْوَى فِي عداد أَصْحَاب الشَّافِعِي، واصفاً لَهُ أَنه من الضُّعَفَاء فَقَط، مَعَ أَنه كَذَّاب مَشْهُور. وَفِي هَذَا الْقدر كِفَايَة فِيمَا نُرِيد لفت النّظر إِلَيْهِ هُنَا، وَصَلى الله عَلَى سيدنَا مُحَمَّد. وَآله، وَصَحبه، وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا، وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين فِي ٣ جُمَادَى الْآخِرَة سنة ١٣٥٧ هـ. ٣١ يولية سنة ١٩٣٨ م. كتبه الْفَقِير إِلَى آلآء مَوْلَاهُ، مُحَمَّد زاهد بن الْحسن بن عَلّي الكوثري، عَفا الله عَنْهُم، وَعَن مشايخهم، وقرابتهم، وَسَائِر الْمُسلمين.