Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.
стр. 10256
مَا تَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُ الْحُدُودِ:
أ - عَدَدُ الأَْرْبَعَةِ:
٢٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ لاَ يَقِل عَدَدُ الشُّهُودِ عَنْ أَرْبَعَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (١) ﴾ .
وَقَال سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُول اللَّهِ: إِِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ ، قَال: نَعَمْ (٢) .
ب - اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ:
٢٣ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُجْتَمِعِينَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِِنْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ يَشْهَدُونَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّونَ وَإِِنْ كَثُرُوا.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ стр. 10257
شُهَدَاءَ (١) . . .﴾ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَجَالِسَ، وَإِِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْبَتِّيُّ (٢) .
ج - عَدَمُ التَّقَادُمِ:
٢٤ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الشُّهُودَ لَوْ شَهِدُوا بِزِنًى قَدِيمٍ، وَجَبَ الْحَدُّ، لِعُمُومِ الآْيَةِ. وَلأَِنَّ التَّأْخِيرَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْبَةٍ، وَالْحَدُّ لاَ يَسْقُطُ بِمُطْلَقِ الاِحْتِمَال، فَإِِنَّهُ لَوْ سَقَطَ بِكُل احْتِمَالٍ لَمْ يَجِبْ حَدٌّ أَصْلاً (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى أَنَّ عَدَمَ التَّقَادُمِ فِي الْبَيِّنَةِ شَرْطٌ، وَذَلِكَ فِي حَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لأَِحْمَد.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّاهِدَ إِِذَا عَايَنَ الْجَرِيمَةَ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ (٤) ﴾ وَبَيْنَ السَّتْرِ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٥) стр. 10258
فَلَمَّا لَمْ يَشْهَدْ عَلَى فَوْرِ الْمُعَايَنَةِ دَل ذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِ جِهَةِ السَّتْرِ، فَإِِذَا شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ دَل عَلَى أَنَّ الضَّغِينَةَ حَمَلَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ، فَإِِنَّمَا شَهِدُوا عَنْ ضِغْنٍ، وَلاَ شَهَادَةَ لَهُمْ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَيَكُونُ إِِجْمَاعًا. وَلأَِنَّ التَّأْخِيرَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُورِثُ تُهْمَةً، وَلاَ شَهَادَةَ لِلْمُتَّهَمِ (١) .
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ وَشُرُوطٌ فِيهَا خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي (شَهَادَةٌ) (وَزِنًى) .
ثَانِيًا - الإِِْقْرَارُ:
٢٥ - شُرُوطُ الإِِْقْرَارِ فِي الْحُدُودِ قِسْمَانِ:
شُرُوطٌ تَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا: وَهِيَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْل وَالنُّطْقُ، فَلاَ يَصِحُّ إِِقْرَارُ الصَّبِيِّ، لأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الْحَدِّ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةً، وَفِعْل الصَّبِيِّ لاَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ جِنَايَةً.
وَكَذَلِكَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الإِِْقْرَارُ بِالْخِطَابِ وَالْعِبَارَةِ دُونَ الْكِتَابِ وَالإِِْشَارَةِ، لأَِنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالْبَيَانِ الْمُتَنَاهِي، وَلِذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ стр. 10259
بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالزِّنَى (١) .
وَيُقْبَل إِِقْرَارُ الأَْخْرَسِ بِالإِِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَلاَ تُقْبَل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَتَفْصِيلُهُ فِي: (إِقْرَارٌ) .
شُرُوطٌ تَخُصُّ بَعْضَ الْحُدُودِ مِنْهَا:
أ - تَكْرَارُ الإِِْقْرَارِ:
٢٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُقِرَّ الزَّانِي أَوِ الزَّانِيَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَبِهَذَا قَال الْحَكَمُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِِسْحَاقُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ تَكْرَارَ الإِِْقْرَارِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَيُكْتَفَى بِإِِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ وَحَمَّادُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَجَمَاعَةٌ. لأَِنَّ الإِِْقْرَارَ إِِنَّمَا صَارَ حُجَّةً فِي الشَّرْعِ لِرُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، وَهَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ التَّكْرَارِ وَالتَّوْحِيدِ سَوَاءٌ، وَلأَِنَّ الرَّسُول ﷺ قَال: اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا (٢) فَعَلَّقَ الرَّجْمَ عَلَى مُجَرَّدِ الاِعْتِرَافِ. стр. 10260
وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا جَاءَ إِِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَرَّ بِالزِّنَى، فَأَعْرَض عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ إِِلَى الأَْرْبَعِ (١) ، فَلَوْ كَانَ الإِِْقْرَارُ مَرَّةً مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَمَا أَخَّرَهُ إِِلَى الأَْرْبَعِ (٢) .
ب - اشْتِرَاطُ عَدَدِ الْمَجَالِسِ:
٢٧ - اخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَدِ مَجَالِسِ الإِِْقْرَارِ عِنْدَ مَنِ اشْتَرَطَ تَكْرَارَهُ، وَكَوْنِ الإِِْقْرَارِ بَيْنَ يَدَيِ الإِِْمَامِ، وَكَوْنِ الزَّانِي وَالْمَزْنِيِّ بِهَا مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى دَعْوَى الشُّبْهَةِ، وَكَوْنِ الزَّانِي مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ وُجُودُ الزِّنَى، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذُكِرَ فِي كُل حَدٍّ مِنَ الْحُدُودِ وَفِي مُصْطَلَحِ: (إِِقْرَارٌ (٣)) .
أَثَرُ عِلْمِ الإِِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي الْحُدُودِ:
٢٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ стр. 10261
فِي قَوْلٍ: إِِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ إِِقَامَةُ الْحَدِّ بِعِلْمِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ (١) ﴾ وَقَال أَيْضًا: ﴿فَإِِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (٢) ﴾ وَبِهِ قَال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ: لَهُ إِِقَامَتُهُ
بِعِلْمِهِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ. لأَِنَّهُ إِِذَا جَازَتْ لَهُ إِِقَامَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ وَالاِعْتِرَافِ الَّذِي لاَ يُفِيدُ إِِلاَّ الظَّنَّ، فَمَا يُفِيدُ الْعِلْمُ هُوَ أَوْلَى (٣) .
مَدَى ثُبُوتِ الْحُدُودِ بِالْقَرَائِنِ:
٢٩ - تَخْتَلِفُ الْقَرَائِنُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْحُدُودِ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهَا - مِنْ حَدٍّ لآِخَرَ.
فَالْقَرِينَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الزِّنَى: هِيَ ظُهُورُ الْحَمْل فِي امْرَأَةٍ غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ أَوْ لاَ يُعْرَفُ لَهَا زَوْجٌ.
وَالْقَرِينَةُ فِي الشُّرْبِ: الرَّائِحَةُ، وَالْقَيْءُ، وَالسُّكْرُ، وَوُجُودُ الْخَمْرِ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ، وَفِي السَّرِقَةِ وُجُودُ الْمَال الْمَسْرُوقِ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ، وَوُجُودُ أَثَرٍ لِلْمُتَّهَمِ فِي مَوْضِعِ السَّرِقَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفِي كُلٍّ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَقْوَالٍ فُصِّلَتْ فِي مَوَاطِنِهَا (٤) ، وَتُنْظَرُ فِي كُل حَدٍّ مِنَ الْحُدُودِ وَفِي مُصْطَلَحِ: (قَرِينَةٌ) . стр. 10262
أَنْوَاعُ الْحُدُودِ:
الْحُدُودُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ:
أ - الرَّجْمُ:
٣٠ - الرَّجْمُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالإِِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّانِي إِِذَا كَانَ مُحْصَنًا (١) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًى وَرَجْمٌ) .
ب - الْجَلْدُ:
٣١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الزَّانِي الْبِكْرِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (٢) ﴾ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ فِي عُقُوبَةِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّ الْجَلْدَ لاَ يَجْتَمِعُ مَعَ الرَّجْمِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَغَيْرَهُمَا، وَلَمْ يَرِدْ أَنَّهُ جَلَدَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلأَِنَّ الْحَدَّ إِِنَّمَا وُضِعَ لِلزَّجْرِ، وَلاَ تَأْثِيرَ لِلزَّجْرِ بِالضَّرْبِ مَعَ الرَّجْمِ، وَاخْتَارَ هَذَا مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَبُو إِِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الأَْثْرَمُ. стр. 10263
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْجَلْدَ يَجْتَمِعُ مَعَ الرَّجْمِ وَبِهِ قَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَإِِسْحَاقُ، فَيُجْلَدُ الزَّانِي الْمُحْصَنُ أَوَّلاً، ثُمَّ يُرْجَمُ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عُبَادَةَ قَال ﷺ : الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (١) . وَبِفِعْل عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثُمَّ رَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَال جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَبِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَإِِلَيْهِ ذَهَبَ إِِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَلْدَ عُقُوبَةُ الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ فِي الشُّرْبِ وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي أَبْوَابِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (٢) ، وَ (ر: قَذْفٌ) وَ (شُرْبٌ) .
ج - التَّغْرِيبُ:
٣٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَ الْجَلْدِ تَغْرِيبُ الزَّانِي الْبِكْرِ، فَالتَّغْرِيبُ عِنْدَهُمْ يُعْتَبَرُ حَدًّا كَالْجَلْدِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْبِكْرُ стр. 10264
بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ (١) ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَبِهِ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ ﵄، وَإِِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَإِِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ.
إِِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَيَقُولُونَ بِتَغْرِيبِ الرَّجُل دُونَ الْمَرْأَةِ، لأَِنَّ الْمَرْأَةَ مُحْتَاجَةٌ إِِلَى حِفْظٍ وَصِيَانَةٍ، فَلاَ يَجُوزُ تَغْرِيبُهَا إِِلاَّ بِمَحْرَمٍ، وَهُوَ يُفْضِي إِِلَى تَغْرِيبِ مَنْ لَيْسَ بِزَانٍ، وَنَفْيِ مَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ، وَلأَِنَّهَا عَوْرَةٌ، وَفِي نَفْيِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا وَتَعْرِيضُهَا لِلْفِتْنَةِ، وَلِهَذَا نُهِيَتْ عَنِ السَّفَرِ مَعَ غَيْرِ مَحْرَمٍ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ التَّغْرِيبَ لَيْسَ وَاجِبًا، وَلَيْسَ حَدًّا كَالْجَلْدِ، وَإِِنَّمَا هِيَ عُقُوبَةٌ تَعْزِيرِيَّةٌ يَجُوزُ لِلإِِْمَامِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَلْدِ إِِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً، لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ قَال: حَسْبُهُمَا مِنَ الْفِتْنَةِ أَنْ يُنْفَيَا.
وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ غَرَّبَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فِي الْخَمْرِ إِِلَى خَيْبَرَ، فَلَحِقَ بِهِرَقْل فَتَنَصَّرَ، فَقَال عُمَرُ ﵁ لاَ أُغَرِّبُ مُسْلِمًا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا، وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْجَلْدِ دُونَ التَّغْرِيبِ، стр. 10265
فَإِِيجَابُ التَّغْرِيبِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ (١) . وَيُرْجَعُ لِتَفْصِيل ذَلِكَ إِِلَى مَوْطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. وَ (ر: زِنًى) و (َتَغْرِيبٌ) .
د - الْقَطْعُ:
٣٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ السَّرِقَةَ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ بِالنَّصِّ، وَالإِِْجْمَاعِ.
أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ (٢) ﴾ .
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (٣) .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَحَل الْقَطْعِ وَمَوْضِعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ (٤) وَالتَّفْصِيل فِي " سَرِقَةٌ ".
وَكَذَلِكَ يُقْطَعُ الْمُحَارِبُ مِنْ خِلاَفٍ إِِذَا أَخَذَ стр. 10266
الْمَال وَلَمْ يَقْتُل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبِهِ قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الإِِْمَامَ مُخَيَّرٌ فِي عِقَابِهِ بِأَيَّةِ عُقُوبَةٍ جَاءَتْ بِهَا آيَةُ الْمُحَارَبَةِ مَا عَدَا النَّفْيَ، فَلاَ تَخْيِيرَ فِيهِ (١) ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (حِرَابَةٌ) .
هـ - الْقَتْل وَالصُّلْبُ:
٣٤ - إِِذَا قَتَل الْمُحَارِبُ وَأَخَذَ الْمَال فَإِِنَّهُ يُقْتَل وَيُصْلَبُ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ، وَبِهِ قَال سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الزُّهْرِيُّ.
وَإِِذَا قَتَل وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَال فَإِِنَّهُ يُقْتَل وَلاَ يُصْلَبُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ يُصْلَبُ، لأَِنَّهُ مُحَارِبٌ يَجِبُ قَتْلُهُ، فَيُصْلَبُ كَاَلَّذِي أَخَذَ الْمَال (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (تَصْلِيبٌ) .
وَالْقَتْل كَذَلِكَ عُقُوبَةٌ حَدِّيَّةٌ لِلرِّدَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ ﷺ مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (٣) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَبِهِ قَال الْحَسَنُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَمَكْحُولٌ، стр. 10267
وَحَمَّادٌ، وَاللَّيْثُ، وَالأَْوْزَاعِيُّ وَإِِسْحَاقُ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تُقْتَل بِالرِّدَّةِ، بَل تُجْبَرُ عَلَى الإِِْسْلاَمِ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ، لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ نَهَى عَنْ قَتْل الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ (١) .
وَلأَِنَّهَا لاَ تُقْتَل بِالْكُفْرِ الأَْصْلِيِّ، فَلاَ تُقْتَل بِالطَّارِئِ كَالصَّبِيِّ (٢) .
وَفِي قَتْل الْبُغَاةِ، وَهُمُ الْمُحَارِبُونَ عَلَى التَّأْوِيل خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بَغْيٌ (٣)) .
شُرُوطُ وُجُوبِ الْحَدِّ:
٣٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَجِبُ إِِلاَّ عَلَى مُكَلَّفٍ، وَهُوَ الْعَاقِل الْبَالِغُ، لأَِنَّهُ إِِذَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْ غَيْرِ الْعَاقِل الْبَالِغِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَسَقَطَ الإِِْثْمُ عَنْهُ فِي الْمَعَاصِي، فَالْحَدُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الإِِْسْلاَمُ فَالأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّينَ وَلاَ تُقَامُ عَلَى стр. 10268
مُسْتَأْمَنٍ، إِِلاَّ حَدُّ الْقَذْفِ فَيُقَامُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلاَ يُقَامُ عَلَى الْكَافِرِ حَدُّ الشُّرْبِ عِنْدَهُمْ.
وَفِي حَدِّ الزِّنَى تَفْصِيلٌ: قَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِِذَا زَنَى الْحَرْبِيُّ (الْمُسْتَأْمَنُ) بِذِمِّيَّةٍ تُحَدُّ الذِّمِّيَّةُ وَلاَ يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ. وَإِِذَا زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْتَأْمَنَةٍ يُحَدُّ الذِّمِّيُّ وَلاَ تُحَدُّ الْمُسْتَأْمَنَةُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ كِلاَهُمَا يُحَدَّانِ.
وَقَال مُحَمَّدٌ فِي الصُّورَةِ الأُْولَى: لاَ تُحَدُّ الذِّمِّيَّةُ أَيْضًا لأَِنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعَةٌ لِلرَّجُل فَامْتِنَاعُ الْحَدِّ فِي حَقِّ الأَْصْل يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي حَقِّ الْفَرْعِ (١) .
وَتَفْصِيل كُل حَدٍّ فِي مُصْطَلَحِهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّ الْكَافِرَ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْل وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِِسْلاَمِهِ.
أَمَّا حَدُّ الزِّنَى فَإِِنَّهُ يُؤَدَّبُ فِيهِ فَقَطْ وَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إِِلاَّ إِِذَا اغْتَصَبَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً فَإِِنَّهُ يُقْتَل لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ. وَكَذَلِكَ لَوِ ارْتَكَبَ جَرِيمَةَ اللِّوَاطِ فَإِِنَّهُ يُرْجَمُ. وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَوْفَى مِنَ الذِّمِّيِّ مَا ثَبَتَ وَلَوْ حَدَّ زِنًى أَوْ قَطْعَ سَرِقَةٍ، وَلاَ يُحَدُّ بِشُرْبِ خَمْرٍ لِقُوَّةِ أَدِلَّةِ حِلِّهِ فِي عَقِيدَتِهِمْ. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي إِِحْصَانِ الرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا. стр. 10269
وَلاَ يُقَامُ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيُحَدُّ الْكَافِرُ حَدَّ الْقَذْفِ ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ مُعَاهَدًا (١) .
وَتَفْصِيل كُل حَدٍّ فِي مُصْطَلَحِهِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِِذَا رُفِعَ إِِلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ مَنْ فَعَل مُحَرَّمًا يُوجِبُ عُقُوبَةً مِمَّا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالْقَتْل فَعَلَيْهِ إِِقَامَةُ حَدِّهِ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيَّيْنِ فَجَرَا بَعْدَ إِِحْصَانِهِمَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا (٢) .
وَإِِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ إِِبَاحَتَهُ كَشُرْبِ خَمْرٍ لَمْ يُحَدَّ، وَإِِنْ تَحَاكَمَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِالسَّرِقَةِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْمَنُ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لاَ يُقْطَعُ الْمُسْتَأْمَنُ.
وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ.
وَدَلِيل وُجُوبِ الْقَطْعِ أَنَّهُ حَدٌّ يُطَالَبُ بِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ كَحَدِّ الْقَذْفِ (٣) .
وَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ إِِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَبِهَذَا قَال عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ، لِقَوْل عُمَرَ وَعُثْمَانَ стр. 10270
وَعَلِيٍّ ﵃: لاَ حَدَّ إِِلاَّ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ. فَإِِنِ ادَّعَى الزَّانِي الْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ وَكَانَ يُحْتَمَل أَنْ يَجْهَلَهُ كَحَدِيثِ الْعَهْدِ بِالإِِْسْلاَمِ، قُبِل مِنْهُ، لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، وَإِِنْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ النَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُقْبَل مِنْهُ، لأَِنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَى لاَ يَخْفَى عَلَى مَنْ هُوَ كَذَلِكَ (كَمَا أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى مُكْرَهَةٍ) . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) ﴾ .
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٢) .
وَعَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً اسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ (٣) . стр. 10271
وَفِي حَدِّ الْمُكْرَهِ عَلَى الزِّنَى خِلاَفٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِِلَى مُصْطَلَحِ (إِِكْرَاهٌ (١)) وَ (ر: زِنًى) وَهُنَاكَ شُرُوطٌ أُخْرَى لِوُجُوبِ كُل حَدٍّ فُصِّل، الْكَلاَمُ عَلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا.
مَا يُرَاعَى فِي إِِقَامَةِ الْحَدِّ:
يُرَاعَى فِي إِِقَامَةِ الْحَدِّ أُمُورٌ مِنْهَا مَا يَعُمُّ الْحُدُودَ كُلَّهَا، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ الْبَعْضَ دُونَ الْبَعْضِ:
مَا يُرَاعَى فِي الْحُدُودِ كُلِّهَا:
الإِِْمَامَةُ:
٣٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقِيمُ الْحَدَّ إِِلاَّ الإِِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْعِبَادِ، وَهِيَ صِيَانَةُ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ. وَالإِِْمَامُ قَادِرٌ عَلَى الإِِْقَامَةِ لِشَوْكَتِهِ، وَمَنَعَتِهِ، وَانْقِيَادِ الرَّعِيَّةِ لَهُ قَهْرًا وَجَبْرًا، كَمَا أَنَّ تُهْمَةَ الْمَيْل وَالْمُحَابَاةِ وَالْتَوَانِي عَنِ الإِِْقَامَةِ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّهِ، فَيُقِيمُهَا عَلَى وَجْهِهِ فَيَحْصُل الْغَرَضُ الْمَشْرُوعُ بِيَقِينٍ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَكَذَا стр. 10272
خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ الإِِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لإِِِقَامَةِ الْحَدِّ (١) .
أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الإِِْقَامَةِ:
٣٧ - لَوْ بَطَلَتْ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ بِالْفِسْقِ أَوِ الرِّدَّةِ، أَوِ الْجُنُونِ، أَوِ الْعَمَى، أَوِ الْخَرَسِ، أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ، أَوْ غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ بِحَيْثُ يَنْقُصُ النِّصَابُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لأَِنَّ اعْتِرَاضَ أَسْبَابِ الْجَرْحِ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَ إِِمْضَاءِ الْحَدِّ بِمَنْزِلَةِ اعْتِرَاضِهَا عِنْدَ الْقَضَاءِ بِهِ، وَاعْتِرَاضُهَا عِنْدَ الْقَضَاءِ يُبْطِل الشَّهَادَةَ، فَكَذَا عِنْدَ الإِِْمْضَاءِ فِي بَابِ الْحُدُودِ. ر: (قَذْفٌ) .
هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ (٢) .
شُرُوطٌ تَخُصُّ بَعْضَ الْحُدُودِ:
الْبِدَايَةُ مِنَ الشُّهُودِ فِي حَدِّ الرَّجْمِ:
٣٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إِِلَى أَنَّ الزِّنَى إِذَا ثَبَتَ стр. 10273
بِالشُّهُودِ، فَالْبِدَايَةُ مِنْهُمْ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ حُضُورُهُمْ، وَابْتِدَاؤُهُمْ بِالرَّجْمِ، وَهَذَا لأَِنَّ الرَّجْمَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْحَدِّ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّوْعِ الآْخَرِ وَهُوَ الْجَلْدُ، وَالْبِدَايَةُ مِنَ الشُّهُودِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهِ فَكَذَا فِي الرَّجْمِ.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْبِدَايَةَ مِنَ الشُّهُودِ شَرْطٌ فِي حَدِّ الرَّجْمِ، حَتَّى لَوِ امْتَنَعَ الشُّهُودُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ مَاتُوا، أَوْ غَابُوا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ، لاَ يُقَامُ الرَّجْمُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: يَرْجِمُ الشُّهُودُ أَوَّلاً، ثُمَّ الإِِْمَامُ، ثُمَّ النَّاسُ. وَكَلِمَةُ: ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الزِّنَى زِنَاءَانِ: زِنَى سِرٍّ وَزِنَى عَلاَنِيَةٍ؛ فَزِنَى السِّرِّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ، فَيَكُونَ الشُّهُودُ أَوَّل مَنْ يَرْمِي، وَزِنَى الْعَلاَنِيَةِ أَنْ يَظْهَرَ الْحَبَل أَوِ الاِعْتِرَافُ، فَيَكُونُ الإِِْمَامُ أَوَّل مَنْ يَرْمِي.
وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا.
وَلأَِنَّ فِي اعْتِبَارِ هَذَا الشَّرْطِ احْتِيَاطًا فِي دَرْءِ الْحَدِّ، لأَِنَّ الشُّهُودَ إِذَا بَدَءُوا بِالرَّجْمِ، رُبَّمَا اسْتَعْظَمُوا فِعْلَهُ، فَيَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الشَّهَادَةِ، فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
وَإِِنْ ثَبَتَ الزِّنَى بِالاِعْتِرَافِ، فَالْخِلاَفُ فِي
стр. 10274
حُضُورِ الإِِْمَامِ، وَالْبِدَايَةِ مِنْهُ كَالْخِلاَفِ فِي حُضُورِ الشُّهُودِ وَالْبِدَايَةِ مِنْهُمْ (١) .
عَدَمُ خَوْفِ الْهَلاَكِ مِنَ إِقَامَةِ الْجَلْدِ:
٣٩ - يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَكُونَ فِي إِقَامَةِ الْجَلْدِ خَوْفُ الْهَلاَكِ.
لأَِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْحُدُودِ شُرِعَ زَاجِرًا لاَ مُهْلِكًا، وَفِي الْجَلْدِ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَجَلْدِ الْمَرِيضِ، وَالنُّفَسَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِِلَى: زِنًى " " وَقَذْفٌ (٢) ".
الدَّعْوَى فِي الْحُدُودِ وَالشَّهَادَةُ بِهَا:
٤٠ - الْحُدُودُ - سِوَى حَدِّ الْقَذْفِ - لاَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى لأَِنَّهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَل الشَّهَادَةُ فِيهَا حِسْبَةً، وَإِِنَّمَا شُرِطَتْ الدَّعْوَى فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَإِِنْ كَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ غَالِبًا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ الْمَقْذُوفَ يُطَالِبُ الْقَاذِفَ دَفْعًا لِلْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ ظَاهِرًا وَغَالِبًا فَيَحْصُل مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْحَدِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّرِقَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ стр. 10275
وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُقْطَعُ حَتَّى يَدَّعِيَهُ الْمَالِكُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ يُقْطَعُ، وَبِهِ قَال أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لِعُمُومِ الآْيَةِ، وَلأَِنَّ مُوجِبَ الْقَطْعِ قَدْ ثَبَتَ (١) .
وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْحُدُودِ سِوَى الْقَذْفِ فَتَجُوزُ بِلاَ دَعْوَى مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، لِشَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ، وَأَصْحَابِهِ عَلَى الْمُغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى، وَلِشَهَادَةِ الْجَارُودِ وَصَاحِبِهِ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا دَعْوَى، وَلأَِنَّ الْحَقَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ تَفْتَقِرِ الشَّهَادَةُ بِهِ إِِلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى كَالْعِبَادَاتِ. وَلأَِنَّ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ إِنَّمَا تَكُونُ مِنَ الْمُسْتَحَقِّ، وَهَذَا لاَ حَقَّ فِيهِ لأَِحَدٍ مِنَ الآْدَمِيِّينَ فَيَدَّعِيهِ (٢) .
التَّأْخِيرُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ:
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَدَّ تَجِبُ إِقَامَتُهُ عَلَى الْفَوْرِ إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ كَالْمَرَضِ وَمَا شَابَهَهُ، وَالْحَمْل، وَالسُّكْرِ.
١ - إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْمَرِيضِ وَمَنْ شَابَهَهُ:
٤١ - الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ هُوَ أَنَّ الرَّجْمَ لاَ يُؤَخَّرُ لِلْمَرَضِ لأَِنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ، فَلاَ стр. 10276
فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ، وَقِيل: إِنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِالإِِْقْرَارِ أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، لأَِنَّهُ رُبَّمَا رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الرَّمْيِ، وَمِثْل هَذَا الْخِلاَفِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ.
وَإِِنْ كَانَ الْوَاجِبُ الْجَلْدَ أَوِ الْقَطْعَ، فَإِِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يُرْجَى بُرْؤُهُ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ تَأْخِيرَهُ وَهُوَ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال جُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ: يُقَامُ الْحَدُّ وَلاَ يُؤَخَّرُ، كَمَا قَال أَبُو بَكْرٍ فِي النُّفَسَاءِ، وَهَذَا قَوْل إِِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي مَرَضِهِ، وَلأَِنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لاَ يُؤَخَّرُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
وَإِِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَوْ كَانَ الْجَانِي ضَعِيفَ الْخِلْقَةِ لاَ يَحْتَمِل السِّيَاطَ، فَهَذَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الْحَال، إِذْ لاَ غَايَةَ تُنْتَظَرُ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا يُضْرَبُ ضَرْبًا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ، كَالْقَضِيبِ الصَّغِيرِ وَشِمْرَاخِ النَّخْل. فَإِِنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: جُمِعَ ضِغْثٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً.
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِِلَى مُصْطَلَحِ (جَلْدٌ (١)) . стр. 10277
٢ - إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْحُبْلَى:
٤٢ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ الْحَدُّ رَجْمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى حُبْلَى وَلَوْ مِنْ زِنًى حَتَّى تَضَعَ، لِئَلاَّ يَتَعَدَّى إِِلَى الْحَمْل، لأَِنَّهُ نَفْسٌ مُحْتَرَمَةٌ لاَ جَرِيمَةَ مِنْهُ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ تُرْجَمْ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ، ثُمَّ إِذَا سَقَتْهُ اللِّبَأَ، فَإِِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، أَوْ تَكَفَّل أَحَدٌ بِرَضَاعِهِ رُجِمَتْ، وَإِِلاَّ تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ لِيَزُول عَنْهُ الضَّرَرُ. لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ الْغَامِدِيَّةَ بَعْدَمَا فَطَمَتِ الْمَوْلُودَ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَال: لاَ نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ، فَقَال لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ، إِلَيَّ رَضَاعُهُ، فَرَجَمَهَا (١) .
وَإِِنْ كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا، فَتُحَدُّ بَعْدَ الْوَضْعِ وَانْقِطَاعِ النِّفَاسِ إِذَا كَانَتْ قَوِيَّةً يُؤْمَنُ مَعَهُ تَلَفُهَا، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: إِنَّ أَمَةً لِرَسُول اللَّهِ ﷺ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِِذَا هِيَ حَدِيثُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: أَحْسَنْتَ (٢)
أَمَّا إِنْ كَانَتْ فِي نِفَاسِهَا أَوْ ضَعِيفَةً يُخَافُ стр. 10278
عَلَيْهَا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَقْوَى لِيُسْتَوْفَى الْحَدُّ عَلَى وَجْهِ الْكَمَال مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فَوَاتِهِ (١) .
٣ - إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى السَّكْرَانِ:
٤٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى السَّكْرَانِ تُؤَخَّرُ حَتَّى يَصْحُوَ لِيَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَهُوَ الزَّجْرُ، وَالرَّدْعُ، لأَِنَّ غَيْبُوبَةَ الْعَقْل أَوْ غَلَبَةَ النَّشْوَةِ وَالطَّرَبِ تُخَفِّفُ الأَْلَمَ (٢) .
إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ:
٤٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَحْرُمُ إِِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ، لِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي الْمَسَاجِدِ (٣) .
وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: ﴿ стр. 10279
لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ (١) وَلأَِنَّ تَعْظِيمَ الْمَسْجِدِ وَاجِبٌ. وَفِي إِِقَامَةِ الْحُدُودِ فِيهِ تَرْكُ تَعْظِيمِهِ (٢) .
وَلاَ خِلاَفَ فِي إِقَامَتِهَا فِي الْحَرَمِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ مُوجِبَ الْحَدِّ فِيهِ، أَمَّا مَنِ ارْتَكَبَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُسْتَوْفَى فِيهِ حَدٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا (٣) ﴾ ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا (٤) (أَيْ مَكَّةَ) . وَقَالُوا: يُقَاطَعُ فَلاَ يُبَايَعُ وَلاَ يُشَارَى وَلاَ يُطْعَمُ وَلاَ يُؤْوَى وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ فَيُسْتَوْفَى مِنْهُ الْحَدُّ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ تُسْتَوْفَى الْحُدُودُ فِيهِ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَ الْمِغْفَرَ، جَاءَهُ رَجُلٌ стр. 10280
فَقَال: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَال: اقْتُلُوهُ (١) .
مَا يُرَاعَى عِنْدَ اسْتِيفَاءِ كُل نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُدُودِ:
أ - حَدُّ الرَّجْمِ:
يُرَاعَى فِي اسْتِيفَاءِ الرَّجْمِ مَا يَلِي:
٤٥ - أَنْ يَكُونَ الرَّجْمُ فِي مَكَانٍ وَاسِعٍ، لأَِنَّهُ أَمْكَنُ فِي رَجْمِهِ، وَلِئَلاَّ يُصِيبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُحِيطُونَ بِالْمَرْجُومِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَصْطَفُّونَ كَصُفُوفِ الصَّلاَةِ لِرَجْمِهِ، كُلَّمَا رَجَمَ قَوْمٌ تَنَحَّوْا وَرَجَمَ آخَرُونَ، وَأَنْ يَكُونَ الرَّجْمُ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ قَدْرَ مَا يُطِيقُ الرَّامِي بِدُونِ تَكَلُّفٍ، لاَ بِكَبِيرَةٍ خَشْيَةَ التَّشْوِيهِ أَوِ التَّذْفِيفِ (الإِِْجْهَازُ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً) وَلاَ بِصَغِيرَةٍ خَشْيَةَ التَّعْذِيبِ.
وَيُحْفَرُ لِلْمَرْأَةِ إِِلَى صَدْرِهَا، هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ: وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ، لِكَوْنِهِ أَسْتَرَ لَهَا، وَجَازَ تَرْكُهُ لِسَتْرِهَا بِثِيَابِهَا.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُحْفَرُ لَهَا لأَِنَّ أَكْثَرَ الأَْحَادِيثِ عَلَى تَرْكِهِ. стр. 10281
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ الْحَدُّ بِالإِِْقْرَارِ لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ حُفِرَ لَهَا إِِلَى صَدْرِهَا، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، قَال أَبُو الْخَطَّابِ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي. لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : رَجَمَ امْرَأَةً فَحَفَرَ لَهَا (١) وَلأَِنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَلاَ حَاجَةَ إِِلَى تَمْكِينِهَا مِنَ الْهَرَبِ لِكَوْنِ الْحَدِّ قَدْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَلاَ يَسْقُطُ بِفِعْلٍ مِنْ جِهَتِهَا، بِخِلاَفِ الثَّابِتِ بِالإِِْقْرَارِ، فَإِِنَّهَا تُتْرَكُ عَلَى حَالٍ لَوْ أَرَادَتِ الْهَرَبَ تَمَكَّنَتْ مِنْهُ، لأَِنَّ رُجُوعَهَا عَنْ إِقْرَارِهَا مَقْبُولٌ.
وَأَمَّا الرَّجُل فَلاَ يُحْفَرُ لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: يُحْفَرُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُقِرِّ لأَِنَّ الرَّسُول ﷺ لَمْ يَحْفِرْ لِمَاعِزٍ، قَال أَبُو سَعِيدٍ ﵁: لَمَّا أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِ مَاعِزٍ خَرَجْنَا بِهِ إِِلَى الْبَقِيعِ، فَوَاَللَّهِ مَا حَفَرْنَا لَهُ وَلاَ أَوْثَقْنَاهُ، وَلَكِنْ قَامَ لَنَا (٢) . وَلأَِنَّ الْحَفْرَ لَهُ، وَدَفْنَ بَعْضِهِ عُقُوبَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ فِي حَقِّهِ، فَوَجَبَ أَنْ لاَ تَثْبُتَ (٣) . стр. 10282
وَيُنْظَرُ تَفَاصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًى) (وَرَجْمٌ) .
ب - الْجَلْدُ:
يُرَاعَى فِي اسْتِيفَائِهِ مَا يَلِي:
٤٦ - أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ بِسَوْطٍ لاَ عُقْدَةَ لَهُ، وَيَكُونَ حَجْمُهُ بَيْنَ الْقَضِيبِ وَالْعَصَا، لِرِوَايَةِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يُؤْمَرُ بِالسَّوْطِ، فَتُقْطَعُ ثَمَرَتُهُ، وَثَمَرَتُهُ: عُقْدَةُ أَطْرَافِهِ، ثُمَّ يُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ حَتَّى يَلِينَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِهِ.
وَأَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ ضَرْبًا مُتَوَسِّطًا، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ ضَرْبٌ بَيْنَ ضَرْبَيْنِ، وَسَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ يَعْنِي وَسَطًا. وَلِذَلِكَ فَلاَ يُبْدِي الضَّارِبُ إِِبْطَهُ فِي رَفْعِ يَدِهِ، بِحَيْثُ يَظْهَرُ إِِبْطُهُ، لأَِنَّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الضَّرْبِ.
وَأَنْ يُفَرَّقَ الْجَلْدُ عَلَى بَدَنِهِ خَلاَ رَأْسَهُ، وَوَجْهَهُ وَفَرْجَهُ، وَصَدْرَهُ، وَبَطْنَهُ، وَمَوْضِعَ الْقَتْل، لأَِنَّ جَمْعَهُ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْسِدُهُ.
وَلِيَأْخُذَ كُل عُضْوٍ مِنْهُ حَظَّهُ، وَلِئَلاَّ يُشَقَّ الْجِلْدُ، أَوْ يُؤَدِّيَ إِِلَى الْقَتْل. وَأَيْضًا ضَرْبُ مَا اسْتُثْنِيَ قَدْ يُؤَدِّي إِِلَى الْهَلاَكِ حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى بِإِِفْسَادِ بَعْضِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ، وَلِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: اضْرِبْ وَأَوْجِعْ، وَاتَّقِ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ.
وَلاَ يَجُوزُ تَفْرِيقُ الضَّرْبِ عَلَى الأَْيَّامِ بِأَنْ يُضْرَبَ فِي كُل يَوْمٍ سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ، لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل بِهِ الإِِْيلاَمُ.
стр. 10283
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يُمَدُّ الْمَحْدُودُ وَلاَ يُرْبَطُ وَلاَ تُشَدُّ يَدُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَجْرِيدِهِ:
٤٧ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ يُنْزَعُ ثِيَابُ الرَّجُل خَلاَ إِزَارِهِ لِيَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلاَ تُنْزَعُ ثِيَابُهَا إِلاَّ الْفَرْوَ وَالْحَشْوَ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لاَ يُجَرَّدُ مِنْ ثِيَابِهِ، لِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ: لَيْسَ فِي دِينِنَا مَدٌّ، وَلاَ قَيْدٌ وَلاَ تَجْرِيدٌ، بَل يَكُونُ عَلَيْهِ غَيْرُ ثِيَابِ الشِّتَاءِ كَالْقَمِيصِ وَالْقَمِيصَيْنِ، صِيَانَةً لَهُ عَنِ التَّجْرِيدِ، وَإِِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْوَةٌ، أَوْ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ نُزِعَتْ، لأَِنَّهُ لَوْ تُرِكَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يُبَال بِالضَّرْبِ.
وَالرَّجُل يُضْرَبُ قَائِمًا، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ، لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ جَالِسَةً، وَالرَّجُل قَائِمًا فِي الْحُدُودِ، وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ وَهَذَا أَسْتَرُ لَهَا (١) .
٤٨ - وَأَشَدُّ الْجَلْدِ فِي الْحُدُودِ جَلْدُ الزِّنَى، فَجَلْدُ الْقَذْفِ، فَجَلْدُ الشُّرْبِ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ الزِّنَى بِمَزِيدٍ مِنَ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (٢) ﴾ ، وَلأَِنَّ مَا دُونَهُ أَخَفُّ مِنْهُ стр. 10284
عَدَدًا، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ فِي إِيلاَمِهِ وَوَجَعِهِ، لأَِنَّ مَا كَانَ أَخَفَّ فِي عَدَدِهِ كَانَ أَخَفَّ فِي صِفَتِهِ، وَلأَِنَّ جِنَايَةَ الزِّنَى أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ: أَمَّا أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ الْقَذْفِ، فَلأَِنَّ الْقَذْفَ نِسْبَةٌ إِِلَى الزِّنَى، فَكَانَ دُونَ حَقِيقَةِ الزِّنَى. وَأَمَّا أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ الشُّرْبِ فَلأَِنَّ الْجَلْدَ فِي الزِّنَى ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَلاَ نَصَّ فِي الشُّرْبِ، وَإِِنَّمَا اسْتَخْرَجَهُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ بِالاِجْتِهَادِ، وَالاِسْتِدْلاَل بِالْقَذْفِ فَقَالُوا: إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِِذَا هَذَى افْتَرَى، وَحَدُّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ (١) .
ج - الْقَطْعُ:
٤٩ - تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ مِنْ زَنْدِهِ وَهُوَ مَفْصِل الرُّسْغِ، وَتُحْسَمُ وَلاَ تُقْطَعُ فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ، لأَِنَّ الْحَدَّ زَاجِرٌ لاَ مُتْلِفٌ.
وَيُقْطَعُ بِأَسْهَل مَا يُمْكِنُ، فَيُجْلَسُ وَيُضْبَطُ، لِئَلاَّ يَتَحَرَّكَ فَيَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ وَتُشَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ، وَتُجَرُّ حَتَّى يَبِينَ مَفْصِل الْكَفِّ مِنْ مَفْصِل الذِّرَاعِ، ثُمَّ يُوضَعُ بَيْنَهُمَا سِكِّينٌ حَادٌّ، وَيُدَقُّ فَوْقَهُمَا بِقُوَّةٍ، لِيُقْطَعَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِِنْ عُلِمَ قَطْعٌ أَسْرَعُ مِنْ هَذَا قُطِعَ بِهِ (٢) . стр. 10285
د - التَّغْرِيبُ::
٥٠ - يُغَرَّبُ الزَّانِي الْبِكْرُ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ - إِِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ حَوْلاً كَامِلاً (١) وَفِي تَغْرِيبِ الْمَرْأَةِ وَكَيْفِيَّتِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ سَبَقَ إِجْمَالُهُ فِقْرَةُ (٣٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (زِنًى وَتَغْرِيبٌ) .
إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي مَلأٍَ مِنَ النَّاسِ:
٥١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ فِي مَلأٍَ مِنَ النَّاسِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) ﴾ وَالنَّصُّ وَإِِنْ وَرَدَ فِي حَدِّ الزِّنَى لَكِنَّهُ يَشْمَل سَائِرَ الْحُدُودِ دَلاَلَةً، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحُدُودِ كُلِّهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ زَجْرُ الْعَامَّةِ، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الإِِْقَامَةُ عَلَى رَأْسِ الْعَامَّةِ، لأَِنَّ الْحُضُورَ يَنْزَجِرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ بِالْمُعَايَنَةِ، وَالْغُيَّبَ يَنْزَجِرُونَ بِإِِخْبَارِ الْحُضُورِ، فَيَحْصُل الزَّجْرُ لِلْكُل، وَفِيهِ مَنْعُ الْجَلاَّدِ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْحَدِّ الَّذِي جُعِل لَهُ، وَدَفْعُ التُّهْمَةِ وَالْمَيْل.
وَفِي الْمُرَادِ بِالطَّائِفَةِ فِي الآْيَةِ خِلاَفٌ قِيل: الطَّائِفَةُ أَقَلُّهَا وَاحِدٌ، وَقِيل: اثْنَانِ، وَقِيل: ثَلاَثَةٌ، وَقِيل: أَرْبَعَةٌ، وَقِيل: خَمْسَةٌ، وَقِيل: عَشَرَةٌ، وَقِيل: نَفَرٌ (٣) . стр. 10286
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل الْقَائِلِينَ بِهَا وَأَدِلَّتُهُمْ فِي (زِنًى) .
آثَارُ الْحَدِّ:
٥٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّ الْحَدَّ إِنْ كَانَ رَجْمًا يُدْفَعُ الْمَرْجُومُ بَعْدَ قَتْلِهِ إِِلَى أَهْلِهِ، فَيَصْنَعُونَ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِسَائِرِ الْمَوْتَى، فَيُغَسِّلُونَهُ، وَيُكَفِّنُونَهُ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، وَيَدْفِنُونَهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا رُجِمَ قَال ﵊: اصْنَعُوا بِهِ مَا تَصْنَعُونَ بِمَوْتَاكُمْ (١) وَصَلَّى عَلِيٌّ ﵁ عَلَى شُرَاحَةَ.
وَلأَِنَّهُ مُسْلِمٌ لَوْ مَاتَ قَبْل الْحَدِّ صُلِّيَ عَلَيْهِ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَهُ كَالسَّارِقِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ الإِِْمَامُ فِي حَدٍّ لاَ يُصَلِّي الإِِْمَامُ عَلَيْهِ، لأَِنَّ جَابِرًا قَال فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ: فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرًا وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِ (٢) .
وَإِِنْ كَانَ جَلْدًا فَحُكْمُ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ стр. 10287
فِي سَائِرِ الأَْحْكَامِ مِنَ الشَّهَادَةِ وَغَيْرِهَا بِشُرُوطِهَا إِلاَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ خَاصَّةً فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَإِِنَّهُ تَبْطُل شَهَادَتُهُ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَفِي قَبُول شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ (١) . وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَذْفٌ وَشَهَادَةٌ) .
حَدِيثُ النَّفْسِ
انْظُرْ: نِيَّةٌ. стр. 10288
حِرَابَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِرَابَةُ مِنَ الْحَرْبِ الَّتِي هِيَ نَقِيضُ السِّلْمِ: يُقَال: حَارَبَهُ مُحَارَبَةً، وَحِرَابًا، أَوْ مِنَ الْحَرَبِ.
بِفَتْحِ الرَّاءِ: وَهُوَ السَّلْبُ.
يُقَال: حَرَبَ فُلاَنًا مَالَهُ أَيْ سَلَبَهُ فَهُوَ مَحْرُوبٌ وَحَرِيبٌ (١) .
وَالْحِرَابَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ وَتُسَمَّى قَطْعَ الطَّرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ هِيَ الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ، أَوْ لِقَتْلٍ، أَوْ لإِِِرْعَابٍ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ مُكَابَرَةً، اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ (٢) .
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ مُحَاوَلَةَ الاِعْتِدَاءِ عَلَى الْعِرْضِ مُغَالَبَةً.
وَجَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ كَابَرَ رَجُلاً عَلَى مَالِهِ بِسِلاَحٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي زُقَاقٍ أَوْ دَخَل عَلَى حَرِيمِهِ فِي الْمِصْرِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْحِرَابَةِ (٣) . стр. 10289
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْبَغْيُ:
٢ - الْبَغْيُ فِي اللُّغَةِ: الْجَوْرُ، وَالظُّلْمُ، وَالْعُدُول عَنِ الْحَقِّ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ: هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ إِمَامِ أَهْل الْعَدْل بِتَأْوِيلٍ غَيْرِ مَقْطُوعِ الْفَسَادِ (٢) .
وَفَرَّقَ الإِِْمَامُ مَالِكٌ بَيْنَ الْحِرَابَةِ وَالْبَغْيِ بِقَوْلِهِ: الْبَغْيُ يَكُونُ بِالْخُرُوجِ عَلَى تَأْوِيلٍ - غَيْرِ قَطْعِيِّ الْفَسَادِ - وَالْمُحَارِبُونَ خَرَجُوا فِسْقًا وَخُلُوعًا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلٍ (٣) "
ب - السَّرِقَةُ:
٣ - السَّرِقَةُ فِي اللُّغَةِ: أَخْذُ الشَّيْءِ خُفْيَةً. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَخْذُهُ خُفْيَةً ظُلْمًا فِي حِرْزِ مِثْلِهِ، بِشُرُوطٍ تُذْكَرُ فِي بَابِهَا.
فَالْفَرْقُ أَنَّ الْحِرَابَةَ فِيهَا مُجَاهَرَةٌ وَمُكَابَرَةٌ وَسِلاَحٌ.
ج - النَّهْبُ، وَالاِخْتِلاَسُ:
٤ - النَّهْبُ لُغَةً: الْغَلَبَةُ عَلَى الْمَال. وَاصْطِلاَحًا: أَخْذُ الشَّيْءِ عَلاَنِيَةً دُونَ رِضًا. стр. 10290
وَالاِخْتِلاَسُ: خَطْفُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْ صَاحِبِهِ، مَعَ الاِعْتِمَادِ عَلَى الْهَرَبِ.
فَالنَّهْبُ وَالاِخْتِلاَسُ كِلاَهُمَا أَخْذُ الشَّيْءِ عَلاَنِيَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ: سُرْعَةُ الأَْخْذِ فِي الاِخْتِلاَسِ بِخِلاَفِ النَّهْبِ فَإِِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِيهِ (١) .
أَمَّا الْحِرَابَةُ فَهِيَ الأَْخْذُ عَلَى سَبِيل الْمُغَالَبَةِ.
د - الْغَصْبُ:
٥ - الْغَصْبُ أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا مَعَ الْمُجَاهَرَةِ.
وَشَرْعًا: الاِسْتِيلاَءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَقِيل: هُوَ إِزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ (٢) . فَالْغَصْبُ قَدْ يَكُونُ بِسِلاَحٍ أَوْ بِغَيْرِ سِلاَحٍ مَعَ إِمْكَانِ الْغَوْثِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الْحِرَابَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَهِيَ مِنَ الْحُدُودِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَسَمَّى الْقُرْآنُ مُرْتَكِبِيهَا: مُحَارِبِينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَسَاعِينَ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ، وَغَلَّظَ عُقُوبَتَهَا أَشَدَّ التَّغْلِيظِ، فَقَال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي стр. 10291
الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (١) ﴾ إِلَخْ.
وَنَفَى الرَّسُول ﷺ انْتِسَابَهُمْ إِِلَى الإِِْسْلاَمِ فَقَال فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: مَنْ حَمَل عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا (٢) .
الأَْصْل فِي جَزَاءِ الْحِرَابَةِ:
٧ - الأَْصْل فِي بَيَانِ جَزَاءِ الْحِرَابَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (٣) . . .﴾ إِلَخْ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ كَمَا سَيَأْتِي. وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِي الصُّفَّةِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ أَبْغِنَا رِسْلاً، فَقَال مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَلْحَقُوا بِإِِبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، стр. 10292
فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَمَا تَرَجَّل النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَّلَهُمْ وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا. وَقَال أَبُو قِلاَبَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (١) .
مَنْ يُعْتَبَرُ مُحَارِبًا:
٨ - الْمُحَارِبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: هُوَ كُل مُلْتَزِمٍ مُكَلَّفٍ أَخَذَ الْمَال بِقُوَّةٍ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ (٢) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَعْرِيفَاتٌ أُخْرَى لاَ تَخْرُجُ فِي مَفْهُومِهَا عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
وَلاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِ شُرُوطٍ فِي الْمُحَارِبِينَ حَتَّى يُحَدُّوا حَدَّ الْحِرَابَةِ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ:
أ - الاِلْتِزَامُ.
ب - التَّكْلِيفُ.
ج - وُجُودُ السِّلاَحِ مَعَهُمُ.
د - الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ.
هـ - الذُّكُورَةُ.
و الْمُجَاهَرَةُ. стр. 10293
وَلَمْ يَتَّفِقِ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا، بَل بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِهَا اخْتِلاَفٌ بَيَانُهُ كَمَا يَلِي:
أ - الاِلْتِزَامُ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ: أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، فَلاَ يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ، وَلاَ الْمُعَاهَدُ، وَلاَ الْمُسْتَأْمَنُ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (٢) ﴾ وَهَؤُلاَءِ تُقْبَل تَوْبَتُهُمْ قَبْل الْقُدْرَةِ، وَبَعْدَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (٣) ﴾ وَلِخَبَرِ: الإِِْسْلاَمُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ (٤) . وَلَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَقَدِ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ فَلَهُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا.
وَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمُسْلِمِ فِي أَحْكَامِ الْحِرَابَةِ. وَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ стр. 10294
فَقَدْ وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مُحَارِبًا أَوْ لاَ (١) .
ب - التَّكْلِيفُ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل شَرْطَانِ فِي عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ لأَِنَّهُمَا شَرْطَا التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ (٢) .
وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ مَنْ اشْتَرَكَ مَعَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ. وَقَالُوا: لأَِنَّهَا شُبْهَةٌ اخْتُصَّ بِهَا وَاحِدٌ فَلَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْبَاقِينَ. كَمَا لَوِ اشْتَرَكُوا فِي الزِّنَى بِامْرَأَةٍ.
نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَحَصَرُوا مُسْقِطَاتِ الْحَدِّ عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي تَوْبَتِهِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مُسْقِطًا آخَرَ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ رَجُلٌ هَارِبًا وَقَتَلَهُ صَبِيٌّ يُقْتَل الْمُمْسِكُ عِنْدَهُمْ (٣) . وَمُقْتَضَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ يُحَدُّ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ فِي الْقُطَّاعِ صَبِيٌّ أَوْ стр. 10295
مَجْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَحَدِ الْمَارَّةِ فَلاَ حَدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَاشَرَ الْعُقَلاَءُ الْفِعْل أَمْ لَمْ يُبَاشِرُوا، وَقَالُوا: لأَِنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَتْ بِالْكُل، فَإِِنْ لَمْ يَقَعْ فِعْل بَعْضِهِمْ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، كَانَ فِعْل الْبَاقِينَ بَعْضُ الْعِلَّةِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحُكْمُ. وَقَال وَأَبُو يُوسُفَ: إِذَا بَاشَرَ الْعُقَلاَءُ الْفِعْل يُحَدُّونَ (١) .
ج - الذُّكُورَةُ:
١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ الذُّكُورَةُ.
فَلَوْ اجْتَمَعَ نِسْوَةٌ لَهُنَّ قُوَّةٌ وَمَنَعَةٌ فَهُنَّ قَاطِعَاتُ طَرِيقٍ وَلاَ تَأْثِيرَ لِلأُْنُوثَةِ عَلَى الْحِرَابَةِ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالتَّدْبِيرِ مَا لِلرَّجُل فَيَجْرِي عَلَيْهَا مَا يَجْرِي عَلَى الرَّجُل مِنْ أَحْكَامِ الْحِرَابَةِ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ الذُّكُورَةُ: فَلاَ تُحَدُّ الْمَرْأَةُ وَإِِنْ وَلِيَتِ الْقِتَال وَأَخْذَ الْمَال، لأَِنَّ رُكْنَ الْحِرَابَةِ هُوَ: الْخُرُوجُ عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ عَادَةً لِرِقَّةِ قُلُوبِهِنَّ وَضَعْفِ بِنْيَتِهِنَّ، فَلاَ يَكُنَّ مِنْ أَهْل الْحِرَابَةِ.
وَلِهَذَا لاَ يُقْتَلْنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ يُحَدُّ كَذَلِكَ следующие страницы →