← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (١) ﴾ إِلَخْ. وَنَفَى الرَّسُول ﷺ انْتِسَابَهُمْ إِِلَى الإِِْسْلاَمِ فَقَال فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: مَنْ حَمَل عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا (٢) . الأَْصْل فِي جَزَاءِ الْحِرَابَةِ: ٧ - الأَْصْل فِي بَيَانِ جَزَاءِ الْحِرَابَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (٣) . . .﴾ إِلَخْ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حَدِّ قَاطِعِ الطَّرِيقِ كَمَا سَيَأْتِي. وَحَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُكْلٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِي الصُّفَّةِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ أَبْغِنَا رِسْلاً، فَقَال مَا أَجِدُ لَكُمْ إِلاَّ أَنْ تَلْحَقُوا بِإِِبِل رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَوْهَا فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَحُّوا وَسَمِنُوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ،

стр. 10292

فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ الصَّرِيخُ، فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ، فَمَا تَرَجَّل النَّهَارُ حَتَّى أُتِيَ بِهِمْ، فَأَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَّلَهُمْ وَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَمَا حَسَمَهُمْ، ثُمَّ أُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَمَا سُقُوا حَتَّى مَاتُوا. وَقَال أَبُو قِلاَبَةَ: سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ (١) . مَنْ يُعْتَبَرُ مُحَارِبًا: ٨ - الْمُحَارِبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: هُوَ كُل مُلْتَزِمٍ مُكَلَّفٍ أَخَذَ الْمَال بِقُوَّةٍ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ (٢) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَعْرِيفَاتٌ أُخْرَى لاَ تَخْرُجُ فِي مَفْهُومِهَا عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. وَلاَ بُدَّ مِنْ تَوَافُرِ شُرُوطٍ فِي الْمُحَارِبِينَ حَتَّى يُحَدُّوا حَدَّ الْحِرَابَةِ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ: أ - الاِلْتِزَامُ. ب - التَّكْلِيفُ. ج - وُجُودُ السِّلاَحِ مَعَهُمُ. د - الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ. هـ - الذُّكُورَةُ. و الْمُجَاهَرَةُ.

стр. 10293

وَلَمْ يَتَّفِقِ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ كُلِّهَا، بَل بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِهَا اخْتِلاَفٌ بَيَانُهُ كَمَا يَلِي: أ - الاِلْتِزَامُ: ٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ: أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، فَلاَ يُحَدُّ الْحَرْبِيُّ، وَلاَ الْمُعَاهَدُ، وَلاَ الْمُسْتَأْمَنُ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (٢) ﴾ وَهَؤُلاَءِ تُقْبَل تَوْبَتُهُمْ قَبْل الْقُدْرَةِ، وَبَعْدَهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (٣) ﴾ وَلِخَبَرِ: الإِِْسْلاَمُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ (٤) . وَلَمْ يَلْتَزِمُوا أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَقَدِ الْتَزَمَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ فَلَهُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا. وَظَاهِرُ عِبَارَةِ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الذِّمِّيَّ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْمُسْلِمِ فِي أَحْكَامِ الْحِرَابَةِ. وَأَمَّا الْمُسْتَأْمَنُ

стр. 10294

فَقَدْ وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ يَكُونُ مُحَارِبًا أَوْ لاَ (١) . ب - التَّكْلِيفُ: ١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْبُلُوغَ وَالْعَقْل شَرْطَانِ فِي عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ لأَِنَّهُمَا شَرْطَا التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ (٢) . وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ مَنْ اشْتَرَكَ مَعَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى أَنَّ الْحَدَّ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ. وَقَالُوا: لأَِنَّهَا شُبْهَةٌ اخْتُصَّ بِهَا وَاحِدٌ فَلَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْبَاقِينَ. كَمَا لَوِ اشْتَرَكُوا فِي الزِّنَى بِامْرَأَةٍ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَحَصَرُوا مُسْقِطَاتِ الْحَدِّ عَلَى قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي تَوْبَتِهِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مُسْقِطًا آخَرَ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ رَجُلٌ هَارِبًا وَقَتَلَهُ صَبِيٌّ يُقْتَل الْمُمْسِكُ عِنْدَهُمْ (٣) . وَمُقْتَضَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ يُحَدُّ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ فِي الْقُطَّاعِ صَبِيٌّ أَوْ

стр. 10295

مَجْنُونٌ أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ أَحَدِ الْمَارَّةِ فَلاَ حَدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، بَاشَرَ الْعُقَلاَءُ الْفِعْل أَمْ لَمْ يُبَاشِرُوا، وَقَالُوا: لأَِنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَامَتْ بِالْكُل، فَإِِنْ لَمْ يَقَعْ فِعْل بَعْضِهِمْ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، كَانَ فِعْل الْبَاقِينَ بَعْضُ الْعِلَّةِ فَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحُكْمُ. وَقَال وَأَبُو يُوسُفَ: إِذَا بَاشَرَ الْعُقَلاَءُ الْفِعْل يُحَدُّونَ (١) . ج - الذُّكُورَةُ: ١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ الذُّكُورَةُ. فَلَوْ اجْتَمَعَ نِسْوَةٌ لَهُنَّ قُوَّةٌ وَمَنَعَةٌ فَهُنَّ قَاطِعَاتُ طَرِيقٍ وَلاَ تَأْثِيرَ لِلأُْنُوثَةِ عَلَى الْحِرَابَةِ، فَقَدْ يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالتَّدْبِيرِ مَا لِلرَّجُل فَيَجْرِي عَلَيْهَا مَا يَجْرِي عَلَى الرَّجُل مِنْ أَحْكَامِ الْحِرَابَةِ (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَارِبِ الذُّكُورَةُ: فَلاَ تُحَدُّ الْمَرْأَةُ وَإِِنْ وَلِيَتِ الْقِتَال وَأَخْذَ الْمَال، لأَِنَّ رُكْنَ الْحِرَابَةِ هُوَ: الْخُرُوجُ عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ عَادَةً لِرِقَّةِ قُلُوبِهِنَّ وَضَعْفِ بِنْيَتِهِنَّ، فَلاَ يَكُنَّ مِنْ أَهْل الْحِرَابَةِ. وَلِهَذَا لاَ يُقْتَلْنَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ يُحَدُّ كَذَلِكَ

стр. 10296

مَنْ يُشَارِكُهُنَّ فِي الْقَطْعِ مِنَ الرِّجَال، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. سَوَاءٌ بَاشَرُوا الْجَرِيمَةَ أَمْ لَمْ يُبَاشِرُوا. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِذَا بَاشَرَتْ الْمَرْأَةُ الْقِتَال وَأَخْذَ الْمَال، يُحَدُّ الرِّجَال الَّذِينَ يُشَارِكُونَهَا، لأَِنَّ امْتِنَاعَ وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ لَيْسَ لِعَدَمِ الأَْهْلِيَّةِ، لأَِنَّهَا مِنْ أَهْل التَّكْلِيفِ، بَل لِعَدَمِ الْمُحَارَبَةِ عَادَةً، وَهَذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الرِّجَال الَّذِينَ يُشَارِكُونَهَا، فَلاَ يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ (١) . د - السِّلاَحُ: ١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ السِّلاَحِ فِي الْمُحَارِبِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْمُحَارِبِ سِلاَحٌ، وَالْحِجَارَةُ وَالْعِصِيُّ سِلاَحٌ " هُنَا " فَإِِنْ تَعَرَّضُوا لِلنَّاسِ بِالْعِصِيِّ وَالأَْحْجَارِ فَهُمْ مُحَارِبُونَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْمِلُوا شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ (٢) . وَلاَ يَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ حَمْل السِّلاَحِ بَل يَكْفِي عِنْدَهُمُ الْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ وَأَخْذُ الْمَال وَلَوْ بِاللَّكْزِ وَالضَّرْبِ بِجَمْعِ الْكَفِّ (٣) .

стр. 10297

هـ - الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ: ١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ الْبُعْدُ عَنِ الْعُمْرَانِ وَإِِنَّمَا يُشْتَرَطُ فَقْدُ الْغَوْثِ. وَلِفَقْدِ الْغَوْثِ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ، وَلاَ يَنْحَصِرُ فِي الْبُعْدِ عَنِ الْعُمْرَانِ. فَقَدْ يَكُونُ لِلْبُعْدِ عَنِ الْعُمْرَانِ أَوِ السُّلْطَانِ. وَقَدْ يَكُونُ لِضَعْفِ أَهْل الْعُمْرَانِ، أَوْ لِضَعْفِ السُّلْطَانِ. فَإِِنْ دَخَل قَوْمٌ بَيْتًا وَشَهَرُوا السِّلاَحَ وَمَنَعُوا أَهْل الْبَيْتِ مِنَ الاِسْتِغَاثَةِ فَهُمْ قُطَّاعُ طُرُقٍ فِي حَقِّهِمْ (١) . وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِعُمُومِ آيَةِ الْمُحَارَبَةِ، وَلأَِنَّ ذَلِكَ إِذَا وُجِدَ فِي الْعُمْرَانِ وَالأَْمْصَارِ وَالْقُرَى كَانَ أَعْظَمَ خَوْفًا وَأَكْثَرَ ضَرَرًا، فَكَانَ أَوْلَى بِحَدِّ الْحِرَابَةِ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِِلَى اشْتِرَاطِ الْبُعْدِ عَنِ الْعُمْرَانِ. فَإِِنْ حَصَل مِنْهُمُ الإِِْرْعَابُ وَأَخْذُ الْمَال فِي الْقُرَى وَالأَْمْصَارِ فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ، وَقَالُوا: لأَِنَّ الْوَاجِبَ يُسَمَّى حَدَّ

стр. 10298

قُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَقَطْعُ الطَّرِيقِ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَلأَِنَّ مَنْ فِي الْقُرَى وَالأَْمْصَارِ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ غَالِبًا فَتَذْهَبُ شَوْكَةُ الْمُعْتَدِينَ، وَيَكُونُونَ مُخْتَلِسِينَ وَهُوَ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ (١) . و الْمُجَاهَرَةُ: ١٤ - الْمُجَاهَرَةُ أَنْ يَأْخُذَ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ الْمَال جَهْرًا فَإِِنْ أَخَذُوهُ مُخْتَفِينَ فَهُمْ سُرَّاقٌ، وَإِِنِ اخْتَطَفُوا وَهَرَبُوا فَهُمْ مُنْتَهِبُونَ وَلاَ قَطْعَ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ إِنْ خَرَجَ الْوَاحِدُ، وَالاِثْنَانِ عَلَى آخِرِ قَافِلَةٍ، فَاسْتَلَبُوا مِنْهَا شَيْئًا، فَلَيْسُوا بِمُحَارِبِينَ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ. وَإِِنْ تَعَرَّضُوا لِعَدَدٍ يَسِيرٍ فَقَهَرُوهُمْ، فَهُمْ قُطَّاعُ طُرُقٍ (٢) . حُكْمُ الرِّدْءِ: ١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الرِّدْءِ أَيْ الْمُعِينِ لِلْقَاطِعِ بِجَاهِهِ أَوْ بِتَكْثِيرِ السَّوَادِ أَوْ بِتَقْدِيمِ أَيِّ عَوْنٍ لَهُمْ وَلَمْ يُبَاشِرْ الْقَطْعَ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ، لأَِنَّهُمْ مُتَمَالِئُونَ وَقَطْعُ الطَّرِيقِ يَحْصُل بِالْكُل، وَلأَِنَّ مِنْ عَادَةِ الْقُطَّاعِ أَنْ يُبَاشِرَ الْبَعْضُ، وَيَدْفَعَ عَنْهُمُ الْبَعْضُ الآْخَرُ، فَلَوْ لَمْ يُلْحَقِ الرِّدْءُ بِالْمُبَاشِرِ

стр. 10299

فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْحَدِّ لأََدَّى ذَلِكَ إِِلَى انْفِتَاحِ بَابِ قَطْعِ الطَّرِيقِ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُحَدُّ الرِّدْءُ، وَإِِنَّمَا يُعَزَّرُ كَسَائِرِ الْجَرَائِمِ الَّتِي لاَ حَدَّ فِيهَا (٢) . عُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ: ١٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ عُقُوبَةَ الْمُحَارِبِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لاَ تَقْبَل الإِِْسْقَاطَ وَلاَ الْعَفْوَ مَا لَمْ يَتُوبُوا قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) ﴾ . ١٧ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ: أَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَمْ عَلَى التَّنْوِيعِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِِلَى أَنَّ " أَوْ " فِي الآْيَةِ عَلَى تَرْتِيبِ الأَْحْكَامِ، وَتَوْزِيعِهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا فِي الْجِنَايَاتِ:

стр. 10300

فَمَنْ قَتَل وَأَخَذَ الْمَال، قُتِل وَصُلِبَ. وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَخْذِ الْمَال قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى. وَمَنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَقْتُل، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً نُفِيَ مِنَ الأَْرْضِ (١) . وَالنَّفْيُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَعْزِيرٌ وَلَيْسَ حَدًّا، فَيَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِغَيْرِهِ وَيَجُوزُ تَرْكُهُ إِنْ رَأَى الإِِْمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ. وَقَالُوا: بِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الآْيَةَ فَقَال: الْمَعْنَى: أَنْ يُقَتَّلُوا إِنْ قَتَلُوا. أَوْ يُصَلَّبُوا مَعَ الْقَتْل إِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال. أَوْ تُقَطَّعُ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ، إِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَال، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ، إِنْ أَرْعَبُوا، وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا وَلَمْ يَقْتُلُوا، وَحَمَلُوا كَلِمَةَ " أَوْ " عَلَى التَّنْوِيعِ لاَ التَّخْيِيرِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ أَيْ قَالَتْ الْيَهُودُ: كُونُوا هُودًا وَقَالَتِ النَّصَارَى: كُونُوا نَصَارَى وَلَمْ يَقَعْ تَخْيِيرُهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّة. وَقَالُوا أَيْضًا: إِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ إِجْرَاءُ الآْيَةِ عَلَى ظَاهِرِ التَّخْيِيرِ فِي مُطْلَقِ الْمُحَارِبِ لأَِمْرَيْنِ: الأَْوَّل: أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ، يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْجِنَايَةِ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهَا بِمُقْتَضَى

стр. 10301

الْعَقْل وَالسَّمْعِ أَيْضًا قَال تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا (١) ﴾ فَالتَّخْيِيرُ فِي جَزَاءِ الْجِنَايَةِ الْقَاصِرَةِ بِمَا يَشْمَل جَزَاءَ الْجِنَايَةِ الْكَامِلَةِ، وَفِي الْجِنَايَةِ الْكَامِلَةِ بِمَا يَشْمَل جَزَاءَ الْجِنَايَةِ الْقَاصِرَةِ خِلاَفُ الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ. يَزِيدُ هَذَا إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ عَلَى أَنَّ قُطَّاعَ الطُّرُقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال، لاَ يَكُونُ جَزَاؤُهُمُ الْمَعْقُول النَّفْيَ وَحْدَهُ، وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الْعَمَل بِظَاهِرِ التَّخْيِيرِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّخْيِيرَ الْوَارِدَ فِي الأَْحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ إِنَّمَا يَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهِ إِذَا كَانَ سَبَبُ الْوُجُوبِ وَاحِدًا كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَكَفَّارَةِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، أَمَّا إِذَا كَانَ السَّبَبُ مُخْتَلِفًا، فَإِِنَّهُ يُخْرِجُ التَّخْيِيرَ عَنْ ظَاهِرِهِ وَيَكُونُ الْغَرَضُ بَيَانَ الْحُكْمِ لِكُل وَاحِدٍ فِي نَفْسِهِ. وَقَطْعُ الطَّرِيقِ مُتَنَوِّعٌ، وَبَيْنَ أَنْوَاعِهِ تَفَاوُتٌ فِي الْجَرِيمَةِ، فَقَدْ يَكُونُ بِأَخْذِ الْمَال فَقَطْ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْقَتْل لاَ غَيْرُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْوِيفِ فَحَسْبُ، فَكَانَ سَبَبُ الْعِقَابِ مُخْتَلِفًا. فَتُحْمَل الآْيَةُ عَلَى بَيَانِ حُكْمِ كُل نَوْعٍ فَيُقَتَّلُونَ وَيُصَلَّبُونَ إِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَال، وَتُقَطَّعُ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ إِنْ أَخَذُوا الْمَال لاَ غَيْرُ، وَيُنْفَوْنَ مِنَ الأَْرْضِ، إِنْ أَخَافُوا الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَقْتُلُوا نَفْسًا وَلَمْ

стр. 10302

يَأْخُذُوا مَالاً. وَيَدُل أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ : بَدَأَ بِالأَْغْلَظِ فَالأَْغْلَظِ وَالْمَعْهُودُ مِنَ الْقُرْآنِ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ التَّخْيِيرُ، الْبُدَاءَةُ بِالأَْخَفِّ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ التَّرْتِيبُ يَبْدَأُ فِيهِ بِالأَْغْلَظِ فَالأَْغْلَظِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْقَتْل (١) . وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَخَذَ قَبْل قَتْل نَفْسٍ أَوْ أَخْذِ شَيْءٍ حُبِسَ بَعْدَ التَّعْزِيرِ حَتَّى يَتُوبَ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ فِي الآْيَةِ، وَإِِنْ أَخَذَ مَالاً مَعْصُومًا بِمِقْدَارِ النِّصَابِ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلاَفٍ، وَإِِنْ قَتَل مَعْصُومًا وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً قُتِل. أَمَّا إِنْ قَتَل النَّفْسَ وَأَخَذَ الْمَال، وَهُوَ الْمُحَارِبُ الْخَاصُّ فَالإِِْمَامُ مُخَيَّرٌ فِي أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلاَفٍ ثُمَّ قَتَلَهُمْ، وَإِِنْ شَاءَ قَتَلَهُمْ فَقَطْ، وَإِِنْ شَاءَ صَلَبَهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالصَّلْبِ هُنَا طَعْنُهُ وَتَرْكُهُ حَتَّى يَمُوتَ وَلاَ يُتْرَكُ أَكْثَر مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُ إِفْرَادُ الْقَطْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَل لاَ بُدَّ مِنِ انْضِمَامِ الْقَتْل أَوِ الصَّلْبِ إِلَيْهِ، لأَِنَّ الْجِنَايَةَ قَتْلٌ وَأَخْذُ مَالٍ، وَالْقَتْل وَحْدَهُ فِيهِ الْقَتْل، وَأَخْذُ الْمَال وَحْدَهُ فِيهِ الْقَطْعُ، فَفِيهِمَا مَعَ الإِِْخَافَةِ لاَ يُعْقَل الْقَطْعُ وَحْدَهُ. وَقَال: صَاحِبَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: يُصْلَبُونَ وَيُقْتَلُونَ وَلاَ يُقْطَعُونَ (٢) .

стр. 10303

وَقَال قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ الآْيَةَ تَدُل عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْجَزَاءَاتِ الأَْرْبَعَةِ. فَإِِذَا خَرَجُوا لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَدَرَ عَلَيْهِمُ الإِِْمَامُ، خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَيْ هَذِهِ الأَْحْكَامَ إِنْ رَأَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ وَإِِنْ لَمْ يَقْتُلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالاً. وَإِِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِِْمَامُ مَالِكٌ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: وَهُوَ إِنْ قَتَل فَلاَ بُدَّ مِنْ قَتْلِهِ، إِلاَّ إِنْ رَأَى الإِِْمَامُ أَنَّ فِي إِبْقَائِهِ مَصْلَحَةً أَعْظَمَ مِنْ قَتْلِهِ (١) . وَلَيْسَ لَهُ تَخْيِيرٌ فِي قَطْعِهِ، وَلاَ نَفْيِهِ، وَإِِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ أَوْ صَلْبِهِ. وَإِِنْ أَخَذَ الْمَال وَلَمْ يَقْتُل لاَ تَخْيِيرَ فِي نَفْيِهِ، وَإِِنَّمَا التَّخْيِيرُ فِي قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ مِنْ خِلاَفٍ، وَإِِنْ أَخَافَ السَّبِيل فَقَطْ فَالإِِْمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قَتْلِهِ، أَوْ صَلْبِهِ، أَوْ قَطْعِهِ، بِاعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ. هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَال. أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلاَ تُصْلَبُ، وَلاَ تُنْفَى، وَإِِنَّمَا حَدُّهَا: الْقَطْعُ مِنْ خِلاَفٍ، أَوِ الْقَتْل الْمُجَرَّدُ وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ الآْيَةِ، فَإِِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ بِكَلِمَةِ " أَوْ " وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّخْيِيرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ " أَوْ " فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ (٢) .

стр. 10304

كَيْفِيَّةُ تَنْفِيذِ الْعُقُوبَةِ: أ - (النَّفْيُ) : ١٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً وَلَمْ يَقْتُل نَفْسًا فَعُقُوبَتُهُ النَّفْيُ مِنَ الأَْرْضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى النَّفْيِ فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: نَفْيُهُ حَبْسُهُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ (١) . وَذَهَبَ مَالِكٌ: إِِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ إِبْعَادُهُ عَنْ بَلَدِهِ إِِلَى مَسَافَةِ الْبُعْدِ (٢) ، وَحَبْسُهُ فِيهِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيُّ: الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ الْحَبْسُ أَوْ غَيْرُهُ كَالتَّغْرِيبِ كَمَا فِي الزِّنَى (٤) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: نَفْيُهُمْ: أَنْ يُشَرَّدُوا فَلاَ يُتْرَكُوا يَسْتَقِرُّونَ فِي بَلَدٍ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ إِِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ كَنَفْيِ الزَّانِي (٥) . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهَا

стр. 10305

تُغَرَّبُ وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ النَّصِّ ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ﴾ . وَاشْتَرَطُوا لِتَغْرِيبِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا مَحْرَمُهَا فَإِِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهَا مَحْرَمُهَا فَعِنْدَ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهَا تُغَرَّبُ إِِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِتَقْرَبَ مِنْ أَهْلِهَا فَيَحْفَظُوهَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُؤَخَّرُ التَّغْرِيبُ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ تَغْرِيبَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلاَ صَلْبَ (٢) . ب - الْقَتْل: ١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُغَلَّبُ فِي قَتْل قَاطِعِ الطَّرِيقِ، إِذَا قَتَل فَقَطْ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِِلَى أَنَّهُ يُغَلَّبُ الْحَدُّ، فَيُقْتَل وَإِِنْ قَتَل بِمُثَقَّلٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْمَقْتُول، فَيَقْتُل الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ، كَمَا لاَ عِبْرَةَ بِعَفْوِ مُسْتَحِقِّ الْقَوَدِ (٣) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ: يُغَلَّبُ جَانِبُ الْقِصَاصِ لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ فَيُقْتَل قِصَاصًا أَوَّلاً، فَإِِذَا عَفَا مُسْتَحِقُّ

стр. 10306

الْقِصَاصِ عَنْهُ يُقْتَل حَدًّا، وَيُشْتَرَطُ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الْقَاتِل وَالْمَقْتُول، لِخَبَرِ: لاَ يُقْتَل مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (١) وَعَلَى هَذَا إِذَا قَتَل مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوِ الْحُرُّ غَيْرَ حُرٍّ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَالاً، لَمْ يَقْتُل قِصَاصًا، وَيَغْرَمُ دِيَةَ الذِّمِّيِّ، وَقِيمَةَ الرَّقِيقِ (٢) . ج - الْقَطْعُ مِنْ خِلاَفٍ: ٢٠ - يُرَاعَى فِي كَيْفِيَّةِ الْقَطْعِ مَا يُرَاعَى فِي قَطْعِ السَّارِقِ (٣) . وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (سَرِقَةٌ) . د - الصَّلْبُ: ٢١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ الصَّلْبِ، وَمُدَّتِهِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يُصْلَبُ حَيًّا، وَيُقْتَل مَصْلُوبًا (٤) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُتْرَكُ مَصْلُوبًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُحَدَّدُ مُدَّةُ الصُّلْبِ بِاجْتِهَادِ الإِِْمَامِ (٥) .

стр. 10307

وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا لِلتَّشْهِيرِ بِهِ ثُمَّ يُنْزَل فَيُقْتَل (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ وَالْحَنَابِلَةُ: يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْل، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الْقَتْل عَلَى الصَّلْبِ لَفْظًا. فَيَجِبُ تَقْدِيمُ مَا ذُكِرَ أَوَّلاً فِي الْفِعْل كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (٢) ﴾ . وَلأَِنَّ فِي صَلْبِهِ حَيًّا تَعْذِيبًا لَهُ (٣) . وَقَال ﷺ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فَإِِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ (٤) . وَعَلَى هَذَا الرَّأْيِ: يُقْتَل، ثُمَّ يُغَسَّل، وَيُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَيُتْرَكُ مَصْلُوبًا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَلاَ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالصَّلْبِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَصْلِيبٌ) . ضَمَانُ الْمَال وَالْجِرَاحَاتِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ: ٢٢ - إِذَا أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَى الْمُحَارِبِ، فَهَل يُضْمَنُ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْمَال، وَيُقْتَصُّ مِنْهُ لِلْجِرَاحَاتِ؟ اخْتَلَفَ الأَْئِمَّةُ فِي ذَلِكَ:

стр. 10308

فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ مَالاً وَأُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ ضَمِنُوا الْمَال مُطْلَقًا (١) . ثُمَّ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الآْخِذِ فَقَطْ، لاَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ وَلَمْ يُبَاشِرِ الأَْخْذَ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالُوا: لأَِنَّ وُجُودَ الضَّمَانِ لَيْسَ بِحَدٍّ فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُبَاشِرِ لَهُ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُعْتَبَرُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ ضَامِنًا لِلْمَال الْمَأْخُوذِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْل صَاحِبِهِ لأَِنَّهُمْ كَالْحُمَلاَءِ (الْكُفَلاَءِ) فَكُل مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ أُخِذَ بِجَمِيعِ مَا أَخَذَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِتَقَوِّي بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَمَنْ دَفَعَ أَكْثَر مِمَّا أَخَذَ يَرْجِعُ عَلَى أَصْحَابِهِ (٣) . أَمَّا الْجِرَاحَاتُ فَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا جَرَحَ جَرْحًا فِيهِ قَوَدٌ فَانْدَمَل لَمْ يَتَحَتَّمْ بِهِ قِصَاصٌ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بَل يُتَخَيَّرُ الْمَجْرُوحُ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لأَِنَّ التَّحَتُّمَ تَغْلِيظٌ لِحَقِّ اللَّهِ، فَاخْتُصَّ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَّارَةِ، وَلأَِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَرْعِ الْحَدِّ فِي حَقِّ الْمُحَارِبِ بِالْجِرَاحِ، فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ فِي غَيْرِ الْحِرَابَةِ.

стр. 10309

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لأَِحْمَدَ: يَتَحَتَّمُ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالنَّفْسِ لأَِنَّ الْجِرَاحَ تَابِعَةٌ لِلْقَتْل فَيَثْبُتُ فِيهَا مِثْل حُكْمِهِ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَتَحَتَّمُ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لأَِنَّهُمَا مِمَّا يَسْتَحِقَّانِ فِي الْمُحَارَبَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا. أَمَّا إِذَا سَرَى الْجُرْحُ إِِلَى النَّفْسِ فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ يَتَحَتَّمُ الْقَتْل (١) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ مَالاً وَأُقِيمَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ فَإِِنْ كَانَ الْمَال قَائِمًا رَدُّوهُ، وَإِِنْ كَانَ تَالِفًا أَوْ مُسْتَهْلَكًا لاَ يَضْمَنُونَهُ، لأَِنَّهُ لاَ يُجْمَعُ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْحَدِّ وَالضَّمَانِ، وَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ سَوَاءٌ كَانَتْ خَطَأً أَمْ عَمْدًا، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَتْ خَطَأً، فَإِِنَّهَا تُوجِبُ الضَّمَانَ، وَإِِنْ كَانَتْ عَمْدًا، فَإِِنَّ الْجِنَايَةَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكُ الأَْمْوَال، وَلاَ يَجِبُ ضَمَانُ الْمَال مَعَ إِقَامَةِ الْحَدِّ فَكَذَلِكَ الْجِرَاحَاتُ (٢) . مَا تَثْبُتُ بِهِ الْحِرَابَةُ: ٢٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ جَرِيمَةَ الْحِرَابَةِ تَثْبُتُ قَضَاءً بِالإِِْقْرَارِ، أَوْ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. وَتُقْبَل شَهَادَةُ الرُّفْقَةِ فِي الْحِرَابَةِ، فَإِِذَا شَهِدَ عَلَى

стр. 10310

الْمُحَارِبِ اثْنَانِ مِنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ لِغَيْرِهِمَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لأَِنْفُسِهِمَا فِي الشَّهَادَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ عَنْ كَوْنِهِمَا مِنَ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِمْ، وَإِِنْ بَحَثَ لَمْ يَلْزَمْهُمُ الإِِْجَابَةُ، أَمَّا إِذَا تَعَرَّضُوا لأَِنْفُسِهِمَا بِأَنْ يَقُولاَ: قَطَعُوا عَلَيْنَا الطَّرِيقَ، وَنَهَبُوا أَمْوَالَنَا لَمْ يُقْبَلاَ، لاَ فِي حَقِّهِمَا وَلاَ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا لِلْعَدَاوَةِ. وَقَال مَالِكٌ: تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَتُقْبَل عِنْدَهُ فِي الْحِرَابَةِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ. حَتَّى لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى رَجُلٍ اشْتُهِرَ بِالْحِرَابَةِ أَنَّهُ هُوَ الْمُشْتَهِرُ بِالْحِرَابَةِ تَثْبُتُ الْحِرَابَةُ بِشَهَادَتِهِمَا وَإِِنْ لَمْ يُعَايِنَاهُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (شَهَادَةٌ وَإِِقْرَارٌ) . سُقُوطُ عُقُوبَةِ الْحِرَابَةِ: ٢٤ - يَسْقُطُ حَدُّ الْحِرَابَةِ عَنِ الْمُحَارِبِينَ بِالتَّوْبَةِ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي شَأْنِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَقًّا لِلَّهِ، وَهُوَ تَحَتُّمُ الْقَتْل، وَالصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ مِنْ خِلاَفٍ، وَالنَّفْيِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ (٢) .

стр. 10311

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ (١) ﴾ فَاَللَّهُ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الْحَدَّ، ثُمَّ اسْتَثْنَى التَّائِبِينَ قَبْل الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. أَمَّا حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ فَلاَ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ. فَيَغْرَمُونَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْمَال عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَ الْمَال قَائِمًا، وَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ إِذَا قَتَلُوا عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ، وَلاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِعَفْوِ مُسْتَحِقِّ الْحَقِّ فِي مَالٍ أَوْ قِصَاصٍ (٢) .

стр. 10312

حِرَاسَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِرَاسَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ حَرَسَ الشَّيْءَ يَحْرُسُهُ وَيَحْرُسُهُ حَرَسًا، حَفِظَهُ حِفْظًا مُسْتَمِرًّا، وَهُوَ أَنْ يَصْرِفَ الآْفَاتِ عَنِ الشَّيْءِ قَبْل أَنْ تُصِيبَهُ صَرْفًا مُسْتَمِرًّا، فَإِِذَا أَصَابَتْهُ فَصَرَفَهَا عَنْهُ سُمِّيَ تَخْلِيصًا، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْحَرْسِ وَهُوَ الدَّهْرُ. وَحَرَسَ أَيْضًا إِذَا سَرَقَ فَالْفِعْل مِنَ الأَْضْدَادِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَيُطْلِقُونَ عَلَى الشَّاةِ يُدْرِكُهَا اللَّيْل قَبْل رُجُوعِهَا إِِلَى مَأْوَاهَا فَتُسْرَقُ، حَرِيسَةٌ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ حِفْظُهُ الشَّيْءَ حِفْظًا مُسْتَمِرًّا الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الرِّبَاطُ: ٢ - هُوَ الإِِْقَامَةُ بِالثَّغْرِ تَقْوِيَةً لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ، وَالثَّغْرُ كُل مَكَانٍ يُخِيفُ أَهْلُهُ الْعَدُوَّ

стр. 10313

وَيُخِيفُهُمْ، وَأَصْل الرِّبَاطِ مِنْ رِبَاطِ الْخَيْل لأَِنَّ هَؤُلاَءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ وَهَؤُلاَءِ يَرْبِطُونَ خُيُولَهُمْ كُلٌّ يُعِدُّ لِصَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْمُقَامُ بِالثَّغْرِ رِبَاطًا وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْلٌ (١) . وَقَدْ رُوِيَ فِي فَضْل الرِّبَاطِ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا رَوَى سَلْمَانُ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ (٢) . فَالرِّبَاطُ أَخَصُّ مِنَ الْحِرَاسَةِ لأَِنَّهُ حِرَاسَةٌ لِثَغْرٍ بِالإِِْقَامَةِ فِيهِ ب - الْحِمَى: ٣ - الْحِمَى يَكُونُ فِي بُقْعَةٍ مَوَاتٍ لِرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، وَيَكُونُ بِمَنْعِ الإِِْمَامِ النَّاسَ مِنْ رَعْيِهَا إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِمْ (٣) ، لأَِنَّهُ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ (٤) . وَعَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الزُّهْرِيَّ

стр. 10314

قَال: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ (١) . فَالْحِمَى حِرَاسَةُ بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَتَّى لاَ يَرْعَاهَا غَيْرُ نَعَمِ الْجِزْيَةِ أَوِ الصَّدَقَةِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْحِرَاسَةِ بِاخْتِلاَفِ أَحْوَالِهَا وَتَعْتَرِيهَا الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ: فَتَكُونُ الْحِرَاسَةُ وَاجِبَةً كَحِرَاسَةِ طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ لِلأُْخْرَى الَّتِي تُصَلِّي صَلاَةَ الْخَوْفِ عَمَلاً بِقَوْل رَبِّنَا جَل وَعَلاَ ﴿وَإِِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٢) ﴾ . وَفِي تَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (صَلاَةُ الْخَوْفِ) . وَتَكُونُ مُسْتَحَبَّةً كَالْحِرَاسَةِ وَالْمُرَابَطَةِ فِي الثُّغُورِ

стр. 10315

تَطَوُّعًا وَفِي غَيْرِ تَهْدِيدِ الْعَدُوِّ لَنَا، لِحَدِيثِ سَلْمَانَ ﵁ السَّابِقِ (١) . وَمِنْهَا الْحِرَاسَةُ فِي الْغَزْوِ تَطَوُّعًا جَاءَ فِي فَضْلِهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ مُتَطَوِّعًا لاَ يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَرَ النَّارَ بِعَيْنَيْهِ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ : عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيل اللَّهِ (٣) . وَتَكُونُ مُبَاحَةً كَمَنْ يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ لِحِرَاسَةِ مُبَاحٍ كَحَارِسِ الثِّمَارِ وَالأَْسْوَاقِ وَمَا شَابَهَ ذَلِكَ (٤) . وَتَكُونُ مُحَرَّمَةً كَحِرَاسَةِ مَا يُؤَدِّي إِِلَى فَسَادِ الدِّينِ. . . وَمِنْ ذَلِكَ حِرَاسَةُ أَمَاكِنِ اللَّهْوِ الْمُحَرَّمِ وَالْخَمْرِ وَالْفُجُورِ وَنَحْوِهَا (٥) .

стр. 10316

حُكْمُ اسْتِخْدَامِ الْكَلْبِ وَمَا شَابَهَ لِلْحِرَاسَةِ: ٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى جَوَازِ اسْتِخْدَامِ الْكَلْبِ لِلْحِرَاسَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُل يَوْمٍ قِيرَاطٌ (١) أَمَّا فِي حُكْمِ ضَمَانِ الْحَارِسِ فَخِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَمَانٌ) وَ (وَدِيعَةٌ) . (٢)

стр. 10317

حَرَامٌ انْظُرْ: تَحْرِيمٌ. حَرْبٌ انْظُرْ: جِهَادٌ حَرْبِيٌّ انْظُرْ: أَهْل الْحَرْبِ، دَارُ الْحَرْبِ.

стр. 10318

حَرَجٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَرَجُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الضِّيقِ يُقَال حَرَجَ الرَّجُل: أَثِمَ، وَصَدْرٌ حَرِجٌ: ضَيِّقٌ، وَرَجُلٌ حَرِجٌ: آثِمٌ، وَيُقَال: تَحَرَّجَ الإِِْنْسَانُ تَحَرُّجًا أَيْ فَعَل فِعْلاً جَانَبَ بِهِ الْحَرَجَ، وَهَذَا مِمَّا وَرَدَ لَفْظُهُ مُخَالِفًا لِمَعْنَاهُ، وَيُطْلَقُ الْحَرَجُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ أُخْرَى لَكِنَّهَا لاَ تَخْرُجُ فِي دَلاَلَتِهَا عَنْ مَعْنَى الضِّيقِ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْمَعَانِي الْمَجَازِيَّةِ كَالإِِْثْمِ وَالْحَرَامِ. وَمِنْ إِِطْلاَقَاتِهِ أَيْضًا: الْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَصِل إِلَيْهِ الرَّاعِيَةُ، يُقَال: هَذَا مَكَانٌ حَرِجٌ أَيْ ضَيِّقٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ (١) . وَيُفْهَمُ مِنِ اسْتِعْمَالاَتِ الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ الْحَرَجِ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى كُل مَا تَسَبَّبَ فِي الضِّيقِ، سَوَاءٌ أَكَانَ وَاقِعًا عَلَى الْبَدَنِ، أَمْ عَلَى النَّفْسِ، أَمْ عَلَيْهِمَا مَعًا. وَأَمَّا عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: فَهُوَ كُلِّيٌّ مُشَكِّكٌ (٢)

стр. 10319

بَعْضُ أَفْرَادِهِ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَلاَ يُعْتَبَرُ كُل مَرْتَبَةٍ مِنْهُ، بَل مَا ثَبَتَ مِنَ الشَّارِعِ اعْتِبَارُهُ حَرَجًا (١) . وُرُودُ لَفْظِ الْحَرَجِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: ٢ - وَرَدَ لَفْظُ الْحَرَجِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَتَارَةً فُسِّرَ بِمَعْنَى الإِِْثْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (٢) ﴾ ، وَتَارَةً فُسِّرَ بِمَعْنَى الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٣) ﴾ . وَكَذَلِكَ فِي السُّنَّةِ: وَرَدَتْ كَلِمَةُ الْحَرَجِ بِكَثْرَةٍ وَأَغْلَبُهَا يَعُودُ إِِلَى الْمَعَانِي التَّالِيَةِ: - الإِِْثْمُ: كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَلاَ حَرَجَ (٤) أَيْ وَلاَ إِثْمَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ مَا سَمِعْتُمْ (٥) . - الْحَرَامُ: كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا اللَّهُمَّ إِنِّي

стр. 10320

أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ: أَيْ أُحَرِّمُ (١) . - الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ: كَقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ حِينَمَا سُئِل عَنْ أَسْبَابِ أَمْرِهِ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُول: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ " بَدَلاً مِنْ " حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الرُّخْصَةُ: ٣ - الرُّخْصَةُ فِي اللُّغَةِ الْيُسْرُ وَالسُّهُولَةُ يُقَال: رَخُصَ السِّعْرُ إِذَا تَرَاجَعَ، وَسَهُل الشِّرَاءُ. وَفِي الشَّرِيعَةِ: عِبَارَةٌ عَمَّا وُسِّعَ لِلْمُكَلَّفِ فِي فِعْلِهِ لِعُذْرٍ، وَعَجَزَ عَنْهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ. كَتَنَاوُل الْمَيْتَةِ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ، وَسُقُوطِ أَدَاءِ رَمَضَانَ عَنِ الْمُسَافِرِ. وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ عِبَارَاتِ الأُْصُولِيِّينَ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلرُّخْصَةِ (٣) .

стр. 10321

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الرُّخْصَةِ وَالْحَرَجِ الضِّدْيَةُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (رُخْصَةٌ) وَالْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ. ب - الْعَزِيمَةُ: ٤ - الْعَزِيمَةُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَصْدِ الْمُؤَكَّدِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١) ﴾ . وَفِي الشَّرِيعَةِ لَهَا تَعْرِيفَاتٌ كَثِيرَةٌ أَقْرَبُهَا مَا عَرَّفَهَا بِهِ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ: أَنَّ الْعَزِيمَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى (٢) ". وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عَزِيمَةٌ) وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. ج - الْمَشَقَّةُ: ٥ - الْمَشَقَّةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْجَهْدِ وَالْعَنَاءِ وَالشِّدَّةِ، يُقَال: شَقَّ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَشُقُّ شَقًّا، وَمَشَقَّةً إِذَا أَتْعَبَهُ (٣) ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَْنْفُسِ (٤) ﴾ . د - الضَّرُورَةُ: ٦ - الضَّرُورَةُ اسْمٌ مِنَ الاِضْطِرَارِ وَمَأْخُوذَةٌ مِنَ

стр. 10322

الضَّرَرِ، وَهُوَ ضِدُّ النَّفْعِ (١) . وَفِي الشَّرْعِ بُلُوغُ الإِِْنْسَانِ حَدًّا إِنْ لَمْ يَتَنَاوَل الْمَمْنُوعَ هَلَكَ أَوْ قَارَبَ، وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُل الْحَرَامِ. وَتُعْتَبَرُ حَالَةُ الضَّرُورَةِ مِنْ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْحَرَجِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّخْفِيفِ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (ضَرُورَةٌ) وَالْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. هـ - الْحَاجَةُ: ٧ - الْحَاجَةُ فِي الأَْصْل: الاِفْتِقَارُ إِِلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُوَفِّرُ تَحَقُّقُهُ رَفْعَ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللاَّحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ، وَلَكِنَّهَا لَوْ لَمْ تُرَاعَ لَمْ يَدْخُل عَلَى الْمُكَلَّفِ الْفَسَادُ الْعَظِيمُ الْمُتَحَقِّقُ لِفِقْدَانِ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ. كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَأْكُل لَمْ يَهْلِكْ (٣) . وَالْحَاجَةُ قَدْ تُنَزَّل مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ لاِعْتِبَارَاتٍ مُعَيَّنَةٍ. الْحُكْمُ الإِِْجْمَالِيُّ: ٨ - الْحَرَجُ مَرْفُوعٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (٤) ﴾ قَوْله تَعَالَى

стр. 10323

: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (١) ﴾ وَمِنْهُ الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ: الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ " قَال الْفُقَهَاءُ: عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَتَخَرَّجُ جَمِيعُ رُخَصِ الشَّرْعِ كَالتَّخْفِيفِ لأَِجْل السَّفَرِ وَالْمَرَضِ وَنَحْوِهَا. وَمِثْلُهَا قَاعِدَةُ: الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ". كَأَكْل الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَإِِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَرَجِ مِنْ أَحْكَامٍ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

стр. 10324

حُرٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحُرُّ مِنَ الرِّجَال خِلاَفُ الْعَبْدِ، وَسُمِّيَ حُرًّا لِخُلُوصِهِ مِنَ الرِّقِّ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ حُرٌّ إِذَا خَلِصَ مِنَ الاِخْتِلاَطِ بِغَيْرِهِ، وَجَمْعُ الْحُرِّ أَحْرَارٌ، وَالْحُرَّةُ خِلاَفُ الأَْمَةِ، وَالْحُرَّةُ أَيْضًا الْكَرِيمَةُ، وَجَمْعُهَا حَرَائِرُ عَلَى خِلاَفِ الْقِيَاسِ، كَشَجَرَةٍ مُرَّةٍ وَشَجَرٌ مَرَائِرُ، وَيُسْتَعَارُ الْحُرُّ أَيْضًا لِلْكَرِيمِ، كَالْعَبْدِ لِلَّئِيمِ (١) . وَهُوَ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: مَنْ خَلَصَتْ ذَاتُهُ عَنْ شَائِبَةِ الرِّقِّ وَالْمِلْكِ (٢) ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ اسْتَقَرَّتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ فَذَاكَ، وَضَرْبٌ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ ظَاهِرًا كَاللَّقِيطِ (٣) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمُبَعَّضُ: ٢ - الْمُبَعَّضُ هُوَ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ،

стр. 10325

وَتُعْرَفُ أَحْكَامُهُ بِالرُّجُوعِ إِِلَى مُصْطَلَحِ (تَبْعِيضٌ) ب - الْعَبْدُ: ٣ - الْعَبْدُ هُوَ الْمَمْلُوكُ مِنَ الذُّكُورِ خَاصَّةً. قَال الزَّرْقَانِيُّ: وَإِِنْ كَانَ لَفْظُ الْعَبْدِ يَشْمَل الأُْنْثَى شَرْعًا نَحْوُ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١) ﴾ لَكِنَّ الْعُرْفَ أَصْلٌ مِنْ أُصُول الشَّرْعِ يُخَصِّصُ الْعَامَّ وَيُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ (٢) . وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْقِنِّ، وَهُوَ مَنْ مُلِكَ هُوَ وَأَبَوَاهُ، أَوْ هُوَ الَّذِي لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ. وَعَلَى الْمُدَبَّرِ: وَهُوَ مَنْ عَلِقَ عِتْقُهُ بِالْمَوْتِ الَّذِي هُوَ دُبُرُ الْحَيَاةِ. وَعَلَى الْمُكَاتَبِ: وَهُوَ مَنْ عَلِقَ عِتْقُهُ بِلَفْظِ الْكِتَابَةِ وَبِعِوَضٍ مُنَجَّمٍ بِنَجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ (٣) . ج - الأَْمَةُ: ٤ - الأَْمَةُ وَهِيَ الأُْنْثَى مِنَ الْمَمَالِيكِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ كَامِلَةَ الْعُبُودِيَّةِ أَمْ مُكَاتَبَةً أَمْ مُدَبَّرَةً، وَلَفْظُ الأَْمَةِ يَصْدُقُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، وَهِيَ الَّتِي أَحْبَلَهَا سَيِّدُهَا فَوَلَدَتْ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، أَوْ مَا تَجِبُ فِيهِ غُرَّةٌ كَمُضْغَةٍ

стр. 10326

فِيهَا صُورَةُ آدَمِيٍّ ظَاهِرَةً أَوْ خَفِيَّةً أَخْبَرَ بِهَا الْقَوَابِل (١) . الأَْحْكَامُ الإِِْجْمَالِيَّةُ: ٥ - الأَْصْل فِي الإِِْنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ، وَالرِّقُّ طَارِئٌ عَلَى الإِِْنْسَانِ، وَالأَْصْل فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهَا لِلأَْحْرَارِ، وَيُوَافِقُ الرَّقِيقُ الأَْحْرَارَ فِي أَغْلَبِ الأَْحْكَامِ، وَهُنَاكَ أَحْكَامٌ يَخْتَصُّ بِهَا الرَّقِيقُ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (رِقٌّ) . الْحُرُّ لاَ يَدْخُل تَحْتَ الْيَدِ: ٦ - وَهِيَ قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ تَذْكُرُهَا كُتُبُ الْقَوَاعِدِ وَمَعْنَاهَا: أَنَّ الْحُرَّ لاَ يُسْتَوْلَى عَلَيْهِ اسْتِيلاَءَ الْغَصْبِ وَالْمِلْكِ فَلاَ يُبَاعُ وَلاَ يُشْتَرَى، وَمِنْ فُرُوعِهَا أَنَّهُ لَوْ حَبَسَ إِنْسَانٌ حُرًّا وَلَمْ يَمْنَعْهُ الطَّعَامَ حَتَّى مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِانْهِدَامِ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا ضَمِنَهُ، وَلاَ يَضْمَنُ مَنَافِعَهُ مَا دَامَ فِي حَبْسِهِ إِذَا لَمْ يَسْتَوْفِهَا، وَيَضْمَنُ مَنَافِعَ الْعَبْدِ. وَمِنْ فُرُوعِهَا أَيْضًا أَنَّ ثِيَابَ الْحُرِّ وَمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَال لاَ يَدْخُل فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ، لأَِنَّهَا فِي يَدِ الْحُرِّ حَقِيقَةً، وَكَذَا لَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا عَلَى الأَْصَحِّ (٢) .

стр. 10327

حِرْزٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِرْزُ فِي اللُّغَةِ: الْمَوْضُوعُ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الشَّيْءُ، وَالْجَمْعُ أَحْرَازٌ، تَقُول: أَحْرَزْتُ الشَّيْءَ أُحْرِزُهُ إِحْرَازًا إِذَا حَفِظْتَهُ وَضَمَمْتَهُ إِلَيْكَ وَصُنْتَهُ عَنِ الأَْخْذِ. وَلِلْحِرْزِ مَعَانٍ أُخْرَى مِنْهَا: الْمَوْضِعُ الْحَصِينُ: يُقَال: هَذَا حِرْزٌ حَرِيزٌ، لِلتَّأْكِيدِ، كَمَا يُقَال: حِصْنٌ حَصِينٌ (١) . وَالتَّعْوِيذَةُ. وَالنَّصِيبُ، كَمَا يُقَال. أَخَذَ حِرْزَهُ. أَيْ نَصِيبَهُ (٢) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ مَا نُصِبَ عَادَةً لِحِفْظِ أَمْوَال النَّاسِ، كَالدَّارِ، وَالْحَانُوتِ، وَالْخَيْمَةِ، وَالشَّخْصِ. وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: الأَْشْبَهُ أَنْ يُقَال فِي حَدِّ الْحِرْزِ: إِنَّهُ مَا شَأْنُهُ أَنْ تُحْفَظَ بِهِ الأَْمْوَال كَيْ يَعْسُرَ أَخْذُهَا مِثْل الأَْغْلاَقِ وَالْحَظَائِرِ. وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ تَحْدِيدَ الْحِرْزِ مَرْجِعُهُ إِِلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.

стр. 10328

قَال الْغَزَالِيُّ: وَالْحِرْزُ مَا لاَ يُعَدُّ الْمَالِكُ أَنَّهُ مُضَيِّعٌ لِمَالِهِ إِذَا وَضَعَهُ فِيهِ. وَمَرْجِعُهُ الْعُرْفُ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ لُغَةً وَلاَ شَرْعًا، كَالْقَبْضِ فِي الْمَبِيعِ وَالإِِْحْيَاءِ فِي الْمَوَاتِ. وَالْعُرْفُ يَتَفَاوَتُ، وَلِذَلِكَ فَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْحْوَال، وَالأَْوْقَاتِ (١) . الْحُكْمُ الإِِْجْمَالِيُّ: ٢ - الأَْخْذُ مِنَ الْحِرْزِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ لِلْمَال الْمَمْلُوكِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَلاَ يَجِبُ الْقَطْعُ حَتَّى يَنْفَصِل الْمَال عَنْ جَمِيعِ الْحِرْزِ، وَلِذَلِكَ إِذَا جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الْحِرْزِ لاَ يَجِبُ الْقَطْعُ، وَإِِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الأَْسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْل الرَّأْيِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ لأَِحَدٍ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ خِلاَفًا، إِلاَّ قَوْلاً حُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ فِيمَنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ مِنَ الْحِرْزِ عَلَيْهِ الْقَطْعُ. وَالأَْصْل فِي اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ مَا رُوِيَ فِي الْمُوَطَّأِ

стр. 10329

عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلاَ فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ، فَإِِذَا آوَاهُ الْمَرَاحُ (١) أَوِ الْجَرِينُ (٢) ، فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ (٣) وَرُوِيَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَطْعٌ إِلاَّ فِيمَا آوَاهُ الْجَرِينُ. فَمَا أُخِذَ مِنَ الْجَرِينِ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةٌ مِثْلِيَّةٌ وَجَلَدَاتٌ نَكَالٌ (٤) . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ الْمَال مُحْرَزًا، فَقَال بَعْضُهُمْ: يُعْتَبَرُ مُحْرَزًا بِالْمُلاَحَظَةِ أَوْ حَصَانَةِ الْمَوْضِعِ (٥) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي سَرِقَةٌ وَقَطْعٌ.

стр. 10330

أَنْوَاعُ الْحِرْزِ: الْحِرْزُ نَوْعَانِ: ١ - الْحِرْزُ بِالْمَكَانِ: ٣ - وَهُوَ كُل بُقْعَةٍ مُعَدَّةٍ لِلإِِْحْرَازِ مَمْنُوعٌ الدُّخُول فِيهَا أَوِ الأَْخْذُ مِنْهَا إِلاَّ بِإِِذْنٍ كَالدُّورِ، وَالْحَوَانِيتِ، وَالْخِيَمِ، وَالْخَزَائِنِ، وَالصَّنَادِيقِ. فَهَذَا النَّوْعُ يَكُونُ حِرْزًا بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ وُجِدَ حَافِظٌ أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا، أَوْ مَفْتُوحًا، لأَِنَّ الْبِنَاءَ يُقْصَدُ بِهِ الإِِْحْرَازُ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ، بِدُونِ صَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ ﵊ عَلَّقَ الْقَطْعَ بِإِِيوَاءِ الْجَرِينِ وَالْمَرَاحِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ وُجُودِ الْحَافِظِ، لِصَيْرُورَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا حِرْزًا. ٢ - الْحِرْزُ بِالْحَافِظِ: ٤ - وَيَكُونُ فِي كُل مَكَانٍ غَيْرِ مُعَدٍّ لِلإِِْحْرَازِ، يُدْخَل إِلَيْهِ بِلاَ إِذْنٍ، وَلاَ يُمْنَعُ مِنْهُ كَالْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ، فَهَذَا النَّوْعُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَفَاوِزِ وَالصَّحْرَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَافِظٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَال يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ، فَإِِنْ كَانَ فَهُوَ مُحْرَزٌ بِهِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي (سَرِقَةٌ، وَقَطْعٌ) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ: أَنَّ الْقَطْعَ لاَ يَجِبُ بِالأَْخْذِ مِنَ الْحِرْزِ بِالْمَكَانِ إِلاَّ بِالإِِْخْرَاجِ مِنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ يَدَ الْمَالِكِ قَائِمَةٌ مَا لَمْ
следующие страницы →