← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.

стр. 10396

أُمَّتِي حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِهَا (١) . وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ (أَنَّهُ رَأَى عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ بُرْدُ حَرِيرٍ سِيَرَاءُ) (٢) وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا قَال: (رَأَيْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَمِيصَ حَرِيرٍ سِيَرَاءَ) (٣) وَاتَّفَقُوا عَلَى حُرْمَةِ لُبْسِ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ عَلَى الرِّجَال ثِيَابًا وَغِطَاءً لِلرَّأْسِ وَاشْتِمَالاً وَلَوْ بِحَائِلٍ لِلأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ الَّتِي تُصَرِّحُ بِحُرْمَتِهِ عَلَى الرِّجَال. وَهَذَا فِي غَيْرِ حَالَةِ الْحَرْبِ أَوِ الْمَرَضِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا.

стр. 10397

أَمَّا فِي الْحَرْبِ فَإِِنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِلرِّجَال عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مُطْلَقًا. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِقَيْدٍ، وَهُوَ مَا إِذَا كَانَتْ بِاللاَّبِسِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ. فَإِِذَا لَمْ تَكُنْ بِاللاَّبِسِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ. أَحَدُهُمَا: الإِِْبَاحَةُ لأَِنَّ الْمَنْعَ مِنْ لُبْسِهِ لِلْخُيَلاَءِ، وَالْخُيَلاَءُ وَقْتَ الْحَرْبِ غَيْرُ مَذْمُومَةٍ. وَالْوَجْهُ الآْخَرُ: الْحُرْمَةُ وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ إِبَاحَتُهُ مُطْلَقًا. وَأَضَافَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ حَال الْحَكَّةِ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ ﵄ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا (١) . وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ لِلْمَرَضِ لاِحْتِمَال أَنْ تَكُونَ الرُّخْصَةُ خَاصَّةً بِهَذَيْنِ الصَّحَابِيِّينَ. وَتَوَسَّعَ الشَّافِعِيَّةُ فِي حَال الْعُذْرِ الْمُبِيحِ مَعَ التَّقْيِيدِ فَقَالُوا: كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُضِرَّيْنِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَحَاجَةٍ كَجَرَبٍ إِنْ آذَى الْمَرِيضَ غَيْرُهُ.

стр. 10398

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ الْمُصْمَتِ مُطْلَقًا لِعُمُومِ الْخَبَرِ (١) . إِلْبَاسُ الْحَرِيرِ لِصِغَارِ الذُّكُورِ: ١٠ - يَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِلْبَاسُ الصَّغِيرِ الذَّكَرِ الْحَرِيرَ. لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَدَارَ الْحُرْمَةَ عَلَى الذُّكُورَةِ. إِلاَّ أَنَّ اللاَّبِسَ إِذَا كَانَ صَغِيرًا فَالإِِْثْمُ عَلَى مَنْ أَلْبَسَهُ لاَ عَلَيْهِ. لأَِنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا. وَلِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا. وَلِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ بِإِِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ قَال: كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنِ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي (٢) وَالْجَوَارِي الْبَنَاتُ الصَّغِيرَاتُ. وَمَنْ قَال مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِذَلِكَ اسْتَثْنَى الرَّضِيعَ لِلْمَشَقَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى أُمِّهِ (٣) . وَيَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةُ إِِلَى جَوَازِ إِلْبَاسِهِ صِغَارَ

стр. 10399

الذُّكُورِ. وَهَذَا قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلاَ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِلُبْسِهِمْ. وَهُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ سَبْعَ سَنَوَاتٍ يَحْرُمُ إِلْبَاسُهُ ثَوْبَ حَرِيرٍ (١) . أَعْلاَمُ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ غَيْرِ الْحَرِيرِ: ١١ - الأَْعْلاَمُ جَمْعُ عَلَمٍ. وَهُوَ الْقِطْعَةُ فِي الثَّوْبِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهِ. يَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِِلَى أَنَّ أَعْلاَمَ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ غَيْرِ الْحَرِيرِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَتْ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِع فَمَا دُونَهَا. لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلاَّ مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ (٢) رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلاَّ الْبُخَارِيُّ. وَزَادَ فِيهِ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدُ وَأَشَارَ بِكَفِّهِ (٣) وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْلاَمَ تَابِعَةٌ. وَالْعِبْرَةُ لِلْمَتْبُوعِ. وَلأَِنَّ لاَبِسَهُ لاَ يُسَمَّى لاَبِسَ حَرِيرٍ. وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ بَأْسَ بِالْعَلَمِ الْحَرِيرِ فِي الثَّوْبِ وَإِِنْ عَظُمَ (٤) . وَتُبَاحُ الْعُرَى

стр. 10400

وَالأَْزْرَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لأَِنَّهَا تَبَعٌ وَيَسِيرٌ (١) . وَتُبَاحُ أَيْضًا لِبْنَةُ جَيْبٍ - بِكَسْرِ اللاَّمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ - وَهُوَ الزِّيقُ الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ. وَالْجَيْبِ وَهُوَ مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَيَّدَتْهُ بَعْضُ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ بِمَا إِذَا كَانَ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِع مَضْمُومَةٍ فَمَا دُونَهَا. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ (٢) . لُبْسُ الثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ: ١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى أَنَّ الثَّوْبَ إِنْ كَانَتْ لُحْمَتُهُ حَرِيرًا وَسُدَاهُ غَيْرَ حَرِيرٍ، فَإِِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي حَال الْحَرْبِ لِدَفْعِ مَضَرَّةِ السِّلاَحِ وَتَهَيُّبِ الْعَدُوِّ. أَمَّا فِي غَيْرِ حَال الْحَرْبِ فَمَكْرُوهٌ - كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ - لاِنْعِدَامِ الضَّرُورَةِ. وَإِِنْ كَانَ سُدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ غَيْرَ حَرِيرٍ لاَ يُكْرَهُ فِي حَال الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا. لأَِنَّ الثَّوْبَ يَصِيرُ ثَوْبًا بِاللُّحْمَةِ. لأَِنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ ثَوْبًا

стр. 10401

بِالنَّسْجِ. وَالنَّسْجُ تَرْكِيبُ اللُّحْمَةِ بِالسُّدَى. فَكَانَتِ اللُّحْمَةُ كَالْوَصْفِ الأَْخِيرِ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ. وَأَظْهَرُ الأَْقْوَال وَأَوْلاَهَا بِالصَّوَابِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا قَال ابْنُ رُشْدٍ، أَنَّ لُبْسَ هَذِهِ الثِّيَابِ مَكْرُوهٌ يُؤْجَرُ عَلَى تَرْكِهِ وَلاَ يَأْثَمُ فِي فِعْلِهِ. لأَِنَّهُ مِنَ الْمُشْتَبِهَاتِ الْمُتَكَافِئَةِ أَدِلَّةُ حُرْمَتِهَا وَأَدِلَّةُ حِلِّهَا الَّتِي قَال فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ : فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّ مَا أَكْثَرُهُ مِنَ الْحَرِيرِ يَحْرُمُ تَغْلِيبًا لِلأَْكْثَرِ. بِخِلاَفِ مَا أَكْثَرُهُ مِنْ غَيْرِهِ. لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لاَ يُسَمَّى ثَوْبَ حَرِيرٍ. وَالأَْصْل الْحِل. وَتَغْلِيبًا لِلأَْكْثَرِ. وَلأَِنَّ الْحَرِيرَ مُسْتَهْلَكٌ فِي غَيْرِهِ. أَمَّا الْمُسْتَوِي مِنْهُمَا فَإِِنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُبِيحُونَهُ. وَالتَّفْصِيل الَّذِي قَال بِهِ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا وَرَدَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَعْضَ الثَّوْبِ حَرِيرًا وَبَعْضُهُ غَيْرَهُ وَنُسِجَ مِنْهُمَا فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ كَانَ الْحَرِيرُ ظَاهِرًا يُشَاهَدُ حَرُمَ وَإِِنْ قَل وَزْنُهُ، وَإِِنِ اسْتَتَرَ لَمْ يَحْرُمْ وَإِِنْ كَثُرَ وَزْنُهُ لأَِنَّ الْخُيَلاَءَ وَالْمَظَاهِرَ إِنَّمَا تَحْصُل بِالظَّاهِرِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ

стр. 10402

الاِعْتِبَارَ بِالْوَزْنِ فَإِِنْ كَانَ الْحَرِيرُ أَقَل وَزْنًا حَل، وَإِِنْ كَانَ أَكْثَر حَرُمَ، وَإِِنِ اسْتَوَيَا فَوَجْهَانِ. الصَّحِيحُ مِنْهُمَا الْحِل، لأَِنَّ الشَّرْعَ إِنَّمَا حَرَّمَ ثَوْبَ الْحَرِيرِ، وَهَذَا لَيْسَ بِحَرِيرٍ (١) . وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَخْلُوطِ بِالْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ أَكْثَر مِنْهُ عِدَّةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ بِالْجَوَازِ، وَقَوْلٌ بِالْكَرَاهَةِ، وَقَوْلٌ بِالْحُرْمَةِ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِمَا ثَبَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (٢) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا اسْتَوَى فِيهِ الْحَرِيرُ وَغَيْرُهُ وَجْهَانِ. وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الأَْشْبَهُ التَّحْرِيمُ لأَِنَّ النِّصْفَ كَثِيرٌ. وَقَال الأَْثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَل عَنْ لُبْسِ الْخَزِّ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا (٣) . وَيُرَادُ بِالْخَزِّ هُنَا مَا كَانَ سُدَاهُ حَرِيرًا وَلُحْمَتُهُ صُوفًا أَوْ قُطْنًا أَوْ غَيْرَهُمَا. وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ جَوَازَ السُّدَى وَالْعَلَمِ مِنَ الْحَرِيرِ دُونَ تَقْيِيدٍ. فَعَنْهُ أَنَّهُ قَال: إِنَّمَا نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ قَزٍّ (٤) . قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا السُّدَى وَالْعَلَمُ فَلاَ نَرَى بِهِ

стр. 10403

بَأْسًا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدُ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِإِِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِِسْنَادٍ حَسَنٍ (١) . اسْتِعْمَال الْحَرِيرِ فِي غَيْرِ اللِّبَاسِ: ١٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَالصَّاحِبَانِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِِلَى أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاسِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا عَلَى الرِّجَال. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْل حُذَيْفَةَ ﵁: نَهَانَا النَّبِيُّ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُل فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. (٢) وَقَوْل عَلِيٍّ ﵁: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ. (٣) وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال الْحَرِيرِ فِي الْبُسُطِ وَالاِفْتِرَاشِ وَالْوَسَائِدِ لأَِنَّ النَّهْيَ خَاصٌّ بِاللُّبْسِ وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مِرْفَقَةٌ مِنْ حَرِيرٍ عَلَى بِسَاطِهِ، وَلأَِنَّ فَرْشَهُ اسْتِخْفَافٌ بِهِ فَصَارَ كَالتَّصَاوِيرِ عَلَى الْبِسَاطِ فَإِِنَّهُ يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَيْهِ (٤) .

стр. 10404

كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ بِالْحَرِيرِ: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ بِالْحَرِيرِ بَل صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ تَعْظِيمًا لَهَا (١) . تَبْطِينُ الثِّيَابِ بِالْحَرِيرِ: ١٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَبْطِينِ الثِّيَابِ بِالْحَرِيرِ. لأَِنَّ لاَبِسَ الثَّوْبِ الْمُبَطَّنِ لاَبِسٌ لِلْحَرِيرِ حَقِيقَةً. وَمَعْنَى التَّنَعُّمِ حَاصِلٌ لِلتَّزَيُّنِ بِالْحَرِيرِ وَلُطْفِهِ. وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ عَدَمَ الْجَوَازِ بِمَا إِذَا كَانَ كَثِيرًا. وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ قَرِيبٌ مِمَّا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ إِذْ قَيَّدُوا عَدَمَ الْجَوَازِ بِمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ (٢) . اسْتِعْمَال الْحَرِيرِ رِبَاطًا لِلسَّرَاوِيل: ١٦ - وَهُوَ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ - التِّكَّةُ - تُكْرَهُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَقِيل لاَ بَأْسَ بِهَا عِنْدَهُمْ. وَهَذَا الْقَوْل مُوَافِقٌ لِمَا يَقُول الشَّافِعِيَّةُ. وَتَحْرُمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ (٣) .

стр. 10405

عَصْبُ الْجِرَاحَةِ بِالْحَرِيرِ: ١٧ - قَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (١) . وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِهِمْ تَصْرِيحًا بِذَلِكَ. اسْتِعْمَالاَتٌ أُخْرَى: ١٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ خِيَاطَةِ الثِّيَابِ بِالْحَرِيرِ وَاِتِّخَاذِهِ كِيسًا لِلْمُصْحَفِ وَاِتِّخَاذِ الرَّايَةِ مِنْهُ، كَمَا يَجُوزُ حَشْوُ الْجِبَابِ وَالْفُرُشِ بِهِ. لأَِنَّهُ لاَ فَخْرَ فِيهِ وَلاَ خُيَلاَءَ وَلاَ عُجْبَ وَلَيْسَ لُبْسًا لَهُ وَلاَ افْتِرَاشًا إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَيَّدُوا الْجَوَازَ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا أَمَّا إِذَا كَانَ كَثِيرًا فَلاَ يَجُوزُ (٢) . وَيَجُوزُ اتِّخَاذُ خَيْطِ حَرِيرٍ وَشُرَّابَةٍ لِلْمِسْبَحَةِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ مَنَعَ ذَلِكَ (٣) . وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ نَصًّا فِي إِبَاحَةُ ذَلِكَ أَوْ مَنْعِهِ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ تَزْيِينَ الْجُدْرَانِ بِالْحَرِيرِ وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٤) .

стр. 10406

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ ١٩ - تُذْكَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَرِيرِ فِي بَابِ الْحَظْرِ وَالإِِْبَاحَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ أَوِ الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَبَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، وَفِي بَعْضٍ آخَرَ كِتَابِ اللِّبَاسِ.

стр. 10407

حَرِيمٌ التَّعْرِيفُ: ١ - لِلْحَرِيمِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: مَا حُرِّمَ فَلاَ يُنْتَهَكُ، وَالْحَرِيمُ أَيْضًا مَا يَتَجَرَّدُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ مِنْ ثِيَابِ، وَفِنَاءُ الدَّارِ أَوِ الْمَسْجِدِ، وَحَرِيمُ الرَّجُل مَا يُقَاتِل عَنْهُ وَيَحْمِيهِ، وَالْحَرِيمُ أَيْضًا الْحِمَى ، وَجَمْعُهُ حُرُمٌ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: حَرِيمُ الشَّيْءِ: مَا حَوْلَهُ مِنْ حُقُوقِهِ وَمَرَافِقِهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مَالِكِهِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ (٢) . وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ الْحَرِيمَ بِأَنَّهُ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ الاِنْتِفَاعِ وَإِِنْ حَصَل أَصْل الاِنْتِفَاعِ بِدُونِهِ (٣) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْحِمَى: ٢ - الْحِمَى بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ، مَصْدَرٌ يُرَادُ بِهِ اسْمُ

стр. 10408

الْمَفْعُول، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْحِمَايَةُ وَالتَّحْجِيرُ. يُقَال: هَذَا شَيْءٌ حِمًى. أَيْ مَحْظُورٌ لاَ يُقْرَبُ. وَشَرْعًا: أَنْ يَحْمِيَ الإِِْمَامُ أَرْضًا مِنَ الْمَوَاتِ، فَيَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ رَعْيِ مَا فِيهَا مِنَ الْكَلأَِ لِيَخْتَصَّ بِهَا دُونَهُمْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ لاَ لِنَفْسِهِ. وَعَرَّفَ الْمَالِكِيَّةُ الْحِمَى الشَّرْعِيَّ بِقَوْلِهِمْ: أَنْ يَحْمِيَ الإِِْمَامُ مَكَانًا خَاصًّا لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَحِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ (١) كَمَا فِي الْحَدِيثِ: الْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ (٢) . فَالْحِمَى وَالْحَرِيمُ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِمَا اللُّغَوِيَّةِ مُتَّفِقَانِ. وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَمُخْتَلِفَانِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاءُ حَرِيمِ الْبِئْرِ وَالنَّهْرِ، وَالْعَيْنِ، وَكُل مَمْلُوكٍ لاَ يَجُوزُ إِحْيَاءُ مَا تَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، لِقَوْلِهِ ﵊: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ (٣) . لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِلْمَمْلُوكِ، فَلَوْ

стр. 10409

جُوِّزَ إِحْيَاؤُهُ لَبَطَل الْمِلْكُ فِي الْعَامِرِ عَلَى أَهْلِهِ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَمَلُّكُ حَرِيمِ الأَْرَاضِيِ الْعَامِرَةِ لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِلْعَامِرِ، فَلاَ يُمْلَكُ، لَكِنَّ صَاحِبَ الأَْرَاضِيِ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَال الشَّافِعِيُّ: يُمْلَكُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ، وَالنَّهْرِ، لأَِنَّهُ مَكَانٌ اسْتَحَقَّهُ بِالإِِْحْيَاءِ، فَمَلَكَهُ كَالْمَحْمِيِّ، وَلأَِنَّ مَعْنَى الْمِلْكِ مَوْجُودٌ فِيهِ، لأَِنَّهُ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ يَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُهَا (١) . ٤ - وَالأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْحَرِيمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل لِلْبِئْرِ وَالْعَيْنِ وَكُل أَرْضٍ حَرِيمًا، بِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ (٢) .

стр. 10410

وَشُرُوطُ تَمَلُّكِ حَرِيمِ الْبِئْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْعُيُونِ، وَالأَْنْهَارِ وَغَيْرِهَا، فَإِِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهَا إِِلَى شُرُوطِ تَمَلُّكِ الأَْرْضِ الْمَوَاتِ بِإِِحْيَائِهَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) . مِقْدَارُ الْحَرِيمِ: ٥ - يَخْتَلِفُ مِقْدَارُ الْحَرِيمِ بِاخْتِلاَفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَرِيمُ كَالْبِئْرِ، وَالنَّهْرِ، وَالْعَيْنِ، وَالشَّجَرِ وَغَيْرِهَا، وَفِي كُلٍّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: أ - حَرِيمُ الْبِئْرِ: ٦ - اخْتَلَفَ الأَْئِمَّةُ فِي مِقْدَارِ حَرِيمِ الْبِئْرِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى أَنَّ حَرِيمَ بِئْرِ الْعَطَنِ (١) أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا (٢) مِنْ كُل جَانِبٍ، وَقِيل مِنَ الْجَوَانِبِ كُلِّهَا: أَيْ مِنْ كُل جَانِبٍ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا

стр. 10411

عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ وَالصَّحِيحُ الأَْوَّل، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَرِيمِ دَفْعُ الضَّرَرِ، كَيْ لاَ يَحْفِرَ بِحَرِيمِهِ أَحَدٌ بِئْرًا أُخْرَى فَيَتَحَوَّل إِلَيْهَا مَاءُ بِئْرِهِ، وَهَذَا الضَّرَرُ لاَ يَنْدَفِعُ بِعَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُل جَانِبٍ، فَإِِنَّ الأَْرَاضِيَ تَخْتَلِفُ بِالصَّلاَبَةِ وَالرَّخَاوَةِ، وَأَيْضًا فَإِِنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ يَحْتَاجُ أَنْ يَقِفَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ لِيَسْتَقِيَ الْمَاءَ، وَإِِلَى أَنْ يَبْنِيَ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ مَا يُرَكَّبُ عَلَيْهِ الْبَكَرَةُ، وَإِِلَى أَنْ يَبْنِيَ حَوْضًا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ، وَإِِلَى مَوْضِعٍ تَقِفُ فِيهِ مَوَاشِيهِ حَالَةَ الشُّرْبِ وَبَعْدَهُ، فَقَدَّرَهُ الشَّارِعُ بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةِ فِي بِئْرِ النَّاضِحِ - وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي يُنْزَعُ الْمَاءُ مِنْهَا بِالْبَعِيرِ - فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ، وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِِلَى أَنَّ حَرِيمَ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا، لِقَوْلِهِ ﵊: حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَحَرِيمُ بِئْرِ الْعَطَنِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ النَّاضِحِ سِتُّونَ ذِرَاعًا (١) وَلأَِنَّهُ يَحْتَاجُ فِيهِ إِِلَى أَنْ يُسَيِّرَ دَابَّتَهُ لِلاِسْتِسْقَاءِ، وَأَمَّا بِئْرُ الْعَطَنِ فَالاِسْتِسْقَاءُ مِنْهُ بِالْيَدِ، فَقَلَّتِ الْحَاجَةُ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّفَاوُتِ.

стр. 10412

وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنْ التَّاتَرْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْل الصَّاحِبَيْنِ، وَفِي الشُّرُنْبُلاَلِيَّةِ أَنَّهُ يُفْتَى بِقَوْل الإِِْمَامِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ ذَكَرَهُ الْقُهُسْتَانِيُّ وَعَزَاهُ لِلْهِدَايَةِ: وَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي الْبِئْرِ بِمَا ذَكَرَ فِي أَرَاضِيِهِمْ لِصَلاَبَتِهَا، أَمَّا فِي أَرَاضِيِنَا فَفِيهَا رَخْوَةٌ، فَيَزْدَادُ، لِئَلاَّ يَنْتَقِل الْمَاءُ إِِلَى الثَّانِي (١) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْبِئْرَ لَيْسَ لَهَا حَرِيمٌ مُقَدَّرٌ. فَقَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ حَرِيمَ الْبِئْرِ مَا حَوْلَهُ، فَهُوَ يَخْتَلِفُ بِقَدْرِ كُبْرِ الْبِئْرِ، وَصِغَرِهَا، وَشِدَّةِ الأَْرْضِ وَرَخَاوَتِهَا، وَمَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ لِشُرْبٍ أَوْ سَقْيٍ. قَال عِيَاضٌ: حَرِيمُ الْبِئْرِ مَا يَتَّصِل بِهَا مِنَ الأَْرْضِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا أَنْ لاَ يَحْدُثَ فِيهَا مَا يَضُرُّ بِهَا لاَ بَاطِنًا كَحَفْرِ بِئْرٍ يُنَشِّفُ مَاءَهَا أَوْ يُذْهِبُهُ، أَوْ يُغَيِّرُهُ كَحَفْرِ مِرْحَاضٍ تُطْرَحُ النَّجَاسَاتُ فِيهِ، وَيَصِل إِلَيْهَا وَسَخُهَا (٢) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ حَرِيمَ الْبِئْرِ الْمَحْفُورَةِ فِي الْمَوَاتِ مَوْقِفُ النَّازِحِ مِنْهَا (وَهُوَ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِ

стр. 10413

الْبِئْرِ لِيَسْتَقِيَ) ، وَالْحَوْضُ (وَهُوَ مَا يَصُبُّ النَّازِحُ فِيهِ مَا يُخْرِجُهُ مِنَ الْبِئْرِ) وَمَوْضِعُ الدُّولاَبِ، وَمُجْتَمَعُ الْمَاءِ الَّذِي يُطْرَحُ فِيهِ مِنَ الْحَوْضِ لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، وَمُتَرَدَّدُ الْبَهِيمَةِ إِنْ كَانَ الاِسْتِقَاءُ بِهَا. وَحَرِيمُ بِئْرِ الشُّرْبِ: مَوْضِعُ الْمُسْتَقِي مِنْهَا، وَكُل ذَلِكَ غَيْرُ مُحَدَّدٍ، وَإِِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهَل مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ، أَوْ جَانِبٍ وَاحِدٍ؟ الأَْقْرَبُ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ فِي مِثْل ذَلِكَ الْمَحَل. وَفِي مُخَالِفِ الْمَشْهُورِ: حَرِيمُ الْبِئْرِ قَدْرُ عُمْقِهَا مِنْ كُل جَانِبٍ (١) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْبِئْرِ الْقَدِيمَةِ، وَالْبِئْرِ الْبَدِيءِ أَيِ الَّتِي ابْتُدِئَ عَمَلُهَا: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْل ابْنِ نَافِعٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِِلَى أَنَّ حَرِيمَ الْبِئْرِ الْقَدِيمَةِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُل جَانِبٍ، وَالْمَقْصُودُ بِالْبِئْرِ الْقَدِيمَةِ هِيَ الَّتِي انْطَمَّتْ وَذَهَبَ مَاؤُهَا فَجُدِّدَ حَفْرُهَا وَعِمَارَتُهَا. وَحَرِيمُ الْبِئْرِ الْبَدِيءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُل جَانِبٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَال: السُّنَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَلِيبِ - الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ (٢) - خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمِ الْبَدِيءِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ

стр. 10414

ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ "، وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ إِِلَى الْبِئْرِ لاَ تَنْحَصِرُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ، فَإِِنَّهُ يُحْتَاجُ إِِلَى مَا حَوْلَهَا عَطَنًا لإِِِبِلِهِ، وَمَوْقِفًا لِدَوَابِّهِ وَغَنَمِهِ، وَمَوْضِعًا يَجْعَل فِيهِ أَحْوَاضًا يَسْقِي مِنْهَا مَاشِيَتَهُ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَلاَ يَخْتَصُّ الْحَرِيمُ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِتَرْقِيَةِ الْمَاءِ فَقَطْ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَيْسَ هَذَا عَلَى طَرِيقُ التَّحْدِيدِ، بَل حَرِيمُهَا فِي الْحَقِيقَةِ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا مِنْهَا فَإِِنْ كَانَ بِدُولاَبٍ فَقَدْرُ مَدِّ الثَّوْرِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِِنْ كَانَ بِسَاقِيَّةٍ فَبِقَدْرِ طُول الْبِئْرِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: حَرِيمُ الْبِئْرِ قَدْرُ رِشَائِهَا (١) . وَلأَِنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي تَمْشِي إِلَيْهِ الْبَهِيمَةُ. وَإِِنْ كَانَ يَسْتَقِي مِنْهَا بِيَدِهِ فَبِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْوَاقِفُ عِنْدَهَا (٢) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ) فِقْرَةُ ١٨. ب - حَرِيمُ الْعَيْنِ: ٧ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ حَرِيمَ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُل جَانِبٍ، لِقَوْل الزُّهْرِيِّ: حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ كُل

стр. 10415

نَاحِيَةٍ. فَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ الْحَفْرِ فِيهِ، وَلَهُ تَضْمِينُ الْمُعْتَدِي، أَوْ رَدْمُ الْحُفْرَةِ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : حَرِيمُ الْعَيْنِ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ (١) . وَلأَِنَّ الْعَيْنَ تُسْتَخْرَجُ لِلزِّرَاعَةِ فَلاَ بُدَّ مِنْ مَوْضِعٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ، وَمِنْ مَوْضِعٍ يَجْرِي إِلَيْهِ وَمِنْهُ إِِلَى الْمَزْرَعَةِ، فَقَدَّرَهُ الشَّارِعُ بِخَمْسِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَلاَ مَدْخَل لِلرَّأْيِ فِي الْمَقَادِيرِ فَاقْتُصِرَ عَلَيْهِ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَيْهِ صَاحِبُهَا لِلاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَلَوْ عَلَى أَلْفِ ذِرَاعٍ (٢) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مُقَدَّرٌ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ إِِلَى الْعُرْفِ (٣) . ج - حَرِيمُ الْقَنَاةِ: ٨ - اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حَرِيمِ الْقَنَاةِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَقِيل: يَكُونُ حَرِيمُهَا بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا لإِِِلْقَاءِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ. وَقِيل: إِنَّ لَهَا حَرِيمًا مُفَوَّضًا إِِلَى رَأْيِ الإِِْمَامِ، لأَِنَّهُ لاَ نَصَّ فِي الشَّرْعِ.

стр. 10416

وَقِيل: حُكْمُ الْقَنَاةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَاءِ كَالْعَيْنِ، وَقَبْلَهُ مُفَوَّضٌ إِِلَى رَأْيِ الإِِْمَامِ، قِيل: هَذَا قَوْلُهُمَا، أَمَّا عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ فَلاَ حَرِيمَ لِلْقَنَاةِ مَا لَمْ يَظْهَرِ الْمَاءُ، لأَِنَّهُ نَهْرٌ مَطْوِيٌّ فَيُعْتَبَرُ بِالنَّهْرِ الظَّاهِرِ، وَلاَ حَرِيمَ لِلنَّهْرِ عِنْدَهُ فِي قَوْلٍ كَمَا سَيَأْتِي. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهَا كَالْبِئْرِ (١) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِِلَى أَنَّ حَرِيمَ الْقَنَاةِ الْمُحَيَّاةِ، لاَ لِلاِسْتِسْقَاءِ مِنْهَا الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ حُفِرَ فِيهِ لَنَقَصَ مَاؤُهَا، أَوْ خِيفَ مِنْهُ انْهِيَارٌ أَوِ انْكِبَاسٌ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِصَلاَبَةِ الأَْرْضِ وَرَخَاوَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الأَْصَحُّ، وَفِي وَجْهٍ حَرِيمُهَا حَرِيمُ الْبِئْرِ الَّتِي يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلاَ يُمْنَعُ مِنَ الْحَفْرِ إِذَا جَاوَرَهُ وَإِِنْ نَقَصَ الْمَاءُ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ (٢) . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْعَيْنِ (٣) . د - حَرِيمُ النَّهْرِ: ٩ - الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ لِلنَّهْرِ حَرِيمًا بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لإِِِلْقَاءِ الطِّينِ وَنَحْوِهِ، فِيمَا لَوْ أَحْيَاهُ فِي أَرْضٍ مَوَاتٍ، وَقِيل: لاَ حَرِيمَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 10417

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَئِمَّةُ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا لَوْ كَانَ النَّهْرُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لاَ حَرِيمَ لِلنَّهْرِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ إِلاَّ بِبُرْهَانٍ، لأَِنَّ الظَّاهِرَ لاَ يَشْهَدُ لَهُ، بَل لِصَاحِبِ الأَْرْضِ، لأَِنَّهُ مِنْ جِنْسِ أَرْضِهِ، وَالْقَوْل لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ الظَّاهِرُ، إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَهُ حَرِيمٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَرِيمِ لِلْحَاجَةِ، وَصَاحِبُ النَّهْرِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَصَاحِبِ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ، إِذْ إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِِلَى الْمَشْيِ عَلَى حَافَّتَيِ النَّهْرِ، كَمَا يَحْتَاجُ إِِلَى مَوْضِعٍ لإِِِلْقَاءِ الطِّينِ عَلَيْهِ عِنْدَ كَرْيِ النَّهْرِ. ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِهِ: فَقَدَّرَهُ مُحَمَّدٌ بِقَدْرِ عَرْضِ النَّهْرِ مِنْ كُل جَانِبٍ، وَاخْتَارَهُ الْكَرْخِيُّ، وَهُوَ أَرْفَقُ، لأَِنَّهُ قَدْ لاَ يُمْكِنُهُ إِلْقَاءُ التُّرَابِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَيَحْتَاجُ إِِلَى إِلْقَائِهِ فِي أَحَدِهِمَا، وَقَدَّرَهُ أَبُو يُوسُفَ بِنِصْفِ عَرْضِهِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ، لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ الْحَاجَةُ الْغَالِبَةُ وَذَلِكَ بِنَقْل تُرَابِهِ إِِلَى حَافَّتَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ قَوْل الْقُهُسْتَانِيِّ الَّذِي عَزَاهُ إِِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ: أَنَّ الاِخْتِلاَفَ الْمَذْكُورَ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي نَهْرٍ كَبِيرٍ لاَ يَحْتَاجُ إِِلَى كَرْيِهِ (حَفْرِهِ) فِي كُل حِينٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ النَّهْرُ صَغِيرًا

стр. 10418

يَحْتَاجُ إِِلَى كَرْيِهِ فِي كُل حِينٍ فَلَهُ حَرِيمٌ بِالاِتِّفَاقِ (١) . وَحَرِيمُ النَّهْرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا لاَ يَضِيقُ عَلَى مَنْ يَرِدُهُ مِنَ الآْدَمِيِّينَ، وَالْبَهَائِمِ، وَقِيل أَلْفَا ذِرَاعٍ (٢) . وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ حَرِيمَ النَّهْرِ مِنْ حَافَّتَيْهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّهْرُ لإِِِلْقَاءِ الطِّينِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ (٣) . هـ - حَرِيمُ الشَّجَرِ: ١٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى أَنَّ حَرِيمَ الشَّجَرَةِ الْمَغْرُوسَةِ بِالإِِْذْنِ السُّلْطَانِيِّ فِي الأَْرَاضِي الْمَوَاتِ مِنْ كُل جِهَةٍ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل حَرِيمَ الشَّجَرَةِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ (٤) ، وَلأَِنَّهُ يُحْتَاجُ إِِلَى الْحَرِيمِ لِجُذَاذِ ثَمَرِهِ، وَالْوَضْعِ فِيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لاَ تَقْدِيرَ لَهُ، لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ الْحَال بِكِبَرِ الشَّجَرَةِ وَصِغَرِهَا (٥) .

стр. 10419

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ عُرْفًا لِشَجَرَةٍ مِنْ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَيُتْرَكُ مَا أَضَرَّ بِهَا. وَيُسْأَل عَنْ ذَلِكَ أَهْل الْعِلْمِ بِهِ، فَيَكُونُ الْحَرِيمُ لِكُل شَجَرَةٍ بِقَدْرِ مَصْلَحَتِهَا. وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ الأَْصْل فِي تَقْدِيرِ الْحَرِيمِ الرُّجُوعُ إِِلَى الْعُرْفِ، حَتَّى إِنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ قَدْ رُوعِيَ فِيهِ الْعُرْفُ وَالْحَاجَةُ. وَقَدْ قَال الْمَالِكِيَّةُ فِي النَّخْلَةِ: إِنَّ حَرِيمَهَا مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا إِِلَى عَشَرَةِ أَذْرُعٍ، قَال الْمَوَّاقُ: وَذَلِكَ حَسَنٌ (١) . وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَحَرِيمُ الشَّجَرَةِ قَدْرُ مَا تَمُدُّ إِلَيْهِ أَغْصَانُهَا حَوَالَيْهَا، وَفِي النَّخْلَةِ قَدْرُ مَدِّ جَرِيدِهَا (٢) ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدُ بِإِِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَال: اخْتُصِمَ إِِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَرِيدَةٍ مِنْ جَرَائِدِهَا، فَذُرِعَتْ فَكَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ خَمْسَةً، فَقَضَى بِذَلِكَ (٣) . و حَرِيمُ الدَّارِ: ١١ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى أَنَّ حَرِيمَ الدَّارِ

стр. 10420

الْمَحْفُوفَةِ بِالْمَوَاتِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ مِنْ مَطْرَحِ تُرَابٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ، أَوْ مَصَبِّ مِيزَابٍ، وَمَمَرٍّ فِي صَوْبِ الْبَابِ لأَِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَرْتَفِقُ بِهِ سَاكِنُهَا. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ بَنَى دَارًا فِي مَفَازَةٍ لاَ يَسْتَحِقُّ حَرِيمًا، وَإِِنِ احْتَاجَهُ لإِِِلْقَاءِ الْكُنَاسَةِ. وَلاَ تُخْتَصُّ الدَّارُ الْمَحْفُوفَةُ بِمِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ كُل جَانِبٍ بِالْحَرِيمِ، لاِنْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا، لأَِنَّ الأَْمْلاَكَ مُتَعَارِضَةٌ، وَلَيْسَ جَعْل مَوْضِعٍ حَرِيمًا لِدَارٍ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ حَرِيمًا لأُِخْرَى، وَكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُلاَّكِ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ فِي التَّصَرُّفِ (١) . ز - حَرِيمُ الْقَرْيَةِ: ١٢ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ حَرِيمَ الْقَرْيَةِ مُحْتَطَبُهَا وَمَرْعَاهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى الْعَادَةِ مِنَ الذَّهَابِ وَالإِِْيَابِ مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ، فَيَخْتَصُّونَ بِهِ، وَلَهُمْ مَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْهُ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، لأَِنَّهُ مُبَاحٌ لِلْجَمِيعِ. وَمَنْ أَتَى مِنْهُ بِحَطَبٍ أَوْ حَشِيشٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَلَكَهُ وَحْدَهُ (٢) .

стр. 10421

ح - حَرِيمُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ: ١٣ - قَال أَبُو حَنِيفَةَ: حَرِيمُ أَرْضِ الزَّرْعِ مَا بَعُدَ مِنْهَا وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَاؤُهَا، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: حَرِيمُهَا مَا انْتَهَى إِلَيْهِ صَوْتُ الْمُنَادِي مِنْ حُدُودِهَا (١) . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ حَرِيمَ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ قَدْرُ مَا يَحْتَاجُهُ زُرَّاعُهَا لِسَقْيِهَا، وَرَبْطِ دَوَابِّهَا، وَطَرْحِ سَبَخِهَا وَنَحْوِهِ، لأَِنَّ كُل الْمَذْكُورِ مِنْ مَرَافِقِهَا (٢) . الْبِنَاءُ فِي حَرِيمِ النَّهْرِ وَالدَّارِ وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ: ١٤ - يَجُوزُ الْبِنَاءُ فِي حَرِيمِ الدَّارِ، وَيَمْتَنِعُ فِي حَرِيمِ النَّهْرِ، وَلَوْ مَسْجِدًا، وَيُهْدَمُ مَا بُنِيَ فِيهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَإِِنْ بَعُدَ عَنْهُ الْمَاءُ، لاِحْتِمَال عَوْدِهِ إِلَيْهِ. وَيَقُول الشَبْرَامَلِّسِي: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَيِسَ مِنْ عَوْدِهِ جَازَ. وَلاَ تَحْرُمُ الصَّلاَةُ فِي حَرِيمِ النَّهْرِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ فِيهِ، وَإِِنْ كَانَ وَاجِبَ الْهَدْمِ. أَمَّا الاِنْتِفَاعُ بِحَرِيمِ الأَْنْهَارِ كَحَافَّاتِهَا بِوَضْعِ الأَْحْمَال وَالأَْثْقَال، وَجَعْل زَرِيبَةٍ مِنْ قَصَبٍ وَنَحْوِهِ

стр. 10422

لِحِفْظِ الأَْمْتِعَةِ فِيهَا فَيَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَهُ لِلاِرْتِفَاقِ بِهِ وَلاَ يُضِرُّ بِانْتِفَاعِ غَيْرِهِ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَنَحْوِهِمْ، وَلاَ يُعَطِّل أَوْ يُنْقِصُ مَنْفَعَةَ النَّهْرِ. فَإِِذَا كَانَ الاِنْتِفَاعُ مِنَ الْحَرِيمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضٍ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِِلاَّ حَرُمَ، وَلَزِمَتْهُ الأُْجْرَةُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (١) . اسْتِعْمَالاَتٌ أُخْرَى لِكَلِمَةِ الْحَرِيمِ: اسْتَعْمَل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَلِمَةَ الْحَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى: كَ حَرِيمِ الْمُصَلِّي ، وَحَرِيمِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِهَا، نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي: أ - حَرِيمُ الْمُصَلِّي: ١٥ - صَرَّحَ الدُّسُوقِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حَرِيمِ الْمُصَلِّي الَّذِي يُمْنَعُ الْمُرُورُ فِيهِ: قَال ابْنُ هِلاَلٍ: كَانَ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُول: هُوَ مَا لاَ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ فِيهِ، وَيَحُدُّهُ بِنَحْوِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا. وَاخْتَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّ حَرِيمَ الْمُصَلِّي قَدْرُ مَا يَحْتَاجُهُ لِقِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ. وَقِيل: إِنَّ قَدْرَهُ رَمْيَةُ الْحَجَرِ أَوِ السَّهْمِ، أَوِ الْمُضَارَبَةُ بِالسَّيْفِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَهُمْ وَهُوَ: أَنَّ حَرِيمَ

стр. 10423

الْمُصَلِّي غَايَةُ إِمْكَانِ سُجُودِهِ الْمُقَدَّرِ بِثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ (١) . وَالأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ وَإِِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا الإِِْطْلاَقَ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَدَّرُوا هَذِهِ الْمَسَافَةَ بِثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ، وَأَقَلُّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ذِرَاعٌ وَاحِدٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ شِبْرَانِ (٢) . ب - حَرِيمُ النَّجَاسَةِ: ١٦ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ لاَ حَرِيمَ لَهَا يُجْتَنَبُ، وَقِيل: يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ. وَدَلِيلُهُمْ: أَنَّ تَرَادَّ الْمَاءِ يُوجِبُ تَسَاوِي أَجْزَائِهِ فِي النَّجَاسَةِ، فَالْقَرِيبُ، وَالْبَعِيدُ سَوَاءٌ (٣) . وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى فَقَدْ تَعَرَّضُوا لِهَذَا الْمَوْضُوعِ دُونَ اسْتِعْمَال كَلِمَةِ الْحَرِيمِ (٤) .

стр. 10424

حَرِيمُ الْحَرَامِ، وَالْوَاجِبِ، وَالْمَكْرُوهِ: ١٧ - حُكْمُ الْحَرِيمِ حُكْمُ مَا هُوَ حَرِيمٌ لَهُ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: الْحَرِيمُ يَدْخُل فِي الْوَاجِبِ وَالْمَكْرُوهِ، فَكُل مُحَرَّمٍ لَهُ حَرِيمٌ يُحِيطُ بِهِ، وَالْحَرِيمُ هُوَ الْمُحِيطُ بِالْحَرَامِ كَالْفَخِذَيْنِ: فَإِِنَّهُمَا حَرِيمٌ لِلْعَوْرَةِ الْكُبْرَى. وَحَرِيمُ الْوَاجِبِ، مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ، وَأَمَّا الإِِْبَاحَةُ فَلاَ حَرِيمَ لَهَا لِسَعَتِهَا، وَعَدَمِ الْحَجْرِ فِيهَا (١) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ (٢) .

стр. 10425

حَسَبٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَسَبُ لُغَةً: الْكَرَمُ وَهُوَ الشَّرَفُ الثَّابِتُ فِي الآْبَاءِ، وَيُقَال: الْحَسَبُ فِي الأَْصْل الشَّرَفُ بِالآْبَاءِ وَبِالأَْقَارِبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ لأَِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَفَاخَرُوا عَدُّوا مَنَاقِبَهُمْ وَمَآثِرَ آبَائِهِمْ وَقَوْمِهِمْ وَحَسَبُوهَا فَيُحْكَمُ لِمَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَقِيل الْحَسَبُ: هُوَ الْفِعَال الصَّالِحَةُ. قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: وَالْحَسَبُ وَالْكَرْمُ يَكُونَانِ فِي الرَّجُل وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ لآِبَائِهِ شَرَفٌ، وَالشَّرَفُ وَالْمَجْدُ لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ بِالآْبَاءِ، وَلِهَذَا قِيل: الْحَسَبُ: هُوَ الْمَال فَجَعَل الْمَال بِمَنْزِلَةِ شَرَفِ النَّفْسِ أَوِ الآْبَاءِ. وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: الْحَسَبُ: الشَّرَفُ الثَّابِتُ لِلشَّخْصِ وَلآِبَائِهِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ. فَجَعَل النَّسَبَ عَدَدَ الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ إِِلَى حَيْثُ انْتَهَى. وَالْحَسَبُ، الْفِعَال الْحَسَنَةُ مِثْل الشُّجَاعَةِ وَالْجُودِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْوَفَاءِ. وَغَالِبُ اسْتِعْمَال

стр. 10426

الْفُقَهَاءِ لِلْحَسَبِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل وَهُوَ مَآثِرُ الآْبَاءِ وَالأَْجْدَادِ أَيْ شَرَفُ النَّسَبِ (١) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَسَبِ: ٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي الْحَسَبِ فِي الزَّوَاجِ. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِِلَى اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي الْحَسَبِ - وَهُوَ النَّسَبُ - لِقَوْل عُمَرَ ﵁: لأََمْنَعَنَّ خُرُوجَ ذَوَاتِ الأَْحْسَابِ إِلاَّ مِنَ الأَْكْفَاءِ - قَال الرَّاوِي - قِيل لَهُ: وَمَا الأَْكْفَاءُ؟ قَال: فِي الأَْحْسَابِ (٢) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الدِّينِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ أَهْل الإِِْسْلاَمِ كُلُّهُمْ أَكْفَاءٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِهِمْ وَلاَ اعْتِبَارَ لِلْحَسَبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَْرْضِ وَفَسَادٌ

стр. 10427

كَبِيرٌ وَفِي رِوَايَةٍ: وَفَسَادٌ عَرِيضٌ: قَالُوا يَا رَسُول اللَّهِ: وَإِِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَال: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ (١) . الْحَدِيثَ وَكَرَّرَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. وَلأَِنَّ الرَّسُول ﷺ وَصَحَابَتَهُ ﵃ كَانُوا يُزَوِّجُونَ مَنْ هُمْ دُونَهُمْ فِي الْحَسَبِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلاَهُ فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ (٢) وَقَدَّمَهُ عَلَى أَكْفَائِهَا، كَمُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ، وَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵃ جَمِيعًا. وَإِِلَى هَذَا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵄، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحٌ وَكَفَاءَةٌ) .

стр. 10428

حِسْبَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحِسْبَةُ لُغَةً: اسْمٌ مِنَ الاِحْتِسَابِ، وَمِنْ مَعَانِيهَا الأَْجْرُ وَحُسْنُ التَّدْبِيرِ وَالنَّظَرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلاَنٌ حَسَنُ الْحِسْبَةِ فِي الأَْمْرِ إِذَا كَانَ حَسَنَ التَّدْبِيرِ لَهُ. وَمِنْ مَعَانِي الاِحْتِسَابِ الْبِدَارُ إِِلَى طَلَبِ الأَْجْرِ وَتَحْصِيلِهِ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: أَيُّهَا النَّاسُ احْتَسِبُوا أَعْمَالَكُمْ فَإِِنْ مَنِ احْتَسَبَ عَمَلَهُ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ حِسْبَتِهِ. وَاسْمُ الْفَاعِل الْمُحْتَسِبُ أَيْ طَالِبُ الأَْجْرِ. وَمِنْ مَعَانِيهَا الإِِْنْكَارُ يُقَال: احْتَسَبَ عَلَيْهِ الأَْمْرَ إِذَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ. وَالاِخْتِبَارُ يُقَال: احْتَسَبْتُ فُلاَنًا أَيِ اخْتَبَرْتُ مَا عِنْدَهُ (١) . وَالْحِسْبَةُ اصْطِلاَحًا: عَرَّفَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ

стр. 10429

بِأَنَّهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أَوَّلاً: الْقَضَاءُ: ٢ - الْقَضَاءُ هُوَ الإِِْخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيل الإِِْلْزَامِ (٢) ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (٣) كَمَا أَنَّ الْحِسْبَةَ كَذَلِكَ قَاعِدَتُهَا وَأَصْلُهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (٤) . وَقَدْ فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْوِلاَيَتَيْنِ فَرْقًا يَتَحَدَّدُ بِهِ مَعَالِمُ كُل وِلاَيَةٍ قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَأَمَّا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فَهِيَ مُوَافِقَةٌ لأَِحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَمَقْصُورَةٌ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَزَائِدَةٌ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لأَِحْكَامِ الْقَضَاءِ: فَأَحَدُهُمَا: جَوَازُ الاِسْتِعْدَاءِ إِلَيْهِ وَسَمَاعِهِ دَعْوَى الْمُسْتَعْدِي عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلَيْسَ فِي عُمُومِ الدَّعَاوَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ إِلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ

стр. 10430

لِلْخُرُوجِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُل الْحُقُوقِ، وَإِِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي جَازَ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى فِيهَا إِذَا وَجَبَتْ بِاعْتِرَافٍ وَإِِقْرَارٍ مَعَ الإِِْمْكَانِ وَالْيَسَارِ، فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ الْمُوسِرَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَدَفْعُهَا إِِلَى مُسْتَحِقِّهَا، لأَِنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهَا مُنْكَرًا هُوَ مَنْصُوبٌ لإِِِزَالَتِهِ. وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ فَأَحَدُهُمَا: قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ عُمُومِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ مِنَ الدَّعَاوَى فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَاتِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُعْتَرَفِ بِهَا، فَأَمَّا مَا تَدَاخَلَهُ جَحْدٌ وَإِِنْكَارٌ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِيهَا. وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي زِيَادَتِهَا عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ: فَأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ بِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْهُ مِنَ الْمُنْكَرِ وَإِِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ مُسْتَعْدٍ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إِلاَّ بِحُضُورِ خَصْمٍ يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلرَّهْبَةِ فَلاَ يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إِلَيْهَا بِالْغِلْظَةِ تَجَوُّزًا

стр. 10431

فِيهَا. وَالْقَضَاءُ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ فَهُوَ بِالأَْنَاةِ وَالْوَقَارِ أَخَصُّ (١) . ثَانِيًا: الْمَظَالِمُ ٣ - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ قَوْدُ الْمُتَظَالِمِينَ إِِلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ، وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعِينَ عَنِ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ الصِّلَةَ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَبَيْنَ الْمَظَالِمِ فَقَال: بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ، فَأَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ: فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِقُوَّةِ السَّلْطَنَةِ. وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ فِيهِمَا لأَِسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إِِلَى إِنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالنَّظَرَ فِي الْحِسْبَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا رَفُهَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ رُتْبَةُ الْمَظَالِمِ أَعْلَى وَرُتْبَةُ الْحِسْبَةِ أَخْفَضُ، وَجَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يُوقِعَ إِِلَى الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوقِعَ إِِلَى وَالِي الْمَظَالِمِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ إِِلَى الْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُوقِعَ إِِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

стр. 10432

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُحْتَسِبِ (١) . ثَالِثًا: الإِِْفْتَاءُ: ٤ - الإِِْفْتَاءُ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْمُفْتِي هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ دَرَكِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ عَلَى يُسْرٍ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةِ تَعَلُّمٍ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُفْتِي فَتْوَى مَنِ اسْتَفْتَاهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُفْتٍ سِوَاهُ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (٣) وَقَال قَتَادَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (٤) الآْيَةَ، هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْل الْعِلْمِ، فَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِِنَّهَا هَلَكَةٌ، وَلاَ يَتَكَلَّفَنَّ الرَّجُل مَا لاَ يَعْلَمُ فَيَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَيَكُونُ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٥) . وَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ (٦) .

стр. 10433

وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ الإِِْفْتَاءِ وَبَيْنَ الْحِسْبَةِ مَعْنًى جَامِعٌ هُوَ التَّبْلِيغُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكَشْفُ عَنِ الْحَقِّ، وَإِِرْشَادُ الْمُسْتَعْلِمِ الْجَاهِل، فَالإِِْفْتَاءُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِسْبَةِ وَدُونِهَا فِي وَسَائِل الْكَشْفِ وَالإِِْبَانَةِ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَدَّى التَّعْرِيفُ بِالْحُكْمِ وَالاِحْتِسَابُ يَكُونُ التَّعْرِيفُ أُوْلَى مَرَاتِبِهِ. رَابِعًا: الشَّهَادَةُ: ٥ - الشَّهَادَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ إِخْبَارُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ إِخْبَارًا نَاشِئًا عَنْ عِلْمٍ لاَ عَنْ ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا إِخْبَارٌ بِمَا حَصَل فِيهِ التَّرَافُعُ وَقُصِدَ بِهِ الْقَضَاءُ وَبَتُّ الْحُكْمِ (١) . وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢) وَلَهَا حَالَتَانِ حَالَةُ تَحَمُّلٍ وَحَالَةُ أَدَاءٍ، وَحُكْمُ تَحَمُّلِهَا الْوُجُوبُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ الْكِفَائِيِّ إِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، وَإِِلاَّ تَعَيَّنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) وَأَمَّا الأَْدَاءُ فَفَرْضُ

стр. 10434

عَيْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وَيَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إِِلَى أَدَائِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي يُسْتَدَامُ فِيهَا التَّحْرِيمُ حِسْبَةً. أَمَّا مَا لاَ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالْحُدُودِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَشْهَدَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ أَنْ يَسْتُرَ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ (٢) قَال ﵊: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٣) . وَقَدْ نَدَبَهُ الشَّارِعُ إِِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ الْحِسْبَةِ فَأَقَامَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ السَّتْرِ فَيَسْتُرُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ. فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مَرْتَبَةً مِنْ مَرَاتِبِ الْحِسْبَةِ، وَوَسِيلَةً مِنْ وَسَائِل تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ. مَشْرُوعِيَّةُ الْحِسْبَةِ: ٦ - شُرِعَتِ الْحِسْبَةُ طَرِيقًا لِلإِِْرْشَادِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ إِِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ وَمَنْعُ الضَّرَرِ. وَقَدْ حَبَّبَ اللَّهُ إِِلَى عِبَادِهِ الْخَيْرَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَدْعُوا إِلَيْهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْمُنْكَرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ

стр. 10435

وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِمَنْعِ غَيْرِهِمْ مِنِ اقْتِرَافِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِهَا، وَقَرَنَهَا بِإِِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَطَاعَةِ اللَّهِ، مَعَ تَقْدِيمِهَا فِي الذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣) وَوَصَفَ الْمُنَافِقِينَ بِكَوْنِهِمْ عَامِلِينَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) وَذَمَّ مَنْ تَرَكَهَا وَجَعَل تَرْكَهَا سَبَبًا لِلَّعْنَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا
следующие страницы →