Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.
стр. 10431
فِيهَا. وَالْقَضَاءُ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ فَهُوَ بِالأَْنَاةِ وَالْوَقَارِ أَخَصُّ (١) .
ثَانِيًا: الْمَظَالِمُ
٣ - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ قَوْدُ الْمُتَظَالِمِينَ إِِلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ، وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعِينَ عَنِ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ الصِّلَةَ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَبَيْنَ الْمَظَالِمِ فَقَال: بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ، فَأَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِقُوَّةِ السَّلْطَنَةِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ فِيهِمَا لأَِسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إِِلَى إِنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالنَّظَرَ فِي الْحِسْبَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا رَفُهَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ رُتْبَةُ الْمَظَالِمِ أَعْلَى وَرُتْبَةُ الْحِسْبَةِ أَخْفَضُ، وَجَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يُوقِعَ إِِلَى الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوقِعَ إِِلَى وَالِي الْمَظَالِمِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ إِِلَى الْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُوقِعَ إِِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. стр. 10432
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُحْتَسِبِ (١) .
ثَالِثًا: الإِِْفْتَاءُ:
٤ - الإِِْفْتَاءُ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْمُفْتِي هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ دَرَكِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ عَلَى يُسْرٍ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةِ تَعَلُّمٍ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُفْتِي فَتْوَى مَنِ اسْتَفْتَاهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُفْتٍ سِوَاهُ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (٣) وَقَال قَتَادَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (٤) الآْيَةَ، هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْل الْعِلْمِ، فَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِِنَّهَا هَلَكَةٌ، وَلاَ يَتَكَلَّفَنَّ الرَّجُل مَا لاَ يَعْلَمُ فَيَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَيَكُونُ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٥) . وَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ (٦) . стр. 10433
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ الإِِْفْتَاءِ وَبَيْنَ الْحِسْبَةِ مَعْنًى جَامِعٌ هُوَ التَّبْلِيغُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكَشْفُ عَنِ الْحَقِّ، وَإِِرْشَادُ الْمُسْتَعْلِمِ الْجَاهِل، فَالإِِْفْتَاءُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِسْبَةِ وَدُونِهَا فِي وَسَائِل الْكَشْفِ وَالإِِْبَانَةِ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَدَّى التَّعْرِيفُ بِالْحُكْمِ وَالاِحْتِسَابُ يَكُونُ التَّعْرِيفُ أُوْلَى مَرَاتِبِهِ.
رَابِعًا: الشَّهَادَةُ:
٥ - الشَّهَادَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ إِخْبَارُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ إِخْبَارًا نَاشِئًا عَنْ عِلْمٍ لاَ عَنْ ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا إِخْبَارٌ بِمَا حَصَل فِيهِ التَّرَافُعُ وَقُصِدَ بِهِ الْقَضَاءُ وَبَتُّ الْحُكْمِ (١) .
وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢) وَلَهَا حَالَتَانِ حَالَةُ تَحَمُّلٍ وَحَالَةُ أَدَاءٍ، وَحُكْمُ تَحَمُّلِهَا الْوُجُوبُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ الْكِفَائِيِّ إِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، وَإِِلاَّ تَعَيَّنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) وَأَمَّا الأَْدَاءُ فَفَرْضُ стр. 10434
عَيْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وَيَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إِِلَى أَدَائِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي يُسْتَدَامُ فِيهَا التَّحْرِيمُ حِسْبَةً. أَمَّا مَا لاَ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالْحُدُودِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَشْهَدَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ أَنْ يَسْتُرَ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ (٢) قَال ﵊: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٣) .
وَقَدْ نَدَبَهُ الشَّارِعُ إِِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ الْحِسْبَةِ فَأَقَامَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ السَّتْرِ فَيَسْتُرُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.
فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مَرْتَبَةً مِنْ مَرَاتِبِ الْحِسْبَةِ، وَوَسِيلَةً مِنْ وَسَائِل تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْحِسْبَةِ:
٦ - شُرِعَتِ الْحِسْبَةُ طَرِيقًا لِلإِِْرْشَادِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ إِِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ وَمَنْعُ الضَّرَرِ. وَقَدْ حَبَّبَ اللَّهُ إِِلَى عِبَادِهِ الْخَيْرَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَدْعُوا إِلَيْهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْمُنْكَرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ стр. 10435
وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِمَنْعِ غَيْرِهِمْ مِنِ اقْتِرَافِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)
وَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)
وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِهَا، وَقَرَنَهَا بِإِِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَطَاعَةِ اللَّهِ، مَعَ تَقْدِيمِهَا فِي الذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)
وَوَصَفَ الْمُنَافِقِينَ بِكَوْنِهِمْ عَامِلِينَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)
وَذَمَّ مَنْ تَرَكَهَا وَجَعَل تَرْكَهَا سَبَبًا لِلَّعْنَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا стр. 10436
وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١)
وَجَعَل تَرْكَهَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَشِيعَتِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢)
وَفَضَّل مَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الأُْمَمِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أَمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣)
وَامْتَدَحَ مَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الأُْمَمِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤)
وَجَعَل الْقِيَامَ بِهَا سَبَبًا لِلنَّجَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥)
وَإِِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهَا شِرْعَةٌ فُرِضَتْ عَلَى غَيْرِنَا مِنَ الأُْمَمِ وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى стр. 10437
: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢)
ذَلِكَ بَعْضُ مَا يَدُل عَلَى شَرْعِهَا مِنَ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.
وَلَقَدْ سَلَكَتِ السُّنَّةُ فِي دَلاَلَتِهَا عَلَى ذَلِكَ مَسْلَكَ الْكِتَابِ مِنَ الأَْمْرِ بِهَا، وَالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّهَاوُنِ فِيهَا، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِِْيمَانِ (٣) .
وَجَاءَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا (٤) . стр. 10438
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٧ - الْحِسْبَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لاَ بِالنَّظَرِ إِِلَى مُتَعَلَّقِهَا إِذْ إِنَّهَا قَدْ تَتَعَلَّقُ بِوَاجِبٍ يُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ مَنْدُوبٍ يُطْلَبُ عَمَلُهُ، أَوْ حَرَامٍ يُنْهَى عَنْهُ، فَإِِذَا تَعَلَّقَتْ بِوَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ فَوُجُوبُهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ، وَإِِذَا تَعَلَّقَتْ بِمَنْدُوبٍ أَوْ بِمَكْرُوهٍ فَلاَ تَكُونُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةً، بَل تَكُونُ أَمْرًا مُسْتَحَبًّا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ تَبَعًا لِمُتَعَلَّقِهَا، إِذِ الْغَرَضُ مِنْهَا الطَّاعَةُ وَالاِمْتِثَال، وَالاِمْتِثَال فِي ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا بَل أَمْرًا مُسْتَحَبًّا، فَتَكُونُ الْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ كَذَلِكَ أَمْرًا مُسْتَحَبًّا. وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ مَا يَجْعَل الإِِْقْدَامَ عَلَيْهَا دَاخِلاً فِي الْمَحْظُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَتَكُونُ حَرَامًا (١) .
وَقَدِ اسْتَدَل الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحِسْبَةِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِالأَْدِلَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ فِي النَّوْعِ الَّذِي لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى هُوَ الْمَعْرُوفُ بِوِلاَيَةِ الْحِسْبَةِ. وَقَاعِدَتُهُ وَأَصْلُهُ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَل بِهِ كُتُبَهُ (٢) . стр. 10439
وَوُجُوبُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِِْجْمَاعِ قَال الْجَصَّاصُ: وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْضَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَبَيَّنَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أَخْبَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَفُقَهَاءُ الأَْمْصَارِ عَلَى وُجُوبِهِ (١) .
وَقَال النَّوَوِيُّ: وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِِجْمَاعُ الأُْمَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ (٢) .
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّ الْحِسْبَةَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (٣) ، وَقَدْ تَكُونُ فَرْضَ، عَيْنٍ فِي الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ، وَفِي حَقِّ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَمَا يَلِي:
الأُْولَى: الأَْئِمَّةُ وَالْوُلاَةُ وَمَنْ يَنْتَدِبُهُمْ أَوْ يَسْتَنِيبُهُمْ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَنْهُ، لأَِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَمَكِّنُونَ بِالْوِلاَيَةِ وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ стр. 10440
وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) فَإِِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إِِلَى الاِسْتِيلاَءِ، وَإِِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لاَ يَفْعَلُهُ إِلاَّ الْوُلاَةُ وَالْحُكَّامُ، فَلاَ عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ إِذَا أَهْمَل الْوُلاَةُ وَالْحُكَّامُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ (٢) .
الثَّانِيَةُ: مَنْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ إِلاَّ هُوَ، أَوْ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ غَيْرُهُ كَالزَّوْجِ وَالأَْبِ، وَكَذَلِكَ كُل مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْبَل مِنْهُ وَيُؤْتَمَرُ بِأَمْرِهِ، أَوْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ صَلاَحِيَّةَ النَّظَرِ وَالاِسْتِقْلاَل بِالْجِدَال، أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ (٣) .
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحِسْبَةَ قَدْ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَنْصُوبِ لَهَا بِحَسَبِ عَقْدٍ آخَرَ، وَعَلَى الْمَنْصُوبِ لِهَا تَجِبُ ابْتِدَاءً، كَمَا إِذَا رَأَى الْمُودِعُ سَارِقًا يَسْرِقُ стр. 10441
الْوَدِيعَةَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَال فَحْلٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ وَإِِنْ أَدَّى إِِلَى قَتْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِل هُوَ أَوِ الَّذِي صَال عَلَيْهِ الْفَحْل، أَوْ مُعَيَّنًا لَهُ مِنَ الْخَلْقِ وَلاَ ضَمَانَ، لأَِنَّ دَفْعَهُ فَرْضٌ يَلْزَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فَنَابَ عَنْهُمْ فِيهِ (١) .
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: الإِِْنْكَارُ بِالْقَلْبِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ وَلاَ يَسْقُطُ أَصْلاً، إِذْ هُوَ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ. وَقَال الإِِْمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّ تَرْكَ الإِِْنْكَارِ بِالْقَلْبِ كُفْرٌ لِحَدِيثِ وَهُوَ أَضْعَفُ الإِِْيمَانِ الَّذِي يَدُل عَلَى وُجُوبِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الإِِْمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَالإِِْنْكَارُ بِالْقَلْبِ لاَ بُدَّ مِنْهُ فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَل عَلَى ذَهَابِ الإِِْيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ (٢) .
وَقَدِ اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) .
وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِِلَى الْكُل مَعَ إِسْنَادِ الدَّعْوَةِ إِِلَى الْبَعْضِ بِمَا يُحَقِّقُ стр. 10442
مَعْنَى فَرْضِيَّتِهَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْكُل، لَكِنْ بِحَيْثُ إِنْ أَقَامَهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلَوْ أَخَل بِهَا الْكُل أَثِمُوا جَمِيعًا.
وَلأَِنَّهَا مِنْ عَظَائِمِ الأُْمُورِ وَعَزَائِمِهَا الَّتِي لاَ يَتَوَلاَّهَا إِلاَّ الْعُلَمَاءُ الْعَالِمُونَ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمَرَاتِبِ الاِحْتِسَابِ، فَإِِنَّ مَنْ لاَ يَعْلَمُهَا يُوشِكُ أَنْ يَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ وَيَنْهَى عَنْ مَعْرُوفٍ، وَيَغْلُظَ فِي مَقَامِ اللِّينِ، وَيَلِينَ فِي مَقَامِ الْغِلْظَةِ، وَيُنْكِرَ عَلَى مَنْ لاَ يَزِيدُهُ الإِِْنْكَارُ إِلاَّ التَّمَادِي وَالإِِْصْرَارَ (١) .
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ حَرَامًا فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: فِي حَقِّ الْجَاهِل بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ مَوْضُوعَ أَحَدِهِمَا مِنَ الآْخَرِ فَهَذَا يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُؤَدِّيَ إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ إِِلَى مُنْكَرٍ أَعْظَم مِنْهُ مِثْل أَنْ يَنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيُؤَدِّي نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ إِِلَى قَتْل النَّفْسِ فَهَذَا يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ (٢) .
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ مَكْرُوهًا إِذَا أَدَّى إِِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ (٣) . стр. 10443
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ مَنْدُوبًا فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: إِذَا تَرَكَ الْمَنْدُوبَ أَوْ فَعَل الْمَكْرُوهَ فَإِِنَّ الاِحْتِسَابَ فِيهِمَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ وُجُوبُ الأَْمْرِ بِصَلاَةِ الْعِيدِ وَإِِنْ كَانَتْ سُنَّةً، لأَِنَّهَا مِنَ الشِّعَارِ الظَّاهِرِ فَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ الأَْمْرُ بِهَا وَإِِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً (١) .
وَحَمَلُوا كَوْنَ الأَْمْرِ فِي الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبًّا عَلَى غَيْرِ الْمُحْتَسِبِ، وَقَالُوا: إِنَّ الإِِْمَامَ إِذَا أَمَرَ بِنَحْوِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ أَوْ صَوْمِهِ صَارَ وَاجِبًا، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ بَعْضُ الآْحَادِ لَمْ يَصِرْ وَاجِبًا (٢) .
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا سَقَطَ وُجُوبُ الاِحْتِسَابِ، كَمَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَئِسَ مِنَ السَّلاَمَةِ وَأَدَّى الإِِْنْكَارُ إِِلَى تَلَفِهَا (٣) .
وَيَكُونُ حُكْمُ الاِحْتِسَابِ التَّوَقُّفَ إِذَا تَسَاوَتِ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ، لأَِنَّ تَحْقِيقَ الْمَصْلَحَةِ وَدَرْءَ الْمَفْسَدَةِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ فِي الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِِذَا اجْتَمَعَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، فَإِِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيل الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ فُعِل ذَلِكَ امْتِثَالاً لأَِمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤) وَإِِنْ стр. 10444
تَعَذَّرَ الدَّرْءُ دُرِئَتِ الْمَفْسَدَةُ وَلَوْ فَاتَتِ الْمَصْلَحَةُ قَال تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُل فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ لأَِنَّ مَفْسَدَتَهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (٢) . وَإِِذَا اجْتَمَعَتِ الْمَفَاسِدُ الْمَحْضَةُ، فَإِِنْ أَمْكَنَ دَرْؤُهَا دُرِئَتْ، وَإِِنْ تَعَذَّرَ دَرْءُ الْجَمِيعِ دُرِئَ الأَْفْسَدُ فَالأَْفْسَدُ، وَالأَْرْذَل فَالأَْرْذَل، وَإِِنْ تَسَاوَتْ فَقَدْ يَتَوَقَّفُ، وَقَدْ يَتَخَيَّرُ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ التَّسَاوِي وَالتَّفَاوُتُ (٣) .
وَيَقُول ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَجِمَاعُ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، وَالْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، أَوْ تَزَاحَمَتْ، فَإِِنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ مِنْهَا فِيمَا إِذَا ازْدَحَمَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، فَإِِنَّ الأَْمْرَ وَالنَّهْيَ وَإِِنْ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِتَحْصِيل مَصْلَحَةٍ وَدَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَيُنْظَرُ فِي الْمُعَارِضِ لَهُ، فَإِِنْ كَانَ الَّذِي يَفُوتُ مِنَ الْمَصَالِحِ أَوْ يَحْصُل مِنَ الْمَفَاسِدِ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ، بَل يَكُونُ مُحَرَّمًا إِذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، لَكِنَّ اعْتِبَارَ مَقَادِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ هُوَ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ فَمَتَى قُدِّرَ لإِِِنْسَانٍ عَلَى اتِّبَاعِ النُّصُوصِ لَمْ يَعْدِل عَنْهَا، وَإِِلاَّ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ لِمَعْرِفَةِ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الشَّخْصُ أَوِ الطَّائِفَةُ جَامِعِينَ بَيْنَ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ بِحَيْثُ لاَ стр. 10445
يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، بَل إِمَّا أَنْ يَفْعَلُوهُمَا جَمِيعًا، أَوْ يَتْرُكُوهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرُوا بِمَعْرُوفٍ وَلاَ أَنْ يُنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ، بَل يُنْظَرُ، فَإِِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ أُمِرَ بِهِ، وَإِِنِ اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنَ الْمُنْكَرِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، بَل يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيل اللَّهِ وَالسَّعْيِ فِي زَوَال طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَزَوَال فِعْل الْحَسَنَاتِ، وَإِِنْ كَانَ الْمُنْكَرُ أَغْلَبَ نُهِيَ عَنْهُ وَإِِنِ اسْتَلْزَمَ فَوَاتَ مَا هُوَ دُونَهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَيَكُونُ الأَْمْرُ بِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُنْكَرِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ أَمْرًا بِمُنْكَرٍ وَسَعْيًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَإِِنْ تَكَافَأَ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ الْمُتَلاَزِمَانِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِمَا وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُمَا. فَتَارَةً يَصْلُحُ الأَْمْرُ، وَتَارَةً يَصْلُحُ النَّهْيُ، وَتَارَةً لاَ يَصْلُحُ لاَ أَمْرٌ وَلاَ نَهْيٌ. وَإِِذَا اشْتَبَهَ الأَْمْرُ اسْتَبَانَ الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ، فَلاَ يُقْدِمُ عَلَى الطَّاعَةِ إِلاَّ بِعِلْمٍ وَنِيَّةٍ، وَإِِذَا تَرَكَهَا كَانَ عَاصِيًا، فَتَرْكُ الأَْمْرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيَةٌ، وَفِعْل مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الأَْمْرِ مَعْصِيَةٌ وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ (١) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْحِسْبَةِ:
٨ - مَا بَرِحَ النَّاسُ - فِي مُخْتَلَفِ الْعُصُورِ - فِي حَاجَةٍ إِِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا جَهِلُوا، وَيُذَكِّرُهُمْ إِذَا نَسُوا، وَيُجَادِلُهُمْ إِذَا ضَلُّوا، وَيَكُفُّ بَأْسَهُمْ إِذَا أَضَلُّوا، وَإِِذَا سَهُل تَعْلِيمُ الْجَاهِل، وَتَذْكِيرُ стр. 10446
النَّاسِي، فَإِِنَّ جِدَال الضَّال وَكَفَّ بَأْسِ الْمُضِل لاَ يَسْتَطِيعُهُمَا إِلاَّ ذُو بَصِيرَةٍ وَحِكْمَةٍ وَبَيَانٍ.
وَلِمَنْعِ هَذَا شُرِعَتِ الدَّيَّانَاتُ، وَقَامَتِ النُّبُوَّاتُ وَظَهَرَتِ الرِّسَالاَتُ آمِرَةً بِالْمَعْرُوفِ، وَنَاهِيَةً عَنِ الْمُنْكَرِ، لِيَكُونَ الأَْمْنُ وَالسَّلاَمُ، وَالاِسْتِقْرَارُ وَالنِّظَامُ، وَصَلاَحُ الْعِبَادِ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ. قَال تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١) .
وَمِنْ هَذَا كَانَ الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَبِيل النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَطَرِيقَ الْمُرْشِدِينَ. الصَّادِقِينَ، وَمِنْهَاجَ الْهَادِينَ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ أَمْرًا مُتَّبَعًا وَشَرِيعَةً ضَرُورِيَّةً وَمَذْهَبًا وَاجِبًا، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أَسُمِّيَتْ بِاسْمِ " الْحِسْبَةِ " أَوْ بِاسْمٍ آخَرَ كَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ صَارَتْ بِسَبَبِهَا هَذِهِ الأُْمَّةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَال تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ﴾ (٢) .
وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ خَطَبَ النَّاسَ فَقَال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَل إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٣) فَتَضَعُونَهَا стр. 10447
فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ وَلاَ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ اللَّهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعِقَابِهِ (١) .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَْرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا (وَفِي رِوَايَةٍ) - فَأَنْكَرَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا (٢) .
لأَِجْل ذَلِكَ عَهِدَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ إِِلَى الأُْمَّةِ أَنْ تَقُومَ طَائِفَةٌ مِنْهَا عَلَى الدَّعْوَةِ إِِلَى الْخَيْرِ وَإِِسْدَاءِ النُّصْحِ لِلأَْفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَلاَ تَخْلُصُ مِنْ عُهْدَتِهَا حَتَّى تُؤَدِّيَهَا طَائِفَةٌ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي هُوَ أَبْلَغُ أَثَرًا فِي اسْتِجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَامْتِثَال الأَْوَامِرِ وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي.
وَالْحِسْبَةُ وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَوَظِيفَةٌ دِينِيَّةٌ تَلِي فِي الْمَرْتَبَةِ وَظِيفَةَ الْقَضَاءِ، إِذْ إِنَّ وِلاَيَاتِ رَفْعِ الْمَظَالِمِ عَنِ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ عَلَى ثَلاَثِ مَرَاتِبَ: أَسْمَاهَا وَأَقْوَاهَا وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ، وَتَلِيهَا وِلاَيَةُ стр. 10448
الْقَضَاءِ، وَتَلِيهَا وِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ (١) .
وَالْحِسْبَةُ مِنَ الْخُطَطِ الدِّينِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّلاَةِ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ وَالْجِهَادِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْوِلاَيَاتِ الشَّرْعِيَّةَ فِي عِشْرِينَ وِلاَيَةً، أَعْلاَهَا الْخِلاَفَةُ الْعَامَّةُ، وَالْبَقِيَّةُ كُلُّهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَهَا، وَهِيَ الأَْصْل الْجَامِعُ لَهَا، وَكُلُّهَا مُتَفَرِّعَةٌ عَنْهَا، وَدَاخِلَةٌ فِيهَا، لِعُمُومِ نَظَرِ الإِِْمَامِ فِي سَائِرِ أَحْوَال الأُْمَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَتَنْفِيذُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فِيهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَقَدْ عُنِيَ الأَْئِمَّةُ بِوِلاَيَةِ الْحِسْبَةِ عِنَايَةً كَبِيرَةً، وَوَضَعُوا فِيهَا الْمُؤَلَّفَاتِ مُفَصِّلِينَ أَحْكَامَهَا وَمَرَاتِبَهَا، وَأَرْكَانَهَا، وَشَرَائِطَهَا، وَتَأْصِيل مَسَائِلِهَا، وَوَضْعِ الْقَوَاعِدِ فِي مُهِمَّاتِهَا (٢) .
أَنْوَاعُ الْحِسْبَةِ:
٩ - وِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ نَوْعَانِ:
وِلاَيَةٌ أَصْلِيَّةٌ مُسْتَحْدَثَةٌ مِنَ الشَّارِعِ، وَهِيَ الْوِلاَيَةُ الَّتِي اقْتَضَاهَا التَّكْلِيفُ بِهَا لِتَثْبُتَ لِكُل مَنْ طُلِبَتْ مِنْهُ.
وَوِلاَيَةٌ مُسْتَمَدَّةٌ وَهِيَ الْوِلاَيَةُ الَّتِي يَسْتَمِدُّهَا стр. 10449
مَنْ عُهِدَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَلِيفَةِ أَوِ الأَْمِيرُ وَهُوَ الْمُحْتَسِبُ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِِنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْوِلاَيَتَيْنِ، لأَِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهَا شَخْصِيًّا مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ وَمُكَلَّفٌ بِهَا كَذَلِكَ مِنْ قِبَل مَنْ لَهُ الأَْمْرُ. أَمَّا غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ الْوِلاَيَةُ الَّتِي أَضْفَاهَا الشَّارِعُ عَلَيْهِ وَهِيَ الْوِلاَيَةُ الأَْصْلِيَّةُ، وَهَذِهِ الْوِلاَيَةُ كَمَا تَتَضَمَّنُ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ مُبَاشَرَةً تَتَضَمَّنُ كَذَلِكَ الْقِيَامَ بِمَا يُؤَدِّي إِِلَى اجْتِنَابِ الْمُنْكَرِ، لاَ عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ بَل عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ وَالاِسْتِعْدَاءِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالتَّقَدُّمِ إِِلَى الْقَاضِي بِالدَّعْوَى بِالشَّهَادَةِ لَدَيْهِ، أَوْ بِاسْتِعْدَاءِ الْمُحْتَسِبِ، وَتُسَمَّى الدَّعْوَى لَدَى الْقَاضِي بِطَلَبِ الْحُكْمِ بِإِِزَالَةِ الْمُنْكَرِ دَعْوَى حِسْبَةٍ، وَلاَ تَكُونُ إِلاَّ فِيمَا هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، وَعِنْدَئِذٍ يَكُونُ مُدَّعِيًا بِالْحَقِّ وَشَاهِدًا بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (١) .
وَيُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِالاِحْتِسَابِ دُونَ انْتِدَابٍ لَهَا مِنَ الإِِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ الْمُتَطَوِّعَ، أَمَّا مَنِ انْتَدَبَهُ الإِِْمَامُ وَعَهِدَ إِلَيْهِ النَّظَرَ فِي أَحْوَال الرَّعِيَّةِ وَالْكَشْفَ عَنْ أُمُورِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ فَهُوَ الْمُحْتَسِبُ (٢) . стр. 10450
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ كَمَا بَيَّنَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهِيَ:
الأَْوَّل: أَنَّ قِيَامَ الْمُحْتَسَبِ بِالْوِلاَيَةِ صَارَ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي لاَ يُسَوَّغُ أَنْ يُشْتَغَل عَنْهَا بِغَيْرِهَا وَقِيَامُ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا مِنْ نَوَافِل عَمَلِهِ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِل عَنْهَا بِغَيْرِهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْصُوبٌ لِلاِسْتِعْدَاءِ فِيمَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ، وَلَيْسَ الْمُتَطَوِّعُ مَنْصُوبًا لِلاِسْتِعْدَاءِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَى الْمُحْتَسِبِ بِالْوِلاَيَةِ إِجَابَةُ مَنِ اسْتَعْدَاهُ وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَطَوِّعِ إِجَابَتُهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ لِيَصِل إِِلَى إِنْكَارِهَا وَيَفْحَصَ عَمَّا تُرِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ الظَّاهِرِ لِيَأْمُرَ بِإِِقَامَتِهِ، وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ بَحْثٌ وَلاَ فَحْصٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى الإِِْنْكَارِ أَعْوَانًا، لأَِنَّهُ عَمَلٌ هُوَ لَهُ مَنْصُوبٌ وَإِِلَيْهِ مَنْدُوبٌ لِيَكُونَ عَلَيْهِ أَقْدَرَ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَنْدُبَ لِذَلِكَ أَعْوَانًا.
السَّادِسُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ فِي الْمُنْكَرَاتِ الظَّاهِرَةِ وَلاَ يَتَجَاوَزَ إِِلَى الْحُدُودِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يُعَزِّرَ عَلَى مُنْكَرٍ.
السَّابِعُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى حِسْبَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُتَطَوِّعِ أَنْ يَرْتَزِقَ عَلَى إِنْكَارِ مُنْكَرٍ.
الثَّامِنُ: أَنَّ لَهُ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ دُونَ الشَّرْعِ كَالْمَقَاعِدِ فِي الأَْسْوَاقِ، وَإِِخْرَاجِ
стр. 10451
الأَْجْنِحَةِ فَيُقِرُّ وَيُنْكِرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَلَيْسَ هَذَا لِلْمُتَطَوِّعِ (١) .
أَرْكَانُ الْحِسْبَةِ:
١٠ - ذَكَرَ الإِِْمَامُ الْغَزَالِيُّ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ:
الْمُحْتَسِبُ، وَالْمُحْتَسَبُ عَلَيْهِ، وَالْمُحْتَسَبُ فِيهِ، وَنَفْسُ الاِحْتِسَابِ (٢) .
وَلِكُل رُكْنٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْكَانِ حُدُودٌ وَأَحْكَامٌ وَشُرُوطٌ تَخُصُّهُ:
الرُّكْنُ الأَْوَّل: الْمُحْتَسِبُ وَهُوَ مَنْ نَصَّبَهُ الإِِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِلنَّظَرِ فِي أَحْوَال الرَّعِيَّةِ وَالْكَشْفِ عَنْ أُمُورِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ، وَتَصَفُّحِ أَحْوَال السُّوقِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، وَاعْتِبَارِ مَوَازِينِهِمْ وَغِشِّهِمْ، وَمُرَاعَاةِ مَا يَسْرِي عَلَيْهِ أُمُورُهُمْ، وَاسْتِتَابَةِ الْمُخَالِفِينَ، وَتَحْذِيرِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ، وَتَعْزِيرِهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ مِنَ التَّعْزِيرِ عَلَى قَدْرِ الْجِنَايَةِ (٣) .
شُرُوطُ الْمُحْتَسِبِ:
١١ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي صَاحِبِ هَذِهِ الْوِلاَيَةِ стр. 10452
شُرُوطًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أَوَّلاً: الإِِْسْلاَمُ:
الإِِْسْلاَمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الاِحْتِسَابِ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّلْطَنَةِ وَعِزِّ التَّحْكِيمِ، فَخَرَجَ الْكَافِرُ لأَِنَّهُ ذَلِيلٌ لاَ يَسْتَحِقُّ عِزَّ التَّحْكِيمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَال تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (١) وَلأَِنَّ فِي الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ نُصْرَةً لِلدِّينِ فَلاَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ جَاحِدٌ لأَِصْل الدِّينِ (٢) .
الشَّرْطُ الثَّانِي: التَّكْلِيفُ (الْبُلُوغُ وَالْعَقْل) :
١٢ - التَّكْلِيفُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ وَشَرْطُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى فَهْمِ الْخِطَابِ، وَصَلاَحِيَةِ الْمُكَلَّفِ لِصُدُورِ الْفِعْل مِنْهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، وَدِعَامَتُهُ الْعَقْل الَّذِي هُوَ أَدَاةُ الْفَهْمِ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْلاً لِلدِّينِ وَلِلدُّنْيَا فَأَوْجَبَ التَّكْلِيفَ بِكَمَالِهِ.
فَالتَّكْلِيفُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الاِحْتِسَابِ وَتَوَلِّي وِلاَيَتِهَا، أَمَّا مُجَرَّدُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِِنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ وَلاَ يَلْزَمُهُ فِعْل ذَلِكَ، أَمَّا إِمْكَانُ الْفِعْل وَجَوَازُهُ فِي حَقِّهِ فَلاَ يَسْتَدْعِي إِلاَّ الْعَقْل فَإِِذَا عَقَل الْقُرْبَةَ وَعَرَفَ الْمَنَاكِرَ وَطَرِيقَ التَّغْيِيرِ فَتَبَرَّعَ بِهِ كَانَ стр. 10453
مِنْهُ صَحِيحًا سَائِغًا، فَلَهُ إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ، وَلَهُ أَنْ يُرِيقَ الْخَمْرَ، وَكَسْرُ الْمَلاَهِي، وَإِِذَا فَعَل ذَلِكَ نَال بِهِ ثَوَابًا، وَلَمْ يَكُنْ لأَِحَدٍ مَنْعُهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ فَإِِنَّ هَذِهِ قُرْبَةٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا كَالصَّلاَةِ وَالإِِْمَامَةِ وَسَائِرِ الْقُرُبَاتِ، وَلَيْسَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوِلاَيَاتِ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِيهِ التَّكْلِيفُ، وَلِذَلِكَ جَازَ لآِحَادِ النَّاسِ فِعْلُهُ وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَإِِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ وِلاَيَةٍ وَسَلْطَنَةٍ، وَلَكِنَّهَا تُسْتَفَادُ بِمُجَرَّدِ الإِِْيمَانِ كَقَتْل الْمُحَارِبِ، وَإِِبْطَال أَسْبَابِهِ، وَسَلْبِ أَسْلِحَتِهِ فَإِِنَّهُ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ حَيْثُ لاَ يَسْتَضِرُّ بِهِ، فَالْمَنْعُ مِنَ الْفِسْقِ كَالْمَنْعِ مِنَ الْكُفْرِ (١) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْعِلْمُ
١٣ - الْعِلْمُ الَّذِي يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهُ فِي الْمُحْتَسِبِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
الضَّرْبُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ لِيَعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، فَإِِنَّ الْجَاهِل بِهَا رُبَّمَا اسْتَحْسَنَ مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ وَارْتَكَبَ الْمَحْذُورَ وَهُوَ غَيْرُ مُلِمٍّ بِالْعِلْمِ بِهِ (٢)
وَلَكِنْ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغُ مَرْتَبَةِ الاِجْتِهَادِ الشَّرْعِيِّ عَلَى رَأْيِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَل يُكْتَفَى فِيهِ стр. 10454
أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الاِجْتِهَادَ الْعُرْفِيَّ مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْعُرْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (١) . وَالاِجْتِهَادُ الشَّرْعِيُّ مَا رُوعِيَ فِيهِ أَصْلٌ ثَبَتَ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ.
وَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الإِِْصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِِلَى اشْتِرَاطِ الاِجْتِهَادِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمُحْتَسِبِ لِيَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ فِي أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ فِيهِ بُلُوغَهُ مَرْتَبَةَ الاِجْتِهَادِ فِي الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، أَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ إِِلَى عَدَمِ جَوَازِ حَمْل النَّاسِ عَلَى رَأْيِهِ (٢) .
وَلاَ يُنْكِرُ الْمُحْتَسِبُ إِلاَّ مُجْمَعًا عَلَى إِنْكَارِهِ أَوْ مَا يَرَى الْفَاعِل تَحْرِيمَهُ، أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَإِِنْكَارُهُ يَكُونُ عَلَى سَبِيل النَّدْبِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ إِنْ لَمْ يَقَعْ فِي خِلاَفٍ آخَرَ وَتَرْكِ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لاِتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ (٣) . стр. 10455
وَلاَ يَأْمُرُ وَلاَ يَنْهَى فِي دَقَائِقِ الأُْمُورِ إِلاَّ الْعُلَمَاءُ، وَكَذَلِكَ مَا اخْتُصَّ عِلْمُهُ بِهِمْ دُونَ الْعَامَّةِ لِجَهْلِهِمْ بِهَا. فَالْعَامِّيُّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لاَ يَحْتَسِبَ إِلاَّ فِي الْجَلِيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، أَمَّا مَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً بِالإِِْضَافَةِ إِِلَى مَا يُطِيفُ بِهِ مِنَ الأَْنْفَال وَيَفْتَقِرُ إِِلَى اجْتِهَادٍ، فَالْعَاصِي إِنْ خَاضَ فِيهِ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ (١) .
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ صِفَةَ التَّغْيِيرِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إِنْكَارَهُ الْمُنْكَرَ مُزِيلٌ لَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَنَافِعٌ (٢) .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْعَدَالَةُ:
١٤ - الْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَمْنَعُ مِنِ اقْتِرَافِ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْخِسَّةِ، أَوْ مُبَاحٍ يُخِل بِالْمُرُوءَةِ (٣) وَقَال الْجَصَّاصُ: أَصْلُهَا الإِِْيمَانُ بِاَللَّهِ وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَمُرَاعَاةُ حُقُوقِ اللَّهِ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ وَصِدْقُ اللَّهْجَةِ وَالأَْمَانَةُ (٤) .
وَالْعَدْل مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا عَنِ الْكَبَائِرِ стр. 10456
وَلاَ يَكُونُ مُصِرًّا عَلَى الصَّغَائِرِ، وَيَكُونُ صَلاَحُهُ أَكْثَر مِنْ فَسَادِهِ، وَصَوَابُهُ أَكْثَر مِنْ خَطَئِهِ، وَيَسْتَعْمِل الصِّدْقَ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً وَيَجْتَنِبُ الْكَذِبَ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ تَحَقُّقَ الْعَدَالَةِ فِي الْمُحْتَسِبِ إِذَا كَانَ مُتَطَوِّعًا غَيْرَ صَاحِبِ وِلاَيَةٍ، وَاشْتَرَطُوهَا فِي صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَا سَيَأْتِي (١) :
أَمَّا وَجْهُ عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِي الأَْوَّل، فَلأَِنَّ الأَْدِلَّةَ تَشْمَل الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَإِِنَّ تَرْكَ الإِِْنْسَانِ لِبَعْضِ الْفُرُوضِ لاَ يُسْقِطُ عَنْهُ فُرُوضًا غَيْرَهَا، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّوْمِ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْعَل سَائِرَ الْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرِ، فَإِِنَّ فَرْضَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ، وَإِنَّ الرَّسُول ﷺ أَجْرَى فَرْضَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَجْرَى سَائِرِ الْفُرُوضِ فِي لُزُومِ الْقِيَامِ بِهِ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ (٢) . فِي قَوْلِهِ ﷺ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ (٣) . стр. 10457
وَقَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُقْبَانِيُّ التِّلْمِسَانِيُّ الْمَالِكِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْعَدَالَةِ هَل هِيَ شَرْطٌ فِي صِفَةِ الْمُغَيِّرِ (الْمُحْتَسِبِ) أَوْ لاَ.
فَاعْتَبَرَ قَوْمٌ شَرْطِيَّتَهَا، وَرَأَوْا أَنَّ الْفَاسِقَ لاَ يُغَيِّرُ، وَأَبَى مِنِ اعْتِبَارِهَا آخَرُونَ، وَذَلِكَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الشَّخْصِ فِي رَقَبَتِهِ كَالصَّلاَةِ فَلاَ يُسْقِطُهُ الْفِسْقُ، كَمَا لاَ يَسْقُطُ وُجُوبُ الصَّلاَةِ بِتَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ. قَال ﵊: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ وَلَيْسَ كَوْنُهُ فَاسِقًا أَوْ مِمَّنْ يَفْعَل ذَلِكَ الْمُنْكَرَ بِعَيْنِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ خِطَابِ التَّغْيِيرِ لأَِنَّ طَرِيقَ الْفَرْضِيَّةِ مُتَغَايِرٌ.
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلاً عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ، لأَِنَّ الْعَدَالَةَ مَحْصُورَةٌ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ (١) .
وَقَال الإِِْمَامُ الْغَزَالِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَحْتَسِبَ، وَبُرْهَانُهُ أَنْ تَقُول: هَل يُشْتَرَطُ فِي الاِحْتِسَابِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَاطِيهِ مَعْصُومًا عَنِ الْمَعَاصِي كُلِّهَا؟ فَإِِنْ شُرِطَ ذَلِكَ فَهُوَ خَرْقٌ لِلإِِْجْمَاعِ، ثُمَّ حَسْمٌ لِبَابِ الاِحْتِسَابِ، إِذْ لاَ عِصْمَةَ لِلصَّحَابَةِ فَضْلاً عَمَّنْ دُونَهُمْ، وَأَنَّ стр. 10458
جُنُودَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تَزَل مُشْتَمِلَةً عَلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَظَالِمِ الأَْيْتَامِ، وَلَمْ يُمْنَعُوا مِنَ الْغَزْوِ لاَ فِي عَصْرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلاَ بَعْدَهُ، وَأَنَّ الْحِسْبَةَ تَكُونُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل نَحْوَ إِرَاقَةِ الْخَمْرِ، وَكَسْرِ الْمَلاَهِي وَغَيْرِهَا، فَإِِذَا مُنِعَ الْفَاسِقُ مِنَ الْحِسْبَةِ بِالْقَوْل لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ عَمَلَهُ فَإِِنَّهُ لاَ يُمْنَعُ مِنَ الْحِسْبَةِ بِالْفِعْل، لأَِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْقَهْرُ، وَتَمَامُ الْقَهْرِ أَنْ يَكُونَ بِالْفِعْل وَالْحُجَّةِ جَمِيعًا وَإِِنْ كَانَ فَاسِقًا. فَإِِنْ قَهَرَ بِالْفِعْل فَقَدْ قَهَرَ بِالْحُجَّةِ، وَإِنَّ الْحِسْبَةَ الْقَهْرِيَّةَ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ، فَلاَ حَرَجَ عَلَى الْفَاسِقِ فِي إِرَاقَةِ الْخَمْرِ وَكَسْرِ الْمَلاَهِي إِذَا قَدَرَ (١) .
وَكَمَا إِذَا أَخْبَرَ وَلِيُّ الدَّمِ الْفَاسِقَ بِالْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ مِنَ الْجَانِي وَلَوْ بِالْقَتْل إِذَا لَمْ يُصَدِّقْهُ بِعَفْوِ وَلِيِّ الدَّمِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقٍّ (٢) .
أَمَّا مَنِ اشْتَرَطَهَا فِي حَالَةِ التَّطَوُّعِ وَالاِحْتِسَابِ، فَقَدِ اسْتَدَل بِالنَّكِيرِ الْوَارِدِ عَلَى مَنْ يَأْمُرُ بِمَا لاَ يَفْعَلُهُ، مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (٤) وقَوْله تَعَالَى: стр. 10459
فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ ﵇ لَمَّا نَهَى قَوْمَهُ عَنْ بَخْسِ الْمَوَازِينِ وَنَقْصِ الْمَكَايِيل: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (١) وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قُلْتُ: مَا هَؤُلاَءِ؟ قَال: هَؤُلاَءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ مِنْ أَهْل الدُّنْيَا، كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ (٢)
أَمَّا وَجْهُ الاِشْتِرَاطِ فِي صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ، فَلأَِنَّهُ كَمَا قَال صَاحِبُ تُحْفَةِ النَّاظِرِ: إِنَّ وِلاَيَةَ الْحِسْبَةِ مِنْ أَشْرَفِ الْوِلاَيَاتِ فِي الإِِْسْلاَمِ قَدْرًا، وَأَعْظَمِهَا فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ مَكَانَةً وَفَخْرًا، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَلِّيهَا مُتَوَفِّرَةً فِيهِ شُرُوطُ الْوِلاَيَةِ، فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَلِيَهَا إِلاَّ مَنْ طَالَتْ يَدُهُ فِي الْكَمَالاَتِ وَبَرَزَ فِي الْخَيْرِ وَأَحْرَزَ أَوْصَافَهُ الْمَرَضِيَّةَ، وَلاَ تَنْعَقِدُ لِمَنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ فِيهِ الشُّرُوطُ، لأَِنَّ مِنْ شَرَفِ مَنْزِلَةِ مَنْ تَوَلاَّهَا أَنْ يَحْتَسِبَ عَلَى أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَعَلَى قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ (٣) .
وَلأَِنَّ سَبِيل عَقْدِ الْوِلاَيَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ لِمَنْ قَامَ بِهَا وَصْفُ فِسْقٍ وَفَقْدُ عَدَالَةٍ، إِذِ الْعَدَالَةُ مُشْتَرَطَةٌ فِي سَائِرِ الْوِلاَيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، كَالإِِْمَامَةِ стр. 10460
الْكُبْرَى فَمَا دُونَهَا، لأَِنَّ مَنِ انْعَقَدَتْ لَهُ الْوِلاَيَةُ فِي الْقِيَامِ بِحَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُهِمَّةِ فِي الدِّينِ صَارَ مُفَوَّضًا لَهُ فِيمَا قَدَّمَ إِلَيْهِ النِّيَابَةَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا أَيَّ أَمِينٍ، وَلاَ أَمَانَةَ مَعَ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ وَصْفُ الْعَدَالَةِ (١) .
وَلِهَذَا اشْتَرَطَهَا فِي وَالِي الْحِسْبَةِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (٢) وَأَغْفَل اشْتِرَاطَهَا الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ بَسَّامٍ (٣) وَأَدَارَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ حُكْمَهَا كَابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ عَلَى رِعَايَةِ الْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ، وَرَفْعِ الْمَشَقَّةِ، وَأَوْرَدَ ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ قَاعِدَةً عَامَّةً فِي تَعَذُّرِ الْعَدَالَةِ فِي الْوِلاَيَاتِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَامَّةً أَمْ خَاصَّةً بِتَوْلِيَةِ أَقَلِّهِمْ فُسُوقًا (٤) .
وَلاِبْنِ تَيْمِيَّةَ كَلاَمٌ طَوِيلٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ خُلاَصَتُهُ: أَنَّهُ يُسْتَعْمَل الأَْصْلَحُ الْمَوْجُودُ وَقَدْ لاَ يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِتِلْكَ الْوِلاَيَةِ فَيُخْتَارُ الأَْمْثَل فَالأَْمْثَل فِي كُل مَنْصِبٍ بِحَسَبِهِ (٥) .
أَمَّا تَفَاصِيل أَحْكَامِ الْوِلاَيَةِ فَفِي مُصْطَلَحِ وِلاَيَةٌ. стр. 10461
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْقُدْرَةُ:
١٥ - قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَأَمَّا الْقُدْرَةُ فَهِيَ أَصْلٌ وَتَكُونُ مِنْهُ فِي النَّفْسِ، وَتَكُونُ فِي الْبَدَنِ إِنِ احْتَاجَ إِِلَى النَّهْيِ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَإِِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الضَّرْبَ، أَوِ الْقَتْل مِنْ تَغْيِيرِهِ، فَإِِنْ رَجَا زَوَالَهُ جَازَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الاِقْتِحَامُ عِنْدَ هَذَا الْغَرَرِ، وَإِِنْ لَمْ يَرْجُ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِيهِ. ثُمَّ قَال: إِنَّ النِّيَّةَ إِذَا خَلَصَتْ فَلْيَقْتَحِمْ كَيْفَمَا كَانَ وَلاَ يُبَالِي. وَعِنْدَهُ أَنَّ تَخْلِيصَ الآْدَمِيِّ أَوْجَبُ مِنْ تَخْلِيصِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (١) .
وَلِلإِِْمَامِ الْغَزَالِيِّ تَفْصِيلٌ فِيمَا تَسْقُطُ بِهِ الْحِسْبَةُ وُجُوبًا غَيْرِ الْعَجْزِ الْحِسِّيِّ، وَهُوَ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنَ الاِحْتِسَابِ مَكْرُوهٌ، أَوْ يَعْلَمَ أَنَّ احْتِسَابَهُ لاَ يُفِيدُ، وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ هُوَ ضِدُّ الْمَطْلُوبِ، وَمَطَالِبُ الإِِْنْسَانِ تَرْجِعُ إِِلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: هِيَ الْعِلْمُ وَالصِّحَّةُ، وَالثَّرْوَةُ، وَالْجَاهُ، وَكُل وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الأَْرْبَعَةِ يَطْلُبُهَا الإِِْنْسَانُ لِنَفْسِهِ وَلأَِقَارِبِهِ الْمُخْتَصِّينَ بِهِ، وَالْمَكْرُوهُ مِنْ هَذِهِ الأَْرْبَعَةِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: زَوَال مَا هُوَ حَاصِلٌ مَوْجُودٌ.
وَالآْخَرُ امْتِنَاعُ مَا هُوَ مُنْتَظَرٌ مَفْقُودٌ، ثُمَّ يَسْتَطْرِدُ فِي بَيَانِ مَا يُعَدُّ مُؤَثِّرًا فِي إِسْقَاطِ الْحِسْبَةِ وَمَا لاَ يُعَدُّ مِنْهَا (٢) عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ
وَالْحَقُّ أَنَّ الاِسْتِطَاعَةَ شَرْطٌ فِي الاِحْتِسَابِ، стр. 10462
كَمَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ بِأَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ مِنَ الأَْئِمَّةِ، وَالْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ، وَسَائِرِ الْحُكَّامِ، فَإِِنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ بِعُلُوِّ الْيَدِ وَامْتِثَال الأَْمْرِ، وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ، وَانْبِسَاطِ الْوِلاَيَةِ يَدُل عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) .
فَإِِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إِِلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لاَ يَفْعَلُهُ إِلاَّ الْوُلاَةُ وَالْحَاكِمُ فَلاَ عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ إِذَا أَهْمَل هَؤُلاَءِ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلاَ يَقْدِرَ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ (٢) .
وَلَمَّا كَانَتْ وِلاَيَةُ الْحِسْبَةِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مِنْ وَظَائِفِ الإِِْمَامِ وَتَفْوِيضِهِ إِِلَى غَيْرِهِ مِنْ قَبِيل الاِسْتِنَابَةِ، وَيَقُومُ بِهَا نِيَابَةً عَنْهُ (٣) وَطَبِيعَتُهَا تَقُومُ عَلَى الرَّهْبَةِ، وَاسْتِطَالَةِ الْحُمَاةِ، وَسَلاَطَةِ السَّلْطَنَةِ، وَاِتِّخَاذِ الأَْعْوَانِ، كَانَ الْقِيَامُ بِالْحِسْبَةِ فِي حَقِّهِ مِنْ فَرَائِضِ الأَْعْيَانِ الَّتِي لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِحَالٍ، بِخِلاَفِ الآْحَادِ فَإِِنَّهُ لاَ تَلْزَمُهُمُ الْحِسْبَةُ стр. 10463
إِلاَّ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالسَّلاَمَةِ، فَمَنْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَصِلُهُ مَكْرُوهٌ فِي بَدَنِهِ بِالضَّرْبِ، أَوْ فِي مَالِهِ بِالاِسْتِهْلاَكِ، أَوْ فِي جَاهِهِ بِالاِسْتِخْفَافِ بِهِ بِوَجْهٍ يَقْدَحُ فِي مُرُوءَتِهِ أَوْ عَلِمَ أَنَّ حِسْبَتَهُ لاَ تُفِيدُ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ، أَمَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يُصَابُ بِأَذًى فِيمَا ذُكِرَ فَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُجُوبُ وَكَذَلِكَ إِذَا احْتُمِل الأَْمْرَانِ (١) .
وَإِِذَا سَقَطَ الْوُجُوبُ هَل يَحْسُنُ الإِِْنْكَارُ وَيَكُونُ أَفْضَل مِنْ تَرْكِهِ، أَمْ إِنَّ التَّرْكَ أَفْضَل؟
مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ قَال بِالأَْوَّل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ (٢) وَمِنْهُمْ مَنْ قَال التَّرْكُ أَفْضَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) لَكِنْ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ إِِلَى وُجُوبِ التَّرْكِ مَعَ تَيَقُّنِ الأَْذَى لاَ سُقُوطِ الْوُجُوبِ وَبَقَاءِ الاِسْتِحْبَابِ فَتِلْكَ طَرِيقَةُ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ وَعَيْنُ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
الشَّرْطُ السَّادِسُ: الإِِْذْنُ مِنَ الإِِْمَامِ:
١٦ - اشْتَرَطَ فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا مِنْ جِهَةِ الإِِْمَامِ أَوِ الْوَالِي، وَقَالُوا: لَيْسَ لِلآْحَادِ مِنَ الرَّعِيَّةِ الْحِسْبَةُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى стр. 10464
خِلاَفِهِ إِلاَّ فِيمَا كَانَ مُحْتَاجًا فِيهِ إِِلَى الاِسْتِعَانَةِ وَجَمْعِ الأَْعْوَانِ، وَمَا كَانَ خَاصًّا بِالأَْئِمَّةِ أَوْ نُوَّابِهِمْ، كَإِِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَحِفْظِ الْبَيْضَةِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ وَتَسْيِيرِ الْجُيُوشِ، أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِِنَّ لآِحَادِ النَّاسِ الْقِيَامَ بِهِ، لأَِنَّ الأَْدِلَّةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ وَالرَّدْعِ عَامَّةٌ، وَالتَّخْصِيصُ بِشَرْطِ التَّفْوِيضِ مِنَ الإِِْمَامِ تَحَكُّمٌ لاَ أَصْل لَهُ، وَأَنَّ احْتِسَابَ السَّلَفِ عَلَى وُلاَتِهِمْ قَاطِعٌ بِإِِجْمَاعِهِمْ عَلَى الاِسْتِفْتَاءِ عَنِ التَّفْوِيضِ (١) .
وَشَرَحَ الإِِْمَامُ الْغَزَالِيُّ ذَلِكَ فَقَال: إِنَّ الْحِسْبَةَ لَهَا خَمْسُ مَرَاتِبَ: أَوَّلُهَا التَّعْرِيفُ، وَالثَّانِي الْوَعْظُ بِالْكَلاَمِ اللَّطِيفِ، وَالثَّالِثُ السَّبُّ وَالتَّعْنِيفُ، وَالرَّابِعُ الْمَنْعُ بِالْقَهْرِ بِطَرِيقِ الْمُبَاشَرَةِ، كَكَسْرِ الْمَلاَهِي وَنَحْوِهِ، وَالْخَامِسُ التَّخْوِيفُ وَالتَّهْدِيدُ بِالضَّرْبِ، ثُمَّ قَال: أَمَّا التَّعْرِيفُ وَالْوَعْظُ فَلاَ يَحْتَاجُ إِِلَى إِذْنِ الإِِْمَامِ، وَأَمَّا التَّجْهِيل، وَالتَّحْمِيقُ، وَالنِّسْبَةُ إِِلَى الْفِسْقِ، وَقِلَّةِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَهُوَ كَلاَمُ صِدْقٍ، وَالصِّدْقُ مُسْتَحِقٌّ لِحَدِيثِ: أَفْضَل الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ (٢) فَإِِذَا جَازَ الْحُكْمُ عَلَى стр. 10465
الإِِْمَامِ عَلَى مُرَاغَمَتِهِ فَكَيْفَ يُحْتَاجُ إِِلَى إِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ كَسْرُ الْمَلاَهِي، وَإِِرَاقَةُ الْخُمُورِ، فَإِِنَّ تَعَاطِيَ مَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ حَقًّا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِِلَى إِذْنِ الإِِْمَامِ، وَأَمَّا جَمْعُ الأَْعْوَانِ، وَشَهْرُ الأَْسْلِحَةِ فَذَلِكَ قَدْ يَجُرُّ إِِلَى فِتْنَةٍ عَامَّةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ (١) وَقَدْ ذَهَبَ إِِلَى اشْتِرَاطِ الإِِْذْنِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جَمْهَرَةُ الْعُلَمَاءِ، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِِلَى الْفِتَنِ وَهَيَجَانِ الْفَسَادِ (٢) .
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِالأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فَلاَ يَسْتَقِل بِهَا الآْحَادُ كَالْقِصَاصِ، فَإِِنَّهُ لاَ يُسْتَوْفَى إِلاَّ بِحَضْرَةِ الإِِْمَامِ، لأَِنَّ الاِنْفِرَادَ بِاسْتِيفَائِهِ مُحَرِّكٌ لِلْفِتَنِ، وَمِثْلُهُ حَدُّ الْقَذْفِ لاَ يَنْفَرِدُ مُسْتَحِقُّهُ بِاسْتِيفَائِهِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فِي شِدَّةِ وَقْعِهِ وَإِِيلاَمِهِ. وَكَذَلِكَ التَّعْزِيرُ لاَ يُفَوَّضُ إِِلَى مُسْتَحِقِّهِ إِلاَّ أَنْ يَضْبِطَهُ الإِِْمَامُ بِالْحَبْسِ فِي مَكَان مَعْلُومٍ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَلاَّهُ الْمُسْتَحِقُّ (٣) .
أَمَّا لَوْ فَوَّضَ الإِِْمَامُ قَطْعَ السَّرِقَةِ إِِلَى السَّارِقِ أَوْ وَكَّل الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ الْجَانِيَ فِي قَطْعِ الْعُضْوِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ لِحُصُول الْمَقْصُودِ стр. 10466
بِاسْتِيفَائِهِ، وَالثَّانِي لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ لِغَيْرِهِ أَزْجَرُ لَهُ (١) .
وَقَدْ بَيَّنَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَْئِمَّةِ مِنْ أَصْل الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَمَا يَلْزَمُهُمْ فِي حِفْظِ أَهْل الإِِْسْلاَمِ عَنِ النَّوَائِبِ، وَالتَّغَالُبِ، وَالتَّقَاطُعِ، وَالتَّدَابُرِ، وَالتَّوَاصُل، وَأَنَّ الْحُدُودَ بِجُمْلَتِهَا مَنُوطَةٌ إِِلَى الأَْئِمَّةِ وَاَلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الأُْمُورَ مِنْ جِهَتِهِمْ (٢) .
الشَّرْطُ السَّابِعُ: الذُّكُورَةُ .
١٧ - اشْتَرَطَتْ طَائِفَةٌ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْحِسْبَةَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا، وَأَيَّدَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَال: إِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهَا أَنْ تَبْرُزَ إِِلَى الْمَجَالِسِ، وَلاَ أَنْ تُخَالِطَ الرِّجَال، وَلاَ تُفَاوِضَهُمْ مُفَاوَضَةَ النَّظِيرِ لِلنَّظِيرِ، لأَِنَّهَا إِنْ كَانَتْ فَتَاةً حَرُمَ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَكَلاَمُهَا، وَإِِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً بَرِزَةً لَمْ يَجْمَعْهَا وَالرِّجَال مَجْلِسٌ تَزْدَحِمُ فِيهِ مَعَهُمْ، وَتَكُونُ مُنَظِّرَةً لَهُمْ، وَلَنْ يُفْلِحَ قَطُّ مَنْ تَصَوَّرَ هَذَا وَلاَ مَنِ اعْتَقَدَهُ (٣) . وَاسْتُدِل عَلَى مَنْعِهَا مِنَ الْوِلاَيَةِ بِحَدِيثِ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ стр. 10467
امْرَأَةً (١) وَقَال: فِيمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَدَّمَ امْرَأَةً عَلَى حِسْبَةِ السُّوقِ إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ وَهُوَ مِنْ دَسَائِسِ الْمُبْتَدِعَةِ (٢) .
وَأَجَازَ تَوْلِيَتَهَا آخَرُونَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ سَمْرَاءَ بِنْتَ نَهِيكٍ الأَْسَدِيَّةَ كَانَتْ تَمُرُّ فِي الأَْسْوَاقِ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَنْهَى النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ بِسَوْطٍ مَعَهَا (٣) . وَيُسْتَدَل عَلَى جَوَازِ وِلاَيَتِهَا وَعَدَمِهِ بِالْخِلاَفِ الْوَارِدِ فِي جَوَازِ تَوْلِيَتِهَا الإِِْمَارَةَ وَالْقَضَاءَ. قَال ابْنُ حَجَرٍ بَعْدَ أَنْ نَقَل كَلاَمَ الْخَطَّابِيِّ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَلِي الإِِْمَارَةَ وَلاَ الْقَضَاءَ، وَأَنَّهَا لاَ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا وَلاَ تَلِي الْعَقْدَ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْمَنْعُ مِنْ أَنْ تَلِيَ الإِِْمَارَةَ وَالْقَضَاءَ قَوْل الْجُمْهُورِ وَأَجَازَهُ الطَّبَرِيُّ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَلِي الْحُكْمَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ (٤) .
ارْتِزَاقُ الْمُحْتَسِبِ:
١٨ - الرِّزْقُ مَا يُرَتِّبُهُ الإِِْمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَإِِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ كُل شَهْرٍ стр. 10468
سُمِّيَ رِزْقًا، وَإِِنْ كَانَ يُخْرِجُهُ كُل عَامٍ سُمِّيَ عَطَاءً (١) .
وَمِمَّا جَاءَ فِي رَدِّ الإِِْمَامِ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْخَلِيفَةِ هَارُونَ الرَّشِيدِ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ قَوْلُهُ: فَاجْعَل - أَعَزَّ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ - مَا يَجْرِي عَلَى الْقُضَاةِ وَالْوُلاَةِ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، مِنْ جِبَايَةِ الأَْرْضِ أَوْ مِنْ خَرَاجِ الأَْرْضِ وَالْجِزْيَةِ، لأَِنَّهُمْ فِي عَمَل الْمُسْلِمِينَ فَيُجْرَى عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ، يُجْرَى عَلَى كُل وَالِي مَدِينَةٍ وَقَاضِيهَا بِقَدْرِ مَا يَحْتَمِل، وَكُل رَجُلٍ تُصَيِّرُهُ فِي عَمَل الْمُسْلِمِينَ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ (٢) .
وَيُعْطَى الْمُحْتَسِبُ الْمَنْصُوبُ كِفَايَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَال مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، لأَِنَّهُ عَامِلٌ لِلْمُسْلِمِينَ مَحْبُوسٌ لَهُمْ، فَتَكُونُ كِفَايَتُهُ فِي مَالِهِمْ كَالْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْغُزَاةِ، وَالْمُفْتِينَ، وَالْمُعَلِّمِينَ (٣) .
وَكَذَلِكَ سَبِيل أَرْزَاقِ أَعْوَانِهِ سَبِيل أَرْزَاقِ الأَْعْوَانِ الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمُ الْحَاكِمُ فِي مَصَالِحِ النَّاسِ تَكُونُ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَال كَأَرْزَاقِ سَائِرِ стр. 10469
الْعُمَّال وَالْوُلاَةِ، لأَِنَّ اشْتِغَالَهُمْ بِذَلِكَ يُضَيِّعُ عَلَيْهِمُ الزَّمَانَ فِي شَأْنِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَعَايِشِهِمْ وَطَلَبِ أَقْوَاتِهِمْ (١) . وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُحْتَسِبِ وَلاَ لأَِحَدٍ مِنْ أَعْوَانِهِ أَخْذُ الْمَال مِنَ النَّاسِ لأَِجْل الاِحْتِسَابِ، لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل الرِّشْوَةِ، وَهِيَ حَرَامٌ شَرْعًا، لأَِنَّ مَا أَخَذَهُ الْمُحْتَسِبُ يُنْظَرُ فِيهِ، إِنْ أَخَذَهُ لِيُسَامِحَ فِي مُنْكَرٍ، أَوْ يُدَاهِنَ فِيهِ، أَوْ يُقَصِّرَ فِي مَعْرُوفٍ، فَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الرِّشْوَةِ وَإِنَّهَا حَرَامٌ (٢) وَإِِذَا جُعِل لِمَنْ وَلِيَ فِي السُّوقِ شَيْءٌ مِنْ أَهْل السُّوقِ فِيمَا يَشْتَرُونَهُ سَامَحَهُمْ فِي الْفَسَادِ بِمَا لَهُ مَعَهُمْ فِيهِ مِنَ النَّصِيبِ (٣) ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَال أَوْ كَانَ لاَ يَكْفِيهِمْ فَإِِنَّهُ رُبَّمَا يُرَخِّصُ لَهُمْ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِمْ، لأَِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ لَهُمْ، فَيَأْخُذُونَ كِفَايَتَهُمْ (٤) ، أَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلاَ تَجُوزُ، لأَِنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمُسْلِمِ قَهْرًا وَغَلَبَةً بِغَيْرِ رِضَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) وَقَدْ شَدَّدَ الْعُلَمَاءُ النَّكِيرَ عَلَى أَخْذِ الْمَال مِنَ النَّاسِ بِدُونِ وَجْهِ حَقٍّ.
وَالأَْرْزَاقُ لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ الْبَتَّةَ لِجَوَازِهَا فِي أَضْيَقِ الْمَوَاضِعِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْمُعَاوَضَةِ، وَهُوَ الْقَضَاءُ стр. 10470
وَالْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ، فَلاَ وَرَعَ حِينَئِذٍ فِي تَرْكِ تَنَاوُل الرِّزْقِ وَالأَْرْزَاقُ عَلَى الإِِْمَامَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَإِِنَّمَا يَقَعُ الْوَرَعُ مِنْ جِهَةِ قِيَامِهِ بِالْوَظِيفَةِ خَاصَّةً، فَإِِنَّ الأَْرْزَاقَ لاَ يَجُوزُ تَنَاوُلُهَا إِلاَّ لِمَنْ قَامَ بِذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الإِِْمَامُ فِي إِطْلاَقِهِ لِتِلْكَ الأَْرْزَاقِ (١) .
آدَابُ الْمُحْتَسِبِ:
١٩ - الْمَقْصُودُ مِنَ الآْدَابِ الأَْخْذُ بِمَا يُحْمَدُ قَوْلاً وَفِعْلاً، وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُحْتَسِبِ أَخْذُ نَفْسِهِ بِهَا حَتَّى يَكُونَ عَمَلُهُ مَقْبُولاً، وَقَوْلُهُ مَسْمُوعًا، وَتُحَقِّقُ وِلاَيَتُهُ الْهَدَفَ مِنْهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ قَبُول الْهَدَايَا مِنْ أَرْبَابِ الصِّنَاعَاتِ وَالْمَهَرَةِ، فَإِِنَّ ذَلِكَ أَسْلَمُ لِعِرْضِهِ وَأَقْوَمُ لِهَيْبَتِهِ، وَأَنْ يُلاَزِمَ الأَْسْوَاقَ، وَيَدُورَ عَلَى الْبَاعَةِ، وَيَكْشِفَ الدَّكَاكِينَ وَالطَّرَقَاتِ، وَيَتَفَقَّدَ الْمَوَازِينَ وَالأَْطْعِمَةَ، وَيَقِفَ عَلَى وَسَائِل الْغِشِّ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَعَلَى غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَيَسْتَعِينُ فِي عَمَلِهِ بِالأُْمَنَاءِ الْعَارِفِينَ الثِّقَاتِ، لِيَعْتَمِدَ عَلَى أَقْوَالِهِمْ وَيُبَالِغُ فِي الْكَشْفِ فِيهَا، وَيُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى الْوَزِيرَ وَقَعَ إِِلَى مُحْتَسِبٍ كَانَ فِي وَقْتِ وَزَارَتِهِ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ فِي دَارِهِ بِبَغْدَادَ " الْحِسْبَةُ لاَ تَحْتَمِل الْحِجْبَةَ فَطُفِ الأَْسْوَاقَ تَحِل لَك الأَْرْزَاقُ، وَاَللَّهِ следующие страницы →