Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10536–10575 · переход к 10541.
стр. 10536
حَسْمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَسْمُ فِي اللُّغَةِ: يَأْتِي بِمَعْنَى الْقَطْعِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي شَأْنِ السَّارِقِ: اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ (١) أَيِ اكْوُوهُ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ، وَحَسَمَ الْعِرْقَ: قَطَعَهُ، ثُمَّ كَوَاهُ لِئَلاَّ يَسِيل دَمُهُ.
وَيَأْتِي الْحَسْمُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَنْعِ (٢) .
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَغْمِسَ مَوْضِعَ الْقَطْعِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ فِي السَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا فِي زَيْتٍ أَوْ دُهْنٍ مَغْلِيٍّ، أَوِ الْكَيُّ بِحَدِيدَةٍ مُحْمَاةٍ لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ وَيَنْقَطِعَ الدَّمُ (٣) . стр. 10537
حُكْمُ الْحَسْمِ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْحَدِّ إِِلَى وُجُوبِ الْحَسْمِ، وَإِِلَى أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ حَدِّ السَّرِقَةِ، لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْسَمِ الْعُضْوَ الْمَقْطُوعَ مِنَ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل يُؤَدِّي إِِلَى التَّلَفِ.
وَالْحَدُّ زَاجِرٌ لاَ مُتْلِفٌ. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ الإِِْمَامُ الْحَسْمَ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ آثِمٌ إِنْ تَعَمَّدَ (١) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ لاَ يَكُونَ الْحَسْمُ مِنْ تَمَامِ حَدِّ السَّرِقَةِ، بَل يَكُونُ وَاجِبًا مُسْتَقِلًّا وَعَلَى الْكِفَايَةِ يَقُومُ بِهِ الإِِْمَامُ، أَوِ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ، أَوْ غَيْرُهُمَا (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ، وَالْحَنَابِلَةُ، أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ، وَنَظَرٌ لَهُ، وَتَدَاوٍ يَدْفَعُ بِهِ الْهَلاَكَ بِسَبَبِ نَزْفِ الدَّمِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَهُ الإِِْمَامُ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ، لاَ مُدَاوَاةَ الْمَحْدُودِ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِهِ، فَإِِنْ لَمْ يَفْعَل لَمْ يَأْثَمْ، لأَِنَّ فِي الْحَسْمِ أَلَمًا شَدِيدًا، وَقَدْ يُهْلِكُ الضَّعِيفَ، وَالْمُدَاوَاةُ بِمِثْل هَذَا لاَ تَجِبُ بِحَالٍ (٣) . стр. 10538
مَئُونَةُ الْحَسْمِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِِلَى أَنَّ ثَمَنَ زَيْتِ الْحَسْمِ، وَكَذَا ثَمَنُ حَطَبٍ وَأُجْرَةُ إِنَاءٍ يَغْلِي فِيهِ الزَّيْتُ عَلَى السَّارِقِ، لأَِنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ (١) .
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ بِأَنَّ الزَّيْتَ يَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَال (٢) ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ الْقَاطِعَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَال (٣) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - قَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْحَسْمِ فِي الْحُدُودِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ السَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ (٤) . стр. 10539
حَشَرَاتٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَشَرَاتُ: صِغَارُ دَوَابِّ (١) الأَْرْضِ، وَصِغَارُ هَوَامِّهَا (٢) ، وَالْوَاحِدَةُ حَشَرَةٌ بِالتَّحْرِيكِ.
وَقِيل الْحَشَرَاتُ: هَوَامُّ الأَْرْضِ مِمَّا لاَ سُمَّ لَهُ.
قَال الأَْصْمَعِيُّ: الْحَشَرَاتُ وَالأَْحْرَاشُ стр. 10540
وَالأَْحْنَاشُ وَاحِدٌ، وَهُوَ هَوَامُّ الأَْرْضِ، وَقِيل مِنَ الْحَشَرَاتِ: الْفَأْرُ وَالْيَرْبُوعُ وَالضَّبُّ وَنَحْوُهَا (١) .
أ - أَكْل الْحَشَرَاتِ:
٢ - لِلْفُقَهَاءِ فِي أَكْل الْحَشَرَاتِ اتِّجَاهَانِ:
الاِتِّجَاهُ الأَْوَّل: هُوَ حُرْمَةُ أَكْل جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ، لاِسْتِخْبَاثِهَا وَنُفُورِ الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ مِنْهَا، وَفِي التَّنْزِيل فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٢) وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْجَرَادَ فَإِِنَّهُ مِمَّا أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى حِل أَكْلِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال (٣) وَزَادَ стр. 10541
الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الضَّبَّ، فَإِِنَّهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ الَّتِي يُبَاحُ أَكْلُهَا عِنْدَهُمْ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: قَال: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَرَفَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ قَال خَالِدٌ: فَاجْتَزَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِِلَى حُرْمَتِهِ عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) ف (٥٤) .
وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا الْيَرْبُوعَ وَالْوَبَرَ فَقَالُوا: بِإِِبَاحَةِ أَكْلِهِمَا، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْهِمَا أُمَّ حُبَّيْنِ، وَالْقُنْفُذَ، وَبِنْتَ عِرْسٍ فَيُبَاحُ أَكْلُهَا (٢) .
٣ - الاِتِّجَاهُ الثَّانِي: حِل جَمِيعِ أَصْنَافِ الْحَشَرَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ فِي الأَْصْل إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيهِ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْمَذْهَبُ عَلَيْهَا.
قَال الطُّرْطُوشِيُّ: انْعَقَدَ الْمَذْهَبُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، أَنَّهُ يُؤْكَل جَمِيعُ стр. 10542
الْحَيَوَانِ مِنَ الْفِيل إِِلَى النَّمْل وَالدُّودِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلاَّ الْخِنْزِيرَ فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالإِِْجْمَاعِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِِلَى حُرْمَةِ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامِّ، كَابْنِ عَرَفَةَ وَالْقَرَافِيِّ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا بِالرِّوَايَةِ الأُْخْرَى فِي الْمَذْهَبِ.
ثُمَّ إِنَّ الْقَوْل بِحِل جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ، فَإِِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا وَذَلِكَ كَالْفَأْرِ فَإِِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ يَصِل إِِلَى النَّجَاسَةِ بِأَنْ تُحُقِّقَ أَوْ ظُنَّ وُصُولُهُ إِلَيْهَا، فَإِِنْ شُكَّ فِي وُصُولِهِ إِلَيْهَا لَمْ يُكْرَهْ، وَكَذَلِكَ إِنْ تُحُقِّقَ عَدَمُ وُصُولِهِ إِلَيْهَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى. وَقَدْ شَهَرَ هَذَا الْقَوْل الدَّرْدِيرُ وَالْخَرَشِيُّ وَالْعَدَوِيُّ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْل الْفَأْرِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ يَصِل لِلنَّجَاسَةِ أَوْ لاَ، وَشَهَرَ هَذَا الْقَوْل الدُّسُوقِيُّ، وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ اسْتِظْهَارَ التَّحْرِيمِ، وَكَذَا جَوَازُ أَكْل الْحَيَّةِ عِنْدَهُمْ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يُؤْمَنَ سَمُّهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِالآْكِل مَرَضٌ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا بِسُمِّهَا. وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ أَكْلُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَذَكَرَ الأَُجْهُورِيُّ حُرْمَةَ أَكْل بِنْتِ عِرْسٍ.
وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ: بِكَرَاهَةِ الْعَقْرَبِ عَلَى خِلاَفِ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ (١) . стр. 10543
ثُمَّ إِنَّ لِلدُّودِ تَفْصِيلاَتٍ أُخْرَى وَأَحْكَامًا خَاصَّةً، وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدُّودِ الْمُتَوَلِّدِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) . ف (٥٥) .
ب - بَيْعُ الْحَشَرَاتِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْحَشَرَاتِ الَّتِي لاَ نَفْعَ فِيهَا، إِذْ يُشْتَرَطُ فِي الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْفِئْرَانِ، وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَالْخَنَافِسِ، وَالنَّمْل وَنَحْوِهَا، إِذْ لاَ نَفْعَ فِيهَا يُقَابَل بِالْمَال، أَمَّا إِذَا وُجِدَ مِنَ الْحَشَرَاتِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَإِِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ كَدُودِ الْقَزِّ، حَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهُ الْحَرِيرُ الَّذِي هُوَ أَفْخَرُ الْمُلاَبِسِ، وَالنَّحْل حَيْثُ يُنْتِجُ الْعَسَل.
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ دُودِ الْعَلَقِ، لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ لِلتَّدَاوِي بِمَصِّهِ الدَّمَ، وَزَادَ ابْنُ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ دُودَ الْقِرْمِزِ (١) . قَال: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ فَإِِنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْحَال، وَدُودِ الْقَزِّ فِي الْمَآل.
كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْيَرْبُوعِ وَالضَّبِّ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤْكَل، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: بِجَوَازِ بَيْعِ الدِّيدَانِ لِصَيْدِ السَّمَكِ.
وَقَدْ عَدَّى الْحَنَفِيَّةُ الْحُكْمَ إِِلَى هَوَامِّ الْبَحْرِ стр. 10544
أَيْضًا، كَالسَّرَطَانِ وَنَحْوِهِ، فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا عِنْدَهُمْ.
وَمَحَل عَدَمِ الْجَوَازِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِيمَا لاَ يُؤْكَل مِنْهَا، وَأَمَّا مَا يُؤْكَل مِنْهَا فَإِِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مُطْلَقًا حَتَّى لَوْ لَمْ يُعْتَدْ أَكْلُهُ كَبَنَاتِ عِرْسٍ.
وَقَدْ وَضَعَ الْحَصْكَفِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَابِطًا لِبَيْعِ الْحَشَرَاتِ، فَقَال: إِنَّ جَوَازَ الْبَيْعِ يَدُورُ مَعَ حِل الاِنْتِفَاعِ (١) .
ج - ذَكَاةُ الْحَشَرَاتِ:
٥ - اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِإِِبَاحَةِ أَكْل الْحَشَرَاتِ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى أَنَّهَا لاَ تَحِل إِذَا كَانَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ إِلاَّ بِالتَّذْكِيَةِ، فَإِِنْ مَاتَتْ بِدُونِ تَذْكِيَةٍ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا، وَكَانَتْ مَيْتَةً كَسَائِرِ الْمَيْتَاتِ.
أَمَّا مَا لاَ نَفْسَ سَائِلَةَ لَهُ، كَالْجَرَادِ وَالْجُنْدُبِ (٢) فَمَا حَل أَكْلُهُ مِنْهَا لاَ تُشْتَرَطُ تَذْكِيَتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِإِِبَاحَتِهِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بُدَّ مِنْ تَذْكِيَتِهِ وَتَحْصُل عِنْدَهُمْ بِأَيِّ فِعْلٍ يَمُوتُ بِهِ، مِنْ قَطْفِ رَأْسٍ، أَوْ قَلْيٍ، أَوْ شَيٍّ، أَوْ إِلْقَائِهِ فِي مَاءٍ بَارِدٍ، وَقَال سَحْنُونٌ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي مَاءٍ حَارٍّ، أَوْ بِقَطْعِ أَرْجُلِهِ أَوْ أَجْنِحَتِهِ، وَفِي تِلْكَ стр. 10545
الْحَالَةِ لاَ يُؤْكَل مَا قُطِعَ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الرَّأْسَ أَوِ النِّصْفَ فَمَا فَوْقَهُ فَإِِنَّهُ يُؤْكَل، وَلاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ ذَكَاتِهَا، فَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ أَخْذِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ بَل لاَ بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ إِزْهَاقَ رُوحِهِ، وَأَنْ يُسَمِّيَ عِنْدَ ذَكَاتِهَا.
وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الْفِعْل بِأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعَجِّل الْمَوْتَ، فَإِِنْ لَمْ يُعَجِّل الْمَوْتَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَلاَ بُدَّ مِنْ ذَكَاةٍ أُخْرَى بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ.
وَاعْتَمَدَ بَعْضُهُمُ الإِِْطْلاَقَ أَيْ سَوَاءٌ عَجَّل الْفِعْل الْمَوْتَ أَمْ لاَ، وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَرَشِيُّ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ مُحَشِّيهِ الْعَدَوِيُّ، وَضَعَّفَ قَيْدَ التَّعْجِيل، وَهُوَ مَا مَال إِلَيْهِ الدُّسُوقِيُّ.
وَقَدْ شَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَكَاةِ الْحَيَّةِ الذَّكَاةَ الَّتِي يُؤْمَنُ بِهَا السُّمُّ لِمَنْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ فِي حَلْقِهَا وَفِي قَدْرٍ خَاصٍّ مِنْ ذَنَبِهَا (١) . كَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي بَابِ الْمُبَاحِ عِنْدَهُمْ.
د - قَتْل الْحَشَرَاتِ:
٦ - قَتْل الْحَشَرَاتِ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ مُطْلَقًا، وَلاَ مَنْهِيًّا عَنْهُ مُطْلَقًا، فَقَدْ نَدَبَ الشَّارِعُ إِِلَى قَتْل بَعْضِ الْحَشَرَاتِ، كَمَا أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْل بَعْضِهَا أَيْضًا. стр. 10546
مَا نُدِبَ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ:
٧ - مِنَ الْمَنْدُوبِ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ الْحَيَّةُ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَْبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا (١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُول: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ (٢) وَالأَْبْتَرَ (٣) ، فَإِِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَل قَال عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَِقْتُلَهَا، فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لاَ تَقْتُلْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْل الْحَيَّاتِ، فَقَال: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهِيَ الْعَوَامِرُ. (٤) стр. 10547
مِنْ أَجْل ذَلِكَ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا، فَحَيَّاتُ غَيْرِ الْعُمْرَانِ تُقْتَل مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ لِبَقَائِهَا عَلَى الأَْمْرِ بِقَتْلِهَا، وَأَمَّا حَيَّاتُ الْبُيُوتِ فَتُنْذَرُ قَبْل قَتْلِهَا ثَلاَثًا (١) لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ لِبُيُوتِكُمْ عُمَّارًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهِنَّ ثَلاَثًا، فَإِِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَاقْتُلُوهُ (٢) .
وَلَمْ يُفَرِّقِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا، قَال الطَّحَاوِيُّ: لاَ بَأْسَ بِقَتْل الْكُل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَاهَدَ الْجِنَّ أَنْ لاَ يَدْخُلُوا بُيُوتَ أُمَّتِهِ، وَلاَ يُظْهِرُوا أَنْفُسَهُمْ، فَإِِذَا خَالَفُوا فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ فَلاَ حُرْمَةَ لَهُمْ. وَمَعَ ذَلِكَ فَالأَْوْلَى عِنْدَهُمُ الإِِْمْسَاكُ عَمَّا فِيهِ عَلاَمَةُ الْجَانِّ لاَ لِلْحُرْمَةِ، بَل لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ جِهَتِهِمْ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ الإِِْنْذَارِ وَكَيْفِيَّتِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَيُسْتَحَبُّ كَذَلِكَ قَتْل الْوَزَغِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُل مِنْهُ أَذِيَّةٌ، لِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْل الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ стр. 10548
فُوَيْسِقًا. (١) وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا بِقَتْل الأَْوْزَاغِ. (٢)
وَمِنَ الْمُسْتَحَبِّ قَتْلُهُ كَذَلِكَ الْفَأْرُ (٣) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَتْل خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِل وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (٤)
وَمِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ يُسْتَحَبُّ قَتْل كُل مَا فِيهِ أَذًى مِنَ الْحَشَرَاتِ كَالْعَقْرَبِ، وَالْبُرْغُوثِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالْبَقِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى الْجَوَازِ (٥) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ سُئِل عَنْ حَشَرَاتِ الأَْرْضِ تُؤْذِي أَحَدًا فَقَال: مَا يُؤْذِيكَ فَلَكَ إِذَايَتُهُ قَبْل أَنْ يُؤْذِيَكَ (٦) стр. 10549
٧ م - مَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ:
كَرِهَ الشَّارِعُ قَتْل بَعْضِ الْحَشَرَاتِ كَالضُّفْدَعِ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ قَال: ذَكَرَ طَبِيبٌ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَوَاءً، وَذَكَرَ الضُّفْدَعَ يُجْعَل فِيهِ، فَنَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْل الضُّفْدَعِ (١) .
وَقَال صَاحِبُ الآْدَابِ الشَّرْعِيَّةِ (٢) : ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ.
وَكَرِهَ قَتْل النَّمْل وَالنَّحْل، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْل أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةُ، وَالنَّحْلَةُ، وَالْهُدْهُدُ، وَالصُّرَدُ (٣) .
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ النَّمْل فِي حَالَةِ الأَْذِيَّةِ، فَإِِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ.
وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ، فَأَجَازُوا قَتْل النَّمْل بِشَرْطَيْنِ: أَنْ تُؤْذِيَ، وَأَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى تَرْكِهَا، وَكَرِهُوهُ عِنْدَ الإِِْذَايَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَرْكِهَا، وَمَنَعُوهُ عِنْدَ عَدَمِ الإِِْذَايَةِ، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الإِِْذَايَةِ فِي الْبَدَنِ أَوِ الْمَال. стр. 10550
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِِلَى جَوَازِ قَتْل الْحَشَرَاتِ، لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ شَرَطُوا لِجَوَازِ قَتْل الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْقَاتِل بِالْقَتْل دَفْعَ الإِِْيذَاءِ لاَ الْعَبَثَ، وَإِِلاَّ مُنِعَ حَتَّى الْفَوَاسِقُ الْخَمْسُ الَّتِي يُبَاحُ قَتْلُهَا فِي الْحِل وَالْحَرَمِ.
وَقَسَمَ الشَّافِعِيَّةُ الْحَشَرَاتِ إِِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: مَا هُوَ مُؤْذٍ مِنْهَا طَبْعًا، فَيُنْدَبُ قَتْلُهُ كَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِقَتْل خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ (١) وَأُلْحِقَ بِهَا الْبُرْغُوثُ وَالْبَقُّ وَالزُّنْبُورُ، وَكُل مُؤْذٍ.
الثَّانِي: مَا يَنْفَعُ وَيَضُرُّ فَلاَ يُسَنُّ قَتْلُهُ وَلاَ يُكْرَهُ.
الثَّالِثُ: مَا لاَ يَظْهَرُ فِيهِ نَفْعٌ وَلاَ ضَرَرَ كَالْخَنَافِسِ، وَالْجُعْلاَنِ، وَالسَّرَطَانِ فَيُكْرَهُ قَتْلُهُ.
وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ قَتْل النَّمْل السُّلَيْمَانِيِّ، وَالنَّحْل وَالضُّفْدَعِ، أَمَّا غَيْرُ السُّلَيْمَانِيِّ، وَهُوَ الصَّغِيرُ الْمُسَمَّى بِالذَّرِّ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُ بِغَيْرِ الإِِْحْرَاقِ، وَكَذَا بِالإِِْحْرَاقِ إِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِِلَى اسْتِحْبَابِ قَتْل كُل مَا كَانَ طَبْعُهُ الأَْذَى مِنَ الْحَشَرَاتِ، وَإِِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى قِيَاسًا عَلَى الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، فَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ قَتْل الْحَشَرَاتِ الْمُؤْذِيَةِ كَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالزُّنْبُورِ، وَالْبَقِّ، وَالْبَعُوضِ، стр. 10551
وَالْبَرَاغِيثِ، وَأَمَّا مَا لاَ يُؤْذِي بِطَبْعِهِ كَالدِّيدَانِ، فَقِيل: يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَقِيل: يُكْرَهُ، وَقِيل: يَحْرُمُ.
وَقَدْ نَصُّوا عَلَى كَرَاهَةِ قَتْل النَّمْل إِلاَّ مِنْ أَذِيَّةٍ شَدِيدَةٍ، فَإِِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ، وَكَذَا الْقُمَّل (١) .
مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّ الْحَشَرَاتِ وَالْهَوَامَّ لاَ تَدْخُل فِي الصَّيْدِ الْوَارِدِ تَحْرِيمُهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) .
وَذَلِكَ لِعَدَمِ امْتِنَاعِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّهُمْ شَرَطُوا فِي الصَّيْدِ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا بِجَنَاحِهِ أَوْ قَوَائِمِهِ، وَلِكَوْنِهَا غَيْرَ مَأْكُولَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ إِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الصَّيْدِ أَنْ يَكُونَ مَأْكُولاً.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَحِل قَتْل مَا لاَ يُؤْذِي مِنَ الْحَشَرَاتِ، وَإِِنْ لَمْ يُوجِبُوا فِيهَا الْجَزَاءَ، كَمَا أَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ فِي قَتْل الْقُمَّل وَالْجَرَادِ الْجَزَاءَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، فَفِي الْقَلِيل التَّصَدُّقُ بِمَا شَاءَ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ فِي الثَّلاَثِ فَمَا دُونَهَا، وَفِي الْكَثِيرِ نِصْفُ صَاعٍ. стр. 10552
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ إِنَّهُمْ لاَ يُجَوِّزُونَ قَتْل مَا لاَ يُؤْذِي مِنَ الْحَشَرَاتِ وَيُوجِبُونَ فِيهَا الْجَزَاءَ، وَأَمَّا الْمُؤْذِي فَإِِنَّ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَهُ إِنْ قَصَدَ دَفْعَ الإِِْذَايَةِ، أَمَّا لَوْ قَتَلَهُ بِقَصْدِ الذَّكَاةِ فَلاَ يَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْفَأْرَةَ، وَالْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ، فَإِِنَّهَا تُقْتَل مُطْلَقًا كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً بَدَأَتْ بِالأَْذِيَّةِ أَمْ لاَ، وَأَلْحَقُوا بِالْفَأْرَةِ ابْنَ عِرْسٍ وَمَا يَقْرِضُ الثِّيَابَ مِنَ الدَّوَابِّ، وَبِالْعَقْرَبِ الزُّنْبُورَ وَالرُّتَيْلَى، وَهِيَ دَابَّةٌ صَغِيرَةٌ سَوْدَاءُ رُبَّمَا قَتَلَتْ مَنْ لَدْغَتْهُ.
قَال سَنَدٌ: الْهَوَامُّ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَخْتَصُّ بِالأَْجْسَامِ، وَمِنْهَا يَعِيشُ فَلاَ يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ وَلاَ يُمِيطُهُ عَنِ الْجَسَدِ الْمُخْتَصِّ بِهِ إِِلَى غَيْرِهِ، فَإِِنْ قَتَلَهُ أَطْعَمَ وَكَذَا إِذَا طَرَحَهُ، وَضَرْبٌ لاَ يَخْتَصُّ بِالأَْجْسَامِ كَالنَّمْل، وَالذَّرِّ، وَالدُّودِ وَشَبَهِهِ فَإِِنْ قَتَلَهُ افْتَدَى، وَإِِنْ طَرَحَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِذْ طَرَحَهُ كَتَرْكِهِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمُحْرِمِ كَمَذْهَبِهِمْ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ، وَقَدْ سَبَقَ فِيمَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنَ الْحَشَرَاتِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيرِ ذَلِكَ فِي الإِِْحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَعَدَمِ الْجَزَاءِ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ الْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِصَيْدٍ.
وَعِنْدَهُمْ فِي الْقُمَّل رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا يُبَاحُ قَتْلُهَا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لاَ يُبَاحُ قَتْلُهَا وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فِي الْمَذْهَبِ، قَال الزَّرْكَشِيُّ مِنَ
стр. 10553
الْحَنَابِلَةِ: هِيَ أَنَصُّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِِنْ قَتَلَهَا فَلاَ جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ (١) . стр. 10554
حَشَفَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَشَفَةُ فِي اللُّغَةِ: مَا فَوْقَ الْخِتَانِ مِنَ الذَّكَرِ، وَيُقَال لَهَا الْكَمَرَةُ أَيْضًا. وَالْحَشَفَةُ أَيْضًا وَاحِدَةُ الْحَشَفِ، وَهُوَ أَرْدَأُ التَّمْرِ الَّذِي يَجِفُّ مِنْ غَيْرِ نُضْجٍ وَلاَ إِدْرَاكٍ، فَلاَ يَكُونُ لَهُ لَحْمٌ (١) .
وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: هِيَ مَا تَحْتَ الْجِلْدَةِ الْمَقْطُوعَةِ مِنَ الذَّكَرِ فِي الْخِتَانِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخِتَانُ:
٢ - الْخِتَانُ مَوْضِعُ قَطْعِ جِلْدِ الْقُلْفَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، أَوْ مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل (٣) فَمَوْضِعُ الْقَطْعِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحَشَفَةِ. стр. 10555
أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْحَشَفَةِ:
أ - أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِإِِيلاَجِ الْحَشَفَةِ:
٣ - تَتَرَتَّبُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ عَلَى إِيلاَجِ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُل أَوْ فِي الدُّبُرِ (مَعَ حُرْمَةِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ) .
وَذَكَرَ مِنْهَا ابْنُ جُزَيٍّ: خَمْسِينَ حُكْمًا، وَالسُّيُوطِيُّ: مِائَةً وَخَمْسِينَ حُكْمًا (١) ، وَقَال صَاحِبُ كِفَايَةِ الطَّالِبِ: إِنَّهُ يُوجِبُ نَحْوَ سِتِّينَ حُكْمًا، ذَكَرَ مِنْهَا سَبْعَةً وَهِيَ (٢) :
١ - وُجُوبُ الْغُسْل:
٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْل بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ كُلِّهَا فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ حَيٍّ - عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي ذُكِرَ فِي بَابِ الْغُسْل - لِقَوْلِهِ ﵊: إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، وَتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل (٣) .
وَكَذَا فِي الدُّبُرِ (مَعَ حُرْمَتِهِ) لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁: تُوجِبُونَ فِيهِ الْحَدَّ، وَلاَ تُوجِبُونَ فِيهِ صَاعًا مِنْ مَاءٍ؟ стр. 10556
وَلاَ غُسْل بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ. وَلِتَغْيِيبِ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ مَقْطُوعِهَا حُكْمُ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ: إِِلَى أَنَّ تَغْيِيبَ قَدْرِ الْحَشَفَةِ مِنْ ذَكَرٍ مَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ لاَ يُوجِبُ الْغُسْل، وَإِِنَّمَا يُوجِبُهُ تَغْيِيبُ جَمِيعِ الْبَاقِي إِنْ كَانَ قَدْرَ الْحَشَفَةِ فَصَاعِدًا. قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا الْوَجْهُ مَشْهُورٌ، وَلَكِنَّ الأَْوَّل أَصَحُّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْغُسْل بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ آدَمِيَّةٍ وَبَهِيمَةٍ، وَلاَ بَيْنَ حَيَّةٍ وَمَيِّتَةٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجِبُ الْغُسْل بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ وَالْمَيْتَةِ - إِلاَّ أَنْ يَحْصُل إِنْزَالٌ - لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وَأَيْضًا لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إِذَا لَفَّ عَلَى الْحَشَفَةِ خِرْقَةً:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ إِِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْل إِذَا كَانَتِ الْخِرْقَةُ خَفِيفَةً يَجِدُ مَعَهَا حَرَارَةَ الْفَرْجِ وَاللَّذَّةَ، وَإِِلاَّ فَلاَ يَجِبُ، إِلاَّ أَنْ يَحْصُل إِنْزَالٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِِلَى وُجُوبِ الْغُسْل مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْخِرْقَةُ خَفِيفَةً أَمْ غَلِيظَةً، وَهَذَا جَارٍ فِي سَائِرِ الأَْحْكَامِ كَإِِفْسَادِ الصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ.
стр. 10557
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ عَدَمَ وُجُوبِ الْغُسْل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (١) .
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنْ تَكُونَ الْحَشَفَةُ أَصْلِيَّةً، فَلاَ غُسْل بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ زَائِدَةٍ أَوْ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لاِحْتِمَال الزِّيَادَةِ (٢) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّغْيِيبُ مِنْ ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْل بِتَغْيِيبِ حَشَفَتِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ (٣) .
٢ - فَسَادُ الصَّوْمِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ إِذَا كَانَ عَامِدًا، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الإِِْنْزَال، لأَِنَّ الإِِْنْزَال شِبَعٌ، وَقَضَاءُ الشَّهْوَةِ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ، وَقَدْ وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ وَهُوَ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ، فَالْكَفَّارَةُ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ أَوْلَى. وَلاَ كَفَّارَةَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، بَل فِيهِ قَضَاءٌ فَقَطْ، стр. 10558
لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ لِهَتْكِ حُرْمَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَلاَ تَجِبُ بِإِِفْسَادِ قَضَائِهِ، وَلاَ بِإِِفْسَادِ صَوْمِ غَيْرِهِ.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِلأَْعْرَابِيِّ حِينَ قَال: وَاقَعْتُ أَهْلِي نَهَارَ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، اعْتِقْ رَقَبَةً (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ إِيلاَجُ الْحَشَفَةِ نِسْيَانًا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ، وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ: وُجُوبَ الْقَضَاءِ دُونَ الْكَفَّارَةِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ (٢) .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَيْتَةِ وَالْبَهِيمَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ آدَمِيَّةٍ وَبَهِيمَةٍ، وَلاَ بَيْنَ حَيَّةٍ وَمَيْتَةٍ (٣) .
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَلاَ كَفَّارَةَ بِجِمَاعِ بَهِيمَةٍ أَوْ مَيْتَةٍ وَلَوْ أَنْزَل، بَل لاَ قَضَاءَ مَا لَمْ يُنْزِل (٤) . стр. 10559
َتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْمٌ)
٣ - فَسَادُ الْحَجِّ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مُفْسِدٌ لِلْحَجِّ.
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لاَ يَفْسُدُ بِإِِتْيَانِ شَيْءٍ فِي حَال الإِِْحْرَامِ إِلاَّ الْجِمَاعَ.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ، فَقَال: إِنِّي وَاقَعْتُ امْرَأَتِي وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ، فَقَال: أَفْسَدْتَ حَجَّكَ وَكَذَلِكَ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَيْضًا. وَبِهِ قَال ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَإِِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ.
ثُمَّ لاَ فَرْقَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بَيْنَ مَا قَبْل الْوُقُوفِ، وَكَذَا بَعْدَهُ قَبْل التَّحَلُّل الأَْوَّل، لأَِنَّهُ جِمَاعٌ صَادَفَ إِحْرَامًا تَامًّا، وَلأَِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا قَبْل الْوُقُوفِ وَمَا بَعْدَهُ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ جَامَعَ قَبْل الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَيَمْضِي فِي حَجِّهِ وَيَقْضِيهِ، وَإِِذَا جَامَعَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وَأَمَّا بَعْدَ الْحَلْقِ فَعَلَيْهِ شَاةٌ لِبَقَاءِ الإِِْحْرَامِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْبَهِيمَةِ وَالدُّبُرِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّ الْحَجَّ
стр. 10560
لاَ يَفْسُدُ بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ، لأَِنَّهُ لاَ يُوجِبُ الْحَدَّ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْقُبُل وَالدُّبُرِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَجٌّ، وَعُمْرَةٌ، وَإِِحْرَامٌ)
٤ - وُجُوبُ كَمَال الصَّدَاقِ:
٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِيلاَجَ الْحَشَفَةِ فِي قُبُل الْمَرْأَةِ الْحَيَّةِ، يُوجِبُ كَمَال الصَّدَاقِ إِذَا كَانَا بَالِغَيْنِ، أَوْ كَانَ الزَّوْجُ بَالِغًا، وَالْمَرْأَةُ مِمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْمِيل الصَّدَاقِ بِإِِيلاَجِ الْحَشَفَةِ فِي دُبُرِ الزَّوْجَةِ (مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى حُرْمَةِ ذَلِكَ) : فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى إِيجَابِ كَمَال الصَّدَاقِ وَلَوْ كَانَ الإِِْيلاَجُ فِي الدُّبُرِ، لأَِنَّهُ قَدْ وُجِدَ اسْتِيفَاءُ الْمَقْصُودِ بِاسْتِقْرَارِ الْعِوَضِ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ كَمَال الْمَهْرِ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَحَل النَّسْل (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (نِكَاحٌ وَمَهْرٌ) .
٥ - стр. 10561
التَّحْلِيل لِلزَّوْجِ الأَْوَّل:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَحْلِيل الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِشُرُوطٍ: مِنْهَا إِيلاَجُ الْحَشَفَةِ فِي قُبُل امْرَأَةٍ بِلاَ حَائِلٍ يَمْنَعُ الْحَرَارَةَ وَاللَّذَّةَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الإِِْنْزَال مَعَ الإِِْيلاَجِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، لأَِنَّ الشَّرْطَ الذَّوْقُ لاَ الشِّبَعُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ اشْتِرَاطَهُ. وَالأَْصْل فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الْحِل عَلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ مِنْهُمَا (١) ، وَلاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَأَدْنَاهُ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا، لأَِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَلَوْ أَوْلَجَ الْحَشَفَةَ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ لَمْ تَحِل لَهُ، لأَِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلاَ تَحْصُل مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (طَلاَقٌ) .
٦ - تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ:
٩ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ الإِِْحْصَانُ بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُل عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْغُسْل سَوَاءٌ أَنْزَل أَمْ لَمْ يُنْزِل بِشَرْطِ الْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ وَغَيْرِهِمَا стр. 10562
مِنَ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَوْضِعِهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَحْصُل تَحْصِينُ الزَّوْجَيْنِ بِتَغْيِيبِهَا مَلْفُوفًا عَلَيْهَا حَائِلٌ كَثِيفٌ، وَفِي الْخَفِيفِ خِلاَفٌ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْصَانٌ) .
٧ - وُجُوبُ الْحَدِّ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْحَدِّ فِي الزِّنَى تَغْيِيبَ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ وَلَوْ لَمْ يُنْزِل. فَإِِنْ لَمْ يُغَيَّبْ أَوْ غُيِّبَ بَعْضُهَا فَلاَ حَدَّ. لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُسَمَّى زِنًى، إِذِ الْوَطْءُ لاَ يَتِمُّ بِدُونِ تَغْيِيبِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ، لأَِنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ، وَلِذَا لَمْ يَجِبِ الْغُسْل وَلَمْ يَفْسُدِ الْحَجُّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِيلاَجِهَا فِي الدُّبُرِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى - مَعَ حُرْمَتِهِ -: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْقُبُل وَالدُّبُرِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ، وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ إِيلاَجِ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُل.
وَإِِنْ لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً كَثِيفَةً فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْغُسْل بَل أَوْلَى.
وَأَمَّا بِحَائِلٍ خَفِيفٍ لاَ يَمْنَعُ اللَّذَّةَ فَيَجِبُ الْحَدُّ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يَجِبُ، لأَِنَّ стр. 10563
الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وُجُوبَ الْحَدِّ، وَلَوْ كَانَ الْحَائِل غَلِيظًا.
وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الاِنْتِشَارَ أَثْنَاءَ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ، وَهُوَ غَيْرُ شَرْطٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (زِنًى) .
ب - مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَطْعِ الْحَشَفَةِ:
١ - وُجُوبُ الْقِصَاصِ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَطْعِ جَمِيعِ الْحَشَفَةِ عَمْدًا إِذْ لَهَا حَدٌّ مَعْلُومٌ كَالْمَفْصِل.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَطْعِ بَعْضِهَا: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي قَطْعِ بَعْضِهَا أَيْضًا، وَيُقَدَّرُ بِالأَْجْزَاءِ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ، وَرُبُعٍ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ مِثْل ذَلِكَ، وَلاَ يُؤْخَذُ بِالْمِسَاحَةِ لِئَلاَّ يُفْضِيَ إِِلَى أَخْذِ جَمِيعِ عُضْوِ الْجَانِي بِبَعْضِ عُضْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢) .
وَلاَ قِصَاصَ فِي قَطْعِ بَعْضِهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لِتَعَذُّرِ الْمُسَاوَاةِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، لأَِنَّهُ مَتَى تَعَذَّرَ стр. 10564
الْقِصَاصُ، تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً، لِئَلاَّ تَخْلُوَ الْجِنَايَةُ عَنْ مُوجِبٍ (١) .
٢ - وُجُوبُ الدِّيَةِ:
١٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ فِي قَطْعِ الْحَشَفَةِ خَطَأً دِيَةً كَامِلَةً، لأَِنَّهَا أَصْلٌ فِي مَنْفَعَةِ الإِِْيلاَجِ وَالدَّفْقِ، وَالْقَصَبَةُ كَالتَّابِعِ لَهَا كَالْكَفِّ مَعَ الأَْصَابِعِ. وَلأَِنَّ فِيهِ إِزَالَةَ الْجَمَال عَلَى وَجْهِ الْكَمَال، وَتَفْوِيتَ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، وَلأَِنَّ مُعْظَمَ مَنَافِعِ الذَّكَرِ وَهُوَ لَذَّةُ الْمُبَاشَرَةِ تَتَعَلَّقُ بِهَا.
وَفِي قَطْعِ بَعْضِهَا قِسْطُهُ مِنَ الدِّيَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيَكُونُ التَّقْسِيطُ عَلَى الْحَشَفَةِ فَقَطْ، لأَِنَّ الدِّيَةَ تَكْمُل بِقَطْعِهَا، فَقُسِّطَتْ عَلَى أَبْعَاضِهَا. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَكُونُ التَّقْسِيطُ عَلَى جُمْلَةِ الذَّكَرِ. هَذَا إِذَا لَمْ يَخْتَل مَجْرَى الْبَوْل، فَإِِنِ اخْتَل فَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَْمْرَيْنِ مِنْ قِسْطِهِ مِنَ الدِّيَةِ وَحُكُومَةِ فَسَادِ الْمَجْرَى.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بَيْنَ قَطْعِ الْكُل وَالْبَعْضِ (٢) . стр. 10565
حَشِيشٌ
انْظُرْ: كَلأٌَ، تخدير
حَشِيشَةٌ
انْظُرْ: مُخَدِّرٌ
стр. 10566
حَصَادٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الْحَصَادُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا مَصْدَرُ حَصَدَ الزَّرْعَ حَصَادًا أَيْ: جَزَّهُ، وَقَطَعَهُ بِالْمِنْجَل، وَمِثْلُهُ الْحَصْدُ، وَحَصَائِدُ الأَْلْسِنَةِ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ: هُوَ مَا قِيل فِي النَّاسِ بِاللِّسَانِ، وَالْمِحْصَدُ: الْمِنْجَل وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْحَصَادُ الزَّرْعُ الْمَحْصُودُ، وَالْحَصَادُ أَيْضًا: أَوَانُ الْحَصَادِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الْحَصَادَ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَأَطْلَقُوهُ أَيْضًا عَلَى مَا بَقِيَ فِي الأَْرْضِ بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ تَوَسُّعًا، كَمَا ذَكَرَهُ الْمُطَرِّزِيُّ نَقْلاً عَنْ شَرْحِ الْقُدُورِيِّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدِّيَاسُ:
٢ - الدِّيَاسُ فِي الْحُبُوبِ أَنْ تُوطَأَ بِقَوَائِمِ الدَّوَابِّ، стр. 10567
وَيُكَرَّرَ عَلَيْهِ الدَّوْسُ حَتَّى يَصِيرَ تِبْنًا (١) . وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَوَاسِمِ الْمُعْتَادَةِ يَأْتِي بَعْدَ الْحَصَادِ
ب - الْجُذَاذُ وَالْجِدَادُ:
٣ - الْجُذَاذُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، وَالْجِدَادُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، بِمَعْنَى الْقَطْعِ، وَمِنْهُ: جَدَّ النَّخْل: أَيْ صَرَمَهُ، أَيْ قَطَعَ ثَمَرَهُ. وَكَذَلِكَ جَذَّ النَّخْل جَذًّا، وَجُذَاذًا، صَرَمَهُ، أَيْ قَطَعَ ثَمَرَهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْحَصَادِ أَنَّ الْجُذَاذَ، وَالْجِدَادَ خَاصَّانِ بِالنَّخْل وَنَحْوِهِ، وَالْحَصَادُ فِي الزَّرْعِ (٢) . فِي الْحَدِيثِ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ جِدَادِ اللَّيْل (٣) .
ح - الْجَزَازُ:
٤ - الْجَزَازُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا كَالْحَصَادِ، وَاقِعٌ عَلَى الْحِينِ وَالأَْوَانِ، قَال الْفَرَّاءُ: جَاءَنَا وَقْتُ الْجَزَازِ، أَيْ: زَمَنُ الْحَصَادِ. وَأَجَزَّ النَّخْل، وَالْبُرَّ، وَالْغَنَمَ: حَانَ لَهُ أَنْ يُجَزَّ، وَأَجَزَّ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ: أَيْ حَانَ حَصَادُهُ. стр. 10568
فَالْجَزَازُ أَعَمُّ مِنَ الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ، لأَِنَّ الْجُذَاذَ أَوِ الْجِدَادَ خَاصٌّ بِالنَّخْل وَأَمْثَالِهِ، وَالْحَصَادُ: فِي الزَّرْعِ، وَأَمَّا الْجِزَازُ: فَفِي النَّخْل، وَالزَّرْعِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ.
وَفَرَّقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بَيْنَهُمَا، فَذَكَرَ أَنَّ الْجِدَادَ قَبْل الإِِْدْرَاكِ، وَالْجِزَازَ بَعْدَهُ (١) .
وَكُلٌّ مِنَ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالْجُذَاذِ وَالْجَزَازِ مِنَ الْمَوَاسِمِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّأْجِيل إِلَيْهَا فِي الْمُعَامَلاَتِ وَغَيْرِهَا.
الْحُكْمُ الإِِْجْمَالِيُّ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَصَادَ مِنَ الآْجَال الْمَجْهُولَةِ جَهَالَةً مُتَقَارِبَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّأْجِيل إِلَيْهِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّأْجِيل إِِلَى الْحَصَادِ وَنَحْوِهِ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ: وَغَيْرِهِمَا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي السَّلَمِ إِِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ (٢) .
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: لاَ تَتَبَايَعُوا إِِلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ، وَلاَ تَتَبَايَعُوا إِلاَّ إِِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَلأَِنَّ ذَلِكَ стр. 10569
يَخْتَلِفُ، وَيَقْرُبُ وَيَبْعُدُ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجَلاً، لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِِلَى الْمُنَازَعَةِ (١) .
ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءُ فِي أَثَرِ اشْتِرَاطِ التَّأْجِيل إِِلَى الْحَصَادِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَجَلٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - قَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ الْكَلاَمَ عَلَى الْحَصَادِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ خِيَارِ الشَّرْطِ (٢) وَفِي السَّلَمِ (٣) ، وَالإِِْجَارَةِ (٤) ، وَالْمُزَارَعَةِ (٥) ، стр. 10570
وَالْمُسَاقَاةِ (١) ، وَالزَّكَاةِ (٢) وَغَيْرِهَا
وَفِي كُلٍّ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهَا إِِلَى مَوَاطِنِهَا. стр. 10571
حِصَارٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِصَارُ مَصْدَرُ حَاصَرَ، وَمِثْلُهُ الْمُحَاصَرَةُ، أَيِ التَّضْيِيقُ عَلَى الشَّخْصِ وَالإِِْحَاطَةُ بِهِ، وَالْحَصِيرُ فِي اللُّغَةِ الْمَحْبِسُ (١) . قَال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ (٢) أَيْ مَحْبِسًا.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ التَّضْيِيقُ عَلَى الْعَدُوِّ، وَالإِِْحَاطَةُ بِهِ فِي بَلَدٍ، أَوْ قَلْعَةٍ، أَوْ حِصْنٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَمَنْعُ الْخُرُوجِ وَالدُّخُول حَتَّى يَسْتَسْلِمَ (٣) .
الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ:
٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مُحَاصَرَةُ الْكُفَّارِ فِي بِلاَدِهِمْ، وَالْحُصُونِ وَالْقِلاَعِ، وَتَشْدِيدُ الأَْمْرِ عَلَيْهِمْ بِالْمَنْعِ مِنَ الدُّخُول وَالْخُرُوجِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ حَتَّى стр. 10572
يَسْتَسْلِمُوا وَإِِنْ كَانَ فِيهِمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (٢) وَقَدْ حَاصَرَ الرَّسُول ﷺ أَهْل الطَّائِفِ (٣) . وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ الْقُدْسَ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
وَعَلَى الإِِْمَامِ إِذَا حَاصَرَ حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً أَنْ يَأْخُذَهُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ خِصَالٍ خَمْسٍ:
أ - أَنْ يُسَلِّمُوا فَيَعْصِمُوا بِالإِِْسْلاَمِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَوْلاَدَهُمُ الصِّغَارَ.
ب - أَنْ يَبْذُلُوا مَالاً عَلَى الْمُوَادَعَةِ فَيَجُوزُ لِلإِِْمَامِ قَبُولُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُل عَامٍ، أَوْ دَفَعُوهُ جُمْلَةً، وَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا جِزْيَةً إِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ فَيَقْبَل مِنْهُمْ وُجُوبًا.
ج - أَنْ يَفْتَحَهُ.
د - أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الاِنْصِرَافِ عَنْهُمْ، إِمَّا لِضَرَرٍ فِي الإِِْقَامَةِ، وَإِِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ، وَإِِمَّا لِمَصْلَحَةٍ تَفُوتُ بِإِِقَامَتِهِ هُنَاكَ فَيَنْصَرِفُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَاصَرَ أَهْل الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَل مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَال: إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا، стр. 10573
فَقَال الْمُسْلِمُونَ أَنَرْجِعُ عَنْهُ وَلَمْ تَفْتَحْهُ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : اغْدُوَا عَلَى الْقِتَال، فَغَدَوَا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمُ الْجِرَاحُ فَقَال لَهُمْ: إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا فَأَعْجَبَهُمْ فَقَفَل (١) .
هـ - أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ فَيَجُوزُ قَبُولُهُ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إِِلَى ذَلِكَ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَحْكِيمٌ) .
وَلاَ يُعْتَبَرُ الْحِصَارُ ظَفَرًا بِهِمْ، فَإِِنْ أَسْلَمَ الْمَحْصُورُونَ أَثْنَاءَ الْحِصَارِ وَقَبْل الاِسْتِسْلاَمِ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَوْلاَدَهُمُ الصِّغَارَ، فَلاَ يُقْتَلُونَ وَلاَ يُسْتَوْلَى عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَإِِنْ كَانَ الْفَتْحُ قَرِيبًا. أَمَّا إِذَا أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِِنَّهُمْ يَعْصِمُونَ دِمَاءَهُمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) .
حِصَارُ الْبُغَاةِ:
٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِِْمَامِ حِصَارُ الْبُغَاةِ بِمَنْعِ الطَّعَامِ، أَوِ الشَّرَابِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ стр. 10574
مِنْ قِتَالِهِمْ رَدُّهُمْ إِِلَى الطَّاعَةِ لاَ إِهْلاَكُهُمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ قِتَالُهُمْ بِمَا يَجُوزُ قِتَال الْكُفَّارِ بِهِ، فَيَمْنَعُ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ وَالْمَاءَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ صِبْيَانٌ وَنِسَاءٌ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي (بُغَاةٌ) .
فَكُّ حِصَارِ الْعَدُوِّ بِالْمَال:
٤ - إِذَا حَاصَرَ الْعَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبُوا مَالاً لِفَكِّ الْحِصَارِ عَنْهُمْ لَمْ يُجِبْهُمُ الإِِْمَامُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ، وَإِِلْحَاقِ الْمَذَلَّةِ بِأَهْل الإِِْسْلاَمِ، إِلاَّ إِذَا خَافَ هَلاَكَ الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ (٣) . لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَل إِِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ لَمَّا اشْتَدَّ الْبَلاَءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ، وَطَلَبَ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمَا كُل سَنَةٍ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالاَ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنْ كَانَ وَحْيًا فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، وَإِِنْ كَانَ رَأْيًا رَأَيْتَهُ، لاَ نُعْطِيهِمْ إِلاَّ السَّيْفَ. فَقَال ﷺ : أَنْتُمْ وَذَاكَ. فَقَدْ مَال النَّبِيُّ ﷺ إِِلَى الصُّلْحِ بِالْمَال فِي الاِبْتِدَاءِ لَمَّا أَحَسَّ стр. 10575
الضَّعْفَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى قُوَّةَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا قَال السَّعْدَانُ امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَدَفْعُ الْهَلاَكِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ بِأَيِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ (١) . следующие страницы →