Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.
стр. 10746
امْتِنَاعُ الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فِي الْوَقْفِ إِذَا اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ:
١١ - إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مَنْعَ تَأْجِيرِ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَجَبَ التَّقَيُّدُ بِشَرْطِهِ اتِّفَاقًا، لَكِنْ إِذَا اقْتَضَتْ ضَرُورَةٌ إِبْقَاءَ عَيْنِ الْوَقْفِ إِلَى إِجَارَتِهِ مُدَّةً أَكْثَرُ مِمَّا شَرَطَهُ جَازَ كَمَا يَأْتِي.
وَأَجَازَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَحْتَال النَّاظِرُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَالْحِيلَةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا أَنْ يُؤَجِّرَهُ النَّاظِرُ وَيَكْتُبَ فِي عَقْدِ الإِْيجَارِ أَنَّهُ آجَرَهُ عُقُودًا مُتَلاَحِقَةً، سِتِّينَ عَقْدًا مَثَلاً، كُل عَقْدٍ لِسَنَةٍ، وَأُجْرَةُ كُل سَنَةٍ كَذَا وَكَذَا.
وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِجَوَازِ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَخْذًا بِأَنَّهَا لاَ تُخَالِفُ لَفْظَ الْوَاقِفِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ قَاضِي خَانَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ، وَابْنُ الأُْسْتَاذِ، وَصَاحِبُ الأَْنْوَارِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لاَ تُفِيدُ، نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى وَأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ الْمُتَلاَحِقَةَ هِيَ بِمَعْنَى عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَمِنْ هَؤُلاَءِ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ الصَّلاَحِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل أَبِي جَعْفَرٍ قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمُرَجَّحُ صِحَّةُ هَذِهِ الْحِيلَةِ لأَِنَّ مَنْ تَأَمَّل كَلاَمَ أَهْل الْمَذْهَبِ وَتَفَارِيعَهُمْ وَجَدَهُمْ فِي الْغَالِبِ يُرَجِّحُونَ مَا كَانَ أَقْرَب إِلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى غَرَضِهِ دُونَ لَفْظِهِ قَال: وَلِذَا اعْتَمَدَهُ الْمُحَقِّقُونَ.
стр. 10747
وَكُل هَذَا مَا لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى امْتِنَاعِ هَذِهِ الْحِيلَةِ، فَإِنْ مَنَعَهَا امْتَنَعَتِ اتِّفَاقًا. (١)
حُكْمُ التَّحْكِيرِ فِي الْوَقْفِ وَشُرُوطُ جَوَازِهِ:
١٢ - يَتَبَيَّنُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّحْكِيرَ فِي الْوَقْفِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُونَ: إِنَّهُ جَائِزٌ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ مَنْعَهُ أَمْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَرْضِ الْوَقْفِ لأَِنَّهُ يَغُل يَدَ الْوَاقِفِ أَوِ النَّاظِرِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الأَْرْضِ، وَاسْتِغْلاَلِهَا لَمْ يُجِيزُوهُ إِلاَّ بِشُرُوطٍ:
أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ قَدْ تَخَرَّبَ وَتَعَطَّل انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. ثَانِيًا: أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يُعَمَّرُ بِهِ.
ثَالِثًا: أَنْ لاَ يُوجَدَ مَنْ يُقْرِضُ الْوَقْفَ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ بِأَقَل مِنْ أَجْرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا أَنْ لاَ يُمْكِنَ اسْتِبْدَال الْوَقْفِ بِعَقَارٍ ذِي رِيعٍ.
فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ إِيجَارُ الْوَقْفِ مُدَّةً طَوِيلَةً لِمَنْ يَبْنِيهِ، أَوْ يَغْرِسُ الأَْرْضَ، لأَِنَّهُ стр. 10748
تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلاِنْتِفَاعِ بِالْوَقْفِ، وَلَمْ يَنْظُرْ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل إِلَى احْتِمَال تَمَلُّكِ الْوَقْفِ لأَِنَّهُ مَوْهُومٌ فَلاَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ الضَّرَرِ الْمُتَحَقِّقِ. (١)
الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهُ جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ وَجُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ مَنَعَ الإِْجَارَةَ الطَّوِيلَةَ امْتَنَعَ إِلاَّ إِذَا حَصَلَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقَوْل الأَْوَّل.
الْقَوْل الثَّالِثُ: قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّهُ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، وَمِنْ هَؤُلاَءِ الأَْذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ.
الْحِكْرُ عَلَى الْوَقْفِ الَّذِي فِيهِ الْخُلُوُّ:
١٣ - إِذَا أَنْشَأَ النَّاظِرُ خُلُوًّا عَلَى وَقْفٍ بِمَالٍ أَخَذَهُ مِنْ إِنْسَانٍ لِيُعَمِّرَ بِهِ الْوَقْفَ حَيْثُ لاَ مَال يُعَمِّرُ بِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ جُزْءٌ مِنْ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ مَمْلُوكًا لِدَافِعِ الْمَال، فَذَلِكَ الْجُزْءُ الَّذِي بَاعَهُ يَمْلِكُهُ دَافِعُ الْمَال، وَيُسَمَّى الْخُلُوَّ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ كُل الْمَنْفَعَةِ لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى بُطْلاَنِ الْوَقْفِ.
وَيُجْعَل عَلَى مَالِكِ الْخُلُوِّ حِكْرٌ دَائِمٌ عَنِ الْجُزْءِ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، يُدْفَعُ لِلنَّاظِرِ حَقًّا.
لِلْجِهَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ فِي الْوَقْفِ، قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: " مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى الْخُلُوِّ يَكُونُ عَلَيْهِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ стр. 10749
أُجْرَةٌ لِلَّذِي يَئُول إِلَيْهِ الْوَقْفُ يُسَمَّى عِنْدَنَا بِمِصْرَ حِكْرًا لِئَلاَّ يَذْهَبَ الْوَقْفُ بَاطِلاً " (١) وَيُرَاجَعُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (خُلُوٌّ) .
مَنْ يَجُوزُ مِنْهُ التَّحْكِيرُ:
١٤ - التَّحْكِيرُ إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهُ يَجُوزُ مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةُ إِجَارَةِ الْوَقْفِ وَهُوَ النَّاظِرُ فَلاَ يَمْلِكُهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إِلاَّ إِنْ كَانَ مُوَلًّى عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ، أَوْ مَأْذُونًا مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْجَارَةِ مِنْ نَاظِرٍ أَوْ قَاضٍ، وَكَذَلِكَ وِلاَيَةُ قَبْضِ الأُْجْرَةِ لِلنَّاظِرِ لاَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ النَّاظِرُ بِقَبْضِهَا. (٢)
الْمُدَّةُ فِي التَّحْكِيرِ:
١٥ - التَّحْكِيرُ نَوْعٌ مِنَ الإِْجَارَةِ، وَالشَّرْطُ فِي الإِْجَارَةِ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل الْعِلْمُ بِالْمُدَّةِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً. أَمَّا فِي التَّحْكِيرِ: فَقَدْ قَال الْعَدَوِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: جَرَى الْعُرْفُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَنَّ الأَْحْكَارَ مُسْتَمِرَّةٌ لِلأَْبَدِ وَإِنْ عُيِّنَ فِيهَا وَقْتُ الإِْجَارَةِ مُدَّةً، فَهُمْ لاَ يَقْصِدُونَ خُصُوصَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَالْعُرْفُ عِنْدَنَا كَالشَّرْطِ، فَمَنِ احْتَكَرَ أَرْضًا مُدَّةً وَمَضَتْ فَلَهُ أَنْ يَبْقَى وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَمْرَ الْوَقْفِ إِخْرَاجُهُ. نَعَمْ إِنْ стр. 10750
حَصَل مَا يَدُل عَلَى قَصْدِ الإِْخْرَاجِ بَعْدَ الْمُدَّةِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الأَْبَدِ فَإِنَّهُ يُعْمَل بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمُحْتَكِرِ حَقُّ الْقَرَارِ إِذَا وَضَعَ بِنَاءَهُ فِي الأَْرْضِ وَيَسْتَمِرُّ مَا دَامَ أُسُّ بِنَائِهِ قَائِمًا فِيهَا، فَلاَ يُكَلَّفُ بِرَفْعِ بِنَائِهِ، وَلاَ بِقَلْعِ غِرَاسِهِ مَا دَامَ يَدْفَعُ أُجْرَةَ الْمِثْل الْمُقَرَّرَةَ عَلَى سَاحَةِ الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا لِبَقَاءِ الْمُحْتَكَرِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ بِأَنْ يُخَافَ مِنْهُ عَلَى رَقَبَةِ الأَْرْضِ يَفْسَخُ الْقَاضِي الإِْجَارَةَ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ مُفْلِسًا، أَوْ سَيِّئَ الْمُعَامَلَةِ، أَوْ مُتَغَلِّبًا يُخْشَى عَلَى الْوَقْفِ مِنْهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ. (١)
مِقْدَارُ الأُْجْرَةِ فِي الاِسْتِحْكَارِ لِلْوَقْفِ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ إِذَا رَغِبَ فِي إِجَارَتِهَا، فَإِنَّهَا تُؤَجَّرُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَحْكِيرِ الْوَقْفِ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل (٢) . стр. 10751
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ حَقُّ إِجَارَةِ الْوَقْفِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ هُوَ النَّاظِرَ فِي حَال كَوْنِهِ الْمُسْتَحِقَّ وَحْدَهُ لِلأُْجْرَةِ كُلِّهَا.
وَفِي الْبَحْرِ: أَنَّ النَّاظِرَ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأُجْرَةِ الْمِثْل، وَآجَرَ الْمَوْقُوفَ بِأَقَل مِنْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ خِيَانَةً.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ النُّقْصَانُ يَسِيرًا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ، لأَِنَّهُ مِمَّا يُتَسَامَحُ بِهِ، وَتَنْفُذُ الإِْجَارَةُ مَعَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ فِي الْوَقْفِ، أَمْ كَانَ أَجْنَبِيًّا. (١)
وَيُفَرِّقُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بَيْنَ أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُتَوَلِّي الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَيْهِ.
فَفِي الْحَالَةِ الأُْولَى: لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل.
أَمَّا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ، قِيَاسًا أَوْلَوِيًّا عَلَى صِحَّةِ الإِْعَارَةِ مِنْهُ، كَمَا هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِاعْتِبَارِ انْتِقَال مِلْكِيَّةِ الْمَنَافِعِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)
مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّحْكِيرِ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ:
١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ إِذَا آجَرَ الْوَقْفَ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل وَبِغَبَنٍ فَاحِشٍ стр. 10752
يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادُ عَقْدِ الإِْجَارَةِ. هَذَا، وَإِذَا كَانُوا قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى فَسَادِ الْعَقْدِ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي النَّتَائِجِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَال الْخَصَّافُ: إِنِ اسْتَغَلَّهَا فَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْل، لأَِنَّ الْمُتَوَلِّيَ أَبْطَل بِالتَّسْمِيَةِ مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى إِلَى تَمَامِ أَجْرِ الْمِثْل، وَهُوَ لاَ يَمْلِكُهُ، فَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل، كَمَا لَوْ آجَرَ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ أَجْرٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَسْتَغِلَّهَا، كَالدَّارِ يَقْبِضُهَا وَلاَ يَسْكُنُهَا، فَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لاَ أَجْرَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ أَجْرَ الْمِثْل لاَ يَلْزَمُهُ فِي الإِْجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ اسْتِعْمَال الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ الْمُؤَجَّرَةِ، كَيْ يَجِبَ أَجْرُ الْمِثْل عَلَيْهِ.
وَقَال صَاحِبُ الإِْسْعَافِ وَابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل عَلَى كُل حَالٍ. (١)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النَّاظِرَ إِذَا أَكْرَى الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل ضَمِنَ تَمَامَ أُجْرَةِ الْمِثْل إِنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِلاَّ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ، لأَِنَّهُ مُبَاشِرٌ. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ بِصِحَّةِ عَقْدِ الإِْجَارَةِ إِذَا آجَرَ النَّاظِرُ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ بِأَقَل مِنْ أَجْرِ الْمِثْل، حَتَّى إِذَا صَاحَبَ هَذِهِ الإِْجَارَةَ غَبْنٌ فَاحِشٌ، فَعَلَى النَّاظِرِ ضَمَانُ النَّقْصِ فِي الأُْجْرَةِ فِيمَا لاَ يُتَغَابَنُ بِهِ стр. 10753
فِي الْعَادَةِ، إِذَا كَانَ النَّاظِرُ غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ فِي الْوَقْفِ، أَمَّا إِذَا كَانَ النَّاظِرُ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ الْوَحِيدَ فِي الْوَقْفِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ. (١)
زِيَادَةُ أُجْرَةِ الْمِثْل فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا:
١٨ - يَرَى فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا زَادَتْ أُجْرَةُ مِثْل عَقَارِ الْوَقْفِ الْمُسْتَحْكَرِ زِيَادَةً فَاحِشَةً، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِسَبَبِ الْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ الَّتِي أَقَامَهَا الْمُسْتَحْكِرُ فِيهَا فَلاَ تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ، وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ أُجْرَةِ الأَْرْضِ مِنْ نَفْسِهَا لِكَثْرَةِ رَغَبَاتِ النَّاسِ فِي الصُّقْعِ (أَيِ الْمَوْقِعِ) تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ إِتْمَامًا لأَِجْرِ الْمِثْل. فَإِنْ أَبَى اسْتِئْجَارَهَا بِذَلِكَ يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ لَوْ رُفِعَتْ مِنْهَا الْعِمَارَةُ لاَ تُسْتَأْجَرُ بِأَكْثَرَ مِنَ الأُْجْرَةِ الْمُقَرَّرَةِ تُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُحْتَكِرِ بِذَلِكَ الأَْجْرِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ عَلَى الْجَانِبَيْنِ. وَإِنْ كَانَتْ تُسْتَأْجَرُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا وَلَمْ يَرْضَ بِالزِّيَادَةِ يُجْبَرُ عَلَى رَفْعِ بِنَائِهِ. (٢) عَلَى مَا يَأْتِي:
وَهَذَا إِنْ كَانَتْ زِيَادَةُ الْمِثْل فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّهُ قَدْ عَرَضَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ مَا يُسَوِّغُ الْفَسْخَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ الْعَارِضَةُ فِي الأُْجْرَةِ. أَمَّا إِنْ فَرَغَتِ الْمُدَّةُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي الأَْرْضِ غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ قَائِمٌ فِعْلاً، стр. 10754
فَلَيْسَ هُوَ أَحَقَّ بِالإِْجَارَةِ إِذْ لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الْقَرَارِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَدْفَعَ أُجْرَةَ الْمِثْل يُؤْمَرُ بِرَفْعِ الْبِنَاءِ. (١)
وَكُل هَذَا إِذَا كَانَ الْحِكْرُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ، أَمَّا فِي الأَْرَاضِيِ غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ إِذَا زَادَ أَجْرُ الْمِثْل فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ فَلِلْمُسْتَحْكِرِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْعَقْدِ وَيَرْفُضَ الزِّيَادَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَالِكَ أَحَقُّ بِعَقَارِهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَالِكَ قَدْ يَرْغَبُ فِي سُكْنَى عَقَارِهِ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ بِخِلاَفِ الْوَقْفِ، فَإِنَّ سَبِيلَهُ التَّأْجِيرُ فَالْمُسْتَأْجِرُ الأَْوَّل أَوْلَى (٢) .
وَالزِّيَادَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْفَسْخِ هِيَ مَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ مُتَعَنِّتٍ، بَل يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ صَحِيحَةٌ فِي الاِسْتِئْجَارِ بِالزِّيَادَةِ. أَمَّا إِنْ زَادَ الْمُتَعَنِّتُ فَلاَ تُقْبَل زِيَادَتُهُ، قَال فِي قَانُونِ الْعَدْل وَالإِْنْصَافِ: عَمَلاً بِالأَْمْرِ السُّلْطَانِيِّ الْمُطَاعِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ بِصِيغَةِ: (كُل شَهْرٍ بِكَذَا) صَحَّ فِي الشَّهْرِ الأَْوَّل وَلاَ يَصِحُّ فِي الثَّانِي إِلاَّ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ، وَيَكُونُ لِلنَّاظِرِ إِذَا انْتَهَى كُل شَهْرٍ فَسْخُ الإِْجَارَةِ إِذَا زَادَ أَحَدٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَلَمْ يَرْضَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالزِّيَادَةِ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُسْتَحْكِرُ وَالنَّاظِرُ فَقَال النَّاظِرُ: стр. 10755
إِنَّ أُجْرَةَ الْمِثْل قَدْ زَادَتْ، وَقَال الْمُسْتَحْكِرُ: لَمْ تَزِدْ فَالْقَوْل لِلْمُسْتَحْكِرِ، وَعَلَى النَّاظِرِ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ بِالْبُرْهَانِ.
وَيُؤْخَذُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِقَوْل رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ وَالأَْمَانَةِ. وَيَكْفِي وَاحِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَلاَ تُفْسَخُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ بِزِيَادَةِ أُجْرَةِ الْمِثْل فِي الْمُدَّةِ الأُْولَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ. (١)
نَقْصُ أُجْرَةِ الْمِثْل أَثْنَاءَ مُدَّةِ الاِحْتِكَارِ:
١٩ - إِذَا نَقَصَتْ أُجْرَةُ الْمِثْل أَثْنَاءَ مُدَّةِ الاِحْتِكَارِ لَمْ يَجُزْ فَسْخُ الْعَقْدِ لِمَصْلَحَةِ الْمُحْتَكِرِ حَتَّى عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِفَسْخِهِ لِلزِّيَادَةِ. لأَِنَّ الْعَقْدَ عَقْدُ إِجَارَةٍ لاَزِمٌ وَفِي الْفَسْخِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ. (٢)
وَذَكَرَ الأَْذْرَعِيُّ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي مَعْرِضِ رَدِّهِ عَلَى ابْنِ الصَّلاَحِ فِيمَا لَوْ طَرَأَ تَغْيِيرٌ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْل فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأَْحْوَال أَنَّ стр. 10756
الَّذِي يَقَعُ فِي النَّفْسِ أَنَّا نَنْظُرُ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْل الَّتِي تَنْتَهِي إِلَيْهَا الرَّغَبَاتُ حَالَةَ الْعَقْدِ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا عَسَاهُ يَتَجَدَّدُ. (١)
مِلْكِيَّةُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ الَّذِي يَضَعُهُ الْمُحْتَكِرُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا:
٢٠ - الْبِنَاءُ الَّذِي يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ وَالْغِرَاسُ الَّذِي يَغْرِسُهُ بِإِذْنِ الْقَاضِي أَوِ النَّاظِرِ فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ يَكُونُ مِلْكًا خَالِصًا لَهُ فَيَصِحُّ بَيْعُهُ لِلشَّرِيكِ وَغَيْرِهِ، وَلَهُ هِبَتُهُ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ وَيُورَثُ عَنْهُ.
أَمَّا الأَْرْضُ نَفْسُهَا فَرَقَبَتُهَا لِلْوَقْفِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الأَْرْضَ الْمُحَكَّرَةَ اسْتُمْلِكَتْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَكِرِ إِلاَّ التَّعْوِيضُ عَنْ بِنَائِهِ أَوْ غِرَاسِهِ، أَمَّا مَا يُقَابِل رَقَبَةَ الأَْرْضِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْجِهَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ مَا يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ يَكُونُ مِلْكًا يُبَاعُ وَيُورَثُ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا إِذَا بَيَّنَ الْمِلْكِيَّةَ، أَمَّا إِنْ بَيَّنَ التَّحْبِيسَ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ شَيْئًا فَالْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ وَقْفٌ عَلَى الْمَشْهُورِ لاَ حَقَّ فِيهِمَا لِوَرَثَةِ الْبَانِي وَالْغِرَاسِ.
وَيُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي اسْتِئْجَارِ الأَْرْضِ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ، أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ مِلْكٌ стр. 10757
لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَالأَْرْضُ مِلْكٌ لِصَاحِبِهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْحِكْرَ - إِذَا بِيعَتِ الأَْرْضُ - يَبْقَى لِلْمُحْتَكِرِ، قَال عُثْمَانُ النَّجْدِيُّ: " إِذَا بِيعَتِ الأَْرْضُ الْمُحْتَكَرَةُ أَوْ وُرِثَتْ فَالْحِكْرُ عَلَى مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ ". (١)
الشُّفْعَةُ فِيمَا بُنِيَ فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ:
٢١ - لاَ شُفْعَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الْكِرْدَارِ (٢) الَّذِي فِي أَرْضِ الْوَقْفِ الْمُحْتَكَرَةِ لأَِنَّهُ لاَ شُفْعَةَ عِنْدَهُمْ فِي الْبِنَاءِ بِدُونِ الأَْرْضِ، وَلاَ فِي الشَّجَرِ بِدُونِ الأَْرْضِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ لِمَنِ اشْتَرَكَ فِي الْبِنَاءِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ الْمُحْتَكَرَةِ الأَْخْذُ بِالشُّفْعَةِ. (٣)
وَقْفُ الْبِنَاءِ مِنْ مَالِكِهِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ الْمُحْتَكَرَةِ:
٢٢ - الأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ جَوَازِ وَقْفِ الْبِنَاءِ стр. 10758
بِدُونِ وَقْفِ الأَْرْضِ، كَمَا لَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَمْلُوكَةً لَهُ وَلَمْ يَقِفْهَا، أَوْ مَمْلُوكَةً لِلْغَيْرِ. وَلَوْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَوْقُوفَةً فَوَقَفَ الْبِنَاءَ الَّذِي بَنَاهُ فِيهَا عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَيْهَا الأَْرْضُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الأَْرْضَ إِنْ كَانَتْ مُقَرَّرَةً لِلاِحْتِكَارِ جَازَ وَقْفُ مَا يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ بِهَا، لأَِنَّهُ لاَ مُطَالِبَ بِنَقْضِهِ بِخِلاَفِ الْمَمْلُوكَةِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْخَصَّافُ. وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ أَيْ لِكَوْنِ ذَلِكَ أَصْبَحَ مُتَعَارَفًا (١) .
وَإِذَا بَنَى فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ مَسْجِدًا جَازَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحِكْرَ عَلَى الْوَاقِفِ طِيلَةَ مُدَّةِ الاِحْتِكَارِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحِكْرُ عَلَى بَيْتِ الْمَال.
وَيَصِحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَقْفُ الْبِنَاءِ الَّذِي يَبْنِيهِ الْمُحْتَكِرُ وَالْغِرَاسُ الَّذِي يَغْرِسُهُ. فَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا أَوْ يَغْرِسَ، فَفَعَل، ثُمَّ وَقَفَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ صَحَّ عَلَى الأَْصَحِّ، وَلَوْ وَقَفَ هَذَا أَرْضَهُ، وَهَذَا بِنَاءَهُ، صَحَّ بِلاَ خِلاَفٍ كَمَا لَوْ بَاعَاهُ (٢) . стр. 10759
مَوْتُ الْمُسْتَحْكَرِ قَبْل أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَغْرِسَ
٢٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُسْتَحْكِرُ قَبْل أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَغْرِسَ فِي الأَْرْضِ الْمُسْتَحْكَرَةِ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ الْبِنَاءُ فِي الأَْرْضِ أَوِ الْغَرْسُ فِيهَا إِلاَّ بِإِذْنِ النَّاظِرِ. (١)
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ تَصْرِيحًا بِحُكْمِ الْحِكْرِ خَاصَّةً.
انْقِضَاءُ الْحِكْرِ بِهَلاَكِ الْبِنَاءِ أَوِ الأَْشْجَارِ:
٢٤ - إِذَا خَرِبَ الْبِنَاءُ الَّذِي بَنَاهُ الْمُحْتَكِرُ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ وَزَال عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، يَنْقَضِي حَقُّ الْمُحْتَكِرِ فِي الْقَرَارِ فِيهَا. وَهَذَا إِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ، لاَ فِي الْمُدَّةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ فَنِيَتِ الأَْشْجَارُ الَّتِي فِي الأَْرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ وَذَهَبَ كِرْدَارُهَا لاَ يَكُونُ لِلْمُحْتَكِرِ حَقٌّ فِي الاِسْتِمْرَارِ فِي شَغْلِهَا، إِنْ حَصَل ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإِْجَارَةِ. (٢) стр. 10760
حُكْمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحُكْمُ لُغَةً: الْقَضَاءُ. وَأَصْل مَعْنَاهُ: الْمَنْعُ، يُقَال: حَكَمْتُ عَلَيْهِ بِكَذَا إِذَا مَنَعْتُهُ مِنْ خِلاَفِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ، وَيُقَال حُكْمُ اللَّهِ أَيْ قَضَاؤُهُ بِأَمْرٍ وَالْمَنْعُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ. (١)
وَلِتَعْرِيفِ الْحُكْمِ اصْطِلاَحًا يُقَيَّدُ بِالشَّرْعِيِّ، تَفْرِيقًا لَهُ عَنِ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ هُوَ: خِطَابُ الشَّارِعِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا. أَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَهُوَ: أَثَرُ خِطَابِ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا، فَالْحُكْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الأَْثَرُ أَيِ الْوُجُوبُ وَنَحْوُهُ، وَلَيْسَ الْخِطَابَ نَفْسَهُ (٢) .
أَنْوَاعُ الْحُكْمِ:
٢ - يَنْقَسِمُ الْحُكْمُ هُنَا إِلَى التَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ، وَبَعْضُهُمْ زَادَ التَّخْيِيرِيَّ، وَيَدُل تَعْرِيفُ الْحُكْمِ стр. 10761
عَلَى هَذِهِ الأَْنْوَاعِ، فَالْمُرَادُ بِالاِقْتِضَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ هُوَ الطَّلَبُ، وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُكْمِ: الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْزَامِ كُلْفَةٍ.
وَيَتَنَاوَل كُلًّا مِنْ طَلَبِ الْفِعْل جَازِمًا، وَهُوَ الْوُجُوبُ، أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، وَهُوَ النَّدْبُ، كَمَا يَتَنَاوَل طَلَبَ التَّرْكِ جَازِمًا، وَهُوَ التَّحْرِيمُ، أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ، وَهُوَ الْكَرَاهَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالتَّخْيِيرِ - فِي التَّعْرِيفِ - الإِْبَاحَةُ، وَهِيَ أَنْ لاَ يَكُونَ الشَّيْءُ مَطْلُوبَ الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ.
وَبِأَحْكَامِ الاِقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ تُسْتَكْمَل أَقْسَامُ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ الْخَمْسَةِ أَوِ السَّبْعَةِ - عَلَى مَا سَيَأْتِي - وَقَصَرَهَا بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ - كَالآْمِدِيِّ - عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِطَرِيقِ الاِقْتِضَاءِ، وَأَفْرَدَ الإِْبَاحَةَ بِاسْمِ (الْحُكْمُ التَّخْيِيرِيُّ) فِي حِينِ أَنَّ بَعْضَ الأُْصُولِيِّينَ يُخْرِجُونَ الْمَنْدُوبَ مِنَ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلْزَامٌ بِمَشَقَّةٍ، قَال الآْمِدِيُّ: وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْمُبَاحِ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِبَاحَةٌ) .
وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ - فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ - خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِجَعْل الشَّيْءِ سَبَبًا، أَوْ شَرْطًا، أَوْ مَانِعًا، أَوْ صَحِيحًا، أَوْ فَاسِدًا (أَوْ بَاطِلاً عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِل) . (١) стр. 10762
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (بَاطِلٌ) (وَبُطْلاَنٌ) .
أَقْسَامُ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ:
٣ - يَنْقَسِمُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ هِيَ: الْفَرْضُ، وَالنَّدْبُ، وَالإِْبَاحَةُ، وَالْحُرْمَةُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَتَزِيدُ الأَْقْسَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قِسْمَيْنِ آخَرِينَ هُمَا (الْوُجُوبُ) وَهُوَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّدْبِ وَ (الْكَرَاهَةُ التَّحْرِيمِيَّةُ) وَهِيَ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ، فَالْفَرْضُ غَيْرُ الْوَاجِبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْجُمْهُورُ فَيُسَوُّونَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ.
هَذَا، وَلِبَعْضِ أَقْسَامِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ كَالْوَاجِبِ تَقْسِيمَاتٌ كَثِيرَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، أَهَمُّهَا تَقْسِيمُهُ بِحَسَبِ وَقْتِ أَدَائِهِ إِلَى مُؤَقَّتٍ، وَمُطْلَقٍ، وَبِحَسَبِ الْمُطَالَبِ بِأَدَائِهِ إِلَى عَيْنِيٍّ، وَكِفَائِيٍّ، وَبِحَسَبِ الْمِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ إِلَى مُحَدَّدٍ، وَغَيْرِ مُحَدَّدٍ، وَبِحَسَبِ تَعْيِينِ الْمَطْلُوبِ إِلَى مُعَيَّنٍ وَمُخَيَّرٍ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَقٌّ) .
وَكَذَلِكَ تَقْسِيمَاتُ الْبَقِيَّةِ كَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ وَتُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا، وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ (١) . стр. 10763
أَقْسَامُ الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ:
٤ - يَنْقَسِمُ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ إِلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ أَهَمُّهَا: السَّبَبُ، وَالشَّرْطُ، وَالْمَانِعُ، وَالرُّخْصَةُ، أَوِ الْعَزِيمَةُ، وَالصِّحَّةُ، أَوِ الْبُطْلاَنُ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا، وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. (١)
حُكْمَانِ
انْظُرْ: تَحْكِيمٌ стр. 10764
حِكْمَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِكْمَةُ فِي اللُّغَةِ: الْعِلْمُ بِحَقَائِقِ الأَْشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهَا، وَهِيَ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ يُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ بِالأَْشْيَاءِ وَإِيجَادُهَا عَلَى غَايَةِ الإِْحْكَامِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الإِْنْسَانِ يُرَادُ بِهَا مَعْرِفَةُ الْحَقِّ، وَفِعْل الْخَيْرَاتِ.
وَتُطْلَقُ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْفِقْهِ، (١) وَرَدَ فِي الأَْثَرِ الصَّحِيحِ: لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا. (٢)
وَجَاءَتِ الْحِكْمَةُ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى النُّبُوَّةِ، (٣) قَال تَعَالَى: فِي مَعْرِضِ الاِمْتِنَانِ عَلَى نَبِيِّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿ стр. 10765
وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١) ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْل الْخِطَابِ﴾ (٢)
الْحِكْمَةُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٢ - الْحِكْمَةُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى رَبْطِ الْحُكْمِ بِعِلَّتِهِ، أَوْ بِسَبَبِهِ مِنْ جَلْبِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، أَوْ تَقْلِيلِهَا، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لِشَرْعِ الْحُكْمِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّبَبُ:
٣ - السَّبَبُ هُوَ الْوَصْفُ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ (٤) .
ب - الْمَانِعُ:
٤ - الْمَانِعُ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ عَدَمُ السَّبَبِ أَوِ الْحُكْمِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ.
وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَتَّضِحُ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلْحِكْمَةِ مِنَ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِلَّةِ. فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ أَنَّ стр. 10766
الْعِلَّةَ هِيَ الْوَصْفُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِعُ مَنَاطًا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ حَيْثُ رَبَطَ الشَّارِعُ بِهِ الْحُكْمَ وُجُودًا وَعَدَمًا عَلَى أَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِتَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ.
أَمَّا الْحِكْمَةُ، فَهِيَ الْمَصْلَحَةُ نَفْسُهَا، لِذَلِكَ قَدْ تَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهَا فِي الاِنْضِبَاطِ، وَقَدْ تَخْفَى فَلاَ تَكُونُ مَعْلُومَةً لَنَا أَصْلاً (١) . لِهَذَا اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي جَوَازِ (رَبْطِ الْحُكْمِ) بِالْحِكْمَةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: إِذَا وُجِدَتِ الْحِكْمَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً جَازَ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا لِعَدَمِ الْمَانِعِ لأَِنَّهَا الْمُنَاسِبُ الْمُؤَثِّرُ حَقِيقَةً. وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَعَبُّدِيٌّ) ، وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. стр. 10767
حُكُومَةُ عَدْلٍ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحُكُومَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ الثُّلاَثِيِّ (حَكَمَ) وَاسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ (غَيْرِ الثُّلاَثِيِّ) ، وَمِنْ مَعَانِيهَا رَدُّ الظَّالِمِ عَنِ الظُّلْمِ (١) قَال الأَْزْهَرِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى حَدِيثِ: فِي أَرْشِ الْجِرَاحَاتِ الْحُكُومَةُ. (٢)
مَعْنَى الْحُكُومَةِ فِي أَرْشِ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دِيَةٌ مَعْلُومَةٌ أَنْ يُجْرَحَ الإِْنْسَانُ فِي بَدَنِهِ مِمَّا يَبْقَى شَيْنُهُ وَلاَ يَبْطُل الْعُضْوُ فَيَقْتَاسُ (يُقَدِّرُ) الْحَاكِمُ أَرْشَهُ. (٣) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَقَدْ أَطْلَقُوهُ عَلَى الْوَاجِبِ الَّذِي يُقَدِّرُهُ عَدْلٌ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال. (٤) قَال ابْنُ عَاشِرٍ: اتَّفَقَتِ الأَْنْقَال عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحُكُومَةِ الاِجْتِهَادُ стр. 10768
وَإِعْمَال الْفِكْرِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ الْجَانِي. (١)
وَسَبَبُ التَّسْمِيَةِ أَنَّ اسْتِقْرَارَ الْحُكُومَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ مُعْتَبَرٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَوِ اجْتَهَدَ فِيهِ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ. (٢)
قَال ابْنُ عَرَفَةَ: أَلْفَاظُ الْمُدَوَّنَةِ يَأْتِي فِيهَا تَارَةً لَفْظُ الْحُكُومَةِ، وَتَارَةً لَفْظُ الاِجْتِهَادِ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَا مُتَرَادِفَيْنِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْرْشُ:
٢ - الأَْرْشُ هُوَ الْمَال الْوَاجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى بَدَل النَّفْسِ وَهُوَ الدِّيَةُ . (٤)
وَالأَْرْشُ أَعَمُّ مِنْ حُكُومَةِ الْعَدْل لأَِنَّهُ يَشْمَل الْوَاجِبَ فِي جِنَايَةٍ جَاءَ فِيهَا نَصٌّ بِسَهْمٍ مُعَيَّنٍ، وَالْوَاجِبُ فِي جِنَايَةٍ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ مُقَدَّرٌ مِنْ الشَّارِعِ، فَحُكُومَةُ الْعَدْل هِيَ نَوْعٌ مِنَ الأَْرْشِ
ب - الدِّيَةُ:
٣ - الدِّيَةُ: هِيَ بَدَل النَّفْسِ لِسُقُوطِ الْقِصَاصِ стр. 10769
بِأَسْبَابِهِ، وَقَدْ يُسَمَّى أَرْشُ مَا دُونَ النَّفْسِ بِالدِّيَةِ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدِّيَةِ وَحُكُومَةِ الْعَدْل، أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ فِي الْغَالِبِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، أَمَّا حُكُومَةُ الْعَدْل فَتَجِبُ بِالاِعْتِدَاءِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، كَمَا أَنَّ الدِّيَةَ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا، وَحُكُومَةُ الْعَدْل غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فِي الشَّرْعِ وَيُتْرَكُ أَمْرُ تَقْدِيرِهَا لِلْحَاكِمِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِحُكُومَةِ الْعَدْل:
مَا يَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ الْعَدْل:
٤ - الأَْصْل أَنَّ مَا لاَ قِصَاصَ فِيهِ مِنَ الْجِنَايَاتِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ وَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ فَفِيهِ الْحُكُومَةُ، لأَِنَّ الأَْصْل فِي الْجِنَايَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى مَحَلٍّ مَعْصُومٍ اعْتِبَارُهَا بِإِيجَابِ الْجَابِرِ أَوِ الزَّاجِرِ مَا أَمْكَنَ. (٢)
قَال الزَّيْلَعِيُّ عِنْدَ الاِسْتِدْلاَل عَلَى وُجُوبِ حُكُومَةِ الْعَدْل فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ مِنَ الْمَال: لأَِنَّ هَذِهِ (الْجِنَايَاتِ) لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا فَتَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ الْعَدْل وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ стр. 10770
وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (١) .
هَذَا وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الْحُكُومَةِ مَا عُرِفَتْ نِسْبَةُ أَرْشِهِ إِلَى أَرْشٍ مُقَدَّرٍ فِي الشَّرْعِ كَأَنْ كَانَ بِقُرْبِهِ مُوضِحَةٌ (٢) ، أَوْ جَائِفَةٌ (٣) فَعِنْدَئِذٍ وَجَبَ الأَْكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِ وَالْحُكُومَةِ. (٤)
وَيَخْرُجُ مِنَ الْحُكُومَةِ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْجُرْحِ الَّذِي فِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مَقِيسًا عَلَيْهِ كَالأَْلْيَتَيْنِ وَالثَّدْيَيْنِ وَالْحَاجِبَيْنِ (٥) .
وَلِلتَّفْصِيل فِي الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ الْعَدْل (ر: جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) .
شُرُوطُ حُكُومَةِ الْعَدْل:
٥ - لَمْ يَذْكُرِ الْفُقَهَاءُ شُرُوطًا مَحْدُودَةً لِوُجُوبِ حُكُومَةِ الْعَدْل إِلاَّ أَنَّهُ أَمْكَنَ بِتَتَبُّعِ عِبَارَاتِهِمُ اسْتِخْلاَصُ الشُّرُوطِ الآْتِيَةِ:
أ - أَلاَّ يَكُونَ لِلْجِنَايَةِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ:
٦ - يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَكُونَ لِلْجِنَايَةِ الْمُرَادُ تَقْدِيرُهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ قِبَل الشَّارِعِ (٦) بِنَاءً عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ стр. 10771
الاِجْتِهَادُ فِي تَقْدِيرِ أَرْشِ شَجَّةٍ، أَوْ جِرَاحَةٍ، أَوْ إِزَالَةِ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فِي الشَّرْعِ.
ب - أَلاَّ تَبْلُغَ الْحُكُومَةُ أَرْشَ الْعُضْوِ:
٧ - الْحُكُومَةُ الَّتِي تَجِبُ فِي جُرْحٍ أَصَابَ عُضْوًا لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالْيَدِ وَالرِّجْل لاَ يَبْلُغُ بِهَا ذَلِكَ الأَْرْشَ الْمُقَدَّرَ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ. (١)
وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَلاَّ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْعُضْوِ مَعَ بَقَائِهِ مَضْمُونَةً بِمَا يُضْمَنُ بِهِ الْعُضْوُ نَفْسُهُ. (٢)
قَال النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ نَظَرَ: إِنْ لَمْ تَبْلُغِ الْحُكُومَةُ أَرْشَ ذَلِكَ الْعُضْوِ وَجَبَتْ بِكَمَالِهَا، وَإِنْ بَلَغَتْهُ نَقَصَ الْحَاكِمُ شَيْئًا مِنْهُ بِالاِجْتِهَادِ. وَبِهَذَا يَقُول الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٣) . بِنَاءً عَلَى هَذَا أَنَّ حُكُومَةَ الأُْنْمُلَةِ الْعُلْيَا يَجْرَحُهَا، أَوْ يَقْلَعُ ظُفُرَهَا يَنْقُصُ عَنْ أَرْشِ الأُْنْمُلَةِ.
وَالْجِنَايَةُ عَلَى الأُْصْبُعِ وَعَلَى الرَّأْسِ لاَ تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الْبَطْنِ لاَ تَبْلُغُ أَرْشَ الْجَائِفَةِ، وَحُكُومَةُ جُرْحِ الْكَفِّ لاَ تَبْلُغُ دِيَةَ الأَْصَابِعِ الْخَمْسِ، وَكَذَا حُكُومَةُ قَطْعِ الْكَفِّ الَّتِي لاَ أُصْبُعَ عَلَيْهَا стр. 10772
وَكَذَا حُكْمُ الْقَدَمِ. (١)
أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِرَاحَةُ عَلَى عُضْوٍ لَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَالظَّهْرِ وَالْكَتِفِ وَالْفَخِذِ فَيَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ حُكُومَتُهَا دِيَةَ عُضْوٍ مُقَدَّرٍ كَالْيَدِ وَالرِّجْل وَأَنْ تَزِيدَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَنْقُصُ عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ. (٢)
ج - أَنْ يَكُونَ التَّقْوِيمُ بَعْدَ انْدِمَال الْجُرْحِ:
٨ - يُشْتَرَطُ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ الْحُكُومَةِ بَعْدَ انْدِمَال الْجُرْحِ وَبُرْئِهِ لاَ قَبْلَهُ، لأَِنَّ الْجُرْحَ قَدْ يَسْرِي إِلَى النَّفْسِ أَوْ إِلَى مَا يَكُونُ وَاجِبُهُ مُقَدَّرًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ لاَ الْحُكُومَةُ. (٣)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُقَوَّمَ بِتَقْدِيرِ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ أَهْل الْخِبْرَةِ لأَِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى فَرْضِ الْحُرِّ رَقِيقًا بِصِفَاتِهِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ، ثُمَّ يُنْظَرُ لِمِقْدَارِ النَّقْصِ وَيُؤْخَذُ بِنِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِرُّ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ مِنَ الْمُقَوِّمِينَ. (٤) стр. 10773
قَال الْكَاسَانِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ طَرِيقَةِ الْكَرْخِيِّ لِتَقْدِيرِ حُكُومَةِ الْعَدْل: تُقَرَّبُ هَذِهِ الْجِنَايَةُ إِلَى أَقْرَبِ جِنَايَةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَيَنْظُرُ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ أَطِبَّاءِ الْجِرَاحَاتِ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ هَاهُنَا فِي قِلَّةِ الْجِرَاحَاتِ وَكَثْرَتِهَا بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ فَيَأْخُذُ الْقَاضِي بِقَوْلِهِمَا، وَيَحْكُمُ مِنَ الأَْرْشِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ الْمُقَدَّرَةِ. (١)
د - أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمُ بِالْحُكُومَةِ:
٩ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْحُكُومَةِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمُ بِشَرْطِهِ - وَهُوَ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ - بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْ أَطِبَّاءِ الْجِرَاحَاتِ، حَتَّى لَوْ وَقَعَتِ الْحُكُومَةُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِ الْقَاضِي أَوِ الْمُحَكَّمِ لَمْ تُعْتَبَرْ. (٢)
كَيْفِيَّةُ تَقْدِيرِ حُكُومَةِ الْعَدْل:
١٠ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِمَعْرِفَةِ حُكُومَةِ الْعَدْل أَنْ يَتِمَّ تَقْوِيمُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِتَقْوِيمِ الْعَبِيدِ كَمَا فِي تَقْوِيمِ سَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، فَيُقَوَّمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَوْ كَانَ عَبْدًا وَيُنْظَرُ كَمْ نَقَصَتِ الْجِنَايَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ قُوِّمَ بِعَشَرَةٍ دُونَ стр. 10774
الْجِنَايَةِ وَبِتِسْعَةٍ بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَالتَّفَاوُتُ الْعُشْرُ فَيَجِبُ لَهُ عَلَى الْجَانِي عُشْرُ دِيَةِ النَّفْسِ. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْكَرْخِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى تَقْرِيبِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ إِلَى أَقْرَبِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَيَنْظُرُ ذَوَا عَدْلٍ مِنْ أَطِبَّاءِ الْجِرَاحَاتِ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ هَاهُنَا فِي قِلَّةِ الْجِرَاحَاتِ وَكَثْرَتِهَا بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ، فَيَأْخُذُ الْقَاضِي بِقَوْلِهِمَا وَيَحْكُمُ مِنَ الأَْرْشِ بِمِقْدَارِهِ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحَةِ الْمُقَدَّرَةِ. (٢)
وَاسْتَدَل لِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِالأَْثَرِ الْمَنْقُول عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً قُطِعَ طَرَفُ لِسَانِهِ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ ﵁ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ (أَلِفٌ، ب، ت، ث.) فَكُلَّمَا قَرَأَ حَرْفًا أَسْقَطَ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يَقْرَأْهُ أَوْجَبَ الدِّيَةَ بِحِسَابِ ذَلِكَ (٣) .
فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ حُكُومَةَ الْعَدْل فِي الَّذِي قُطِعَ طَرَفُ لِسَانِهِ بِهَذَا الاِعْتِبَارِ وَلَمْ يَعْتَبَرْ بِالْعَبِيدِ. (٤) стр. 10775
وَنُقِل عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٍ مِثْل ذَلِكَ (١) .
وَنَقَل الْحَصْكَفِيُّ عَنِ الْخُلاَصَةِ: إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ قَوْل الْكَرْخِيِّ لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي وَجْهٍ وَرَأْسٍ فَحِينَئِذٍ يُفْتَى بِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِهِمَا أَوْ تَعَسَّرَ عَلَى الْمُفْتِي يُفْتِي بِقَوْل الطَّحَاوِيِّ - وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ - مُطْلَقًا لأَِنَّهُ أَيْسَرُ (٢) .
وَقَال الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: يَنْظُرُ الْمُفْتِي فِي هَذَا، إِنْ أَمْكَنَهُ الْفَتْوَى بِالثَّانِي - وَهُوَ قَوْل الْكَرْخِيِّ - بِأَنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ يُفْتِي بِالثَّانِي.
وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ يُفْتِي بِالْقَوْل الأَْوَّل - وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ - لأَِنَّهُ أَيْسَرُ. وَكَانَ الْمَرْغِينَانِيُّ يُفْتِي بِهِ. (٣)
وَمَحَل الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الصَّدْرِ أَوِ الْفَخِذِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ مُقَدَّرَ فِيهِ اعْتُبِرَتِ الْحُكُومَةُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ قَطْعًا. (٤)
وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قَوْلاً ثَالِثًا فِي كَيْفِيَّةِ تَقْدِيرِ الْحُكُومَةِ، فَقَدْ قَال فِي الْمُحِيطِ: وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يُنْظَرُ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنْ أَقَل شَجَّةٍ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَإِنْ كَانَ مِقْدَارُهُ مِثْل نِصْفِ شَجَّةٍ لَهَا стр. 10776
أَرْشٌ، أَوْ ثُلُثُهَا، وَجَبَ نِصْفُ أَوْ ثُلُثُ أَرْشِ تِلْكَ الشَّجَّةِ، وَإِنْ كَانَ رُبْعًا فَرُبْعٌ.
وَيَرَى الشُّرُنْبُلاَلِيُّ أَنَّ هَذَا الْقَوْل لَيْسَ قَوْلاً ثَالِثًا، وَالأَْشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرًا لِقَوْل الْكَرْخِيِّ (١) .
وَقِيل: تُقَدَّرُ الْجِنَايَةُ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَأُجْرَةِ الطَّبِيبِ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَبِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ. (٢)
قَال الْقُهُسْتَانِيُّ: هَذَا كُلُّهُ إِذَا بَقِيَ لِلْجِرَاحَةِ أَثَرٌ وَإِلاَّ فَعِنْدَهُمَا لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَلْزَمُهُ قَدْرُ مَا أَنْفَقَ إِلَى أَنْ يَبْرَأَ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ حُكُومَةُ الْعَدْل فِي الأَْلَمِ (٣) .
وَيَرَى جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَا بَرِئَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ - مِمَّا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِمَّا لَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ الشَّارِعُ شَيْئًا - فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ فِيهِ عَلَى الْجَانِي مِنْ عَقْلٍ وَتَعْزِيرٍ وَأُجْرَةِ طَبِيبٍ. (٤)
وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ عَرَفَةَ - فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجُرْحِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ - الْقَوْل بِأَنَّ عَلَى الْجَانِي أُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَثَمَنَ الدَّوَاءِ سَوَاءٌ أَبَرِئَ عَلَى شَيْنٍ стр. 10777
أَمْ لاَ مَعَ الْحُكُومَةِ فِي الأَْوَّل. (١) أَمَّا مَا قَدَّرَ الشَّارِعُ فِيهِ شَيْئًا فَالْوَاجِبُ الْمُقَدَّرُ، بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ أَمْ لاَ. (٢) إِلاَّ مُوضِحَةَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَإِنَّهَا إِذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِيهَا عَلَى ثَلاَثَةِ اتِّجَاهَاتٍ:
الأَْوَّل: دَفْعُ دِيَتِهَا وَمَا حَصَل بِالشَّيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
الثَّانِي: دَفْعُ دِيَتِهَا وَلاَ يُزَادُ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، وَهَذَا مَا يَقُول بِهِ أَشْهَبُ، وَهُوَ مُقَابِل الْمَشْهُورِ.
الثَّالِثُ: الزِّيَادَةُ عَلَى الدِّيَةِ إِذَا كَانَ أَمْرًا مُنْكَرًا، أَمَّا إِذَا كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا فَلاَ يُزَادُ عَلَيْهَا.
وَهَذَا مَا رَوَاهُ نَافِعٌ عَنْ مَالِكٍ (٣) . стр. 10778
حَلاَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَلاَل لُغَةً: نَقِيضُ الْحَرَامِ وَمِثْلُهُ الْحِل وَالْحَلاَل وَالْحَلِيل، وَهُوَ مِنْ حَل يَحِل حِلًّا.
وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزِ وَالتَّضْعِيفِ فَيُقَال أَحَلَّهُ اللَّهُ وَحَلَّلَهُ. كَمَا يُقَال هَذَا لَكَ حِلٌّ وَحَلاَلٌ، وَيُقَال لِضِدِّهِ حِرْمٌ وَحَرَامٌ أَيْ مُحَرَّمٌ. (١)
وَالْحَلاَل اصْطِلاَحًا: هُوَ الْجَائِزُ الْمَأْذُونُ بِهِ شَرْعًا. وَبِهَذَا يَشْمَل الْمَنْدُوبَ وَالْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَتَنْزِيهًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الإِْتْيَانِ بِهَا وَعَدَمُ امْتِنَاعِهِ شَرْعًا، مَعَ رُجْحَانِ الْفِعْل فِي الْمَنْدُوبِ، وَتَسَاوِي الْفِعْل وَالتَّرْكِ فِي الْمُبَاحِ، وَرُجْحَانِ التَّرْكِ فِي الْمَكْرُوهِ.
وَالْحَلاَل مُتَضَمَّنٌ فِي الْوَاجِبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْوَاجِبَ مُرَكَّبٌ مِنْ جَوَازِ الْفِعْل بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ مَعَ الْمَنْعِ مِنَ التَّرْكِ، فَاللَّفْظُ الدَّال عَلَى الْوُجُوبِ يَدُل تَضَمُّنًا عَلَى الْجَوَازِ. فَيَكُونُ الْحَلاَل فِي مُقَابَلَةِ الْحَرَامِ مِنْ حَيْثُ الإِْذْنُ فِي الأَْوَّل وَعَدَمُ امْتِنَاعِهِ شَرْعًا، وَعَدَمُ الإِْذْنِ فِي الْحَرَامِ وَامْتِنَاعُهُ شَرْعًا. стр. 10779
وَالْوُجُوبُ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلاَل مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، لأَِنَّ الْمُكَلَّفَ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِالْتِزَامِ مَا أَحَل اللَّهُ وَمُجَانَبَةِ مَا حَرَّمَهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ.
وَقَدْ يُطْلَقُ الْفَرْضُ وَيُرَادُ بِهِ الْحِل لُغَةً، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (١) أَيْ أَحَل لَهُ.
وَمِمَّا فَرَّقَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا، أَنَّ الأَْوَّل مَا كَانَ لِلْحِل أَقْرَبَ، وَالثَّانِي مَا كَانَ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبَ، أَوْ مَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ (٢) .
مِنَ الْمَسَائِل الأُْصُولِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحَلاَل:
يَتَعَلَّقُ بِمُصْطَلَحِ حَلاَلٍ جُمْلَةٌ مِنَ الْمَسَائِل الأُْصُولِيَّةِ:
الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى:
هَل الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ - الَّتِي لاَ نَصَّ فِيهَا - الْحِل أَوِ الْحُرْمَةُ؟
٢ - وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ: فَمُخْتَارُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الأَْصْل الْحِل، وَعِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الأَْصْل التَّوَقُّفُ، وَيُنْسَبُ لأَِبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ الأَْصْل الْحُرْمَةُ. стр. 10780
وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ هُوَ اخْتِلاَفُهُمْ فِي حَدِّ الْحَلاَل: فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا لاَ دَلِيل عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَا دَل دَلِيلٌ عَلَى حِلِّهِ.
دَلِيل قَوْل الْجُمْهُورِ: ﴿قُل لاَ أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا﴾ . (٢)
وَمِنَ الأَْحَادِيثِ: قَوْلُهُ ﷺ : مَا أَحَل اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلاَلٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ نَسِيًّا. (٣)
وَقَوْلُهُ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا. (٤) стр. 10781
وَدَلِيل قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَمَا نُسِبَ لأَِبِي حَنِيفَةَ أَنَّ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَجُوزُ، فَيَبْقَى الأَْصْل عَلَى الْحُرْمَةِ حَتَّى يَرِدَ دَلِيل الْحِل.
وَدَلِيل مَنْ قَال بِالتَّوَقُّفِ أَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِ الأَْحْكَامِ سَمْعِيٌّ وَعَقْلِيٌّ، وَالأَْوَّل غَيْرُ مَوْجُودٍ، وَكَذَا الثَّانِي، فَلاَ يَقْطَعُ بِأَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهَذَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ.
وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْهَا: الْحَيَوَانُ الْمُشْكِل أَمْرُهُ كَالزَّرَافَةِ، وَالنَّبَاتِ الْمَجْهُول تَسْمِيَتُهُ، وَمِنْهَا مَا إِذَا لَمْ يُعْرَفْ حَال النَّهْرِ هَل هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ، وَمِنْهَا مَا لَوْ دَخَل بُرْجَهُ حَمَامٌ وَشَكَّ هَل هُوَ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَكَّ فِي كِبَرِ الضَّبَّةِ (١) مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ (٢) .
وَيُرَاجَعُ تَفْصِيل هَذِهِ الْفُرُوعِ فِي مُصْطَلَحَيْ " أَطْعِمَةٌ " " وَآنِيَةٌ ".
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غُلِّبَ الْحَرَامُ. стр. 10782
٣ - خَصَّ الشَّافِعِيَّةُ الْحَلاَل فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِالْمُبَاحِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَهُوَ عِنْدَهُمْ شَامِلٌ لِلْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَوِ اخْتَلَطَ الْوَاجِبُ بِالْمُحَرَّمِ رُوعِيَ مُقْتَضَى الْوَاجِبِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ عِنْدَهُمُ اخْتِلاَطُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ يَجِبُ غَسْل الْجَمِيعِ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ الْهِجْرَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ بِلاَدِ الْكُفَّارِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا، وَنَحْوُهَا.
وَقَدْ خَرَّجَ الْحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الْفُرُوعَ عَلَى قَاعِدَةِ إِذَا تَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي قُدِّمَ الْمَانِعُ.
وَدَلِيل قَاعِدَةِ - إِذَا اجْتَمَعَ الْحَلاَل وَالْحَرَامُ غُلِّبَ الْحَرَامُ - أَنَّ فِي تَغْلِيبِ الْحَرَامِ تَقْلِيلاً لِلتَّغْيِيرِ فِي الأَْحْكَامِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا انْتَفَعَ بِشَيْءٍ قَبْل وُرُودِ الشَّرْعِ بِمَا يُحَرِّمُهُ أَوْ يُبِيحُهُ فَإِنَّهُ لاَ يُعَاقَبُ بِالاِنْتِفَاعِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢) . فَإِذَا وَرَدَ مَا يُفِيدُ التَّحْرِيمَ فَقَدْ غُيِّرَ الأَْمْرُ وَهُوَ عَدَمُ الْعِقَابِ عَلَى الاِنْتِفَاعِ، ثُمَّ إِذَا وَرَدَ مَا يُفِيدُ الإِْبَاحَةَ فَقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ الْمُحَرَّمُ فَيَلْزَمُ هُنَا تَغْيِيرَانِ. وَأَمَّا إِذَا جَعَلْنَا الْمُبِيحَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فَيَكُونُ مُؤَكِّدًا لِلإِْبَاحَةِ الأَْصْلِيَّةِ لاَ مُغَيِّرًا لَهَا، فَإِذَا جَاءَ الْمُحَرَّمُ كَانَ نَاسِخًا لِلإِْبَاحَةِ وَمُغَيِّرًا لَهَا، فَيَلْزَمُ مِنْهُ تَغْيِيرٌ وَاحِدٌ فَفِيهِ تَقْلِيلٌ لِلتَّغْيِيرِ. стр. 10783
وَهَذَا الدَّلِيل يُوَافِقُ الْحَنَفِيَّةَ مِنْ أَنَّ الْحَلاَل شَامِلٌ لِلْمُبَاحِ وَلِلْوَاجِبِ.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدِ اسْتَدَلُّوا لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّ تَرْجِيحَ التَّحْرِيمِ أَحَبُّ، لأَِنَّ فِيهِ تَرْكَ مُبَاحٍ لاِجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ وَذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْوَطُ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَتَطْبِيقَاتِهَا: تَعَارُضُ حَدِيثِ: لَكَ مِنَ الْحَائِضِ مَا فَوْقَ الإِْزَارِ (١) مَعَ حَدِيثِ: اصْنَعُوا كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ (٢) فَإِنَّ الأَْوَّل يَقْتَضِي تَحْرِيمَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي إِبَاحَةَ مَا عَدَا الْوَطْءَ فَيُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ احْتِيَاطًا.
وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَبَهَتْ مَحْرَمٌ بِأَجْنَبِيَّاتٍ مَحْصُورَاتٍ لَمْ تَحِل.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ بَعْضُهَا فِي الْحِل وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ حَرُمَ قَطْعُهَا.
وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْمْثِلَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ مِنْهَا: إِذَا رَمَى سَهْمًا إِلَى طَائِرٍ فَجَرَحَهُ وَوَقَعَ عَلَى الأَْرْضِ فَمَاتَ فَإِنَّهُ يَحِل، وَإِنْ أَمْكَنَ إِحَالَةُ الْمَوْتِ عَلَى الْوُقُوعِ عَلَى الأَْرْضِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ بُدَّ مِنْهُ فَعُفِيَ عَنْهُ. стр. 10784
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ مِنْ أَنَّ: مُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إِذَا لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُهُ لاَ تَحْرُمُ، وَلَكِنْ تُكْرَهُ.
وَمِنْهَا: لَوِ اعْتَلَفَتِ الشَّاةُ عَلَفًا حَرَامًا لَمْ يَحْرُمْ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ أَوْرَعُ. وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْمْثِلَةِ (١) .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَسْبَابُ التَّحْلِيل وَأَنْوَاعُهُ:
٤ - يُحْكَمُ بِالْحِل لِسَبَبَيْنِ:
الأَْوَّل: ذَاتِيٌّ، كَالاِنْتِفَاعِ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الأَْشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ.
الثَّانِي: عَرَضِيٌّ، كَالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَالإِْجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَسَائِرِ الأَْسْبَابِ الْمُبِيحَةِ. وَالْحَلاَل بِوَصْفِهِ الْقَائِمُ بِهِ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُحَرِّمَةِ. أَوْ يَعْرِضُ لَهُ مَا لاَ يُوصَفُ مَعَهُ بِالْحِل كَالشَّبَهِ. وَلِهَذَا كَانَ الْحَلاَل دَرَجَاتٍ أَعْلاَهَا مَا كَانَ خَالِصًا مِنْ جَمِيعِ الشُّبَهِ كَالاِغْتِرَافِ مِنَ الأَْنْهَارِ الْعِظَامِ الْخَالِيَةِ عَنِ الاِخْتِصَاصِ، وَأَدْنَاهَا مَا قَرُبَتْ دَرَجَتُهُ الأَْخِيرَةُ مِنَ الْحَرَامِ الْمَحْضِ، كَمَال مَنْ لاَ كَسْبَ لَهُ إِلاَّ الْمُكُوسُ الْمُحَرَّمَةُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَا فِي يَدِهِ حَصَل لَهُ مِنْ جِهَةٍ حَلاَلٍ. (٢) стр. 10785
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ " حَرَامٌ " " وَمُبَاحٌ ". وَكَمَا تَقَدَّمَ جَانِبٌ مِنْهُ فِي مُصْطَلَحِ " تَحْلِيلٌ " " وَاشْتِبَاهٌ ".
следующие страницы →