Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.
стр. 10711
يَكُونَ الْقِصَاصُ مِمَّا يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ، لأَِنَّ حَقَّ الْقِصَاصِ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلاَ يَقَعُ إِلاَّ لِلْوَارِثِ. (١)
تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَعَدَمِهَا:
٤٤ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّعَلُّقِ بِالأَْمْوَال وَعَدَمِ الْمَالِيَّةِ إِلَى مَا يَأْتِي:
١ - حَقٌّ مَالِيٌّ، يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَيُسْتَعَاضُ عَنْهُ بِمَالٍ، مِثْل: الأَْعْيَانِ الْمَالِيَّةِ حَيْثُ يُمْكِنُ بَيْعُهَا وَالاِسْتِعَاضَةُ عَنْهَا بِمَالٍ.
٢ - حَقٌّ مَالِيٌّ، لَيْسَ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، مِثْل: الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، حَيْثُ يَتَعَلَّقُ الْمَهْرُ بِالزَّوَاجِ وَالدُّخُول، وَكِلاَهُمَا لَيْسَ مَالاً، وَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ تَسْتَحِقُّهَا الزَّوْجَةُ مُقَابِل احْتِبَاسِهَا لِحَقِّ الزَّوْجِ.
٣ - حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ، مِثْل: الشُّفْعَةِ، حَيْثُ إِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ قَبْل بَيْعِ الشَّرِيكِ حَقٌّ مُجَرَّدٌ، وَبَعْدَ الْبَيْعِ حَقٌّ ثَابِتٌ، وَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ مُجَرَّدٌ، وَهُوَ حَقٌّ ضَعِيفٌ لاَ يَصِحُّ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ. إِلاَّ أَنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْعَقَارِ، وَهُوَ مَالٌ بِالإِْجْمَاعِ.
٤ - حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، لاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَلَكِنْ يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ، مِثْل: الْقِصَاصِ، لأَِنَّهُ حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، لأَِنَّهُ عُقُوبَةُ الْقَتْل الْعَمْدِ، وَهَذَا لَيْسَ مَالاً، وَلَكِنْ стр. 10712
يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنِ الْقِصَاصِ بِمَالٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلَى مَالٍ.
٥ - حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِالأَْمْوَال، وَلاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَاضَةُ عَنْهُ بِمَالٍ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُقُوقٌ مَالِيَّةٌ، مِثْل: الأُْبُوَّةِ، وَالأُْمُومَةِ، وَالْبُنُوَّةِ.
٦ - حَقٌّ مُخْتَلَفٌ فِي مَالِيَّتِهِ، مِثْل: الْمَنَافِعِ.
حَيْثُ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَالاً، وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ أَنَّ الْمَنَافِعَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا الْمَال مَجَازًا. (١)
الْحَقُّ الْوَاجِبُ دِيَانَةً، وَالْحَقُّ الْوَاجِبُ قَضَاءً:
٤٥ - الْحَقُّ الْوَاجِبُ دِيَانَةً: هُوَ مَا كَانَ وَاجِبَ الأَْدَاءِ فِي الذِّمَّةِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ بِالاِلْتِزَامِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يُثْبِتُهُ عِنْدَ التَّقَاضِي، مِثْل: الطَّلاَقِ بِغَيْرِ شُهُودٍ أَوْ بِطَرِيقٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ، وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا لَيْسَ لَهُ مُطَالِبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، وَلاَ يَدْخُل تَحْتَ وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ، كَالْحَجِّ وَالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.
وَالْحَقُّ الْوَاجِبُ قَضَاءً: هُوَ مَا كَانَ وَاجِبَ الأَْدَاءِ وَأَمْكَنَ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيل، مِثْل: الطَّلاَقِ أَمَامَ الشُّهُودِ أَوْ بِوَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ، فَإِنْ رَاجَعَهَا الزَّوْجُ стр. 10713
بِطَرِيقٍ غَيْرِ رَسْمِيٍّ أَوْ لاَ دَلِيل عَلَيْهِ فَحُكْمُ الطَّلاَقِ مَا زَال قَائِمًا قَضَاءً فَقَطْ لاَ دِيَانَةً.
وَالْحَقُّ الْوَاجِبُ دِيَانَةً وَقَضَاءً: هُوَ مَا كَانَ وَاجِبَ الأَْدَاءِ فِي الذِّمَّةِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوِ الْتِزَامٍ، وَيُمْكِنُ إِثْبَاتُهُ بِالدَّلِيل، مِثْل: الطَّلاَقِ بِوَثِيقَةٍ رَسْمِيَّةٍ أَوْ أَمَامَ الشُّهُودِ، وَلَمْ يُرَاجِعْهَا الزَّوْجُ فَهِيَ مُطَلَّقَةٌ دِيَانَةً وَقَضَاءً. (١)
حَقُّ التَّمَلُّكِ وَالْحَقُّ الْمُبَاحِ:
٤٦ - حَقُّ التَّمَلُّكِ: هُوَ مُجَرَّدُ الإِْمْكَانِ وَالصَّلاَحِيَّةِ لِلْمِلْكِ شَرْعًا.
وَالْمُبَاحُ: هُوَ مَا خُيِّرَ فِيهِ الشَّخْصُ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ، وَكَانَ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سَوَاءً شَرْعًا.
فَالْحَقُّ الْمُبَاحُ وَحَقُّ التَّمَلُّكِ كِلاَهُمَا حَقٌّ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ مُعَيَّنٌ - وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ - يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ بِمَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يُوجِبُهُ وَيُثْبِتُهُ فِيهِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ هُوَ صَالِحٌ لاِنْتِقَالِهِ وَتَرْكِهِ إِلَى حَقٍّ آخَرَ أَقْوَى مِنْهُ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ.
وَحَقُّ التَّمَلُّكِ وَالْحَقُّ الْمُبَاحُ كِلاَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ الْمُجَرَّدَةِ الضَّعِيفَةِ، الَّتِي لاَ تَتَرَقَّى وَلاَ تَنْتَقِل إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْحُقُوقِ بِالْقَوْل الصَّادِرِ مِنْ صَاحِبِهِ تَعْبِيرًا عَنْ إِرَادَتِهِ وَحْدَهُ.
وَالْحَقُّ الْمُبَاحُ يَثْبُتُ بِالأَْصْل، لأَِنَّ الأَْصْل فِي стр. 10714
الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، وَاسْتَدَل بِقَوْلِهِ ﷺ : مَا أَحَل اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا حَرَّمَهُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئًا. (٢)
فَإِذَا كَانَ نَقْل الْمِلْكِ عَنْ طَرِيقِ التَّرَاضِي كَمَا فِي الْعُقُودِ، فَمَنْ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ لِلْعَقَارِ أَوِ الْمَنْقُول الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ - قَبْل التَّعَاقُدِ - فَإِنَّ حَقَّهُ حَقُّ تَمَلُّكٍ فَقَطْ، وَهُوَ حَقٌّ مُبَاحٌ، وَهَذَا الْحَقُّ لاَ يُفِيدُ مِلْكًا مُطْلَقًا، وَلاَ مِلْكًا فِي الْجُمْلَةِ. وَلِذَلِكَ لاَ يَتَعَارَضُ حَقُّ التَّمَلُّكِ مَعَ حَقِّ الْمَالِكِ، وَيَسْتَمِرُّ الْحَقُّ الْمُبَاحُ فِي التَّمَلُّكِ إِلَى أَنْ يَصْدُرَ مِنَ الْمَالِكِ لِلْعَقَارِ أَوِ الْمَنْقُول إِيجَابٌ بِالْبَيْعِ لِصَاحِبِ حَقِّ التَّمَلُّكِ.
فَإِذَا أَوْجَبَ صَاحِبُ الْمَال عَلَى نَفْسِهِ بَيْعَ الْمَنْقُول لِصَاحِبِ حَقِّ التَّمَلُّكِ، بِأَنْ صَدَرَ مِنْهُ إِيجَابٌ بِالْبَيْعِ، تَرَقَّى هَذَا الْحَقُّ - حَقُّ التَّمَلُّكِ - إِلَى مَرْحَلَةٍ وَسَطٍ بَيْنَ حَقِّ التَّمَلُّكِ وَالْمِلْكِ، وَهُوَ حَقٌّ وَاحِدٌ يُسَمَّى: الْحَقَّ الثَّابِتَ أَوِ الْحَقَّ الْوَاجِبَ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْوُصُول إِلَى الْمِلْكِ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ غَيْرِ التَّرَاضِي، بِأَنْ كَانَ عَنْ طَرِيقِ стр. 10715
الإِْجْبَارِ، مِثْل: الشُّفْعَةِ وَالْغَنِيمَةِ، فَحَقُّ التَّمَلُّكِ مَوْجُودٌ أَيْضًا إِذَا وُجِدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، وَقَدْ أَكَّدَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَقَّ التَّمَلُّكِ أَوِ الْمُبَاحِ لاَ يُعْتَبَرُ مِلْكًا مُطْلَقًا. (١)
هَذَا كُلُّهُ فِي الأَْمْوَال الْمَمْلُوكَةِ لِلْغَيْرِ:
٤٧ - أَمَّا غَيْرُ الْمَمْلُوكِ لِلْغَيْرِ، مِثْل: الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَالسَّمَكِ فِي مِيَاهِ الأَْنْهَارِ وَالْبِحَارِ، وَالنَّبَاتِ وَالأَْشْجَارِ فِي الصَّحَارِيِ وَالْغَابَاتِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانَاتُ الْبَرِّيَّةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِكُل شَخْصٍ أَنْ يَسْعَى لِتَمَلُّكِهَا، وَذَلِكَ بِالْوَسَائِل الْمَشْرُوعَةِ، لأَِنَّ الْجَمِيعَ لَهُمْ حَقُّ تَمَلُّكِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ وَأَمْثَالِهَا، وَكُل وَاحِدٍ صَالِحٌ لأََنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهَا، فَحَقُّ تَمَلُّكِهَا مُسْتَمِرٌّ إِلَى أَنْ يُوجَدَ أَحَدُ الأَْشْخَاصِ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ.
الْحَقُّ الثَّابِتُ أَوِ الْحَقُّ الْوَاجِبُ:
٤٨ - الْحَقُّ الثَّابِتُ - وَيُسَمَّى الْحَقَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ -: هُوَ حَقُّ الشَّخْصِ فِي أَنْ يَتَمَلَّكَ شَيْئًا مُحَدَّدًا - وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ - بِإِرَادَتِهِ وَحْدَهُ، بَعْدَ وُجُودِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، وَقَبْل ثُبُوتِ الْمِلْكِ. وَهَذَا الْحَقُّ لَمْ يَصِل إِلَى دَرَجَةِ حَقِّ الْمِلْكِ، لأَِنَّهُ أَدْنَى مِنْهُ، وَلاَ يُفِيدُ مِلْكًا كَمَا أَنَّهُ أَعْلَى دَرَجَةً مِنَ الْمُبَاحِ وَحَقُّ التَّمَلُّكِ، حَيْثُ إِنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ يُعْطِي حُقُوقًا أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ стр. 10716
التَّمَلُّكِ، وَلَهُ آثَارٌ أَقْوَى، لأَِنَّ صَاحِبَ حَقِّ التَّمَلُّكِ إِذَا تَحَقَّقَ لَهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ كَالإِْيجَابِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، تَرَقَّى حَقُّهُ إِلَى حَقٍّ ثَابِتٍ، وَلَكِنَّهُ مُجَرَّدٌ عَنِ الْمِلْكِ. وَيُمْكِنُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الثَّابِتِ - بِإِرَادَتِهِ وَحْدَهُ - أَنْ يَتَرَقَّى بِهَذَا الْحَقِّ الثَّابِتِ إِلَى حَقِّ الْمِلْكِ، لأَِنَّهُ أَصْبَحَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ قَبُول الإِْيجَابِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَيُصْبِحُ مَالِكًا، أَوْ رَفْضِ الإِْيجَابِ، وَهَذَا الأَْمْرُ لاَ يَتَوَفَّرُ لِصَاحِبِ حَقِّ التَّمَلُّكِ، وَهُوَ أَهَمُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَقَّيْنِ. وَهَذَا فِي التَّمَلُّكِ الاِخْتِيَارِيِّ بِإِرَادَةِ الْمَالِكِ وَإِيجَابِهِ، فَالْحَقُّ الْوَسَطُ هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ فَقَطْ، وَيُسَمَّى الْحَقَّ الْوَاجِبَ.
أَمَّا فِي التَّمَلُّكِ الْجَبْرِيِّ بِغَيْرِ إِرَادَةِ الْمَالِكِ، مِثْل: الْغَنِيمَةِ وَالشُّفْعَةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي شَأْنِ الْغَنِيمَةِ: (وَالْحَاصِل كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنِ الْمَبْسُوطِ: أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ عِنْدَنَا بِنَفْسِ الأَْخْذِ، وَيَتَأَكَّدُ بِالإِْحْرَازِ، وَيُمْلَكُ بِالْقِسْمَةِ، وَمَا دَامَ الْحَقُّ ضَعِيفًا لاَ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ. قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ عَسْكَرُنَا عَلَى الْبَلَدِ، فَلَوْ ظَهَرُوا عَلَيْهَا، وَصَارَتْ بَلَدَ إِسْلاَمٍ، وَصَارَتِ الْغَنِيمَةُ مُحْرَزَةً بِدَارِنَا، وَيَتَأَكَّدُ الْحَقُّ، فَتَصِحُّ الْقِسْمَةُ) . (١)
وَيَسْتَوِي الْحَقُّ الْمُبَاحُ (أَيْ: حَقُّ التَّمَلُّكِ) وَالْحَقُّ الثَّابِتُ فِيمَا يَلِي: стр. 10717
١ - أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقٌّ مُجَرَّدٌ عَنِ الْمِلْكِ، وَمَعْنَى مُجَرَّدٌ عَنِ الْمِلْكِ، أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكًا، وَسُمِّيَتْ فِي الْبَدَائِعِ الْحُقُوقُ الْمُفْرَدَةُ، وَهِيَ لاَ تُمْلَكُ وَلاَ تُضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ، وَلاَ يُسْتَعَاضُ عَنْهَا بِمَالٍ، لأَِنَّهُ مُجَرَّدُ حَقٍّ فَقَطْ. (١)
٢ - أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقٌّ ضَعِيفٌ، وَلِذَلِكَ لاَ تَجُوزُ قِسْمَتُهُ أَوِ الصُّلْحُ عَنْهُ.
٣ - أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لاَ يُبَاعُ، وَلاَ يُورَثُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
٤ - أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ حَقَّ مِلْكٍ، وَلاَ نَوْعَ مِلْكٍ كَالْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ.
٥ - أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لاَ يُضْمَنُ عِنْدَ الإِْتْلاَفِ.
وَيَفْتَرِقُ الْحَقُّ الْمُبَاحُ - حَقُّ التَّمَلُّكِ - عَنِ الْحَقِّ الثَّابِتِ فِيمَ يَأْتِي:
١ - أَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ.
أَمَّا الْحَقُّ الْمُبَاحُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
٢ - أَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ تَحَقَّقَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ. أَمَّا الْحَقُّ الْمُبَاحُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ.
٣ - أَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ فِي مَقْدُورِ صَاحِبِهِ وَسُلْطَتِهِ أَنْ يَرْتَقِيَ بِهَذَا الْحَقِّ وَيَجْعَلَهُ حَقًّا مُؤَكَّدًا، أَوْ حَقَّ مِلْكٍ، وَذَلِكَ بِإِرَادَتِهِ وَقَبُولِهِ وَحْدَهُ، أَمَّا الْحَقُّ стр. 10718
الْمُبَاحُ فَصَاحِبُهُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَرَقَّى بِهِ وَيُحَوِّلَهُ إِلَى حَقٍّ مُؤَكَّدٍ، أَوْ حَقِّ مِلْكٍ، بِقَبُولِهِ وَعِبَارَتِهِ وَحْدَهُ.
٤ - أَنَّ الْحَقَّ الثَّابِتَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، كَمَا فِي خِيَارِ الْقَبُول، أَمَّا الْحَقُّ الْمُبَاحُ فَلاَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ.
الْحَقُّ الْمُؤَكَّدُ:
٤٩ - الْحَقُّ الْمُؤَكَّدُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ تُمْلَكْ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَتْ لِصَاحِبِهِ نَوْعَ مِلْكٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ.
وَيُسَمَّى: الْحَقَّ الْمُسْتَمِرَّ، لأَِنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِبْطَال الْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ مِنْ جَانِبِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ بِالْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ لِصَاحِبِهِ، وَإِذَا امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ.
مِثَالُهُ فِي الْغَنِيمَةِ: الْحَقُّ الْمُؤَكَّدُ فِيهَا يَكُونُ بَعْدَ إِحْرَازِ الْمُسْلِمِينَ لِلْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ الْحَقَّ فِيهَا قَدْ تَأَكَّدَ وَاسْتَقَرَّ بَعْدَ هَذَا الإِْحْرَازِ، لأَِنَّ الْغَنِيمَةَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَالْمَعَارِكِ قَبْل الإِْحْرَازِ كَانَتْ مُجَرَّدَ حَقٍّ لَمْ يَتَأَكَّدْ بَعْدُ، حَيْثُ كَانَ هَذَا الْحَقُّ مُهَدَّدًا بِاسْتِرْدَادِ الأَْعْدَاءِ لأَِمْوَالِهِمْ، وَبَعْدَ الإِْحْرَازِ لِلْغَنَائِمِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ زَال الْخَطَرُ، وَتَأَكَّدَ الْحَقُّ، وَلَمْ يَبْقَ مُجَرَّدَ حَقٍّ، أَوْ حَقًّا مُجَرَّدًا.
قَال فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى: (وَالَّذِي قَرَّرَهُ فِي الْمِنَحِ كَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لاَ مِلْكَ بَعْدَ الإِْحْرَازِ بِدَارِنَا أَيْضًا إِلاَّ
стр. 10719
بِالْقِسْمَةِ، فَلاَ يَثْبُتُ بِالإِْحْرَازِ مِلْكٌ لأَِحَدٍ، بَل يَتَأَكَّدُ الْحَقُّ، وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنَ الْغَانِمِينَ عَبْدًا بَعْدَ الإِْحْرَازِ لاَ يَعْتِقُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مِلْكٌ وَلَوْ بِشَرِكَةٍ لِعِتْقٍ.
نَعَمَ لَوْ قُسِّمَتِ الْغَنِيمَةُ عَلَى الرَّايَاتِ فَوَقَعَ عَبْدٌ بَيْنَ أَهْل رَايَةٍ صَحَّ عِتْقُ أَحَدِهِمْ لِلشَّرِكَةِ الْخَاصَّةِ، حَيْثُ كَانُوا قَلِيلاً كَمِائَةٍ فَأَقَل، وَقِيل: أَرْبَعِينَ.
وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِ الْغَانِمِينَ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَمْ بَعْدَ الإِْحْرَازِ فِي دَارِنَا، لأَِنَّهَا لاَ تُمْلَكُ قَبْل الْقِسْمَةِ كَمَا عَلِمْتَ، قَال فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي بَيْعِ الْغُزَاةِ، وَأَمَّا بَيْعُ الإِْمَامِ لَهَا فَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ، لأَِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، يَعْنِي أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ) . (١)
حُكْمُ الْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ:
٥٠ - أ - يُضْمَنُ عِنْدَ الإِْتْلاَفِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: (إِذَا فَوَّتَ حَقًّا مُؤَكَّدًا فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِتَفْوِيتِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الضَّمَانِ كَحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَلِذَا لاَ يَضْمَنُ بِإِتْلاَفِ شَيْءٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الإِْحْرَازِ، لأَِنَّ الْفَائِتَ مُجَرَّدُ الْحَقِّ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَبَعْدَ الإِْحْرَازِ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ - وَلَوْ قَبْل الْقِسْمَةِ - يَضْمَنُ، لِتَفْوِيتِ حَقِيقَةِ стр. 10720
الْمِلْكِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ فِي " إِتْلاَفِهِ شَيْئًا " مِنَ الْغَنِيمَةِ بَعْدَ الإِْحْرَازِ، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: لِتَفْوِيتِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ، إِذْ لاَ تَحْصُل حَقِيقَةُ الْمِلْكِ إِلاَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا مَرَّ) (١)
ب - لاَ يُعْتَبَرُ دَاخِلاً فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ، قَال فِي الْجَوْهَرَةِ: (وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَنَائِمِ قَبْل الْقِسْمَةِ، لأَِنَّهُ لاَ مِلْكَ لأَِحَدٍ فِيهَا قَبْل ذَلِكَ) (٢)
ج - يُورَثُ الْحَقُّ الْمُؤَكَّدُ إِذَا مَاتَ صَاحِبُهُ بَعْدَ التَّأَكُّدِ وَقَبْل الْمِلْكِ، مِثْل: التَّحْجِيرِ. (٣)
وَالْغَنِيمَةُ إِذَا أُحْرِزَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ قَبْل الْقِسْمَةِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: (بَعْدَ الإِْحْرَازِ بِدَارِنَا يُورَثُ نَصِيبُ الْغَازِي إِذَا مَاتَ فِي دَارِنَا قَبْل الْقِسْمَةِ، لِلتَّأَكُّدِ لاَ الْمِلْكِ، لأَِنَّهُ لاَ مِلْكَ قَبْل الْقِسْمَةِ، وَهَذَا لأَِنَّ الْحَقَّ الْمُتَأَكِّدَ يُورَثُ، كَحَقِّ الرَّهْنِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، بِخِلاَفِ الْحَقِّ الضَّعِيفِ) كَالشُّفْعَةِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ.
د - يُعْتَبَرُ الْحَقُّ الْمُؤَكَّدُ مَمْلُوكًا لِصَاحِبِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُل فِي مِلْكِهِ بَعْدُ، إِلاَّ أَنَّهُ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبٌ يُرَتِّبُ لَهُ حَقًّا فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ لِمَا يَأْتِي.
١ - أَنَّ هَذَا الْحَقَّ قَدِ اسْتَقَرَّ وَتَحَدَّدَ وَتَعَيَّنَ стр. 10721
الْمُسْتَحِقُّونَ لَهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ نَقْل الْمِلْكِيَّةِ، وَيَتِمُّ ذَلِكَ فِي الْغَنِيمَةِ الْمُحْرَزَةِ بِقِسْمَتِهَا.
٢ - أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَانِمِينَ بِهِ، وَتَحَقُّقِ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ الأَْعْدَاءِ، وَانْتِهَاءِ الإِْبَاحَةِ الَّتِي لَحِقَتْ بِالْغَنِيمَةِ وَقْتَ الْمَعْرَكَةِ إِلَى قُبَيْل الإِْحْرَازِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: (وَبَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لاَ يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِمَّا يَجُوزُ لِلْغَانِمِينَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، لِزَوَال الْمُبِيحِ، وَلأَِنَّ حَقَّهُمْ قَدْ تَأَكَّدَ حَتَّى يُورَثَ نَصِيبُهُمْ) . (١)
٣ - أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ فِي الْغَنِيمَةِ لَهُ الْحَقُّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِقِسْمَتِهَا وَتَمْلِيكِهَا، حَتَّى يَتَحَقَّقَ دُخُول نَصِيبِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ فِي مِلْكِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ صَاحِبَ اخْتِصَاصٍ أَوْ لَهُ نَوْعُ مِلْكٍ لَمَا كَانَ لَهُ الْحَقُّ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَالتَّمْلِيكِ.
قَال الْقَرَافِيُّ: (إِذَا حِيزَتِ الْغَنِيمَةُ فَقَدِ انْعَقَدَ لِلْمُجَاهِدِينَ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَالتَّمْلِيكِ، فَهَل يُعَدُّونَ مَالِكِينَ لِذَلِكَ أَمْ لاَ؟ قَوْلاَنِ: فَقِيل: يَمْلِكُونَ بِالْحَوْزِ وَالأَْخْذِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقِيل: لاَ يَمْلِكُونَ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ) - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ. стр. 10722
ثُمَّ قَال الْقَرَافِيُّ: (إِذَا قُلْنَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْلِيكِ، فَهُوَ مُنَاسِبٌ لأََنْ يُعَدَّ مَالِكًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، تَنْزِيلاً لِسَبَبِ السَّبَبِ مَنْزِلَةَ السَّبَبِ، وَإِقَامَةً لِلسَّبَبِ الْبَعِيدِ مَقَامَ السَّبَبِ الْقَرِيبِ، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَخَيَّل وُقُوعُهُ قَاعِدَةً فِي الشَّرِيعَةِ، وَيَجْرِي فِيهَا الْخِلاَفُ فِي بَعْضِ فُرُوعِهَا لاَ فِي كُلِّهَا) (١)
٤ - أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ إِذَا مَاتَ صَاحِبُهُ انْتَقَل إِلَى وَرَثَتِهِ كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ إِذَا حِيزَتْ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ نَوْعُ مِلْكٍ لِمَا انْتَقَل إِلَى الْوَرَثَةِ، كَالْحَقِّ الثَّابِتِ حَيْثُ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ خَالِيًا عَنِ الْمِلْكِ أَصْلاً، وَلَيْسَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمِلْكِ، وَلَمْ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ فِيهِ نَوْعُ مِلْكٍ فِي الْجُمْلَةِ، وَلِذَلِكَ انْتَقَل إِلَى الْوَرَثَةِ. (٢)
٥١ - وَيَفْتَرِقُ الْحَقُّ الْمُؤَكَّدُ عَنِ الْحَقِّ الثَّابِتِ - وَكِلاَهُمَا حَقٌّ وَسَطٌ بَيْنَ التَّمَلُّكِ وَالْمِلْكِ - فِيمَا يَأْتِي: -
١ - أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ يُضْمَنُ عِنْدَ الإِْتْلاَفِ. أَمَّا الْحَقُّ الثَّابِتُ فَلاَ يُضْمَنُ عِنْدَ الإِْتْلاَفِ.
٢ - أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ يُورَثُ بِالإِْجْمَاعِ أَمَّا الْحَقُّ стр. 10723
الثَّابِتُ فَلاَ يُورَثُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ.
٣ - أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ يُعْتَبَرُ مَمْلُوكًا فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ عَلَى سَبِيل الإِْبَاحَةِ.
أَمَّا الْحَقُّ الثَّابِتُ فَلاَ يُعْتَبَرُ مَمْلُوكًا.
٤ - أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ إِلَى حَقِّ الْمِلْكِ، لِوُجُودِ الشَّبَهِ فِي بَعْضِ الأُْمُورِ.
أَمَّا الْحَقُّ الثَّابِتُ فَأَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنْ حَقِّ الْمِلْكِ، لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّبَهِ فِي أَكْثَرِ الأُْمُورِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كُلِّهَا.
٥ - أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ أَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنْ حَقِّ التَّمَلُّكِ.
أَمَّا الْحَقُّ الثَّابِتُ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ حَقِّ التَّمَلُّكِ، لِوُجُودِ الشَّبَهِ فِي بَعْضِ الأُْمُورِ.
وَيَخْتَلِفُ الْحَقُّ الْمُؤَكَّدُ عَنِ الْمِلْكِ فِيمَا يَأْتِي:
أَنَّ الْحَقَّ الْمُؤَكَّدَ لاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ.
أَمَّا حَقُّ الْمِلْكِ، فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ حَقَّ الْمَبِيعِ وَالتَّصَرُّفَ فِيهِ وَالاِنْتِفَاعَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ.
اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ:
٥٢ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ مِنْ حَيْثُ اسْتِيفَاؤُهَا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
الأَْوَّل: مَا لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الرَّفْعِ إِلَى الْقَضَاءِ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، كَتَحْصِيل الْعُقُوبَاتِ وَمَا يُخَافُ مِنَ اسْتِيفَائِهِ الْفِتْنَةُ، كَالْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ
стр. 10724
وَاللِّعَانِ وَالطَّلاَقِ بِالإِْعْسَارِ وَالإِْضْرَارِ وَذَلِكَ لِخَطَرِهَا (١) وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنَ الْحُقُوقِ مُخْتَلَفًا فِي أَصْل ثُبُوتِهِ.
الثَّانِي: مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَضَاءِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِتَحْصِيل الأَْعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ، وَتَحْصِيل نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَْوْلاَدِ. (٢)
الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَحْصِيلِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، كَاسْتِيفَاءِ الدُّيُونِ. (٣) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (اسْتِيفَاءٌ) . стр. 10725
حِقَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِقَّةُ وَالْحِقُّ مِنَ الإِْبِل لُغَةً: مَا طَعَنَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ، وَالْجَمْعُ حِقَاقٌ وَحِقَقٌ. وَأَحَقَّ الْبَعِيرُ إِحْقَاقًا صَارَ حِقًّا. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَل عَلَيْهَا، وَلأَِنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْل، وَاسْتَحَقَّ الْفَحْل أَنْ يَطْرُقَ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - ابْنُ الْمَخَاضِ وَبِنْتُ الْمَخَاضِ:
٢ - وَلَدُ النَّاقَةِ إِذَا طَعَنَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ سُمِّيَ стр. 10726
ابْنَ مَخَاضٍ، وَالأُْنْثَى بِنْتُ مَخَاضٍ، سُمِّيَتْ بِهِ، لأَِنَّ أُمَّهَا غَالِبًا تَكُونُ مَخَاضًا أَيْ حَامِلاً (١) .
ب - ابْنُ اللَّبُونِ وَبِنْتُ اللَّبُونِ:
٣ - ابْنُ اللَّبُونِ مِنَ الإِْبِل هُوَ مَا طَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالأُْنْثَى بِنْتُ لَبُونٍ، لأَِنَّ أُمَّهُمَا آنَ لَهَا أَنْ تَلِدَ فَتَصِيرَ لَبُونًا أَيْ ذَاتَ لَبَنٍ لأُِخْرَى غَالِبًا (٢) .
ج - الْجَذَعُ وَالْجَذَعَةُ:
٤ - الْجَذَعُ مِنَ الإِْبِل مَا طَعَنَ فِي الْخَامِسَةِ، وَالأُْنْثَى جَذَعَةٌ. وَذَلِكَ آخِرُ أَسْنَانِ الإِْبِل فِي الزَّكَاةِ. (٣)
الْحَكَمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ حِقَّةٌ فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ مِنَ الإِْبِل إِلَى سِتِّينَ، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ (٤) .
لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أُرْسِل إِلَيْهِ стр. 10727
كِتَابُ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ: فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَل. فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَل (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ زَكَاةِ الإِْبِل، كَمَا تُبْحَثُ فِي الدِّيَاتِ فِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ أَوْ تَخْفِيفِهَا.
حَقْنٌ
انْظُرْ: احْتِقَانٌ
حُقْنَةٌ
انْظُرْ: احْتِقَانٌ стр. 10728
حَقِيقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَقِيقَةُ عَلَى وَزْنِ فَعِيلَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْحَقِّ، وَمِنْ مَعَانِيهِ لُغَةً الثُّبُوتُ، قَال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْل عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ (١) أَيْ ثَبَتَ وَوَجَبَ. وَحَقِيقَةُ الشَّيْءِ مُنْتَهَاهُ وَأَصْلُهُ الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ. (٢)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا أَكْثَرُ الأُْصُولِيِّينَ وَعُلَمَاءِ الْبَيَانِ: بِأَنَّهَا الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ فِي اصْطِلاَحٍ يَقَعُ بِهِ التَّخَاطُبُ بِالْكَلاَمِ الْمُشْتَمِل عَلَى تِلْكَ الْكَلِمَةِ. (٣)
وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهَا لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ ابْتِدَاءً بِحَيْثُ يَدُل عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ. (٤) وَالْمُرَادُ مِنَ الْوَضْعِ تَعْيِينُ اللَّفْظَةِ بِإِزَاءِ مَعْنًى تَدُل عَلَيْهِ بِنَفْسِهَا (٥) . стр. 10729
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَجَازُ:
٢ - الْمَجَازُ اسْمٌ لِمَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، كَتَسْمِيَةِ الشُّجَاعِ أَسَدًا، سُمِّيَ مَجَازًا لأَِنَّهُ جَاوَزَ وَتَعَدَّى مَحَلَّهُ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ إِلَى غَيْرِهِ لِمُنَاسِبَةٍ بَيْنَهُمَا، فَالْمَجَازُ خَلَفٌ عَنِ الْحَقِيقَةِ، أَيْ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَل فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ خَلَفٌ لِنَفْسِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَل فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ. (١)
ب - الاِسْتِعَارَةُ:
٣ - الاِسْتِعَارَةُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَلاَغَةِ: هِيَ ذِكْرُ أَحَدِ طَرَفَيْ التَّشْبِيهِ وَإِرَادَةُ الطَّرَفِ الآْخَرِ بِادِّعَاءِ دُخُول الْمُشَبَّهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ مَا يَخُصُّ الْمُشَبَّهَ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ، كَمَا تَقُول: فِي الْحَمَّامِ أَسَدٌ، وَأَنْتَ تُرِيدُ الشُّجَاعَ مُدَّعِيًا أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الأُْسُودِ فَيَثْبُتُ لِلشُّجَاعِ مَا يَخُصُّ الْمُشَبَّهَ بِهِ. (٢) وَالاِسْتِعَارَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: طَلَبُ الإِْعَارَةِ وَهِيَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلاَ عِوَضٍ. (٣) (ر: اسْتِعَارَةٌ) .
ج - الْكِنَايَةُ:
٤ - الْكِنَايَةُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى السَّتْرِ، يُقَال: стр. 10730
كَنَوْتُ الشَّيْءَ وَكَنَّيْتُهُ أَيْ سَتَرْتُهُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: كَلاَمٌ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالاِسْتِعْمَال، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَقِيقَةَ أَمِ الْمَجَازَ. فَيَكُونُ تَرَدُّدٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلاَلَةِ الْحَال، كَحَال مُذَاكَرَةِ الطَّلاَقِ مَثَلاً فِي كِنَايَاتِ الطَّلاَقِ لِيَزُول التَّرَدُّدُ وَيَتَعَيَّنَ مَا أُرِيدَ مِنْهُ. (١) فَبَيْنَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ.
أَقْسَامُ الْحَقِيقَةِ:
٥ - الْحَقِيقَةُ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ وَضْعٍ: وَالْوَضْعُ يَأْتِي مِنَ الْوَاضِعِ، فَمَتَى تَعَيَّنَ نُسِبَتْ إِلَيْهِ الْحَقِيقَةُ، فَتَكُونُ لُغَوِيَّةً إِذَا كَانَ وَاضِعَهَا أَهْل اللُّغَةِ كَلَفْظِ الإِْنْسَانِ الْمُسْتَعْمَل فِي الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ. وَتَكُونُ شَرْعِيَّةً إِذَا كَانَ وَاضِعَهَا الشَّارِعُ كَالصَّلاَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَتَكُونُ عُرْفِيَّةً إِذَا كَانَ وَاضِعَهَا الْعُرْفُ سَوَاءً أَكَانَ عُرْفًا عَامًّا كَالدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الأَْرْبَعِ وَهِيَ فِي أَصْل اللُّغَةِ لِكُل مَا يَدِبُّ عَلَى الأَْرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ حَيَوَانٍ، أَمْ خَاصًّا. كَمَا لِكُل طَائِفَةٍ اصْطِلاَحَاتٌ تَخُصُّهُمْ.
وَيَظْهَرُ مِنْ هَذَا أَنَّ اسْتِعْمَال اللَّفْظِ فِي مَعْنًى قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارٍ، وَمَجَازًا بِاعْتِبَارٍ آخَرَ. فَلَفْظُ (الصَّلاَةِ) إِذَا اسْتَعْمَلَهُ أَهْل الشَّرْعِ فِي стр. 10731
الْعِبَادَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهَا، وَهُوَ مَجَازٌ فِي الدُّعَاءِ، وَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ أَهْل اللُّغَةِ فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي الدُّعَاءِ، وَمَجَازٌ فِي الأَْرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٦ - أَوَّلاً: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الأَْصْل فِي الْكَلاَمِ الْحَقِيقَةُ، وَلَمَّا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ هِيَ الأَْصْل، وَالْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْهَا فَلاَ يُصْرَفُ اللَّفْظُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ إِلَى الْمَجَازِيِّ إِلاَّ عِنْدَ عَدَمِ إِمْكَانِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِأَنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا أَوْ مُتَعَسِّرًا أَوْ مَهْجُورًا عَادَةً. (٢) وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ مِنْهَا:
أ - إِذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلاَدِهِ لاَ يَدْخُل فِيهِ وَلَدُ وَلَدِهِ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ اسْتَحَقَّ وَلَدُ الاِبْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لأَِنَّ اسْمَ الْوَلَدِ حَقِيقَةٌ فِي وَلَدِ الصُّلْبِ، فَإِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَبِهَا وَإِلاَّ يُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ (٣) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - يَدْخُل فِيهِ ابْنُ الاِبْنِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَدْخُل وَلَدُ الْوَلَدِ стр. 10732
مُطْلَقًا حَمْلاً عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. (١)
ب - لَوْ حَلَفَ لاَ يَبِيعُ، أَوْ لاَ يَشْتَرِي، أَوْ لاَ يُؤَجِّرُ أَوْ لاَ يَضْرِبُ وَلَدَهُ يَحْنَثُ بِالْمُبَاشَرَةِ اتِّفَاقًا، وَإِذَا وَكَّل غَيْرَهُ بِهَذِهِ الأَْعْمَال فَبَاشَرَهَا الْوَكِيل لاَ يَحْنَثُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) حَمْلاً لِلَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ لاَ يُبَاشِرُ ذَلِكَ الْفِعْل، كَالسُّلْطَانِ وَالْقَاضِي مَثَلاً، فَيَحْنَثُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالتَّوْكِيل كِلَيْهِمَا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَحْنَثُ وَلَوْ فَعَلَهُ بِالتَّوْكِيل إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ لأَِنَّ الْفِعْل يُنْسَبُ إِلَى الْمُوَكِّل فِيهِ وَالآْمِرِ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مِمَّنْ لاَ يَتَوَلاَّهُ بِنَفْسِهِ. (٢)
ج - لَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُل مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ حَنِثَ بِالأَْكْل مِنْ لَحْمِهَا، لأَِنَّهُ الْحَقِيقَةُ دُونَ لَبَنِهَا وَنِتَاجِهَا لأَِنَّهُ مَجَازٌ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْنَثُ بِكُل فَرْعٍ نَشَأَ عَنِ الأَْصْل إِذَا حَلَفَ بِالاِمْتِنَاعِ عَنِ الأَْكْل مِنْهُ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ فَرْعُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا. (٣) (ر: أَيْمَانٌ) . стр. 10733
٧ - ثَانِيًا: تَكْمِيلاً لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ تُوجَدُ قَاعِدَتَانِ أُخْرَيَانِ:
الأُْولَى: إِذَا تَعَذَّرَتِ الْحَقِيقَةُ يُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ.
وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا فُرُوعٌ مِنْهَا:
أ - لَوْ أَقَرَّ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ نَسَبِهِ وَأَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا بِأَنَّهُ ابْنُهُ وَوَارِثُهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُقِرُّ فَبِمَا أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ حَمْل كَلاَمِهِ هَذَا عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فَيُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ، وَهُوَ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ، وَيَأْخُذُ الْمُقَرُّ لَهُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ. (١)
ب - إِذَا حَلَفَ لاَ يَأْكُل مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا لاَ يُؤْكَل عَيْنُهَا حَنِثَ بِأَكْل ثَمَرِهَا إِذَا كَانَ لَهَا ثَمَرٌ، وَإِلاَّ فَبِالأَْكْل مِنْ ثَمَنِهَا (أَوْ أَيِّ عِوَضٍ عَنْهَا) ، وَذَلِكَ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ. (٢)
الثَّانِيَةُ: الْحَقِيقَةُ تُتْرَكُ بِدَلاَلَةِ الْعَادَةِ، وَمِنْ فُرُوعِهَا:
أ - لَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل قَدَمُهُ فِي دَارِ فُلاَنٍ فَإِنَّهُ صَارَ مَجَازًا عَنِ الدُّخُول مُطْلَقًا حَافِيًا أَوْ مُنْتَعِلاً، أَوْ رَاكِبًا، حَتَّى لَوْ وَضَعَ قَدَمَهُ فِي الدَّارِ وَهُوَ خَارِجَ الْبَيْتِ وَلَمْ يَدْخُل لاَ يَحْنَثُ، وَلَوْ دَخَل رَاكِبًا وَلَمْ стр. 10734
يَضَعْ قَدَمَهُ يَحْنَثُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ مَهْجُورٌ بِدَلاَلَةِ الْعَادَةِ (١) .
ب - مَنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُل هَذِهِ الْقِدْرَ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عَلَى مَا يُوجَدُ فِي الْقِدْرِ لاَ عَلَى عَيْنِ الْقِدْرِ فَإِنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ أَيْ أَكْل عَيْنِ الْقِدْرِ مُحَالٌ فِي الْعَادَةِ فَتَتْرُكُ الْحَقِيقَةُ وَيُرَادُ الْمَجَازُ بِعَلاَقَةِ ذِكْرِ الْمَحِل وَإِرَادَةِ الْحَال. (٢)
هَذَا، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا فَلاَ يُمْكِنُ إِعْمَال الْكَلاَمِ فَيُهْمَل، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِزَوْجَتِهِ الَّتِي هِيَ مِنْ نَسَبٍ آخَرَ مَعْرُوفٍ وَأَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا بِأَنَّهَا ابْنَتُهُ فَلاَ يُمْكِنُ حَمْل كَلاَمِهِ هَذَا عَلَى مَعْنًى حَقِيقِيٍّ لأَِنَّهَا مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ وَأَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا، وَلاَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَيْ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ لِكَوْنِهَا وَارِثَةً لَهُ وَلاَ وَصِيَّتُهُ لِوَارِثِهَا فَيُهْمَل كَلاَمُهُ (٣) .
٨ - ثَالِثًا: لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فِي الإِْرَادَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ، كَمَا فِي قَوْلِكَ: رَأَيْتُ أَسَدًا وَتُرِيدُ الْحَيَوَانَ الْمُفْتَرِسَ وَالرَّجُل الشُّجَاعَ مَعًا، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ حَيْثُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ كُلٌّ مِنَ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَغَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ مَعًا. وَلِهَذَا стр. 10735
صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ لِلْحَقِيقَةِ. (١)
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِأَنْ يُرَادَ مِنَ اللَّفْظِ فِي إِطْلاَقٍ وَاحِدٍ هَذَا وَذَاكَ، إِلاَّ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَقْلاً.
وَلاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ عُمُومِ الْمَجَازِ وَهُوَ إِرَادَةُ مَعْنًى مَجَازِيٍّ شَامِلٍ لِلْحَقِيقِيِّ وَغَيْرِهِ. (٢)
وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
هَذَا وَلِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ فِي الْوَصَايَا وَالأَْيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْوَقْفِ تُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مَظَانِّهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. стр. 10736
حِكْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِكْرُ لُغَةً: الاِسْمُ مِنَ الْحَكْرِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ، وَهُوَ فِي الأَْصْل الظُّلْمُ وَالتَّنَقُّصُ، وَالْعُسْرُ، وَالاِلْتِوَاءُ. وَمِنْهُ رَجُلٌ حَكْرٌ وَهُوَ مَنْ يُدْخِل عَلَى غَيْرِهِ الْمَشَقَّةَ فِي مُعَاشَرَتِهِ وَمُعَايَشَتِهِ، وَالاِحْتِكَارُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ وَيَحْبِسَهُ لِيَقِل فَيَغْلُوَ. وَالاِسْمُ مِنْهُ الْحِكْرُ وَالْحُكْرَةُ.
وَفِي الْقَامُوسِ وَشَرْحِهِ: الْحَكْرُ اللَّجَاجَةُ وَالْعُسْرُ، وَالاِسْتِبْدَادُ بِالشَّيْءِ، أَيْ الاِسْتِقْلاَل وَأَصْل الْحُكْرَةِ الْجَمْعُ وَالإِْمْسَاكُ.
أَمَّا الْحِكْرُ بِالْكَسْرِ فَقَدِ انْفَرَدَ بِذَكَرِهِ الزَّبِيدِيُّ مُسْتَدْرِكًا لَهُ عَلَى الْقَامُوسِ، فَقَال: الْحِكْرُ بِالْكَسْرِ مَا يُجْعَل عَلَى الْعَقَارَاتِ، وَيُحْبَسُ، مُوَلَّدَةٌ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ يُطْلَقُ عَلَى ثَلاَثَةِ مَعَانٍ:
الأَْوَّل: الأُْجْرَةُ الْمُقَرَّرَةُ عَلَى عَقَارٍ مَحْبُوسٍ فِي الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ وَنَحْوِهَا. وَمِنْ هَذَا الاِسْتِعْمَال مَا стр. 10737
قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: " مَنْ بَنَى فِي الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مَسْجِدًا وَقَفَهُ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَإِذَا جَازَ فَعَلَى مَنْ يَكُونُ حِكْرُهُ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا دَامَتِ الْمُدَّةُ بَاقِيَةً فَإِذَا انْقَضَتْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ الْمَال. (١)
وَفِي فَتَاوَى عُلَيْشٍ " مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى الْخُلُوِّ يَكُونُ عَلَيْهِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ أُجْرَةٌ لِلَّذِي يَئُول إِلَيْهِ الْوَقْفُ يُسَمَّى عِنْدَنَا بِمِصْرَ حِكْرًا لِئَلاَّ يَذْهَبَ الْوَقْفُ بَاطِلاً " (٢) .
الثَّانِي: أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْعَقَارِ الْمُحْتَكَرِ نَفْسِهِ فَيُقَال: هَذَا حِكْرُ فُلاَنٍ. (٣)
الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْغَالِبُ أَنْ يُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ الاِحْتِكَارَ.
وَالاِسْتِحْكَارُ بِمَعْنَى الاِسْتِئْجَارِ إِجَارَةً طَوِيلَةً، وَيُسَمَّى (التَّحْكِيرَ) أَوِ (الإِْحْكَارَ) بِمَعْنَى الإِْيجَارِ أَوِ التَّأْجِيرِ. (٤) قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الاِحْتِكَارُ إِجَارَةٌ يُقْصَدُ بِهَا مَنْعُ الْغَيْرِ وَاسْتِبْقَاءُ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ. (٥) وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ: стр. 10738
الاِسْتِحْكَارُ عَقْدُ إِجَارَةٍ يُقْصَدُ بِهِ اسْتِبْقَاءُ الأَْرْضِ لِلْبِنَاءِ، أَوِ الْغَرْسِ، أَوْ لأَِحَدِهِمَا. وَيَكُونُ فِي الدَّارِ وَالْحَانُوتِ أَيْضًا. (١)
وَمُرَادُ ابْنِ عَابِدِينَ بِقَوْلِهِ يُقْصَدُ بِهَا مَنْعُ الْغَيْرِ أَيْ مَنْعُ الْغَيْرِ مِنَ الْمُنَافَسَةِ فِيمَا لَوْ أُوجِرَتِ الأَْرْضُ إِجَارَةً قَصِيرَةً وَانْتَهَتِ الْمُدَّةُ. فَمَنْ يَسْتَأْجِرُهَا إِجَارَةً طَوِيلَةً يَأْمَنُ مِنَ الْمُنَافَسَةِ وَيَمْنَعُهَا، وَمِنْ هُنَا أُخِذَ هَذَا الاِصْطِلاَحُ وَهُوَ الاِحْتِكَارُ لأَِنَّهُ يَئُول فِي مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ إِلَى الْمَنْعِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - أ - الْخُلُوُّ: هُوَ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يَمْلِكُهَا الْمُسْتَأْجِرُ لِعَقَارِ الْوَقْفِ مُقَابِل مَالٍ يَدْفَعُهُ لِنَاظِرِ الْوَقْفِ لِتَعْمِيرِهِ إِذَا تَخَرَّبَ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُعَمِّرُهُ بِهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ أُجْرَةٌ مَعْلُومَةٌ عَنْ بَاقِي الْمَنْفَعَةِ تُسَمَّى حِكْرًا (٢) .
٣ - ب - الأُْجْرَةُ: وَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الْحِكْرِ.
٤ - ج - " الإِْجَارَةُ الطَّوِيلَةُ " وَهُوَ اصْطِلاَحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الاِحْتِكَارِ إِذْ الاِحْتِكَارُ يُقْصَدُ بِهِ اسْتِئْجَارُ الأَْرْضِ الْمُدَّةَ стр. 10739
الطَّوِيلَةَ لِلْبِنَاءِ، أَوِ الْغَرْسِ، أَوْ أَحَدِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلاَمِ ابْنِ عَابِدِينَ، وَالإِْجَارَةُ الطَّوِيلَةُ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ لَهُمَا، بَل قَدْ تَكُونُ لِلزَّرْعِ وَلِسَائِرِ أَنْوَاعِ اسْتِعْمَالاَتِ الأَْرْضِ. (١) وَتَكُونُ فِي غَيْرِ الأَْرْضِ أَيْضًا كَالْمَسَاكِنِ وَالآْلاَتِ وَغَيْرِهَا.
أَقْسَامُ الْحِكْرِ:
٥ - الْحِكْرُ يَكُونُ فِي الأَْوْقَافِ وَهُوَ الأَْغْلَبُ وَفِي غَيْرِهَا وَهِيَ الأَْمْلاَكُ الْخَاصَّةُ، وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ كَلاَمُ الرَّمْلِيِّ وَابْنِ عَابِدِينَ، إِذْ أَطْلَقَا تَعْرِيفَ الاِحْتِكَارِ عَنْ قَيْدِ الْوَقْفِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَابِدِينَ فِي (مِنْحَةِ الْخَالِقِ) حَيْثُ قَال: الأَْرْضُ الْمُقَرَّرَةُ لِلاِحْتِكَارِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِلْكًا أَوْ وَقْفًا. (٢)
إِلاَّ أَنَّ أَكْثَرَ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي شَأْنِ الْحِكْرِ يَنْصَبُّ عَلَى الْحِكْرِ فِي الأَْوْقَافِ وَلاَ يَتَعَرَّضُونَ لِلْحِكْرِ فِي الأَْمْلاَكِ إِلاَّ نَادِرًا، وَلِذَا عَرَّفَهُ صَاحِبُ قَانُونِ الْعَدْل وَالإِْنْصَافِ (٣) بِأَنَّهُ اسْتِبْقَاءُ الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ مُقَرَّرَةً لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ أَوْ أَحَدِهِمَا (٤) . стр. 10740
وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ سَيَقْتَصِرُ الْكَلاَمُ فِيمَا يَلِي عَلَى الْحِكْرِ فِي الأَْوْقَافِ، لأَِنَّ الْحِكْرَ فِي الأَْمْلاَكِ تَجْرِي أَحْكَامُهُ بِحَسَبِ صِيغَةِ التَّعَاقُدِ مِنْ حَيْثُ مِقْدَارُ الْمُدَّةِ وَالأُْجْرَةُ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَتَرِدُ الإِْشَارَةُ إِلَيْهِ.
حُكْمُ الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فِي الأَْوْقَافِ:
٦ - الأَْصْل فِي الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فِي الأَْمْلاَكِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لأَِنَّ الْمَالِكَ يَصْنَعُ فِي مِلْكِهِ مَا يَشَاءُ. وَنَقَل الْحَنَفِيَّةُ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.
أَمَّا فِي الأَْوْقَافِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِهَا فِيمَا زَادَ عَلَى ثَلاَثٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَرْبَعٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِهَا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
٧ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ أَنْ يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ يَجُوزُ شَرْطُهُ لاَ مَحَالَةَ، وَإِنْ كَانَ شَرَطَ أَنْ لاَ يُؤَجِّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ يَجِبُ مُرَاعَاةُ شَرْطِهِ لاَ مَحَالَةَ.
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا فَالْمَنْقُول عَنْ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَال الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: أَنَا أُجَوِّزُ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ وَلاَ أُجَوِّزُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ كَانَ يَقُول: فِي الضِّيَاعِ (أَيِ الأَْرَاضِيِ الزِّرَاعِيَّةِ) نُفْتِي بِالْجَوَازِ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ، وَفِي غَيْرِ الضِّيَاعِ نُفْتِي بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِيمَا زَادَ عَنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ
стр. 10741
إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي الْجَوَازِ، وَهَذَا أَمْرٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ وَالْمَوْضِعِ. قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: فَلَوْ آجَرَهَا الْمُتَوَلِّي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ الإِْجَارَةُ وَتُفْسَخُ. (١)
وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْمَنْعَ فِيمَا زَادَ عَلَى ثَلاَثِ سِنِينَ فِي الأَْرْضِ وَسَنَةٍ فِي غَيْرِهَا كَمَا صَنَعَ صَاحِبُ تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ. وَقَال الْخَصَّافُ: إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ تُزْرَعُ فِي كُل سَنَةٍ لاَ يُؤَجِّرُهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَإِنْ كَانَتْ تُزْرَعُ فِي كُل سَنَتَيْنِ مُرَّةً لاَ تُؤَجَّرُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ، أَوْ فِي كُل ثَلاَثٍ لاَ تُؤْجَرُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثٍ.
وَإِنَّمَا جَرَتِ الْفُتْيَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِذَلِكَ صِيَانَةً لِلأَْوْقَافِ عَنْ دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ بِطُول الْمُدَّةِ قَالُوا: لأَِنَّ الْمُدَّةَ إِذَا طَالَتْ تُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال الْوَقْفِ، فَإِنَّ مَنْ رَآهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمُلاَّكِ عَلَى طُول الزَّمَانِ مُتَوَالِيًا وَلاَ مَالِكٌ يُعَارِضُ وَيُزَاحِمُ - وَمَال الْوَقْفِ مَالٌ ضَائِعٌ لِعَدَمِ الْمُطَالِبِ الْمُهْتَمِّ - يَظُنُّهُ الرَّائِي بِتَصَرُّفِهِ الدَّائِمِ مَالِكًا، وَيَشْهَدُ لَهُ بِالْمِلْكِ إِذَا ادَّعَاهُ. وَلاَ مَصْلَحَةَ لِلْوَقْفِ فِي أَمْرٍ يَدْعُو إِلَى هَذَا الضَّرَرِ.
وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ جَرَتِ الْفُتْيَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى إِلْحَاقِ أَرْضِ الْيَتِيمِ بِأَرْضِ الْوَقْفِ فِي هَذَا стр. 10742
الْحُكْمِ، فَلاَ تُؤَجَّرُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِ سِنِينَ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ أَيْضًا أَرَاضِيَ بَيْتِ الْمَال، نَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ وَوَافَقَهُ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ.
وَفِي قَوْل مُتَقَدِّمِي الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ إِجَارَةُ الْوَقْفِ لِلْمُدَدِ الطَّوِيلَةِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَذْكُورُ أَوَّلاً وَهُوَ التَّوْقِيتُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِنَّمَا عَدَل الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْ قَوْل الْمُتَقَدِّمِينَ بِسَبَبِ الْخَوْفِ عَلَى الْوَقْفِ.
ثُمَّ إِنْ آجَرَ النَّاظِرُ الْوَقْفَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِ سِنِينَ فَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ: فَقَال بَعْضُهُمْ لاَ يَجُوزُ، وَقَال بَعْضُهُمْ يُرْفَعُ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى يُبْطِلَهُ، وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ (١) .
وَرَأَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ إِنِ احْتَاجَ الْقَيِّمُ أَنْ يُؤَجِّرَ الْوَقْفَ إِجَارَةً طَوِيلَةً فَالْحِيلَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَعْقِدَ عُقُودًا، فَيَكْتُبُ: اسْتَأْجَرَ فُلاَنُ ابْنُ فُلاَنٍ ثَلاَثِينَ عَقْدًا مَثَلاً، كُل عَقْدٍ عَلَى سَنَةٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا شَرْطًا فِي بَعْضٍ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ الأَْوَّل لاَزِمًا لأَِنَّهُ نَاجِزٌ، وَمَا بَعْدَهُ لاَ يَلْزَمُ، لأَِنَّهُ مُضَافٌ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ كُل سَنَةٍ إِذَا دَخَلَتْ. (٢) стр. 10743
٨ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ كِرَاءُ الْوَقْفِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، قَال الْحَطَّابُ: الْحَبْسُ إِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ كَبَنِي فُلاَنٍ، فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُكْرِيَهُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَ سِنِينَ، وَلاَ يُكْرِيهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ فِي السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ فَعَثَرَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُهَا فَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ يَسِيرًا كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ لَمْ يُفْسَخْ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فُسِخَ. وَنَقَل الْحَطَّابُ عَنِ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ نَوَازِل ابْنِ رُشْدٍ فِي وَقْفٍ أُكَرِي خَمْسِينَ عَامًا، إِنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ عَلَى النَّقْدِ (أَيْ تَعْجِيل الأُْجْرَةِ) فُسِخَ، وَفِي جَوَازِهِ عَلَى غَيْرِ النَّقْدِ قَوْلاَنِ: الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدِي الْمَنْعُ. اهـ.
ثُمَّ قَال الْحَطَّابُ: أَمَّا الْحَبْسُ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَسَاكِينِ وَشَبَهِهَا فَلاَ يُكْرِيهَا النَّاظِرُ لأَِكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ إِنْ كَانَتْ أَرْضًا، وَلاَ أَكْثَر مِنْ عَامٍ إِنْ كَانَتْ دَارًا، وَهُوَ عَمَل النَّاسِ، وَمَضَى عَلَيْهِ عَمَل الْقُضَاةِ، فَإِنْ أَكْرَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَضَى إِنْ كَانَ نَظَرًا (أَيْ مَصْلَحَةً) ، وَلاَ يُفْسَخُ.
وَعَلَّلُوا لِمَنْعِ الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فِي الْوَقْفِ بِمِثْل مَا عَلَّل بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، قَالُوا: لِخَوْفِ انْدِرَاسِهِ إِذَا طَال مُكْثُهُ بِيَدِ مُكْتَرِيهِ. (١)
٩ - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ تُؤَجَّرَ الْعَيْنُ إِلَى مُدَّةٍ تَبْقَى إِلَيْهَا غَالِبًا - مَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْطَ الْوَاقِفِ - فَتُؤَجَّرُ الأَْرْضُ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ - قَال الْقَلْيُوبِيُّ: стр. 10744
سَوَاءٌ الْمِلْكُ وَالْوَقْفُ - وَتُؤَجَّرُ الدَّارُ ثَلاَثِينَ سَنَةً، وَالثَّوْبُ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ. وَفِي قَوْلٍ: لاَ يُزَادُ عَلَى سَنَةٍ. (١)
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: إِنَّمَا يَجْرِي ذَلِكَ - أَيِ الإِْجَارَةُ الطَّوِيلَةُ - فِي الْوَقْفِ إِنْ وَقَعَ عَلَى وَفْقِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ لِعَيْنِ الْوَقْفِ، وَاصْطِلاَحُ الْحُكَّامِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُؤَجَّرُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلاَثِ سِنِينَ، لِئَلاَّ يَنْدَرِسَ اسْتِحْسَانٌ مِنْهُمْ. قَال: وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا ذَلِكَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ بِغَلَبَةِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَى الْوَقْفِ عِنْدَ طُول الْمُدَّةِ، وَلأَِنَّ شَرْطَ إِجَارَةِ الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ بِأُجْرَةِ الْمِثْل، وَتَقْوِيمُ الْمُدَّةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ الْبَعِيدَةِ صَعْبٌ - أَيْ لِتَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ وَطُرُوءِ الرَّغَبَاتِ غَالِبًا - قَال: وَأَيْضًا فَفِيهَا مَنْعُ الاِنْتِقَال إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي، وَضَيَاعُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانَتْ مُعَجَّلَةً. وَأَطَال فِي بَيَانِ ذَلِكَ فِي فَتَاوَاهُ الْكُبْرَى الْفِقْهِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ قُضَاةَ الشَّافِعِيَّةِ مَالُوا فِي ذَلِكَ إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّهُ أَحْوَطُ. وَنَقَلَهُ عَنِ السُّبْكِيِّ وَغَيْرِهِ. وَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ مُجَرَّدَ زِيَادَةِ الأُْجْرَةِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْل لاَ يُسَوِّغُ الإِْجَارَةَ الطَّوِيلَةَ فِي الْوَقْفِ. وَقَال: وَأَلْحَقُوا بِأَرْضِ الْوَقْفِ فِي ذَلِكَ أَرْضَ الْيَتِيمِ. (٢) стр. 10745
١٠ - وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّ الإِْجَارَةَ الطَّوِيلَةَ جَائِزَةٌ، عَلَى الأَْصْل فِي الإِْجَارَةِ إِذَا كَانَتْ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَبْقَى إِلَيْهَا الْعَيْنُ غَالِبًا وَإِنْ كَثُرَتْ.
وَاسْتَدَل ابْنُ قُدَامَةَ لِهَذَا الأَْصْل بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيْ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِي حِجَجٍ﴾ (١) قَال: وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى نَسْخِهِ دَلِيلٌ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ مَا جَازَ لِسَنَةٍ جَازَ لأَِكْثَرَ مِنْهَا، وَالتَّقْدِيرُ بِسَنَةٍ أَوْ ثَلاَثٍ تَحَكُّمٌ لاَ دَلِيل عَلَيْهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي فِي الْوَقْفِ، قَال: إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ جَازَتْ إِجَارَتُهُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَلاَ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ بِعَدَدٍ. وَكَذَلِكَ قَال صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى وَنَسَبَهُ إِلَى الرِّعَايَةِ وَالْمُغْنِي، وَأَنَّهُمْ قَالُوا: بَل الْوَقْفُ أَوْلَى أَيْ بِجَوَازِ الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ.
وَابْنُ الْقَيِّمِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ بَيَّنَ مَفَاسِدَ الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فِي الْوَقْفِ كَمَا بَيَّنَهَا أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى، لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِبُطْلاَنِهَا حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ امْتِنَاعَهَا. (٢) стр. 10746
امْتِنَاعُ الإِْجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فِي الْوَقْفِ إِذَا اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ:
١١ - إِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مَنْعَ تَأْجِيرِ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وَجَبَ التَّقَيُّدُ بِشَرْطِهِ اتِّفَاقًا، لَكِنْ إِذَا اقْتَضَتْ ضَرُورَةٌ إِبْقَاءَ عَيْنِ الْوَقْفِ إِلَى إِجَارَتِهِ مُدَّةً أَكْثَرُ مِمَّا شَرَطَهُ جَازَ كَمَا يَأْتِي.
وَأَجَازَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَحْتَال النَّاظِرُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، وَالْحِيلَةُ الَّتِي ذَكَرُوهَا أَنْ يُؤَجِّرَهُ النَّاظِرُ وَيَكْتُبَ فِي عَقْدِ الإِْيجَارِ أَنَّهُ آجَرَهُ عُقُودًا مُتَلاَحِقَةً، سِتِّينَ عَقْدًا مَثَلاً، كُل عَقْدٍ لِسَنَةٍ، وَأُجْرَةُ كُل سَنَةٍ كَذَا وَكَذَا.
وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِجَوَازِ هَذِهِ الْحِيلَةِ أَخْذًا بِأَنَّهَا لاَ تُخَالِفُ لَفْظَ الْوَاقِفِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ قَاضِي خَانَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّيْخُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ، وَابْنُ الأُْسْتَاذِ، وَصَاحِبُ الأَْنْوَارِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا لاَ تُفِيدُ، نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى وَأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ الْمُتَلاَحِقَةَ هِيَ بِمَعْنَى عَقْدٍ وَاحِدٍ. وَمِنْ هَؤُلاَءِ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ الصَّلاَحِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَال فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل أَبِي جَعْفَرٍ قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمُرَجَّحُ صِحَّةُ هَذِهِ الْحِيلَةِ لأَِنَّ مَنْ تَأَمَّل كَلاَمَ أَهْل الْمَذْهَبِ وَتَفَارِيعَهُمْ وَجَدَهُمْ فِي الْغَالِبِ يُرَجِّحُونَ مَا كَانَ أَقْرَب إِلَى لَفْظِ الْوَاقِفِ عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى غَرَضِهِ دُونَ لَفْظِهِ قَال: وَلِذَا اعْتَمَدَهُ الْمُحَقِّقُونَ.
стр. 10747
وَكُل هَذَا مَا لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَى امْتِنَاعِ هَذِهِ الْحِيلَةِ، فَإِنْ مَنَعَهَا امْتَنَعَتِ اتِّفَاقًا. (١)
حُكْمُ التَّحْكِيرِ فِي الْوَقْفِ وَشُرُوطُ جَوَازِهِ:
١٢ - يَتَبَيَّنُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّحْكِيرَ فِي الْوَقْفِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ: الْقَوْل الأَْوَّل وَعَلَيْهِ الأَْكْثَرُونَ: إِنَّهُ جَائِزٌ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَ الْوَاقِفُ مَنْعَهُ أَمْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَرْضِ الْوَقْفِ لأَِنَّهُ يَغُل يَدَ الْوَاقِفِ أَوِ النَّاظِرِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الأَْرْضِ، وَاسْتِغْلاَلِهَا لَمْ يُجِيزُوهُ إِلاَّ بِشُرُوطٍ:
أَوَّلاً: أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ قَدْ تَخَرَّبَ وَتَعَطَّل انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. ثَانِيًا: أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْوَقْفِ حَاصِلٌ يُعَمَّرُ بِهِ.
ثَالِثًا: أَنْ لاَ يُوجَدَ مَنْ يُقْرِضُ الْوَقْفَ الْقَدْرَ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ بِأَقَل مِنْ أَجْرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا أَنْ لاَ يُمْكِنَ اسْتِبْدَال الْوَقْفِ بِعَقَارٍ ذِي رِيعٍ.
فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ إِيجَارُ الْوَقْفِ مُدَّةً طَوِيلَةً لِمَنْ يَبْنِيهِ، أَوْ يَغْرِسُ الأَْرْضَ، لأَِنَّهُ стр. 10748
تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلاِنْتِفَاعِ بِالْوَقْفِ، وَلَمْ يَنْظُرْ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل إِلَى احْتِمَال تَمَلُّكِ الْوَقْفِ لأَِنَّهُ مَوْهُومٌ فَلاَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِ الضَّرَرِ الْمُتَحَقِّقِ. (١)
الْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهُ جَائِزٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ وَجُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ مَنَعَ الإِْجَارَةَ الطَّوِيلَةَ امْتَنَعَ إِلاَّ إِذَا حَصَلَتِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقَوْل الأَْوَّل.
الْقَوْل الثَّالِثُ: قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّهُ مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، وَمِنْ هَؤُلاَءِ الأَْذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ.
الْحِكْرُ عَلَى الْوَقْفِ الَّذِي فِيهِ الْخُلُوُّ:
١٣ - إِذَا أَنْشَأَ النَّاظِرُ خُلُوًّا عَلَى وَقْفٍ بِمَالٍ أَخَذَهُ مِنْ إِنْسَانٍ لِيُعَمِّرَ بِهِ الْوَقْفَ حَيْثُ لاَ مَال يُعَمِّرُ بِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ جُزْءٌ مِنْ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ مَمْلُوكًا لِدَافِعِ الْمَال، فَذَلِكَ الْجُزْءُ الَّذِي بَاعَهُ يَمْلِكُهُ دَافِعُ الْمَال، وَيُسَمَّى الْخُلُوَّ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ كُل الْمَنْفَعَةِ لأَِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى بُطْلاَنِ الْوَقْفِ.
وَيُجْعَل عَلَى مَالِكِ الْخُلُوِّ حِكْرٌ دَائِمٌ عَنِ الْجُزْءِ الَّذِي لَمْ يَمْلِكْهُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، يُدْفَعُ لِلنَّاظِرِ حَقًّا.
لِلْجِهَةِ الْمُسْتَحِقَّةِ فِي الْوَقْفِ، قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: " مَنِ اسْتَوْلَى عَلَى الْخُلُوِّ يَكُونُ عَلَيْهِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ стр. 10749
أُجْرَةٌ لِلَّذِي يَئُول إِلَيْهِ الْوَقْفُ يُسَمَّى عِنْدَنَا بِمِصْرَ حِكْرًا لِئَلاَّ يَذْهَبَ الْوَقْفُ بَاطِلاً " (١) وَيُرَاجَعُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (خُلُوٌّ) .
مَنْ يَجُوزُ مِنْهُ التَّحْكِيرُ:
١٤ - التَّحْكِيرُ إِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهُ يَجُوزُ مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةُ إِجَارَةِ الْوَقْفِ وَهُوَ النَّاظِرُ فَلاَ يَمْلِكُهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إِلاَّ إِنْ كَانَ مُوَلًّى عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِبَل الْوَاقِفِ، أَوْ مَأْذُونًا مِمَّنْ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْجَارَةِ مِنْ نَاظِرٍ أَوْ قَاضٍ، وَكَذَلِكَ وِلاَيَةُ قَبْضِ الأُْجْرَةِ لِلنَّاظِرِ لاَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ النَّاظِرُ بِقَبْضِهَا. (٢)
الْمُدَّةُ فِي التَّحْكِيرِ:
١٥ - التَّحْكِيرُ نَوْعٌ مِنَ الإِْجَارَةِ، وَالشَّرْطُ فِي الإِْجَارَةِ مِنْ حَيْثُ الأَْصْل الْعِلْمُ بِالْمُدَّةِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً. أَمَّا فِي التَّحْكِيرِ: فَقَدْ قَال الْعَدَوِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: جَرَى الْعُرْفُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَنَّ الأَْحْكَارَ مُسْتَمِرَّةٌ لِلأَْبَدِ وَإِنْ عُيِّنَ فِيهَا وَقْتُ الإِْجَارَةِ مُدَّةً، فَهُمْ لاَ يَقْصِدُونَ خُصُوصَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَالْعُرْفُ عِنْدَنَا كَالشَّرْطِ، فَمَنِ احْتَكَرَ أَرْضًا مُدَّةً وَمَضَتْ فَلَهُ أَنْ يَبْقَى وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَمْرَ الْوَقْفِ إِخْرَاجُهُ. نَعَمْ إِنْ стр. 10750
حَصَل مَا يَدُل عَلَى قَصْدِ الإِْخْرَاجِ بَعْدَ الْمُدَّةِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الأَْبَدِ فَإِنَّهُ يُعْمَل بِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمُحْتَكِرِ حَقُّ الْقَرَارِ إِذَا وَضَعَ بِنَاءَهُ فِي الأَْرْضِ وَيَسْتَمِرُّ مَا دَامَ أُسُّ بِنَائِهِ قَائِمًا فِيهَا، فَلاَ يُكَلَّفُ بِرَفْعِ بِنَائِهِ، وَلاَ بِقَلْعِ غِرَاسِهِ مَا دَامَ يَدْفَعُ أُجْرَةَ الْمِثْل الْمُقَرَّرَةَ عَلَى سَاحَةِ الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا لِبَقَاءِ الْمُحْتَكَرِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ بِأَنْ يُخَافَ مِنْهُ عَلَى رَقَبَةِ الأَْرْضِ يَفْسَخُ الْقَاضِي الإِْجَارَةَ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ هُوَ أَوْ وَارِثُهُ مُفْلِسًا، أَوْ سَيِّئَ الْمُعَامَلَةِ، أَوْ مُتَغَلِّبًا يُخْشَى عَلَى الْوَقْفِ مِنْهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ. (١)
مِقْدَارُ الأُْجْرَةِ فِي الاِسْتِحْكَارِ لِلْوَقْفِ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ إِذَا رَغِبَ فِي إِجَارَتِهَا، فَإِنَّهَا تُؤَجَّرُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَحْكِيرِ الْوَقْفِ بِأَقَل مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل (٢) . следующие страницы →