Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.
стр. 10816
الْمَرْأَةِ فَهُوَ أَحَدُ أَوْلِيَائِهَا. لَكِنَّ تَرْتِيبَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ وَذَوِي الأَْرْحَامِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنَ الْقَاضِي وَالسُّلْطَانِ. وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لاَ وِلاَيَةَ فِي التَّزْوِيجِ لِذَوِي الأَْرْحَامِ وَلاَ لِمَوْلَى الْمُوَالاَةِ وَهُوَ الْحَلِيفُ. وَاخْتَلَفَ النَّقْل عَنْ أَبِي يُوسُفَ فَقِيل: قَوْلُهُ كَقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيل: كَقَوْل مُحَمَّدٍ (١) .
وَلَيْسَ لِلْحَلِيفِ عِنْدَ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ فِي وِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ مَدْخَلٌ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي أَوْلَوِيَّةِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَيِّتِ: إِنَّ الأَْوْلِيَاءَ فِيهَا عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي النِّكَاحِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَلِيفِ وِلاَيَةً فِيهَا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي النِّكَاحِ مِنَ التَّرْتِيبِ (٢) .
وَقَال الْجُمْهُورُ: لاَ عَقْل بِالْحِلْفِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الرَّجُل وَعَشِيرَتَهُ يَعْقِلُونَ عَنْ مَوْلاَهُ بِالْوَلاَءِ، وَإِذَا عَقَل عَنْهُ لَزِمَهُ الْوَلاَءُ فَلاَ يَنْتَقِل عَنْهُ بَعْدُ إِلاَّ بِرِضَاهُ (٣) . وَلُزُومُ الْعَقْل عَنْ مَوْلَى الْمُوَالاَةِ مَنْقُولٌ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ (٤) . (وَانْظُرْ: عَاقِلَةٌ) .
ثَانِيًا: التَّحَالُفُ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ:
١٤ - يَرِدُ هُنَا الْخِلاَفُ الْمُتَقَدِّمُ فِي مُحَالَفَةِ الْفَرْدِ стр. 10817
لِلْفَرْدِ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَوَارُثَ هُنَا وَلاَ تَعَاقُل، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالْحِلْفِ عِنْدَ مَنْ أَجَازَهُ مُجَرَّدُ التَّنَاصُرِ عَلَى الْحَقِّ وَدَفْعِ الظُّلْمِ.
وَيَسْتَدِل الْمُجِيزُونَ لِمِثْل هَذَا التَّحَالُفِ بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَْنْصَارِ فِي دَارِي مَرَّتَيْنِ.
وَقَالُوا: إِنَّ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ حِلْفَ فِي الإِْسْلاَمِ الْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الإِْعَانَةِ بِالْحِلْفِ فِي الْحَقِّ وَالْبَاطِل.
قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: " أَصْل الْحِلْفِ الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّسَاعُدِ وَالتَّعَاضُدِ وَالاِتِّفَاقِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَال وَالْغَارَاتِ، فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الإِْسْلاَمِ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَصِلَةِ الأَْرْحَامِ، كَحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَذَلِكَ الَّذِي قَال فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ : وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِْسْلاَمُ إِلاَّ شِدَّةً يُرِيدُ: مِنَ الْمُعَاقَدَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ. وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْحَدِيثَانِ. وَهَذَا هُوَ الْحِلْفُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإِْسْلاَمُ (١) .
وَتَقَدَّمَ النَّقْل عَنِ النَّوَوِيِّ بِمِثْل ذَلِكَ (ف ١٠) .
وَأَمَّا الَّذِينَ خَالَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَهُمُ الأَْكْثَرُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ لاَ حِلْفَ стр. 10818
فِي الإِْسْلاَمِ وَبِأَنَّ الإِْسْلاَمَ جَعَل الْمُسْلِمِينَ يَدًا وَاحِدَةً وَأَوْجَبَ عَلَى كُل مُسْلِمٍ نُصْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَالْقِيَامَ عَلَى الْبَاغِي حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ف ٩) .
стр. 10819
حَلْقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَلْقُ فِي اللُّغَةِ إِزَالَةُ الشَّعْرِ. يُقَال حَلَقَ رَأْسَهُ، أَيْ: أَزَال شَعْرَهُ. وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: الْحُلْقُومُ وَهُوَ مَسَاغُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي الْمَرِّيءِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ الْحَلْقِ عَنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِسْتِحْدَادُ:
٢ - الاِسْتِحْدَادُ حَلْقُ الْعَانَةِ. وَسُمِّيَ اسْتِحْدَادًا لاِسْتِعْمَال الْحَدِيدَةِ وَهِيَ الْمُوسَى (٢) . فَالاِسْتِحْدَادُ نَوْعٌ مِنَ الْحَلْقِ.
ب - النَّتْفُ:
٣ - النَّتْفُ لُغَةً نَزْعُ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ وَنَحْوِهِ (٣) . стр. 10820
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ النَّتْفِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَالْوَجْهُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالنَّتْفِ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِزَالَةٌ لِلشَّعْرِ إِلاَّ أَنَّ الْحَلْقَ بِالْمُوسَى وَنَحْوِهِ، وَالنَّتْفَ بِنَزْعِهِ مِنْ جُذُورِهِ.
أَحْكَامُ الْحَلْقِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل (حَلْقِ الشَّعْرِ) : حَلْقُ الرَّأْسِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ:
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل إِمَّا الْفَرْقُ أَوِ الْحَلْقُ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ الْحَلْقَ سُنَّةٌ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ كَمَا جَاءَ فِي الْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي إِلَى أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الرَّأْسِ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ إِلاَّ فِي التَّحَلُّل مِنَ الْحَجِّ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ حَلْقَ الرَّأْسِ لِغَيْرِ الْمُتَحَلِّل مِنَ الإِْحْرَامِ، وَقَال الأَُجْهُورِيُّ: إِنَّ الْقَوْل بِجَوَازِ حَلْقِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُتَعَمِّمِ أَوْلَى بِالاِتِّبَاعِ فَهُوَ مِنَ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلْهُ لِهَوَى نَفْسِهِ وَإِلاَّ كُرِهَ أَوْ حَرُمَ (٢) .
وَصَرَّحَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الشَّعْرَ عَلَى الرَّأْسِ زِينَةٌ، وَحَلْقُهُ بِدْعَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ جُمَّةً وَهِيَ مَا أَحَاطَ بِمَنَابِتِ الشَّعْرِ، وَوَفْرَةً وَهُوَ стр. 10821
مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى شَحْمَةِ الأُْذُنَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ أَطْوَل مِنْ ذَلِكَ (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِحَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِمَنْ أَرَادَ التَّنْظِيفَ (٢) .
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ: فَعَنْهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال فِي الْخَوَارِجِ: سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ (٣) فَجَعَلَهُ عَلاَمَةً لَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ، لَكِنْ تَرْكُهُ أَفْضَل، قَال حَنْبَلٌ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي نَحْلِقُ رُءُوسَنَا فِي حَيَاةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَيَرَانَا وَنَحْنُ نَحْلِقُ فَلاَ يَنْهَانَا (٤) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْقَزَعُ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْضَ الرَّأْسِ دُونَ بَعْضٍ. وَقِيل: أَنْ يَحْلِقَ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةً مِنْهُ (٥) .
لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى غُلاَمًا قَدْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ، стр. 10822
وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ. وَفِي لَفْظٍ قَال: احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ (١) . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْقَزَعِ (٢) .
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل، أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلاَ يَجُوزُ لَهَا حَلْقُ رَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِقَوْل أَبِي مُوسَى: بَرِئَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّالِقَةِ (٣) ، وَالْحَالِقَةِ (٤) وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا (٥) ، قَال الْحَسَنُ: هِيَ مُثْلَةٌ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ حَلْقُ الْمَرْأَةِ شَعْرَ رَأْسِهَا لِعُذْرٍ أَوْ وَجَعٍ فَلاَ بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الْكَرَاهَةَ (٦) . قَال الأَْثْرَمُ: стр. 10823
سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَل عَنِ الْمَرْأَةِ تَعْجِزُ عَنْ شَعْرِهَا وَعَنْ مُعَالَجَتِهِ، وَتَقَعُ فِيهِ الدَّوَابُّ، قَال: إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ فَأَرْجُو أَنْ لاَ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ (١) .
وَأَمَّا حَلْقُ الْقَفَا - وَهُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ - فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَنْ لَمْ يَحْلِقْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ لِحِجَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قَال الْمَرْوَزِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا فَقَال: هُوَ مِنْ فِعْل الْمَجُوسِ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَقَال: لاَ بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ قَفَاهُ وَقْتَ الْحِجَامَةِ (٢) .
حَلْقُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَلْقُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ، وَيُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ الشَّعْرِ وَرِقًا (فِضَّةً) ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ شَعْرِ الْمَوْلُودِ الأُْنْثَى، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، لِمَا رُوِيَ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَزَنَتْ شَعْرَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَزَيْنَبِ وَأُمِّ كُلْثُومٍ، وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً (٣) . стр. 10824
وَلأَِنَّ هَذَا حَلْقٌ فِيهِ مَصْلَحَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّصَدُّقُ، وَمِنْ حَيْثُ حُسْنُ الشَّعْرِ بَعْدَهُ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مِنْ تَشْوِيهِ الْخَلْقِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ هُنَا.
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ عَدَمَ حَلْقِ شَعْرِ الْمَوْلُودِ الأُْنْثَى لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا: كُل غُلاَمٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ (١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ.
وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ لَمَّا وَلَدَتِ الْحَسَنَ: احْلِقِي رَأْسَهُ، وَتَصَدَّقِي بِوَزْنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَالأَْوْفَاضِ (٢) يَعْنِي أَهْل الصُّفَّةِ (٣) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ حَلْقَ شَعْرِ الْمَوْلُودِ فِي سَابِعِ الْوِلاَدَةِ مُبَاحٌ لاَ سُنَّةٌ وَلاَ وَاجِبٌ (٤) .
حَلْقُ الشَّارِبِ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَلْقَ الشَّارِبِ سُنَّةٌ وَقَصُّهُ أَحْسَنُ، وَقَال الطَّحَاوِيُّ: حَلْقُهُ أَحْسَنُ стр. 10825
مِنَ الْقَصِّ، لِقَوْلِهِ ﷺ : أَحْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى (١) . وَالإِْحْفَاءُ: الاِسْتِئْصَال، وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ.
وَيَرَى الْغَزَالِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الشَّارِبَ لاَ يُحْلَقُ، بَل يُقَصُّ (٣) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ حَلْقِ الشَّارِبِ وَاسْتِحْبَابِ قَصِّهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ حَتَّى يَبِينَ طَرَفُ الشَّفَةِ بَيَانًا ظَاهِرًا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُسَنُّ حَفُّ الشَّارِبِ أَوْ قَصُّ طَرَفِهِ، وَالْحَفُّ أَوْلَى نَصًّا، (وَفَسَّرُوا الْحَفَّ بِالاِسْتِقْصَاءِ أَيِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْقَصِّ.) (٤) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (شَارِبٌ) وَأَمَّا حَلْقُ اللِّحْيَةِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَفِيهِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (لِحْيَةٌ) .
حَلْقُ شَعْرِ الْمُحْرِمِ:
٧ - يُحْظَرُ عَلَى الْمُحْرِمِ حَلْقُ رَأْسِهِ أَوْ رَأْسِ مُحْرِمٍ стр. 10826
غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَفْرُغِ الْحَالِقُ وَالْمَحْلُوقُ لَهُ مِنْ أَدَاءِ نُسُكِهِمَا. وَكَذَا لَوْ حَلَقَ لَهُ غَيْرُهُ حَلاَلاً أَوْ مُحْرِمًا يُحْظَرُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ (١) .
وَفِي الْمَوْضُوعِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " إِحْرَامٌ ".
الْحَلْقُ لِلتَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ:
٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَلاَ يَحْصُل التَّحَلُّل فِي الْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّل الأَْكْبَرُ فِي الْحَجِّ إِلاَّ مَعَ الْحَلْقِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ خِلاَفُ الأَْظْهَرِ - وَأَحْمَدُ فِي قَوْلٍ: إِنَّ الْحَلْقَ أَوِ التَّقْصِيرَ لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِطْلاَقٌ مِنْ مَحْظُورٍ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ بِالإِْحْرَامِ فَأُطْلِقَ فِيهِ عِنْدَ الْحِل، كَاللِّبَاسِ وَالطِيبِ وَسَائِرِ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَهَذَا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا.
فَعَلَى هَذَا الاِتِّجَاهِ لاَ شَيْءَ عَلَى تَارِكِ الْحَلْقِ وَيَحْصُل التَّحَلُّل بِدُونِهِ (٣) .
هَذَا وَلاَ تُؤْمَرُ الْمَرْأَةُ بِالْحَلْقِ بَل تُقَصِّرُ لِمَا وَرَدَ стр. 10827
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ (١) . وَرَوَى عَلِيٌّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى الْمَرْأَةَ أَنْ تَحْلِقَ رَأْسَهَا (٢) وَلأَِنَّ الْحَلْقَ لِلتَّحَلُّل فِي حَقِّ النِّسَاءِ بِدْعَةٌ وَفِيهِ مُثْلَةٌ، وَلِهَذَا لَمْ تَفْعَلْهُ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٣) .
مِقْدَارُ الْوَاجِبِ حَلْقُهُ لِلتَّحَلُّل:
٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَفْضَلِيَّةِ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ عَلَى التَّقْصِيرِ لِقَوْلِهِ : ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤) وَالرَّأْسُ اسْمٌ لِلْجَمِيعِ، وَكَذَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ (٥) .
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَقَل مَا يُجْزِئُ مِنَ الْحَلْقِ: стр. 10828
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ فَكَانَ تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الأَْمْرِ بِالْحَلْقِ. فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مَنْ حَلَقَ أَقَل مِنْ رُبْعِ الرَّأْسِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ حَلَقَ رُبْعَ الرَّأْسِ أَجْزَأَهُ وَيُكْرَهُ. أَمَّا الْجَوَازُ فَلأَِنَّ رُبْعَ الرَّأْسِ يَقُومُ مَقَامَ كُلِّهِ فِي الْقُرَبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّأْسِ كَمَسْحِ رُبْعِ الرَّأْسِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلأَِنَّ الْمَسْنُونَ هُوَ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَتَرْكُ الْمَسْنُونِ مَكْرُوهٌ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَقَل مَا يُجْزِئُ ثَلاَثُ شَعَرَاتٍ حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: فَتُجْزِئُ الثَّلاَثُ بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَنَا وَلاَ يُجْزِئُ أَقَل مِنْهَا. وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَجْهًا أَنَّهُ يُجْزِئُ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ. قَال النَّوَوِيُّ وَهُوَ غَلَطٌ (٣) .
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ لِلتَّحَلُّل:
١٠ - قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَعْنًى стр. 10829
يَقْتَضِي وُجُوبَ الْحَلْقِ عَلَيْهِ (١) . كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَل مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ الرَّجُل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ (٢) .
فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاَثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مُرَّةً، وَلأَِنَّ ذِكْرَ الْمُحَلِّقِينَ فِي الْقُرْآنِ قَبْل الْمُقَصِّرِينَ، وَلأَِنَّ الْحَلْقَ أَكْمَل فِي قَضَاءِ التَّفَثِ، وَفِي التَّقْصِيرِ بَعْضُ تَقْصِيرٍ فَأَشْبَهَ الاِغْتِسَال مَعَ الْوُضُوءِ (٣) .
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ الْحَلْقُ بِالإِْجْمَاعِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ (٤) كَمَا تَقَدَّمَ. стр. 10830
هَذَا وَلِلتَّفْصِيل فِي آدَابِ الْحَلْقِ لِلتَّحَلُّل وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، وَحُكْمِ تَأْخِيرِهِ عَنْ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، تُنْظَرُ أَبْوَابُ الْحَجِّ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَمُصْطَلَحَاتُ (إِحْرَامٌ، إِحْصَارٌ، تَحَلُّلٌ، وَتَحْلِيقٌ) .
حَلْقُ الْعَانَةِ وَالإِْبْطِ:
١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَلْقُ الْعَانَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل، لأَِنَّهُ مِنَ الْفِطْرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ (١) ،، وَذَكَرَ مِنْهَا الاِسْتِحْدَادَ وَهُوَ حَلْقُ الْعَانَةِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا النُّتَفُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِحْدَادٌ) .
وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ الإِْبْطِ فَجَائِزٌ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ النَّتْفُ، وَالأَْفْضَل فِيهِ النَّتْفُ (٢) .
حَلْقُ شَعْرِ سَائِرِ الْجَسَدِ:
١٢ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَوْ نَبَتَتْ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ أَوْ شَارِبٌ أَوْ عَنْفَقَةٌ كَانَ لَهَا إِزَالَتُهَا بِالْحَلْقِ (٣) . стр. 10831
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إِزَالَتُهَا (١) . وَقَال ابْنُ جَرِيرٍ: لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ حَلْقُ لِحْيَتِهَا وَلاَ عَنْفَقَتِهَا وَلاَ شَارِبِهَا، وَلاَ تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ خِلْقَتِهَا بِزِيَادَةٍ وَلاَ نَقْصٍ مِنْهُ، قَصَدَتْ بِهِ التَّزَيُّنَ لِزَوْجٍ أَوْ غَيْرِهِ، لأَِنَّهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مُغَيِّرَةٌ خَلْقَ اللَّهِ وَمُتَعَدِّيَةٌ عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ (٢) .
وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ سَائِرِ الْجَسَدِ كَشَعْرِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِوُجُوبِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَقَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهَا إِزَالَةُ مَا فِي إِزَالَتِهِ جَمَالٌ لَهَا وَلَوْ شَعْرَ اللِّحْيَةِ إِنْ نَبَتَتْ لَهَا لِحْيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِنَّ إِبْقَاءُ مَا فِي إِبْقَائِهِ جَمَالٌ لَهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا حَلْقُ شَعْرِهَا (٣) .
وَأَمَّا حَلْقُ شَعْرِ الْجَسَدِ فِي حَقِّ الرِّجَال فَمُبَاحٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقِيل: سُنَّةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْجَسَدِ مَا عَدَا الرَّأْسَ (٤) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحْلِقُ الرَّجُل شَعْرَ حَلْقِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ. وَفِي حَلْقِ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالظَّهْرِ تَرْكُ الأَْدَبِ (٥) . стр. 10832
وَلَمْ يُسْتَدَل عَلَى نَصٍّ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
هَذَا وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ فِي حَلْقِ شَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ يُنْظَرُ فِي (تَنَمُّصٌ) .
حَلْقُ شَعْرِ الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ:
١٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ يُسَنُّ حَلْقُ رَأْسِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ (١) .
قَال الرَّمْلِيُّ: وَظَاهِرُ إِطْلاَقِهِمْ أَيِ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ الْفَرْقِ هُنَا فِي اسْتِحْبَابِ الْحَلْقِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَيُحْتَمَل أَنَّ مَحَل نَدْبِهِ الذَّكَرُ، وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى التَّقْصِيرُ كَمَا فِي التَّحَلُّل فِي الْحَجِّ (٢) .
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الأَْمْرَ بِحَلْقِ شَعْرِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَا إِذَا كَانَ شَعْرُهُ عَلَى غَيْرِ زِيِّ الْعَرَبِ (أَيِ الْمُسْلِمِينَ) كَالْقَزَعَةِ وَشَبَهِهَا، لِمَا رُوِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى стр. 10833
النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: قَدْ أَسْلَمْتُ، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ يَقُول: احْلِقْ قَال: وَأَخْبَرَنِي آخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لآِخَرَ مَعَهُ: أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ (١) .
وَقَوْلُهُ ﷺ شَعْرَ الْكُفْرِ أَيِ الشَّعْرَ الَّذِي مِنْ زِيِّ الْكُفْرِ.
وَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَدْخُل فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَلَمْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْلِقُونَ.
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَحْلِقَ عَلَى عُمُومِ الأَْحْوَال (٢) .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ أَنْ يَكُونَ رَجُلاً، وَأَطْلَقُوا فِي حَلْقِ الْعَانَةِ وَالإِْبْطَيْنِ (٣) .
حَلْقُ شَعْرِ الْمَيِّتِ:
١٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ حَلْقُ شَعْرِ رَأْسِ الْمَيِّتِ، لأَِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ لِزِينَةٍ أَوْ نُسُكٍ، وَالْمَيِّتُ لاَ نُسُكَ عَلَيْهِ وَلاَ يُزَيَّنُ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ حَلْقُ عَانَتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ عَوْرَتِهِ، وَرُبَّمَا احْتَاجَ إِلَى نَظَرِهَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ، فَلاَ يُرْتَكَبُ مِنْ أَجْل مَنْدُوبٍ أَيْ فِي حَال الْحَيَاةِ (٤) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ حَلْقُ شَعْرِ الْمَيِّتِ الَّذِي لاَ يَحْرُمُ عَلَى الْحَيِّ حَلْقُهُ стр. 10834
وَإِلاَّ حَرُمَ حَلْقُهُ مِنْ مَيِّتٍ (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَحْلِقُ شَعْرَ رَأْسِ الْمَيِّتِ، وَقِيل: إِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِحَلْقِهِ فَفِيهِ الْخِلاَفُ، وَكَذَلِكَ لاَ يَحْلِقُ شَعْرَ عَانَتِهِ وَإِبْطَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَهُوَ الأَْصَحُّ وَالْمُخْتَارُ، لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ ﵃ فِيهِ شَيْءٌ مُعْتَمَدٌ، وَأَجْزَاءُ الْمَيِّتِ مُحْتَرَمَةٌ، فَلاَ تُنْتَهَكُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ مَحَل كَرَاهَةِ إِزَالَةِ شَعْرِهِ مَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ كَأَنْ لَبَّدَ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ بِصَبْغٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ كَانَ بِهِ قُرُوحٌ وَجَمَدَ دَمُهَا، بِحَيْثُ لاَ يَصِل الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ إِلاَّ بِإِزَالَتِهِ وَجَبَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الأَْذْرَعِيُّ (٢) .
أَحْكَامُ الْحَلْقِ (بِمَعْنَى مَسَاغِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) :
١٥ - يَتَعَلَّقُ بِالْحَلْقِ أَحْكَامٌ كَذَهَابِ بَعْضِ حُرُوفِ الْحَلْقِ لِجِنَايَةٍ (٣) وَوُصُول اللَّبَنِ إِلَى جَوْفِ الرَّضِيعِ مِنَ الْحَلْقِ (٤) ، وَوُصُول شَيْءٍ لِحَلْقِ الصَّائِمِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ أُذُنٍ (٥) وَوُصُول غَيْرِ مُتَحَلِّلٍ стр. 10835
لِلْحَلْقِ فِي الصِّيَامِ (١) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مَوَاطِنِهَا، وَفِي مُصْطَلَحِ " بُلْعُومٌ ". стр. 10836
حِلٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِل لُغَةً وَصْفٌ، أَوْ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ مِنْ قَوْلِكَ: الْحِل مَا عَدَا الْحَرَمِ، وَالْحِل أَيْضًا الرَّجُل الْحَلاَل الَّذِي خَرَجَ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَالْحِل مُقَابِل الْحَرَامِ. وَوَرَدَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا حَفَرَ زَمْزَمَ قَال: لاَ أُحِلُّهَا لِمُغْتَسِلٍ وَهِيَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ، وَرُوِيَ مِنْ كَلاَمِ الْعَبَّاسِ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: وَمَعْنَى بِلٍّ: مُبَاحٌ فِي لُغَةِ حِمْيَرَ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - الْحِل ضِدُّ الْحُرْمَةِ:
٢ - الْحِل بِمَعْنَى الْحَلاَل، وَهُوَ مَا أَطْلَقَ الشَّرْعُ فِعْلَهُ، وَكُل شَيْءٍ لاَ يُعَاقِبُ عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَالِهِ.
وَالأَْصْل هُوَ الْحِل، وَقَدِ اشْتُهِرَ قَوْل الأُْصُولِيِّينَ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ، وَهَذَا قَبْل وُرُودِ الشَّرْعِ، أَمَّا بَعْدَ وُرُودِهِ فَالْحَلاَل стр. 10837
مَا أَحَلَّهُ الشَّرْعُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّرْعُ فَهُوَ عَفْوٌ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (حَلاَلٌ) .
ب - الْحِل الْمُقَابِل لِلْحَرَمِ الْمَكِّيِّ:
٣ - هُوَ مَا وَرَاءُ أَعْلاَمِ الْحَرَمِ، فَمَا كَانَ دُونَ الأَْعْلاَمِ فَهُوَ حَرَمٌ لاَ يَحِل صَيْدُهُ وَلاَ يُقْطَعُ شَجَرُهُ وَمَا كَانَ وَرَاءَ الْمَنَارِ (الأَْعْلاَمِ) فَهُوَ مِنَ الْحِل يَحِل صَيْدُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَائِدُهُ مُحْرِمًا. فَكُل الدُّنْيَا حِلٌّ مَا عَدَا الْحَرَمَ.
وَأَعْلاَمُ الْحَرَمِ وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمَنَارُ هِيَ الَّتِي ضَرَبَهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيل عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلاَة وَالسَّلاَمُ عَلَى أَقْطَارِ الْحَرَمِ وَنَوَاحِيهِ وَبِهَا تُعْرَفُ حُدُودُ الْحَرَمِ مِنَ الْحِل. (ر: أَعْلاَمُ الْحَرَمِ) .
ج - أَفْضَل بِقَاعِ الْحِل لِلإِْحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ:
٤ - مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ وَأَرَادَ الْعُمْرَةَ خَرَجَ إِلَى الْحِل فَيُحْرِمُ مِنْ أَدْنَاهُ، وَإِحْرَامُهُ مِنَ التَّنْعِيمِ أَفْضَل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ (١) وَقَال ابْنُ سِيرِينَ: وَقَّتَ стр. 10838
رَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِهْل مَكَّةَ التَّنْعِيمَ (١) ، وَإِنَّمَا لَزِمَ الإِْحْرَامُ مِنَ الْحِل لِيَجْمَعَ فِي النُّسُكِ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّ وَالْمُتَمَتِّعِ الْخُرُوجُ إِلَى الْحِل لأَِجْل الإِْحْرَامِ بِالْحَجِّ، لأَِنَّهُ سَيَذْهَبُ إِلَى عَرَفَةَ، وَهِيَ مِنَ الْحِل.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَفْضَل الْبِقَاعِ لِلْحِل عَلَى قَوْلَيْنِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى تَفْضِيل التَّنْعِيمِ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي عِنْدَهُ الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ الآْنَ بِمَسْجِدِ عَائِشَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَرْسَخٌ، فَهُوَ أَقْرَبُ الْحِل إِلَى مَكَّةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّ عَلَى يَمِينِهِ جَبَلاً يُقَال لَهُ نُعَيْمٌ، وَعَلَى شِمَالِهِ جَبَلاً يُقَال لَهُ نَاعِمٌ، وَالْوَادِي نُعْمَانُ (٢) .
ثُمَّ الْجِعْرَانَةُ (بِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ - وَقَدْ تُكْسَرُ الْعَيْنُ وَتُشَدَّدُ الرَّاءُ) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ: التَّشْدِيدُ خَطَأٌ.
وَهِيَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ (مُصَغَّرَةٌ وَقَدْ تُشَدَّدُ) ، وَهِيَ بِئْرٌ قُرْبَ مَكَّةَ، بَيْنَ مَكَّةَ وَجَدَّةَ، حَدَثَ عِنْدَهَا صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ الْمَشْهُورُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، إِلَى تَفْضِيل الْجِعْرَانَةِ، ثُمَّ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةِ لاِعْتِمَارِهِ ﷺ стр. 10839
مِنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَامَ الْفَتْحِ حِينَ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ (١) .
وَأَصْل الْخِلاَفِ فِي التَّفْضِيل كَمَا وَضَّحَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِقَوْلِهِ: " التَّنْعِيمُ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ عِنْدَ مَسْجِدِ عَائِشَةَ وَهُوَ أَقْرَبُ مَوْضِعٍ مِنَ الْحِل، الإِْحْرَامُ مِنْهُ لِلْعُمْرَةِ أَفْضَل مِنَ الإِْحْرَامِ لَهَا مِنَ الْجِعْرَانَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْحِل عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ ﷺ لَمْ يُحْرِمْ مِنْهَا لأَِمْرِهِ ﵊ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِأَنْ يَذْهَبَ بِأُخْتِهِ عَائِشَةَ إِلَى التَّنْعِيمِ لِتُحْرِمَ مِنْهُ وَالدَّلِيل الْقَوْلِيُّ مُقَدَّمٌ عِنْدَنَا عَلَى الْفِعْلِيِّ ". (٢)
قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنْ لاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ - أَيْ إِذْنِهِ لِعَائِشَةَ بِالاِعْتِمَارِ مِنَ التَّنْعِيمِ - تَعَيُّنُ التَّنْعِيمِ لِلْفَضْل لِمَا دَل عَلَيْهِ حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَْسْوَدِ قَالاَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُول اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأُصْدِرُ بِنُسُكٍ فَقِيل لَهَا: انْتَظِرِي: فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ. (٣)
أَيْ أَنَّ الْفَضْل فِي زِيَادَةِ التَّعَبِ وَالنَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّنْعِيمُ أَفْضَل مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تُسَاوِيهِ إِلَى الْحِل لاَ مِنْ جِهَةٍ أَبْعَدَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمَ (٤) . стр. 10840
د - الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحِل:
٥ - لِلْحِل أَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَفِيهِ الْمَوَاقِيتُ الْمَكَانِيَّةُ لِلإِْحْرَامِ، وَالَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (ر: إِحْرَامٌ - ف ٥٥)
وَالأَْصْل فِي صَيْدِ الْبَرِّ الْحِل، فَحَرُمَ صَيْدُ الْحَرَمِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي مَكَّةَ: لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا (١) وَبِالإِْجْمَاعِ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الأَْصْل. ثُمَّ هَل الْعِبْرَةُ بِمَكَانِ الصَّيْدِ أَمْ بِمَكَانِ الصَّائِدِ؟ خِلاَفٌ، الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَكَانِ الصَّيْدِ، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَكَانِ الصَّائِدِ (٢) .
(ر: مُصْطَلَحَ حَرَمٌ) .
الْحِل الْمُقَابِل لِحَرَمِ الْمَدِينَةِ:
٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَدِينَةِ هَل هِيَ حِلٌّ أَوْ حَرَمٌ كَمَكَّةَ يَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣) إِلَى تَحْرِيمِ صَيْدِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي стр. 10841
حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ (١) وَقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا لاَ يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلاَ يُصَادُ صَيْدُهَا (٢) .
وَحَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ (٣) .
وَلاَ جَزَاءَ عَلَى مَنْ صَادَ فِيهَا بَل يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. وَلاَ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ.
وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالرِّوَايَةُ الْمُعْتَمَدَةُ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءِ، وَجَزَاؤُهُ إِبَاحَةُ سَلَبِ الصَّائِدِ وَعَاضِدِ الشَّجَرِ لِمَنْ أَخَذَهُ (٤) . لِحَدِيثِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ (٥) . стр. 10842
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ فَلاَ يَحْرُمُ فِيهَا الصَّيْدُ وَلاَ قَطْعُ الشَّجَرِ لِحَدِيثِ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُّغَيْرُ (١) وَقَالُوا: لَوْ حَرُمَ لَمَا جَازَ صَيْدُهُ (٢) .
وَعَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ يَنْتَهِي حَرَمُ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَيَبْدَأُ الْحِل مِنْ خَارِجِ الْحُدُودِ الَّتِي حَدَّهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالَّتِي هِيَ جَبَل عَيْرٍ وَثَوْرٍ، أَوِ اللاَّبَتَانِ، كَمَا فِي الْحَدِيثَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَانْظُرْ (الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ) .
و أَشْهُرُ الْحِل:
٧ - الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، لِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) .
وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَال: خَطَبَنَا стр. 10843
رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى فَقَال: إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ (١) .
وَعَلَيْهِ فَالثَّمَانِيَةُ الأَْشْهُرُ الْبَاقِيَةُ هِيَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا أَشْهُرُ الْحِل. وَقَدْ كَانَ الْقِتَال مُحَرَّمًا فِي الأَْشْهُرِ الْحُرُمِ مُبَاحًا فِي أَشْهُرِ الْحِل فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَاسْتَمَرَّ فِي صَدْرِ الإِْسْلاَمِ، وَقَدْ أَحْدَثَ الْجَاهِلِيُّونَ فِيهَا النَّسِيءَ وَهُوَ إِبْدَال مَوْضِعِ شَهْرٍ حَرَامٍ مَكَانَ آخَرَ حَلاَلٍ، وَقَدْ أَبْطَلَهُ الإِْسْلاَمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَل بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ (٢)
(ر: مُصْطَلَحَ: إِحْرَامٌ. نَسِيءٌ. الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ) .
ز - الْحِل مُقَابِل الإِْحْرَامِ:
٨ - يَكُونُ الْحِل بِفِعْل الإِْنْسَانِ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ стр. 10844
الإِْحْرَامِ فَيَحِل لَهُ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ. (ر: مُصْطَلَحَ: تَحَلُّلٌ) .
حُلْمٌ
ر: رُؤْيَا
стр. 10845
حُلْوَانُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحُلْوَانُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللاَّمِ مِثْل غُفْرَانٍ: الْعَطَاءُ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ حَلَوْتُهُ أَحْلُوهُ وَمِنْهُ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ. وَالْحُلْوَانُ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُل مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ شَيْئًا، وَحُلْوَانُ الْمَرْأَةِ مَهْرُهَا (١) .
وَوَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ (٢) .
وَقَال شُرَّاحُ الْحَدِيثِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِحُلْوَانِ الْكَاهِنِ (٣) مَا يُعْطَاهُ مِنَ الأَْجْرِ عَلَى كِهَانَتِهِ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْجُعْل:
٢ - الْجُعْل هُوَ الْمَال الْمُلْتَزَمُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلٍ لاَ عَلَى وَجْهِ الإِْجَارَةِ. стр. 10846
فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجُعْل أَخَصُّ مِنَ الْحُلْوَانِ (١) .
ب - الْحِبَاءُ:
٣ - الْحِبَاءُ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَصْدَرُ حَبَا يَحْبُو وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الْعَطِيَّةُ وَالإِْعْطَاءُ بِغَيْرِ عِوَضٍ (٢) .
وَالْفُقَهَاءُ يَقْصِدُونَ بِهِ: أَخْذَ الرَّجُل مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ لِنَفْسِهِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْحُلْوَانِ بِمَعْنَاهُ الْعَامِّ، وَبَيْنَ الْحِبَاءِ بِمَعْنَاهُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، صِلَةُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ.
ج - الرِّشْوَةُ:
٤ - الرِّشْوَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ - وَالضَّمُّ فِيهَا لُغَةٌ - وَسُكُونِ الشِّينِ: مَصْدَرُ رَشَا يَرْشُو. وَهِيَ لُغَةً الإِْعْطَاءُ. стр. 10847
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يُعْطِيهِ الشَّخْصُ لآِخَرَ لِيَحْكُمَ لَهُ، أَوْ يَحْمِلَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
١ - الْحُلْوَانُ الَّذِي يُعْطَى لِلْكَاهِنِ حَرَامٌ فَقَدْ نَقَل النَّوَوِيُّ عَنِ الْبَغَوِيِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِحَدِيثِ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ (٢) .
وَلأَِنَّهُ عِوَضٌ عَنْ مُحَرَّمٍ، وَلأَِنَّهُ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِل (٣) .
٢ - وَالْحُلْوَانُ بِمَعْنَى الْحِبَاءِ، وَهُوَ أَخْذُ الرَّجُل مِنْ مَهْرِ ابْنَتِهِ، لِنَفْسِهِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ، وَفِي حُكْمِ مَنِ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِي الصَّدَاقِ حِبَاءً يُحَابَى بِهِ الأَْبُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ (وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ) : الشَّرْطُ لاَزِمٌ وَالصَّدَاقُ صَحِيحٌ (٤) .
وَقَال مَالِكٌ: إِذَا كَانَ الشَّرْطُ عِنْدَ النِّكَاحِ فَهُوَ لاِبْنَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهُ، وَسَبَبُ اخْتِلاَفِهِمْ تَشْبِيهُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ بِالْبَيْعِ (٥) . стр. 10848
وَقَال الشَّافِعِيُّ: الْمَهْرُ فَاسِدٌ، وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْل.
٣ - وَأَمَّا الْحُلْوَانُ بِمَعْنَى الْمَهْرِ، فَتُرَاجَعُ أَحْكَامُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْرٌ) .
حُلُولٌ
ر: أَجَلٌ
حَلِيفٌ
ر: حِلْفٌ
стр. 10849
حُلِيٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحُلِيُّ لُغَةً: جَمْعُ الْحَلْيِ وَهُوَ مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ مِنْ مَصُوغِ الْمَعْدِنِيَّاتِ أَوِ الأَْحْجَارِ الْكَرِيمَةِ.
وَحَلِيَتِ الْمَرْأَةُ حَلْيًا لَبِسَتِ الْحُلِيَّ، فَهِيَ حَالٍ وَحَالِيَةٌ.
وَتَحَلَّى بِالْحُلِيِّ أَيْ تَزَيَّنَ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الزِّينَةُ:
٢ - الزِّينَةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل مَا يُتَزَيَّنُ بِهِ.
وَالزِّينَةُ أَعَمُّ مِنَ الْحُلِيِّ لأَِنَّهَا تَكُونُ بِغَيْرِ الْحُلِيِّ أَيْضًا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحُلِيِّ:
أَوَّلاً: حِلْيَةُ الذَّهَبِ:
أ - حِلْيَةُ الذَّهَبِ لِلرِّجَال:
٣ - يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل اتِّخَاذُ حُلِيِّ الذَّهَبِ بِجَمِيعِ стр. 10850
أَشْكَالِهَا (١) . وَذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : أُحِل الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإِِنَاثِ أُمَّتِي وَحَرُمَ عَلَى ذُكُورِهَا (٢) .
وَيُسْتَثْنَى مِنَ التَّحْرِيمِ حَالَتَانِ:
الْحَالَةُ الأُْولَى: اتِّخَاذُهُ لِلْحَاجَةِ. ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ أَنْفٍ أَوْ سِنٍّ مِنَ الذَّهَبِ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
لِحَدِيثِ عَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ الَّذِي قُلِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلاَبِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ (٣) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ لأَِبِي يُوسُفَ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اتِّخَاذِ السِّنِّ أَوْ شَدِّهِ بِالذَّهَبِ لِلرِّجَال دُونَ الْفِضَّةِ، لأَِنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الأَْنْفِ دُونَ غَيْرِهِ وَلِضَرُورَةِ النَّتْنِ بِالْفِضَّةِ (٤) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْلِيَةُ آلاَتِ الْقِتَال بِالذَّهَبِ. ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْقِتَال بِالذَّهَبِ، لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّ التَّحَلِّيَ стр. 10851
بِالذَّهَبِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَال إِلاَّ مَا خَصَّهُ الدَّلِيل وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يَدُل عَلَى الْجَوَازِ. وَلأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ إِسْرَافٍ وَخُيَلاَءَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ بِالذَّهَبِ سَوَاءٌ مَا اتَّصَل بِهِ كَالْقَبِيعَةِ (١) وَالْمِقْبَضِ، أَوْ مَا انْفَصَل عَنْهُ كَالْغِمْدِ، وَقَصَرَ الْحَنَابِلَةُ الْجَوَازَ عَلَى الْقَبِيعَةِ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ. وَكَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ (٢) .
ب - حِلْيَةُ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الرَّجُل خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ سِنٍّ أَوْ أَنْفٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ (٣) .
وَلِلْمَذَاهِبِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " تَخَتُّمٌ " مِنَ الْمَوْسُوعَةِ (ج ١١) . стр. 10852
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْخَاتَمَ بِأَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ.
وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنْ لاَ يَبْلُغَ بِهِ حَدَّ الإِْسْرَافِ فَلاَ يَتَجَاوَزَ بِهِ عَادَةً أَمْثَال اللاَّبِسِ.
وَلِلْحَنَابِلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي تَحَلِّي الرِّجَال بِالْفِضَّةِ فِيمَا عَدَا الْخَاتَمَ وَحِلْيَةَ السِّلاَحِ أَحَدُهَا: الْحُرْمَةُ. وَالثَّانِي: الْكَرَاهَةُ، وَالثَّالِثُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: لاَ أَعْرِفُ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْفِضَّةِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ وَكَلاَمُ شَيْخِنَا (يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ) يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ لُبْسِهَا لِلرِّجَال إِلاَّ مَا دَل الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَيْ مِمَّا فِيهِ تَشَبُّهٌ أَوْ إِسْرَافٌ أَوْ مَا كَانَ عَلَى شَكْل صَلِيبٍ وَنَحْوِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى خَاتَمِ الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَالتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ وَالأَْصْل عَدَمُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ حُلِيِّ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال عَدَا الْخَاتَمَ وَحِلْيَةَ السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ (١) وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى إبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال شَرِيطَةَ أَنْ يَقِل الذَّهَبُ عَنِ الْفِضَّةِ وَأَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْفِضَّةِ، وَذَلِكَ كَالْمِسْمَارِ يُجْعَل فِي حَجَرِ الْفَصِّ. стр. 10853
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ (١) .
أَمَّا فِيمَا عَدَا خَاتَمَ الْفِضَّةِ مِنَ الْحُلِيِّ لِلرِّجَال كَالدُّمْلُجِ، وَالسِّوَارِ، وَالطَّوْقِ، وَالتَّاجِ، فَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ: الأَْوَّل التَّحْرِيمُ، وَالثَّانِي الْجَوَازُ مَا لَمْ يَتَشَبَّهْ بِالنِّسَاءِ. لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ إِلاَّ تَحْرِيمُ الأَْوَانِي، وَتَحْرِيمُ الْحُلِيِّ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ أَنْفٍ أَوْ سِنٍّ مِنْ فِضَّةٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ عَدَا السَّرْجَ وَاللِّجَامَ وَالثَّغْرَ لِلدَّابَّةِ فَهُوَ حَرَامٌ، لأَِنَّهُ حِلْيَةٌ لِلدَّابَّةِ لاَ لِلرَّجُل. وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الْجَوَازَ عَلَى حِلْيَةِ السَّيْفِ فَقَطْ (٢) .
حِلْيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلنِّسَاءِ:
٦ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْمَرْأَةِ أَنْوَاعَ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَمِيعًا كَالطَّوْقِ، وَالْعَقْدِ، وَالْخَاتَمِ، وَالسِّوَارِ، وَالْخَلْخَال، وَالتَّعَاوِيذِ، وَالدُّمْلُجِ، وَالْقَلاَئِدِ، وَالْمُخَانِقِ، وَكُل مَا يُتَّخَذُ فِي الْعُنُقِ، وَكُل مَا يَعْتَدْنَ لُبْسَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ стр. 10854
الإِْسْرَافِ أَوِ التَّشَبُّهَ بِالرِّجَال (١) . وَفِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ نِعَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ الظَّاهِرِ، وَأَصَحُّهُمَا الإِْبَاحَةُ كَسَائِرِ الْمَلْبُوسَاتِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَحْلِيَةِ الْمَرْأَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَال. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال (٣) .
وَخَالَفَ فِي هَذَا الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالاَ: بِجَوَازِ التَّحْلِيَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ لُبْسِ آلَةِ الْحَرْبِ وَاسْتِعْمَالِهَا لِلنِّسَاءِ غَيْرَ مُحَلاَّةٍ فَتَجُوزُ مَعَ التَّحْلِيَةِ، لأَِنَّ التَّحْلِيَةَ لِلنِّسَاءِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنَ الرِّجَال (٤) .
وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. стр. 10855
حُكْمُ الْمُمَوَّهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال الرَّجُل مَا مُوِّهَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ مِنَ الْحُلِيِّ كَالْخَاتَمِ، إِذَا لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالإِْذَابَةِ وَالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، لأَِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مُسْتَهْلَكٌ فَصَارَ كَالْعَدَمِ وَهُوَ تَابِعٌ لِلْمُمَوَّهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَال الأَْوَانِي الْمُمَوَّهَةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَإِلَى حُرْمَةِ التَّمْوِيهِ بِهِمَا. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَمْوِيهُ غَيْرِ الأَْوَانِي بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِحَيْثُ يَتَغَيَّرُ اللَّوْنُ وَلاَ يَحْصُل مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ شَيْءٌ إِنْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ (١) .
الْحُلِيُّ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَحَلِّي الْمَرْأَةِ بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كَالْيَاقُوتِ وَالْعَقِيقِ وَاللُّؤْلُؤِ.
كَمَا ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى جَوَازِهِ لِلرِّجَال.
وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْ جِهَة الأَْدَبِ، لأَِنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ أَوْ مِنْ جِهَةِ السَّرَفِ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حُكْمِ تَحَلِّي الرَّجُل بِالأَْحْجَارِ الْكَرِيمَةِ. следующие страницы →