Полный текст (31 949 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.
стр. 10851
بِالذَّهَبِ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَال إِلاَّ مَا خَصَّهُ الدَّلِيل وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يَدُل عَلَى الْجَوَازِ. وَلأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةَ إِسْرَافٍ وَخُيَلاَءَ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ السَّيْفِ بِالذَّهَبِ سَوَاءٌ مَا اتَّصَل بِهِ كَالْقَبِيعَةِ (١) وَالْمِقْبَضِ، أَوْ مَا انْفَصَل عَنْهُ كَالْغِمْدِ، وَقَصَرَ الْحَنَابِلَةُ الْجَوَازَ عَلَى الْقَبِيعَةِ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ. وَكَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ فِضَّةٍ (٢) .
ب - حِلْيَةُ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الرَّجُل خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ سِنٍّ أَوْ أَنْفٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَعَلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ (٣) .
وَلِلْمَذَاهِبِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " تَخَتُّمٌ " مِنَ الْمَوْسُوعَةِ (ج ١١) . стр. 10852
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الْخَاتَمَ بِأَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ.
وَقَيَّدَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنْ لاَ يَبْلُغَ بِهِ حَدَّ الإِْسْرَافِ فَلاَ يَتَجَاوَزَ بِهِ عَادَةً أَمْثَال اللاَّبِسِ.
وَلِلْحَنَابِلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي تَحَلِّي الرِّجَال بِالْفِضَّةِ فِيمَا عَدَا الْخَاتَمَ وَحِلْيَةَ السِّلاَحِ أَحَدُهَا: الْحُرْمَةُ. وَالثَّانِي: الْكَرَاهَةُ، وَالثَّالِثُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: لاَ أَعْرِفُ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْفِضَّةِ نَصًّا عَنْ أَحْمَدَ وَكَلاَمُ شَيْخِنَا (يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ) يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ لُبْسِهَا لِلرِّجَال إِلاَّ مَا دَل الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَيْ مِمَّا فِيهِ تَشَبُّهٌ أَوْ إِسْرَافٌ أَوْ مَا كَانَ عَلَى شَكْل صَلِيبٍ وَنَحْوِهِ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى خَاتَمِ الْفِضَّةِ فَإِنَّهُ يَدُل عَلَى إِبَاحَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَمَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَالتَّحْرِيمُ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ وَالأَْصْل عَدَمُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى تَحْرِيمِ حُلِيِّ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال عَدَا الْخَاتَمَ وَحِلْيَةَ السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ (١) وَلَمْ نَجِدْ لِلْحَنَفِيَّةِ تَصْرِيحًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى إبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال شَرِيطَةَ أَنْ يَقِل الذَّهَبُ عَنِ الْفِضَّةِ وَأَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْفِضَّةِ، وَذَلِكَ كَالْمِسْمَارِ يُجْعَل فِي حَجَرِ الْفَصِّ. стр. 10853
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ (١) .
أَمَّا فِيمَا عَدَا خَاتَمَ الْفِضَّةِ مِنَ الْحُلِيِّ لِلرِّجَال كَالدُّمْلُجِ، وَالسِّوَارِ، وَالطَّوْقِ، وَالتَّاجِ، فَلِلشَّافِعِيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ: الأَْوَّل التَّحْرِيمُ، وَالثَّانِي الْجَوَازُ مَا لَمْ يَتَشَبَّهْ بِالنِّسَاءِ. لأَِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْفِضَّةِ إِلاَّ تَحْرِيمُ الأَْوَانِي، وَتَحْرِيمُ الْحُلِيِّ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ أَنْفٍ أَوْ سِنٍّ مِنْ فِضَّةٍ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ تَحْلِيَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالْفِضَّةِ عَدَا السَّرْجَ وَاللِّجَامَ وَالثَّغْرَ لِلدَّابَّةِ فَهُوَ حَرَامٌ، لأَِنَّهُ حِلْيَةٌ لِلدَّابَّةِ لاَ لِلرَّجُل. وَاسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الْجَوَازَ عَلَى حِلْيَةِ السَّيْفِ فَقَطْ (٢) .
حِلْيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلنِّسَاءِ:
٦ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْمَرْأَةِ أَنْوَاعَ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَمِيعًا كَالطَّوْقِ، وَالْعَقْدِ، وَالْخَاتَمِ، وَالسِّوَارِ، وَالْخَلْخَال، وَالتَّعَاوِيذِ، وَالدُّمْلُجِ، وَالْقَلاَئِدِ، وَالْمُخَانِقِ، وَكُل مَا يُتَّخَذُ فِي الْعُنُقِ، وَكُل مَا يَعْتَدْنَ لُبْسَهُ وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ стр. 10854
الإِْسْرَافِ أَوِ التَّشَبُّهَ بِالرِّجَال (١) . وَفِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ نِعَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ السَّرَفِ الظَّاهِرِ، وَأَصَحُّهُمَا الإِْبَاحَةُ كَسَائِرِ الْمَلْبُوسَاتِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَحْلِيَةِ الْمَرْأَةِ آلاَتِ الْحَرْبِ بِالذَّهَبِ أَوْ بِالْفِضَّةِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَال. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال (٣) .
وَخَالَفَ فِي هَذَا الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالاَ: بِجَوَازِ التَّحْلِيَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ لُبْسِ آلَةِ الْحَرْبِ وَاسْتِعْمَالِهَا لِلنِّسَاءِ غَيْرَ مُحَلاَّةٍ فَتَجُوزُ مَعَ التَّحْلِيَةِ، لأَِنَّ التَّحْلِيَةَ لِلنِّسَاءِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنَ الرِّجَال (٤) .
وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. стр. 10855
حُكْمُ الْمُمَوَّهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ:
٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال الرَّجُل مَا مُوِّهَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ مِنَ الْحُلِيِّ كَالْخَاتَمِ، إِذَا لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالإِْذَابَةِ وَالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، لأَِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مُسْتَهْلَكٌ فَصَارَ كَالْعَدَمِ وَهُوَ تَابِعٌ لِلْمُمَوَّهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِعْمَال الأَْوَانِي الْمُمَوَّهَةِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَإِلَى حُرْمَةِ التَّمْوِيهِ بِهِمَا. وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَمْوِيهُ غَيْرِ الأَْوَانِي بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ بِحَيْثُ يَتَغَيَّرُ اللَّوْنُ وَلاَ يَحْصُل مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ شَيْءٌ إِنْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ (١) .
الْحُلِيُّ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَحَلِّي الْمَرْأَةِ بِأَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ كَالْيَاقُوتِ وَالْعَقِيقِ وَاللُّؤْلُؤِ.
كَمَا ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى جَوَازِهِ لِلرِّجَال.
وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مِنْ جِهَة الأَْدَبِ، لأَِنَّهُ مِنْ زِيِّ النِّسَاءِ أَوْ مِنْ جِهَةِ السَّرَفِ.
وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حُكْمِ تَحَلِّي الرَّجُل بِالأَْحْجَارِ الْكَرِيمَةِ. стр. 10856
وَاخْتَارَ شَمْسُ الأَْئِمَّةِ وَقَاضِي خَانَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْحِل قِيَاسًا عَلَى الْعَقِيقِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ خَاتَمِ الْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ وَالشَّبَهِ (وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ النُّحَاسِ) وَالْقَصْدِيرِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ (١) . وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ قَال: إِنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ، فَقَال لَهُ: مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَْصْنَامِ؟ فَطَرَحَهُ ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَال: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْل النَّارِ. فَطَرَحَهُ، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَال: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالاً (٢) .
وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الرَّسُول ﷺ قَال لِلَّذِي خَطَبَ الْوَاهِبَةَ نَفْسَهَا اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ (٣) وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ. كَمَا стр. 10857
اسْتَدَل بِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ ﵁ وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيدٍ مَلْوِيٍّ عَلَيْهِ فِضَّةٌ (١) .
ثُمَّ قَال النَّوَوِيُّ: " وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ ". (٢)
زَكَاةُ الْحُلِيِّ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُسْتَعْمَل اسْتِعْمَالاً مُحَرَّمًا، كَأَنْ يَتَّخِذَ الرَّجُل حَلْيَ الذَّهَبِ لِلاِسْتِعْمَال، لأَِنَّهُ عَدَل بِهِ عَنْ أَصْلِهِ بِفِعْلٍ غَيْرِ مُبَاحٍ فَسَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ وَهُوَ صِيَاغَتُهُ صِيَاغَةً مُحَرَّمَةً، وَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ الأَْصْل مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْحَلْيِ الْمَكْنُوزِ الْمُقْتَنَى الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُقْتَنِيهِ اسْتِعْمَالاً مُحَرَّمًا وَلاَ مَكْرُوهًا وَلاَ مُبَاحًا، لأَِنَّهُ مَرْصَدٌ لِلنَّمَاءِ فَصَارَ كَغَيْرِ الْمَصُوغِ، وَلاَ يَخْرُجُ عَنِ التَّنْمِيَةِ إِلاَّ بِالصِّيَاغَةِ الْمُبَاحَةِ وَنِيَّةِ اللُّبْسِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَلْيِ الْمُسْتَعْمَل اسْتِعْمَالاً مُبَاحًا كَحَلْيِ الذَّهَبِ لِلْمَرْأَةِ وَخَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُل.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ стр. 10858
إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُبَاحِ الْمُسْتَعْمَل.
وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَسْمَاءَ ﵃ وَالْقَاسِمِ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَمْرَةَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ مِنْ آثَارٍ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَأَسْمَاءَ وَجَابِرٍ ﵃، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَلِي بَنَاتِ أَخِيهَا فِي حِجْرِهَا لَهُنَّ الْحُلِيَّ فَلاَ تُخْرِجُ مِنْهُ الزَّكَاةَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتِهِ وَجَوَارِيَهُ الذَّهَبَ ثُمَّ لاَ يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَلِّي ثِيَابَهَا الذَّهَبَ، وَلاَ تُزَكِّيهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَأَل جَابِرًا ﵁ عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيه زَكَاةٌ؟ فَقَال جَابِرٌ لاَ، فَقَال: وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَال جَابِرٌ كَثِيرٌ.
وَالْمَأْثُورُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ يُخَالِفُ стр. 10859
مَا رَوَتْهُ عَنِ الرَّسُول ﷺ فَيُحْمَل عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُخَالِفْهُ إِلاَّ فِيمَا عَلِمْتُهُ مَنْسُوخًا، فَإِنَّهَا زَوْجُهُ وَأَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّ أُخْتَهُ حَفْصَةَ كَانَتْ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ وَحُكْمُ حُلِيِّهَا لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ وَلاَ يَخْفَى عَنْهَا حُكْمُهُ فِيهِ. كَمَا اسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ عَلَى ثِيَابِ الْبَدَنِ وَالأَْثَاثِ وَعَوَامِل الْبَقَرِ فِي أَنَّهَا مُرْصَدَةٌ فِي اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ فَسَقَطَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَوْل الآْخَرِ فِي الْجَدِيدِ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ الْمُبَاحِ الْمُسْتَعْمَل، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ، وَطَاوُسٍ، وَابْنِ مِهْرَانَ وَمُجَاهِدٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَابْنِ حَبِيبٍ.
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَقَال لَهَا: أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ. قَال: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ قَال: فَخَلَعَتْهُمَا فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (١) . стр. 10860
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَأَى فِي يَدِيَّ فَتَخَاتٍ مِنْ وَرِقٍ، فَقَال: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: صَنَعْتُهُنَّ أَتَزَيَّنُ لَكَ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: أَتُؤْتِينَ زَكَاتَهُنَّ؟ قُلْتُ: لاَ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَال: هَذَا حَسْبُكِ مِنَ النَّارِ (١) .
وَالْحُلِيُّ مَالٌ نَامٍ وَدَلِيل النَّمَاءِ الإِْعْدَادُ لِلتِّجَارَةِ خِلْقَةً.
حُكْمُ انْكِسَارِ الْحَلْيِ:
١٠ - فَصَّل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَلْيِ مَا إِذَا انْكَسَرَ الْحَلْيُ، فَلَهُ حِينَئِذٍ أَحْوَالٌ:
الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَمْنَعَ الاِنْكِسَارُ اسْتِعْمَالَهُ وَلُبْسَهُ فَلاَ أَثَرَ لِلاِنْكِسَارِ وَلاَ زَكَاةَ فِيهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَيَّدَهُ الْحَنَابِلَةُ بِأَنْ لاَ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَمْنَعَ الاِنْكِسَارُ اسْتِعْمَالَهُ فَيَحْتَاجَ إِلَى سَبْكٍ وَصَوْغٍ.
فَتَجِبُ زَكَاتُهُ، وَأَوَّل الْحَوْل وَقْتُ الاِنْكِسَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَمْنَعَ الاِنْكِسَارُ الاِسْتِعْمَال وَلَكِنْ стр. 10861
لاَ يَحْتَاجُ إِلَى سَبْكٍ وَصَوْغٍ وَيَقْبَل الإِْصْلاَحَ بِالإِْلْحَامِ وَهَذَا عَلَى أَحْوَالٍ:
أ - إِنْ قَصَدَ جَعْلَهُ تِبْرًا أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ كَنَزَهُ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ وَانْعَقَدَ حَوْلُهُ مِنْ يَوْمِ الاِنْكِسَارِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
ب - أَنْ يَقْصِدَ إِصْلاَحَهُ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
ج - إِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا وَجَبَتْ زَكَاتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَلاَ تَجِبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الاِنْكِسَارَ إِذَا مَنَعَ الاِسْتِعْمَال مُطْلَقًا فَلاَ زَكَاةَ فِي الْحَلْيِ (١) .
إِجَارَةُ الْحَلْيِ:
١١ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ إِجَارَةِ الْحَلْيِ بِأُجْرَةٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. لأَِنَّهُ عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بِهَا مَنْفَعَةً مُبَاحَةً مَقْصُودَةً مَعَ بَقَائِهَا فَجَازَتْ إِجَارَتُهَا كَالأَْرَاضِيِ.
وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ إِجَارَةَ الْحَلْيِ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَالأَْوْلَى إِعَارَتُهُ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَعْرُوفِ (٢) .
وَلَمْ نَقِفْ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقْفُ الْحَلْيِ:
١٢ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى صِحَّةِ وَقْفِ الْحُلِيِّ стр. 10862
لِمَا رَوَى نَافِعٌ أَنَّ حَفْصَةَ ابْتَاعَتْ حُلِيًّا بِعَشْرَيْنِ أَلْفًا حَبَسَتْهُ عَلَى نِسَاءِ آل الْخَطَّابِ فَكَانَتْ لاَ تُخْرِجُ زَكَاتَهُ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ الْجَوَازُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ وَقْفِ الْمَمْلُوكِ مُطْلَقًا: الْعَقَارِ وَالْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ وَالْحَيَوَانِ.
وَلاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْحُلِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الأَْصْل عِنْدَهُمْ عَدَمُ جَوَازِ الْوَقْفِ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ لأَِنَّ حُكْمَ الْوَقْفِ الشَّرْعِيِّ التَّأْبِيدُ، وَلاَ يَتَأَبَّدُ غَيْرُ الْعَقَارِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ " وَقْفٌ " стр. 10863
حِمًى
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِمَى فِي اللُّغَةِ: الْمَوْضِعُ فِيهِ كَلأٌَ يُحْمَى مِنَ النَّاسِ أَنْ يَرْعَى، وَالشَّيْءُ الْمَحْمِيُّ، وَحِمَى اللَّهِ: مَحَارِمُهُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ يُرَادُ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُول، وَيُثَنَّى فَيُقَال حِمَيَانِ، وَسُمِعَ حِمَوَانِ.
يُقَال: حَمَيْتُ الْمَكَانَ مِنَ النَّاسِ حِمًى وَحَمْيًا مِثْل رَمْيًا، وَحِمْيَةً بِالْكَسْرِ وَحِمَايَةً، أَيْ جَعَلْتُهُ مَمْنُوعًا مِنَ النَّاسِ لاَ يَقْرَبُونَهُ، وَلاَ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ (١) .
وَاصْطِلاَحًا: مَوْضِعٌ مِنَ الْمَوَاتِ يَحْمِيهِ الإِْمَامُ لِمَوَاشِيَ مَخْصُوصَةٍ (٢) .
قَال الشَّافِعِيُّ: وَأَصْل الْحِمَى أَنَّهُ كَانَ الرَّجُل الْعَزِيزُ مِنَ الْعَرَبِ إِذَا اسْتَنْجَعَ بَلَدًا مُخَصَّبًا أَوْفَى بِكَلْبٍ عَلَى حَبْلٍ إِنْ كَانَ، أَوْ عَلَى نَشَزٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَبَلٌ ثُمَّ اسْتَعْوَاهُ، وَوَقَفَ لَهُ مَنْ يَسْمَعُ стр. 10864
مُنْتَهَى صَوْتِهِ، فَحَيْثُ بَلَغَ صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُل نَاحِيَةٍ، وَيَرْعَى مَعَ الْعَامَّةِ فِيمَا سِوَاهُ، وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي حِمَاهُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:
٢ - إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ هُوَ عِمَارَةُ أَرْضٍ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لأَِحَدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ (٢) . وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْحِمَى وَإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ كِلَيْهِمَا تَخْصِيصُ أَرْضٍ لِمَصْلَحَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَيَكُونُ الْحِمَى تَخْصِيصُ الأَْرْضِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، فِي حِينٍ يَحْصُل بِالإِْحْيَاءِ اخْتِصَاصُ إِنْسَانٍ مُعَيَّنٍ، هُوَ مُحْيِي الأَْرْضِ.
ب - الإِْقْطَاعُ:
٣ - الإِْقْطَاعُ لُغَةً التَّمْلِيكُ.
وَاصْطِلاَحًا: مَا يُعْطِيهِ الإِْمَامُ مِنَ الأَْرَاضِيِ رَقَبَةً أَوْ مَنْفَعَةً لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ فَهَذَا تَمْلِيكٌ، وَالْحِمَى لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكٌ، كَمَا أَنَّ الْحِمَى يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، بِخِلاَفِ الإِْقْطَاعِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ (٣) .
ج - الإِْرْفَاقُ:
٤ - الإِْرْفَاقُ: مَنْحُ الْمَنْفَعَةِ، وَجَعْل مَوْضِعٍ стр. 10865
مَا مَرْفَقًا (مَحَلًّا لِخِدْمَاتِ النَّاسِ) كَمَقَاعِدِ الأَْسْوَاقِ، وَأَفْنِيَةِ الشَّوَارِعِ، وَحَرِيمِ الأَْمْصَارِ، وَمَنَازِل الأَْسْفَارِ (الاِسْتِرَاحَاتِ) .
فَالإِْرْفَاقُ يَكُونُ فِي كُل مَا فِيهِ نَفْعٌ عَامٌ، أَمَّا الْحِمَى فَهُوَ فِي الْمُرَاعِي (١) .
د - الإِْرْصَادُ:
٥ - الإِْرْصَادُ لُغَةً: التَّخْصِيصُ وَالإِْعْدَادُ وَالتَّهْيِئَةُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَخْصِيصُ الإِْمَامِ غَلَّةَ بَعْضِ أَرَاضِيِ بَيْتِ الْمَال لِبَعْضِ مَصَارِفِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِمَى، أَنَّ الإِْرْصَادَ تَخْصِيصُ الْغَلَّةِ، أَمَّا الْحِمَى فَهُوَ تَخْصِيصُ الْعَيْنِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الأَْصْل فِي الْحِمَى الْمَنْعُ، لأَِنَّ فِيهِ تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ، وَمَنْعًا لَهُمْ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِشَيْءٍ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ مُشَاعٌ (٣) ، لِمَا رَوَاهُ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ (٤) . стр. 10866
وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلأَِ (١) .
وَلَكِنْ أَبَاحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِلإِْمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِخَيْل الْمُجَاهِدِينَ، وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَإِبِل الصَّدَقَةِ وَالْمَاشِيَةِ الضَّعِيفَةِ، وَذَلِكَ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ (٢) ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ (٣) لِخَيْل الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: حَمَى النَّبِيُّ ﷺ الرَّبَذَةَ (٤) لإِِبِل الصَّدَقَةِ. (٥)
وَحَمَى عُمَرُ ﵁ بَعْدَهُ ﷺ الشَّرَفَ (٦) ، قِيل: وَالرَّبَذَةُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ حِمَى стр. 10867
عُمَرَ ﵁ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اسْتَعْمَل مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هَنِيًّا عَلَى الْحِمَى، فَقَال: يَا هَنِيُّ اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ (وَفِي رِوَايَةٍ: الْمَظْلُومِ) ، فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ، وَأَدْخِل رَبَّ الصُّرَيْمَةِ (١) وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ (٢) ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ، وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ، فَيَقُول يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لاَ أَبَا لَكَ، فَالْمَاءُ وَالْكَلأَُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. وَايْمُ اللَّهِ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ، إِنَّهَا لَبِلاَدُهُمْ، فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإِْسْلاَمِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ الْمَال الَّذِي أَحْمِل عَلَيْهِ فِي سَبِيل اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْرًا (٣) . стр. 10868
وَكَذَلِكَ حَمَى عُثْمَانُ ﵁ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي قَوْلٍ - إِلَى أَنَّ الْحِمَى كَانَ خَاصًّا بِالرَّسُول ﷺ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَحْمِيَ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : لاَ حِمَى إِلاَّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
وَالأَْظْهَرُ عِنْدَهُمُ الْقَوْل الأَْوَّل الْمُوَافِقُ لِلْجُمْهُورِ (٢) .
شُرُوطُ الْحِمَى: (٣)
٧ - أ - أَنْ تَقَعَ الْحِمَايَةُ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَلِنَائِبِ الإِْمَامِ الْحِمَايَةُ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ الإِْمَامَ، لأَِنَّ الْحِمَايَةَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيل التَّمْلِيكِ أَوِ الإِْقْطَاعِ، فَلاَ تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُهُمَا، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ غَيْرِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ الْحَقُّ فِي الْحِمَايَةِ.
ب - أَنْ يَكُونَ الْحِمَى لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، بِأَنْ يَكُونَ لِخَيْل الْمُجَاهِدِينَ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ، وَالإِْبِل الَّتِي يُحْمَل عَلَيْهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، وَإِبِل الزَّكَاةِ، وَضَوَال النَّاسِ الَّتِي يَقُومُ الإِْمَامُ بِحِفْظِهَا، وَمَاشِيَةِ ضِعَافِ الْمُسْلِمِينَ. стр. 10869
وَخَصَّهُ الشَّافِعِيَّةُ لِلضُّعَفَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الأَْغْنِيَاءِ.
وَقَال الْحَطَّابُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا. وَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالْحِمَى، لأَِنَّ فِي تَخْصِيصِ نَفْسِهِ بِالْحِمَى تَضْيِيقًا عَلَى النَّاسِ وَإِضْرَارًا بِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ إِدْخَالُهُ مَوَاشِيهِ مَا حَمَاهُ لِلْمُسْلِمِينَ، إِنْ كَانَ غَنِيًّا وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ أَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ.
ج - أَنْ لاَ يَكُونَ الْحِمَى مِلْكًا لأَِحَدٍ، مِثْل بُطُونِ الأَْوْدِيَةِ وَالْجِبَال وَالْمَوَاتِ، وَإِنْ كَانَ يَنْتَفِعُ الْمُسْلِمُونَ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ، فَمَنْفَعَتُهُمْ فِي حِمَايَةِ الإِْمَامِ أَكْثَرُ.
قَال سَحْنُونُ: الأَْحْمِيَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي بِلاَدِ الأَْعْرَابِ الْعَفَاءِ، الَّتِي لاَ عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلاَ بِنَاءٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الأَْحْمِيَةُ فِيهَا فِي الأَْطْرَافِ، حَتَّى لاَ تَضِيقَ عَلَى سَاكِنٍ، وَكَذَلِكَ الأَْوْدِيَةُ الْعَفَاءُ، الَّتِي لاَ مَسَاكِنَ بِهَا، إِلاَّ مَا فَضَل عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِهَا مِنَ الْمَسَارِحِ وَالْمَرْعَى (١) .
وَلاَ يَجُوزُ حِمَايَةُ الْمَاءِ الْعِدِّ - وَهُوَ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لاَ تَنْقَطِعُ - كَمَاءِ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ.
د - أَنْ يَكُونَ الْحِمَى قَلِيلاً، لاَ يُضَيِّقُ عَلَى стр. 10870
النَّاسِ، بَل يَكُونُ فَاضِلاً عَنْ مَنَافِعِ أَهْل ذَلِكَ الْمَوْضِعِ.
أَخْذُ الْعِوَضِ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِالْحِمَى:
٨ - لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ مِنَ الْوُلاَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَوَاشِي عِوَضًا عَنْ مَرَاعٍ مَوَاتٍ أَوْ حِمًى (١) ، لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلأَِ. (٢)
نَصْبُ أَمِينٍ عَلَى الْحِمَى:
٩ - يُنْدَبُ لِلإِْمَامِ نَصْبُ أَمِينٍ يُدْخِل دَوَابَّ الضُّعَفَاءِ وَيَمْنَعُ دَوَابَّ الأَْقْوِيَاءِ (٣) .
عُقُوبَةُ التَّعَدِّي عَلَى حِمَى الإِْمَامِ:
١٠ - إِذَا خَصَّ الإِْمَامُ الْحِمَى بِالضُّعَفَاءِ، وَدَخَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْل الْقُوَّةِ مُنِعَ، وَلاَ غُرْمَ عَلَيْهِ وَلاَ تَعْزِيرَ إِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ نَهْيُ الإِْمَامِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَهُ النَّهْيُ، وَتَعَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ وَرَعَى فِي الْحِمَى، فَلِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُ بِالزَّجْرِ أَوِ التَّهْدِيدِ، فَإِنْ تَكَرَّرَتِ الْمُخَالَفَةُ فَيُعَزِّرُهُ بِالضَّرْبِ (٤) стр. 10871
نَقْضُ الْحِمَى:
١١ - حِمَى النَّبِيِّ ﷺ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ - لاَ يُنْقَضُ وَلاَ يُغَيَّرُ، وَلَوْ مَعَ عَدَمِ بَقَاءِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمَنْ أَحْيَاهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَقَال الْحَطَّابُ: الأَْظْهَرُ جَوَازُ نَقْضِهِ، إِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ اسْتِمْرَارِهِ.
أَمَّا إِذَا حَمَى إِمَامٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ نَقَضَهُ الإِْمَامُ نَفْسُهُ، أَوْ نَقَضَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، وَفْقًا لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ.
قَال الرَّمْلِيُّ: مَا حَمَاهُ ﵊ لاَ يُنْقَضُ بِحَالٍ وَلاَ يُغَيَّرُ بِحَالٍ، لأَِنَّهُ نَصٌّ، بِخِلاَفِ حِمَى غَيْرِهِ، وَلَوِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ ﵃.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ نَقْضِ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ، بَل عُمِل بِكُلٍّ مِنَ الاِجْتِهَادَيْنِ فِي مَحَلِّهِ، كَالْحَادِثَةِ إِذَا حَكَمَ فِيهَا قَاضٍ بِحُكْمٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ مَرَّةً أُخْرَى، وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، كَقَضَاءِ عُمَرَ فِي الْمُشَرَّكَةِ (١) .
إِحْيَاءُ الْحِمَى:
١٢ - إِذَا اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْحِمَى عَلَى أَرْضٍ فَأَقْدَمَ عَلَيْهَا مَنْ أَحْيَاهَا مُخِلًّا بِحَقِّ الْحِمَى، رُوعِيَ الْحِمَى. стр. 10872
فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا حَمَاهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ الْحِمَى ثَابِتًا، وَالإِْحْيَاءُ بَاطِلاً، وَالْمُتَعَرِّضُ لإِِحْيَائِهِ مَرْدُودٌ مَزْجُورٌ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ سَبَبُ الْحِمَى بَاقِيًا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا حَمَاهُ الأَْئِمَّةُ بَعْدَهُ، فَفِي إِقْرَارِ إِحْيَائِهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.
أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مِلْكِيَّتَهَا بِالإِْحْيَاءِ قَدْ وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ (١) وَالنَّصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ عِنْدَمَا حَمَاهَا.
وَالثَّانِي: لاَ يَمْلِكُهَا، وَلاَ يُقَرُّ عَلَيْهَا، وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْحِمَى، كَالَّذِي حَمَاهُ الرَّسُول ﷺ لأَِنَّهُ حُكْمٌ نَفَذَ بِحَقٍّ.
وَالأَْوَّل هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . стр. 10873
حَمَالَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَمَالَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ هِيَ الدِّيَةُ وَالْغَرَامَةُ الَّتِي يَتَحَمَّلُهَا الإِْنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ، وَيُقَال: حَمَالٌ أَيْضًا وَجَمْعُهَا حَمَالاَتٌ وَحَمَلٌ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مَا يَتَحَمَّلُهُ الإِْنْسَانُ، وَيَلْتَزِمُهُ فِي ذِمَّتِهِ بِالاِسْتِدَانَةِ لِيَدْفَعَهُ فِي إِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، مِثْل أَنْ تَقَعَ حَرْبٌ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ تُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ، وَيَتْلَفُ فِيهَا نَفْسٌ أَوْ مَالٌ، فَيَسْعَى إِنْسَانٌ فِي الإِْصْلاَحِ بَيْنَهُمْ، وَيَتَحَمَّل الدِّمَاءَ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَالأَْمْوَال (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْكَفَالَةُ:
٢ - الْكَفَالَةُ فِي اللُّغَةِ: بِمَعْنَى الضَّمِّ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى стр. 10874
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (١) أَيْ ضَمَّهَا إِلَيْهِ وَأَلْزَمَهُ كَفَالَتَهَا. وَقَوْلُهُ ﷺ : أَنَا وَكَافِل الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى (٢) أَيِ الَّذِي يَضُمُّهُ إِلَيْهِ فِي التَّرْبِيَةِ. وَيُسَمَّى النَّصِيبُ كِفْلاً، لأَِنَّ صَاحِبَهُ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَالْكَفَالَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: ضَمُّ ذِمَّةِ الْكَفِيل إِلَى ذِمَّةِ الأَْصِيل فِي الْمُطَالَبَةِ مُطْلَقًا أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ بِنَفْسٍ أَوْ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ كَالْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ. فَالْكَفِيل وَالضَّمِينُ، وَالْقَبِيل، وَالْحَمِيل، وَالْغَرِيمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْكَفَالَةَ هِيَ أَنْ يَلْتَزِمَ الرَّشِيدُ بِإِحْضَارِ بَدَنٍ مَنْ يَلْزَمُ حُضُورُهُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ. فَالْحَنَفِيَّةُ يُطْلِقُونَ الْكَفَالَةَ عَلَى كَفَالَةِ الْمَال وَالْوَجْهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقْسِمُونَ الضَّمَانَ إِلَى ضَمَانِ الْمَال وَضَمَانِ الْوَجْهِ. وَيُطْلِقُ الشَّافِعِيَّةُ الْكَفَالَةَ عَلَى ضَمَانِ الأَْعْيَانِ الْبَدَنِيَّةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَالضَّمَانُ يَكُونُ الْتِزَامُ حَقٍّ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ آخَرَ، وَالْكَفَالَةُ الْتِزَامٌ بِحُضُورِ بَدَنِهِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ (٣) . стр. 10875
الضَّمَانُ:
٣ - الضَّمَانُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ ضَمِنَ الْمَال وَبِهِ ضَمَانًا أَيِ الْتَزَمَهُ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ فِي الْتِزَامِ الْحَقِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الضَّمَانِ وَالْحَمَالَةِ، هُوَ أَنَّ الْحَمَالَةَ ضَمَانُ الدِّيَةِ وَغَيْرِهَا لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالضَّمَانُ يَكُونُ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ، فَالضَّمَانُ أَعَمُّ مِنَ الْحَمَالَةِ (١) .
مَشْرُوعِيَّةُ الْحَمَالَةِ:
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحَمَالَةَ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، وَهِيَ مِنْ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ.
وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْحَمَالَةَ، فَإِذَا وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ اقْتَضَتْ غَرَامَةً فِي دِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَامَ أَحَدُهُمْ فَتَبَرَّعَ بِالْتِزَامِ ذَلِكَ حَتَّى تَرْتَفِعَ تِلْكَ الْفِتْنَةُ الثَّائِرَةُ. وَكَانُوا إِذَا عَلِمُوا أَنَّ أَحَدَهُمْ تَحَمَّل حَمَالَةً بَادَرُوا إِلَى مَعُونَتِهِ، وَأَعْطَوْهُ مَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ. وَإِذَا سَأَل لِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ نَقْصًا فِي قَدْرِهِ، بَل فَخْرًا.
وَسُمِّيَ قَتَادَةُ بْنُ أَبِي أَوْفَى ﵁ صَاحِبَ الْحَمَالَةِ، لأَِنَّهُ تَحَمَّل بِحَمَالاَتٍ كَثِيرَةٍ، стр. 10876
فَسَأَل فِيهَا وَأَدَّاهَا (١) .
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٢) .
وَمَا رُوِيَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلاَلِيِّ. قَال: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً. فَأَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَسْأَلُهُ فِيهَا. فَقَال: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ. فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا. قَال: ثُمَّ قَال يَا قَبِيصَةُ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لأَِحَدِ ثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّل حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَال سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ. فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَال سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا، قَبِيصَةُ. سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا (٣) .
أَحْكَامُ الْحَمَالَةِ:
أ - دَفْعُ الزَّكَاةِ لِلْحَمِيل:
٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ دَفْعِ الزَّكَاةِ لِلْحَمِيل إِذَا اسْتَدَانَ لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِسَبَبِ إِتْلاَفِ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ نَهْبٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، قَال الْحَنَابِلَةُ: وَلَوْ كَانَ الإِْصْلاَحُ بَيْنَ أَهْل الذِّمَّةِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ غَنِيًّا:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ стр. 10877
يُعْطَى مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَبِهَذَا قَال إِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتَصَدَّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَاهَا الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ (١)
فَيَجُوزُ لِلْمُتَحَمِّل فِي صَلاَحٍ وَبِرٍّ إِذَا اسْتَدَانَ مَالاً لِتَسْكِينِ الثَّائِرَةِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَوْ قَبِيلَتَيْنِ أَنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْخُذُهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا إِذَا كَانَ يُجْحِفُ بِمَالِهِ كَالْغَرِيمِ.
وَلأَِنَّ الْحَمِيل قَدْ يَلْتَزِمُ بِمِثْل ذَلِكَ الْمَال الْكَثِيرِ، وَقَدْ أَتَى مَعْرُوفًا عَظِيمًا، وَابْتَغَى صَلاَحًا عَامًّا، فَكَانَ مِنَ الْمَعْرُوفِ حَمْلُهُ عَنْهُ مِنَ الزَّكَاةِ وَتَوْفِيرِ مَالِهِ عَلَيْهِ، لِئَلاَّ يُجْحِفَ بِمَال الْمُصْلِحِينَ، أَوْ يُوهِنَ عَزَائِمَهُمْ عَنْ تَسْكِينِ الْفِتَنِ، وَكَفِّ الْمَفَاسِدِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يُؤَدِّي حَمَالَتَهُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا.
وَأَمَّا إِنِ اسْتَدَانَ الْحَمَالَةَ وَأَدَّاهَا جَازَ لَهُ الأَْخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّ الْغُرْمَ بَاقٍ، وَالْمُطَالَبَةَ قَائِمَةٌ، فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَدِينًا بِسَبَبِ الْحَمَالَةِ. стр. 10878
وَإِنْ أَدَّى الْحَمَالَةَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ، لأَِنَّهُ قَدْ سَقَطَ الْغُرْمُ، فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَدِينًا.
وَلاَ تُعْتَبَرُ الْغَرَامَةُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ حَمَالَةً، وَلاَ تَأْخُذُ حُكْمَهَا، لأَِنَّ الْغَارِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ يَأْخُذُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، فَاعْتُبِرَتْ حَاجَتُهُ كَالْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ، وَأَمَّا الْغَارِمُ فِي الْحَمَالَةِ فَيَأْخُذُ لإِِخْمَادِ الْفِتْنَةِ فَجَازَ لَهُ الأَْخْذُ مَعَ الْغِنَى كَالْغَازِي وَالْعَامِل (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ تُدْفَعُ الزَّكَاةُ إِلاَّ لِحَمِيلٍ فَقِيرٍ، لأَِنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لاَ تَحِل لَهُ كَسَائِرِ أَصْنَافِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ.
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِمُعَاذٍ ﵁: وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ (٢) стр. 10879
ب - إبَاحَةُ السُّؤَال لأَِجْل الْحَمَالَةِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ تَحَمَّل بِسَبَبِ إِتْلاَفِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، دِيَةً أَوْ مَالاً لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْأَل حَتَّى يُؤَدِّيَ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ السَّابِقِ.
وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ (٢) ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ (٣) مُفْظِعٍ (٤) ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ (٥) . стр. 10880
حَمْدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَمْدُ لُغَةً: نَقِيضُ الذَّمِّ، وَمِنْهُ الْمَحْمَدَةُ خِلاَفُ الْمَذَمَّةِ (١) .
وَهُوَ الشُّكْرُ وَالرِّضَا وَالْجَزَاءُ وَقَضَاءُ الْحَقِّ، أَوِ: الثَّنَاءُ الْكَامِل، أَوِ: الثَّنَاءُ بِالْكَلاَمِ أَوْ بِاللِّسَانِ عَلَى جَمِيلٍ اخْتِيَارِيٍّ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ، كَانَ نِعْمَةً كَالْعَطَايَا أَوْ لاَ، كَالْعِبَادَاتِ، أَوْ هُوَ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بِجَمَال صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ (٢) .
قَال الْجُرْجَانِيُّ: الْحَمْدُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْجَمِيل مِنْ جِهَةِ التَّعْظِيمِ مِنْ نِعْمَةٍ وَغَيْرِهَا
وَقَسَّمَهُ - كَمَا فَعَل أَبُو الْبَقَاءِ وَغَيْرُهُ - خَمْسَةَ أَقْسَامٍ.
١ - الْحَمْدُ اللُّغَوِيُّ: وَهُوَ الْوَصْفُ بِالْجَمِيل عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيل بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ.
٢ - الْحَمْدُ الْعُرْفِيُّ: وَهُوَ فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ стр. 10881
بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِعْل اللِّسَانِ أَوِ الأَْرْكَانِ أَوِ الْجَنَانِ.
٣ - الْحَمْدُ الْقَوْلِيُّ: وَهُوَ حَمْدُ اللِّسَانِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى الْحَقِّ بِمَا أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ.
٤ - الْحَمْدُ الْفِعْلِيُّ: وَهُوَ الإِْتْيَانُ بِالأَْعْمَال الْبَدَنِيَّةِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
٥ - الْحَمْدُ الْحَالِيُّ: وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِحَسَبِ الرُّوحِ وَالْقَلْبِ، كَالاِتِّصَافِ بِالْكِمَالاَتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَالتَّخَلُّقِ بِالأَْخْلاَقِ الإِْلَهِيَّةِ (١) .
٢ - وَالْحَمْدُ عَلَى الإِْطْلاَقِ يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ بِأَجْمَعِهِ، إِذْ لَهُ الأَْسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلاَ، وَلاَ يَجُوزُ الْحَمْدُ عَلَى الإِْطْلاَقِ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ كُل إِحْسَانٍ هُوَ مِنْهُ فِي الْفِعْل أَوِ التَّسَبُّبِ (٢) .
وَحَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عِبَارَةٌ عَنْ تَعْرِيفِهِ وَتَوْصِيفِهِ بِنُعُوتِ جَلاَلِهِ وَصِفَاتِ جَمَالِهِ وَسِمَاتِ كَمَالِهِ الْجَامِعِ لَهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْحَال أَوْ بِالْمَقَال، وَهُوَ مَعْنًى يَعُمُّ الثَّنَاءَ بِأَسْمَائِهِ فَهِيَ جَلِيلَةٌ، وَالشُّكْرَ عَلَى نَعْمَائِهِ فَهِيَ جَزِيلَةٌ، وَالرِّضَا بِأَقْضِيَتِهِ فَهِيَ حَمِيدَةٌ، وَالْمَدْحَ بِأَفْعَالِهِ فَهِيَ جَمِيلَةٌ (٣) . وَالتَّحْمِيدُ: حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أَوْ كَمَا قَال الأَْزْهَرِيُّ: كَثْرَةُ حَمْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ стр. 10882
بِالْمَحَامِدِ الْحَسَنَةِ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ (١) .
٣ - وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيثِ: اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا (٢) " هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي يَحْمَدُهُ فِيهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ لِشَفَاعَتِهِ لِتَعْجِيل الْحِسَابِ وَالإِْرَاحَةِ مِنْ طُول الْوُقُوفِ.
وَلِوَاءُ الْحَمْدِ الَّذِي وَرَدَ فِي حَدِيثِ: إِنِّي لأََوَّل النَّاسِ تَنْشَقُّ الأَْرْضُ عَنْ جُمْجُمَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، وَأُعْطَى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ (٣) الْمُرَادُ بِهِ انْفِرَادُهُ ﷺ بِالْحَمْدِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشُهْرَتُهُ بِهِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ اللِّوَاءَ فِي مَوْضِعِ الشُّهْرَةِ، وَقَال الطِّيبِيُّ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَ لِحَمْدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِوَاءٌ حَقِيقَةً يُسَمَّى لِوَاءَ الْحَمْدِ (٤) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَوِ الْعُرْفِيِّ (٥) . стр. 10883
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الثَّنَاءُ:
٤ - هُوَ مَا يُوصَفُ بِهِ الإِْنْسَانُ مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْمَدْحَ، وَقَال الْفَيْرُوزَآبَادِي: هُوَ وَصْفٌ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ، أَوْ خَاصٌّ بِالْمَدْحِ، وَقَال أَبُو الْبَقَاءِ: هُوَ الْكَلاَمُ الْجَمِيل، وَقِيل: هُوَ الذِّكْرُ بِالْخَيْرِ، وَقِيل. يُسْتَعْمَل فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ عَلَى سَبِيل الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ فِي عُرْفِ الْجُمْهُورِ حَقِيقَةٌ فِي الْخَيْرِ وَمَجَازٌ فِي الشَّرِّ. وَقِيل: هُوَ الإِْتْيَانُ بِمَا يُشْعِرُ التَّعْظِيمَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْجَنَانِ أَوْ بِالأَْرْكَانِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ أَمْ لاَ فَيَشْمَل الْحَمْدَ وَ الشُّكْرَ وَالْمَدْحَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْجُمْهُورِ (١) .
الشُّكْرُ:
٥ - هُوَ فِي اللُّغَةِ: عِرْفَانُ الإِْحْسَانِ وَنَشْرُهُ، أَوْ هُوَ: الاِعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِلْمُنْعِمِ، أَوْ هُوَ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِمَا قَدَّمَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، أَوْ هُوَ: الاِعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ وَفِعْل مَا يَجِبُ لَهَا، يُقَال: شَكَرْتُ لِلَّهِ أَيِ اعْتَرَفْتُ بِنِعْمَتِهِ وَفَعَلْتُ مَا يَجِبُ مِنَ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، أَوْ هُوَ: مُقَابَلَةُ النِّعْمَةِ بِالْقَوْل وَالْفِعْل стр. 10884
وَالنِّيَّةِ، فَيُثْنِي عَلَى الْمُنْعِمِ بِلِسَانِهِ، وَيُنِيبُ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُوَلِّيهَا (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ ذَلِكَ (٢) .
وَاخْتُلِفَ فِي الصِّلَةِ بَيْنَ الشُّكْرِ وَالْحَمْدِ، فَقِيل: إِنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيل: إِنَّ الشُّكْرَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ، لأَِنَّهُ بِاللِّسَانِ وَبِالْجَوَارِحِ وَبِالْقَلْبِ، وَالْحَمْدُ إِنَّمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ خَاصَّةً، وَقِيل: الْحَمْدُ أَعَمُّ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْحَمْدَ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ بِصِفَاتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ إِحْسَانٍ، وَالشُّكْرُ ثَنَاءٌ عَلَى الْمَشْكُورِ بِمَا أَوْلَى مِنَ الإِْحْسَانِ، وَعَلَى هَذَا الْحَدِّ قَال عُلَمَاؤُنَا: الْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ (٣) .
الْمَدْحُ:
٦ - هُوَ فِي اللُّغَةِ: الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، أَوِ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَمْدُوحِ بِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ خِلْقِيَّةً كَانَتْ أَوِ اخْتِيَارِيَّةً (٤) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى стр. 10885
الْجَمِيل الاِخْتِيَارِيِّ قَصْدًا (١) .
قَال الرَّاغِبُ: " وَالْحَمْدُ أَخَصُّ مِنَ الْمَدْحِ وَأَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ، فَإِنَّ الْمَدْحَ يُقَال فِيمَا يَكُونُ مِنَ الإِْنْسَانِ بِاخْتِيَارِهِ، وَمِمَّا يُقَال مِنْهُ وَفِيهِ بِالتَّسْخِيرِ فَقَدْ يُمْدَحُ الإِْنْسَانُ بِطُول قَامَةٍ وَصَبَاحَةِ وَجْهِهِ كَمَا يُمْدَحُ بِبَذْل مَالِهِ وَسَخَائِهِ وَعِلْمِهِ. وَالْحَمْدُ يَكُونُ فِي الثَّانِي دُونَ الأَْوَّل، وَالشُّكْرُ لاَ يُقَال إِلاَّ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ. فَكُل شُكْرٍ حَمْدٌ، وَلَيْسَ كُل حَمْدٍ شُكْرًا، وَكُل حَمْدٍ مَدْحٌ وَلَيْسَ كُل مَدْحٍ حَمْدًا ". (٢)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٧ - الْحَمْدُ يَكُونُ لِلَّهِ ، وَهُوَ كُلُّهُ وَبِإِطْلاَقٍ لَهُ سُبْحَانَهُ، لأَِنَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ ذَاتًا وَصِفَاتٍ وَلاَ شَيْءَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَقَدْ يَ حْمَدُ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ فَيُثْنِي عَلَيْهَا وَيُزَكِّيهَا، وَقَدْ يَحْمَدُ غَيْرَهُ فَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَمْدَحُهُ.
حَمْدُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ:
٨ - نَهَى اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَحْمَدَ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٣) وَقَوْلِهِ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَل اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ стр. 10886
وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْل الْبِرِّ مِنْكُمْ (٢) . لَكِنْ إِنِ احْتَاجَ الإِْنْسَانُ إِلَى بَيَانِ فَضْلِهِ وَالتَّعْرِيفِ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْقُدُرَاتِ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ (٣) . كَمَا قَال يُوسُفُ ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَْرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (مَدْحٌ - تَزْكِيَةٌ) .
حَمْدُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ:
حَمْدُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَمَدْحُهُ إِيَّاهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلاً ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ خَيْرًا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - يَقُولُهُ مِرَارًا - إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لاَ مَحَالَةَ فَلْيَقُل: أَحْسَبُ فُلاَنًا كَذَا وَكَذَا إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلاَ أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا. (٥)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (مَدْحٌ) . стр. 10887
حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى:
٩ - حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى مَطْلُوبٌ شَرَعَا، وَرَدَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: لِلنَّبِيِّ ﷺ : ﴿قُل الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ : كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ فَهُوَ أَقْطَعُ. (٢)
وَقَدْ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى نَفْسَهُ وَافْتَتَحَ كِتَابَهُ بِحَمْدِهِ فَقَال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣) .
وَحُكْمُ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مَوَاطِنِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلاً: الاِبْتِدَاءُ بِالْحَمْدِ:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الاِبْتِدَاءَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الأُْمُورِ الْمُهِمَّةِ مَنْدُوبٌ (٤) اقْتِدَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَمَلاً بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: كُل أَمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَقْطَعُ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْحَمْدِ لِكُل стр. 10888
مُصَنِّفٍ، وَدَارِسٍ، وَمُدَرِّسٍ، وَخَطِيبٍ، وَخَاطِبٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الأُْمُورِ الْمُهِمَّةِ، قَال الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خُطْبَتِهِ وَكُل أَمْرٍ طَلَبَهُ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ وَالصَّلاَةَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْحَمْدَلَةُ تَجِبُ فِي الصَّلاَةِ، وَتُسَنُّ فِي الْخُطَبِ، وَقَبْل الدُّعَاءِ، وَبَعْدَ الأَْكْل، وَتُبَاحُ بِلاَ سَبَبٍ، وَتُكْرَهُ فِي الأَْمَاكِنِ الْمُسْتَقْذَرَةِ، وَتَحْرُمُ بَعْدَ أَكْل الْحَرَامِ.
وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لِلْكُتُبِ وَالْوَثَائِقِ وَالرَّسَائِل، كَمَا فِي كُتُبِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ وَمَا كَتَبَهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّ الْحَمْدَ لِلْخُطَبِ (١) .
ثَانِيًا: الْحَمْدُ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ:
١١ - وَرَدَ الْحَمْدُ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ - كَمَا قَال النَّوَوِيُّ - أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَقْتَضِي مَجْمُوعُهَا أَنْ يَقُول الْمُصَلِّي فِي اسْتِفْتَاحِ الصَّلاَةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً. إِلَخْ " (٢) стр. 10889
وَكُل هَذَا ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ .
وَقَال الْبَيْهَقِيُّ: أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ كَبَّرَ ثُمَّ قَال: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا بِأَسَانِيدَ ضَعِيفَةٍ (١) .
وَتَفْصِيل الْمَأْثُورِ فِي دُعَاءِ الاِسْتِفْتَاحِ، وَحُكْمُهُ، وَمَوْضِعِهِ مِنَ الصَّلَوَاتِ يُنْظَرُ فِي " اسْتِفْتَاحٌ " (٢) " وَتَحْمِيدٌ " (٣)
ثَالِثًا: قِرَاءَةُ سُورَةِ الْحَمْدُ فِي الصَّلاَةِ:
١٢ - سُورَةُ الْحَمْدُ - كَمَا تَقَدَّمَ - هِيَ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ قِرَاءَتَهَا فِي الصَّلاَةِ فَرْضٌ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ تَتَعَيَّنُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَل تُسْتَحَبُّ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَجِبُ وَلَوْ قَرَأَ غَيْرَهَا مِنَ الْقُرْآنِ أَجْزَأَهُ (٤) . стр. 10890
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي " صَلاَةٌ " " وَفَاتِحَةٌ ".
رَابِعًا: الْحَمْدُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ:
١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْوْلَى أَنْ يَقُول الْمُصَلِّي فِي التَّسْبِيحِ الْمَنْدُوبِ فِي الرُّكُوعِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَفِي السُّجُودِ، سُبْحَانَ رَبِّي الأَْعْلَى وَبِحَمْدِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُول فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. (١)
وَالأَْفْضَل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ الاِقْتِصَارُ عَلَى " سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ " فِي الرُّكُوعِ وَعَلَى " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى " فِي السُّجُودِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ وَبِحَمْدِهِ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَنَفِيَّةُ لِزِيَادَةِ لَفْظِ (وَبِحَمْدِهِ) فِي أَيٍّ مِنَ الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ. (٢)
وَفِي تَفْصِيل مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ следующие страницы →