Полный текст (31 949 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
آجُرّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْجُرُّ لُغَةً: الطِّينُ الْمَطْبُوخُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ ذَلِكَ؛ إِذْ قَالُوا: هُوَ اللَّبِنُ الْمُحَرَّقُ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - الآْجُرُّ يُخَالِفُ الْحَجَرَ وَالرَّمْل فِي أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَصْلِهِ بِالطَّبْخِ وَالصَّنْعَةِ، بِخِلاَفِهِمَا. وَيُخَالِفُ الْجِصَّ وَالْجِبْسَ أَيْضًا إِذْ هُمَا حَجَرٌ مُحَرَّقٌ. (٣)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - لاَ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِالآْجُرِّ إِلاَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَصِحُّ الاِسْتِنْجَاءُ بِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ. غَيْرَ أَنَّهُ مَعَ الصِّحَّةِ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا إِنْ كَانَ ذَا قِيمَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ. (٤)
وَلَوْ عُجِنَ بِنَجِسٍ فَفِي طَهَارَتِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ خِلاَفٌ стр. 107
بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَشْقِيقَاتٌ وَتَفْرِيعَاتٌ فِي مَبْحَثِ النَّجَاسَاتِ. (١)
وَعَلَى الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ يَتَرَتَّبُ صِحَّةُ بَيْعِهِ وَفَسَادُهُ. وَمَحَل ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ " شَرَائِطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ " (٢)
وَبِالإِْضَافَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ يَتَنَاوَل الْفُقَهَاءُ (الآْجُرَّ) فِي الدَّفْنِ وَحَثْوِ الْقَبْرِ بِهِ. (٣)
وَفِي السَّلَمِ عَنْ حُكْمِ السَّلَمِ فِيهِ. (٤)
وَفِي الْغَصْبِ إِنْ جُعِل التُّرَابُ آجُرًّا.
آجِن
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْجِنُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَجَنَ الْمَاءُ، مِنْ بَابَيْ ضَرَبَ وَقَعَدَ: إِذَا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ بِسَبَبِ طُول مُكْثِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْرَبُ، وَقِيل: هُوَ مَا غَشِيَهُ الطُّحْلُبُ وَالْوَرَقُ.
وَيَقْرَبُ مِنَ الآْجِنِ " الآْسِنُ " إِلاَّ أَنَّ الآْسِنَ стр. 108
أَشَدُّ تَغَيُّرًا بِحَيْثُ لاَ يُقْدَرُ عَلَى شُرْبِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا. (١)
وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْفِقْهِ مَا تَغَيَّرَ بَعْضُ أَوْصَافِهِ أَوْ كُلُّهَا بِسَبَبِ طُول الْمُكْثِ. سَوَاءٌ أَكَانَ يُشْرَبُ عَادَةً أَمْ لاَ يُشْرَبُ، كَمَا يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ إِطْلاَقِ عِبَارَاتِهِمْ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - الْمَاءُ الآْجِنُ مَاءٌ مُطْلَقٌ، وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يُذْكَرُ الْمَاءُ الآْجِنُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ - بَابِ الْمِيَاهِ. وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لَمْ يَذْكُرُوهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، بَل ذَكَرُوهُ بِالْمَعْنَى فَوَصَفُوهُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالْمُكْثِ أَوِ الْمُنْتِنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. стр. 109
آدَابُ الْخَلاَءِ
انْظُرْ: قَضَاءَ الْحَاجَةِ.
آدَرُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْدَرُ: مَنْ بِهِ أُدْرَةٌ. وَالأُْدْرَةُ بِوَزْنِ غُرْفَةٍ: انْتِفَاخُ الْخُصْيَةِ، يُقَال: أَدِرَ يَأْدَرُ، مِنْ بَابِ تَعِبَ، فَهُوَ آدَرُ، وَالْجَمْعُ: أُدْرٌ، مِثْل أَحْمَرَ وَحُمْرٌ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ وَصْفٌ لِلرَّجُل عِنْدَ انْتِفَاخِ الْخُصْيَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا.
وَيُقَابِلُهُ فِي الْمَرْأَةِ الْعَفَلَةُ، وَهِيَ وَرَمٌ يَنْبُتُ فِي قُبُل الْمَرْأَةِ. وَقِيل: هِيَ لَحْمٌ فِيهِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - لَمَّا كَانَتِ الأُْدْرَةُ نَوْعًا مِنَ الْخَلَل فِي بِنْيَةِ الإِْنْسَانِ تُوجِبُ شَيْئًا مِنَ النُّفْرَةِ مِنْهُ، وَتَعُوقُهُ عَنْ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ فِي شُئُونِهِ وَأَعْمَالِهِ، اعْتَبَرَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَيْبًا. وَاخْتَلَفُوا أَهِيَ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ وَفِي النِّكَاحِ أَمْ لاَ.
هَذَا وَتَفْصِيل أَحْكَامِ الأُْدْرَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي فَسْخِ
стр. 110
النِّكَاحِ، وَالْخِيَارِ فِيهِ، وَفِي خِيَارِ الْعَيْبِ فِي الْبُيُوعِ. (١)
آدَمِيّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْدَمِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ ﵇، بِأَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلاَدِهِ. (٢)
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِنَفْسِ الْمَعْنَى. وَيُرَادِفُهُ عِنْدَهُمْ: إِنْسَانٌ وَشَخْصٌ وَبَشَرٌ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ تَكْرِيمِ الآْدَمِيِّ بِاعْتِبَارِهِ إِنْسَانًا، بِصَرْفِ النَّظَرِ عَمَّا يَتَّصِفُ بِهِ مِنْ ذُكُورَةٍ وَأُنُوثَةٍ، وَمِنْ إِسْلاَمٍ وَكُفْرٍ، وَمِنْ صِغَرٍ وَكِبَرٍ، وَذَلِكَ عَمَلاً بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ . (٣)
أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ مَا فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعَ الْحُكْمِ الْعَامِّ أَحْكَامٌ أُخْرَى تَتَّصِل بِهَذِهِ الصِّفَةِ. стр. 111
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - لِتَكْرِيمِ الآْدَمِيِّ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ مَظَاهِرُ كَثِيرَةٌ، فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ، تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ فِقْهِيَّةٌ تَدُورُ حَوْل تَسْمِيَتِهِ وَأَهْلِيَّتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَعِصْمَةِ دَمِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ وَدَفْنِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ ذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ الأَْنْجَاسِ، وَالطَّهَارَةِ، وَالْجِنَايَاتِ، وَالْحُدُودِ، وَالْجَنَائِزِ، وَفِي الأَْهْلِيَّةِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ.
آسِن
انْظُرْ: آجِن.
آفَاقِيّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْفَاقِيُّ لُغَةً نِسْبَةٌ إِلَى الآْفَاقِ، وَهِيَ جَمْعُ أُفُقٍ، وَهُوَ مَا يَظْهَرُ مِنْ نَوَاحِي الْفَلَكِ وَأَطْرَافِ الأَْرْضِ. وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ أُفُقِيٌّ. (١) وَإِنَّمَا نَسَبَهُ الْفُقَهَاءُ إِلَى الْجَمْعِ لأَِنَّ الآْفَاقَ صَارَ كَالْعَلَمِ عَلَى مَا كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ مِنَ الْبِلاَدِ. стр. 112
وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ لِلإِْحْرَامِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَكِّيًّا.
وَيُقَابِل الآْفَاقِيَّ الْحِلِّيُّ، وَقَدْ يُسَمَّى " الْبُسْتَانِيَّ " وَهُوَ مَنْ كَانَ دَاخِل الْمَوَاقِيتِ، وَخَارِجَ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمِيَّ، وَهُوَ مَنْ كَانَ دَاخِل حُدُودِ حَرَمِ مَكَّةَ (١) .
وَقَدْ يُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ " آفَاقِيٍّ " عَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ حُدُودِ حَرَمِ مَكَّةَ. (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَشْتَرِكُ الآْفَاقِيُّ مَعَ غَيْرِهِ فِي كُل مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ، مَا عَدَا ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا:
الأَْوَّل: الإِْحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ:
حَدَّدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلآْفَاقِيِّ مَوَاقِيتَ وَضَّحَهَا الْفُقَهَاءُ لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَهَا إِذَا قَصَدَ النُّسُكَ بِدُونِ إِحْرَامٍ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَبَاحِثِ الإِْحْرَامِ وَالْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ. (٣)
الثَّانِي: طَوَافُ الْوَدَاعِ وَطَوَافُ الْقُدُومِ:
خُصَّ الآْفَاقِيُّ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَطَوَافِ الْقُدُومِ؛ لأَِنَّهُ الْقَادِمُ إِلَى الْبَيْتِ وَالْمُوَدِّعُ لَهُ (٤) . стр. 113
الثَّالِثُ: الْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ:
خُصَّ الآْفَاقِيُّ بِالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ مِنْ أَحْكَامِ الْحَجِّ.
آفَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْفَةُ لُغَةً: الْعَاهَةُ، وَهِيَ الْعَرَضُ الْمُفْسِدُ لِمَا أَصَابَهُ. (١) وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الآْفَةَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى، إِلاَّ أَنَّهُمْ غَالِبًا مَا يُقَيِّدُونَهَا بِكَوْنِهَا سَمَاوِيَّةً، وَهِيَ مَا لاَ صُنْعَ لآِدَمِيٍّ فِيهَا. (٢)
وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا أَنَّ الْجَائِحَةَ هِيَ الآْفَةُ الَّتِي تُصِيبُ الثَّمَرَ أَوِ النَّبَاتَ، وَلاَ دَخْل لآِدَمِيٍّ فِيهَا (٣) .
وَكَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَ الأَْلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَى أَثَرِ الآْفَةِ مِنْ تَلَفٍ وَهَلاَكٍ، وَيُفَرِّقُونَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ مَا هُوَ سَمَاوِيٌّ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
وَالأُْصُولِيُّونَ يَذْكُرُونَ الآْفَةَ أَثْنَاءَ الْكَلاَمِ عَلَى عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ. стр. 114
وَيُقَسِّمُونَ الْعَوَارِضَ إِلَى سَمَاوِيَّةٍ، وَهِيَ مَا كَانَتْ مِنْ قِبَل اللَّهِ تَعَالَى بِلاَ اخْتِيَارٍ لِلْعَبْدِ فِيهَا، كَالْجُنُونِ وَالْعَتَهِ، وَإِلَى مُكْتَسَبَةٍ، وَهِيَ مَا يَكُونُ لاِخْتِيَارِ الْعَبْدِ فِي حُصُولِهَا مَدْخَلٌ، كَالْجَهْل وَالسَّفَهِ. (١)
وَالآْفَةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً، كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدَيْنِ، وَقَدْ تَكُونُ خَاصَّةً، كَالْجُنُونِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الْوَضْعِيُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مَا تُحْدِثُهُ الآْفَةُ بِاخْتِلاَفِ الْمَقْصُودِ مِمَّا أَصَابَتْهُ، وَبِاخْتِلاَفِ مَا تُحْدِثُهُ مِنْ ضَرَرٍ.
فَلِلآْفَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَثَرٌ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَفِي الأَْرْشِ وَالْفَسْخِ وَالرَّدِّ وَالْبُطْلاَنِ، وَفِي تَأْخِيرِ الْقِصَاصِ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ ضَرَرِ الآْفَةِ، وَفِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ وَأَجْرِ الأَْجِيرِ. فَمِنْ إِسْقَاطِهَا الزَّكَاةَ مَثَلاً تَلَفُ الثِّمَارِ بِآفَةٍ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَمِنْ إِسْقَاطِهَا الْحَدَّ أَنْ يُجَنَّ الْجَانِي قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَهِيَ قَدْ تُسْقِطُ الضَّمَانَ، وَتُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَاتِ إِسْقَاطًا أَوْ تَخْفِيفًا. (٢)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - يَأْتِي فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ ذِكْرُ الآْفَةِ وَمَا يُرَادِفُهَا لِبَيَانِ الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى أَثَرِ مَا تُحْدِثُهُ، فِي مَسَائِل стр. 115
مُتَعَدِّدَةِ الْ مَوَاطِنِ مُفَصَّلَةٍ فِيهَا الأَْحْكَامُ بِالنِّسْبَةِ لِكُل مَسْأَلَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ: الْبَيْعُ وَالإِْجَارَةُ وَالرَّهْنُ وَالْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْغَصْبُ وَالنِّكَاحُ وَالزَّكَاةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَيَأْتِي ذِكْرُهَا عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ فِي مَبْحَثِ الأَْهْلِيَّةِ. وَيُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
آكِلَة
انْظُرْ: أَكِلَة.
آل
الْمَبْحَثُ الأَْوَّل
مَعْنَى الآْل لُغَةً وَاصْطِلاَحًا
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي الآْل فِي اللُّغَةِ الأَْتْبَاعُ، يُقَال: آل الرَّجُل؛ أَيْ أَتْبَاعُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ. وَيُسْتَعْمَل فِيمَا فِيهِ شَرَفٌ غَالِبًا، فَلاَ يُقَال: آل الإِْسْكَافِ، كَمَا يُقَال أَهْلُهُ. (١)
وَقَدِ اسْتُعْمِل لَفْظُ أَهْلٍ مُرَادِفًا لِلَفْظِ آلٍ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ لَفْظُ أَهْلٍ أَخَصَّ إِذَا اسْتُعْمِل بِمَعْنَى زَوْجَةٍ، стр. 116
كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى خِطَابًا لِزَوْجَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ عِنْدَمَا قَالَتْ: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ (١) : ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْتِ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَِهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَِهْلِي (٣) وَالْمُرَادُ زَوْجَاتُهُ.
مَعْنَى الآْل فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ:
٢ - لَمْ يَتَّفِقْ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَعْنَى الآْل، وَاخْتَلَفَتْ لِذَلِكَ الأَْحْكَامُ عِنْدَهُمْ.
فَقَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الآْل وَالأَْهْل بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ مَدْلُولَهُ عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ أَهْل بَيْتِ الرَّجُل وَآلَهُ وَجِنْسَهُ وَاحِدٌ. وَهُوَ كُل مَنْ يُشَارِكُهُ فِي النَّسَبِ إِلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ، وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكَ الإِْسْلاَمَ، أَسْلَمَ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ. (٤) وَقِيل: يُشْتَرَطُ إِسْلاَمُ الأَْبِ الأَْعْلَى. (٥) فَكُل مَنْ يُنَاسِبُهُ إِلَى هَذَا الأَْبِ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْل بَيْتِهِ. (٦) стр. 117
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ لَفْظَ الآْل يَتَنَاوَل الْعَصَبَةَ، وَيَتَنَاوَل كُل امْرَأَةٍ لَوْ فُرِضَ أَنَّهَا رَجُلٌ كَانَ عَاصِبًا. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ آل الشَّخْصِ وَأَهْل بَيْتِهِ وَقَوْمَهُ وَنُسَبَاءَهُ وَقَرَابَتَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ آل الرَّجُل أَقَارِبُهُ، وَأَهْلُهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، وَأَهْل بَيْتِهِ أَقَارِبُهُ وَزَوْجَتُهُ. (٣)
وَلِلآْل إِطْلاَقٌ خَاصٌّ فِي عِبَارَاتِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ ﷺ . فَالأَْكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ قَرَابَتُهُ ﵊ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ. وَقِيل: هُمْ جَمِيعُ أُمَّةِ الإِْجَابَةِ، وَإِلَيْهِ مَال مَالِكٌ، وَاخْتَارَهُ الأَْزْهَرِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، (٤) وَهُوَ الْقَوْل الْمُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعِبَارَةُ صَاحِبِ الْمُغْنِي: آل مُحَمَّدٍ ﷺ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ. (٥) .
الْمَبْحَثُ الثَّانِي
أَحْكَامُ الآْل فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ
٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال الْوَاقِفُ: أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ لِلَّهِ أَبَدًا عَلَى أَهْل بَيْتِي، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَهِيَ وَقْفٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ - تَكُونُ الْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ وَالأَْغْنِيَاءِ مِنْ أَهْل بَيْتِهِ، وَيَدْخُل فِيهِ أَبُوهُ وَأَبُو أَبِيهِ وَإِنْ عَلاَ، وَوَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَل، стр. 118
الذُّكُورُ وَالإِْنَاثُ، وَالصِّغَارُ وَالْكِبَارُ، وَالأَْحْرَارُ وَالْعَبِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَالذِّمِّيُّ فِيهِ كَالْمُسْلِمِ. وَلاَ يَدْخُل فِيهِ الْوَاقِفُ، وَلاَ الأَْبُ الَّذِي أَدْرَكَ الإِْسْلاَمَ، وَلاَ الإِْنَاثُ مِنْ نَسْلِهِ إِنْ كَانَ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ. وَإِنْ كَانَ آبَاؤُهُمْ مِمَّنْ يُنَاسِبُهُ إِلَى جَدِّهِ الَّذِي أَدْرَكَ الإِْسْلاَمَ فَهُمْ مِنْ أَهْل بَيْتِهِ.
وَالآْل وَالأَْهْل بِمَعْنًى وَاحِدٍ عِنْدَهُمْ فِي الْوَصِيَّةِ أَيْضًا، فَلَوْ أَوْصَى لآِلِهِ أَوْ أَهْلِهِ، يَدْخُل فِيهِمْ مَنْ جَمَعَهُمْ أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ. وَيَدْخُل فِي الْوَصِيَّةِ لأَِهْل بَيْتِهِ أَبُوهُ وَجَدُّهُ مِمَّنْ لاَ يَرِثُ.
وَلَوْ أَوْصَى لأَِهْل فُلاَنٍ فَالْوَصِيَّةُ لِزَوْجَةِ فُلاَنٍ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ يَدْخُل فِيهِ جَمِيعُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ مِنَ الأَْحْرَارِ، فَيَدْخُل فِيهِ زَوْجَتُهُ وَالْيَتِيمُ فِي حِجْرِهِ، وَالْوَلَدُ إِذَا كَانَ يَعُولُهُ. فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا قَدِ اعْتَزَل، أَوْ بِنْتًا قَدْ تَزَوَّجَتْ، فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ. وَلاَ يَدْخُل فِيهِ وَارِثُ الْمُوصِي وَلاَ الْمُوصَى لأَِهْلِهِ.
وَجْهُ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ أَنَّ الأَْهْل عِبَارَةٌ عَمَّنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى خَبَرًا عَنْ سَيِّدِنَا نُوحٍ ﵇: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (١) وَقَال تَعَالَى فِي قِصَّةِ لُوطٍ ﵇: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ (٢)
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الأَْهْل عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يُرَادُ بِهِ الزَّوْجَةُ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ، يُقَال: فُلاَنٌ مُتَأَهِّلٌ، وَفُلاَنٌ لَمْ يَتَأَهَّل، وَفُلاَنٌ لَيْسَ لَهُ أَهْلٌ، وَيُرَادُ بِهِ الزَّوْجَةُ، فَتُحْمَل الْوَصِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ. (٣) стр. 119
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الْوَاقِفَ لَوْ وَقَفَ عَلَى آلِهِ أَوْ أَهْلِهِ شَمَل عَصَبَتَهُ مِنْ أَبٍ وَابْنٍ وَجَدٍّ وَإِخْوَةٍ وَأَعْمَامٍ وَبَنِيهِمُ الذُّكُورِ، وَشَمَل كُل امْرَأَةٍ لَوْ فُرِضَ أَنَّهَا رَجُلٌ كَانَ عَاصِبًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قَبْل التَّقْدِيرِ عَصَبَةً بِغَيْرِهَا أَمْ مَعَ غَيْرِهَا، كَأُخْتٍ مَعَ أَخٍ أَوْ مَعَ بِنْتٍ، أَمْ كَانَتْ غَيْرَ عَاصِبَةٍ أَصْلاً، كَأُمٍّ وَجَدَّةٍ.
وَإِذَا قَال: أَوْصَيْتُ لأَِهْلِي بِكَذَا، اخْتَصَّ بِالْوَصِيَّةِ أَقَارِبَهُ لأُِمِّهِ؛ لأَِنَّهُمْ غَيْرُ وَرَثَةٍ لِلْمُوصِي، وَلاَ يَدْخُل أَقَارِبُهُ لأَِبِيهِ حَيْثُ كَانُوا يَرِثُونَهُ. وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَقَارِبُ لأَِبِيهِ لاَ يَرِثُونَهُ. فَإِنْ وُجِدُوا اخْتُصُّوا بِالْوَصِيَّةِ، وَلاَ يَدْخُل مَعَهُمْ أَقَارِبُهُ لأُِمِّهِ. وَهَذَا قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ. وَقَال غَيْرُهُ بِدُخُول أَقَارِبِ الأُْمِّ مَعَ أَقَارِبِ الأَْبِ فِيهِمَا. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَوْصَى الْمُوصِي لآِل غَيْرِهِ ﷺ صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، وَحُمِل عَلَى الْقَرَابَةِ لاَ عَلَى أَهْل الدِّينِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَلاَ يُفَوَّضُ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وَأَهْل الْبَيْتِ كَالآْل. وَتَدْخُل الزَّوْجَةُ فِي أَهْل الْبَيْتِ أَيْضًا. وَإِنْ أَوْصَى لأَِهْلِهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْبَيْتِ دَخَل كُل مَنْ تَلْزَمُهُ مَئُونَتُهُ. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ أَوْصَى لآِلِهِ أَوْ أَهْلِهِ خَرَجَ стр. 120
الْوَارِثُونَ مِنْهُمْ، إِذْ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَدَخَل مِنْ آلِهِ مَنْ لاَ يَرِثُ. (١)
الْمُرَادُ بِآل مُحَمَّدٍ ﷺ عَامَّةً:
٤ - آل النَّبِيِّ ﷺ هُمْ آل عَلِيٍّ، وَآل عَبَّاسٍ، وَآل جَعْفَرٍ، وَآل عَقِيلٍ، وَآل الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَآل أَبِي لَهَبٍ.
فَإِنَّ عَبْدَ مَنَافٍ وَهُوَ الأَْبُ الرَّابِعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَعْقَبَ أَرْبَعَةً، وَهُمْ هَاشِمٌ وَالْمُطَّلِبُ وَنَوْفَلٌ وَعَبْدُ شَمْسٍ. ثُمَّ إِنَّ هَاشِمًا أَعْقَبَ أَرْبَعَةً، انْقَطَعَ نَسَبُهُمْ إِلاَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ أَعْقَبَ اثْنَيْ عَشَرَ. (٢)
آل مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ لَهُمْ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ:
٥ - هُمْ آل عَلِيٍّ، وَآل عَبَّاسٍ، وَآل جَعْفَرٍ، وَآل عَقِيلٍ، وَآل الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمَوَالِيهِمْ، خِلاَفًا لاِبْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَمَعَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ (٣) حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا الْمَوَالِيَ مِنَ الآْل. أَمَّا أَزْوَاجُهُ ﷺ فَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ كَافَّةً اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ ﵊ لاَ يَدْخُلْنَ فِي آلِهِ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، (٤) لَكِنْ فِي الْمُغْنِي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. قَال: رَوَى الْخَلاَّل بِإِسْنَادِهِ стр. 121
عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂ سُفْرَةً مِنَ الصَّدَقَةِ، فَرَدَّتْهَا، وَقَالَتْ: إِنَّا آل مُحَمَّدٍ لاَ تَحِل لَنَا الصَّدَقَةُ. قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْل بَيْتِهِ فِي تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ وَأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْل بَيْتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. (١)
حُكْمُ أَخْذِ آل الْبَيْتِ مِنْ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ:
٦ - إِنَّ آل مُحَمَّدٍ ﷺ الْمَذْكُورِينَ لاَ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ إِلَيْهِمْ بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، لِقَوْلِهِ ﵊: يَا بَنِي هَاشِمٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ وَأَوْسَاخَهُمْ، وَعَوَّضَكُمْ عَنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ (٢)
وَالَّذِينَ ذُكِرُوا يُنْسَبُونَ إِلَى هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَنِسْبَةُ الْقَبِيلَةِ إِلَيْهِ. стр. 122
وَخَرَجَ أَبُو لَهَبٍ - وَإِنْ كَانَ مِنَ الآْل - فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَى بَنِيهِ؛ لأَِنَّ النَّصَّ أَبْطَل قَرَابَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ لاَ قَرَابَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي لَهَبٍ، فَإِنَّهُ آثَرَ عَلَيْنَا الأَْفْجَرِينَ (١) وَلأَِنَّ حُرْمَةَ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ وَلِذُرِّيَّتِهِمْ، حَيْثُ نَصَرُوهُ ﷺ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ وَفِي إِسْلاَمِهِمْ. وَأَبُو لَهَبٍ كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَذَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّهَا بَنُوهُ. وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ فِي كِلاَ الْمَذْهَبَيْنِ: يَحْرُمُ إِعْطَاءُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ آل أَبِي لَهَبٍ؛ لأَِنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ كَوْنُهُمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ (٢) .
٧ - وَاخْتُلِفَ فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ أَخِي هَاشِمٍ هَل تُدْفَعُ الزَّكَاةُ إِلَيْهِمْ؟
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّهُمْ دَخَلُوا فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٣) لَكِنْ خَرَجَ بَنُو هَاشِمٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآِل مُحَمَّدٍ (٤) فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ الْمَنْعُ بِهِمْ. стр. 123
وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُ بَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ؛ لأَِنَّ بَنِي هَاشِمٍ أَقْرَبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَشْرَفُ، وَهُمْ آل النَّبِيِّ ﷺ وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ، بِدَلِيل أَنَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ يُسَاوُونَهُمْ فِي الْقَرَابَةِ وَلَمْ يُعْطَوْا شَيْئًا، وَإِنَّمَا شَارَكُوهُمْ بِالنُّصْرَةِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا، وَالنُّصْرَةُ لاَ تَقْتَضِي مَنْعَ الزَّكَاةِ. (١)
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَوْل غَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لَيْسَ لِبَنِي الْمُطَّلِبِ الأَْخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ. إِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (٢) وَلأَِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ الأَْخْذُ، كَبَنِي هَاشِمٍ. وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّل مَنْعَهُمُ الصَّدَقَةَ بِاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ، فَقَال ﷺ : أَلَيْسَ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا стр. 124
يُغْنِيكُمْ؟ (١)
٨ - هَذَا وَقَدْ رَوَى أَبُو عِصْمَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي زَمَانِهِ. (٢)
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَحَل عَدَمِ إِعْطَاءِ بَنِي هَاشِمٍ مِنَ الزَّكَاةِ إِذَا أُعْطُوا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا، وَأَضَرَّ بِهِمُ الْفَقْرُ أُعْطُوا مِنْهَا. وَإِعْطَاؤُهُمْ حِينَئِذٍ أَفْضَل مِنْ إِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ.
وَقَيَّدَهُ الْبَاجِيُّ بِمَا إِذَا وَصَلُوا إِلَى حَالَةٍ يُبَاحُ لَهُمْ فِيهَا أَكْل الْمَيْتَةِ، لاَ مُجَرَّدُ ضَرَرٍ. وَالظَّاهِرُ خِلاَفُهُ وَأَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ عِنْدَ الاِحْتِيَاجِ وَلَوْ لَمْ يَصِلُوا إِلَى حَالَةِ إِبَاحَةِ أَكْل الْمَيْتَةِ، إِذْ إِعْطَاؤُهُمْ أَفْضَل مِنْ خِدْمَتِهِمْ لِذِمِّيٍّ أَوْ ظَالِمٍ. (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَحِل لآِل مُحَمَّدٍ ﷺ الزَّكَاةُ، وَإِنْ حُبِسَ عَنْهُمُ الْخُمُسُ، إِذْ لَيْسَ مَنْعُهُمْ مِنْهُ يُحِل لَهُمْ مَا حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ، (٤) خِلاَفًا لأَِبِي سَعِيدٍ الإِْصْطَخْرِيِّ الَّذِي قَال: إِنْ مُنِعُوا حَقَّهُمْ مِنَ الْخُمُسِ جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ إِنَّمَا حُرِمُوا الزَّكَاةَ لِحَقِّهِمْ فِي الْخُمُسِ، فَإِذَا مُنِعُوا مِنْهُ وَجَبَ أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِمْ. (٥) стр. 125
وَالظَّاهِرُ مِنْ إِطْلاَقِ الْمَنْعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَى الآْل الصَّدَقَةُ وَإِنْ مُنِعُوا حَقَّهُمْ فِي الْخُمُسِ.
أَخْذُ الآْل مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَعُشْرِ الأَْرْضِ وَغَلَّةِ الْوَقْفِ:
٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لآِل مُحَمَّدٍ ﷺ الأَْخْذُ مِنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْل وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَعُشْرِ الأَْرْضِ وَغَلَّةِ الْوَقْفِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ؛ لأَِنَّهَا أَشْبَهَتْ الزَّكَاةَ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ غَلَّةِ الْوَقْفِ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عَلَى الأَْغْنِيَاءِ.
فَإِنْ كَانَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَمْ يُسَمِّ بَنِي هَاشِمٍ، لاَ يَجُوزُ.
وَصَرَّحَ فِي " الْكَافِي " بِدَفْعِ صَدَقَةِ الْوَقْفِ إِلَيْهِمْ عَلَى أَنَّهُ بَيَانُ الْمَذْهَبِ مِنْ غَيْرِ نَقْل خِلاَفٍ، فَقَال: وَأَمَّا التَّطَوُّعُ وَالْوَقْفُ، فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ الْمُؤَدَّى فِي الْوَاجِبِ يُطَهِّرُ نَفْسَهُ بِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ، فَيَتَدَنَّسُ الْمَال الْمُؤَدَّى، كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَل، وَفِي النَّفْل يَتَبَرَّعُ بِمَا لَيْسَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَتَدَنَّسُ بِهِ الْمُؤَدَّى. اهـ.
قَال صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَالْحَقُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ إِجْرَاءُ صَدَقَةِ الْوَقْفِ مَجْرَى النَّافِلَةِ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي النَّافِلَةِ جَوَازُ الدَّفْعِ، يَجِبُ دَفْعُ الْوَقْفِ، وَإِلاَّ فَلاَ؛ إِذْ لاَ شَكَّ فِي أَنَّ الْوَاقِفَ مُتَبَرِّعٌ بِتَصَدُّقِهِ بِالْوَقْفِ، إِذْ لاَ إِيقَافَ وَاجِبٌ. (١) стр. 126
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الآْل مِنَ الْوَصَايَا لأَِنَّهَا تَطَوُّعٌ، وَكَذَا النُّذُورُ؛ لأَِنَّهَا فِي الأَْصْل تَطَوُّعٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَصَّى لَهُمْ. وَعَلَى ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُمُ الأَْخْذُ مِنْهُمَا.
وَفِي الْكَفَّارَةِ عِنْدَهُمْ وَجْهٌ آخَرُ بِالْجَوَازِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ وَلاَ هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، فَأَشْبَهَتْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ.
حُكْمُ أَخْذِ الآْل مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ:
١٠ - لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:
الأَْوَّل: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، تَشْبِيهًا لَهَا بِالْوُضُوءِ عَلَى الْوُضُوءِ.
الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا، وَهِيَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ أَخْذِ آل الْبَيْتِ مِنَ الصَّدَقَةِ عَامَّةٌ، فَتَشْمَل الْمَفْرُوضَةَ وَالنَّافِلَةَ.
الثَّالِثُ: الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، جَمْعًا بَيْنَ الأَْدِلَّةِ. (١) стр. 127
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ
مَوَالِي آل الْبَيْتِ وَالصَّدَقَاتُ
١١ - قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ مَوَالِيَ آل النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ مَنْ أَعْتَقَهُمْ هَاشِمِيٌّ أَوْ مُطَّلِبِيٌّ، حَسَبَ الْخِلاَفِ السَّابِقِ، لاَ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِمَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَال لأَِبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا. فَقَال: لاَ، حَتَّى آتِيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَال: إِنَّا لاَ تَحِل لَنَا الصَّدَقَةُ، وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ (١) وَلأَِنَّهُمْ مِمَّنْ يَرِثُهُمْ بَنُو هَاشِمٍ بِالتَّعْصِيبِ، فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إِلَيْهِمْ كَبَنِي هَاشِمٍ وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْقَرَابَةِ، بِدَلِيل قَوْلِهِ ﷺ الْوَلاَءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ (٢) وَثَبَتَ لَهُمْ حُكْمُ стр. 128
الْقَرَابَةِ مِنَ الإِْرْثِ وَالْعَقْل (١) وَالنَّفَقَةِ، فَلاَ يَمْتَنِعُ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ. وَإِذَا حَرُمَتِ الصَّدَقَةُ عَلَى مَوَالِي الآْل، فَأَرِقَّاؤُهُمْ وَمُكَاتَبُوهُمْ أَوْلَى بِالْمَنْعِ؛ لأَِنَّ تَمْلِيكَ الرَّقِيقِ يَقَعُ لِمَوْلاَهُ، بِخِلاَفِ الْعَتِيقِ. (٢)
وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُ دَفْعِ الصَّدَقَةِ لِمَوَالِي آل الْبَيْتِ؛ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا بِقَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُمْنَعُوا الصَّدَقَةَ، كَسَائِرِ النَّاسِ، وَلأَِنَّهُمْ لَمْ يُعَوَّضُوا عَنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يُعْطَوْنَ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْرَمُوهَا، كَسَائِرِ النَّاسِ. (٣)
دَفْعُ الْهَاشِمِيِّ زَكَاتَهُ لِهَاشِمِيٍّ:
١٢ - يَرَى أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الإِْمَامِ، أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إِلَى هَاشِمِيٍّ مِثْلِهِ، قَائِلِينَ: إِنَّ قَوْلَهُ ﵊ يَا بَنِي هَاشِمٍ، إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ أَيْدِي النَّاسِ وَأَوْسَاخَهُمْ، وَعَوَّضَكُمْ مِنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ (٤) لاَ يَنْفِيهِ، لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ " النَّاسِ " غَيْرُهُمْ لأَِنَّهُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِالْخِطَابِ الْمَذْكُورِ، وَالتَّعْوِيضُ بِخُمُسِ الْخُمُسِ عَنْ صَدَقَاتِ النَّاسِ لاَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ عِوَضًا عَنْ صَدَقَاتِ أَنْفُسِهِمْ. (٥)
وَلَمْ نَهْتَدِ إِلَى حُكْمِ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ. стр. 129
عِمَالَةُ الْهَاشِمِيِّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِأَجْرٍ مِنْهَا:
١٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل الْخِرَقِيِّ: إِنَّهُ لاَ يَحِل لِلْهَاشِمِيِّ أَنْ يَكُونَ عَامِلاً عَلَى الصَّدَقَاتِ بِأَجْرٍ مِنْهَا، تَنْزِيهًا لِقَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ شُبْهَةِ الْوَسَخِ، وَلِمَا رَوَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالاَ: لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلاَمَيْنِ لِي وَلِلْفَضْل بْنِ الْعَبَّاسِ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَمَّرَهُمَا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَصَابَا مِنْهَا كَمَا يُصِيبُ النَّاسُ. فَقَال عَلِيٌّ: لاَ تُرْسِلُوهُمَا. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ، قَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ وَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَل النَّاسِ، وَجِئْنَاكَ لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَنُصِيبُ كَمَا يُصِيبُونَ. قَال: فَسَكَتَ طَوِيلاً، ثُمَّ قَال: إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنْبَغِي لآِل مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ. (١)
وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ أَخْذَ الْهَاشِمِيِّ الْعَامِل عَلَى الصَّدَقَاتِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا لاَ حَرَامٌ. (٢)
وَجَوَّزَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْحَمَّال وَالْكَيَّال وَالْوَزَّانُ وَالْحَافِظُ هَاشِمِيًّا أَوْ مُطَّلِبِيًّا. (٣)
وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ يُبَاحُ لِلآْل الأَْخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ عِمَالَةً، لأَِنَّ مَا يَأْخُذُونَهُ أَجْرٌ، فَجَازَ لَهُمْ стр. 130
أَخْذُهُ، كَالْحَمَّال وَصَاحِبِ الْمَخْزَنِ إِذَا آجَرَهُمْ مَخْزَنَهُ. (١)
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ
الْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ وَحَقُّ آل الْبَيْتِ
تَعْرِيفُ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ عَلَى أَقْوَالٍ، تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: " أَنْفَالٌ " " وَغَنِيمَةٌ " " وَفَيْءٌ ".
حَقُّ آل الْبَيْتِ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ: أَرْبَعَةٌ مِنْهَا لِلْغَانِمِينَ، وَالْخَامِسُ لِمَنْ ذُكِرُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآْيَةَ (٢) . لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَصْرِفِ الْخُمُسِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُول ﵊، فَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: إِنَّ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ الْخَامِسَ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ.
الأَْوَّل: سَهْمٌ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ لِلآْيَةِ، وَلاَ يَسْقُطُ بِوَفَاتِهِ، بَل يُصْرَفُ بَعْدَهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَعِمَارَةِ الثُّغُورِ وَالْمَسَاجِدِ.
وَالثَّانِي: سَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، دُونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ، لاِقْتِصَارِهِ ﷺ عَلَى بَنِي الأَْوَّلِينَ مَعَ стр. 131
سُؤَال بَنِي الآْخَرِينَ، وَلأَِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوهُ لاَ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ.
وَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَالرِّجَال وَالنِّسَاءُ. وَيُفَضَّل الذَّكَرُ عَلَى الأُْنْثَى، كَالإِْرْثِ. وَحَكَى الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ فِيهِ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ.
وَالأَْسْهُمُ الثَّلاَثَةُ الْبَاقِيَةُ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل. (١)
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ سَهْمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَخْتَصُّ بِأَهْل الدِّيوَانِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحَقَّهُ بِحُصُول النُّصْرَةِ، فَيَكُونُ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي النُّصْرَةِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي السِّلاَحِ وَالْكُرَاعِ.
وَالْفَيْءُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، يُخَمَّسُ، وَمَصْرِفُ الْخُمُسِ مِنْهُ كَمَصْرِفِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ.
وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ يُخَمَّسُ، وَيَكُونُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ. (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْخُمُسَ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ إِلَخْ، يُقَسَّمُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلْيَتَامَى، وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ، وَسَهْمٌ لأَِبْنَاءِ السَّبِيل. وَيَدْخُل فُقَرَاءُ ذَوِي الْقُرْبَى فِيهِمْ، يُعْطَوْنَ كِفَايَتَهُمْ، وَلاَ يُدْفَعُ إِلَى أَغْنِيَائِهِمْ شَيْءٌ.
وَذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ يُدْفَعُ إِلَى فُقَرَائِهِمْ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ стр. 132
وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَالْفَيْءُ لاَ يُخَمَّسُ عِنْدَهُمْ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ كُلِّهَا وَالرِّكَازِ وَالْفَيْءِ وَالْجِزْيَةِ وَخَرَاجِ الأَْرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً أَوْ صُلْحًا وَعُشُورِ أَهْل الذِّمَّةِ، مَحَلُّهُ بَيْتُ مَال الْمُسْلِمِينَ، يَصْرِفُهُ الإِْمَامُ فِي مَصَارِفِهِ بِاجْتِهَادِهِ، فَيَبْدَأُ مِنْ ذَلِكَ بِآل النَّبِيِّ ﵊ اسْتِحْبَابًا، ثُمَّ يَصْرِفُ لِلْمَصَالِحِ الْعَائِدِ نَفْعُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ. وَالْفَيْءُ لاَ يُخَمَّسُ عِنْدَهُمْ. (٢) وَالآْل الَّذِينَ يَبْدَأُ بِهِمْ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ. (٣) .
الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ
الصَّلاَةُ عَلَى آل النَّبِيِّ ﷺ
١٥ - الْفُقَهَاءُ فِي الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ إِلاَّ تَبَعًا، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الصَّلاَةِ عَلَى الآْل تَبَعًا.
فَأَحَدُ رَأْيَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الآْل فِي الصَّلاَةِ وَاجِبَةٌ، تَبَعًا لِلصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآل إِبْرَاهِيمَ. (٤) فَقَدْ أَمَرَ الرَّسُول ﷺ стр. 133
بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ (١) .
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى فِي الْمَذْهَبَيْنِ أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ ثُمَّ قَال: إِذَا قُلْتَ هَذَا - أَوْ: قَضَيْتَ هَذَا - فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُكَ وَفِي لَفْظٍ: فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ (٢)
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالآْل تَبَعًا، فَضِيلَةٌ (٣) .
آل الْبَيْتِ وَالإِْمَامَةُ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى:
١٦ - لَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ (الْخَلِيفَةُ) مِنْ آل بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ . وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْل الْبَيْتِ، بَل كَانُوا مِنْ قُرَيْشٍ (٤) . стр. 134
وَمُقْتَضَى مُرَاعَاةِ شَرَفِ النَّسَبِ أَنَّهُ فِي الإِْمَامَةِ الصُّغْرَى إِنْ اسْتَوَوْا هُمْ وَغَيْرُهُمْ فِي الصِّفَاتِ قُدِّمُوا بِاعْتِبَارِهِمْ أَشْرَفَ نَسَبًا (١) .
حُكْمُ سَبِّ آل الْبَيْتِ:
١٧ - أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ مَنْ شَتَمَ أَحَدًا مِنْ آلِهِ ﷺ مِثْل مُشَاتَمَةِ النَّاسِ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا شَدِيدًا وَيُنَكَّل بِهِ، وَلاَ يَصِيرُ كَافِرًا بِالشَّتْمِ. (٢)
الاِنْتِسَابُ إِلَى آل الْبَيْتِ كَذِبًا:
١٨ - مَنْ انْتَسَبَ كَاذِبًا إِلَى آل النَّبِيِّ ﷺ يُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَيُحْبَسُ طَوِيلاً حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ؛ لأَِنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ رَسُول اللَّهِ ﷺ . (٣)
آلَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْلَةُ مَا اعْتَمَلْتَ بِهِ مِنْ أَدَاةٍ، يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. стр. 135
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (١)
أَوَّلاً: الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لاِسْتِعْمَال الآْلاَتِ:
٢ - الأَْصْل فِي الآْلاَتِ وَالأَْدَوَاتِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُهَا الإِْنْسَانُ فِي قَضَاءِ مَآرِبِهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا مُبَاحٌ. وَيَعْرِضُ لَهَا الْحَظْرُ أَوِ الْكَرَاهِيَةُ بِاعْتِبَارَاتٍ، مِنْهَا:
أ - الْمَادَّةُ الْمَصْنُوعَةُ مِنْهَا الآْلَةُ: فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مَطْلِيَّةً بِأَحَدِهِمَا كُرِهَ أَوْ حُرِّمَ اسْتِعْمَالُهَا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالأَْكْل فِي صِحَافِهِمَا. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ الآْنِيَةِ (٢) .
ب - الْغَرَضُ الَّذِي تُسْتَعْمَل لَهُ كَبَيْعِ السِّلاَحِ فِي الْفِتْنَةِ، (٣) أَوْ لِلْكُفَّارِ، أَوْ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي الْحَرَامِ، وَكَبَيْعِ آلاَتِ اللَّهْوِ.
ج - مَا تَخْتَصُّ بِهِ الآْلَةُ مِنْ أَثَرٍ قَدْ يَكُونُ شَدِيدَ الإِْيلاَمِ أَوْ شَدِيدَ الْخُطُورَةِ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى مُحَرَّمٍ، فَيُمْنَعُ اسْتِعْمَالُهَا، أَوْ يُكْرَهُ، كَالسُّمِّ فِي الصَّيْدِ أَوِ الْجِهَادِ، وَكَالآْلَةِ الْكَالَّةِ لاَ تُسْتَعْمَل فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ أَوِ الْقَطْعِ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ، وَكَالْمُزَفَّتِ وَالْجِرَارِ يَمْنَعُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ اسْتِعْمَالَهَا فِي الاِنْتِبَاذِ لِئَلاَّ يُسَارِعَ إِلَيْهَا التَّخَمُّرُ.
د - التَّكْرِيمُ: كَمَنْعِ بَيْعِ آلَةِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ لِلْكَافِرِ (٤) . стр. 136
وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ كُل آلَةٍ بِحَسَبِ مَا تُضَافُ إِلَيْهِ فِي الاِسْتِعْمَال الْفِقْهِيِّ، فَآلَةُ الذَّبْحِ فِي مَبَاحِثِ الذَّبْحِ، وَآلَةُ الْقِصَاصِ فِي مَبَاحِثِ الْجِنَايَاتِ. وَتَفْصِيل بَعْضِ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
آلاَتُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ:
٣ - آلاَتُ اللَّهْوِ كَالطَّبْل وَالْمِزْمَارِ وَالْعُودِ، وَآلاَتُ بَعْضِ الأَْلْعَابِ كَالشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ، مُحَرَّمَةُ الاِسْتِعْمَال عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَيُبَاحُ الطَّبْل لِغَيْرِ اللَّهْوِ كَالْعُرْسِ وَطَبْل الْغُزَاةِ.
وَفِي هَذِهِ الأَْحْكَامِ خِلاَفٌ وَتَفَاصِيل يَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَبَاحِثِ الْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْحُدُودِ وَالْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (١) .
آلَةُ الذَّبْحِ وَآلَةُ الصَّيْدِ:
٤ - اعْتَبَرَ الشَّرْعُ فِي آلَةِ الذَّبْحِ وَآلَةِ الصَّيْدِ أَنْ تَكُونَ مُحَدَّدَةً، تَنْهَرُ الدَّمَ وَتَفْرِي، وَأَلاَّ تَكُونَ سِنًّا وَلاَ ظُفُرًا، فَلاَ يَحِل مَا ذُبِحَ بِهِمَا أَوْ صِيدَ بِهِمَا. وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ الْقَائِمَيْنِ فَمَنَعَ الذَّبْحَ بِهِمَا، بِخِلاَفِ الْمَنْزُوعَيْنِ. وَلاَ يَحِل مَا أُزْهِقَتْ نَفْسُهُ بِمُثْقِلٍ كَالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ. وَيَنْبَغِي تَعَاهُدُ الآْلَةِ لِتَكُونَ مُحَدَّدَةً فَتُرِيحُ الذَّبِيحَةَ.
وَإِنْ كَانَ الْمَصِيدُ بِهِ حَيَوَانًا كَالْكَلْبِ وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهِمَا اعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّمًا. وَمَعْنَى التَّعْلِيمِ فِي الْجَارِحَةِ أَنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ إِذَا أُرْسِلَتْ أَطَاعَتْ، وَإِذَا стр. 137
زُجِرَتِ انْزَجَرَتْ، وَقِيل بِأَنْ تَتْرُكَ الأَْكْل مِنَ الصَّيْدِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ تَفْصِيل ذَلِكَ وَالْخِلاَفُ فِيهِ فِي مَبَاحِثِ الصَّيْدِ وَمَبَاحِثِ الذَّبْحِ (١) .
آلاَتُ الْجِهَادِ:
٥ - يَجِبُ إِعْدَادُ الْعُدَّةِ لِلْجِهَادِ، وَتَجُوزُ مُقَاتَلَةُ الْعَدُوِّ بِالسِّلاَحِ الْمُنَاسِبِ لِكُل عَصْرٍ، وَفِي تَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ وَتَغْرِيقِهِمْ وَاسْتِعْمَال السَّمُومِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَبَاحِثِ الْجِهَادِ. وَيَجُوزُ إِتْلاَفُ آلاَتِ الْعَدُوِّ فِي حَال الْقِتَال، عَلَى تَفْصِيلٍ لِلْفُقَهَاءِ فِي مَبَاحِثِ الْجِهَادِ. (٢)
آلاَتُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ:
٦ - يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَقَعَتْ بِهَا الْجِنَايَةُ. وَعِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ لاَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إِلاَّ بِالسَّيْفِ.
وَلاَ يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بِآلَةٍ يُخْشَى مِنْهَا الزِّيَادَةُ.
وَكَذَلِكَ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ. стр. 138
وَيُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيل ذَلِكَ إِلَى مَبَاحِثِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ السَّرِقَةِ (١) .
آلاَتُ الْجَلْدِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ:
٧ - الْجَلْدُ فِي الْحُدُودِ يَكُونُ بِالسَّوْطِ. عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ الضَّرْبُ بِالأَْيْدِي أَوِ النِّعَال أَوْ أَطْرَافِ الثِّيَابِ.
وَيُسْتَعْمَل السَّوْطُ فِي إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْبِكْرِ. وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَحَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ. وَيُجْزِي مِنْهُ اسْتِعْمَال عُثْكَالٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فِي إِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْبِكْرِ، إِنْ كَانَ لاَ يَحْتَمِل الْجَلْدَ لِمَرَضٍ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ.
وَيُلاَحَظُ أَلاَّ يَكُونَ السَّوْطُ مِمَّا يُتْلِفُ، وَلِذَلِكَ قَال بَعْضُهُمْ: لاَ يَكُونُ لَهُ ثَمَرَةٌ - يَعْنِي: عُقْدَةً فِي طَرَفِهِ - وَقَال بَعْضُهُمْ: يَكُونُ بَيْنَ الْجَدِيدِ وَالْخَلِقِ.
أَمَّا الْجَلْدُ فِي التَّعْزِيرِ فَقَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ، أَوْ بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يَرَاهُ وَلِيُّ الأَْمْرِ.
وَفِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ هُنَا تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَسَائِل الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ. (٢)
ثَانِيًا: آلاَتُ الْعَمَل وَزَكَاتُهَا:
٨ - لاَ زَكَاةَ فِي آلاَتِ الْعَمَل لِلْمُحْتَرِفِينَ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لاَ تُسْتَهْلَكُ عَيْنُهُ كَالْمِنْشَارِ وَالْقَدُّومِ، أَوْ مِمَّا تُسْتَهْلَكُ، (٣) إِلاَّ أَنَّ الآْلاَتِ الَّتِي تُشْتَرَى فَتُسْتَعْمَل стр. 139
فِيمَا يُبَاعُ، كَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِينَ، إِنْ كَانَ مِنْ غَرَضِ الْمُشْتَرِي بَيْعُهَا بِهَا فَفِيهَا الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَوْل.
وَآلاَتُ الْعَمَل لِلْمُحْتَرِفِينَ، الَّتِي هُمْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهَا، لاَ تُبَاعُ عَلَيْهِمْ فِي حَال الإِْفْلاَسِ. (١)
وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَقِيرًا لاَ يَمْلِكُ آلاَتِ عَمَلِهِ، وَلاَ مَا يَشْتَرِيهَا بِهِ، يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَشْتَرِيهَا بِهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ لِلْفُقَهَاءِ فِي مَبَاحِثِ الزَّكَاةِ وَالإِْفْلاَسِ (٢) .
ثَالِثًا: آلَةُ الْعُدْوَانِ وَأَثَرُهَا فِي تَحْدِيدِ نَوْعِ الْجِنَايَةِ:
٩ - جِنَايَةُ الْقَتْل لاَ يَجِبُ بِهَا الْقِصَاصُ إِلاَّ إِنْ كَانَتْ مُتَعَمَّدَةً، وَلَمَّا كَانَ تَعَمُّدُ الْقَتْل أَمْرًا خَفِيًّا يُنْظَرُ إِلَى الآْلَةِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي قَتْل الْعَمْدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ بِمُحَدَّدٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ بِعَمْدٍ، بَل هُوَ شِبْهُ عَمْدٍ إِذَا تَعَمَّدَ الضَّرْبَ بِهِ، وَلاَ قِصَاصَ فِيهِ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُوَافِقُوا أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى ذَلِكَ، بَل يَثْبُتُ الْعَمْدُ عِنْدَهُمْ فِي الْقَتْل بِمَا عَدَا الْمُحَدَّدِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي الضَّوَابِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذَلِكَ، يُذْكَرُ فِي مَسَائِل الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ. (٣) стр. 140
آمَّة
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْمَّةُ لُغَةً: شَجَّةٌ تَبْلُغُ أُمَّ الرَّأْسِ، (١) وَهِيَ جِلْدَةٌ تَجْمَعُ الدِّمَاغَ. وَشَجَّةٌ آمَّةٌ وَمَأْمُومَةٌ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ اللَّفْظَيْنِ بِنَفْسِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٢)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - هُنَاكَ أَلْفَاظٌ وَرَدَتْ فِي شَجِّ الرَّأْسِ، كَالْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالدَّامِغَةِ إِلاَّ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهَا حُكْمَهَا الْخَاصَّ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ فِي الآْمَّةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ. (٣)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الآْمَّةِ فِي مَبَاحِثِ الْجِنَايَةِ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَفِي مَبَاحِثِ الدِّيَاتِ. كَمَا فَصَّلُوا فِي مَبَاحِثِ الصَّوْمِ مَسْأَلَةَ الْفِطْرِ بِوُصُول شَيْءٍ إِلَى الآْمَّةِ. стр. 141
آمِينَ
مَعْنَاهُ، وَاللُّغَاتُ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ:
١ - جُمْهُورُ أَهْل اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ آمِينَ فِي الدُّعَاءِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَتَقُول: أَمَّنْتُ عَلَى الدُّعَاءِ تَأْمِينًا، إِذَا قُلْتَ آمِينَ. (١) وَيُعَبَّرُ غَالِبًا بِالتَّأْمِينِ بَدَلاً مِنْ عِبَارَةِ: قَوْل آمِينَ، لِسُهُولَةِ اللَّفْظِ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ التَّأْمِينُ عُنْوَانًا لِلْبَحْثِ؛ لِئَلاَّ يُشْتَبَهَ بِالتَّأْمِينِ التِّجَارِيِّ.
وَنَقَل الْفُقَهَاءُ فِيهِ لُغَاتٍ عَدِيدَةً، نَكْتَفِي مِنْهَا بِأَرْبَعٍ: الْمَدِّ، وَالْقَصْرِ، وَالْمَدِّ مَعَ الإِْمَالَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْمَدِّ مَعَ التَّشْدِيدِ. وَالأَْخِيرَتَانِ حَكَاهُمَا الْوَاحِدِيُّ وَزَيَّفَ الأَْخِيرَةَ مِنْهُمَا. وَقَال النَّوَوِيُّ: إِنَّهَا مُنْكَرَةٌ. وَحَكَى ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ الْقَصْرَ مَعَ التَّشْدِيدِ. وَهِيَ شَاذَّةٌ أَيْضًا.
وَكُلُّهَا إِلاَّ الرَّابِعَةَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ. وَمَعْنَى آمِّينَ (بِالْمَدِّ مَعَ التَّشْدِيدِ) قَاصِدِينَ إِلَيْكَ. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَعْنَى آمِينَ، فَقَال: افْعَل. وَقَال قَتَادَةُ: كَذَلِكَ يَكُونُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: آمِينَ خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. (٢) وَقَال عَطَاءٌ: آمِينَ стр. 142
دُعَاءٌ. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَا حَسَدَكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدُوكُمْ عَلَى آمِينَ وَتَسْلِيمِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ. (١) قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا، خَصَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا. (٢)
حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ:
٢ - التَّأْمِينُ دُعَاءٌ؛ لأَِنَّ الْمُؤَمِّنَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ الدُّعَاءَ. (٣)
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٣ - الأَْصْل فِي قَوْل آمِينَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، لَكِنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَنِ النَّدْبِ إِلَى غَيْرِهِ، كَالتَّأْمِينِ عَلَى دُعَاءٍ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَرَامًا. (٤) стр. 143
نَفْيُ الْقُرْآنِيَّةِ عَنْ " آمِينَ ":
٤ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ " آمِينَ " لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، لَكِنَّهَا مَأْثُورَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِهَا فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجَهَا، كَمَا يُعْرَفُ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي سَتَرِدُ فِي خِلاَل الْبَحْثِ. (١)
مَوَاطِنُ التَّأْمِينِ:
٥ - التَّأْمِينُ دُعَاءٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ بَل مُرْتَبِطٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَْدْعِيَةِ، لِذَلِكَ يَحْسُنُ بَيَانُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤَمَّنُ عَلَى الدُّعَاءِ فِيهَا، فَمِنْ أَهَمِّهَا:
أ - التَّأْمِينُ فِي الصَّلاَةِ: التَّأْمِينُ عَقِبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَعَلَى الدُّعَاءِ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ وَالْوِتْرِ وَالنَّازِلَةِ.
ب - وَالتَّأْمِينُ خَارِجَ الصَّلاَةِ: عَقِبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَالتَّأْمِينُ عَلَى الدُّعَاءِ فِي الْخُطْبَةِ، وَفِي الاِسْتِسْقَاءِ.
أَوَّلاً: التَّأْمِينُ فِي الصَّلاَةِ
التَّأْمِينُ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ:
٥ م - التَّأْمِينُ لِلْمُنْفَرِدِ سُنَّةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّلاَةُ سِرِّيَّةً أَمْ جَهْرِيَّةً. وَمِثْلُهُ الإِْمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي السِّرِّيَّةِ، وَالْمُقْتَدِي فِي صَلاَةِ الْجَهْرِ.
أَمَّا الإِْمَامُ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
أَوَّلاً - نَدْبُ التَّأْمِينِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، عَدَا رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ стр. 144
وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) لِحَدِيثِ: إِذَا أَمَّنَ الإِْمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (٢)
ثَانِيًا - عَدَمُ النَّدْبِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَدَلِيل عَدَمِ اسْتِحْسَانِهِ مِنَ الإِْمَامِ مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا قَال الإِْمَامُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْل الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ. (٣) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقُولُهُ؛ لأَِنَّهُ ﷺ قَسَمَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ، وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ. (٤)
ثَالِثًا - وُجُوبُ التَّأْمِينِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، قَال فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: آمِينَ أَمْرٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . (٥) стр. 145
ارْتِبَاطُ التَّأْمِينِ بِالسَّمَاعِ:
٦ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ التَّأْمِينُ عِنْدَ سَمَاعِ قِرَاءَةِ الإِْمَامِ، أَمَّا إِنْ سَمِعَ الْمَأْمُومُ التَّأْمِينَ مِنْ مُقْتَدٍ آخَرَ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: نَدْبُ التَّأْمِينِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٌ مُضَعَّفٌ لِلشَّافِعِيَّةِ.
الثَّانِي: لاَ يُطْلَبُ التَّأْمِينُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْحَنَابِلَةِ فِي هَذَا. (١)
تَحَرِّي الاِسْتِمَاعِ:
٧ - لاَ يَتَحَرَّى الْمُقْتَدِي عَلَى الأَْظْهَرِ الاِسْتِمَاعَ لِلإِْمَامِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِلُهُ: يَتَحَرَّى، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
الإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ وَالْجَهْرُ بِهِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي أَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً فَالإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. (٣) следующие страницы →