Полный текст (31 949 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
آمِينَ
مَعْنَاهُ، وَاللُّغَاتُ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهِ:
١ - جُمْهُورُ أَهْل اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ آمِينَ فِي الدُّعَاءِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، وَتَقُول: أَمَّنْتُ عَلَى الدُّعَاءِ تَأْمِينًا، إِذَا قُلْتَ آمِينَ. (١) وَيُعَبَّرُ غَالِبًا بِالتَّأْمِينِ بَدَلاً مِنْ عِبَارَةِ: قَوْل آمِينَ، لِسُهُولَةِ اللَّفْظِ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ التَّأْمِينُ عُنْوَانًا لِلْبَحْثِ؛ لِئَلاَّ يُشْتَبَهَ بِالتَّأْمِينِ التِّجَارِيِّ.
وَنَقَل الْفُقَهَاءُ فِيهِ لُغَاتٍ عَدِيدَةً، نَكْتَفِي مِنْهَا بِأَرْبَعٍ: الْمَدِّ، وَالْقَصْرِ، وَالْمَدِّ مَعَ الإِْمَالَةِ وَالتَّخْفِيفِ، وَالْمَدِّ مَعَ التَّشْدِيدِ. وَالأَْخِيرَتَانِ حَكَاهُمَا الْوَاحِدِيُّ وَزَيَّفَ الأَْخِيرَةَ مِنْهُمَا. وَقَال النَّوَوِيُّ: إِنَّهَا مُنْكَرَةٌ. وَحَكَى ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ الْقَصْرَ مَعَ التَّشْدِيدِ. وَهِيَ شَاذَّةٌ أَيْضًا.
وَكُلُّهَا إِلاَّ الرَّابِعَةَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْتَجِبْ. وَمَعْنَى آمِّينَ (بِالْمَدِّ مَعَ التَّشْدِيدِ) قَاصِدِينَ إِلَيْكَ. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَعْنَى آمِينَ، فَقَال: افْعَل. وَقَال قَتَادَةُ: كَذَلِكَ يَكُونُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: آمِينَ خَاتَمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. (٢) وَقَال عَطَاءٌ: آمِينَ стр. 142
دُعَاءٌ. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَا حَسَدَكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدُوكُمْ عَلَى آمِينَ وَتَسْلِيمِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ. (١) قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ الْكَلِمَةُ لَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَنَا، خَصَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا. (٢)
حَقِيقَةُ التَّأْمِينِ:
٢ - التَّأْمِينُ دُعَاءٌ؛ لأَِنَّ الْمُؤَمِّنَ يَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ الدُّعَاءَ. (٣)
صِفَتُهُ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ) :
٣ - الأَْصْل فِي قَوْل آمِينَ أَنَّهُ سُنَّةٌ، لَكِنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَنِ النَّدْبِ إِلَى غَيْرِهِ، كَالتَّأْمِينِ عَلَى دُعَاءٍ مُحَرَّمٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ حَرَامًا. (٤) стр. 143
نَفْيُ الْقُرْآنِيَّةِ عَنْ " آمِينَ ":
٤ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ " آمِينَ " لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، لَكِنَّهَا مَأْثُورَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ وَاظَبَ عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِهَا فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجَهَا، كَمَا يُعْرَفُ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي سَتَرِدُ فِي خِلاَل الْبَحْثِ. (١)
مَوَاطِنُ التَّأْمِينِ:
٥ - التَّأْمِينُ دُعَاءٌ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ بَل مُرْتَبِطٌ بِغَيْرِهِ مِنَ الأَْدْعِيَةِ، لِذَلِكَ يَحْسُنُ بَيَانُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤَمَّنُ عَلَى الدُّعَاءِ فِيهَا، فَمِنْ أَهَمِّهَا:
أ - التَّأْمِينُ فِي الصَّلاَةِ: التَّأْمِينُ عَقِبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَعَلَى الدُّعَاءِ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ وَالْوِتْرِ وَالنَّازِلَةِ.
ب - وَالتَّأْمِينُ خَارِجَ الصَّلاَةِ: عَقِبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَالتَّأْمِينُ عَلَى الدُّعَاءِ فِي الْخُطْبَةِ، وَفِي الاِسْتِسْقَاءِ.
أَوَّلاً: التَّأْمِينُ فِي الصَّلاَةِ
التَّأْمِينُ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ:
٥ م - التَّأْمِينُ لِلْمُنْفَرِدِ سُنَّةٌ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّلاَةُ سِرِّيَّةً أَمْ جَهْرِيَّةً. وَمِثْلُهُ الإِْمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِي السِّرِّيَّةِ، وَالْمُقْتَدِي فِي صَلاَةِ الْجَهْرِ.
أَمَّا الإِْمَامُ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلاَثَةُ آرَاءٍ:
أَوَّلاً - نَدْبُ التَّأْمِينِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، عَدَا رِوَايَةَ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ стр. 144
وَهُوَ رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) لِحَدِيثِ: إِذَا أَمَّنَ الإِْمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (٢)
ثَانِيًا - عَدَمُ النَّدْبِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَدَلِيل عَدَمِ اسْتِحْسَانِهِ مِنَ الإِْمَامِ مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا قَال الإِْمَامُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْل الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ. (٣) وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَقُولُهُ؛ لأَِنَّهُ ﷺ قَسَمَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ، وَالْقِسْمَةُ تُنَافِي الشَّرِكَةَ. (٤)
ثَالِثًا - وُجُوبُ التَّأْمِينِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، قَال فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: آمِينَ أَمْرٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . (٥) стр. 145
ارْتِبَاطُ التَّأْمِينِ بِالسَّمَاعِ:
٦ - اتَّفَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ التَّأْمِينُ عِنْدَ سَمَاعِ قِرَاءَةِ الإِْمَامِ، أَمَّا إِنْ سَمِعَ الْمَأْمُومُ التَّأْمِينَ مِنْ مُقْتَدٍ آخَرَ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: نَدْبُ التَّأْمِينِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلٌ مُضَعَّفٌ لِلشَّافِعِيَّةِ.
الثَّانِي: لاَ يُطْلَبُ التَّأْمِينُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى نَصٍّ لِلْحَنَابِلَةِ فِي هَذَا. (١)
تَحَرِّي الاِسْتِمَاعِ:
٧ - لاَ يَتَحَرَّى الْمُقْتَدِي عَلَى الأَْظْهَرِ الاِسْتِمَاعَ لِلإِْمَامِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَمُقَابِلُهُ: يَتَحَرَّى، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
الإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ وَالْجَهْرُ بِهِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي أَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً فَالإِْسْرَارُ بِالتَّأْمِينِ سُنَّةٌ فِي حَقِّ الإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. (٣) стр. 146
وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ جَهْرِيَّةً فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الإِْسْرَارِ بِهِ وَعَدَمِهِ عَلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
الأَْوَّل: نَدْبُ الإِْسْرَارِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اسْتَحَبُّوهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ فَقَطْ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَمَعَهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ اسْتَحَبُّوهُ لِلْجَمِيعِ؛ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ وَالأَْصْل فِيهِ الإِْخْفَاءُ. (١) لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٢) وَلِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَرْبَعٌ يُخْفِيهِنَّ الإِْمَامُ، وَذَكَرَ مِنْهَا آمِينَ (٣) .
وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَخْصِيصُ الإِْسْرَارِ بِالْمَأْمُومِ فَقَطْ إِنْ أَمَّنَ الإِْمَامُ، كَسَائِرِ الأَْذْكَارِ، وَقِيل: يُسِرُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِنْ قَل الْجَمْعُ. (٤)
الثَّانِي: نَدْبُ الْجَهْرِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ عَمَّمُوا النَّدْبَ فِي كُل مُصَلٍّ.
وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ اتِّفَاقًا بِالنِّسْبَةِ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَأَمَّا فِي الْمَأْمُومِ فَقَدْ وَافَقُوهُمْ أَيْضًا بِشَرْطِ عَدَمِ تَأْمِينِ الإِْمَامِ. فَإِنْ أَمَّنَ فَالأَْظْهَرُ نَدْبُ الْجَهْرِ كَذَلِكَ. وَقِيل: إِنَّمَا يَجْهَرُ فِي حَالَةِ تَأْمِينِ الإِْمَامِ بِشَرْطِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ. فَإِنْ لَمْ يَكْثُرْ فَلاَ يُنْدَبُ الْجَهْرُ. стр. 147
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِنَدْبِ الْجَهْرِ بِأَنَّهُ ﷺ قَال: " آمِينَ " وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ. (١)
الثَّالِثُ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالإِْسْرَارِ، وَبِهِ قَال ابْنُ بُكَيْرٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ بُكَيْرٍ خَصَّهُ بِالإِْمَامِ فَقَطْ، وَخَيَّرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْجَمِيعَ، وَصَحَّحَ فِي كِتَابِهِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " الْجَهْرَ. (٢)
وَلَوْ أَسَرَّ بِهِ الإِْمَامُ جَهَرَ بِهِ الْمَأْمُومُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ جَهْرَ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ سُنَّةٌ، فَلاَ يَسْقُطُ بِتَرْكِ الإِْمَامِ لَهُ، وَلأَِنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَهُ الإِْمَامُ، فَيَجْهَرُ بِهِ الْمَأْمُومُ لِيُذَكِّرَهُ. (٣)
الْمُقَارَنَةُ وَالتَّبَعِيَّةُ فِي التَّأْمِينِ:
٩ - مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مُقَارَنَةَ تَأْمِينِ الإِْمَامِ لِتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ سُنَّةٌ، لِخَبَرِ إِذَا أَمَّنَ الإِْمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَخَبَرِ إِذَا قَال أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (٤) стр. 148
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يُؤَمِّنُ بَعْدَ تَأْمِينِ الإِْمَامِ. (١)
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ ذَكَرُوا مَا يُفِيدُ مُقَارَنَةَ التَّأْمِينِ لِتَأْمِينِ الْمَلاَئِكَةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ إِذَا قَال أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ. . . إِلَخْ. وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا قَال الإِْمَامُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْل الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. (٢)
فَإِنْ فَاتَتْهُ مُقَارَنَةُ تَأْمِينِهِ لِتَأْمِينِ إِمَامِهِ أَتَى بِهِ عَقِبَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَأْمُومُ بِتَأْمِينِ إِمَامِهِ، أَوْ أَخَّرَهُ عَنْ وَقْتِهِ الْمَنْدُوبِ أَمَّنَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ مَعَهُ وَفَرَغَا مَعًا كَفَى تَأْمِينٌ وَاحِدٌ، أَوْ فَرَغَ قَبْلَهُ، قَال الْبَغَوِيُّ: يَنْتَظِرُهُ، وَالْمُخْتَارُ أَوِ الصَّوَابُ أَنَّهُ يُؤَمِّنُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يُؤَمِّنُ لِلْمُتَابَعَةِ. (٣) стр. 149
الْفَصْل بَيْنَ " آمِينَ " وَبَيْنَ ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ :
١٠ - الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى نَدْبِ السُّكُوتِ لَحْظَةً لَطِيفَةً بَيْنَ ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ وَبَيْنَ " آمِينَ " لِيُعْلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، وَعَلَى أَلاَّ يَتَخَلَّل فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ لَفْظٌ. نَعَمْ، يَسْتَثْنِي الشَّافِعِيَّةُ " رَبِّ اغْفِرْ لِي " قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ " وَلِوَالِدَيَّ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ " لَمْ يَضُرَّ أَيْضًا. (١)
وَلَمْ أَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ النُّقْطَةِ، فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ.
تَكْرَارُ آمِينَ وَالزِّيَادَةُ بَعْدَهَا:
١١ - يَحْسُنُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْل " آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ "، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الذِّكْرِ. وَلاَ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَحْمَدَ، لَكِنْ لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَلاَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهَا. (٢) وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ نَصًّا فِي التَّكْرَارِ.
وَذَكَرَ الْكُرْدِيُّ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ يُنْدَبُ تَكْرَارُ " آمِينَ " فِي الصَّلاَةِ، مُسْتَدِلًّا بِمَا رَوَاهُ وَائِل بْنُ حُجْرٍ أَنَّهُ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل الصَّلاَةَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، قَال: آمِينَ، ثَلاَثًا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَكْرَارُ " آمِينَ " ثَلاَثًا، حَتَّى فِي الصَّلاَةِ. (٣) стр. 150
تَرْكُ التَّأْمِينِ
١٢ - الْمَذَاهِبُ الأَْرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ تَرَكَ " آمِينَ " وَاشْتَغَل بِغَيْرِهَا لاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ، وَلاَ سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا. (١)
عَدَمُ انْقِطَاعِ الْقِرَاءَةِ بِالتَّأْمِينِ عَلَى قِرَاءَةِ الإِْمَامِ:
١٣ - إِذَا فَرَغَ الإِْمَامُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَثْنَاءَ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ، قَال الْمَأْمُومُ: " آمِينَ " ثُمَّ يُتِمُّ قِرَاءَتَهُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
وَلاَ قِرَاءَةَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْمُومِ. (٢)
التَّأْمِينُ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ خَارِجَ الصَّلاَةِ:
١٤ - التَّأْمِينُ عَقِبَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ لَقَّنَنِي جِبْرِيل ﵇ عِنْدَ فَرَاغِي مِنَ الْفَاتِحَةِ: آمِينَ (٣) . стр. 151
التَّأْمِينُ عَلَى الْقُنُوتِ:
١٥ - الْقُنُوتُ قَدْ يَكُونُ فِي النَّازِلَةِ وَقَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي التَّأْمِينِ عَلَى قُنُوتِ غَيْرِ النَّازِلَةِ ثَلاَثَةُ اتِّجَاهَاتٍ:
الأَْوَّل: التَّأْمِينُ جَهْرًا، إِنْ سَمِعَ الإِْمَامَ، وَإِلاَّ قَنَتَ لِنَفْسِهِ. وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الْقُنُوتِ وَفِي الدُّعَاءِ بَعْدَهُ. (١) وَمِنْهُ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ. وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ لِغَيْرِهِمْ لِدُخُولِهِ فِي الشُّمُول.
الثَّانِي: تَرْكُ التَّأْمِينِ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَقَوْلٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
الثَّالِثُ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّأْمِينِ وَتَرْكِهِ. وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ، وَقَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. (٣)
وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قُنُوتِ النَّازِلَةِ وَقُنُوتِ غَيْرِهَا، عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. стр. 152
وَلاَ تَأْمِينَ فِي النَّازِلَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لإِِسْرَارِهِمْ بِالْقُنُوتِ فِيهَا. فَإِنْ جَهَرَ الإِْمَامُ أَمَّنَ الْمَأْمُومُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْمُقْتَدِيَ يُتَابِعُ إِمَامَهُ إِلاَّ إِذَا جَهَرَ فَيُؤَمِّنُ.
وَلاَ قُنُوتَ فِي النَّازِلَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. (١)
وَلَوِ اقْتَدَى الْمَأْمُومُ بِمَنْ يَقْنُتُ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ أَجَازَ لَهُ الْحَنَابِلَةُ التَّأْمِينَ. وَمَعَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. (٢)
وَيَسْكُتُ مَنْ صَلَّى وَرَاءَ مَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٣) وَيُرَاعِي الْمَأْمُومُ الْمُقْتَدِي بِمَنْ لاَ يَقْنُتُ حَال نَفْسِهِ، عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، بِشَرْطِ عَدَمِ الإِْخْلاَل بِالْمُتَابَعَةِ. (٤)
ثَانِيًا: التَّأْمِينُ خَارِجَ الصَّلاَةِ
التَّأْمِينُ عَلَى دُعَاءِ الْخَطِيبِ:
١٦ - يُسَنُّ التَّأْمِينُ عَلَى دُعَاءِ الْخَطِيبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ سِرًّا، وَبِلاَ رَفْعِ صَوْتٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. стр. 153
وَلاَ تَأْمِينَ بِاللِّسَانِ جَهْرًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بَل يُؤَمِّنُ فِي نَفْسِهِ. (١)
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا يَقَعُ عَلَى دَكَّةِ الْمُبَلِّغِينَ بَعْدَ قَوْل الإِْمَامِ: " ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِْجَابَةِ " مِنْ رَفْعِ أَصْوَاتِ جَمَاعَةٍ بِقَوْلِهِمْ: " آمِينَ. آمِينَ. آمِينَ " وَاعْتَبَرُوهُ بِدْعَةً مُحَرَّمَةً. (٢)
التَّأْمِينُ عَلَى دُعَاءِ الاِسْتِسْقَاءِ:
١٧ - اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، التَّأْمِينَ عَلَى دُعَاءِ الاِسْتِسْقَاءِ عِنْدَ جَهْرِ الإِْمَامِ بِهِ. وَلاَ يُخَالِفُ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يَدْعُوَ الإِْمَامُ وَالْمَأْمُومُونَ. وَقِيل بَعْدَ دُعَائِهِمْ مَعًا: يَسْتَقْبِلُهُمُ الإِْمَامُ، فَيَدْعُو وَيُؤَمِّنُونَ. (٣)
التَّأْمِينُ عَلَى الدُّعَاءِ دُبُرَ الصَّلاَةِ .
١٨ - لَمْ أَجِدْ مَنْ يَقُول بِالتَّأْمِينِ عَلَى دُعَاءِ الإِْمَامِ بَعْدَ الصَّلاَةِ إِلاَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ. وَمِمَّنْ قَال بِجَوَازِهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَنْكَرَ الْخِلاَفَ فِي كَرَاهِيَتِهِ. وَفِي جَوَابِ الْفَقِيهِ الْعَلاَّمَةِ أَبِي مَهْدِيٍّ الْغُبْرِينِيُّ مَا نَصُّهُ: " وَنُقَرِّرُ أَوَّلاً أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْمِلَّةِ نَهْيٌ عَنْ الدُّعَاءِ دُبُرَ الصَّلاَةِ، عَلَى مَا стр. 154
جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْيَوْمَ مِنَ الاِجْتِمَاعِ، بَل جَاءَ التَّرْغِيبُ فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ. " فَذَكَرَ أَدِلَّةً كَثِيرَةً ثُمَّ قَال: " فَتَحَصَّل بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الْمَجْمُوعِ أَنَّ عَمَل الأَْئِمَّةِ مُنْذُ الأَْزْمِنَةِ الْمُتَقَادِمَةِ مُسْتَمِرٌّ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ، وَهُيَ مَسَاجِدُ الْجَوَامِعِ، وَفِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِل، وَهِيَ مَسَاجِدُ الأَْرْبَاضِ وَالرَّوَابِطِ، عَلَى الْجَهْرِ بِالدُّعَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَوَاتِ، عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُتَعَارَفَةِ الآْنَ، مِنْ تَشْرِيكِ الْحَاضِرِينَ، وَتَأْمِينِ السَّامِعِينَ، وَبَسْطِ الأَْيْدِي وَمَدِّهَا عِنْدَ السُّؤَال وَالتَّضَرُّعِ وَالاِبْتِهَال مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ. "
وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، لِمَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الإِْمَامِ مِنَ التَّعَاظُمِ. وَبَقِيَّةُ الْقَائِلِينَ بِالدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلاَةِ يُسِرُّونَ بِهِ نَدْبًا، عَلَى تَفْصِيلٍ. (١) (ر: دُعَاءٌ) .
آنِيَة
أَوَّلاً: التَّعْرِيفُ:
١ - الآْنِيَةُ جَمْعُ إِنَاءٍ، وَالإِْنَاءُ الْوِعَاءُ، وَهُوَ كُل ظَرْفٍ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ غَيْرَهُ. وَجَمْعُ الآْنِيَةِ أَوَانٍ. (٢) وَيُقَارِبُهُ الظَّرْفُ، وَالْمَاعُونُ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الاِسْتِعْمَال اللُّغَوِيِّ. стр. 155
ثَانِيًا: أَحْكَامُ الآْنِيَةِ مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُهَا:
أ - بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهَا (مَادَّتِهَا) :
٢ - الآْنِيَةُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهَا أَنْوَاعٌ: آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ - الآْنِيَةُ الْمُفَضَّضَةُ - الآْنِيَةُ الْمُمَوَّهَةُ - الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ لِمَادَّتِهَا أَوْ صَنْعَتِهَا - آنِيَةُ الْجِلْدِ - آنِيَةُ الْعَظْمِ - آنِيَةٌ مِنْ غَيْرِ مَا سَبَقَ.
النَّوْعُ الأَْوَّل: آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
٣ - هَذَا النَّوْعُ مَحْظُورٌ لِذَاتِهِ، فَإِنَّ اسْتِعْمَال الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ فِي مَذَاهِبِ الأَْئِمَّةِ الأَْرْبَعَةِ؛ (١) لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآْخِرَةِ. (٢) وَنَهَى ﷺ عَنِ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ، فَقَال: مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْ فِيهَا فِي الآْخِرَةِ. (٣) وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَالْعِلَّةُ (٤) فِي تَحْرِيمِ الشُّرْبِ стр. 156
فِيهَا مَا يَتَضَمَّنُهُ ذَلِكَ مِنَ الْفَخْرِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
وَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ عَنِ الأَْكْل وَالشُّرْبِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ فِي الطَّهَارَةِ مِنْهَا وَاسْتِعْمَالِهَا كَيْفَمَا كَانَ.
وَإِذَا حَرُمَ الاِسْتِعْمَال فِي غَيْرِ الْعِبَادَةِ فَفِيهَا أَوْلَى، وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. (١)
فَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْهَا أَوِ اغْتَسَل، صَحَّتْ طَهَارَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ فِعْل الطَّهَارَةِ وَمَاءَهَا لاَ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَالطَّهَارَةِ فِي الأَْرْضِ الْمَغْصُوبَةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ؛ لأَِنَّهُ اسْتَعْمَل الْمُحَرَّمَ فِي الْعِبَادَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالصَّلاَةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ. وَالتَّحْرِيمُ عَامٌّ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ. (٢)
النَّوْعُ الثَّانِي: الآْنِيَةُ الْمُفَضَّضَةُ وَالْمُضَبَّبَةُ (٣) بِالْفِضَّةِ:
٤ - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ يَخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَال الآْنِيَةِ الْمُفَضَّضَةِ وَالْمُضَبَّبَةِ بِالْفِضَّةِ: فَعِنْدَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَوْل بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَال الآْنِيَةِ الْمُفَضَّضَةِ وَالْمُضَبَّبَةِ إِذَا كَانَ الْمُسْتَعْمِل يَتَّقِي مَوْضِعَ الْفِضَّةِ. стр. 157
وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الاِسْتِعْمَال إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ قَلِيلَةً.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُفَضَّضَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا الْمَنْعُ، وَالأُْخْرَى الْجَوَازُ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الْجَوَازَ.
وَأَمَّا الآْنِيَةُ الْمُضَبَّبَةُ فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ شَدُّهَا بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَال الْمُضَبَّبِ بِالذَّهَبِ، كَثُرَتِ الضَّبَّةُ أَوْ قَلَّتْ، لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُضَبَّبَ بِالذَّهَبِ كَالْمُضَبَّبِ بِالْفِضَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَلِغَيْرِ زِينَةٍ، جَازَتْ، وَإِنْ كَانَتْ لِلزِّينَةِ حَرُمَتْ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً. وَالْمَرْجِعُ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ الْعُرْفُ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُضَبَّبَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِكُل حَالٍ، ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً، لِحَاجَةٍ وَلِغَيْرِهَا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يُبَاحُ الْيَسِيرُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. وَأَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ مِنَ الذَّهَبِ إِلاَّ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ. وَأَمَّا الْفِضَّةُ فَيُبَاحُ مِنْهَا الْيَسِيرُ. قَال الْقَاضِي: وَيُبَاحُ ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: لاَ يُبَاحُ الْيَسِيرُ إِلاَّ لِحَاجَةٍ.
وَتُكْرَهُ عِنْدَهُمْ مُبَاشَرَةُ مَوْضِعِ الْفِضَّةِ بِالاِسْتِعْمَال، كَيْ لاَ يَكُونَ مُسْتَعْمَلاً لَهَا. (٢)
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَال الإِْنَاءِ الْمُضَبَّبِ وَالْمُفَضَّضِ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ مُحَمَّدٍ. وَحُجَّةُ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ стр. 158
وَافَقَهُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تَابِعٌ، وَلاَ مُعْتَبَرَ بِالتَّوَابِعِ، كَالْجُبَّةِ الْمَكْفُوفَةِ بِالْحَرِيرِ، وَالْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ، وَمِسْمَارِ الذَّهَبِ فِي الْفَصِّ. (١)
وَحُجَّةُ مَنْ جَوَّزَ قَلِيل الْفِضَّةِ لِلْحَاجَةِ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ (٢) ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ سَرَفٌ وَلاَ خُيَلاَءُ، فَأَشْبَهَ الضَّبَّةَ مِنَ الصُّفْرِ (النُّحَاسِ) .
وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ضَبَّةِ الْفِضَّةِ مِنَ السَّلَفِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَغَيْرُهُمْ. (٣)
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الآْنِيَةُ الْمُمَوَّهَةُ وَالْمُغَشَّاةُ بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ:
٥ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّ الآْنِيَةَ الْمُمَوَّهَةَ (٤) بِالذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهَا، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا إِذَا كَانَ التَّمْوِيهُ لاَ يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ.
قَال الْكَاسَانِيُّ: " وَأَمَّا الأَْوَانِي الْمُمَوَّهَةُ بِمَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، الَّذِي لاَ يَخْلُصُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَلاَ بَأْسَ بِالاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ стр. 159
بِالإِْجْمَاعِ. " (١) وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ تَخْلِيصُهُ فَعَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَضَّضِ وَالْمُضَبَّبِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ الاِسْتِعْمَال إِذَا كَانَ التَّمْوِيهُ يَسِيرًا. (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُمَوَّهَ وَالْمَطْلِيَّ وَالْمُطَعَّمَ وَالْمُكَفَّتَ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ. (٣)
أَمَّا آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا غُشِيَتْ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَفِيهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ. وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيَّةُ إِذَا كَانَ سَاتِرًا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِفُقْدَانِ عِلَّةِ الْخُيَلاَءِ. (٤)
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
٦ - الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، نَفَاسَتُهَا إِمَّا لِذَاتِهَا (أَيْ مَادَّتِهَا) وَإِمَّا لِصَنْعَتِهَا:
أ - النَّفِيسَةُ لِذَاتِهَا:
٧ - الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ стр. 160
اسْتِعْمَال الأَْوَانِي النَّفِيسَةِ، كَالْعَقِيقِ وَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ، إِذْ لاَ يَلْزَمُ مِنْ نَفَاسَةِ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ وَأَمْثَالِهَا حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهَا؛ لأَِنَّ الأَْصْل الْحِل فَيَبْقَى عَلَيْهِ. وَلاَ يَصِحُّ قِيَاسُهَا عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لأَِنَّ تَعَلُّقَ التَّحْرِيمِ بِالأَْثْمَانِ (الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) ، الَّتِي هِيَ وَاقِعَةٌ فِي مَظِنَّةِ الْكَثْرَةِ فَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَال الأَْوَانِي النَّفِيسَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
ب - الآْنِيَةُ النَّفِيسَةُ لِصَنْعَتِهَا:
٨ - النَّفِيسُ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ، كَالزُّجَاجِ الْمَخْرُوطِ وَغَيْرِهِ لاَ يَحْرُمُ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَذَلِكَ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمَجْمُوعِ، وَلَكِنْ نَقَل الأَْذْرَعِيُّ أَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ فِي زَوَائِدِهِ حَكَى الْخِلاَفَ أَيْضًا فِيمَا كَانَتْ نَفَاسَتُهُ بِسَبَبِ الصَّنْعَةِ، وَقَال: إِنَّ الْجَوَازَ هُوَ الصَّحِيحُ. (١)
النَّوْعُ الْخَامِسُ: الآْنِيَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ الْجِلْدِ:
٩ - قَال فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ: إِنَّ جِلْدَ كُل مَيْتَةٍ نَجِسٌ قَبْل الدَّبْغِ، وَأَمَّا بَعْدَ الدَّبْغِ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ نَجِسٌ أَيْضًا. وَقَالُوا: إِنَّ مَا وَرَدَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ (أَيْ стр. 161
النَّظَافَةِ) لاَ الشَّرْعِيَّةِ. وَمُؤَدَّى ذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يُصَلَّى بِهِ أَوْ عَلَيْهِ.
وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبَيْنِ أَنَّهُ يَطْهُرُ الْجِلْدُ بِالدِّبَاغَةِ الطَّهَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ، فَيُصَلَّى بِهِ وَعَلَيْهِ.
وَيُرْوَى الْقَوْل بِالنَّجَاسَةِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَعَائِشَةَ ﵃.
وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَطْهُرُ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي حَال الْحَيَاةِ.
وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَيَحْيَى الأَْنْصَارِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا ذُبِحَ حَيَوَانٌ يُؤْكَل لَمْ يَنْجُسْ بِالذَّبْحِ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَيَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِجِلْدِهِ. وَإِنْ ذُبِحَ حَيَوَانٌ لاَ يُؤْكَل نَجُسَ بِذَبْحِهِ، كَمَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، فَلاَ يَطْهُرُ جِلْدُهُ وَلاَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ. وَكُل حَيَوَانٍ نَجُسَ بِالْمَوْتِ طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ، عَدَا الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (١) وَلأَِنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ عَلَى الْجِلْدِ، وَيُصْلِحُهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ، كَالْحَيَاةِ. ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْجِلْدِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ. أَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا فَلاَ يَطْهُرُ جِلْدُهُمَا بِالدِّبَاغِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ، عَدَا الْخِنْزِيرِ وَالآْدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا، يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَالْقَرَظِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ وَالشَّبِّ، كَمَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ الْحُكْمِيَّةِ، стр. 162
كَالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالإِْلْقَاءِ فِي الْهَوَاءِ. فَتَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهِ وَعَلَيْهِ، وَالْوُضُوءُ مِنْهُ.
وَعَدَمُ طَهَارَةِ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ بِالدِّبَاغَةِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَجِلْدِ الآْدَمِيِّ لِحُرْمَتِهِ، صَوْنًا لِكَرَامَتِهِ، وَإِنْ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ كَسَائِرِ أَجْزَاءِ الآْدَمِيِّ. (١)
النَّوْعُ السَّادِسُ: الأَْوَانِي الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْعَظْمِ:
١٠ - الآْنِيَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَظْمِ حَيَوَانٍ مَأْكُول اللَّحْمِ مُذَكًّى يَحِل اسْتِعْمَالُهَا إِجْمَاعًا. وَأَمَّا الآْنِيَةُ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُول اللَّحْمِ، فَإِنْ كَانَ مُذَكًّى فَالْحَنَفِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِقَوْلِهِمْ بِطَهَارَةِ الْقَرْنِ وَالظُّفُرِ وَالْعَظْمِ، مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ (٢) ، وَهُوَ عَظْمُ الْفِيل، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا لَمَا امْتَشَطَ بِهِ الرَّسُول ﷺ . وَهَذَا يَدُل عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الآْنِيَةِ مِنْ عَظْمِ الْفِيل. وَهُوَ أَحَدُ رَأْيَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَأْيُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. وَحُجَّةُ أَصْحَابِ هَذَا الرَّأْيِ أَنَّ الْعَظْمَ وَالسِّنَّ وَالْقَرْنَ وَالظِّلْفَ كَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ، لاَ يُحِسُّ وَلاَ يَأْلَمُ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا. (٣) وَذَلِكَ حَصْرٌ لِمَا يَحْرُمُ مِنَ الْمَيْتَةِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهَا عَلَى الْحِل. стр. 163
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
١١ - وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْعَظْمُ مِنْ حَيَوَانٍ غَيْرِ مُذَكًّى (سَوَاءٌ كَانَ مَأْكُول اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولِهِ) فَالْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي طَهَارَتِهِ، مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَسَمٌ، فَلاَ يَطْهُرُ إِلاَّ بِإِزَالَتِهِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْعَظْمُ هُنَا نَجِسٌ، وَلاَ يَطْهُرُ بِحَالٍ. (١)
هَذَا وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ اسْتِعْمَال عَظْمِ الْخِنْزِيرِ، لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَعَظْمِ الآْدَمِيِّ - وَلَوْ كَافِرًا - لِكَرَامَتِهِ.
١٢ - وَأَلْحَقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْفِيل بِالْخِنْزِيرِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ عِنْدَهُ. (٢) وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ الْكَلْبَ بِالْخِنْزِيرِ. وَكَرِهَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِظَامَ الْفِيَلَةِ (٣) . وَرَخَّصَ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُ وَابْنُ جَرِيرٍ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى لِفَاطِمَةَ قِلاَدَةً مِنْ عَصْبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ (٤) . стр. 164
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالنَّجَاسَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ (١) وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا، وَالْفِيل لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ فَهُوَ نَجِسٌ ذُكِّيَ أَوْ لَمْ يُذَكَّ.
وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ اسْتِعْمَال عَظْمِ الْفِيل مَكْرُوهٌ. وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَفِي قَوْلٍ لِلإِْمَامِ مَالِكٍ: إِنَّ الْفِيل إِنْ ذُكِّيَ فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ نَجِسٌ. (٢)
النَّوْعُ السَّابِعُ: الأَْوَانِي مِنْ غَيْرِ مَا سَبَقَ:
١٣ - الأَْوَانِي مِنْ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُبَاحٌ اسْتِعْمَالُهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ ثَمِينَةً كَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْخَشَبِ وَالْخَزَفِ، وَكَالْيَاقُوتِ وَالْعَقِيقِ وَالصُّفْرِ، أَمْ غَيْرَ ثَمِينَةٍ كَالأَْوَانِي الْعَادِيَّةِ، (٣) إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الآْنِيَةِ لَهَا حُكْمٌ خَاصٌّ مِنْ حَيْثُ الاِنْتِبَاذُ فِيهَا، فَقَدْ نَهَى الرَّسُول ﵊ أَوَّلاً عَنِ الاِنْتِبَاذِ (٤) فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ (٥) ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﷺ стр. 165
كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَْشْرِبَةِ إِلاَّ فِي ظُرُوفِ الأُْدْمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُل وِعَاءٍ غَيْرَ أَلاَّ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا. (١)
وَجُمْهُورُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال هَذِهِ الآْنِيَةِ عَلَى أَنْ يُحْذَرَ مِنْ تَخَمُّرِ مَا فِيهَا نَظَرًا إِلَى أَنَّهَا بِطَبِيعَتِهَا يُسْرِعُ التَّخَمُّرُ إِلَى مَا يُنْبَذُ فِيهَا.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَرِهَ الاِنْتِبَاذَ فِي الآْنِيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَنَقَل الشَّوْكَانِيُّ عَنِ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الأَْوْعِيَةِ لَمْ يُنْسَخْ عِنْدَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ، وَمِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ (٢) .
ب - آنِيَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ:
١٤ - آنِيَةُ أَهْل الْكِتَابِ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَال آنِيَةِ أَهْل الْكِتَابِ، إِلاَّ إِذَا تُيُقِّنَ عَدَمُ طَهَارَتِهَا. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ " سُؤْرَ الآْدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَل لَحْمُهُ طَاهِرٌ؛ لأَِنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ، وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا. وَيَدْخُل فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ стр. 166
وَالْكَافِرُ. " (١) وَمَا دَامَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا فَاسْتِعْمَال آنِيَتِهِ جَائِزٌ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ (٢) وَكَانُوا مُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا فَعَل ذَلِكَ. وَلاَ يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٣) لأَِنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّجَسُ فِي الاِعْتِقَادِ، (٤) وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَهْل الْكِتَابِ وَآنِيَتُهُمْ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ (٥) وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَال دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ (٦) . وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ. (&# x٦٦٧ ;) стр. 167
وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ (١) .
وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصْنَعُهُ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لاَ يُصَلُّونَ وَلاَ يَسْتَنْجُونَ وَلاَ يَتَحَرَّزُونَ مِنَ النَّجَاسَاتِ، مِنَ الأَْطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةَ. (٢)
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَال أَوَانِي أَهْل الْكِتَابِ، إِلاَّ أَنْ يُتَيَقَّنَ طَهَارَتُهَا، فَلاَ كَرَاهَةَ، وَسَوَاءٌ الْمُتَدَيِّنُ بِاسْتِعْمَال النَّجَاسَةِ وَغَيْرُهُ. وَدَلِيلُهُمْ مَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ أَهْل كِتَابٍ، أَنَأْكُل فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَال: لاَ تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِلاَّ إِنْ لَمْ تَجِدُوا عَنْهَا بُدًّا، فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا. (٣) وَأَقَل أَحْوَال النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، وَلأَِنَّهُمْ لاَ يَجْتَنِبُونَ النَّجَاسَةَ، فَكُرِهَ لِذَلِكَ. عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ أَوَانِيَهُمُ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي الْمَاءِ أَخَفُّ كَرَاهَةً. (٤) стр. 168
١٥ - آنِيَةُ الْمُشْرِكِينَ:
يُسْتَفَادُ مِنْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا أَنَّ أَوَانِيَ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ كَأَوَانِي أَهْل الْكِتَابِ فِي حُكْمِ اسْتِعْمَالِهَا عِنْدَ الأَْئِمَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ.
وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يَرَوْنَ أَنَّ مَا اسْتَعْمَلَهُ الْكُفَّارُ مِنْ غَيْرِ أَهْل الْكِتَابِ مِنَ الأَْوَانِي لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا لأَِنَّ أَوَانِيَهُمْ لاَ تَخْلُو مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ. وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، فَتَكُونُ نَجِسَةً. (١)
ثَالِثًا: حُكْمُ اقْتِنَاءِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
١٦ - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ مُخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِ اقْتِنَاءِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ اقْتِنَاءُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لِجَوَازِ بَيْعِهَا، وَلاِعْتِبَارِ شَقِّهَا بَعْدَ بَيْعِهَا عَيْبًا. (٢)
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، حُرْمَةُ اتِّخَاذِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لأَِنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الاِسْتِعْمَال (٣) .
رَابِعًا: حُكْمُ إِتْلاَفِ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
١٧ - مَنْ يَرَى جَوَازَ اقْتِنَاءِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَرَى أَنَّ إِتْلاَفَهَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ. أَمَّا عَلَى الْقَوْل بِعَدَمِ стр. 169
الْجَوَازِ فَإِنَّ إِتْلاَفَهَا لاَ يُوجِبُ ضَمَانَ الصَّنْعَةِ إِنْ كَانَ يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الْقِيمَةِ. وَالْكُل مُجْمِعٌ عَلَى ضَمَانِ مَا يُتْلِفُهُ مِنَ الْعَيْنِ. (١)
خَامِسًا: زَكَاةُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ:
١٨ - آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِذَا بَلَغَ كُلٌّ مِنْهُمَا النِّصَابَ وَحَال الْحَوْل عَلَيْهِ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَوْطِنُهُ أَبْوَابُ الزَّكَاةِ.
آيِسَة
انْظُرْ: إِيَاس.
آيَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الآْيَةُ لُغَةً: الْعَلاَمَةُ وَالْعِبْرَةُ، وَشَرْعًا هِيَ جُزْءٌ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ تَبَيَّنَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ تَوْقِيفًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الآْيَةِ وَالسُّورَةِ أَنَّ السُّورَةَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا اسْمٌ خَاصٌّ بِهَا، وَلاَ تَقِل عَنْ ثَلاَثِ آيَاتٍ. وَأَمَّا الآْيَةُ فَقَدْ يَكُونُ لَهَا اسْمٌ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَقَدْ لاَ يَكُونُ، وَهُوَ الأَْكْثَرُ. (٢) стр. 170
وَقَدِ اسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ الآْيَةَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَيْضًا، حِينَ أَطْلَقُوا عَلَى الْحَوَادِثِ الْكَوْنِيَّةِ، كَالزَّلاَزِل وَالرِّيَاحِ وَالْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ، إِلَخْ، اسْمَ الآْيَاتِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - بِمَا أَنَّ الآْيَةَ جُزْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَإِنَّ أَحْكَامَهَا تَدُورُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ هَل تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْمُصْحَفِ أَوْ لاَ؟ وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كُتِبَتْ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى لَوْحٍ فَهَل يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ؟ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ مَنَعَهُ اعْتِبَارًا بِمَا فِيهِ مِنْ قُرْآنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ لِعَدَمِ شَبَهِهِ بِالْمُصْحَفِ. (١)
كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِجْزَاءِ قِرَاءَةِ الآْيَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الصَّلاَةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - الطَّهَارَةُ: يَتَعَرَّضُ الْفُقَهَاءُ لِحُكْمِ مَسِّ الْمُحْدِثِ لِلَوْحٍ كُتِبَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ أَوْ آيَاتٌ، فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ - مَا يَحْرُمُ بِالْحَدَثِ.
الصَّلاَةُ: تَعَرَّضَ الْفُقَهَاءُ لِحُكْمِ قِرَاءَةِ الآْيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ أَوِ الآْيَاتِ فِي الصَّلاَةِ، فِي صِفَةِ الصَّلاَةِ، وَعِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى مُسْتَحَبَّاتِ الصَّلاَةِ. وَذَكَرُوا كَذَلِكَ مَا يَتَّصِل بِتِلاَوَةِ الآْيَةِ مِنْ أَحْكَامٍ، كَالتَّنْكِيسِ لِلآْيِ، وَعَدِّهَا بِالأَْصَابِعِ، وَالسُّؤَال وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّعَوُّذِ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ أَوْ آيَةِ الْعَذَابِ، وَتَكْرَارِ الآْيَةِ الْوَاحِدَةِ، وَقِرَاءَةِ الآْيَاتِ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ. (٢) стр. 171
كَمَا ذَكَرُوا حُكْمَ قِرَاءَةِ خَطِيبِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ لِلآْيَةِ فِي الْخُطْبَةِ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ، وَصَلاَةِ الْكُسُوفِ، وَصَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ.
كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ حُكْمَ الصَّلاَةِ عِنْدَ حُدُوثِ الآْيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ فِي صَلاَةِ الْكُسُوفِ.
سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ: يُذْكَرُ تَفْصِيل أَحْكَامِ تِلاَوَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ فِي مَبْحَثِ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ (١) .
حُكْمُ الآْيَةِ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ: حُكْمُ الاِسْتِعَاذَةِ وَالْبَسْمَلَةِ قَبْل تِلاَوَةِ الآْيَةِ فَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَبْحَثِ الاِسْتِعَاذَةِ مِنْ صِفَةِ الصَّلاَةِ.
وَتَتَعَرَّضُ كُتُبُ الأَْذْكَارِ وَالآْدَ ابِ لِتِلاَوَةِ آيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ، كَقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ قَبْل النَّوْمِ وَبَعْدَ الصَّلاَةِ (٢) إِلَخْ.
أَب
التَّعْرِيفُ:
١ - الأَْبُ: الْوَالِدُ (٣) ، وَهُوَ إِنْسَانٌ تَوَلَّدَ مِنْ نُطْفَتِهِ إِنْسَانٌ آخَرُ (٤) . وَلَهُ جُمُوعٌ، أَفْصَحُهَا: آبَاءٌ، بِالْمَدِّ. стр. 172
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ رَجُلٌ تَوَلَّدَ مِنْ نُطْفَتِهِ الْمُبَاشِرَةِ عَلَى وَجْهٍ شَرْعِيٍّ - أَوْ عَلَى فِرَاشِهِ - إِنْسَانٌ آخَرُ. وَيُطْلَقُ الأَْبُ مِنَ الرَّضَاعِ عَلَى مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ لَبَنُ الْمُرْضِعِ، فَأَرْضَعَتْ مِنْهُ وَلَدًا لِغَيْرِهِ، وَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِلَبَنِ الْفَحْل. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - لَمَّا كَانَ الأَْبُ وَالْوَلَدُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، لأَِنَّ الْوَلَدَ بَعْضُ أَبِيهِ، كَانَ لِلأَْبِ اخْتِصَاصٌ بِبَعْضِ الأَْحْكَامِ فِي النَّفْسِ وَالْمَال، وَتَرْجِعُ فِي جُمْلَتِهَا إِلَى التَّرَاحُمِ وَالْمَسْئُولِيَّةِ. وَذَلِكَ كَوَاجِبِهِ فِي الْحِفَاظِ عَلَى الْوَلَدِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الأَْبِ نَفَقَةُ الْوَلَدِ فِي الْجُمْلَةِ. عَلَى تَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَبَاحِثِ النَّفَقَةِ. (٢)
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلأَْبِ حَقَّ الْوِلاَيَةِ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِهِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ. وَيُقَدَّمُ عَلَى جَمِيعِ الأَْوْلِيَاءِ إِلاَّ الاِبْنُ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الأَْبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (٣) وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ لِلْحَنَابِلَةِ، فَإِنَّ الأَْبَ عِنْدَهُمْ مُقَدَّمٌ فِي وِلاَيَةِ التَّزْوِيجِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَحَقِّيَّةِ الأَْبِ فِي الْوِلاَيَةِ عَلَى مَال الصَّغِيرِ، أَوِ الْمَجْنُونِ، أَوِ السَّفِيهِ مِنْ أَوْلاَدِهِ (٤) . كَمَا стр. 173
اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الأَْبِ بِقَتْل وَلَدِهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الأَْبَ أَحَدُ الأَْفْرَادِ السِّتَّةِ الَّذِينَ لاَ يُحْجَبُونَ عَنِ الْمِيرَاثِ حَجْبَ حِرْمَانٍ بِغَيْرِهِمْ بِحَالٍ، وَهُمُ الأَْبَوَانِ وَالزَّوْجَانِ وَالاِبْنُ وَالْبِنْتُ، وَأَنَّهُ يَرِثُ تَارَةً بِالْفَرْضِ، وَتَارَةً بِالتَّعْصِيبِ، وَتَارَةً بِهِمَا مَعًا (٢) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣ - تَكْثُرُ الْمَسَائِل الْفِقْهِيَّةُ الَّتِي تَتَّصِل بِالأَْبِ، وَتُفَصَّل أَحْكَامُهَا فِي مَوَاطِنِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَذَلِكَ فِي: الإِْرْثِ، وَالْعَقِيقَةِ، وَالْوِلاَيَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالْعِتْقِ، وَمُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالْقِصَاصِ، وَالأَْمَانِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالإِْقْرَارِ.
إِبَاحَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الإِْبَاحَةُ فِي اللُّغَةِ: الإِْحْلاَل، يُقَال: أَبَحْتُكَ الشَّيْءَ؛ أَيْ أَحْلَلْتُهُ لَكَ. وَالْمُبَاحُ خِلاَفُ الْمَحْظُورِ (٣) . وَعَرَّفَ الأُْصُولِيُّونَ الإِْبَاحَةَ بِأَنَّهَا خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ تَخْيِيرًا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ. (٤) стр. 174
وَعَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهَا الإِْذْنُ بِإِتْيَانِ الْفِعْل حَسَبَ مَشِيئَةِ الْفَاعِل فِي حُدُودِ الإِْذْنِ (١) . وَقَدْ تُطْلَقُ الإِْبَاحَةُ عَلَى مَا قَابَل الْحَظْرَ، فَتَشْمَل الْفَرْضَ وَالإِْيجَابَ وَالنَّدْبَ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِالإِْبَاحَةِ:
الْجَوَازُ:
٢ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي الصِّلَةِ بَيْنَ الإِْبَاحَةِ وَالْجَوَازِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: إِنَّ الْجَائِزَ يُطْلَقُ عَلَى خَمْسَةِ مَعَانٍ: الْمُبَاحِ، وَمَا لاَ يَمْتَنِعُ شَرْعًا، وَمَا لاَ يَمْتَنِعُ عَقْلاً، أَوْ مَا اسْتَوَى فِيهِ الأَْمْرَانِ، وَالْمَشْكُوكُ فِي حُكْمِهِ كَسُؤْرِ الْحِمَارِ (٣) ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَهُ عَلَى أَعَمَّ مِنَ الْمُبَاحِ (٤) ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَصَرَهُ عَلَيْهِ، فَجَعَل الْجَوَازَ مُرَادِفًا لِلإِْبَاحَةِ. (٥)
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الْجَوَازَ فِيمَا قَابَل الْحَرَامَ، فَيَشْمَل الْمَكْرُوهَ (٦) . وَهُنَاكَ اسْتِعْمَالٌ فِقْهِيٌّ لِكَلِمَةِ الْجَوَازِ بِمَعْنَى الصِّحَّةِ، وَهِيَ مُوَافَقَةُ الْفِعْل ذِي الْوَجْهَيْنِ لِلشَّرْعِ، وَالْجَوَازُ بِهَذَا الاِسْتِعْمَال حُكْمٌ وَضْعِيٌّ، وَبِالاِسْتِعْمَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ.
الْحِل:
٣ - الإِْبَاحَةُ فِيهَا تَخْيِيرٌ، أَمَّا الْحِل فَإِنَّهُ стр. 175
أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا؛ لأَِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا سِوَى التَّحْرِيمِ، وَقَدْ جَاءَ مُقَابِلاً لَهُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَل اللَّهُ لَكَ﴾ (٢) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَمَا إِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُحِل حَرَامًا وَلاَ أُحَرِّمُ حَلاَلاً (٣) . وَلَمَّا كَانَ الْحَلاَل مُقَابِلاً لِلْحَرَامِ شَمِل مَا عَدَاهُ مِنَ الْمُبَاحِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَكْرُوهِ مُطْلَقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَتَنْزِيهًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَلِهَذَا قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ حَلاَلاً وَمَكْرُوهًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، كَالطَّلاَقِ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ وَصَفَهُ الرَّسُول ﷺ بِأَنَّهُ حَلاَلٌ (٤) ،
وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ كُل مُبَاحٍ حَلاَلاً وَلاَ عَكْسَ.
الصِّحَّةُ:
٤ - الصِّحَّةُ هِيَ مُوَافَقَةُ الْفِعْل ذِي الْوَجْهَيْنِ стр. 176
لِلشَّرْعِ (١)
. وَمَعْنَى كَوْنِهِ ذَا وَجْهَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ تَارَةً مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ، لاِشْتِمَالِهِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ، وَيَقَعُ تَارَةً أُخْرَى مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ. وَالإِْبَاحَةُ الَّتِي فِيهَا تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ مُغَايِرَةٌ لِلصِّحَّةِ. وَهُمَا وَإِنْ كَانَا مِنَ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الإِْبَاحَةَ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ، وَالصِّحَّةَ حُكْمٌ وَضْعِيٌّ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُدُّ الصِّحَّةَ إِلَى الإِْبَاحَةِ فَيَقُول: إِنَّ الصِّحَّةَ إِبَاحَةُ الاِنْتِفَاعِ. (٢)
وَالْفِعْل الْمُبَاحُ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْفِعْل الصَّحِيحِ، فَصَوْمُ يَوْمٍ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ مُبَاحٌ، أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنَ الشَّرْعِ، وَهُوَ صَحِيحٌ إِنِ اسْتَوْفَى أَرْكَانَهُ وَشُرُوطَهُ. وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْل مُبَاحًا فِي أَصْلِهِ وَغَيْرَ صَحِيحٍ لاِخْتِلاَل شَرْطِهِ، كَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ. وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا غَيْرَ مُبَاحٍ كَالصَّلاَةِ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ إِذَا اسْتَوْفَتْ أَرْكَانَهَا وَشُرُوطَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْئِمَّةِ.
التَّخْيِيرُ:
٥ - الإِْبَاحَةُ تَخْيِيرٌ مِنَ الشَّارِعِ بَيْنَ فِعْل الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ، مَعَ اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ بِلاَ تَرَتُّبِ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ، أَمَّا التَّخْيِيرُ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى سَبِيل الإِْبَاحَةِ، أَيْ بَيْنَ فِعْل الْمُبَاحِ وَتَرْكِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْوَاجِبَاتِ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ، وَهِيَ وَاجِبَاتٌ لَيْسَتْ عَلَى التَّعْيِينِ، كَمَا فِي خِصَال الْكَفَّارَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ стр. 177
أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) فَإِنَّ فِعْل أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُسْقِطُ الْمُطَالَبَةَ، لَكِنَّ تَرْكَهَا كُلَّهَا يَقْتَضِي الإِْثْمَ.
وَقَدْ يَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْمَنْدُوبَاتِ كَالتَّنَفُّل قَبْل صَلاَةِ الْعَصْرِ، فَالْمُصَلِّي مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَنَفَّل بِرَكْعَتَيْنِ أَوْ بِأَرْبَعٍ. (٢)
وَالْمَنْدُوبُ نَفْسُهُ فِي مَفْهُومِهِ تَخْيِيرٌ بَيْنَ الْفِعْل وَالتَّرْكِ، وَإِنْ رُجِّحَ جَانِبُ الْفِعْل، وَفِيهِ ثَوَابٌ، بَيْنَمَا التَّخْيِيرُ فِي الإِْبَاحَةِ لاَ يُرَجَّحُ فِيهِ جَانِبٌ عَلَى جَانِبٍ، وَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلاَ عِقَابٌ.
الْعَفْوُ:
٦ - مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَل الْعَفْوَ الَّذِي رُفِعَتْ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ، وَنُفِيَ فِيهِ الْحَرَجُ، مُسَاوِيًا لِلإِْبَاحَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا (٣) . وَهُوَ مَا يَدُل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّل الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ (٤) . فَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُكَلِّفْنَا بِهِ فِعْلاً أَوْ تَرْكًا، стр. 178
وَلَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ مَثُوبَةً وَلاَ عِقَابًا. وَهُوَ بِهَذَا مُسَاوٍ لِلْمُبَاحِ.
أَلْفَاظُ الإِْبَاحَةِ:
٧ - الإِْبَاحَةُ إِمَّا بِلَفْظٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ مِنَ الْعِبَادِ. فَمِثَال غَيْرِ اللَّفْظِ مِنَ الشَّارِعِ أَنْ يَرَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِعْلاً مِنَ الأَْفْعَال، أَوْ يَسْمَعُ قَوْلاً، فَلاَ يُنْكِرُهُ، فَيَكُونُ هَذَا تَقْرِيرًا يَدُل عَلَى الإِْبَاحَةِ.
وَمِثَالُهُ مِنَ الْعِبَادِ أَنْ يَضَعَ الشَّخْصُ مَائِدَةً عَامَّةً لِيَأْكُل مِنْهَا مَنْ يَشَاءُ.
وَأَمَّا اللَّفْظُ فَقَدْ يَكُونُ صَرِيحًا، وَمِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الْجُنَاحِ وَنَفْيُ الإِْثْمِ أَوِ الْحِنْثِ أَوِ السَّبِيل أَوِ الْمُؤَاخَذَةِ. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ صَرِيحٍ، وَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ فِي دَلاَلَتِهِ عَلَى الإِْبَاحَةِ إِلَى قَرِينَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ: الأَْمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١) وَمِنْهُ الأَْمْرُ الْمُقْتَرِنُ بِالْمَشِيئَةِ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْحِل، أَوْ نَفْيُ التَّحْرِيمِ، أَوِ الاِسْتِثْنَاءُ مِنَ التَّحْرِيمِ.
مَنْ لَهُ حَقُّ الإِْبَاحَةِ:
الشَّارِعُ:
٨ - الأَْصْل أَنَّ حَقَّ الإِْبَاحَةِ لِلشَّارِعِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ، وَقَدْ تَكُونُ الإِْبَاحَةُ مُطْلَقَةً كَالْمُبَاحَاتِ الأَْصْلِيَّةِ، وَقَدْ تَكُونُ مُقَيَّدَةً إِمَّا بِشَرْطٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ (٢) فِي شَأْنِ مَا يُبَاحُ أَكْلُهُ مِنْ مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَوْ مُقَيَّدَةً بِوَقْتٍ كَإِبَاحَةِ أَكْل الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ стр. 179
الْعِبَادُ:
٩ - الإِْبَاحَةُ مِنَ الْعِبَادِ لاَ بُدَّ فِيهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَأْبَاهُ الشَّرْعُ، وَأَلاَّ تَكُونَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ، وَإِلاَّ كَانَتْ هِبَةً أَوْ إِعَارَةً.
وَإِذَا كَانَتِ الإِْبَاحَةُ مِنْ وَلِيِّ الأَْمْرِ فَالْمَدَارُ فِيهَا - بَعْدَ الشَّرْطَيْنِ السَّابِقَيْنِ - أَنْ تَكُونَ مَنُوطَةً بِالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.
وَهَذِهِ الإِْبَاحَةُ قَدْ تَكُونُ فِي وَاجِبٍ يَسْقُطُ بِهَا عَنْهُ، كَمَنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَاخْتَارَ التَّكْفِيرَ بِالإِْطْعَامِ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى تَنَاوُلِهِ إِبَاحَةٌ تُسْقِطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ، إِذْ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ التَّمْلِيكِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ، وَبَيْنَ الإِْبَاحَةِ.
وَهَذَا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ كَالْحَنَفِيَّةِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الإِْطْعَامَ فِي الْكَفَّارَةِ يَجِبُ فِيهِ التَّمْلِيكُ (١) . وَالإِْنْسَانُ يَعْرِفُ إِذْنَ غَيْرِهِ إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ يَقَعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ. فَلَوْ قَال مَمْلُوكٌ مَثَلاً: هَذِهِ هَدِيَّةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْكَ سَيِّدِي، أَوْ قَال صَبِيٌّ: هَذِهِ هَدِيَّةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْكَ وَالِدِي، قُبِل قَوْلُهُمَا فِي حِلِّهَا؛ لأَِنَّ الْهَدَايَا تُبْعَثُ فِي الْعَادَةِ عَلَى أَيْدِي هَؤُلاَءِ. (٢)
دَلِيل الإِْبَاحَةِ وَأَسْبَابُهَا:
١٠ - قَدْ يُوجَدُ فِعْلٌ مِنَ الأَْفْعَال لَمْ يَدُل الدَّلِيل السَّمْعِيُّ عَلَى حُكْمِهِ بِخُصُوصِهِ، وَذَلِكَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: الأُْولَى عَدَمُ وُرُودِ دَلِيلٍ لِهَذَا الْفِعْل أَصْلاً، وَالثَّانِيَةُ وُرُودُهُ وَلَكِنَّهُ جُهِل. وَأَكْثَرُ الأَْفْعَال دَل الدَّلِيل السَّمْعِيُّ عَلَيْهَا وَعُرِفَ حُكْمُهَا، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: стр. 180
أ - الْبَقَاءُ عَلَى الأَْصْل:
١١ - وَهَذَا مَا يُعْرَفُ بِالإِْبَاحَةِ الأَْصْلِيَّةِ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ أَوْ فَعَلَهُ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ قَبْل الْبَعْثَةِ.
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْكَلاَمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، أَوْ فِي كُتُبِ عِلْمِ الْكَلاَمِ. وَهَذَا الْخِلاَفُ لاَ مُحَصِّل لَهُ الآْنَ بَعْدَ وُرُودِ الْبَعْثَةِ، إِذْ دَل النَّصُّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ. قَال تَعَالَى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)
ب - مَا جُهِل حُكْمُهُ:
١٢ - قَدْ يَكُونُ الْجَهْل مَعَ وُجُودِ الدَّلِيل، وَلَكِنَّ الْمُكَلَّفَ - مُجْتَهِدًا أَوْ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ - لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، أَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ اسْتِنْبَاطَ الْحُكْمِ.
وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْجَهْل بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ عُذْرًا إِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الاِطِّلاَعُ عَلَى الدَّلِيل، وَكُل مَنْ كَانَ فِي إِمْكَانِهِ الاِطِّلاَعُ عَلَى الدَّلِيل وَقَصَّرَ فِي تَحْصِيلِهِ لاَ يَكُونُ مَعْذُورًا. وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوَاطِنِهَا.
وَمَنْ عُذِرَ بِجَهْلِهِ فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِحُكْمِ الْفِعْل، فَلاَ يُوصَفُ فِعْلُهُ بِالإِْبَاحَةِ بِالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ الَّذِي فِيهِ خِطَابٌ بِالتَّخْيِيرِ. وَإِنْ كَانَ الإِْثْمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ بِعُذْرِ الْجَهْل. (٢) следующие страницы →