Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11131–11170 · переход к 11136.
стр. 11131
الصَّلاَةُ قَال النَّبِيُّ ﷺ : أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا (١) وَقَال فِي سَائِرِ الإِْقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الأَْذَانِ. (٢)
ب - الْحَوْقَلَةُ فِي الصَّلاَةِ:
٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ حَوْقَل فِي الصَّلاَةِ لأُِمُورِ الدُّنْيَا تَفْسُدُ الصَّلاَةُ، وَإِنْ كَانَ لأُِمُورِ الآْخِرَةِ، أَوْ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ لاَ تَفْسُدُ. (٣) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ قَالَهَا فِي الصَّلاَةِ لِحَاجَةٍ فَلاَ حَرَجَ. (٤)
وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ - وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ - أَنَّ الْحَوْقَلَةَ فِي الصَّلاَةِ غَيْرُ مُبْطِلَةٍ إِذَا قُصِدَ بِهَا الذِّكْرُ، لأَِنَّ الأَْذْكَارَ وَالتَّسْبِيحَاتِ وَالأَْدْعِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ لاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ الْمَسْنُونُ وَغَيْرُهُ. (٥)
مَوَارِدُ ذِكْرِ الْحَوْقَلَةِ:
٥ - الْحَوْقَلَةُ مِنَ الأَْذْكَارِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: стр. 11132
إِذَا وَقَعَ الشَّخْصُ فِي هَلَكَةٍ. (١) أَوْ إِذَا مَرِضَ. (٢) أَوْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ وَخَافَ أَنْ يُصِيبَهُ بِعَيْنِهِ. (٣)
وَإِذَا تَطَيَّرَ بِشَيْءٍ (٤) وَأَثْنَاءَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ، (٥) وَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْل، (٦) وَإِذَا اسْتَيْقَظَ فِي اللَّيْل وَأَرَادَ النَّوْمَ بَعْدَهُ، (٧) وَبَعْدَ كُل صَلاَةٍ (٨) فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْحَالاَتِ وَغَيْرِهَا وَرَدَ ذِكْرُ الْحَوْقَلَةِ ضِمْنَ أَدْعِيَةٍ أُخْرَى، ذَكَرَهَا الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَْذْكَارِ، مُسْتَدِلًّا بِالأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وَكَذَلِكَ وَرَدَ ذِكْرُ الْحَوْقَلَةِ ضِمْنَ أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ (٩) وَضِمْنَ دَعَوَاتٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَافِ غَيْرِ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ، أَوْ حَالٍ مَخْصُوصٍ. (١٠)
كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: قَال: قَال لِي النَّبِيُّ ﷺ : أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ стр. 11133
الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: قُل: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. (١) . стр. 11134
حَوْلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَوْل فِي اللُّغَةِ: السَّنَةُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَالتَّغَيُّرِ، وَالاِنْقِلاَبِ، وَبِمَعْنَى الإِْقَامَةِ، وَالْحَوْل مِنْ حَال الشَّيْءُ حَوْلاً: إِذَا دَارَ.
وَسُمِّيَتِ السَّنَةُ حَوْلاً لاِنْقِلاَبِهَا وَدَوَرَانِ الشَّمْسِ فِي مَطَالِعِهَا، وَمَغَارِبِهَا، وَهُوَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ، وَالْجَمْعُ: أَحْوَالٌ، وَحُؤُولٌ، وَحُوُولٌ، بِالْهَمْزَةِ، وَبِغَيْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْحَوْلِيُّ: كُل مَا أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ ذِي حَافِرٍ وَغَيْرِهِ.
يُقَال جَمَلٌ حَوْلِيٌّ، وَنَبْتٌ حَوْلِيٌّ. وَأَحْوَل الصَّبِيُّ، فَهُوَ مُحْوِلٌ: أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ مَوْلِدِهِ. (١)
وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَوْل:
أ - الْحَوْل فِي الزَّكَاةِ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوْل شَرْطٌ لِوُجُوبِ стр. 11135
الزَّكَاةِ فِي نِصَابِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ، وَفِي الأَْثْمَانِ، وَهِيَ الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَفِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ لِحَدِيثِ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل. (١)
قَالُوا: لأَِنَّ هَذِهِ الأَْمْوَال مُرْصَدَةٌ لِلنَّمَاءِ، فَالْمَاشِيَةُ مُرْصَدَةٌ لِلدَّرِّ وَالنَّسْل، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ مُرْصَدَةٌ لِلرِّبْحِ وَكَذَا الأَْثْمَانُ، فَاعْتُبِرَ فِي الْكُل الْحَوْل، لأَِنَّ النَّمَاءَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَال، وَهُوَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالاِسْتِنْمَاءِ، وَلاَ بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مُدَّةٍ، وَأَقَل مُدَّةٍ يُسْتَنْمَى الْمَال فِيهَا بِالتِّجَارَةِ وَالإِْسَامَةِ عَادَةً: الْحَوْل، فَصَارَ مَظِنَّةَ النَّمَاءِ فَاعْتُبِرَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ النَّمَاءِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَلِكَثْرَةِ اخْتِلاَفِهِ، وَكُل مَا اعْتُبِرَ مَظِنَّتُهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى حَقِيقَتِهِ كَالْحُكْمِ مَعَ الأَْسْبَابِ.
وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الأَْمْوَال تَتَكَرَّرُ فَلاَ بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ كَيْ لاَ يُفْضِيَ إِلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ مَرَّاتٍ فَيَنْفَدُ مَال الْمَالِكِ. (٢) стр. 11136
أَمَّا الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا حَوْلٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١) . وَلأَِنَّهَا نَمَاءٌ بِنَفْسِهَا مُتَكَامِلَةٌ عِنْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهَا، فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهَا حِينَئِذٍ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِي النَّقْصِ لاَ فِي النَّمَاءِ، فَلاَ تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ، لِعَدَمِ إِرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ. (٢)
وَالْمَعْدِنُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ كَالزَّرْعِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حَوْلٌ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خُمُسٍ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (٣)
فَيُؤْخَذُ زَكَاتُهُ عِنْدَ حُصُولِهِ، قَالُوا: إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الأَْثْمَانِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ كُل حَوْلٍ، لأَِنَّهُ مَظِنَّةُ النَّمَاءِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الأَْثْمَانَ قِيَمُ الأَْمْوَال، وَرَأْسُ مَال التِّجَارَةِ، وَبِهَا تَحْصُل الْمُضَارَبَةُ وَالشَّرِكَةُ. (٤)
وَالتَّفْصِيل، فِي مُصْطَلَحَاتِ (زَكَاةٌ، رِكَازٌ، مَعْدِنٌ) .
ابْتِدَاءُ الْحَوْل:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ إِنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ مَال الزَّكَاةِ مِمَّا يُعْتَبَرُ لَهُ الْحَوْل، وَلاَ مَال لَهُ стр. 11137
سِوَاهُ: انْعَقَدَ حَوْلُهُ مِنْ حِينِ حُصُول الْمِلْكِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لاَ يَبْلُغُ نِصَابًا، فَمَلَكَ مَالاً آخَرَ بَلَغَ بِهِ نِصَابًا، ابْتَدَأَ الْحَوْل مِنْ حِينِ بُلُوغِ النِّصَابِ.
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ فَاسْتَفَادَ فِي خِلاَل الْحَوْل مَالاً مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ نَمَاءِ مَا عِنْدَهُ كَرِبْحِ التِّجَارَةِ، وَنِتَاجِ السَّائِمَةِ فَإِنَّهُ يُضَمُّ فِي الْحَوْل إِلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ أَصْلِهِ، فَيُزَكَّى بِحَوْل الأَْصْل بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَالِهِ فَيَتْبَعُهُ فِي الْحَوْل، وَلأَِنَّهُ مُلِكَ بِمِلْكِ الأَْصْل وَتَوَلَّدَ مِنْهُ فَيَتْبَعُهُ فِي الْحَوْل. أَمَّا إِذَا اسْتَفَادَ بَعْدَ الْحَوْل وَالتَّمَكُّنِ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنَ الأَْصْل لَمْ يَضُمَّ فِي الْحَوْل الأَْوَّل وَيَضُمَّ فِي الْحَوْل الثَّانِي. (١)
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ نَمَائِهِ كَالْمُشْتَرَى، وَالْمُتَّهَبِ وَالْمُوصَى بِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ضَمِّهِ إِلَى الأَْصْل فِي الْحَوْل. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُضَمُّ إِلَى مَا عِنْدَهُ فِي الْحَوْل فَيُزَكِّي بِحَوْل الأَْصْل عَيْنًا كَانَ أَوْ مَاشِيَةً.
وَقَالُوا: إِنَّ عُمُومَاتِ الزَّكَاةِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الْحَوْل إِلاَّ مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ، стр. 11138
وَلأَِنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ جِنْسِ الأَْصْل تَبَعٌ لَهُ، لأَِنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، إِذِ الأَْصْل يَزْدَادُ بِهِ.
وَالزِّيَادَةُ تَبَعٌ لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَالتَّبَعُ لاَ يَنْفَرِدُ بِالشَّرْطِ كَمَا لاَ يَنْفَرِدُ بِالسَّبَبِ لِئَلاَّ يَنْقَلِبَ التَّبَعُ أَصْلاً، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ بِحَوْل الأَْصْل. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُضَمُّ إِلَى الأَْصْل فِي الْحَوْل إِنْ كَانَ الْمَال عَيْنًا، أَمَّا إِنْ كَانَ مَاشِيَةً فَيُضَمُّ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يَضُمُّ الثَّانِيَةَ إِلَى الأُْولَى، بَل يَنْعَقِدُ لَهَا حَوْلٌ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ. (٣)
لِخَبَرِ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل. (٤) وَالْمُسْتَفَادُ مَالٌ لَمْ يَحُل عَلَيْهِ الْحَوْل فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ.
وَلأَِنَّ الْمُسْتَفَادَ مُلِكَ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ فَلَيْسَ مَمْلُوكًا بِمَا مَلَكَ بِهِ مَا عِنْدَهُ، وَلاَ تَفَرَّعَ عَنْهُ، فَلَمْ يُضَمَّ إِلَيْهِ فِي الْحَوْل. (٥)
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا عِنْدَهُ، كَأَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ مِنَ الْغَنَمِ، فَاسْتَفَادَ فِي الْحَوْل خَمْسًا مِنَ الإِْبِل، فَلِلْمُسْتَفَادِ حُكْمُ نَفْسِهِ، стр. 11139
وَلاَ يُضَمُّ إِلَى مَا عِنْدَهُ فِي الْحَوْل، بَل إِنْ كَانَ نِصَابًا اسْتَقْبَل بِهِ حَوْلاً، وَإِلاَّ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. (١) .
مَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْحَوْل:
٤ - مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - مِنْ غَيْرِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ - أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وُجُودُ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْل، فَإِنْ نَقَصَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل انْقَطَعَ الْحَوْل.
أَمَّا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ فَإِنْ نَقَصَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل انْقَطَعَ الْحَوْل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلاَ يَنْقَطِعُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَقَوْل زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بَل الشَّرْطُ وُجُودُ النِّصَابِ فِي آخِرِ الْحَوْل فَقَطْ، إِذْ هُوَ حَال الْوُجُوبِ فَلاَ يُعْتَبَرُ غَيْرُهُ لِكَثْرَةِ اضْطِرَابِ الْقِيَمِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ: إِنَّ الْمُعْتَبَرَ طَرَفَا الْحَوْل، كَغَيْرِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ. وَلاَ يُعْتَبَرُ مَا بَيْنَهُمَا إِذْ تَقْوِيمُ الْعُرُوضِ فِي كُل لَحْظَةٍ يَشُقُّ وَيَحُوجُ إِلَى مُلاَزَمَةِ السُّوقِ وَمُرَاقَبَةٍ دَائِمَةٍ. (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُشْتَرَطُ وُجُودُ النِّصَابِ، فِي стр. 11140
أَوَّل الْحَوْل وَفِي آخِرِهِ، حَتَّى لَوِ انْتَقَصَ النِّصَابُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل ثُمَّ كَمُل فِي آخِرِهِ تَجِبُ الزَّكَاةُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنَ السَّوَائِمِ أَوْ مِنَ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، أَوْ مَال التِّجَارَةِ. أَمَّا إِذَا هَلَكَ كُلُّهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل، يَنْقَطِعُ الْحَوْل عِنْدَ الْجَمِيعِ. (١)
اسْتِبْدَال مَال الزَّكَاةِ فِي الْحَوْل بِمِثْلِهِ:
٥ - إِذَا بَاعَ نِصَابًا لِلزَّكَاةِ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْل بِجِنْسِهِ كَالإِْبِل بِالإِْبِل، أَوِ الْبَقَرِ بِالْبَقَرِ، أَوِ الْغَنَمِ بِالْغَنَمِ، أَوِ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ لَمْ يَنْقَطِعِ الْحَوْل، وَبَنَى حَوْل الثَّانِي عَلَى حَوْل الأَْوَّل، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) وَقَالُوا: إِنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ إِلَيْهِ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْل، فَيُبْنَى حَوْل بَدَلِهِ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ كَالْعُرُوضِ، وَحَدِيثُ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل: مَخْصُوصٌ بِالنَّمَاءِ وَالرِّبْحِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، فَتَقِيسُ عَلَيْهِ مَحَل النِّزَاعِ. (٣) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، إِلَى أَنَّ الْحَوْل الأَْوَّل يَنْقَطِعُ فَيَسْتَأْنِفُ كُلٌّ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْحَوْل عَلَى مَا أَخَذَهُ مِنْ حِينِ الْمُبَادَلَةِ فِي السَّائِمَةِ.
أَمَّا الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُسْتَأْنَفُ الْحَوْل إِنْ لَمْ يَكُنْ стр. 11141
صَيْرَفِيًّا يُبَدِّلُهَا لِلتِّجَارَةِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ صَيْرَفِيًّا عَلَى الأَْصَحِّ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ اسْتِبْدَال الدَّنَانِيرِ بِالدَّنَانِيرِ، أَوْ بِالدَّرَاهِمِ، لاَ يَقْطَعُ الْحَوْل.
قَالُوا: لأَِنَّ الْوُجُوبَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْنَى لاَ بِالْعَيْنِ، وَالْمَعْنَى قَائِمٌ بَعْدَ الاِسْتِبْدَال فَلاَ يَبْطُل حُكْمُ الْحَوْل كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، بِخِلاَفِ السَّائِمَةِ، لأَِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ، وَقَدْ تَبَدَّلَتِ الْعَيْنُ، فَبَطَل الْحَوْل عَلَى الأَْوَّل، فَيَسْتَأْنِفُ لِلثَّانِي حَوْلاً. (١) وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ " الزَّكَاةُ ".
أَمَّا إِذَا اسْتَبْدَل نِصَابَ الزَّكَاةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، بِأَنْ يَبِيعَ نِصَابَ السَّائِمَةِ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ، أَوْ بَادَل الإِْبِل بِبَقَرٍ، أَوْ غَنَمٍ، فِي خِلاَل الْحَوْل، فَإِنَّ حُكْمَ الْحَوْل يَنْقَطِعُ وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلاً آخَرَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (٢)
هَذَا إِذَا لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ، أَمَّا إِذَا فَعَل ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا، لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ، وَتُؤْخَذُ فِي آخِرِ الْحَوْل إِذَا كَانَ الإِْبْدَال عِنْدَ قُرْبِ الْوُجُوبِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، (٣) وَقَالُوا: إِنَّهُ قَصَدَ إِسْقَاطَ نَصِيبِ مَنِ انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ стр. 11142
طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلأَِنَّهُ قَصَدَ قَصْدًا فَاسِدًا فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ مُعَاقَبَتَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ فَرْقَ فِي انْقِطَاعِ الْحَوْل بِالْمُبَادَلَةِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُهُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، وَبَيْنَ مَنْ قَصَدَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَفِي الصُّورَتَيْنِ يَنْقَطِعُ الْحَوْل. (١) هَذَا فِي الْمُبَادَلَةِ الصَّحِيحَةِ.
أَمَّا الْمُبَادَلَةُ الْفَاسِدَةُ فَلاَ تَقْطَعُ الْحَوْل، وَإِنِ اتَّصَلَتْ بِالْقَبْضِ وَيُبْنَى عَلَى الْحَوْل الأَْوَّل، لأَِنَّهَا لاَ تُزِيل الْمِلْكَ. (٢)
وَإِنْ بَاعَ النِّصَابَ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ أَوْ إِقَالَةٍ، اسْتَأْنَفَ الْحَوْل مِنْ حِينِ الرَّدِّ لاِنْقِطَاعِ الْحَوْل الأَْوَّل بِالْبَيْعِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَبْنِي عَلَى الْحَوْل الأَْوَّل. (٣)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) .
عَلَفُ السَّائِمَةِ فِي خِلاَل الْحَوْل:
٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا أَعْلَفَ السَّائِمَةَ فِي مُعْظَمِ الْحَوْل يَنْقَطِعُ الْحَوْل. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ لاَ يَقْطَعُ الْحَوْل، بِنَاءً عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِ стр. 11143
اشْتِرَاطِ السَّوْمِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ. (١)
وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ " زَكَاةٌ ".
الْحَوْل فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ:
٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ حَوْلاَنِ كَامِلاَنِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِطَامَ الصَّبِيِّ قَبْل تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ حَقٌّ لِلأَْبَوَيْنِ مَعًا، بِشَرْطِ عَدَمِ الإِْضْرَارِ بِالرَّضِيعِ وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا الاِسْتِقْلاَل بِالْفِطَامِ قَبْل تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْل ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ . (٣)
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحَيْ (رَضَاعٌ، وَحَضَانَةٌ) .
اشْتِرَاطُ الْحَوْلَيْنِ فِي الرَّضَاعِ الْمُؤَثِّرِ فِي التَّحْرِيمِ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ الْمُؤَثِّرِ فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِجَوَازِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ стр. 11144
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالصَّاحِبَانِ: أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: يُشْتَرَطُ أَلاَّ يَبْلُغَ الْمُرْتَضِعُ حَوْلَيْنِ، فَمَتَى بَلَغَ حَوْلَيْنِ فَلاَ أَثَرَ لاِرْتِضَاعِهِ. (١) لِخَبَرِ: لاَ رَضَاعَ إِلاَّ مَا فَتَقَ الأَْمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْل حَوْلَيْنِ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَضُرُّ زِيَادَةُ شَهْرَيْنِ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ حَوْلاَنِ، وَنِصْفٌ. (٣)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رَضَاعٌ) . стр. 11145
حَوَلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَوَل بِفَتْحَتَيْنِ: أَنْ يَظْهَرَ الْبَيَاضُ فِي الْعَيْنِ فِي مُؤْخِرِهَا، وَيَكُونُ السَّوَادُ مِنْ قِبَل الْمَاقِ وَطَرَفِ الْعَيْنِ مِنْ قِبَل الأَْنْفِ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَوَرُ:
٢ - الْعَوَرُ ذَهَابُ بَصَرِ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ. يُقَال عَوِرَ الرَّجُل: ذَهَبَ بَصَرُ إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَهُوَ أَعْوَرُ وَالأُْنْثَى عَوْرَاءُ (٢) .
ب - الْعَشَى:
٣ - الْعَشَى هُوَ سُوءُ الْبَصَرِ بِاللَّيْل وَالنَّهَارِ. وَقِيل مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلاَ يُبْصِرُ بِاللَّيْل (٣) . стр. 11146
ج - الظَّفْرُ:
٤ - الظَّفْرُ بَيَاضٌ يَبْدُو فِي إِنْسَانِ الْعَيْنِ، وَذَلِكَ يُمْكِنُ ضَعْفًا فِي الْبَصَرِ. وَعَدَّهُ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ مِنْ عُيُوبِ الْعَيْنِ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَوَل:
أ - فَسْخُ النِّكَاحِ بِالْحَوَل:
٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْحَوَل لاَ يَثْبُتُ بِهِ حَقُّ فَسْخِ النِّكَاحِ لأَِحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَا لَمْ يُشْتَرَطِ السَّلاَمَةُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ لاَ يَفُوتُ بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ النِّكَاحِ الْمُصَاهَرَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ بِخِلاَفِ اللَّوْنِ وَالطُّول وَالْقِصَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالزَّوْجُ قَدْ رَضِيَ رِضًا مُطْلَقًا وَهُوَ لَمْ يَشْتَرِطْ صِفَةً فَظَهَرَ عَدَمُهَا. (٢)
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ - وَنَقَلَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَأَقَرَّهُ -: كُل عَيْبٍ يَفِرُّ الزَّوْجُ الآْخَرُ مِنْهُ وَلاَ يَحْصُل بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ: يُوجِبُ الْخِيَارَ. وَإِنَّ النِّكَاحَ أَوْلَى مِنَ الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ الإِْطْلاَقُ إِلَى السَّلاَمَةِ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ عُرْفًا (٣) . стр. 11147
أَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ السَّلاَمَةَ مِنَ الْحَوَل وَنَحْوِهِ، كَالْعَوَرِ وَالْعَرَجِ - حَتَّى وَلَوْ كَانَ شَرْطُ السَّلاَمَةِ بِوَصْفِ الْوَلِيِّ أَوْ وَصْفِ غَيْرِهِ بِحَضْرَتِهِ وَسَكَتَ بِأَنَّهَا صَحِيحَةُ الْعَيْنَيْنِ أَوْ سَلِيمَةٌ مِنَ الْحَوَل وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَبَانَ خِلاَفَ ذَلِكَ فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ مَا صَوَّبَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ - أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ. (١)
وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ سَلاَمَةَ الزَّوْجِ مِنَ الْحَوَل فَبَانَ دُونَ الْمَشْرُوطِ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ شُرِطَتِ السَّلاَمَةُ فِي الزَّوْجَةِ فَفِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلزَّوْجِ قَوْلاَنِ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الطَّلاَقِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَالأَْظْهَرُ ثُبُوتُهُ. (٢)
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ السَّلاَمَةَ مِنَ الْحَوَل، بَل وَمِمَّا هُوَ أَفْحَشُ مِنْهُ كَالْعَمَى، وَالشَّلَل، وَالزَّمَانَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الْجَمَال وَالْبَكَارَةَ، فَوَجَدَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ لاَ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، لأَِنَّ فَوْتَ زِيَادَةٍ مَشْرُوطَةٍ لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي إِثْبَاتِ الْخِيَارِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. (٣)
ب - التَّضْحِيَةُ بِالْحَوْلاَءِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي إِجْزَاءِ التَّضْحِيَةِ стр. 11148
بِالشَّاةِ الْحَوْلاَءِ، مَا لَمْ يَمْنَعِ الْحَوَل النَّظَرَ، لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْبَصَرِ، (١) وَلِلتَّفْصِيل ر: أُضْحِيَّةٌ ف (٢٨) .
ج - مَا يَجِبُ فِي الإِْحْوَال:
٧ - الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَيْنِ إِذَا أَدَّتْ إِلَى الْحَوَل تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ.
بِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لَوْ ضَرَبَ الْعَيْنَ ضَرْبَةً فَابْيَضَّتْ أَوْ أَصَابَهَا قَرْحٌ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُهَيِّجُ بِالْعَيْنِ فَنَقَصَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ حُكُومَةُ عَدْلٍ. (٢)
هَذَا وَأَمَّا الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَيْنِ الْحَوْلاَءِ وَالاِقْتِصَاصُ مِنَ الأَْحْوَل إِذَا فَقَأَ عَيْنًا سَلِيمَةً فَتُنْظَرُ فِي (جِنَايَةٌ، حُكُومَةُ عَدْلٍ، قِصَاصٌ، دِيَةٌ، وَعَيْنٌ) . стр. 11149
حَيَاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَيَاءُ لُغَةً مَصْدَرُ حَيِيَ، وَهُوَ: تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْتَرِي الإِْنْسَانَ مِنْ خَوْفِ مَا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ. وَفِي الشَّرْعِ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى اجْتِنَابِ الْقَبِيحِ مِنَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخَجَل:
٢ - الْخَجَل: وَهُوَ: الاِسْتِرْخَاءُ مِنَ الْحَيَاءِ، وَيَكُونُ مِنَ الذُّل، يُقَال: بِهِ خَجْلَةٌ أَيْ حَيَاءٌ، وَهُوَ التَّحَيُّرُ وَالدَّهَشُ مِنَ الاِسْتِحْيَاءِ.
يُقَال: خَجِل الرَّجُل خَجَلاً: فَعَل فِعْلاً فَاسْتَحَى مِنْهُ. (٢)
وَقَال أَبُو هِلاَلٍ الْعَسْكَرِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَجَل وَالْحَيَاءِ، أَنَّ الْخَجَل مَعْنًى يَظْهَرُ فِي الْوَجْهِ لِغَمٍّ يَلْحَقُ الْقَلْبَ عِنْدَ ذَهَابِ حُجَّةٍ، أَوْ ظُهُورٍ стр. 11150
عَلَى رِيبَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ شَيْءٌ تَتَغَيَّرُ بِهِ الْهَيْئَةُ، وَالْحَيَاءُ هُوَ الاِرْتِدَاعُ بِقُوَّةِ الْحَيَاءِ، وَلِهَذَا يُقَال فُلاَنٌ يَسْتَحْيِ فِي هَذَا الْحَال أَنْ يَفْعَل كَذَا، وَلاَ يُقَال يَخْجَل أَنْ يَفْعَلَهُ فِي هَذِهِ الْحَال، لأَِنَّ هَيْئَتَهُ لاَ تَتَغَيَّرُ مِنْهُ قَبْل أَنْ يَفْعَلَهُ، فَالْخَجَل مِمَّا كَانَ وَالْحَيَاءُ مِمَّا يَكُونُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل الْحَيَاءُ مَوْضِعَ الْخَجَل تَوَسُّعًا.
وَقَال الأَْنْبَارِيُّ: أَصْل الْخَجَل فِي اللُّغَةِ: الْكَسَل وَالْتَوَانِي وَقِلَّةُ الْحَرَكَةِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَال الْعَرَبِ لَهُ حَتَّى أَخْرَجُوهُ عَلَى مَعْنَى الاِنْقِطَاعِ فِي الْكَلاَمِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِذَا جُعْتُنَّ وَقَعْتُنَّ وَإِذَا شَبِعْتُنَّ خَجِلْتُنَّ. (١)
وَقَعْتُنَّ أَيْ ذَلَلْتُنَّ وَخَجِلْتُنَّ كَسِلْتُنَّ، وَقَال أَبُو عُبَيْدَةَ: الْخَجَل هَاهُنَا الأَْشَرُ، وَقِيل: هُوَ سُوءُ احْتِمَال الْعَنَاءِ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ الْخَجَل بِمَعْنَى الدَّهَشِ.
قَال الْكُمَيْتُ:
فَلَمْ يَدْفَعُوا عِنْدَنَا مَا لَهُمْ
لِوَقْعِ الْحُرُوبِ وَلَمْ يَخْجَلُوا
. أَيْ لَمْ يَبْقَوْا دَهِشِينَ مَبْهُوتِينَ (٢) . стр. 11151
ب - الْبَذَاءَةُ:
٣ - الْبَذَاءَةُ لُغَةً: السَّفَاهَةُ وَالْفُحْشُ فِي الْمَنْطِقِ وَإِنْ كَانَ الْكَلاَمُ صِدْقًا، وَفِي الْحَدِيثِ: الْحَيَاءُ مِنَ الإِْيمَانِ، وَالإِْيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءَةُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ (١) فَجَعَل الْبَذَاءَةَ مُقَابِلَةً لِلْحَيَاءِ. وَقَرِيبٌ مِنَ الْبَذَاءَةِ الْفُحْشُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ : مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ (٢) .
ج - الْوَقَاحَةُ:
٤ - الْوَقَاحَةُ وَالْقِحَةُ أَنْ يَقِل حَيَاءُ الرَّجُل وَيَجْتَرِئَ عَلَى اقْتِرَافِ الْقَبَائِحِ وَلاَ يَعْبَأَ بِهَا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَيَاءِ:
٥ - الْحَيَاءُ مِنْ خَصَائِصِ الإِْنْسَانِ، وَغَرِيزَةٌ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إِلَى اكْتِسَابٍ وَعِلْمٍ وَنِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَرْدَعُ عَنِ ارْتِكَابِ كُل مَا يَشْتَهِيهِ فَلاَ يَكُونُ كَالْبَهِيمَةِ.
وَإِذَا وَرَدَ نَصٌّ فِيهِ وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْحَيَاءِ: فَهُوَ حَيَاءٌ مَحْمُولٌ عَلَى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ стр. 11152
وَتَعَالَى. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١) وَمَا رَوَاهُ سَلْمَانُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُل إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ (٢) .
وَالْحَيَاءُ بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ مَطْلُوبٌ، وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَرَغَّبَ فِيهِ، لأَِنَّهُ بَاعِثٌ عَلَى أَفْعَال الْخَيْرِ وَمَانِعٌ مِنَ الْمَعَاصِي، وَيَحُول بَيْنَ الْمَرْءِ وَالْقَبَائِحِ، وَيَمْنَعُهُ مِمَّا يُعَابُ بِهِ وَيُذَمُّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا أَثَرَهُ فَلاَ شَكَّ أَنَّهُ خُلُقٌ مَحْمُودٌ، لاَ يُنْتِجُ إِلاَّ خَيْرًا، فَالَّذِي يَهُمُّ بِفِعْل فَاحِشَةٍ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنِ اجْتِرَاحِهَا، أَوْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ سَفِيهٌ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنْ مُقَابَلَةِ السَّيِّئَةِ بِالسَّيِّئَةِ، أَوْ يَسْأَلُهُ سَائِلٌ فَيَمْنَعُهُ حَيَاؤُهُ مِنْ حِرْمَانِهِ، أَوْ يَضُمُّهُ مَجْلِسٌ فَيُمْسِكُ الْحَيَاءُ بِلِسَانِهِ عَنِ الْكَلاَمِ، وَالْخَوْضِ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ، فَالَّذِي يَكُونُ لِلْحَيَاءِ فِي نَفْسِهِ هَذِهِ الآْثَارُ الْحَسَنَةُ، فَهُوَ ذُو خُلُقٍ مَحْمُودٍ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَال لَهُ ﷺ : دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِْيمَانِ. (٣) стр. 11153
وَقَال ﵊: الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ (١) وَقَال ﷺ : الإِْيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْل: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِْيمَانِ (٢) وَقَال ﵊: الْحَيَاءُ وَالإِْيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآْخَرُ (٣) وَقَال ﵊: إِنَّ لِكُل دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِْسْلاَمِ الْحَيَاءُ (٤) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ (٥) ، وَعَنْهُ ﷺ : إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ стр. 11154
مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُْولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ. (١)
قَال الْعُلَمَاءُ: الْحَيَاءُ مِنَ الْحَيَاةِ، وَعَلَى حَسَبِ حَيَاةِ الْقَلْبِ يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ خُلُقِ الْحَيَاءِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ مِنْ مَوْتِ الْقَلْبِ (٢) وَالرُّوحِ، وَأَوْلَى الْحَيَاءِ: الْحَيَاءُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحَيَاءُ مِنْهُ أَلاَّ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَمُرَاقَبَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : الإِْحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. (٣)
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ مَرْفُوعًا: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ. قَال: قُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَال: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنْ الاِسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآْخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ (٤) قَال الْجُنَيْدُ ﵀ стр. 11155
: " الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الآْلاَءِ، وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى: الْحَيَاءَ ".
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَمِنْ كَلاَمِ الْحُكَمَاءِ أَحْيُوا الْحَيَاءَ بِمُجَالَسَةِ مَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ، وَعِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْهَيْبَةِ وَالْحَيَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَا مِنَ الْقَلْبِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَيْرٌ. (١)
٦ - وَيَجْرِي فِي الْحَيَاءِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْيَى مِنْهُ مُحَرَّمًا، فَالْحَيَاءُ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَاءُ مِنْهُ مَكْرُوهًا فَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحْيَى مِنْهُ وَاجِبًا فَالْحَيَاءُ مِنْهُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُبَاحٍ فَهُوَ عُرْفِيٌّ أَوْ جَائِزٌ. (٢)
فَالْحَيَاءُ مِنْ تَعَلُّمِ أُمُورِ الدِّينِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الإِْنْسَانِ الْعِلْمُ بِهِ لَيْسَ بِحَيَاءٍ شَرْعِيٍّ. فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَْنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (٣) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، هَل عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ стр. 11156
فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ. (١)
وَالْحَيَاءُ مِنْ مُوَاجِهَةِ الظَّلَمَةِ، وَالْفُسَّاقِ وَزَجْرِهِمْ، وَتَرْكِ الْجَهْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ حَيَاءٌ لَيْسَ بِحَيَاءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَجْزٌ وَمَهَانَةٌ، وَتَسْمِيَتُهُ حَيَاءً: مِنْ إِطْلاَقِ بَعْضِ أَهْل الْعُرْفِ: أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابِهَتِهِ الصُّورِيَّةِ لِلْحَيَاءِ الشَّرْعِيِّ. (٢)
أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِسَبَبِ الْحَيَاءِ:
٧ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ: إِذَا أَخَذَ مَال غَيْرِهِ بِالْحَيَاءِ كَأَنْ يَسْأَل غَيْرَهُ مَالاً فِي مَلأٍَ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ بِبَاعِثِ الْحَيَاءِ فَقَطْ، أَوْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ حَيَاءً هَدِيَّةً يَعْلَمُ الْمُهْدَى لَهُ أَنَّ الْمُهْدِي أَهْدَى إِلَيْهِ حَيَاءً لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلاَ يَحِل لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُل طَلَبٌ مِنَ الآْخِذِ، فَالْمَدَارُ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْمَال دَفَعَهُ إِلَيْهِ حَيَاءً، وَلاَ مُرُوءَةً، وَلاَ لِرَغْبَةٍ فِي خَيْرٍ، وَمِنْ هَذَا: لَوْ جَلَسَ عِنْدَ قَوْمٍ يَأْكُلُونَ طَعَامًا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْكُل مَعَهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ حَيَائِهِمْ، لاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ طَعَامِهِمْ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الضَّيْفِ أَنْ يُقِيمَ فِي بَيْتِ مُضِيفِهِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ الضِّيَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ فَيُطْعِمُهُ حَيَاءً. стр. 11157
فَلِلْمَأْخُوذِ بِالْحَيَاءِ حُكْمُ الْمَغْصُوبِ، وَعَلَى الآْخِذِ رَدُّهُ، أَوِ التَّعْوِيضُ عَنْهُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّعْوِيضُ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ أَوْ أَكَل مِنْ زَادِهِمْ، وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا كَلاَمٌ حَسَنٌ لأَِنَّ الْمَقَاصِدَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرَةٌ (١) .
وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ. стр. 11158
حَيَاةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَيَاةُ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الْمَوْتِ، وَالْحَيُّ مِنْ كُل شَيْءٍ نَقِيصُ الْمَيِّتِ. وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قُوَّةٍ مِزَاجِيَّةٍ تَقْتَضِي الْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ، وَفِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ صِفَةٌ تَلِيقُ بِهِ جَل شَأْنُهُ. (١) وَعَرَّفَ الْجُرْجَانِيُّ الْحَيَاةَ: بِأَنَّهَا صِفَةٌ تُوجِبُ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا أَنْ يَعْلَمَ وَيَقْدِرَ. (٢) وَعَلَى هَذَا لاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلْحَيَاةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرُّوحُ:
٢ - قَال الْفَرَّاءُ: الرُّوحُ، هُوَ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الإِْنْسَانُ، لَمْ يُخْبِرِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ. قَال تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُل الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٣) . стр. 11159
ب - النَّفْسُ:
٣ - قَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الأَْنْبَارِيِّ: مِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَنْ سَوَّى بَيْنَ النَّفْسِ وَالرُّوحِ، وَقَال: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَال غَيْرُهُمْ: الرُّوحُ هُوَ الَّذِي بِهِ الْحَيَاةُ وَالنَّفْسُ هِيَ الَّتِي بِهَا الْعَقْل (١) .
ج - الاِسْتِهْلاَل:
٤ - الاِسْتِهْلاَل مَصْدَرُ اسْتَهَل، يُقَال: اسْتَهَل الصَّبِيُّ بِالْبُكَاءِ أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ وَصَاحَ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ، وَكُل شَيْءٍ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ فَقَدِ اسْتَهَل. (٢) وَفِي الْحَدِيثِ: إِذَا اسْتَهَل الْمَوْلُودُ وَرِثَ. (٣) وَالاِسْتِهْلاَل أَمَارَةٌ مِنْ أَمَارَاتِ الْحَيَاةِ.
د - الْمَوْتُ:
٥ - الْمَوْتُ: صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ خُلِقَتْ ضِدًّا لِلْحَيَاةِ. وَقِيل: صِفَةٌ عَدَمِيَّةٌ. (٤)
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ التَّضَادُّ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَيَاةِ:
أَوَّلاً: بَدْءُ الْحَيَاةِ:
٦ - بَدْءُ الْحَيَاةِ الآْدَمِيَّةِ الأُْولَى كَانَ نَفْخَةً مِنْ стр. 11160
رُوحِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الصُّورَةِ الَّتِي سَوَّاهَا اللَّهُ مِنْ طِينٍ لآِدَمَ ﵇، كَمَا قَال سُبْحَانَهُ: ﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ (١)
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ بَدْءَ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﵇ يَكُونُ بِنَفْخِ الرُّوحِ فِي الْجَنِينِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: " حَدَّثَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَال: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَل الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. (٢)
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَوْعِدِ نَفْخِ الرُّوحِ: هَل هُوَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أَوْ بَعْدَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، أَوْ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي " جَنِينٍ " " وَرُوحٍ ".
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَنِينِ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ: هَل стр. 11161
يُعْتَبَرُ حَيًّا، أَوْ أَصْلاً لِلْحَيِّ، أَوْ لاَ يُعْتَبَرُ كَذَلِكَ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ حَيَاةَ الْجَنِينِ تَبْدَأُ وَيُعْتَدُّ بِهَا مُنْذُ نَفْخِ الرُّوحِ، أَمَّا قَبْلَهَا فَلاَ تَكُونُ حَيَاتُهُ حَقِيقِيَّةً بَل حَيَاةٌ اِعْتِبَارِيَّةٌ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ وَالتَّصَرُّفَاتِ، كَتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالإِْرْثِ، وَصِحَّةِ الإِْيصَاءِ لَهُ بِشَرْطِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١) لأَِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ أَيْ بِنَفْخِ الرُّوحِ حَيْثُ يَبْدَأُ فِي الْجَنِينِ الإِْحْسَاسُ وَالتَّأَثُّرُ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَلْقِ الآْخَرِ، فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَمَادًا. (٢)
وَاسْتَدَلُّوا كَذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقِ الَّذِي يَدُل عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الرُّوحِ بِالْجَنِينِ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، وَأَنَّ الْجَنِينَ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْل ذَلِكَ، ثُمَّ تُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ وَبِهَا يَكُونُ حَيًّا، وَأَفَاضَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي стр. 11162
الاِسْتِدْلاَل بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ قَال: إِنَّ الْجَنِينَ قَبْل نَفْخِ الرُّوحِ كَانَ فِيهِ حَرَكَةُ نُمُوٍّ وَاغْتِذَاءٍ كَالنَّبَاتِ، وَلَمْ تَكُنْ حَرَكَةُ نُمُوِّهِ وَاغْتِذَائِهِ بِالإِْرَادَةِ، فَلَمَّا نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ انْضَمَّتْ حَرَكَةُ حِسِّيَّتِهِ وَإِرَادَتِهِ إِلَى حَرَكَةِ نُمُوِّهِ وَاغْتِذَائِهِ. (١)
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ حَيَاةَ الْجَنِينِ تَبْدَأُ مِنْ حِينِ تَلْقِيحِ مَاءِ الْمَرْأَةِ بِمَاءِ الرَّجُل وَاسْتِقْرَارِ مَا حَصَل مِنْ ذَلِكَ فِي الرَّحِمِ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَعْتَبِرُونَ حَيَاةَ الْجَنِينِ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ حَيَاةً كَامِلَةً لإِِنْسَانٍ حَيٍّ بِالْفِعْل، وَإِنَّمَا الإِْنْسَانُ كَائِنٌ بِالْقُوَّةِ، حَيَاتُهُ حَيَاةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، قَال الْغَزَالِيُّ: أَوَّل مَرَاتِبِ الْوُجُودِ أَنْ تَقَعَ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ وَيَخْتَلِطَ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ وَتَسْتَعِدَّ لِقَبُول الْحَيَاةِ، وَإِفْسَادُ ذَلِكَ جِنَايَةٌ، فَإِنْ صَارَتْ مُضْغَةً وَعَلَقَةً كَانَتِ الْجِنَايَةُ أَفْحَشَ، وَإِنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَاسْتَوَتِ الْخِلْقَةُ ازْدَادَتِ الْجِنَايَةُ تَفَاحُشًا، وَمُنْتَهَى التَّفَاحُشِ فِي الْجِنَايَةِ بَعْدَ الاِنْفِصَال حَيًّا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَبْدَأُ سَبَبِ الْوُجُودِ مِنْ حَيْثُ وُقُوعُ الْمَنِيِّ فِي الرَّحِمِ لاَ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ مِنَ الإِْحْلِيل لأَِنَّ الْوَلَدَ لاَ يُخْلَقُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُل وَحْدَهُ بَل مِنَ الزَّوْجَيْنِ جَمِيعًا. (٢)
وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ الإِْنْسَانِيَّةَ الْكَامِلَةَ الْمُعْتَبَرَةَ اعْتِبَارًا كَامِلاً فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ تَبْدَأُ بِوِلاَدَةِ الشَّخْصِ حَيًّا. стр. 11163
ثَانِيًا: انْتِهَاءُ الْحَيَاةِ:
٧ - تَنْتَهِي حَيَاةُ الإِْنْسَانِ بِنَزْعِ الرُّوحِ، أَيْ بِالْمَوْتِ.
وَأَمَارَاتُ الْمَوْتِ مَعْرُوفَةٌ، وَرَدَ بَعْضُهَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَال: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ. (١)
قَال الزَّرْكَشِيُّ: وَشُخُوصُ الْبَصَرِ هُوَ الْحَالَةُ الَّتِي يُشَاهِدُ فِيهَا الْمَيِّتُ مَلَكَ الْمَوْتِ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ الَّتِي لاَ تُقْبَل مِنْهَا التَّوْبَةُ، (٢) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدُهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الآْنَ﴾ (٣)
وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَمَارَاتِ انْتِهَاءِ الْحَيَاةِ: شُخُوصَ الْبَصَرِ، وَانْقِطَاعَ النَّفَسِ، وَانْفِرَاجَ الشَّفَتَيْنِ، وَسُقُوطَ الْقَدَمَيْنِ، وَانْفِصَال الزَّنْدَيْنِ، وَمَيْل الأَْنْفِ، وَامْتِدَادَ جِلْدَةِ الْوَجْهِ، وَانْخِسَافَ الصُّدْغَيْنِ، وَتَقَلُّصَ الْخُصْيَتَيْنِ مَعَ تَدَلِّي جِلْدَتِهِمَا. (٤) стр. 11164
ثَالِثًا: الْحِفَاظُ عَلَى الْحَيَاةِ:
٨ - يَكُونُ الْحِفَاظُ عَلَى الْحَيَاةِ بِفِعْل مَا يُمْسِكُهَا وَالْكَفِّ عَمَّا يُهْلِكُهَا أَوْ يَضُرُّهَا، وَالْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَعَدَمِ إِلْقَائِهَا إِلَى التَّهْلُكَةِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، (١) وَقَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ آكَدُ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا بَعْدَ حِفْظِ الدِّينِ. (٢) وَقَال الشَّاطِبِيُّ: تَكَالِيفُ الشَّرِيعَةِ تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَقَاصِدِهَا فِي الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: ضَرُورِيَّةٌ، وَحَاجِيَّةٌ وَتَحْسِينِيَّةٌ، وَالضَّرُورِيَّةُ: هِيَ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا فِي قِيَامِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا. وَالْحِفْظُ لَهَا يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا وَيُثَبِّتُ قَوَاعِدَهَا وَذَلِكَ مُرَاعَاتُهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَالثَّانِي مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الاِخْتِلاَل الْوَاقِعَ أَوِ الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا وَذَلِكَ مُرَاعَاتُهَا مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ، وَحِفْظُ النَّفْسِ وَالْعَقْل مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ كَتَنَاوُل الْمَأْكُولاَتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَالْمَلْبُوسَاتِ وَالْمَسْكُونَاتِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَمَجْمُوعُ الضَّرُورِيَّاتِ خَمْسَةٌ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ وَالْعَقْل، وَالنَّسْل، وَالْمَال. (٣)
وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ فِعْل مَا يُمْسِكُ حَيَاتَهُ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلِبَاسٍ وَسَكَنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِمَّا وَرَدَ стр. 11165
فِي ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا﴾ (١)
قَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآْيَةِ: قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: أَحَل اللَّهُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ الأَْكْل وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخْيَلَةً، فَأَمَّا مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ هُوَ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَسَكَّنَ الظَّمَأَ فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عَقْلاً وَشَرْعًا، لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ الْحَوَاسِّ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْوِصَال، لأَِنَّهُ يُضْعِفُ الْجَسَدَ وَيُمِيتُ النَّفْسَ وَيُضْعِفُ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ وَيَدْفَعُهُ الْعَقْل. (٢)
وَالْمُضْطَرُّ فِي الْمَخْمَصَةِ الَّذِي لاَ يَجِدُ إِلاَّ مُحَرَّمًا كَالْمَيْتَةِ، أَوْ مَال الْغَيْرِ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْهَلاَكُ إِنْ لَمْ يَأْكُل مِنْ هَذَا الْمُحَرَّمِ، يَلْزَمُهُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ الْهَلاَكَ لِقَوْل اللَّهِ : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ : ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (مَخْمَصَةٌ) (وَمُضْطَرٌّ) (وَمَيْتَةٌ) .
وَالْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِالْكَفِّ عَمَّا يُتْلِفُ الْحَيَاةَ أَوْ يَضُرُّهَا، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا стр. 11166
أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) وَقَدِ احْتَجَّ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ بِهَذِهِ الآْيَةِ، حِين امْتَنَعَ عَنْ الاِغْتِسَال بِالْمَاءِ الْبَارِدِ، حِينَ أَجْنَبَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِل خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْهَلاَكِ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. (٢)
رَابِعًا: الْجِنَايَةُ عَلَى الْحَيَاةِ:
وَهِيَ قِسْمَانِ: جِنَايَةُ الشَّخْصِ عَلَى حَيَاتِهِ ، وَجِنَايَةٌ عَلَى حَيَاةِ غَيْرِهِ.
أ - جِنَايَةُ الشَّخْصِ عَلَى حَيَاتِهِ:
٩ - حَرَّمَ الشَّرْعُ تَحْرِيمًا قَاطِعًا أَنْ يَجْنِيَ الشَّخْصُ عَلَى حَيَاتِهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣)
وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَجَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ عَنْهُ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. (٤)
وَقَال ﷺ : مَنْ قَتَل نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي стр. 11167
يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَل نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَل نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. (١)
وَحَرَّمَ الشَّرْعُ أَنْ يَقْتُل الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ وَيَجْنِيَ عَلَى حَيَاتِهِ، لأَِنَّ نَفْسَهُ الَّتِي يُزْهِقُهَا لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ، فَالأَْنْفُسُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَالَى. (٢)
ب - جِنَايَةُ الشَّخْصِ عَلَى حَيَاةِ غَيْرِهِ:
١٠ - الْحَيَاةُ الَّتِي يُجْنَى عَلَيْهَا، إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَيَاةً حَقِيقِيَّةً مُسْتَقِرَّةً، أَوْ مُسْتَمِرَّةً لِشَخْصٍ حَيٍّ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَيَاةً اعْتِبَارِيَّةً وَهِيَ حَيَاةُ الْجَنِينِ.
الْجِنَايَةُ عَلَى حَيَاةِ شَخْصٍ حَيٍّ:
١١ - الْجِنَايَةُ عَلَى حَيَاةِ شَخْصٍ حَيٍّ تَكُونُ بِالْقَتْل أَيْ بِفِعْل مَا يَكُونُ سَبَبًا لِزَهُوقِ النَّفْسِ وَهُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ، قَال أَبُو الْبَقَاءِ: إِذَا اعْتُبِرَ بِفِعْل الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ يُقَال: قَتْلٌ، وَإِذَا اعْتُبِرَ بِفَوْتِ الْحَيَاةِ يُقَال: مَوْتٌ. (٣)
وَالْقَتْل عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، وَعِنْدَ آخَرِينَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ، بِإِضَافَةِ стр. 11168
مَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ، وَالْقَتْل بِسَبَبٍ، (١) وَفِي بَيَانِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الأَْقْسَامِ وَمُوجَبِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي " دِيَةٌ " " وَقَتْلٌ " " وَقَوَدٌ " " وَجِنَايَةٌ ".
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْل بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالأَْصْل فِيهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ، أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً﴾ (٣) وَقَوْلُهُ : ﴿وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ . (٤)
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا قَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي стр. 11169
رَسُول اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ (١) وَقَوْلُهُ ﷺ : قَتْل الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَال الدُّنْيَا. (٢)
وَالْحَيَاةُ عِنْدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُسْتَمِرَّةً، أَوْ مُسْتَقِرَّةً، أَوْ حَيَاةَ عَيْشِ الْمَذْبُوحِ. وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَمِرَّةُ: هِيَ الَّتِي تَبْقَى إِلَى انْقِضَاءِ الأَْجَل بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ.
وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ: تَكُونُ بِوُجُودِ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ وَمَعَهَا الْحَرَكَةُ الاِخْتِيَارِيَّةُ وَالإِْدْرَاكُ دُونَ الْحَرَكَةِ الاِضْطِرَارِيَّةِ. كَمَ لَوْ طُعِنَ إِنْسَانٌ وَقُطِعَ بِمَوْتِهِ بَعْدَ سَاعَةٍ أَوْ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ وَحَرَكَتُهُ الاِخْتِيَارِيَّةُ مَوْجُودَةٌ.
وَحَيَاةُ عَيْشِ الْمَذْبُوحِ: هِيَ الَّتِي لاَ يَبْقَى مَعَهَا إِبْصَارٌ وَلاَ نُطْقٌ وَلاَ حَرَكَةُ اخْتِيَارٍ. (٣) وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيَاةِ بِاخْتِلاَفِ هَذِهِ الأَْحْوَال.
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (قَوَدٌ) (وَجِنَايَةٌ) (وَقِصَاصٌ) . стр. 11170
الْجِنَايَةُ عَلَى حَيَاةِ الْجَنِينِ:
١٢ - إِذَا ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ حَامِلٍ فَأَلْقَتْ - بِسَبَبِ ذَلِكَ - جَنِينَهَا وَهِيَ حَيَّةٌ، فَإِمَّا أَنْ تُلْقِيَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا:
أ - إِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَفِيهِ غُرَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. (١)
وَالْغُرَّةُ: الْعَبْدُ أَوِ الأُْمَّةُ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لأَِنَّهُمَا مِنْ أَنْفَسِ الأَْمْوَال، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَنِينُ الْمُلْقَى مَيِّتًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى لإِِطْلاَقِ الْخَبَرِ، وَلِئَلاَّ يَكْثُرَ التَّنَازُعُ فِي الذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ لِعَدَمِ الاِنْضِبَاطِ.
وَتَتَعَدَّدُ الْغُرَّةُ بِتَعَدُّدِ الْجَنِينِ الْمُلْقَى. وَتَجِبُ مَعَ الْغُرَّةِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ الْجَنِينَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ آدَمِيٌّ مَعْصُومٌ، وَلأَِنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْكَفَّارَةَ مَنْدُوبَةٌ لاَ وَاجِبَةٌ.
١٣ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجَنِينِ الْمُلْقَى الَّذِي يَجِبُ فِيهِ مَا سَبَقَ: следующие страницы →