← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.

стр. 11096

الْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ يَحِل بِهِ دَيْنُهَا الْمُؤَجَّل، وَفِي ذَلِكَ يَقُول صَاحِبُ نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: (لَوْ أَحَال بِمُؤَجَّلٍ عَلَى مِثْلِهِ حَلَّتِ الْحَوَالَةُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلاَ تَحِل بِمَوْتِ الْمُحِيل، لِبَرَاءَتِهِ بِالْحَوَالَةِ) . وَيُؤْخَذُ مِثْلُهُ مِنْ نَصِّ الْمَالِكِيَّةِ فِي الضَّمَانِ، وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْحَنَابِلَةِ: (فَإِنْ مَاتَ الْمُحِيل أَوِ الْمُحَال فَالأَْجَل بَاقٍ بِحَالِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ انْبَنَى عَلَى (قَاعِدَةِ) حُلُول الدَّيْنِ بِالْمَوْتِ - أَيْ بِمَوْتِ الْمَدِينِ) - وَفِيهِ رِوَايَتَانِ (وَلاَ يُعْلَمُ فِي حُلُول الدَّيْنِ بِمَوْتِ الْمَدِينِ خِلاَفٌ لأَِحَدٍ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُدَوَّنَةِ سِوَى أَحْمَدَ فِي إِحْدَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ) . (١) وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَا قَبَضَهُ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ - قَبْل مَوْتِ الْمُحِيل أَوْ بَعْدَهُ، فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ - كُل ذَلِكَ هُوَ لَهُ خَاصَّةً لاَ يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُحِيل، كَمَا لاَ يَشْرَكُونَهُ فِي سِلْعَةٍ كَانَ اشْتَرَاهَا فِي حَال الصِّحَّةِ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الْمُحِيل حَوَالَةً مُطْلَقَةً لاَ تَنْفَسِخُ هَذِهِ الْحَوَالَةُ. ثُمَّ إِنْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ مَالٌ (بِالْمَعْنَى الشَّامِل لِلدَّيْنِ تَوَسُّعًا، فَإِنَّهُ مَالٌ حُكْمِيٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) فَلاَ شَأْنَ لِلْمُحَال بِهَذَا الْمَال وَلاَ تَعَلُّقَ

стр. 11097

لأَِنَّ حَقَّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَال تَرِكَةٌ لِلْمُحِيل، فَيَئُول إِلَى وَرَثَتِهِ، بَعْدَ أَنْ تُقْضَى مِنْهُ الْحُقُوقُ الْمُقَدَّمَةُ، كَالدُّيُونِ الأُْخْرَى غَيْرِ دَيْنِ الْمُحَال، لأَِنَّهُ لاَ يَعُودُ عَلَى الْمُحِيل مَا دَامَتِ الْحَوَالَةُ قَائِمَةً، وَمَوْتُ الْمُحِيل لاَ يُبْطِل الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ. (١) ١٣٩ - وَأَمَّا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، فَقَدْ يَمُوتُ الْمُحِيل قَبْل اسْتِيفَاءِ دَيْنِهَا، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَنْفَسِخُ الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ قَدِ اسْتُحِقَّ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَدَخَل فِي تَرِكَةِ الْمُحِيل، وَعَلَى هَذِهِ التَّرِكَةِ يَعُودُ الْمُحَال بِدَيْنِهِ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، هَكَذَا عَلَّل صَاحِبُ - الْبَدَائِعِ - ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ، بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ اخْتَصَّ بِغُرْمِ الرَّهْنِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ، لأَِنَّهُ إِذَا هَلَكَ سَقَطَ دَيْنُهُ خَاصَّةً، وَلَمَّا اخْتَصَّ بِغُرْمِهِ اخْتَصَّ بِغُنْمِهِ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ. وَأَمَّا الْمُحَال فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِغُرْمِ ذَلِكَ الْمَال، لأَِنَّهُ لَوْ تَوِيَ لاَ يَسْقُطُ دَيْنُهُ عَنِ الْمُحِيل. فَلَمَّا لَمْ يَخْتَصَّ بِغُرْمِهِ لَمْ يَخْتَصَّ بِغُنْمِهِ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ. (٢) ١٤٠ - وَمِنْ نَتَائِجِ الْقَوْل بِالاِنْفِسَاخِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: (أ) إِنَّ الْمُحَال إِذَا رَجَعَ إِلَى تَرِكَةِ الْمُحِيل وَعَرَفَ نَصِيبَهُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ نَصِيبَهُ هَذَا مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ بَدَلاً مِنَ التَّرِكَةِ

стр. 11098

لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، لأَِنَّ مَا عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ. (ب) لَوْ نَقَصَتْ حِصَّةُ الْمُحَال فِي الْمُقَاسَمَةِ عَنِ الْوَفَاءِ بِدَيْنِهِ، لاَ يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِمَا بَقِيَ لَهُ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ صَارَ تَاوِيًا فَلاَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ. (ج) إِنْ كَانَ الْمُحَال قَدْ قَبَضَ شَيْئًا مِنْ دَيْنِ الْحَوَالَةِ قَبْل مَوْتِ الْمُحِيل - وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ مَرَضِهِ - فَلَهُ مَا قَبَضَهُ، ثُمَّ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ فِي الْبَاقِي. لَكِنْ فِي حَالَةِ الْقَبْضِ، وَالْمُحِيل مَرِيضٌ مَرَضَ الْمَوْتِ، يُوجَدُ فِي كَلاَمِ بَعْضِهِمْ تَفْرِقَةٌ بَيْنَ قَبْضِ الدَّيْنِ وَقَبْضِ الْعَيْنِ. ١ - فَفِي قَبْضِ الدَّيْنِ يُسَلَّمُ لِلْمُحَال مَا أَخَذَهُ، وَلاَ سَبِيل لِلْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَكُونُ الْمُحَال عَلَيْهِ - بِأَدَائِهِ الدَّيْنَ - غَرِيمًا لِلْمُحِيل يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَلاَ يَمْلِكُ الاِسْتِئْثَارَ بِمَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِ لِيَقَعَ التَّقَاصُّ، بَل يُشَارِكُهُ فِيهِ الْغُرَمَاءُ، وَلاَ يُسَلَّمُ لَهُ مِنْهُ إِلاَّ حِصَّتُهُ فِي الْمُحَاصَّةِ. ٢ - أَمَّا فِي قَبْضِ الْعَيْنِ - كَالْوَدِيعَةِ وَالْمَغْصُوبِ - فَبِالْعَكْسِ: أَيْ لاَ سَبِيل حِينَئِذٍ لِغُرَمَاءِ الْمُحِيل عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَكِنْ لاَ تُسَلَّمُ الْعَيْنُ الْمَأْخُوذَةُ لِلْمُحَال، بَل يُحَاصُّهُ فِيهَا الْغُرَمَاءُ. (١)

стр. 11099

٢ - الاِنْتِهَاءُ بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ: ١٤١ - نَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ لاَ تَنْتَهِي بِمَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَاتَ مَدِينًا أَمْ غَيْرَ مَدِينٍ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ مُفْلِسًا، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ حِينَئِذٍ تَنْتَهِي فِي الدَّيْنِ كُلِّهِ - إِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً بِشَيْءٍ مِنْهُ - أَوْ تَنْتَهِيَ فِي بَاقِيهِ، إِنْ تَرَكَ وَفَاءً بِبَعْضِهِ، وَيَرْجِعُ الْبَاقِي إِنْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، وَسَيَجِيءُ فِي التَّوَى (ر: ف ١٦٤) : ذَلِكَ أَنَّ التَّرِكَةَ خَلَفٌ عَنْ صَاحِبِهَا فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ. (١) ٣ - الاِنْتِهَاءُ بِفَوَاتِ الْمَحَل: (أ) ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَصَالَةً: ١٤٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى ثَالِثٍ، ثُمَّ اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، تَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحِيل - وَهُوَ الْمُشْتَرِي - غَيْرَ مَدِينٍ لِلْمُحَال - الْبَائِعِ - وَمَدْيُونِيَّةُ الْمُحِيل لِلْمُحَال شَرِيطَةٌ لاِنْعِقَادِ الْحَوَالَةِ لاَ تَقُومُ بِدُونِهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (ف (٥٩)) . (ب) ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ أَصَالَةً: ١٤٣ - فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ: لَوْ كَانَ لِلْمُحِيل عَلَى

стр. 11100

الْمُحَال عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عَيْنٌ هِيَ أَمَانَةٌ أَوْ مَضْمُونَةٌ، فَاسْتُحِقَّتْ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَجِبْ أَصْلاً فِي حَقِيقَةِ الأَْمْرِ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَمَنُ مَبِيعٍ فَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْقَى كَمَا هِيَ صَحِيحَةً نَافِذَةً، لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا بُطْلاَنٌ أَوِ انْفِسَاخٌ، لأَِنَّ دَيْنَ الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ - كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ - وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ، فَلاَ يَتَأَثَّرُ بِمِثْل هَذِهِ الْعَوَارِضِ، وَقَدْ سَبَقَ بَحْثُ ذَلِكَ (ر: ف) . ١٤٤ - أَمَّا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ: فَيُقَرِّرُ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْمَال الَّذِي تُقَيَّدُ الْحَوَالَةُ بِإِيفَاءِ دَيْنِهَا بِهِ أَوْ مِنْهُ، إِذَا كَانَ عَيْنًا - أَمَانَةً كَانَتْ أَوْ مَضْمُونَةً كَالْمَغْصُوبَةِ - ثُمَّ تَبَيَّنَ اسْتِحْقَاقُهَا لِغَيْرِ الْمُحِيل، أَوْ كَانَ دَيْنًا ثُمَّ تَبَيَّنَ انْعِدَامُهُ مِنَ الأَْصْل لاَ بِسَبَبٍ عَارِضٍ، أَيْ إِنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تُشْغَل بِهِ أَصْلاً، لاَ أَنَّهَا شُغِلَتْ ثُمَّ فَرَغَتْ بِسَبَبٍ طَارِئٍ: فَهُنَا يَتَبَيَّنُ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ، بِمَعْنَى عَدَمِ انْعِقَادِهَا بَتَاتًا. مِثَال ذَلِكَ فِي الأَْعْيَانِ: رَجُلٌ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ أَلْفُ دِينَارٍ. بِطَرِيقِ الْوَدِيعَةِ أَوِ الْغَصْبِ، فَأَحَال عَلَيْهِ بِهَا دَائِنًا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ لَيْسَتْ مِلْكًا لِلْمُحِيل، وَلاَ لَهُ عَلَيْهَا وِلاَيَةٌ، كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِ بِطَرِيقِ السَّرِقَةِ، أَوْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْطُل لأَِنَّهَا عَلِقَتْ بِمَعْدُومٍ حُكْمًا. وَمِثَالُهُ فِي الدُّيُونِ: رَجُلٌ بَاعَ آخَرَ مَنْزِلاً أَوْ خَلًّا، فَأَحَال عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ دَائِنًا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ

стр. 11101

اسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخَل خَمْرٌ، فَتَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهَا قُيِّدَتْ بِدَيْنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ وُجُودٌ قَطُّ. وَفِي جَمِيعِ الأَْحْوَال مَتَى بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، فَإِنَّ الدَّيْنَ يَعُودُ عَلَى الْمَدِينِ الأَْصْلِيِّ، وَهُوَ الْمُحِيل. (١) وَمِنْ أَمْثِلَتِهِمْ: مَا لَوْ بَاعَ مَنْزِلاً، وَأَحَال عَلَى ثَمَنِهِ، أَوْ أُحِيل هُوَ بِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَنْزِل مَوْقُوفٌ، إِمَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِ الأَْطْرَافِ الثَّلاَثَةِ - الْمُحِيل وَالْمُحَال وَالْمُحَال عَلَيْهِ - وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَا لَوْ أَحَال عَلَى أُجْرَةِ شَهْرٍ لِدَارٍ لَهُ، فَمَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ خِلاَلَهُ، إِذْ قَالُوا: تَبْطُل الْحَوَالَةُ فِي مُقَابِل مَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، لِبُطْلاَنِ الإِْجَارَةِ فِيهَا. قَال الْبَاجِيُّ فِي تَعْلِيل الْقَوْل: بِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ، وَالدَّيْنُ كَمَا كَانَ، وَلَوْ دَفَعَ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى الْمُحَال لَرَجَعَ عَلَيْهِ بِهِ، فَهُوَ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لَيْسَ طَرَفًا فِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ لِلْبَائِعِ الْمُحِيل - مُبَاشَرَةً، أَوْ بِوَاسِطَةٍ كَالْمُحَال - لأَِنَّهُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ بِعَقْدٍ آخَرَ، فَإِذَا سَقَطَ اسْتِحْقَاقُهُ بِهَلاَكِ الْمَبِيعِ مَثَلاً قَبْل التَّسْلِيمِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ مِنَ الثَّمَنِ فَلاَ يُكَلَّفُ أَدَاءَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَهُ حُقَّ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنْ شَرَائِطِ الْحَوَالَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ مِثْل مَا عَلَى الْمُحِيل فَإِذَا انْتَفَى الشَّرْطُ انْتَفَى

стр. 11102

الْمَشْرُوطُ. قَال ابْنُ الْمَوَّازِ: هَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ، وَهُوَ قَوْل أَصْحَابِ مَالِكٍ كُلِّهِمْ. يَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْحَوَالَةَ مَعْرُوفٌ، وَأَنَّهَا لاَ تَبْطُل بِتَبَيُّنِ أَنْ لاَ دَيْنَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ بَعْدَ أَدَائِهِ عَلَى الْمُحِيل. وَعَلَّل الْبَاجِيُّ تَعْلِيل كِلاَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ. (١) أَمَّا تَعْلِيل قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ الْبُطْلاَنِ فَهُوَ أَنَّ الْحَوَالَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَلاَ يَنْتَقِصُ فِي حَقِّ الْمُحَال بِاسْتِحْقَاقِ سِلْعَةٍ لَمْ يُعَاوِضْ هُوَ عَلَيْهَا بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ سَوَاءٌ قَبَضَهُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهُ بَعْدُ. ج - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال بِهِ عُرُوضًا: ١٤٥ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا أَحَال الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى ثَالِثٍ، حَوَالَةً مُقَيَّدَةً (أَوْ مُطْلَقَةً) ، ثُمَّ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْبَائِعِ قَبْل تَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، تَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحِيل وَهُوَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَدِينٍ (٢)

стр. 11103

د - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا: ١٤٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ إِذَا كَانَ ثَابِتًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الاِرْتِفَاعُ لَهُ ثَلاَثُ حَالاَتٍ. (الْحَالَةُ الأُْولَى) - ارْتِفَاعُ الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ: ١٤٧ - إِذَا كَانَ لِلْمُحِيل مَالٌ عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الْحَوَالَةَ صَدَرَتْ مُطْلَقَةً لَمْ يُقَيَّدْ فِيهَا الْوَفَاءُ بِذَلِكَ الْمَال، فَإِنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ الْمُطْلَقَةَ لاَ تَبْطُل بِفَوَاتِ الْمَال الَّذِي لِلْمُحِيل عِنْدَ الْمُحَال عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِخُلُوِّ يَدِهِ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي كَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ بِهَلاَكٍ، أَمْ كَانَ بِاسْتِرْدَادِ الْمُحِيل مَالَهُ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ إِنَّ حَقَّ الطَّالِبِ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، لاَ بِشَيْءٍ، عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ، وَفِي الذِّمَّةِ سَعَةٌ. فَلِلْمُحِيل أَنْ يُطَالِبَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِمَا لَهُ عِنْدَهُ، كَمَا أَنَّ لِلْمُحَال أَنْ يُطَالِبَهُ بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ. فَإِذَا أَدَّى هَذَا الدَّيْنَ الأَْخِيرَ، سَقَطَ عَنْهُ الدَّيْنُ الأَْوَّل بِطَرِيقِ الْمُقَاصَّةِ بَيْنَ دَيْنِ الْحَوَالَةِ الَّذِي أَدَّاهُ وَدَيْنِ الْمُحِيل. وَقَدْ سُئِل ابْنُ نُجَيْمٍ عَنْ مَدِينٍ بَاعَ دَائِنَهُ شَيْئًا بِمِثْل دَيْنِهِ، ثُمَّ أَحَال عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِنَظِيرِهِ، هَل تَصِحُّ الْحَوَالَةُ؟ فَأَجَابَ: (إِنْ وَقَعَتْ بِنَظِيرِ الثَّمَنِ صَحَّتْ، لأَِنَّهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِالثَّمَنِ - وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا دَيْنٌ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ - وَإِنْ وَقَعَتْ بِالثَّمَنِ فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ

стр. 11104

لِلْمُحَال عَلَيْهِ، لِوُقُوعِ الْمُقَاصَّةِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الدَّيْنَ إِذَا اسْتُحِقَّ لِلْغَيْرِ فَإِنَّهَا تَبْطُل) . (١) (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِعَيْنٍ: ١٤٨ - لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ إِذَا كَانَ الْمَال الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ عَيْنًا مَضْمُونَةً، ثُمَّ لَحِقَهَا الْهَلاَكُ بِسَبَبٍ طَارِئٍ، كَمَا لَوْ ضَاعَتْ أَوْ سُرِقَتْ أَوْ تَلِفَتْ فِي حَرِيقٍ مَثَلاً، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ تَبْقَى كَمَا هِيَ، وَمُطَالَبَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُتَوَجِّهَةٌ، كَمَا كَانَتْ قَبْل التَّلَفِ لأَِنَّ الْحَوَالَةَ قُيِّدَتْ حِينَ عُقِدَتْ بِشَيْءٍ مَوْجُودٍ فِعْلاً، فَلاَ يَضِيرُ ارْتِفَاعُهُ الطَّارِئُ، لأَِنَّ الْعَيْنَ الْمَضْمُونَةَ كَالْمَغْصُوبِ مَثَلاً إِذَا هَلَكَتْ وَجَبَ عَلَى ضَامِنِهَا مِثْلُهَا، إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، وَقِيمَتُهَا إِنْ كَانَتْ قِيَمِيَّةً، فَيَكُونُ فَوَاتُهَا إِلَى خَلَفٍ. وَالْفَوَاتُ إِلَى خَلَفٍ كَالْبَقَاءِ حُكْمًا، لأَِنَّ الْخَلَفَ قَائِمٌ مَقَامَ الأَْصْل، فَيَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمُحَال. وَهَذَا مُنْطَبِقٌ تَمَامًا عَلَى الأَْمَانَاتِ الَّتِي تَفُوتُ بِتَعَدِّي مَنْ هِيَ عِنْدَهُ، إِذْ هِيَ إِذْ ذَاكَ تَدْخُل فِي عِدَادِ الأَْعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِخِلاَفِ الْفَوَاتِ بِطَرِيقِ اسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ لِلْغَيْرِ، وَلَوْ كَانَتْ مَغْصُوبَةً، فَإِنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ فِيهِ مِنْ ضَمَانَاتِ الْفَائِتِ بِعَوْدِهِ

стр. 11105

إِلَى مَالِكِهِ، فَيَفُوتُ إِلَى غَيْرِ خَلَفٍ، وَلِذَا تَبْطُل الْحَوَالَةُ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (ر: ف ١٤٣) أَمَّا فَوَاتُ الأَْمَانَاتِ بِغَيْرِ تَعَدِّي مَنْ هِيَ عِنْدَهُ، كَالْوَدِيعَةِ إِذَا احْتَرَقَتْ أَوْ سُرِقَتْ، فَإِنَّهُ يُنْهِي الْحَوَالَةَ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحَال عَلَيْهِ وَيَعُودُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُحِيل. (١) وَإِذَا اسْتَرَدَّ الْمُحِيل مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْعَيْنَ الَّتِي قَيَّدَتِ الْحَوَالَةَ بِالأَْدَاءِ مِنْهَا، لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ وَلاَ تَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ، لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مُتَعَدٍّ بِدَفْعِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحَال إِلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ أَخْذِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا كَيْدًا يَكِيدُهُ لِلْمُحَال، فَيَضْمَنُ الْمُحَال عَلَيْهِ لِلْمُحَال، وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْمُحِيل بِمَا أَخَذَهُ. (٢) (الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) - ارْتِفَاعُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ عُرُوضًا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِدَيْنٍ: ١٤٩ - إِذَا اسْتَوْفَى الْمُحِيل مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ دَيْنَهُ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ، لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ بِذَلِكَ وَلاَ تَتَأَثَّرُ بِهِ فِي شَيْءٍ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ فِي حَالَةِ اسْتِرْدَادِ الْمُحِيل الْعَيْنَ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ. (٣) ١٥٠ - لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ إِذَا كَانَ الْمَال

стр. 11106

الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ الْحَوَالَةُ دَيْنًا فَاتَ بِأَمْرٍ عَارِضٍ بَعْدَ الْحَوَالَةِ كَذَلِكَ. مِثَالُهُ: رَجُلٌ بَاعَ بِضَاعَةً بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَأَحَال عَلَى الْمُشْتَرِي بِثَمَنِهَا، ثُمَّ احْتَرَقَتْ الْبِضَاعَةُ مَثَلاً أَوْ غَرِقَتْ قَبْل تَسْلِيمِهَا إِلَى الْمُشْتَرِي، أَوْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ، أَوْ خِيَارٍ مَا - وَلَوْ بَعْدَ التَّسْلِيمِ - أَوْ تَقَايَلاَ الْبَيْعَ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يَسْقُطُ عَنِ الْمُشْتَرِي، وَلَكِنْ لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ، لأَِنَّ الدَّيْنَ الَّذِي قُيِّدَتْ بِهِ كَانَ قَائِمًا عِنْدَ عَقْدِهَا، فَلَيْسَ يَضُرُّ سُقُوطُهُ بَعْدُ. ثُمَّ إِذَا أَدَّى الْمُحَال عَلَيْهِ اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل، لأَِنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ. (١) فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي فِي الْمِثَال الآْنِفِ هُوَ الْمُحِيل لِلْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفِقْرَةِ (١٤٥) حُكْمُهُمْ بِبُطْلاَنِ الْحَوَالَةِ. ١٥١ - وَالشَّافِعِيَّةُ يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ تَمَامَ الْمُوَافَقَةِ، فِيمَا اعْتَمَدُوهُ، وَكَذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، فِيمَا عَلَيْهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَإِنْ كَانُوا كَسَائِرِ الْحَنَابِلَةِ لاَ يُبْطِلُونَ الْحَوَالَةَ بَعْدَ قَبْضِ دَيْنِهَا، وَيَقُولُونَ: يَتْبَعُ صَاحِبُ الْمَال مَالَهُ حَيْثُ كَانَ. (٢) وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ

стр. 11107

(ر: ف ١٥٠) وَقَدْ عَلَّل الشَّافِعِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الدَّيْنَ سَقَطَ فِي الْحَالَيْنِ بَعْدَ ثُبُوتٍ، فَصَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، نَظِيرُ مَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ ثَمَنُ خَمْرٍ مَوْقُوفٍ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ بُطْلاَنُ الْحَوَالَةِ فِيهِمَا، إِلاَّ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ فِي حَالَةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ، وَهَذَا الْغَيْرُ هُوَ الْمُحَال. وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ مِنْ هَذَا التَّعْلِيل أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْحَوَالَةِ بِهِ - أَيْ بِالثَّمَنِ مِنْ قِبَل الْمُشْتَرِي - لَوْ أَنَّ الْمُحَال - وَهُوَ الْبَائِعُ - كَانَ قَدْ أَحَل مَكَانَهُ دَائِنًا لَهُ، بِطَرِيقِ الْحَوَالَةِ، قَبْل سُقُوطِ الدَّيْنِ، لَمْ تَبْطُل الْحَوَالَةُ أَيْضًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ. (١) ١٥٢ - ثُمَّ الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - فِي حَالَتَيِ الْبُطْلاَنِ وَعَدَمِهِ - بَيْنَ أَنْ يَكُونَ طُرُوءُ الطَّارِئِ الْمُسْقِطِ لِلدَّيْنِ قَدْ وَقَعَ بَعْدَ قَبْضِ دَيْنِ الْحَوَالَةِ أَوْ قَبْلَهُ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى بُطْلاَنِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ، أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُ الْمَال (الْمُحِيل) عَلَى الْمُحَال الَّذِي قَبَضَهُ - إِمَّا بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بِبَدَلِهِ إِنْ كَانَ تَالِفًا - وَلَوْ رَدَّهُ الْمُحَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ الْحَقَّ فِي هَذَا الرَّدِّ، فَقَدْ قَبَضَ بِإِذْنٍ، فَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْقَبْضُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَعَ عَنِ الآْذِنِ، وَيَتَعَيَّنُ حَقُّهُ فِيمَا قَبَضَهُ.

стр. 11108

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى بَقَاءِ صِحَّتِهَا قَبْل الْقَبْضِ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل إِلاَّ بَعْدَ الدَّفْعِ. وَيُفَرِّقُ الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا قَبْل الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ: فَبَعْدَ الْقَبْضِ لاَ تَبْطُل الْحَوَالَةُ عِنْدَهُمْ جَزْمًا، بَل يَتْبَعُ صَاحِبُ الْمَال مَالَهُ حَيْثُ كَانَ. أَمَّا قَبْل الْقَبْضِ فَعِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ: بِالْبُطْلاَنِ وَبِعَدَمِهِ. (١) أَمَّا أَشْهَبُ - وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَ مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ طَرِيقَتَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ - فَيُطْلِقُ الْقَوْل هُنَا بِعَدَمِ الْبُطْلاَنِ، لأَِنَّ الْفَسْخَ عَارِضٌ - إِلاَّ أَنَّهُ يُبْطِل الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ أَوْ عَلَيْهِ، إِذَا رَدَّ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ. (٢) ١٥٣ - وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، جَارِيَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَى قَوْل الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَمِنْ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مُخَالِفُونَ: يُسَوُّونَ بَيْنَ الْحَوَالَةِ بِالدَّيْنِ وَالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ فِي الْبُطْلاَنِ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ، وَلاَ يَأْبَهُونَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ، لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْحَوَالَةِ. (٣)

стр. 11109

وَآخَرُونَ: يُسَوُّونَ بَيْنَهُمَا فِي الصِّحَّةِ - مِنْهُمْ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - فَهُمْ لاَ يَنْظُرُونَ إِلَى تَعَلُّقِ حَقِّ أَجْنَبِيٍّ، بَل إِلَى أَنَّ الدَّيْنَ كَانَ قَائِمًا عِنْدَ عَقْدِ الْحَوَالَةِ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ وَصَحَّتِ الْحَوَالَةُ وَبَرِئَتْ بِهَا ذِمَّةُ الْمُحِيل، فَلاَ يَضُرُّ سُقُوطُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، لأَِنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الْبَقَاءِ مَا لاَ يُغْتَفَرُ فِي الاِبْتِدَاءِ. وَالْقِيَاسُ الَّذِي كَانَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ نَفْسُهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ: هُوَ أَنَّ الْحَوَالَةَ بِالدَّيْنِ وَعَلَيْهِ، إِذَا طَرَأَ فَاسِخٌ لِسَبَبِ وُجُوبِهِ، تُقَاسُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي أَحَدِ عِوَضَيِ الْبَيْعِ، إِذَا طَرَأَ مَا يَفْسَخُهُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى زَيْدٌ بِثَوْبِهِ شَيْئًا مَا مِنْ عَمْرٍو، وَبَاعَ زَيْدٌ هَذَا الشَّيْءَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ الثَّوْبَ بِعَيْبٍ، فَإِنَّ الصَّفْقَةَ الثَّانِيَةَ مَاضِيَةٌ. وَالْجَامِعُ فِي هَذَا الْقِيَاسِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَفْقَةٌ سَبَقَتْهَا أُخْرَى، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِي الثَّانِيَةِ طُرُوءُ انْفِسَاخِ الأُْولَى. (١) ٤ - الاِنْتِهَاءُ بِالتَّوَى: ١٥٤ - التَّوَى فِي اللُّغَةِ: وِزَانُ الْهَوَى - وَقَدْ يُمَدُّ - التَّلَفُ وَالْهَلاَكُ. هَكَذَا عُمِّمَ فِي - الْمِصْبَاحِ - وَقَصَرَهُ صَاحِبُ - الصِّحَاحِ - عَلَى هَلاَكِ الْمَال. وَيُشْتَقُّ مِنْهُ فَيُقَال: تَوِيَ الْمَال - مِنْ بَابِ فَرِحَ - يَتْوَى، فَهُوَ تَوٍ وَتَاوٍ. (٢)

стр. 11110

أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُنَا: فَالتَّوَى هُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ، (١) أَيْ عَجْزُ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ. (٢) ١٥٥ - الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوِيَ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَمْ يَقُل بِهِ سِوَى الْحَنَفِيَّةِ. وَالَّذِينَ وَافَقُوا عَلَى الرُّجُوعِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ فِي حَالاَتِ الْغُرُورِ خَاصَّةً، لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فَاسِخًا لِلْحَوَالَةِ - إِنْ صَحَّحُوا انْعِقَادَهَا - بَل سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْخِيَارِ فِي الإِْبْقَاءِ عَلَى عُقْدَةِ الْحَوَالَةِ أَوْ فَسْخِهَا. لَكِنِ الْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، يَتَحَوَّل الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ نَتِيجَةً لاِعْتِبَارِهَا كَالْقَبْضِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل نِهَائِيًّا، فَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ فَلَسِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَلَسُ قَائِمًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ، وَلاَ بِجَحْدِهِ لِلدَّيْنِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ، إِلاَّ أَنْ غَرَّهُ الْمُحِيل، بِأَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا فَقْرَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ جَحْدَهُ، فَكَتَمَهُ عَنِ الْمُحَال، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الْعِلْمُ أَوِ

стр. 11111

الظَّنُّ، بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، لَمْ يَتَحَوَّل الدَّيْنُ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمُحِيل. (١) وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ. ١٥٦ - نِعْمَ إِذَا شَرَطَ الْمُحَال الرُّجُوعَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ مِنْ قِبَل الْمُحَال عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مَعِينٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُنَا يَخْتَلِفُ نُفَاةُ الرُّجُوعِ بِالتَّوَى: فَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، يَقُولُونَ إِنَّ لَهُ شَرْطَهُ. وَيُعَلِّلُهُ الْبَاجِيُّ قَائِلاً: (وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ شَرَطَ فِيهَا سَلاَمَةَ ذِمَّتِهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ) . أَمَّا جَمَاهِيرُ الشَّافِعِيَّةِ فَيَرَوْنَ أَنَّ شَرْطَ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْعَجْزِ شَرْطٌ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَبْطُل، ثُمَّ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَبْطُل الْعَقْدُ نَفْسُهُ أَيْضًا. (٢) ١٥٧ - يَعْتَبِرُ الْحَنَفِيَّةُ التَّوَى نِهَايَةً لِلْحَوَالَةِ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَيَأْتِي. يُخَالِفُهُمْ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الأُْخْرَى وَغَيْرُهُمْ: فَالشَّافِعِيَّةُ وَاللَّيْثُ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّ التَّوَى لاَ يُعْتَبَرُ نِهَايَةً لِلْحَوَالَةِ، وَبِالتَّالِي لاَ رُجُوعَ بِهِ لِلْمُحَال عَلَى الْمُحِيل. وَكَذَلِكَ يَقُول أَحْمَدُ

стр. 11112

إِلاَّ أَنَّهُ اسْتَثْنَى فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَا إِذَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُحَال بِإِفْلاَسِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل - إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ عِلْمُ الْمُحَال بِذَلِكَ وَرِضَاهُ بِهِ - (١) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ تَتَّفِقُ مَعَ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ أَيْضًا بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى مَقْبُولٌ وَيُعْمَل بِهِ، وَلَكِنْ بِشَرِيطَةِ عِلْمِ الْمُحِيل بِهَذَا الإِْفْلاَسِ. (٢) وَأَلْحَقُوا بِهِ عِلْمَهُ بِجَحْدِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (ف ١٥٥) . ١٥٨ - وَبِهَذَا يَتَحَرَّرُ: أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي الرُّجُوعِ بِالتَّوَى ثَلاَثَةٌ: ١ - إِطْلاَقُ الْقَوْل بِهِ: عَلَى خِلاَفٍ فِي تَحْدِيدِ أَسْبَابِهِ أَوْ إِطْلاَقِهَا. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (مَا عَدَا زُفَرَ) ، وَرَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ. (٣) ٢ - إِطْلاَقُ رَفْضِهِ: وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الشَّافِعِيَّةِ. ٣ - وُجُوبُ اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ إِذَا شُرِطَ، وَإِلاَّ

стр. 11113

فَلاَ رُجُوعَ إِلاَّ فِي حَالاَتِ الْغُرُورِ - وَعَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ. أَدِلَّةُ الْحَنَفِيَّةِ: يَسْتَدِل الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ بِالرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى بِمَا يَلِي: (أ) إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ: ١٥٩ - فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ مُفْلِسًا أَنَّهُ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَقَال: (لَيْسَ عَلَى مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَوًى) (١) وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلاَفُهُ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَجَاءَ عَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ. (٢) (ب) - الْمَعْقُول: ١٦٠ - قَالُوا: لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ أَنْ يَنُوبَ الثَّانِي عَنِ الأَْوَّل فِي الإِْيفَاءِ، لاَ مُجَرَّدَ نَقْل الْوُجُوبِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، إِذِ الذِّمَمُ لاَ تَتَفَاوَتُ فِي أَصْل الْوُجُوبِ، هَذَا هُوَ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، وَمَا تَعَارَفُوهُ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ.

стр. 11114

وَعَلَى هَذَا، فَبَرَاءَةُ الْمُحِيل لَمْ تَثْبُتْ مُطْلَقَةً، بَل مَشْرُوطَةً بِعِوَضٍ. فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ هَذَا الْعِوَضُ عَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل فَشَغَلَهَا كَمَا كَانَ. نَظِيرُهُ أَنْ يَهْلِكَ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ، أَوْ يَخْرُجَ مُسْتَحَقًّا، أَوْ يَتَبَيَّنَ بِهِ عَيْبٌ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، إِذِ الْعُرْفُ قَاضٍ بِأَنَّهُ مَا بَذَل الثَّمَنَ إِلاَّ لِيَحْصُل عَلَى مَبِيعٍ سَلِيمٍ، فَإِذَا فَاتَ هَذَا الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ فِي قُوَّةِ الْمَشْرُوطِ، عَادَ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَذَلَهُ. هَذَا قِيَاسٌ لاَ شَكَّ فِي جَلاَئِهِ. (١) أَدِلَّةُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ: وَيَسْتَدِل الشَّافِعِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى مُطْلَقًا بِالأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ: أ - السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ: ١٦١ - فَقَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَْوْسَطِ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (٢) هَذَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ تَوًى وَغَيْرِهِ، وَلاَ يُوجَدُ مُخَصِّصٌ لِهَذَا الْعُمُومِ. (٣) ب - آثَارُ الصَّحَابَةِ: ١٦٢ - مِنْ ذَلِكَ: (أَنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بْنِ

стр. 11115

الْمُسَيِّبِ كَانَ لَهُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ دَيْنٌ فَأَحَالَهُ بِهِ، فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَال: اخْتَرْتَ عَلَيْنَا، أَبْعَدَكَ اللَّهُ) وَرَوَى ابْنُ حَزْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ لأَِبِيهِ الْمُسَيِّبِ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَلِرَجُلٍ آخَرَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ: فَقَال ذَلِكَ الرَّجُل لِلْمُسَيِّبِ: أَنَا أُحِيلُكَ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَحِلْنِي أَنْتَ عَلَى فُلاَنٍ، فَفَعَلاَ. فَانْتَصَفَ الْمُسَيِّبُ مِنْ عَلِيٍّ، وَتَلِفَ مَال الَّذِي أَحَالَهُ الْمُسَيِّبُ عَلَيْهِ. فَأَخْبَرَ الْمُسَيِّبُ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَال لَهُ عَلِيٌّ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ. (١) أَدِلَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ: ١٦٢ م - الْمَالِكِيَّةُ فِي اسْتِدْلاَلِهِمْ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ فِي التَّوَى إِلاَّ فِي حَالَتَيِ الشَّرْطِ أَوِ الْغُرُورِ يَقُولُونَ: إِنَّ أَدِلَّةَ الشَّافِعِيَّةِ فِي رَفْضِ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا مُخَصَّصَةٌ بِهَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ التَّالِيَيْنِ وَلَيْسَتْ عَلَى إِطْلاَقِهَا: (١) الْمُحَال عَلَى مُفْلِسٍ يَجْهَل إِفْلاَسَهُ كَمُشْتَرِي السِّلْعَةِ يَجْهَل عَيْبَهَا، إِذِ الإِْفْلاَسُ عَيْبٌ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ بِالْعَيْبِ. وَهَكَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ

стр. 11116

(٢) الْمُحِيل الَّذِي يَكْتُمُ إِفْلاَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ كَالْبَائِعِ يُدَلِّسُ عَيْبَ الْمَبِيعِ، فَيَجِبُ أَنْ تَقَعَ الْمَسْئُولِيَّةُ عَلَى الْمُدَلِّسِ، وَلاَ تَقْتَصِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ. هَكَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَإِنَّمَا خَصُّوا بِالذِّكْرِ فِي قِيَاسِهِمْ حَالَةَ التَّدْلِيسِ مِنْ حَالاَتِ الرَّدِّ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ، مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ سَوَاءٌ أَدَلَّسَ الْبَائِعُ أَمْ لَمْ يُدَلِّسْ، لأَِنَّ لِلذِّمَمِ خَفَاءً وَسَرِيَّةً لاَ تُعْلَمُ، فَصَارَتْ أَشْبَهَ بِالْمَبِيعِ الَّذِي يُجْهَل بَاطِنُهُ، وَهَذَا لاَ رَدَّ بِعَيْبِهِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ عَنْ تَدْلِيسٍ. (١) أَسْبَابُ التَّوَى: ١٦٣ - لِلتَّوَى - فِي الْحَوَالَةِ بِنَوْعَيْهَا الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ - سَبَبَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَثَلاَثَةُ أَسْبَابٍ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ. وَتَنْفَرِدُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الأَْسْبَابِ أَرْبَعَةً فِي الْجُمْلَةِ. (٢) (أَوَّلاً) مَوْتُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا قَبْل الأَْدَاءِ . (ثَانِيًا) جَحْدُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَلاَ بَيِّنَةَ. (ثَالِثًا) تَفْلِيسُ الْقَاضِي لِلْمُحَال عَلَيْهِ. (رَابِعًا) تَلَفُ الأَْمَانَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ، أَوْ ضَيَاعُهَا. أَوَّلاً - مَوْتُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا قَبْل الأَْدَاءِ: ١٦٤ - وَذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَتْرُكَ مَا يَقْضِي مِنْهُ دَيْنَ

стр. 11117

الْمُحَال، وَلاَ كَفِيلاً بِهِ. أَمَّا إِذَا تَرَكَ مَا يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُ الْمُحَال - مَهْمَا كَانَ مَا تَرَكَهُ، وَلَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ - فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ إِفْلاَسُهُ، وَلاَ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل، مَهْمَا تَكُنِ الأَْسْبَابُ وَالْمَعَاذِيرُ. حَتَّى إِنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مَلِيئًا وَلَهُ دَيْنٌ سَيُفْضِي انْتِظَارُ قِسْمَتِهِ إِلَى تَأْخِيرِ أَدَاءِ الْحَوَالَةِ لِمَا بَعْدَ الأَْجَل لاَ يَكُونُ لِلطَّالِبِ أَنْ يَتَعَلَّل بِذَلِكَ لِيَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل، لِبَقَاءِ الْحَوَالَةِ، إِذِ التَّرِكَةُ خَلَفٌ عَنْ صَاحِبِهَا فِي الْمَقْصُودِ هُنَا، وَهُوَ قَضَاءُ الدَّيْنِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَرَكَهُ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَفِي إِلاَّ بِبَعْضِ دَيْنِ الْمُحَال، فَلاَ إِفْلاَسَ وَلاَ تَوَى إِلاَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِ. وَلِذَا يَقُولُونَ: (إِذَا مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدْيُونًا، قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَبَيْنَ الْمُحَال بِالْحِصَصِ، وَمَا بَقِيَ لَهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيل) . (١) ١٦٥ - كَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ كَفِيلاً بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ، لاَ يُعَدُّ مُفْلِسًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - لأَِنَّ الْكَفِيل قَائِمٌ

стр. 11118

مَقَامَ الأَْصِيل، وَخَلَفٌ عَنْهُ - إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ الْكَفِيل أَيْضًا مُفْلِسًا، أَوْ يُبَرِّئَهُ الْمُحَال - لأَِنَّ هَذَا الإِْبْرَاءَ كَالْفَسْخِ لِلْكَفَالَةِ مَعْنًى - وَهَذَا وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ صَاحِبُ الْخُلاَصَةِ، حِينَ قَال: (إِنَّ الْمُحَال لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيل بَعْدَ مَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيل) . (١) هَذَا، وَفِي حَالَةِ الْكَفَالَةِ بِبَعْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ التَّوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِ لاَ غَيْرُ. ١٦٦ - وَلِهَذَا وَذَاكَ يَقُول فِي " الْبَزَّازِيَّةِ ": أَخَذَ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمَال كَفِيلاً، ثُمَّ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، لاَ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، سَوَاءٌ كَفَل بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْكَفَالَةُ حَالَّةً أَمْ مُؤَجَّلَةً، أَمْ كَفَل حَالًّا ثُمَّ أَجَّلَهُ الْمَكْفُول لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ - أَيْ بِالْمَال - كَفِيلٌ، وَلَكِنْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ وَرَهَنَ بِهِ رَهْنًا، ثُمَّ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، عَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَلَوْ كَانَ الْمُحَال مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ فَبَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ حَتَّى مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، وَالثَّمَنُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ. (٢) ثَانِيًا - جَحْدُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ، وَلاَ بَيِّنَةَ: (٣) ١٦٧ - إِذَا جَحَدَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ، وَلاَ بَيِّنَةَ

стр. 11119

عَلَيْهَا، فَقَدْ تَحَقَّقَ التَّوَى بِهَذَا السَّبَبِ. فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْبَل هَذَا الْجَحْدَ مَعَ وُجُودِ بَيِّنَةٍ عَلَى الْحَوَالَةِ، سَوَاءٌ أَقَامَهَا الْمُحَال أَمِ الْمُحِيل. فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوَالَةِ يَحْلِفُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْيَمِينَ: أَنْ لاَ حَوَالَةَ عَلَيْهِ، وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْقَائِلَةِ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ". فَإِذَا قَبِل مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ جَحْدَهُ هَذَا وَقَضَى بِمَنْعِ الْمُحَال عَنْهُ فَقَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ، أَيْ أَنَّهُ تَوَى. (١) ثُمَّ إِذَا أَرَادَ الْمُحَال الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل بِحُجَّةِ التَّوَى بِسَبَبِ هَذَا الْجَحْدِ لاَ يَثْبُتُ الْجَحْدُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمُحَال لأَِجْل الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْجَحْدِ بِالْبَيِّنَةِ. عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لاَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِمُقْتَضَاهَا إِلاَّ بِحُضُورِ الْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى غَائِبٍ، لَكِنِ الْمُحَال يَكْفِي مَئُونَةَ هَذَا الْقَضَاءِ إِذَا صَدَّقَهُ الْمُحِيل فِي دَعْوَى الْجَحْدِ، فَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ. (٢)

стр. 11120

ثَالِثًا - تَفْلِيسُ الْقَاضِي الْمُحَال عَلَيْهِ: (١) ١٦٨ - وَمَعْنَاهُ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي بِإِفْلاَسِهِ بَعْدَ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ حَالُهُ. وَلَيْسَ حَتْمًا أَنْ يَكُونَ ظُهُورُ الْحَال الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ الْقَاضِي حُكْمَهُ بِالإِْفْلاَسِ عَنْ شَهَادَةِ شُهُودٍ - وَإِنْ كَانَ هَذَا احْتِيَاطًا حَسَنًا - فَإِنَّهَا شَهَادَةُ نَفْيٍ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، بَل يَكْفِيهِ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ. وَفِي مَوْضُوعِنَا هَذَا لاَ يَكُونُ التَّفْلِيسُ إِلاَّ بَعْدَ الْحَبْسِ. (٢) ١٦٩ - وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الأَْصْل الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَهُوَ إِمْكَانُ تَحَقُّقِ التَّوَى بِالتَّفْلِيسِ، مَا إِذَا مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ إِلاَّ دَيْنًا عَلَى مُفْلِسٍ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لاَ تَوَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ: بَل يَحْصُل التَّوَى بِتَفْلِيسِ الْقَاضِي لِهَذَا الْمَدِينِ. (٣) رَابِعًا - تَلَفُ الأَْمَانَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ أَوْ ضَيَاعُهَا: (٤) ١٧٠ - إِذَا أَصَابَ الْوَدِيعَةَ مَثَلاً تَلَفٌ أَوْ ضَيَاعٌ وَلَوْ

стр. 11121

بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْوَدِيعِ - كَمَا لَوِ ادَّعَى ضَيَاعَ الدَّنَانِيرِ الْمُودَعَةِ عِنْدَهُ - تَكُونُ النَّتِيجَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ انْفِسَاخَ الْحَوَالَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا، وَبَرَاءَةُ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِذَنْ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل كَمَا كَانَ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ، ذَلِكَ أَنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ لَمْ يَلْتَزِمِ التَّسْلِيمَ مُطْلَقًا، بَل مُقَيَّدًا بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمُعَيَّنُ، فَلَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ مُطَالَبَةٌ بِشَيْءٍ مَا. بِخِلاَفِ الْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ - كَالْمَغْصُوبِ - فَإِنَّ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِهَا لاَ تَنْفَسِخُ بِفَوَاتِهَا، لأَِنَّهَا تَفُوتُ - إِنْ فَاتَتْ - إِلَى خَلَفٍ، مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ، فَتَتَعَلَّقُ الْحَوَالَةُ بِهَذَا الْخَلَفِ، فَإِنْ فَاتَتْ لاَ إِلَى خَلَفٍ بِأَنْ ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً - بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ مِنْ أَصْلِهَا، (١) كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ (ر: ف ١٤٤) . آثَارُ التَّوَى: ١٧١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَتَى تَحَقَّقَ التَّوَى فِي دَيْنِ الْحَوَالَةِ وَثَبَتَ بِأَحَدِ أَسْبَابِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرَانِ: (أَوَّلاً) - انْتِهَاءُ الْحَوَالَةِ، فَتَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا أَحْكَامُهَا. (ثَانِيًا) - رُجُوعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل بِدَيْنِهِ: لأَِنَّ بَرَاءَةَ الْمُحِيل مِنْ هَذَا الدَّيْنِ كَانَتْ مَشْرُوطَةً بِسَلاَمَةِ عَاقِبَةِ الْحَوَالَةِ، أَيْ بِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنَ

стр. 11122

الْمَحَل الثَّانِي، فَلَمَّا انْتَفَتِ الشَّرِيطَةُ انْتَفَى الْمَشْرُوطُ، وَعَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل كَمَا كَانَ. وَإِذَنْ تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ لِلْمُحَال جَمِيعُ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ تُجَاهَ مَدِينِهِمْ، كَالْمُطَالَبَةِ وَالْمُقَاضَاةِ. نَعَمْ لاَ رُجُوعَ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ إِذَا هُوَ أَحَال الطَّالِبَ عَلَى الْمُحَال نَفْسِهِ، فَتَوِيَ الْمَال عِنْدَهُ - وَإِنْ كَانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ (أَيْ عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ) حِينَئِذٍ أَنَّهُ مَحَلٌّ تَوِيَ مَال حَوَالَتِهِ - وَفِي عَقْدِ الْحَوَالَةِ إِذَا اشْتُرِطَتْ بَرَاءَةُ الأَْصِيل صَرَاحَةً - رَغْمَ أَنَّ مُقْتَضَاهَا هَذِهِ الْبَرَاءَةَ دُونَ شَرْطٍ - هَل يَرْجِعُ الْمُحَال عَلَى الْمُحِيل فِي حَالَةِ التَّوَى؟ إِنَّ مُقْتَضَى كَوْنِهَا حَوَالَةً أَنْ تَثْبُتَ أَحْكَامُ الْحَوَالَةِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل بِسَبَبِ التَّوَى، وَمُقْتَضَى شَرْطِ الْبَرَاءَةِ صَرَاحَةً عَدَمُ هَذَا الرُّجُوعِ، لَكِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الرُّجُوعِ بِالتَّوَى فَي هَذِهِ الْحَالَةَ. (١) وَهْم يَخْتَلِفُونَ فِي كَيْفِيَّةِ عَوْدِ الدَّيْنِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل حِينَئِذٍ: (١) فَمِنْ قَائِلٍ إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ طَرِيقَ الْفَسْخِ: أَيْ أَنَّ الْمُحَال هُوَ الَّذِي يَفْسَخُ الْحَوَالَةَ مَتَى تَحَقَّقَ

стр. 11123

سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّوَى، وَمِنْ ثَمَّ يُعَادُ الدَّيْنُ عَلَى الْمُحِيل، كَالْمُشْتَرِي إِذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، لِفَوَاتِ وَصْفِ السَّلاَمَةِ الْمَشْرُوطِ عُرْفًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ. (٢) وَمِنْ قَائِلٍ: بَل عَنْ طَرِيقِ الاِنْفِسَاخِ التِّلْقَائِيِّ: دُونَ حَاجَةٍ إِلَى تَدَخُّل الْمُحَال، نَظِيرُ الْبَيْعِ إِذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ دُونَ تَدَخُّلٍ مِنْ أَحَدٍ، لِفَوَاتِ وَصْفِ السَّلاَمَةِ، وَيَعُودُ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ، فَكَذَلِكَ هُنَا - بِنَفْسِ الْعِلَّةِ - تَنْفَسِخُ الْحَوَالَةُ تِلْقَائِيًّا عِنْدَ التَّوَى، وَيَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل. (٣) وَمِنْ قَائِلٍ: إِنْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ الْجُحُودَ فَالطَّرِيقُ هُوَ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَوْتَ عَنْ إِفْلاَسٍ فَالطَّرِيقُ هُوَ الاِنْفِسَاخُ. (١) وَلاَ يَخْفَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الاِخْتِلاَفِ مِنْ آثَارٍ عَمَلِيَّةٍ. حَوْزٌ ر: أَرْضُ الْحَوْزِ.

стр. 11124

حَوْضٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَوْضُ فِي اللُّغَةِ: مُجْتَمَعُ الْمَاءِ. وَالْجَمْعُ أَحْوَاضٌ وَحِيَاضٌ. وَحَوْضُ الرَّسُول ﷺ هُوَ الَّذِي يَسْقِي مِنْهُ أُمَّتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. حَكَى أَبُو زَيْدٍ: سَقَاكَ اللَّهُ بِحَوْضِ الرَّسُول ﷺ وَمِنْ حَوْضِهِ، وَالتَّحْوِيضُ: عَمَل الْحَوْضِ. وَالاِحْتِيَاضُ: اتِّخَاذُهُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ الْحَوْضِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ: ٢ - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، فَالْكَثِيرُ يَجُوزُ بِهِ التَّوَضُّؤُ وَالاِغْتِسَال فِيهِ، وَلاَ يَتَنَجَّسُ جَمِيعُهُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي طَرَفٍ مِنْهُ، إِلاَّ أَنْ يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، أَوْ طَعْمُهُ، أَوْ رِيحُهُ، وَالْقَلِيل عَكْسُهُ. وَأَمَّا نَجَاسَةُ مَكَانِ الْوُقُوعِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ.

стр. 11125

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي قِلَّةِ الْمَاءِ وَكَثْرَتِهِ هِيَ بِالْقُلَّتَيْنِ فَمَا دُونَهُمَا فَهُوَ قَلِيلٌ. (١) وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ حَدَّ لِلْكَثْرَةِ فِي الْمَذْهَبِ (٢) أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَوْضَ: إِذَا كَانَ بِحَالٍ إِذَا اغْتَسَل إِنْسَانٌ فِي جَانِبٍ مِنْهُ، لاَ يَرْتَفِعُ وَلاَ يَنْخَفِضُ الطَّرَفُ الَّذِي يُقَابِلُهُ، فَهُوَ كَبِيرٌ، وَمَا دُونَ ذَلِكَ صَغِيرٌ. وَقَال عَامَّةُ مَشَايِخِهِمُ: الْحَوْضُ إِذَا كَانَ مُرَبَّعًا فَالْكَبِيرُ مَا كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وَإِذَا كَانَ مُدَوَّرًا فَمَا كَانَ حَوْلَهُ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَقِيل سِتَّةٌ وَثَلاَثُونَ ذِرَاعًا. وَإِذَا كَانَ مُثَلَّثًا فَمَا كَانَ مِنْ كُل جَانِبٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَرُبْعًا أَوْ خُمُسًا مِنَ الذِّرَاعِ. وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَقِيل: مَا كَانَ أَرْبَعًا فِي أَرْبَعٍ. وَقِيل: خَمْسًا فِي خَمْسٍ. وَقِيل: أَقَل مِنْ عَشْرٍ فِي عَشْرٍ. (٣) وَالْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ فِي تَحْدِيدِ الْحَوْضِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ

стр. 11126

هُوَ ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ. وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَوْقَ كُل قَبْضَةٍ أُصْبُعٌ، لأَِنَّ ذِرَاعَ الْمِسَاحَةِ بِالْمَمْسُوحَاتِ أَلْيَقُ. وَفِي ابْنِ عَابِدِينَ: أَنَّ الْمُخْتَارَ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ، وَهُوَ سَبْعُ قَبَضَاتٍ فَقَطْ. فَيَكُونُ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ بِذِرَاعِ زَمَانِنَا. وَذَكَرَ نَقْلاً عَنِ الْهِدَايَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْفَتْوَى. (١) وَقِيل: إِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي كُل زَمَانٍ وَمَكَانٍ ذِرَاعُهُمْ. قَال فِي النَّهْرِ: هُوَ الأَْنْسَبُ. وَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فِي قَدْرِ عُمْقِهِ عَلَى أَقْوَالٍ: فَقَال بَعْضُهُمْ: إِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ رُفِعَ الْمَاءُ بِكَفِّهِ لاَ يَنْحَسِرُ مَا تَحْتَهُ مِنَ الأَْرْضِ فَهُوَ عَمِيقٌ. وَقَال الْبَعْضُ الآْخَرُ: الْعَمِيقُ مَا كَانَ بِحَالٍ لَوِ اغْتَرَفَ لاَ تُصِيبُ يَدُهُ وَجْهَ الأَْرْضِ. (٢) وَالتَّفْصِيل فِي (طَهَارَةٌ، وَمِيَاهٌ، وَنَجَاسَةٌ) .

стр. 11127

حَوْقَلَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الْحَوْقَلَةِ فِي اللُّغَةِ: سُرْعَةُ الْمَشْيِ، وَمُقَارَبَةُ الْخَطْوِ. (١) وَأَمَّا فِي الْعُرْفِ فَهِيَ: قَوْل: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، كَمَا عَبَّرَ عَنْهَا الأَْزْهَرِيُّ وَالأَْكْثَرُونَ، قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَال: قَدْ أَكْثَرْتَ مِنَ الْحَوْلَقَةِ: إِذَا أَكْثَرْتَ مِنْ قَوْل: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. وَقَال الْجَوْهَرِيُّ: الْحَوْلَقَةُ لاَ الْحَوْقَلَةُ، وَاخْتَارَهُ الْحَرِيرِيُّ. فَعَلَى الأَْوَّل (الْحَوْقَلَةُ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ: الْحَاءُ وَالْوَاوُ مِنَ الْحَوْل. وَالْقَافُ مِنَ الْقُوَّةِ، وَاللاَّمُ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. قَال الإِْسْنَوِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ، لِتَضْمِينِهِ جَمِيعَ الأَْلْفَاظِ. وَعَلَى الثَّانِي: (الْحَوْلَقَةُ) الْحَاءُ وَاللاَّمُ مِنَ الْحَوْل، وَالْقَافُ مِنَ الْقُوَّةِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحَيْعَلَةُ: ١ - الْحَيْعَلَةُ قَوْل حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، أَوْ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ

стр. 11128

وَالْبَسْمَلَةُ قَوْل بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدَلَةُ قَوْل الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْهَيْلَلَةُ قَوْل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَالسَّبْحَلَةُ قَوْل سُبْحَانَ اللَّهِ. (١) مَعْنَى الْحَوْقَلَةِ: ٢ - قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَال أَبُو الْهَيْثَمِ: الْحَوْل: الْحَرَكَةُ مِنْ حَال الشَّيْءُ إِذَا تَحَرَّكَ، أَيْ لاَ حَرَكَةَ وَلاَ اسْتِطَاعَةَ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَبِهِ قَال ثَعْلَبُ وَآخَرُونَ. وَقَال ابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنَاهُ: لاَ حَوْل عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلاَّ بِعِصْمَتِهِ، وَلاَ قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إِلاَّ بِمَعُونَتِهِ، قَال الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا جَاءَ فِيهِ. (٢) وَفِي أَسْنَى الْمَطَالِبِ: لاَ حَوْل لِي عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَلاَ قُوَّةَ لِي عَلَى مَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ إِلاَّ بِكَ (٣) . أَحْكَامُ الْحَوْقَلَةِ: أ - عِنْدَ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ: ٣ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا قَال الأَْمِيرُ، بِأَنَّهُ

стр. 11129

يُسْتَحَبُّ لِسَامِعِ الآْذَانِ أَنْ يُحَوْقِل عِنْدَ قَوْل الْمُؤَذِّنِ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، أَيْ أَنْ يَقُول: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ الْمَشْهُورُ لِلْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ لاَ يُحَوْقِل وَلاَ يَحْكِي عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ. وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا قَال الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَال أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَال: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ فَقَال: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ قَال: حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ، قَال: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، دَخَل الْجَنَّةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) . فَهَذَا الْحَدِيثُ مُقَيِّدٌ لإِِطْلاَقِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي جَاءَ فِيهِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْل مَا يَقُول الْمُؤَذِّنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢) وَلأَِنَّ الْمَعْنَى مُنَاسِبٌ لإِِجَابَةِ الْحَيْعَلَةِ مِنَ السَّامِعِ بِالْحَوْقَلَةِ، فَإِنَّهُ لَمَّا دُعِيَ إِلَى مَا فِيهِ الْفَوْزُ وَالْفَلاَحُ وَالنَّجَاةُ، وَإِصَابَةُ الْخَيْرِ، نَاسَبَ أَنْ يَقُول: هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، لاَ أَسْتَطِيعُ مَعَ ضَعْفِي الْقِيَامَ بِهِ، إِلاَّ إِذَا وَفَّقَنِي اللَّهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَلأَِنَّ أَلْفَاظَ الأَْذَانِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُجِيبَ بِهَا، إِذْ

стр. 11130

هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْحَيْعَلَةُ فَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلاَةِ، وَالَّذِي يَدْعُو إِلَيْهَا هُوَ الْمُؤَذِّنُ، وَأَمَّا السَّامِعُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الاِمْتِثَال وَالإِْقْبَال عَلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ، وَإِجَابَتُهُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ لاَ فِيمَا عَدَاهُ. وَقِيل يَجْمَعُ السَّامِعُ بَيْنَ الْحَيْعَلَتَيْنِ وَالْحَوْقَلَةِ عَمَلاً بِالْحَدِيثَيْنِ. (١) وَيَرَى الْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُول كَمَا يَقُول، وَاسْتَدَل فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ السَّابِقِ ذِكْرُهُ. (٢) وَصَرَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يُحَوْقِل أَرْبَعَةً، وَنَقَل عَنِ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ يُحَوْقِل مَرَّتَيْنِ. (٣) وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقِيمِ فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول فِي الإِْقَامَةِ مِثْل مَا يَقُول فِي الأَْذَانِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ بِلاَلاً أَخَذَ فِي الإِْقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَال: قَدْ قَامَتِ

стр. 11131

الصَّلاَةُ قَال النَّبِيُّ ﷺ : أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا (١) وَقَال فِي سَائِرِ الإِْقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الأَْذَانِ. (٢) ب - الْحَوْقَلَةُ فِي الصَّلاَةِ: ٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ حَوْقَل فِي الصَّلاَةِ لأُِمُورِ الدُّنْيَا تَفْسُدُ الصَّلاَةُ، وَإِنْ كَانَ لأُِمُورِ الآْخِرَةِ، أَوْ لِدَفْعِ الْوَسْوَسَةِ لاَ تَفْسُدُ. (٣) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ قَالَهَا فِي الصَّلاَةِ لِحَاجَةٍ فَلاَ حَرَجَ. (٤) وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ - وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ - أَنَّ الْحَوْقَلَةَ فِي الصَّلاَةِ غَيْرُ مُبْطِلَةٍ إِذَا قُصِدَ بِهَا الذِّكْرُ، لأَِنَّ الأَْذْكَارَ وَالتَّسْبِيحَاتِ وَالأَْدْعِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ لاَ يَضُرُّ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ الْمَسْنُونُ وَغَيْرُهُ. (٥) مَوَارِدُ ذِكْرِ الْحَوْقَلَةِ: ٥ - الْحَوْقَلَةُ مِنَ الأَْذْكَارِ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا:

стр. 11132

إِذَا وَقَعَ الشَّخْصُ فِي هَلَكَةٍ. (١) أَوْ إِذَا مَرِضَ. (٢) أَوْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ وَخَافَ أَنْ يُصِيبَهُ بِعَيْنِهِ. (٣) وَإِذَا تَطَيَّرَ بِشَيْءٍ (٤) وَأَثْنَاءَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْتِهِ، (٥) وَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْل، (٦) وَإِذَا اسْتَيْقَظَ فِي اللَّيْل وَأَرَادَ النَّوْمَ بَعْدَهُ، (٧) وَبَعْدَ كُل صَلاَةٍ (٨) فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْحَالاَتِ وَغَيْرِهَا وَرَدَ ذِكْرُ الْحَوْقَلَةِ ضِمْنَ أَدْعِيَةٍ أُخْرَى، ذَكَرَهَا الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِهِ الأَْذْكَارِ، مُسْتَدِلًّا بِالأَْحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، وَكَذَلِكَ وَرَدَ ذِكْرُ الْحَوْقَلَةِ ضِمْنَ أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ (٩) وَضِمْنَ دَعَوَاتٍ مُسْتَحَبَّةٍ فِي جَمِيعِ الأَْوْقَافِ غَيْرِ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ، أَوْ حَالٍ مَخْصُوصٍ. (١٠) كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ: قَال: قَال لِي النَّبِيُّ ﷺ : أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ

стр. 11133

الْجَنَّةِ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: قُل: لاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. (١) .

стр. 11134

حَوْلٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْحَوْل فِي اللُّغَةِ: السَّنَةُ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى الْقُوَّةِ وَالتَّغَيُّرِ، وَالاِنْقِلاَبِ، وَبِمَعْنَى الإِْقَامَةِ، وَالْحَوْل مِنْ حَال الشَّيْءُ حَوْلاً: إِذَا دَارَ. وَسُمِّيَتِ السَّنَةُ حَوْلاً لاِنْقِلاَبِهَا وَدَوَرَانِ الشَّمْسِ فِي مَطَالِعِهَا، وَمَغَارِبِهَا، وَهُوَ تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ، وَالْجَمْعُ: أَحْوَالٌ، وَحُؤُولٌ، وَحُوُولٌ، بِالْهَمْزَةِ، وَبِغَيْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْحَوْلِيُّ: كُل مَا أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ ذِي حَافِرٍ وَغَيْرِهِ. يُقَال جَمَلٌ حَوْلِيٌّ، وَنَبْتٌ حَوْلِيٌّ. وَأَحْوَل الصَّبِيُّ، فَهُوَ مُحْوِلٌ: أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ مِنْ مَوْلِدِهِ. (١) وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى. الأَْحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَوْل: أ - الْحَوْل فِي الزَّكَاةِ: ٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوْل شَرْطٌ لِوُجُوبِ

стр. 11135

الزَّكَاةِ فِي نِصَابِ السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ، وَفِي الأَْثْمَانِ، وَهِيَ الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَفِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ لِحَدِيثِ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل. (١) قَالُوا: لأَِنَّ هَذِهِ الأَْمْوَال مُرْصَدَةٌ لِلنَّمَاءِ، فَالْمَاشِيَةُ مُرْصَدَةٌ لِلدَّرِّ وَالنَّسْل، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ مُرْصَدَةٌ لِلرِّبْحِ وَكَذَا الأَْثْمَانُ، فَاعْتُبِرَ فِي الْكُل الْحَوْل، لأَِنَّ النَّمَاءَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَال، وَهُوَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالاِسْتِنْمَاءِ، وَلاَ بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مُدَّةٍ، وَأَقَل مُدَّةٍ يُسْتَنْمَى الْمَال فِيهَا بِالتِّجَارَةِ وَالإِْسَامَةِ عَادَةً: الْحَوْل، فَصَارَ مَظِنَّةَ النَّمَاءِ فَاعْتُبِرَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ حَقِيقَةُ النَّمَاءِ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَلِكَثْرَةِ اخْتِلاَفِهِ، وَكُل مَا اعْتُبِرَ مَظِنَّتُهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى حَقِيقَتِهِ كَالْحُكْمِ مَعَ الأَْسْبَابِ. وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الأَْمْوَال تَتَكَرَّرُ فَلاَ بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ كَيْ لاَ يُفْضِيَ إِلَى تَعَاقُبِ الْوُجُوبِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ مَرَّاتٍ فَيَنْفَدُ مَال الْمَالِكِ. (٢)
следующие страницы →