Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.
стр. 11271
وَالْحَنَابِلَةِ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّتِهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِيَّةِ، لأَِنَّ الطَّهَارَةَ لَهُ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ غَيْرُ طَاهِرَةٍ، وَتَأْثَمُ وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ بِلاَ طَوَافِ وَدَاعٍ، تَخْفِيفًا عَلَيْهَا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ صَفِيَّةَ ﵂ حَاضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْصَرِفَ بِلاَ وَدَاعٍ (١) . وَعَنْ طَاوُسٍ قَال: " كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ قَال زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْل أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ. فَقَال لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لاَ. فَسَل فُلاَنَةَ الأَْنْصَارِيَّةَ، هَل أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ قَال: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُول: مَا أَرَاكَ إِلاَّ قَدْ صَدَقْتَ (٢) .
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا إِنْ طَهُرَتْ قَبْل مُفَارَقَةِ بُنْيَانِ مَكَّةَ لَزِمَهَا الْعَوْدُ فَتَغْتَسِل وَتَطُوفُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَعَلَيْهَا دَمٌ بِخِلاَفِ مَا إِذَا طَهُرَتْ خَارِجَ مَكَّةَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهَا (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) . стр. 11272
أ - قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ:
٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ لِلْقُرْآنِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى حُرْمَةِ قِرَاءَتِهَا لِلْقُرْآنِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاَ تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلاَ الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ (١) .
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ حُرْمَةُ قِرَاءَتِهَا لِلْقُرْآنِ وَلَوْ دُونَ آيَةٍ مِنَ الْمُرَكَّبَاتِ لاَ الْمُفْرَدَاتِ، وَذَلِكَ إِذَا قَصَدَتِ الْقِرَاءَةَ، فَإِنْ لَمْ تَقْصِدِ الْقِرَاءَةَ بَل قَصَدَتِ الثَّنَاءَ أَوِ الذِّكْرَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَلَوْ قَرَأَتِ الْفَاتِحَةَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الآْيَاتِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَلَمْ تُرِدِ الْقِرَاءَةَ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَصَرَّحُوا أَنَّ مَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاءِ كَسُورَةِ الْمَسَدِ، لاَ تُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةُ الدُّعَاءِ فَيَحْرُمُ، وَقَدْ أَجَازُوا لِلْمُعَلِّمَةِ الْحَائِضِ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ كَلِمَةً كَلِمَةً، وَذَلِكَ بِأَنْ تُقَطِّعَ بَيْنَ كُل كَلِمَتَيْنِ، لأَِنَّهَا لاَ تُعَدُّ بِالْكَلِمَةِ قَارِئَةً. كَمَا أَجَازُوا لِلْحَائِضِ أَنْ تَتَهَجَّى بِالْقُرْآنِ حَرْفًا حَرْفًا، أَوْ كَلِمَةً كَلِمَةً مَعَ الْقَطْعِ، مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، стр. 11273
وَكَرِهُوا لَهَا قِرَاءَةَ مَا نُسِخَتْ تِلاَوَتُهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلاَ يُكْرَهُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُنُوتِ، وَلاَ سَائِرُ الأَْذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ حُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْحَائِضِ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ، كَحَرْفٍ لِلإِْخْلاَل بِالتَّعْظِيمِ سَوَاءٌ أَقَصَدَتْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهَا أَمْ لاَ، وَصَرَّحُوا بِجَوَازِ إِجْرَاءِ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِهَا مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكِ اللِّسَانِ، وَجَوَازِ النَّظَر فِي الْمُصْحَفِ، وَإِمْرَارِ مَا فِيهِ فِي الْقَلْبِ، وَكَذَا تَحْرِيكُ لِسَانِهَا وَهَمْسُهَا بِحَيْثُ لاَ تُسْمِعُ نَفْسَهَا، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ بِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ. وَيَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ مَا نُسِخَتْ تِلاَوَتُهُ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا، وَلاَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ بَعْضِ آيَةٍ، لأَِنَّهُ لاَ إِعْجَازَ فِيهِ، وَذَلِكَ مَا لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً، كَمَا لاَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا تَكْرِيرُ بَعْضِ آيَةٍ مَا لَمْ تَتَحَيَّل عَلَى الْقِرَاءَةِ فَتَحْرُمُ عَلَيْهَا. وَلَهَا تَهْجِيَةُ آيِ الْقُرْآنِ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ لَهُ، وَلَهَا التَّفَكُّرُ فِيهِ وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهَا بِهِ مَا لَمْ تُبَيِّنِ الْحُرُوفَ، وَلَهَا قِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ آيَاتٍ سَكَتَتْ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلاً. وَلَهَا قَوْل مَا وَافَقَ الْقُرْآنَ وَلَمْ تَقْصِدْهُ، كَالْبَسْمَلَةِ، وَقَوْل الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَآيَةِ الاِسْتِرْجَاعِ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وَآيَةِ الرُّكُوبِ، وَلَهَا أَيْضًا أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهَا وَهِيَ سَاكِتَةٌ، لأَِنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ تُنْسَبُ إِلَى الْقِرَاءَةِ، وَلَهَا أَنْ تَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَاخْتَارَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْحَائِضِ أَنْ
стр. 11274
تَقْرَأَ الْقُرْآنَ إِذَا خَافَتْ نِسْيَانَهُ، بَل يَجِبُ لأَِنَّ مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَائِضَ يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي حَال اسْتِرْسَال الدَّمِ مُطْلَقًا، كَانَتْ جُنُبًا أَمْ لاَ، خَافَتِ النِّسْيَانَ أَمْ لاَ. وَأَمَّا إِذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا، فَلاَ تَجُوزُ لَهَا الْقِرَاءَةُ حَتَّى تَغْتَسِل جُنُبًا كَانَتْ أَمْ لاَ، إِلاَّ أَنْ تَخَافَ النِّسْيَانَ.
هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى التَّطَهُّرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهُنَاكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ هُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا جَازَ لَهَا الْقِرَاءَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ جُنُبًا قَبْل الْحَيْضِ. فَإِنْ كَانَتْ جَنْبًا قَبْلَهُ فَلاَ تَجُوزُ لَهَا الْقِرَاءَةُ (١) .
(ب) مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ:
٤٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ مَسُّ الْمُصْحَفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٢) وَلِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْل الْيَمَنِ стр. 11275
كِتَابًا، وَكَانَ فِيهِ: لاَ يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (١) وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْمُعَلِّمَةَ وَالْمُتَعَلِّمَةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا مَسُّ الْمُصْحَفِ. وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (مُصْحَفٌ) .
دُخُول الْمَسْجِدِ:
٤١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَائِضِ ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ (٢) وَيَنْدَرِجُ فِيهِ الاِعْتِكَافُ كَمَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ عُبُورِهَا لِلْمَسْجِدِ دُونَ لُبْثٍ فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَالْعُذْرِ، كَالْخَوْفِ مِنَ السَّبُعِ قِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٣) وَاللِّصِّ وَالْبَرْدِ وَالْعَطَشِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُنَاوِلَهُ الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقَالَتْ إِنَّهَا حَائِضٌ فَقَال стр. 11276
حَيْضَتُك لَيْسَتْ بِيَدِكِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الأَْوْلَى لَهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَنْ تَتَيَمَّمَ ثُمَّ تَدْخُل.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ حُرْمَةَ دُخُولِهَا الْمَسْجِدَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ لِلْمُكْثِ أَوْ لِلْعُبُورِ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ دُخُولَهَا لِلطَّوَافِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى حُرْمَةِ مُرُورِهَا فِي الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ، لأَِنَّ تَلْوِيثَهُ بِالنَّجَاسَةِ مُحَرَّمٌ، وَالْوَسَائِل لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ. فَإِنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى كَرَاهَةِ عُبُورِهَا الْمَسْجِدَ، وَمَحِل الْكَرَاهَةِ إِذَا عَبَرَتْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَمِنَ الْحَاجَةِ الْمُرُورُ مِنَ الْمَسْجِدِ، لِبُعْدِ بَيْتِهَا مِنْ طَرِيقٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَقُرْبِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُمْنَعُ مِنْ مُرُورِهَا فِي الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ. قَال أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ - تَمُرُّ وَلاَ تَقْعُدُ.
كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دُخُول الْحَائِضِ مُصَلَّى الْعِيدِ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَكَذَا مُصَلَّى الْجِنَازَةِ إِذْ لَيْسَ لَهُمَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الأَْصَحِّ، وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى حُرْمَةِ مُصَلَّى الْعِيدِ عَلَيْهَا، لأَِنَّهُ مَسْجِدٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : وَيَعْتَزِل الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى، وَأَجَازُوا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ لَهَا لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ.
стр. 11277
الاِسْتِمْتَاعُ بِالْحَائِضِ:
٤٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي الْفَرَجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : اصْنَعُوا كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ وَحَكَى النَّوَوِيُّ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مَنْ بِهِ شَبَقٌ لاَ تَنْدَفِعُ شَهْوَتُهُ بِدُونِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ، وَيَخَافُ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إِنْ لَمْ يَطَأْ، وَلاَ يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ، بِأَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى مَهْرِ امْرَأَةٍ أُخْرَى.
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - إِلَى حُرْمَةِ الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ وَعَنْ مَيْمُونَةَ
стр. 11278
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا نَحْوُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ وَلأَِنَّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ حَرِيمٌ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى.
وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِسْتِمْتَاعَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ.
وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ. كَمَا مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ النَّظَرَ إِلَى مَا تَحْتَ الإِْزَارِ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِهِ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِمْتَاعِ بِالرُّكْبَةِ لاِسْتِدْلاَلِهِمْ بِقَوْلِهِ ﷺ : مَا دُونَ الإِْزَارِ وَمَحَلُّهُ الْعَوْرَةُ الَّتِي يَدْخُل فِيهَا الرُّكْبَةُ. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الاِسْتِمْتَاعَ بِالسُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ حُكْمَ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ لِزَوْجِهَا، وَقَرَّرُوا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا مُبَاشَرَتُهَا لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَهَذَا مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
стр. 11279
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ سَتْرُ الْفَرْجِ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، قَال فِي النُّكَتِ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ إِمَامِنَا وَأَصْحَابِنَا أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ أَوْ يَخَافَ، وَصَوَّبَ الْمِرْدَاوِيُّ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ عَلَيْهِ لِئَلاَّ يَكُونَ طَرِيقًا إِلَى مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ.
كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ:
٤٣ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ فِي الْفَرْجِ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعَامِدِ الْمُخْتَارِ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ لأَِنَّهُ حَرَامٌ لِغَيْرِهِ. وَقَدْ أَوْجَبَ الْحَنَابِلَةُ نِصْفَ دِينَارٍ ذَهَبًا كَفَّارَةً فِي وَطْءِ الْحَائِضِ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.
وَاسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ إِنْ كَانَ الْجِمَاعُ فِي أَوَّل الْحَيْضِ وَبِنِصْفِهِ إِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: أَوْ وَسَطِهِ. لِحَدِيثِ: إِذَا وَاقَعَ الرَّجُل أَهْلَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِنْ كَانَ دَمًا أَحْمَر
стр. 11280
فَدِينَارٌ، وَإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَطْءُ الْحَائِضِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ:
٤٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل وَطْءُ الْحَائِضِ حَتَّى تَطْهُرَ - يَنْقَطِعَ الدَّمُ - وَتَغْتَسِل. فَلاَ يُبَاحُ وَطْؤُهَا قَبْل الْغُسْل، قَالُوا: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ لِحِل الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالْغُسْل، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أَيْ يَنْقَطِعَ دَمَهُنَّ. ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أَيِ اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ ﴿فَأَتَوْهُنَّ﴾ . وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَكْفِي التَّيَمُّمُ لِعُذْرٍ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فِي حِل الْوَطْءِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الْغُسْل حَتَّى يَحِل وَطْؤُهَا.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ لأَِكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ لأَِقَلِّهِ، وَكَذَا بَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ قَبْل عَادَتِهَا. فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى أَكْثَرِ الْمُدَّةِ فِي الْحَيْضِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ
стр. 11281
يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِدُونِ غُسْلٍ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ الْوَطْءِ لِمَا بَعْدَ الْغُسْل.
وَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا قَبْل أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَوْ لِتَمَامِ الْعَادَةِ فِي الْمُعْتَادَةِ بِأَنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنِ الْعَادَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِل أَوْ تَتَيَمَّمَ، أَوْ أَنْ تَصِيرَ الصَّلاَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ بَعْدَ الاِنْقِطَاعِ مِقْدَارُ الْغُسْل وَالتَّحْرِيمَةِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا بِمُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا بَعْدَهُ وَلَوْ قَبْل الْغُسْل.
وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ قَبْل الْعَادَةِ وَفَوْقَ الثَّلاَثِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا وَإِنِ اغْتَسَلَتْ، لأَِنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ، فَكَانَ الاِحْتِيَاطُ فِي الاِجْتِنَابِ، فَلَوْ كَانَ حَيْضُهَا الْمُعْتَادُ لَهَا عَشَرَةً فَحَاضَتْ ثَلاَثَةً وَطَهُرَتْ سِتَّةً لاَ يَحِل وَطْؤُهَا مَا لَمْ تَمْضِ الْعَادَةُ.
طَلاَقُ الْحَائِضِ:
٤٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِيقَاعَ الطَّلاَقِ فِي فَتْرَةِ الْحَيْضِ حَرَامٌ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الطَّلاَقِ الْبِدْعِيِّ لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ٠ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَال: مُرْهُ
стр. 11282
فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا طَاهِرًا قَبْل أَنْ يَمَسَّ وَلِمُخَالِفَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشْرَعْنَ فِيهِ فِي الْعِدَّةِ، وَزَمَنُ الْحَيْضِ لاَ يُحْسَبُ مِنَ الْعِدَّةِ، وَلأَِنَّ فِي إِيقَاعِ الطَّلاَقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ ضَرَرًا بِالْمَرْأَةِ لِتَطْوِيل الْعِدَّةِ عَلَيْهَا حَيْثُ إِنَّ بَقِيَّةَ الْحَيْضِ لاَ تُحْسَبُ مِنْهَا.
كَمَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵁ بِالْمُرَاجَعَةِ، وَهِيَ لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلاَقِ، وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيِّ، قَال: قُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتُ لَوْ أَنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلاَثًا. قَال: كَانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وَتَكُونُ مَعْصِيَةً قَال نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاَقِهِ، رَاجَعَهَا كَمَا أَمَرَهُ رَسُول اللَّه ﷺ ، وَلأَِنَّهُ طَلاَقٌ مِنْ مُكَلَّفٍ فِي مَحَلِّهِ فَوَقَعَ كَطَلاَقِ الْحَامِل، وَلأَِنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَيُعْتَبَرُ لِوُقُوعِهِ مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ بَل هُوَ إِزَالَةُ عِصْمَةٍ وَقَطْعُ مِلْكٍ، فَإِيقَاعُهُ فِي زَمَنِ الْبِدْعَةِ أَوْلَى تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَعُقُوبَةً لَهُ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ
стр. 11283
مُرَاجَعَتِهَا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مُرَاجَعَتَهَا سُنَّةٌ.
وَمَا سَبَقَ مِنْ أَحْكَامٍ إِنَّمَا هُوَ فِي طَلاَقِ الْحَائِضِ الْمَدْخُول بِهَا أَوْ مِنْ فِي حُكْمِهَا. وَلِمَزِيدٍ مِنَ التَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (طَلاَقٌ) .
خُلْعُ الْحَائِضِ:
٤٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى جَوَازِ الْخُلْعِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ لإِِطْلاَقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وَلِحَاجَتِهَا إِلَى الْخَلاَصِ بِالْمُفَارَقَةِ حَيْثُ افْتَدَتْ بِالْمَال.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى مَنْعِ الْخُلْعِ فِي الْحَيْضِ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (خُلْعٌ) .
مَا يَحِل بِانْقِطَاعِ الدَّمِ:
٤٧ - إِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لَمْ يَحِل مِمَّا حَرُمَ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلاَقِ، وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِل
стр. 11284
وَإِنَّمَا أُبِيحَ الصَّوْمُ وَالطَّلاَقُ بِالاِنْقِطَاعِ دُونَ الْغُسْل، أَمَّا الصَّوْمُ فَلأَِنَّ تَحْرِيمَهُ بِالْحَيْضِ لاَ بِالْحَدَثِ بِدَلِيل صِحَّتِهِ مِنَ الْجُنُبِ، وَقَدْ زَال، وَأَمَّا بِالطَّلاَقِ فَلِزَوَال الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ تَطْوِيل الْعِدَّةِ (١)
أَحْكَامٌ عَامَّةٌ:
١ - إِنْزَال وَرَفْعُ الْحَيْضِ بِالدَّوَاءِ:
٤٨ - صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ إِنْ أُمِنَ الضَّرَرُ، وَذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِإِذْنِ الزَّوْجِ. لأَِنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ مَخَافَةَ أَنْ تُدْخِل عَلَى نَفْسِهَا ضَرَرًا بِذَلِكَ فِي جِسْمِهَا. كَمَا صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَشْرَبَ دَوَاءً مُبَاحًا لِحُصُول الْحَيْضِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا غَرَضٌ مُحَرَّمٌ شَرْعًا كَفِطْرِ رَمَضَانَ فَلاَ يَجُوزُ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ مَتَى شَرِبَتْ دَوَاءً وَارْتَفَعَ حَيْضُهَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهَا بِالطَّهَارَةِ، وَأَمَّا إِنْ شَرِبَتْ دَوَاءً وَنَزَل الْحَيْضُ قَبْل وَقْتِهِ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ النَّازِل غَيْرُ حَيْضٍ وَأَنَّهَا طَاهِرٌ. فَلاَ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، وَلاَ تَحِل لِلأَْزْوَاجِ، وَتُصَلِّي وَتَصُومُ لاِحْتِمَال كَوْنِهِ غَيْرَ حَيْضٍ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ دُونَ الصَّلاَةِ احْتِيَاطًا لاِحْتِمَال أَنَّهُ حَيْضٌ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَتِ الْمَرْأَةُ دَوَاءً стр. 11285
فَنَزَل الدَّمُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ حَيْضٌ وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ (١) .
٢ - ادِّعَاءُ الْحَيْضِ:
٤٩ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ الْحَيْضَ وَأَمْكَنَ ذَلِكَ قُبِل قَوْلُهَا وُجُوبًا، لأَِنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ فَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ كَذَّبَهَا، وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ مِمَّا إِذَا كَانَتْ عَفِيفَةً أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهَا، أَمَّا لَوْ كَانَتْ فَاسِقَةً وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهَا بِأَنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ أَوَانِ الْحَيْضِ فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهَا اتِّفَاقًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا إِنْ أَخْبَرَتْهُ بِالْحَيْضِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهَا إِنْ صَدَّقَهَا وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِذَا صَدَّقَهَا وَادَّعَتْ دَوَامَهُ صُدِّقَتْ (٢) .
٣ - مَا يَتَّفِقُ فِيهِ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ مِنْ أَحْكَامٍ وَمَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ:
٥٠ - حُكْمُ النِّفَاسِ حُكْمُ الْحَيْضِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ إِلاَّ فِي مَسَائِل:
١ - الاِعْتِدَادُ بِالْحَيْضِ دُونَ النِّفَاسِ، لأَِنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِالْقُرُوءِ، وَالنِّفَاسُ لَيْسَ بِقُرْءٍ، وَلأَِنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْل. стр. 11286
٢ - حُصُول الْبُلُوغِ بِالْحَيْضِ دُونَ النِّفَاسِ حَيْثُ إِنَّ الْبُلُوغَ يَحْصُل قَبْلَهُ بِالْحَمْل، لأَِنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ مِنْ مَائِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (١) .
٣ - الْحَيْضُ يَكُونُ اسْتِبْرَاءً، بِخِلاَفِ النِّفَاسِ.
٤ - الْحَيْضُ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، بِخِلاَفِ النِّفَاسِ.
٥ - احْتِسَابُ الْحَيْضِ فِي مُدَّةِ الإِْيلاَءِ دُونَ النِّفَاسِ.
٦ - يَحْصُل بِالْحَيْضِ الْفَصْل بَيْنَ طَلاَقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ بِخِلاَفِ النِّفَاسِ.
٧ - أَقَل الْحَيْضِ مَحْدُودٌ، وَلاَ حَدَّ لأَِقَل النِّفَاسِ، وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عَشَرَةٌ، أَوْ ثَلاَثَةَ عَشَرَ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ، أَوْ سِتُّونَ. (٢) стр. 11287
حِيلَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِيلَةُ لُغَةً: الْحِذْقُ فِي تَدْبِيرِ الأُْمُورِ، وَهُوَ تَقْلِيبُ الْفِكْرِ حَتَّى يَهْتَدِيَ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَأَصْل الْيَاءِ وَاوٌ، (١) وَهِيَ مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى حَالَةٍ مَا، فِي خُفْيَةٍ.
وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا فِي تَعَاطِيهِ خُبْثٌ. وَقَدْ تُسْتَعْمَل فِيمَا فِيهِ حِكْمَةٌ. (٢)
وَأَصْلُهَا مِنَ الْحَوْل، وَهُوَ التَّحَوُّل مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ بِنَوْعِ تَدْبِيرٍ وَلُطْفٍ يُحِيل بِهِ الشَّيْءَ عَنْ ظَاهِرِهِ، أَوْ مِنَ الْحَوْل بِمَعْنَى الْقُوَّةِ. وَتُجْمَعُ الْحِيلَةُ عَلَى الْحِيَل. (٣)
أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ الْحِيلَةَ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ، فَهِيَ نَوْعٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الْعَمَل الَّذِي يَتَحَوَّل بِهِ فَاعِلُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا عُرْفًا فِي стр. 11288
سُلُوكِ الطُّرُقِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى حُصُول الْغَرَضِ، بِحَيْثُ لاَ يُتَفَطَّنُ لَهَا إِلاَّ بِنَوْعٍ مِنَ الذَّكَاءِ وَالْفَطِنَةِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْخُدْعَةُ:
٢ - أَصْل الْخُدْعَةِ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ أَوِ الْفَسَادُ. وَيُرَادُ بِهَا إِظْهَارُ مَا يُبْطَنُ خِلاَفُهُ، أَرَادَ اجْتِلاَبَ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعَ ضُرٍّ، وَلاَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَدَبُّرٍ، وَنَظَرٍ، وَفِكْرٍ، وَهَذَا مَا يُفَرِّقُهُ عَنِ الْحِيلَةِ.
فَهُوَ بِمَعْنَى الْخَدِيعَةِ، وَكَذَلِكَ الْخِلاَبَةُ (٢) .
الْغُرُورُ:
٣ - الْغُرُورُ: إِيهَامٌ يَحْمِل الإِْنْسَانَ عَلَى فِعْل مَا يَضُرُّهُ.
التَّدْبِيرُ:
٤ - التَّدْبِيرُ تَقْوِيمُ الأَْمْرِ عَلَى مَا يَكُونُ فِيهِ صَلاَحُ عَاقِبَتِهِ.
وَأَصْلُهُ مِنَ الدُّبُرِ، وَأَدْبَارُ الأُْمُورِ عَوَاقِبُهَا.
فَيَشْتَرِكُ التَّدْبِيرُ وَالْحِيلَةُ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِي كُلٍّ إِحَالَةُ شَيْءٍ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى، وَاخْتَصَّ стр. 11289
التَّدْبِيرُ بِمَا يَكُونُ فِيهِ صَلاَحُ الْعَاقِبَةِ، أَمَّا الْحِيلَةُ فَتَعُمُّ الصَّلاَحَ وَالْفَسَادَ (١) .
الْكَيْدُ:
٥ - الْكَيْدُ إِيقَاعُ الْمَكْرُ وهِ بِالْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ. (٢)
وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الاِحْتِيَال وَقَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا أَوْ مَمْدُوحًا، وَفِي الأَْوَّل أَكْثَرُ، وَكَذَلِكَ الاِسْتِدْرَاجُ وَالْمَكْرُ وَبَعْضُ ذَلِكَ مَمْدُوحٌ (٣) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ (٤)
الْمَكْرُ:
٦ - الْمَكْرُ صَرْفُ الْغَيْرِ عَمَّا يَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ، وَمِنْهُ الْمَحْمُودُ وَالْمَذْمُومُ.
وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْحِيلَةِ (٥) .
التَّوْرِيَةُ وَالتَّعْرِيضُ:
٧ - التَّوْرِيَةُ وَالتَّعْرِيضُ: أَنْ تُطْلِقَ لَفْظًا ظَاهِرًا فِي مَعْنًى، وَتُرِيدَ بِهِ مَعْنًى آخَرَ يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ لَكِنَّهُ خِلاَفُ ظَاهِرِهِ.
وَأَصْل التَّوْرِيَةِ السِّتْرُ، وَالتَّعْرِيضُ خِلاَفُ التَّصْرِيحِ (٦) . стр. 11290
الذَّرِيعَةُ:
٨ - الذَّرِيعَةُ: الْوَسِيلَةُ إِلَى الشَّيْءِ، وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ قَطْعُ الأَْسْبَابِ الْمُبَاحَةِ الَّتِي يُتَوَصَّل بِهَا إِلَى الْمُحَرَّمِ (١) .
تَقْسِيمُ الْحِيَل:
تَنْقَسِمُ الْحِيَل بِاعْتِبَارِ مَشْرُوعِيَّتِهَا إِلَى حِيَلٍ مَشْرُوعَةٍ وَحِيَلٍ مُحَرَّمَةٍ.
الْحِيَل الْمَشْرُوعَةُ:
٩ - وَهِيَ الْحِيَل الَّتِي تُتَّخَذُ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الْمَآثِمِ لِلتَّوَصُّل إِلَى الْحَلاَل، أَوْ إِلَى الْحُقُوقِ، أَوْ إِلَى دَفْعِ بَاطِلٍ، وَهِيَ الْحِيَل الَّتِي لاَ تَهْدِمُ أَصْلاً مَشْرُوعًا وَلاَ تُنَاقِضُ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً.
وَهِيَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
أ - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُحَرَّمَةً وَيُقْصَدَ بِهَا الْوُصُول إِلَى الْمَشْرُوعِ، مِثْل أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَيَجْحَدَهُ وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ، فَيُقِيمُ صَاحِبُ الْحَقِّ شَاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدَانِ بِهِ وَلاَ يَعْلَمَانِ ثُبُوتَ هَذَا الْحَقِّ.
وَمُتَّخِذُ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ الْحِيَل يَأْثَمُ عَلَى الْوَسِيلَةِ دُونَ الْقَصْدِ.
وَيُجِيزُ هَذَا مَنْ يُجِيزُ مَسْأَلَةَ الظَّفَرِ بِالْحَقِّ، فَيَجُوزُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ دُونَ بَعْضٍ. стр. 11291
ب - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مَشْرُوعَةً وَتُفْضِيَ إِلَى مَشْرُوعٍ.
وَمِثَالُهَا الأَْسْبَابُ الَّتِي نَصَبَهَا الشَّارِعُ مُفْضِيَةً إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا، كَالْبَيْعِ، وَالإِْجَارَةِ وَأَنْوَاعِ الْعُقُودِ الأُْخْرَى، وَيَدْخُل فِيهِ التَّحَيُّل عَلَى جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ.
ج - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ لَمْ تُوضَعْ وَسِيلَةً إِلَى الْمَشْرُوعِ فَيَتَّخِذُهَا الْمُتَحَيِّل وَسِيلَةً إِلَى ذَلِكَ، وَمِثَالُهُ الْمَعَارِيضُ الْجَائِزَةُ فِي الْكَلاَمِ. (١)
وَمِنَ الْحِيَل الْمَشْرُوعَةِ مَا لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَحَل تَرَدُّدٍ وَإِشْكَالٍ وَمَوْضِعُ خِلاَفٍ.
الْحِيَل الْمُحَرَّمَةُ:
١٠ - وَهِيَ الْحِيَل الَّتِي تُتَّخَذُ لِلتَّوَصُّل بِهَا إِلَى مُحَرَّمٍ، أَوْ إِلَى إِبْطَال الْحُقُوقِ، أَوْ لِتَمْوِيهِ الْبَاطِل أَوْ إِدْخَال الشُّبَهِ فِيهِ. وَهِيَ الْحِيَل الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلاً شَرْعِيًّا أَوْ تُنَاقِضُ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً. وَالْحِيَل الْمُحَرَّمَةُ مِنْهَا مَا لاَ خِلاَفَ فِي تَحْرِيمِهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَحَل تَرَدُّدٍ وَخِلاَفٍ.
وَالْحِيَل الْمُحَرَّمَةُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ وَهِيَ:
أ - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُحَرَّمَةً وَيُقْصَدَ بِهَا مُحَرَّمٌ:
وَمِثَالُهُ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا وَأَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ عَارِ التَّحْلِيل، فَإِنَّهُ يُحَال لِذَلِكَ بِالْقَدْحِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِفِسْقِ الْوَلِيِّ، أَوِ الشُّهُودِ فَلاَ يَصِحُّ الطَّلاَقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. стр. 11292
ب - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُبَاحَةً فِي نَفْسِهَا وَيُقْصَدَ بِهَا مُحَرَّمٌ.
كَمَا يُسَافِرُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ، أَوْ قَتْل النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ.
ج - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ لَمْ تُوضَعْ وَسِيلَةً إِلَى الْمُحَرَّمِ بَل إِلَى الْمَشْرُوعِ، فَيُتَّخَذُهَا الْمُحْتَال وَسِيلَةً إِلَى الْمُحَرَّمِ.
كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثِهِ، فَيَحْتَال لِذَلِكَ بِأَنْ يُقِرَّ لَهُ، فَيَتَّخِذَ الإِْقْرَارَ وَسِيلَةً لِلْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ (١) .
أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْحِيَل الْمُبَاحَةِ:
١١ - تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِالْحِيَل الْمَشْرُوعَةِ وَهَذَا بَيَانٌ لأَِدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا:
أ - قَوْلُهُ : ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (٢) ، أَرَادَ بِالْحِيلَةِ التَّحَيُّل عَلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ مَحْمُودَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا مَنْ عَمِلَهَا.
ب - مُبَاشَرَةُ الأَْسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ حِيلَةٌ عَلَى حُصُول مُسَبَّبَاتِهَا، كَالأَْكْل، وَالشُّرْبِ، وَاللُّبْسِ وَالسَّفَرِ الْوَاجِبِ، وَكَذَلِكَ الْعُقُودُ الشَّرْعِيَّةُ وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا وَمُبَاحُهَا كُلُّهَا حِيلَةٌ عَلَى стр. 11293
حُصُول الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحِيلَةُ سَبَبًا مَشْرُوعًا وَمَا تُفْضِي إِلَيْهِ مَشْرُوعٌ فَلاَ مَعْنَى لِمَنْعِهَا.
ج - إِنَّ الْعَاجِزَ الَّذِي لاَ حِيلَةَ عِنْدَهُ لِجَهْلِهِ بِطُرُقِ تَحْصِيل مَصَالِحِهِ مَذْمُومٌ، لأَِنَّهُ لاَ خِبْرَةَ لَهُ بِطُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ خَفِيِّهَا وَظَاهِرِهَا، فَيُحْسِنُ التَّوَصُّل إِلَى مَقَاصِدِهِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِأَنْوَاعِ الْحِيَل، وَيَعْرِفُ طُرُقَ الشَّرِّ الظَّاهِرَةَ وَالْخَفِيَّةَ الَّتِي يَتَوَصَّل بِهَا إِلَى خِدَاعِهِ وَالْمَكْرِ بِهِ فَيَحْتَرِزُ مِنْهَا. وَقَدْ كَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﵁ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالشَّرِّ وَالْفِتَنِ، وَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكَانَ هُوَ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَهُ. (١)
د - إِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ حُرِّمَتِ الْحِيَل هُوَ أَنَّهَا تَهْدِمُ الأُْصُول الشَّرْعِيَّةَ، وَتُنَاقِضُ الْمَصَالِحَ الشَّرْعِيَّةَ، فَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْمَعْنَى وَكَانَتِ الْحِيَل مِمَّا لاَ يُنَاقِضُ الأُْصُول الشَّرْعِيَّةَ فَلاَ مَعْنَى لِمَنْعِهَا بَل كَانَتْ مِنَ الْمَشْرُوعِ.
هـ - أَجَازَتِ الشَّرِيعَةُ لِلْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِحْرَازًا لِدَمِهِ، وَفِي هَذَا تَحَيُّلٌ عَلَى إِحْرَازِ الدَّمِ، وَالتَّحَيُّل هُنَا كَالتَّحَيُّل بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ إِحْرَازًا لِلدَّمِ، كَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﷺ فَإِذَا قَالُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ стр. 11294
وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا (١) فَكُلٌّ مِنَ الْحَالَتَيْنِ نَطَقَ بِكَلِمَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ مَعْنَاهَا تَوَصُّلاً إِلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَهُوَ إِحْرَازُ الدَّمِ، فَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِمَا أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ فِي الظَّاهِرِ.
و إِنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلاَل وَالتَّخَلُّصَ مِنَ الْمَآثِمِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَالتَّحَيُّل لَهُ بِاِتِّخَاذِ الْوَسَائِل وَالأَْسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا كَذَلِكَ، وَلاَ تَخْرُجُ الْحِيَل الْمُبَاحَةُ عَنْ هَذَا.
مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ (٢) وَهِيَ حِيلَةٌ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْحِنْثِ، وَقَدْ عَمِل بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَقِّ الضَّعِيفِ الَّذِي زَنَى، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فِي السُّنَنِ، حَيْثُ إِنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَْنْصَارِ أَنَّهُ اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أَضْنَى، فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ، فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَل عَلَيْهِ رِجَال قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَال: اسْتَفْتُوا لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنِّي قَدْ وَقَعَتُ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الضُّرِّ مِثْل الَّذِي هُوَ بِهِ، لَوْ حَمَلْنَاهُ إِلَيْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ، مَا هُوَ إِلاَّ стр. 11295
جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ، فَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً (١) .
وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الرَّسُول ﷺ اسْتَعْمَل رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَكُل تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَال: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ تَفْعَل بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا (٢) .
وَفِي أَمْرِهِ ﷺ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا، وَنَهْيِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِهِ خُرُوجٌ مِمَّا لاَ يَحِل لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّبَا إِلَى مَا يَحِل وَهُوَ الْبَيْعُ، وَهُوَ خُرُوجٌ مِنَ الإِْثْمِ (٣) .
أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ الْحِيَل الْمُحَرَّمَةِ:
١٢ - إِنَّ الْحِيَل الْمُحَرَّمَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُخَادَعَةِ وَالتَّلْبِيسِ وَالتَّدْلِيسِ، وَعَلَى اتِّخَاذِ الْوَسَائِل الْمَشْرُوعَةِ، وَغَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ، لِلْوُصُول إِلَى الْحَرَامِ (٤) وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: стр. 11296
١ - قَوْلُهُ ﷺ : لَعَنَ رَسُول اللَّهِ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ (١) .
لأَِنَّ فِيهِ اسْتِحْلاَل الزِّنَى بِاسْمِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ قَوْل الْمُحَلِّل تَزَوَّجْتُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، أَوْ قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، وَهُوَ غَيْرُ مُبْطِنٍ لِحَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَلاَ يَقْصِدُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ، وَلاَ هِيَ مَرِيدَةٌ لِذَلِكَ وَلاَ الْوَلِيُّ، فَقَدْ تَوَسَّل بِاللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ إِلَى مَا يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ، أَوْ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ، وَهُوَ عَوْدُ الْمَرْأَةِ إِلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ.
وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سُئِل فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّل فَقَال: لاَ، إِلاَّ نِكَاحَ رَغْبَةٍ، لاَ نِكَاحَ دُلْسَةٍ، وَلاَ اسْتِهْزَاءً بِكِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ يَذُوقُ عُسَيْلَتَهَا (٢) .
٢ - قَوْلُهُ ﷺ : قَاتَل اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمِ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا (٣) فَاحْتَالُوا عَلَى стр. 11297
تَحْرِيمِ أَكْل الشُّحُومِ بِأَكْل أَثْمَانِهَا. (١)
٣ - قَوْل الْمُرَابِي بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا كَمَا فِي بَيْعِ الْعِينَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ بِأَقَل مِمَّا بَاعَهَا، وَلَمْ يَكُنْ مَرِيدًا لِحَقِيقَةِ الْبَيْعِ، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي غَرَضٌ فِي السِّلْعَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبَائِعُ عَوْدَ السِّلْعَةِ إِلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ.
وَصَحَّ عَنْ أَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُمَا سُئِلاَ عَنِ الْعِينَةِ، فَقَالاَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْدَعُ هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَسَمَّيَا ذَلِكَ خِدَاعًا. (٢)
٤ - لَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الْيَهُودَ عَلَى تَحَايُلِهِمْ عَلَى الْحَرَامِ فَقَال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٣) ، فَلَقَدْ حَرَّمَ عَلَى الْيَهُودِ أَنْ يَعْمَلُوا فِي السَّبْتِ شَيْئًا، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحْفِرُ الْحَفِيرَةَ، وَيَجْعَل لَهَا نَهَرًا إِلَى الْبَحْرِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ فَتَحَ النَّهَرَ فَأَقْبَل الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ يَضْرِبُهَا حَتَّى يُلْقِيَهَا فِي الْحَفِيرَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الأَْحَدِ، جَاءُوا فَأَخَذُوا مَا تَجَمَّعَ فِي الْحَفِيرَةِ مِنْ حِيتَانٍ وَقَالُوا: إِنَّمَا صِدْنَاهُ يَوْمَ الأَْحَدِ، فَعُوقِبُوا بِالْمَسْخِ قِرَدَةً стр. 11298
لأَِنَّهُمُ اسْتَحَلُّوا الْحَرَامَ بِالْحِيلَةِ (١) .
وَلَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنِ ارْتِكَابِ الْحِيَل، كَمَا فَعَلَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيل فَقَال ﷺ : لاَ تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَل. (٢)
وَمَعْنَى أَدْنَى الْحِيَل، أَيْ أَسْهَلِهَا وَأَقْرَبِهَا، كَمَا فِي الْمُطَلِّقِ ثَلاَثًا، فَمِنَ السَّهْل عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مَالاً لِمَنْ يَنْكِحُ مُطَلَّقَتَهُ لِيُحِلَّهَا لَهُ، بِخِلاَفِ الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي هِيَ نِكَاحُ الرَّغْبَةِ، فَإِنَّهَا يَصْعُبُ مَعَهَا عَوْدُهَا إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَ أَلْفًا بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَمِنْ أَدْنَى الْحِيَل أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا إِلاَّ دِرْهَمًا بِاسْمِ الْقَرْضِ، وَيَبِيعَهُ خِرْقَةً تُسَاوِي دِرْهَمًا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَدِرْهَمٍ، فَإِنَّهَا مِنْ أَدْنَى الْحِيَل إِلَى الرِّبَا وَأَسْهَلِهَا، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ فِي الاِعْتِدَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ. (٣)
٥ - قَوْلُهُ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٤) يَدُل عَلَى أَنَّ الأَْعْمَال تَابِعَةٌ لِمَقَاصِدِهَا وَنِيَّاتِهَا، وَأَنَّهُ стр. 11299
لَيْسَ لِلْعَبْدِ مِنْ ظَاهِرِ قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ إِلاَّ مَا نَوَاهُ وَأَبْطَنَهُ لاَ مَا أَعْلَنَهُ وَأَظْهَرَهُ، فَمَنْ نَوَى الرِّبَا بِعَقْدِ الْبَيْعِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ وَأَدَّى إِلَى الرِّبَا كَانَ مُرَابِيًا، وَكُل عَمَلٍ قُصِدَ بِهِ التَّوَصُّل إِلَى تَفْوِيتِ حَقٍّ كَانَ مُحَرَّمًا. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَخَارِجُ) . стр. 11300
حَيَوَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَيَوَانُ نَقِيضُ الْمَوَتَانِ وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآْخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (١) أَيِ: الْحَيَاةُ الَّتِي لاَ يُعْقِبُهَا مَوْتٌ. (٢) وَقِيل الْحَيَوَانُ فِي الآْيَةِ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَيَاةِ كَالْمَوَتَانِ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ.
وَيُطْلَقُ عَلَى كُل ذِي رُوحٍ، نَاطِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ نَاطِقٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَيَاةِ وَيَسْتَوِي فِي لَفْظِ (الْحَيَوَانِ) الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، لأَِنَّهُ مَصْدَرٌ فِي الأَْصْل.
وَقِيل الْحَيَوَانُ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ ضِدِّ الْمَوْتِ.
وَالْحَيَوَانُ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْجِسْمُ النَّامِي الْحَسَّاسُ الْمُتَحَرِّكُ بِالإِْرَادَةِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّابَّةُ:
٢ - الدَّابَّةُ كُل مَا دَبَّ عَلَى الأَْرْضِ. стр. 11301
وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، فَأَخْرَجَ الطَّيْرَ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْفَرَسِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ بِالدَّابَّةِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ فَعُرْفٌ طَارِئٌ. (١) وَغَلَبَ اسْمُ الدَّابَّةِ عَلَى مَا يُرْكَبُ.
فَالدَّابَّةُ أَخَصُّ مِنَ الْحَيَوَانِ عَلَى الْقَوْل الْمَشْهُورِ.
ب - الْبَهِيمَةُ:
٣ - الْبَهِيمَةُ كُل ذَاتِ أَرْبَعٍ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَكُل حَيَوَانٍ لاَ يُمَيِّزُ فَهُوَ بَهِيمَةٌ، وَالْجَمْعُ " بَهَائِمُ ". (٢)
فَالْبَهِيمَةُ أَخَصُّ مِنَ الْحَيَوَانِ وَمِنَ الدَّابَّةِ.
ج - النَّعَمُ:
٤ - النَّعَمُ جَمْعٌ لاَ وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بِمَعْنَى: الْمَال الرَّاعِي، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ عَلَى الإِْبِل. قَال أَبُو عُبَيْدٍ: النَّعَمُ: الْجِمَال فَقَطْ، وَيُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ، وَجَمْعُهُ نُعْمَانٌ، وَجَمْعُ الأَْنْعَامِ " أَنَاعِيمُ ". وَقِيل الأَْنْعَامُ: ذَوَاتُ الْخُفِّ وَالظِّلْفِ، وَهِيَ الإِْبِل وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ. فَالأَْنْعَامُ أَخَصُّ الْجَمِيعِ بِالْمُقَارَنَةِ مَعَ الْحَيَوَانِ وَالْبَهِيمَةِ. стр. 11302
الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْحَيَوَانِ:
أ - أَكْل الْحَيَوَانِ:
٥ - مَا يَتَأَتَّى أَكْلُهُ مِنَ الْحَيَوَانِ يَصْعُبُ حَصْرُهُ، وَالأَْصْل فِي الْجَمِيعِ الْحِل فِي الْجُمْلَةِ إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ فِيمَا يَلِي:
الأَْوَّل الْخِنْزِيرُ: فَهُوَ مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَاهُ مِنَ الْحَيَوَانِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل أَكْل كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ: كَالأَْسَدِ، وَالنَّمرِ، وَالْفَهْدِ، وَالذِّئْبِ، وَالْكَلْبِ وَغَيْرِهَا، وَلاَ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ كَالصَّقْرِ، وَالْبَازِي. وَالنَّسْرِ، وَالْعِقَابِ وَالشَّاهِينِ وَغَيْرِهَا. لأَِنَّهُ ﵊ نَهَى عَنْ كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُل ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. (١)
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيل وَتَحْرِيمِ بَعْضِ آحَادِ الْحَيَوَانِ، كَالْخَيْل، وَالضَّبُعِ، وَالثَّعْلَبِ، وَأَنْوَاعِ الْغُرَابِ وَغَيْرِهَا. يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) .
وَانْعَقَدَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي رِوَايَةٍ، أَنَّهُ يُؤْكَل جَمِيعُ الْحَيَوَانِ مِنَ الْفِيل إِلَى النَّمْل وَالدُّودِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ إِلاَّ الآْدَمِيَّ وَالْخِنْزِيرَ فَهُمَا مُحَرَّمَانِ إِجْمَاعًا. стр. 11303
وَكَذَلِكَ لاَ يَحْرُمُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ فِي رِوَايَةٍ، وَبِهِ قَال اللَّيْثُ وَالأَْوْزَاعِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ الآْيَاتِ الْمُبِيحَةِ، وَقَوْل أَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ: مَا سَكَتَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ (١) .
الثَّانِي: مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ كَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْفَأْرَةِ، وَكُل سَبُعٍ ضَارٍ كَالأَْسَدِ، وَالذِّئْبِ، وَغَيْرِهِمَا مِمَّا سَبَقَ. (٢)
الثَّالِثُ: الْمُسْتَخْبَثَاتُ: فَإِنَّ مِنَ الأُْصُول الْمُعْتَبَرَةِ فِي التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيمِ الاِسْتِطَابَةُ، وَالاِسْتِخْبَاثُ، وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ الأَْصْل الأَْعْظَمَ وَالأَْعَمَّ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلّ لَهُمْ قُل أُحِلّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٤)
وَتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَةٌ) .
ب - ذَكَاةُ الْحَيَوَانِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَأْكُول مِنَ стр. 11304
الْحَيَوَانِ لاَ يَحِل إِلاَّ بِالذَّبْحِ الْمُعْتَبَرِ، وَهُوَ مَا كَانَ بَيْنَ الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ حَال الاِخْتِيَارِ. وَذَكَاةُ الضَّرُورَةِ: جَرْحٌ وَطَعْنٌ وَإِنْهَارُ دَمٍ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ مِنَ الْبَدَنِ. وَيُسْتَثْنَى السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ. فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَال. (١)
وَأَمَّا مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ ذَبْحَهُ كَمَوْتِهِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَطْهُرُ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ وَجِلْدُهُ، حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيل لاَ يُفْسِدُهُ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَحِل أَكْلُهُ (٢) . وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْخِنْزِيرِ. أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَإِنَّهُ رِجْسٌ.
وَفِي الْمَوْضُوعِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (ذَبَائِحُ) .
ج - زَكَاةُ الْحَيَوَانِ:
٧ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ إِلاَّ فِي النَّعَمِ، وَهِيَ الإِْبِل، وَالْبَقَرُ، وَالْغَنَمُ، (٣) стр. 11305
وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَيْل، يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاةٌ) .
د - الإِْنْفَاقُ عَلَى الْحَيَوَانِ وَالرِّفْقُ بِهِ:
٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ إِطْعَامُ بَهَائِمِهِ، وَسَقْيُهَا، وَرَيُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَال: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتِ النَّارَ، لاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلاَ هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاشِ الأَْرْضِ (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
كَمَا يَحْرُمُ أَنْ يُحَمِّلَهُ مَا لاَ يُطِيقُ، لأَِنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لَهُ.
وَإِنِ امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَى بَهِيمَتِهِ أُجْبِرَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ دِيَانَةً وَقَضَاءً، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الْبَهَائِمِ قَضَاءً فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَيُجْبَرُ دِيَانَةً وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. (٢)
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَفَقَةٌ) . стр. 11306
هـ - جِنَايَةُ الْحَيَوَانِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ:
٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ رَاكِبَ الدَّابَّةِ يَضْمَنُ مَا وَطِئَتْهُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَلاَ يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ رِجْلِهَا.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُرُورَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَأَنَّ الْمُتَسَبِّبَ ضَامِنٌ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَالْمُبَاشِرُ يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
وَكَذَلِكَ يُضْمَنُ الْحَيَوَانُ، وَالنُّقْصَانُ فِيهِ، فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ رُبْعَ الْقِيمَةِ (١) .
وَالْمُرَادُ بِالْعَيْنِ، الْعَيْنُ الْبَاصِرَةُ، وَإِنَّمَا كَانَ ضَمَانُ الْعَيْنِ رُبْعَ الْقِيمَةِ، لأَِنَّهَا تَعْمَل بِعَيْنَيْهَا وَعَيْنَيْ قَائِدِهَا. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (جِنَايَةٌ وَضَمَانٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
١٠ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الْحَيَوَانِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى стр. 11307
مَا سَبَقَ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى مِنْهَا: بَيْعُ الْحَيَوَانِ، وَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ عَيْبًا، فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ، (١) وَعَنِ السَّلَمِ فِيهِ فِي السَّلَمِ، (٢) وَعَنْ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ فِي الشُّفْعَةِ (٣) وَعَنِ اسْتِئْجَارِهِ فِي الإِْجَارَةِ، (٤) وَعَنِ الْتِقَاطِهِ فِي اللُّقَطَةِ، (٥) وَعَنْ صَيْدِهِ وَالصَّيْدِ بِهِ فِي الصَّيْدِ وَالإِْحْرَامِ. (٦) стр. 11308
خَاتَمٌ
انْظُرْ تَخَتُّمٌ
خَادِمٌ
انْظُرْ خِدْمَةٌ.
خَارِجٌ
انْظُرْ خُرُوجٌ.
خَارِجِيٌّ
انْظُرْ فِرَقٌ
стр. 11309
خَاصٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَاصُّ فِي اللُّغَةِ: مِنْ خَصَّ الشَّيْءَ يَخُصُّهُ خُصُوصًا فَهُوَ خَاصٌّ مِنْ بَابِ قَعَدَ: ضِدُّ عَمَّ، وَاخْتَصَّ مِثْلُهُ، وَالْخَاصَّةُ خِلاَفُ الْعَامَّ ةِ (١) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: هُوَ مَا وُضِعَ لِوَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ أَوْ كَثِيرٍ مَحْصُورٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاحِدُ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ كَزَيْدٍ، أَوْ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعَامُّ:
٢ - الْعَامُّ فِي اللُّغَةِ: الأَْمْرُ الشَّامِل الْمُتَعَدِّدُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الأَْمْرُ لَفْظًا أَمْ غَيْرَ لَفْظٍ؛ يُقَال عَمَّهُمُ الْخَيْرُ أَوِ الْمَطَرُ: إِذَا شَمِلَهُمْ، وَأَحَاطَ بِهِمْ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ، بِوَضْعٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ (٣) стр. 11310
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - إِذَا وَرَدَ فِي النَّصِّ لَفْظٌ خَاصٌّ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِمَدْلُولِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَأْوِيلِهِ، وَإِرَادَةُ مَعْنًى آخَرَ مِنْهُ (١) .
وَإِنْ تَعَارَضَ الْخَاصُّ مَعَ الْعَامِّ بِأَنْ دَل كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى خِلاَفِ مَا يَدُل عَلَيْهِ الآْخَرُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَاصَّ يُخَصِّصُ الْعَامَّ، سَوَاءٌ عُلِمَ أَنَّ الْخَاصَّ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْعَامِّ، أَمْ تَقَارَنَا، أَمْ عُلِمَ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْخَاصِّ، أَمْ جُهِل التَّارِيخُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ نُسِخَ مِنَ الْعَامِّ بِقَدْرِ مَا يَدُل عَلَيْهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ نُسِخَ الْخَاصُّ، وَإِنْ جُهِل الْمُتَقَدِّمُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ. إِلاَّ أَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ بِمُرَجِّحٍ (٣) ، وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ لِلْمَوْسُوعَةِ.
الأَْجِيرُ الْخَاصُّ:
٤ - هُوَ مَنْ يَعْمَل لِوَاحِدٍ عَمَلاً مُؤَقَّتًا بِالتَّخْصِيصِ، كَأَنِ اسْتُؤْجِرَ لِخِدْمَةٍ، أَوْ خِيَاطَةٍ، يَوْمًا أَوْ أُسْبُوعًا وَنَحْوَهُ (٤)
. وَيَجِبُ عَلَى الأَْجِيرِ الْخَاصِّ أَنْ يَقُومَ بِالْعَمَل فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ كُلِّهِ، следующие страницы →