Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.
стр. 11306
هـ - جِنَايَةُ الْحَيَوَانِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ:
٩ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ رَاكِبَ الدَّابَّةِ يَضْمَنُ مَا وَطِئَتْهُ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَلاَ يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِذَنَبِهَا أَوْ رِجْلِهَا.
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُرُورَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مُبَاحٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ فِيمَا يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ، وَأَنَّ الْمُتَسَبِّبَ ضَامِنٌ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَالْمُبَاشِرُ يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
وَكَذَلِكَ يُضْمَنُ الْحَيَوَانُ، وَالنُّقْصَانُ فِيهِ، فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَضَى فِي عَيْنِ الدَّابَّةِ رُبْعَ الْقِيمَةِ (١) .
وَالْمُرَادُ بِالْعَيْنِ، الْعَيْنُ الْبَاصِرَةُ، وَإِنَّمَا كَانَ ضَمَانُ الْعَيْنِ رُبْعَ الْقِيمَةِ، لأَِنَّهَا تَعْمَل بِعَيْنَيْهَا وَعَيْنَيْ قَائِدِهَا. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (جِنَايَةٌ وَضَمَانٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
١٠ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الْحَيَوَانِ بِالإِْضَافَةِ إِلَى стр. 11307
مَا سَبَقَ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى مِنْهَا: بَيْعُ الْحَيَوَانِ، وَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ عَيْبًا، فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ، (١) وَعَنِ السَّلَمِ فِيهِ فِي السَّلَمِ، (٢) وَعَنْ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ فِي الشُّفْعَةِ (٣) وَعَنِ اسْتِئْجَارِهِ فِي الإِْجَارَةِ، (٤) وَعَنِ الْتِقَاطِهِ فِي اللُّقَطَةِ، (٥) وَعَنْ صَيْدِهِ وَالصَّيْدِ بِهِ فِي الصَّيْدِ وَالإِْحْرَامِ. (٦) стр. 11308
خَاتَمٌ
انْظُرْ تَخَتُّمٌ
خَادِمٌ
انْظُرْ خِدْمَةٌ.
خَارِجٌ
انْظُرْ خُرُوجٌ.
خَارِجِيٌّ
انْظُرْ فِرَقٌ
стр. 11309
خَاصٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَاصُّ فِي اللُّغَةِ: مِنْ خَصَّ الشَّيْءَ يَخُصُّهُ خُصُوصًا فَهُوَ خَاصٌّ مِنْ بَابِ قَعَدَ: ضِدُّ عَمَّ، وَاخْتَصَّ مِثْلُهُ، وَالْخَاصَّةُ خِلاَفُ الْعَامَّ ةِ (١) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: هُوَ مَا وُضِعَ لِوَاحِدٍ مُنْفَرِدٍ أَوْ كَثِيرٍ مَحْصُورٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاحِدُ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ كَزَيْدٍ، أَوْ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعَامُّ:
٢ - الْعَامُّ فِي اللُّغَةِ: الأَْمْرُ الشَّامِل الْمُتَعَدِّدُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الأَْمْرُ لَفْظًا أَمْ غَيْرَ لَفْظٍ؛ يُقَال عَمَّهُمُ الْخَيْرُ أَوِ الْمَطَرُ: إِذَا شَمِلَهُمْ، وَأَحَاطَ بِهِمْ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ، بِوَضْعٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ (٣) стр. 11310
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - إِذَا وَرَدَ فِي النَّصِّ لَفْظٌ خَاصٌّ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِمَدْلُولِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَأْوِيلِهِ، وَإِرَادَةُ مَعْنًى آخَرَ مِنْهُ (١) .
وَإِنْ تَعَارَضَ الْخَاصُّ مَعَ الْعَامِّ بِأَنْ دَل كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى خِلاَفِ مَا يَدُل عَلَيْهِ الآْخَرُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْخَاصَّ يُخَصِّصُ الْعَامَّ، سَوَاءٌ عُلِمَ أَنَّ الْخَاصَّ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْعَامِّ، أَمْ تَقَارَنَا، أَمْ عُلِمَ تَأَخُّرُهُ عَنِ الْخَاصِّ، أَمْ جُهِل التَّارِيخُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ نُسِخَ مِنَ الْعَامِّ بِقَدْرِ مَا يَدُل عَلَيْهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ الْعَامُّ نُسِخَ الْخَاصُّ، وَإِنْ جُهِل الْمُتَقَدِّمُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ. إِلاَّ أَنْ يَتَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ بِمُرَجِّحٍ (٣) ، وَالتَّفْصِيل فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ لِلْمَوْسُوعَةِ.
الأَْجِيرُ الْخَاصُّ:
٤ - هُوَ مَنْ يَعْمَل لِوَاحِدٍ عَمَلاً مُؤَقَّتًا بِالتَّخْصِيصِ، كَأَنِ اسْتُؤْجِرَ لِخِدْمَةٍ، أَوْ خِيَاطَةٍ، يَوْمًا أَوْ أُسْبُوعًا وَنَحْوَهُ (٤)
. وَيَجِبُ عَلَى الأَْجِيرِ الْخَاصِّ أَنْ يَقُومَ بِالْعَمَل فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ كُلِّهِ، стр. 11311
سِوَى زَمَنِ التَّطَهُّرِ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَزَمَنِ فِعْلِهَا بِسُنَنِهَا الْمُؤَكَّدَةِ، وَصَلاَةِ جُمُعَةٍ، وَعِيدٍ، فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ شَرْعًا، وَلاَ يُنْقَصُ مِنَ الأُْجْرَةِ، وَلاَ يُصَلِّي النَّوَافِل، فَإِنْ صَلاَّهَا نَقَصَ مِنْ أُجْرَتِهِ (١) .
وَلاَ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أَنْ يُمَكِّنَ الأَْجِيرَ الْخَاصَّ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلْجَمَاعَةِ، إِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ بَعِيدًا، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا فَفِيهِ احْتِمَالٌ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ مِمَّنْ يُطِيل الصَّلاَةَ، فَلاَ يَلْزَمُهُ قَطْعًا. (٢)
وَقَال الْمَجْدُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: ظَاهِرُ النَّصِّ يَمْنَعُ مِنْ شُهُودِ الْجَمَاعَةِ إِلاَّ بِشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ أَوْ إِذْنٍ (٣) .
وَسَبْتُ الْيَهُودِ، وَيَوْمُ الأَْحَدِ لِلنَّصَارَى مُسْتَثْنًى مِنْهُ كَذَلِكَ شَرْعًا، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: هَل يُلْحَقُ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ أَعْيَادِهِمْ؟ فَقَال: فِيهِ نَظَرٌ، لاَ سِيَّمَا الَّتِي تَدُومُ أَيَّامًا، وَالأَْقْرَبُ الْمَنْعُ؛ لِعَدَمِ اشْتِهَارِهَا فِي عُرْفِ الْمُسْلِمِينَ وَجَهْل النَّاسِ لَهَا، وَتَقْصِيرِ الذِّمِّيِّ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الْعَقْدِ (٤) .
وَلاَ يَجُوزُ لِلأَْجِيرِ الْخَاصِّ أَنْ يَعْمَل لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ، فَإِنْ عَمِل لِغَيْرِهِ فَأَضَرَّهُ بِذَلِكَ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الأَْجِيرِ مَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ مِنْ مَنْفَعَةٍ (٥) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَةٌ) стр. 11312
الطَّرِيقُ الْخَاصُّ:
٥ - الطَّرِيقُ الْخَاصُّ هُوَ الْمَمَرُّ غَيْرُ النَّافِذِ الْمَحْصُورُ بِدُورِ قَوْمٍ مَحْصُورِينَ
، وَهَذَا فِي الْغَالِبِ فَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ غَيْرِ النَّافِذِ الْمَمْلُوكُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ (أَيْ كَوْنُهُ غَيْرَ نَافِذٍ) لِعِلَّةِ الْمِلْكِ فَقَدْ يَنْفُذُ الطَّرِيقُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ، وَقَدْ يَسُدُّ مَنْفَذَهُ هُوَ لِلْعَامَّةِ لَكِنَّ ذَلِكَ (أَيْ عَدَمَ النُّفُوذِ) دَلِيلٌ عَلَى الْمِلْكِ غَالِبًا، فَأُقِيمَ مُقَامَهُ وَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ حَتَّى يَدُل الدَّلِيل عَلَى خِلاَفِهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ - وَهُمْ مَنْ نَفَذَ بَابُ دَارِهِ إِلَيْهِ - أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمْ أَنْ يَشْرَعَ إِلَيْهِ جَنَاحًا، أَوْ أَنْ يَبْنِيَ دَكَّةً إِلاَّ بِإِذْنِ الآْخَرِينَ (١) . وَيُفَصِّل الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ الطَّرِيقِ الْخَاصِّ فِي: بَابِ الصُّلْحِ، وَأَحْكَامِ الْجِوَارِ، وَبَابِ الشَّرِكَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَطْ، وَيَذْكُرُهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي فَصْل الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنْ بَابِ الصُّلْحِ، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (طَرِيقٌ) .
الْمَال الْخَاصُّ:
٦ - الْمَال الْخَاصُّ هُوَ الْمَال الَّذِي يَمْلِكُهُ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ أَشْخَاصٌ مَحْصُورُونَ
، وَمِنْ أَحْكَامِهِ: جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِأَصَالَةٍ أَوْ بِوَكَالَةٍ أَوْ بِوِلاَيَةٍ، стр. 11313
وَيُقْطَعُ سَارِقُهُ بِشُرُوطِهِ، وَيُقَابِلُهُ الْمَال الْعَامُّ: كَبَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَوْقُوفِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَكُل مَا كَانَ نَفْعُهُ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً. حَيْثُ لاَ قَطْعَ فِيهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) ، وَيَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ: فِي بَابِ الْبَيْعِ، وَالرَّهْنِ، وَالإِْجَارَةِ، وَفِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْمُعَامَلاَتِ، وَفِي بَابِ السَّرِقَةِ. стр. 11314
خَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَال فِي اللُّغَةِ: أَخُو الأُْمِّ وَإِنْ عَلَتْ، وَجَمْعُهُ أَخْوَالٌ، وَأُخْتُ الأُْمِّ خَالَةٌ، وَالْجَمْعُ خَالاَتٌ، يُقَال: أَخْوَل الرَّجُل، فَهُوَ مُخْوِلٌ: أَيْ كَرِيمُ الأَْخْوَال، وَيُقَال أَيْضًا: أُخْوِل بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُول (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعَمُّ:
٢ - الْعَمُّ فِي اللُّغَةِ أَخُو الأَْبِ، أَوْ أَخُو الْجَدِّ، وَإِنْ عَلاَ، وَجَمْعُهُ أَعْمَامٌ وَالْمَصْدَرُ عُمُومَةٌ، يُقَال: أَعَمَّ الرَّجُل، إِذَا كَرُمَ أَعْمَامُهُ، يُسْتَعْمَل مَبْنِيًّا لِلْفَاعِل وَلِلْمَفْعُول (٢)
تَوْرِيثُ الْخَال:
٣ - الْخَال مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ، بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَذُو الرَّحِمِ، هُوَ كُل قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ، وَلاَ عَصَبَةٍ. стр. 11315
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْرِيثِ الْخَال كَسَائِرِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخَال يُوَرَّثُ عِنْدَ فَقْدِ الْعَصَبَةِ وَذَوِي الْفَرْضِ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، فَيَأْخُذُ الْمُنْفَرِدُ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ جَمِيعَ الْمَال، بِالْقَرَابَةِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ عَصَبَةٌ، وَلاَ ذُو فَرْضٍ مُطْلَقًا، وَيَأْخُذُ مَا بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، إِنْ وُجِدَ لِعَدَمِ الرَّدِّ عَلَيْهِمَا (١)
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢) أَيْ أَحَقُّ بِالتَّوَارُثِ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِحَدِيثِ: الْخَال وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ (٣) وَقَالُوا: رُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. وَغَيْرُهُمْ.
وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْخَال لاَ يَرِثُ كَسَائِرِ ذَوِي الأَْرْحَامِ، بَل يَكُونُ الْمَال لِبَيْتِ الْمَال (٤) وَقَالُوا: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ الْمَوَارِيثِ: قَال (٥) : إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُل ذِي حَقٍّ стр. 11316
حَقَّهُ وَلَيْسَ فِي الآْيَاتِ ذِكْرٌ لِلْخَال، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِخَبَرِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ : رَكِبَ إِلَى قُبَاءٍ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي مِيرَاثِ الْعَمَّةِ، وَالْخَالَةِ، فَأُنْزِل عَلَيْهِ لاَ مِيرَاثَ لَهُمَا (١) وَقَالُوا: وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ وَارِثًا بِالْقَرَابَةِ، لَقُدِّمَ عَلَى الْمُعْتِقِ؛ لأَِنَّ الْقَرَابَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الإِْرْثِ بِالْوَلاَءِ. وَلَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبَيْنِ أَفْتَوْا: بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُ بَيْتِ الْمَال، رُدَّ الْبَاقِي مِنَ الْمَال عَلَى أَهْل الْفَرْضِ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ إِرْثًا، فَإِنْ فُقِدُوا صُرِفَ لِذَوِي الأَْرْحَامِ (٢) . التَّفْصِيل فِي (إِرْثٌ ف ١٥) .
وِلاَيَةُ الْخَال عَلَى الصَّغِيرَةِ:
٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وِلاَيَةِ الْخَال عَلَى الصَّغِيرَةِ بِالتَّزْوِيجِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْخَال وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ عَلَى الصَّغِيرَةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ عَصَبَةً، فَهُوَ شَبِيهٌ بِالأَْجْنَبِيِّ (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وِلاَيَةٌ) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الْخَال يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ عِنْدَ стр. 11317
فَقْدِ الْعَصَبَةِ وَفَقْدِ ذِي الرَّحِمِ الأَْقْرَبِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي الْوِلاَيَةِ عَلَيْهَا (١) .
نَفَقَةُ الْخَال:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْخَال. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْخَال لاَ تَجِبُ لَهُ نَفَقَةٌ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجِبُ نَفَقَةُ الْخَال كَكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي إِنْفَاقِ الْخَال عَلَى وَلَدِ أُخْتِهِ (٣)
حَضَانَةُ الْخَال:
٦ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنْ لاَ حَضَانَةَ لِلْخَال؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مَحْرَمًا وَارِثًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَلَيْسَ عَصَبَةً عِنْدَ آخَرِينَ. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْوَجْهُ الْمُقَدَّمُ لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْخَال لَهُ حَقُّ الْحَضَانَةِ. وَالتَّفْصِيل فِي: (حَضَانَةٌ) (٤) .
تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْخَال:
٧ - الْخَال قَرِيبٌ مَحْرَمٌ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ ابْنَةِ أُخْتِهِ стр. 11318
بِاتِّفَاقِ أَهْل الْمِلَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُحَرَّمَاتِ: ﴿وَبَنَاتُ الأُْخْتِ﴾ - (١)
وِلاَيَةُ الْخَال عَلَى مَال الصَّغِيرِ:
٨ - لَيْسَ لِلْخَال وِلاَيَةٌ عَلَى مَال الصَّغِيرِ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي: (وِلاَيَةٌ) . стр. 11319
خَالَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَالَةُ أُخْتُ الأُْمِّ، وَالأُْمُّ كُل مَنِ انْتَسَبْتَ إِلَيْهَا بِوِلاَدَةٍ، سَوَاءٌ وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الأُْمِّ حَقِيقَةً وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْكَ، أَوْ مَجَازًا، وَهِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ وَإِنْ عَلَتْ. مِنْ ذَلِكَ جَدَّتُكَ أُمُّ أُمِّكَ وَأُمُّ أَبِيكَ، وَجَدَّتَا أُمِّكَ، وَجَدَّتَا أَبِيكَ، وَجَدَّاتُ أَجْدَادِكَ، وَجَدَّاتُ جَدَّاتِكَ وَإِنْ عَلَوْنَ (١) . وَالْجَمِيعُ جَدَّاتٌ.
الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْخَالَةِ:
تَحْرِيمُ الْخَالَةِ:
٢ - الْخَالَةُ بِالنَّسَبِ أَوِ الرَّضَاعِ مِنَ الْمَحَارِمِ الْمُحَرَّمِ نِكَاحُهُنَّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُنَّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ﴾ (٢) وَخَبَرُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (٣)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ. стр. 11320
مِيرَاثُ الْخَالَةِ:
٣ - الْخَالَةُ بِالنَّسَبِ مِنْ ذَوِي الأَْرْحَامِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَتَوْرِيثُهُمْ مَحَل خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي أَصْل الْمَذْهَبَيْنِ: إِنَّ ذَوِي الأَْرْحَامِ لاَ يَرِثُونَ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ ذَوِي الأَْرْحَامِ يَرِثُونَ عِنْدَ فَقْدِ الْعَصَبَةِ، وَذَوِي الْفُرُوضِ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِرْثٌ) (وَخَالٌ) .
حَقُّ الْحَضَانَةِ لِلْخَالَةِ:
٤ - الْخَالَةُ مِمَّنْ لَهُنَّ حَقُّ الْحَضَانَةِ، أَمَّا تَرْتِيبُهُنَّ فِي الْحَضَانَةِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (حَضَانَةٌ) .
نَفَقَةُ الْخَالَةِ:
٥ - لاَ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْخَالَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْخَالَةِ بِالنَّسَبِ كَكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (خَالٌ، وَنَفَقَةٌ) .
أَمَّا الْخَالَةُ بِالرَّضَاعِ: فَلَيْسَ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ، وَلاَ النَّفَقَةُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ: ر: (نَفَقَةٌ، رَضَاعٌ، حَضَانَةٌ) . стр. 11321
خَبَثٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَبَثُ فِي اللُّغَةِ هُوَ كُل مَا يُكْرَهُ رَدَاءَةً وَخِسَّةً مَحْسُوسًا كَانَ أَوْ مَعْقُولاً، وَيَتَنَاوَل مِنَ الاِعْتِقَادِ الْكُفْرَ، وَمِنَ الْقَوْل: الْكَذِبَ، وَمِنَ الْفِعَال الْقَبِيحَ (١) قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: الْخَبَثُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ: الْمَكْرُوهُ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَلاَمِ فَهُوَ الشَّتْمُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمِلَل: فَهُوَ الْكُفْرُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الطَّعَامِ: فَهُوَ الْحَرَامُ وَإِنْ كَانَ مِنَ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ، وَالْخَبَثُ فِي الْمَعَادِنِ مَا نَفَاهُ الْكِيرُ مِمَّا لاَ خَيْرَ فِيهِ (٢) .
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرِّجْسُ:
٢ - الرِّجْسُ: هُوَ النَّتِنُ وَالْقَذِرُ، قَال الْفَارَابِيُّ: كُل стр. 11322
شَيْءٍ يُسْتَقْذَرُ فَهُوَ رِجْسٌ، وَقِيل الرِّجْسُ: النَّجِسُ.
قَال الأَْزْهَرِيُّ: الرِّجْسُ هُوَ النَّجِسُ الْقَذِرُ الْخَارِجُ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ، وَعَلَى هَذَا فَقَدْ يَكُونُ الرِّجْسُ، وَالْقَذِرُ، وَالنَّجَاسَةُ بِمَعْنًى، وَقَدْ يَكُونُ الرِّجْسُ، وَالْقَذِرُ بِمَعْنَى غَيْرِ النَّجَاسَةِ.
وَقَال النَّقَّاشُ: الرِّجْسُ النَّجِسُ (١) ، وَمِثْل الرِّجْسِ: الرِّكْسُ وَالرِّجْزُ.
ب - الدَّنَسُ:
٣ - الدَّنَسُ (بِفَتْحَتَيْنِ) الْوَسَخُ. يُقَال: دَنِسَ الثَّوْبُ أَيْ تَوَسَّخَ، وَأَيْضًا تَدَنَّسَ، وَدَنَّسَهُ غَيْرُهُ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ الْخَبَثِ مَأْمُورٌ بِهَا فِي الشَّرْعِ، وَاخْتَلَفُوا هَل ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، أَوْ عَلَى النَّدْبِ؟
فَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِوُجُوبِ إِزَالَةِ الْخَبَثِ مُطْلَقًا، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الثَّوْبِ النَّجِسِ، فِي خَارِجِ الصَّلاَةِ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ. وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٣) وَبِحَدِيثِ: وَكَانَ الآْخَرُ لاَ يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْل (٤) стр. 11323
أَمَّا إِزَالَةُ الْخَبَثِ لِمُرِيدِ الصَّلاَةِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ إِلاَّ مَا كَانَ مَعْفُوًّا عَنْهُ (١) ر: (شُرُوطُ الصَّلاَةِ) .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي حُكْمِ إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ عَنْ ثَوْبِ الْمُصَلِّي، وَبَدَنِهِ، وَمَكَانِهِ، قَوْلاَنِ مَشْهُورَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إِزَالَةَ الْخَبَثِ عَمَّا ذُكِرَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ عَلَى كُل حَالٍ، سَوَاءٌ ذَكَرَهَا أَمْ لَمْ يَذْكُرْهَا، وَسَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهَا أَمْ لَمْ يَقْدِرْ، وَالْقَوْل الثَّانِي: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا وُجُودَهَا، وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهَا بِوُجُودِ مَاءٍ مُطْلَقٍ يُزِيلُهَا بِهِ أَوْ وُجُودِ ثَوْبٍ طَاهِرٍ، أَوِ الْقُدْرَةِ عَلَى الاِنْتِقَال مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ الْخَبَثُ إِلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ.
وَقَال الْحَطَّابُ: إِنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِحُكْمِهَا أَوْ جَاهِلاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهَا يُعِيدُ صَلاَتَهُ أَبَدًا، وَمَنْ صَلَّى بِهَا نَاسِيًا لَهَا، أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِهَا، أَوْ عَاجِزًا عَنْ إِزَالَتِهَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عَلَى قَوْل مَنْ قَال: إِنَّهَا سُنَّةٌ، وَقَوْل: مَنْ قَال: إِنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ (٢) . стр. 11324
ر: التَّفْصِيل فِي شُرُوطِ الصَّلاَةِ وَبَابِ: (النَّجَاسَةِ) .
٥ - أَمَّا أَنْوَاعُ الْخَبَثِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهِ عَلَى أَرْبَعَةٍ: مَيْتَةُ الْحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ، وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ مُطْلَقًا، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ، وَبَوْل ابْنِ آدَمَ وَرَجِيعُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٌ) .
стр. 11325
خَبَرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَبَرُ لُغَةً: اسْمٌ لِمَا يُنْقَل وَيُتَحَدَّثُ بِهِ، وَجَمْعُهُ أَخْبَارٌ، وَاسْتَخْبَرَهُ: سَأَلَهُ عَنِ الْخَبَرِ وَطَلَبَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وَالْخَبِيرُ الْعَالِمُ بِكُنْهِ الْخَبَرِ، وَخَبَرْتُ الأَْمْرَ أَيْ عَلِمْتُهُ (١) وَالْخَبِيرُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَاهُ: الْعَالِمُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ الْمُطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ (٢) .
أَمَّا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فَقَدْ قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: الْخَبَرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْفَنِّ (مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ) مُرَادِفٌ لِلْحَدِيثِ، فَيُطْلَقَانِ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَعَلَى الْمَوْقُوفِ، وَالْمَقْطُوعِ، وَقِيل: الْحَدِيثُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْخَبَرُ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيل لِمَنْ يَشْتَغِل بِالسُّنَّةِ مُحَدِّثٌ، وَبِالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا أَخْبَارِيٌّ، وَقِيل بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُل حَدِيثٍ خَبَرٌ وَلاَ عَكْسَ، وَقِيل: لاَ يُطْلَقُ стр. 11326
الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ الْمَرْفُوعِ إِلاَّ بِشَرْطِ التَّقْيِيدِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يُسَمُّونَ الْمَرْفُوعَ وَالْمَوْقُوفَ بِ الأَْثَرِ ، وَأَنَّ فُقَهَاءَ خُرَاسَانَ يُسَمُّونَ الْمَوْقُوفَ بِالأَْثَرِ، وَالْمَرْفُوعَ بِالْخَبَرِ (١)
وَتَفْصِيلُهُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ، وَفِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الأَْثَرُ:
٢ - الأَْثَرُ لُغَةً بِتَحْرِيكِ الثَّاءِ مَا بَقِيَ مِنَ الشَّيْءِ أَوْ هُوَ الْخَبَرُ، وَالْجَمْعُ آثَارٌ، وَحَدِيثٌ مَأْثُورٌ: أَيْ مَنْقُولٌ، يُخْبِرُ النَّاسُ بِهِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا أَيْ يَنْقُلُهُ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ (٢)
وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ يُطْلَقُ الأَْثَرُ عَلَى بَقِيَّةِ الشَّيْءِ، كَأَثَرِ النَّجَاسَةِ، وَعَلَى الْحَدِيثِ مَرْفُوعًا كَانَ أَوْ مَوْقُوفًا أَوْ مَقْطُوعًا، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقْصُرُونَهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّصَرُّفِ، فَيَقُولُونَ: أَثَرُ الْعَقْدِ، وَأَثَرُ الْفَسْخِ، وَأَثَرُ النِّكَاحِ، وَنَحْوِهِ (٣) .
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الأَْثَرَ أَعَمُّ فِي إِطْلاَقَاتِهِ مِنَ الْخَبَرِ. стр. 11327
النَّبَأُ:
٣ - النَّبَأُ لُغَةً الْخَبَرُ، وَقَال الرَّاغِبُ: النَّبَأُ خَبَرٌ ذُو فَائِدَةٍ عَظِيمَةٍ يَحْصُل بِهِ عِلْمٌ أَوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ، وَلاَ يُقَال لِلْخَبَرِ فِي الأَْصْل نَبَأٌ حَتَّى يَتَضَمَّنَ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ، وَحَقُّ الْخَبَرِ الَّذِي يُقَال فِيهِ نَبَأٌ: أَنْ يَتَعَرَّى عَنِ الْكَذِبِ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَخَبَرِ اللَّهِ وَخَبَرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلِتَضَمُّنِ النَّبَأِ مَعْنَى الْخَبَرِ يُقَال: أَنْبَأْتُهُ بِكَذَا، وَلِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْعِلْمِ، قِيل: أَنْبَأْتُهُ كَذَا، وَجَمْعُهُ أَنْبَاءٌ، وَيُقَال: إِنَّ لِفُلاَنٍ نَبَأً: أَيْ خَبَرًا، وَاسْتَنْبَأَ النَّبَأَ: بَحَثَ عَنْهُ (١) .
وَالنَّبِيُّ ﷺ الْمُخْبِرُ عَنِ اللَّهِ وَالْجَمْعُ أَنْبِيَاءُ.
وَيُقَال تَنَبَّأَ الْكَذَّابُ إِذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ.
تَقْسِيمُ الْخَبَرِ:
٤ - الْخَبَرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ. فَالْخَبَرُ عَنْ خَاصٍّ مُنْحَصِرٌ فِي ثَلاَثَةٍ: الإِْقْرَارُ، وَالْبَيِّنَةُ، وَالدَّعْوَى؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ بِحَقٍّ عَلَى الْمُخْبِرِ فَهُوَ الإِْقْرَارُ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ الدَّعْوَى، أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ الشَّهَادَةُ.
وَضَبَطَهَا الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ بِضَابِطٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْل إِنْ كَانَ ضَارًّا لِقَائِلِهِ فَهُوَ الإِْقْرَارُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَارًّا بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لَهُ أَوْ لاَ، وَالأَْوَّل هُوَ الدَّعْوَى، وَالثَّانِي الشَّهَادَةُ.
وَالْخَبَرُ عَنْ عَامٍّ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ عَامًّا، لاَ стр. 11328
يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ، وَيَنْحَصِرُ أَيْضًا فِي ثَلاَثَةٍ: الرِّوَايَةِ، وَالْحُكْمِ، وَالْفَتْوَى؛ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ إِلْزَامٌ فَهُوَ الْحُكْمُ، وَإِلاَّ فَالْفَتْوَى، وَعُلِمَ مِنْ هَذَا ضَابِطُ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ (١) .
وَيُنْظَرُ شُرُوطُ كُل نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَبَرِ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. انْظُرْ (شَهَادَةٌ، وَإِقْرَارٌ، وَدَعْوَى، وَقَضَاءٌ، وَفَتْوَى) .
أَحْكَامُ الْخَبَرِ:
الْخَبَرُ عَنِ النَّجَاسَةِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَخْبَرَ الثِّقَةُ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ، أَوْ ثَوْبٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَبَيَّنَ سَبَبَ النَّجَاسَةِ وَكَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ يَقْتَضِي النَّجَاسَةَ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ؛ لأَِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْل فِي مِثْل هَذِهِ الأَْشْيَاءِ مَقْبُولٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَكَذَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ دُخُول وَقْتِ الصَّلاَةِ، وَعَنْ حُرْمَةِ الطَّعَامِ أَوْ حِلِّهِ، وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَلاَ بَيْنَ الأَْعْمَى وَالْبَصِيرِ بِخِلاَفِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ فَلاَ يُقْبَل خَبَرُهُمَا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ فَلاَ يُقْبَل خَبَرُهُمَا فِي مِثْل هَذِهِ الأَْشْيَاءِ بِلاَ خِلاَفٍ. أَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي قَبُول خَبَرِهِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ قَبُول خَبَرِهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ стр. 11329
يُوصَفُ بِالْعَدَالَةِ لِصِغَرِهِ، لأَِنَّ الْعَدْل يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلاً بَالِغًا.
وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ إِلَى قَبُول خَبَرِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يُبَيِّنِ الْمُخْبِرُ سَبَبَ النَّجَاسَةِ، وَلَمْ يَتَّفِقْ مَذْهَبُ الْمُخْبَرِ (بِفَتْحِ الْبَاءِ) وَالْمُخْبِرِ (بِكَسْرِهَا) فَلاَ يَلْزَمُهُ قَبُول خَبَرِهِ لاِحْتِمَال اعْتِقَادِهِ نَجَاسَةَ الْمَاءِ بِمَا لاَ يُنَجِّسُهُ أَصْلاً، أَوْ بِسَبَبٍ لاَ يَعْتَقِدُهُ الْمُخْبَرُ (بِالْفَتْحِ) .
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٌ، وَصَلاَةٌ) .
وَيَجُوزُ لِلْمُخْبَرِ (بِفَتْحِ الْبَاءِ) أَنْ يُحَكِّمَ رَأْيَهُ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَالصَّبِيِّ، الْمُمَيِّزِ، وَالْكَافِرِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَادِقٌ عَمِل بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ فَلاَ يَعْمَل بِهِ.
وَيُقْبَل خَبَرُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْكَافِرِ فِي الإِْذْنِ فِي دُخُول الدُّورِ وَنَحْوِهَا وَكَذَلِكَ فِي الإِْخْبَارِ عَنِ الْهَدِيَّةِ مِنْ صَبِيٍّ يَحْمِلُهَا (١) . لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَالتَّفْصِيل فِي (دَعْوَى، شَهَادَةٌ) .
الْخَبَرُ عَنِ الْقِبْلَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الأُْمُورِ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى قَبُول قَوْل مَنْ يُعْتَمَدُ стр. 11330
خَبَرُهُ عَنِ الْقِبْلَةِ، كَأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، عَاقِلاً، بَالِغًا عَدْلاً، سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً.
وَلاَ يُقْبَل خَبَرُ الْكَافِرِ فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ، وَلاَ خَبَرُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْفَاسِقِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ قَبُول خَبَرِهِمَا؛ لأَِنَّ رِوَايَتَهُمَا وَشَهَادَتَهُمَا لاَ تُقْبَل؛ وَلأَِنَّ الصَّبِيَّ لاَ يَلْحَقُهُ مَأْثَمٌ بِكَذِبِهِ، فَتَحَرُّزُهُ عَنِ الْكَذِبِ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ، أَمَّا الْفَاسِقُ فَلِقِلَّةِ دِينِهِ، وَتَطَرُّقِ التُّهْمَةِ إِلَيْهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى قَبُول خَبَرِهِمَا (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِقْبَالٌ) .
الْخَبَرُ عَنْ رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول خَبَرِ الْوَاحِدِ عَنْ رُؤْيَةِ هِلاَل شَهْرِ رَمَضَانَ بِسَبَبِ اخْتِلاَفِهِمْ فِي كَوْنِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ مِنْ بَابِ الأَْخْبَارِ، أَوْ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إِلَى قَبُول خَبَرِ ثِقَةٍ وَاحِدٍ عَنْ رُؤْيَةِ هِلاَل شَهْرِ رَمَضَانَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، عَاقِلاً، بَالِغًا، عَدْلاً، سَوَاءٌ أَكَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً أَمْ لاَ. لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: تَرَاءَى стр. 11331
النَّاسُ الْهِلاَل فَأَخْبَرْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. (١)
وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: إِنِّي رَأَيْتُ هِلاَل رَمَضَانَ فَقَال: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: نَعَمْ قَال: يَا بِلاَل أَذِّنْ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا (٢) وَلأَِنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ فَقُبِل مِنْ وَاحِدٍ، وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ هَؤُلاَءِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ لَدَى الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ امْرَأَةٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً، فَيُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ هِلاَل رَمَضَانَ رُؤْيَةُ عَدَدٍ مِنَ الشُّهُودِ يَقَعُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ لِلْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِي الأَْسْبَابِ الْمُوصِلَةِ إِلَى الرُّؤْيَةِ، وَتَفَرُّدُ وَاحِدٍ بِالرُّؤْيَةِ مَعَ مُسَاوَاةِ غَيْرِهِ دَلِيل الْكَذِبِ أَوِ الْغَلَطِ فِي الرُّؤْيَةِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ السَّمَاءُ غَيْرَ مُصْحِيَةٍ أَوْ بِهَا عِلَّةٌ، فَيُقْبَل خَبَرُ стр. 11332
الْوَاحِدِ الْعَدْل فِي رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً غَيْرَ مَحْدُودٍ فِي قَذْفٍ أَوْ مَحْدُودًا تَائِبًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، عَاقِلاً، بَالِغًا، عَدْلاً، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ تَمْنَعُ التَّسَاوِيَ فِي الرُّؤْيَةِ لِجَوَازِ أَنَّ قِطْعَةً مِنَ الْغَيْمِ انْشَقَّتْ فَظَهَرَ الْهِلاَل فَرَآهُ وَاحِدٌ فَاسْتَتَرَ بِالْغَيْمِ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْل أَنْ يَرَاهُ غَيْرُهُ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِثُبُوتِ هِلاَل رَمَضَانَ مِنْ إِتْمَامِ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا، أَوْ رُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَال: أَلاَ إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسَأَلْتُهُمْ، وَأَنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَانْسُكُوا لَهَا. فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَافْطُرُوا. (١)
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ، شَهَادَةٌ) . стр. 11333
خِبْرَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخِبْرَةُ فِي اللُّغَةِ - بِكَسْرِ الْخَاءِ وَضَمِّهَا - الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ، وَمَعْرِفَتُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، مِنْ قَوْلِكَ: خَبَرْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا عَرَفْتُ حَقِيقَةَ خَبَرِهِ. وَمِثْلُهُ الْخِبْرُ وَالْخُبْرُ، وَالْمَخْبُرَةُ. وَالْمُخْبِرَةُ. وَالْخَبِيرُ بِالشَّيْءِ، الْعَالِمُ بِهِ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، مِثْل عَلِيمٍ، وَقَدِيرٍ، وَأَهْل الْخِبْرَةِ ذَوُوهَا (١)
وَاسْتُعْمِل فِي مَعْرِفَةِ كُنْهِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَل بِهِ خَبِيرًا﴾ (٢) ، وَالْخَبِيرُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَهُوَ الْعَالِمُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ الْمُطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. هَذَا فِي الأَْصْل. وَعِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ فِيمَا غَمُضَ مِنَ الأَْشْيَاءِ وَلَطُفَ، وَفِيمَا تَجَلَّى مِنْهُ وَظَهَرَ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. стр. 11334
وَقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْخِبْرَةِ بِلَفْظِ الْبَصِيرَةِ، كَمَا عَبَّرُوا عَنْهَا بِلَفْظِ الْمَعْرِفَةِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعِلْمُ وَالْمَعْرِفَةُ:
أَوَّلاً: الْعِلْمُ:
٢ - الْعِلْمُ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا مَا يَصِيرُ بِهِ الشَّيْءُ مُنْكَشِفًا، وَمِنْهَا الصُّورَةُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الشَّيْءِ عِنْدَ الْعَقْل، وَمِنْهَا الإِْدْرَاكُ، وَمِنْهَا الاِعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ.
ثَانِيًا: الْمَعْرِفَةُ:
٣ - أَمَّا الْمَعْرِفَةُ فَهِيَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِجَهْلٍ، بِخِلاَفِ الْعِلْمِ (٢) . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخِبْرَةِ، أَنَّ الْخِبْرَةَ الْعِلْمُ بِكُنْهِ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى حَقَائِقِهَا، فَفِيهَا مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ (٣)
ب - التَّجْرِبَةُ:
٤ - التَّجْرِبَةُ مَصْدَرُ جَرَّبَ، وَمَعْنَاهُ الاِخْتِبَارُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَعَلَى ذَلِكَ فَالتَّجْرِبَةُ اسْمٌ لِلاِخْتِبَارِ مَعَ التَّكْرَارِ؛ لأَِنَّهَا مِنَ التَّجْرِيبِ الَّذِي هُوَ تَكْرِيرُ стр. 11335
الاِخْتِبَارِ وَالإِْكْثَارُ مِنْهُ، وَلاَ يَلْزَمُ فِي الْخِبْرَةِ التَّكْرَارُ (١) .
ح - الْبَصَرُ أَوِ الْبَصِيرَةُ:
٥ - الْبَصِيرَةُ لُغَةً: الْعِلْمُ وَالْخِبْرَةُ، يُقَال: هُوَ ذُو بَصَرٍ وَبَصِيرَةٍ، أَيْ ذُو عِلْمٍ وَخِبْرَةٍ. وَيُعْرَفُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ مِمَّا أَوْرَدَ ابْنُ عَابِدِينَ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ يَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِ الْقِيمَةِ إِلَى أَهْل الْبَصِيرَةِ وَهُمْ أَهْل النَّظَرِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي قِيمَةِ الشَّيْءِ (٢) .
د - الْقِيَافَةُ:
٦ - الْقِيَافَةُ مَصْدَرُ قَافَ الأَْثَرَ قِيَافَةً إِذَا تَتَبَّعَهُ. وَالْقَائِفُ هُوَ مَنْ يَعْرِفُ الآْثَارَ وَيَتَتَبَّعُهَا، وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُل بِأَخِيهِ، وَأَبِيهِ، وَالْجَمْعُ الْقَافَةُ. وَتُسْتَعْمَل فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ فِي نَفْسِ الْمَعْنَى. قَال فِي الْمُغْنِي: الْقَافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الإِْنْسَانَ بِالشَّبَهِ (٣)
هـ - الْحِذْقُ:
٧ - الْحِذْقُ الْمَهَارَةُ، يُقَال: حَذَقَ الصَّبِيُّ الْقُرْآنَ وَالْعَمَل يَحْذِقُهُ حِذْقًا وَحَذْقًا إِذَا مَهَرَ فِيهِ، وَحَذِقَ стр. 11336
الرَّجُل فِي صَنْعَتِهِ أَيْ مَهَرَ فِيهَا، وَعَرَفَ غَوَامِضَهَا وَوَقَائِعَهَا (١) .
فَالْحِذْقُ يُسْتَعْمَل فِي الْمَهَارَةِ فِي الصَّنْعَةِ غَالِبًا، وَهُوَ لِهَذَا الاِعْتِبَارِ أَخَصُّ مِنَ الْخِبْرَةِ
وَ - الْفِرَاسَةُ:
٨ - الْفِرَاسَةُ بِكَسْرِ الْفَاءِ هِيَ التَّثَبُّتُ وَالتَّأَمُّل لِلشَّيْءِ وَالْبَصَرُ بِهِ، يُقَال: إِنَّهُ لَفَارِسٌ بِهَذَا الأَْمْرِ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ: اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ. (٢)
وَيَقُول ابْنُ الأَْثِيرِ: الْفِرَاسَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ تُتَعَلَّمُ بِالدَّلاَئِل وَالتَّجَارِبِ وَالْخُلُقِ وَالأَْخْلاَقِ فَتُعْرَفُ بِهِ أَحْوَال النَّاسِ. يَقُول ابْنُ فَرْحُونَ: الْفِرَاسَةُ نَاشِئَةٌ عَنْ جَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ وَحِدَّةِ النَّظَرِ وَصَفَاءِ الْفِكْرِ (٣) .
فَهِيَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبَةٌ لِمَعْنَى الْخِبْرَةِ.
حُكْمُ الْخِبْرَةِ:
٩ - تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ الْخِبْرَةِ وَاعْتَمَدُوا عَلَى قَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ وَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا تَبَعًا لِمَوْطِنِهَا.
وَفِيمَا يَلِي بَيَانُهَا: стр. 11337
الْخِبْرَةُ فِي التَّزْكِيَةِ:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ حَال الشُّهُودِ يَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ يُزَكِّيهِمْ عِنْدَهُ لِيَعْلَمَ عَدَالَتَهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١) وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ تَزْكِيَةَ السِّرِّ ضَرُورِيَّةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَيَرَى بَعْضُهُمْ تَزْكِيَةَ الشَّاهِدِ، التَّزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةُ أَيْضًا.
وَتَزْكِيَةُ الشُّهُودِ تَكُونُ بِاخْتِيَارِ الْقَاضِي مَنْ هُمْ أَوْثَقُ النَّاسِ عِنْدَهُ، وَأَوْرَعُهُمْ دِيَانَةً، وَأَدْرَاهُمْ بِالْمَسْأَلَةِ وَأَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً، وَأَعْلَمُهُمْ بِالتَّمْيِيزِ فِطْنَةً، فَيَكْتُبُ لَهُمْ أَسْمَاءَ وَأَوْصَافَ الشُّهُودِ، وَيُكَلِّفُهُمْ تَعَرُّفَ أَحْوَالِهِمْ مِمَّنْ يَعْرِفُهُمْ مِنْ أَهْل الثِّقَةِ وَالأَْمَانَةِ، وَجِيرَانِهِمْ وَمُؤْتَمَنِي أَهَالِي مَحَلَّتِهِمْ، وَأَهْل الْخِبْرَةِ بِهِمْ، وَمِمَّنْ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ مِنْ مُعْتَمَدِي أَهْل صَنْعَتِهِمْ (أَيْ نَقِيبِ الْحِرْفَةِ مَثَلاً) . فَإِذَا كَتَبُوا تَحْتَ اسْمِ كُلٍّ مِنْهُمْ: (عَدْلٌ، وَمَقْبُول الشَّهَادَةِ) يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِلاَّ فَلاَ (٢) .
وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُزَكِّيَ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ أَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، وَمَعْرِفَةُ خِبْرَةِ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ، لِخِبْرَةٍ، أَوْ جِوَارٍ، أَوْ مُعَامَلَةٍ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِمَا يَشْهَدُ. وَلأَِنَّ عَادَةَ النَّاسِ إِظْهَارُ الصَّالِحَاتِ وَإِسْرَارُ الْمَعَاصِي، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا خِبْرَةٍ стр. 11338
بَاطِنَةٍ، رُبَّمَا اغْتَرَّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ فَاسِقٌ فِي الْبَاطِنِ (١)
هَذَا فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ، أَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَتَحْصُل فِي حُضُورِ الْحَاكِمِ وَالْخَصْمَيْنِ. وَبِمَا أَنَّ تَزْكِيَةَ الْعَلاَنِيَةِ تُعْتَبَرُ شَهَادَةً، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ مِنَ التَّعَدُّدِ وَالْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِمَا (٢) . أَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ فَفِيهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (تَزْكِيَةٌ، وَشَهَادَةٌ) .
الْخِبْرَةُ فِي الْقِسْمَةِ:
١١ - الْقِسْمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى قَاسِمٍ، وَقَدْ يَتَوَلَّى الْقِسْمَةَ الشُّرَكَاءُ أَنْفُسُهُمْ إِذَا كَانُوا ذَوِي أَهْلِيَّةٍ وَمِلْكٍ وَوِلاَيَةٍ، فَيَقْسِمُونَ الْمَال بَيْنَهُمْ بِالتَّرَاضِي، وَقَدْ يَتَوَلَّى الْقِسْمَةَ غَيْرُ الشُّرَكَاءِ مِمَّنْ يُعَيِّنُونَهُ أَوْ يُنَصِّبُهُ الْحَاكِمُ (٣) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْقَاسِمِ بِجَانِبِ سَائِرِ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا، عَالِمًا بِالْقِسْمَةِ، عَارِفًا بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ، لِيُوصِل إِلَى كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ لأَِنَّهَا مِنْ جِنْسِ عَمَل الْقَضَاءِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الاِعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَذَلِكَ بِالأَْمَانَةِ وَالْعِلْمِ (٤) . стр. 11339
وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ الْقَاسِمِ الَّذِي عَيَّنَهُ الشُّرَكَاءُ، وَالَّذِي نَصَّبَهُ الإِْمَامُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لاَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي مَنْصُوبِ الشُّرَكَاءِ لأَِنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُمْ.
وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْقَاسِمُ مُتَعَدِّدًا، فَيَكْفِيَ أَنْ يَكُونَ شَخْصًا وَاحِدًا ذَا مَعْرِفَةٍ وَخِبْرَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ طَرِيقَهُ الْخَبَرُ عَنْ عِلْمٍ يَخْتَصُّ بِهِ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، كَالْقَائِفِ وَالْمُفْتِي وَالطَّبِيبِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ لِلسِّلْعَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ قَاسِمَانِ؛ لأَِنَّ التَّقْوِيمَ شَهَادَةٌ بِالْقِيمَةِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدُّدُ (١)
وَجَاءَ فِي فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ: إِذَا اطَّلَعَ أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ عَلَى عَيْبٍ فِيمَا خَصَّهُ، وَلَمْ يَعْلَمَا بِهِ قَبْل الْقِسْمَةِ، وَهُوَ خَفِيٌّ ثَبَتَ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ فِي أَكْثَرِ نَصِيبِهِ، خُيِّرَ بَيْنَ إِمْسَاكِ النَّصِيبِ وَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَبَيْنَ رَدِّ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ كَانَ النَّصِيبَانِ قَائِمَيْنِ رَجَعَا شَائِعَيْنِ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانَا قَبْل الْقِسْمَةِ. وَإِنْ فَاتَ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ بِنَحْوِ صَدَقَةٍ أَوْ بِنَاءٍ، أَوْ هَدْمٍ، رَدَّ آخِذُهُ قِيمَةَ نِصْفِهِ، وَكَانَ النَّصِيبُ الْقَائِمُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ فَاتَا تَقَاصَّا (٢) .
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحَيْ: (قِسْمَةٌ، وَخِيَارُ الْعَيْبِ) . стр. 11340
الْخِبْرَةُ فِي الْخَارِصِ:
١٢ - الْخَرْصُ: الْحَزْرُ وَالتَّحَرِّي، وَهُوَ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الشَّيْءِ (مِنَ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ) لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الزَّكَاةِ فِيهِ. فَإِذَا بَدَا صَلاَحُ الثِّمَارِ مِنَ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَحَل بَيْعُهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْعَثَ الإِْمَامُ مَنْ يَخْرُصُهَا، وَيَعْرِفَ قَدْرَ الزَّكَاةِ فِيهَا، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) .
وَيُشْتَرَطُ فِي الْخَارِصِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْخَرْصِ؛ لأَِنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الثَّمَرِ وَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ، وَالْجَاهِل بِالشَّيْءِ لَيْسَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ فِيهِ، وَيُجْزِئُ خَارِصٌ وَاحِدٌ إِنْ كَانَ عَدْلاً عَارِفًا، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُشْتَرَطُ اثْنَانِ كَالتَّقْوِيمِ وَالشَّهَادَةِ (١) .
وَإِذَا اخْتَلَفَ الْخَارِصُونَ فَيُعْمَل بِتَخْرِيصِ الأَْعْرَفِ مِنْهُمْ (٢) .
وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْخَرْصِ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا، مَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودَ، فَيَخْرُصُ النَّخْل حَتَّى يَطِيبَ قَبْل أَنْ يُؤْكَل مِنْهُ.
(٣) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْخَرْصُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ فَلاَ يَلْزَمُ بِهِ стр. 11341
حُكْمٌ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَرْصِ. (١) وَقَالُوا: إِنَّ الْخَرْصَ الْوَارِدَ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَعْلَمَ مِقْدَارَ مَا فِي نَخْلِهِمْ، ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ وَقْتَ الصِّرَامِ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ فِيهَا. وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَل تَخْوِيفًا لِلْمُزَارِعِينَ لِئَلاَّ يَخُونُوا لاَ لِيَلْزَمَ بِهِ حُكْمٌ (٢) . (ر: خَرْصٌ) .
خِبْرَةُ الْقَائِفِ:
١٣ - الْقَائِفُ مَنْ يَعْرِفُ الآْثَارَ وَيَتَتَبَّعُهَا، وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُل بِأَخِيهِ وَأَبِيهِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعْمَل بِقَوْل الْقَائِفِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ إِذَا كَانَ خَبِيرًا مُجَرَّبًا، وَلَمْ تُوجَدْ لإِِثْبَاتِ نَسَبِ الطِّفْل بَيِّنَةٌ، أَوْ تَسَاوَتْ بَيِّنَةُ الطَّرَفَيْنِ (٣) .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الأَْخْذِ بِقَوْل الْقَائِفِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَل رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَال: يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَل عَلَيَّ فَرَأَى стр. 11342
أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. (١)
وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ فِي إِلْحَاقِ النَّسَبِ لأَِنَّهُ كَحَاكِمٍ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ بِجَانِبِ سَائِرِ الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا مُجَرَّبًا فِي الإِْصَابَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ حَكِيمَ إِلاَّ ذُو تَجْرِبَةٍ (٢) وَلأَِنَّهُ أَمْرٌ عِلْمِيٌّ فَلاَ بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ بِعِلْمِهِ لَهُ وَذَلِكَ لاَ يُعْرَفُ بِغَيْرِ التَّجْرِبَةِ فِيهِ.
وَمِنْ طُرُقِ تَجْرِبَتِهِ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَدٌ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ هِيَ فِيهِنَّ، فَإِذَا أَصَابَ فِي كُلٍّ فَهُوَ مُجَرَّبٌ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِيَافَةٌ) .
الْخِبْرَةُ فِي التَّقْوِيمِ:
١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الأَْخْذِ بِقَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ مِنَ التُّجَّارِ، وَأَهْل الصَّنْعَةِ فِي قِيمَةِ الْمُتْلَفَاتِ стр. 11343
وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ، وَقِيمَةِ الْعَرْضِ الْمَسْرُوقِ، وَقِيَمِ السِّلَعِ الْمَبِيعَةِ، أَوِ الْمَأْجُورَةِ لإِِثْبَاتِ الْعَيْبِ، أَوِ الْجَوْرِ، أَوِ الْغَرَرِ وَنَحْوِهَا. قَال فِي الدُّرِّ: لَوْ بَاعَ الْوَصِيُّ شَيْئًا مِنْ مَال الْيَتِيمِ ثُمَّ طُلِبَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ رَجَعَ فِيهِ الْقَاضِي إِلَى أَهْل الْبَصِيرَةِ، أَيْ أَهْل النَّظَرِ وَالْمَعْرِفَةِ فِي قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ (١) . وَنُصُوصُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الأُْمُورِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: مَا ذُكِرَ فِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ أَنَّ نُقْصَانَ الثَّمَنِ يَكُونُ مَعْلُومًا بِإِخْبَارِ أَهْل الْخِبْرَةِ الْخَالَيْنِ عَنِ الْغَرَضِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَوَّمَ الثَّوْبُ سَالِمًا ثُمَّ يُقَوَّمَ مَعِيبًا، فَمَا كَانَ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ (٢) .
وَيَقُول ابْنُ فَرْحُونَ: يُرْجَعُ إِلَى قَوْل التَّاجِرِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَيُقْبَل قَوْل الْوَاحِدِ إِلاَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْقِيمَةِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، كَتَقْوِيمِ الْعَرْضِ الْمَسْرُوقِ، هَل بَلَغَتْ قِيمَتُهُ النِّصَابَ أَوْ لاَ؟ فَهَاهُنَا لاَ بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ (٣) .
لأَِنَّ الْمُقَوِّمَ لَهُ ثَلاَثَةُ أَشْبَاهٍ: شَبَهُ الشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّهُ إِلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَشَبَهُ الرِّوَايَةِ؛ لأَِنَّ الْمُقَوِّمَ مُتَصَدٍّ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لأَِنَّ الشَّاهِدَ كَذَلِكَ، وَشَبَهُ الْحَاكِمِ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ فِي الْقِيمَةِ. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِخْبَارِهِ حَدٌّ تَعَيَّنَ مُرَاعَاةُ الشَّهَادَةِ. стр. 11344
وَقَال أَيْضًا: يُقْبَل قَوْل الْمُقَوِّمِ الْوَاحِدِ لأَِرْشِ الْجِنَايَاتِ.
وَقَال الْخَرَشِيُّ: الْمُقَوِّمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى تَقْوِيمِهِ قَطْعٌ، أَوْ غُرْمٌ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ وَإِلاَّ فَيَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ. وَقَال ابْنُ فَرْحُونَ: وَيُرْجَعُ إِلَى أَهْل الْمَعْرِفَةِ مِنَ التِّجَارَةِ فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَعُيُوبِ الثِّيَابِ (١) .
وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مِنْ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ وَنَقْصِ الثَّمَنِ إِلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ، وَتَقْوِيمُ أَهْل الْخِبْرَةِ مِنَ التُّجَّارِ وَأَهْل الصَّنْعَةِ. لَكِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ التَّقْوِيمَ لاَ يَكُونُ بِالْوَاحِدِ بَل يَحْتَاجُ إِلَى اثْنَيْنِ؛ لأَِنَّهُ شَهَادَةٌ بِالْقِيمَةِ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ (٢) .
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي أَبْوَابِهَا مِنَ الضَّمَانِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَالشَّهَادَةِ وَالْغَرَرِ وَنَحْوِهَا.
الْخِبْرَةُ فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلْخِيَارِ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الْمَبِيعِ عَيْبٌ قَدِيمٌ لاَ يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ.
وَمَعَ تَفْصِيلِهِمْ وَخِلاَفِهِمْ فِي وَضْعِ ضَابِطٍ لِلْعَيْبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ وَقِدَمِهِ قَوْل أَهْل الْخِبْرَةِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْمَجَلَّةِ: (الْعَيْبُ هُوَ مَا يُنْقِصُ ثَمَنَ стр. 11345
الْمَبِيعِ عِنْدَ التُّجَّارِ وَأَرْبَابِ الْخِبْرَةِ. وَنُقْصَانُ الثَّمَنِ يَكُونُ مَعْلُومًا بِإِخْبَارِ أَهْل الْمَعْرِفَةِ) . وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ وَالزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١) .
وَنَحْوُهُ مَا جَاءَ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ مَعَ اخْتِلاَفٍ فِي الْعِبَارَةِ حَيْثُ قَالُوا: الْقَوْل فِي نَفْيِ الْعَيْبِ أَوْ نَفْيِ قِدَمِهِ لِلْبَائِعِ إِلاَّ بِشَهَادَةِ الْعَادَةِ أَيْ شَهَادَةِ أَهْل الْمَعْرِفَةِ لِلْمُشْتَرِي.
وَقَال ابْنُ فَرْحُونَ: يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْل أَهْل الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنَ النَّخَّاسِينَ (٢) فِي مَعْرِفَةِ عُيُوبِ الْحَيَوَانَاتِ (٣) .
كَمَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَوِ اخْتَلَفَ الطَّرَفَانِ فِي الْمَوْجُودِ هَل هُوَ عَيْبٌ أَوْ لاَ؟ أَوِ اخْتَلَفَا فِي مَعْرِفَةِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، رُجِعَ فِيهِ لأَِهْل الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَال أَهْل الْخِبْرَةِ: هُوَ عَيْبٌ، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِلاَّ فَلاَ (٤) . يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (خِيَارُ الْعَيْبِ) .
خِبْرَةُ الطَّبِيبِ وَالْبَيْطَارِ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ إِلَى الأَْطِبَّاءِ مِمَّنْ لَهُمْ خِبْرَةٌ فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرِّجَال وَالنِّسَاءِ، وَفِي مَعْرِفَةِ الشِّجَاجِ وَالْجِرَاحِ وَتَحْدِيدِ следующие страницы →