← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَال: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ. (١) دَفْعُ الْخَرَاجِ إِلَى الْبُغَاةِ: ٤٢ - الْبُغَاةُ: هُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الإِْمَامَ مُتَأَوِّلِينَ كَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، وَالَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الإِْمَامِ، أَوْ يَمْتَنِعُونَ عَنِ الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ، أَوْ يَمْنَعُونَ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ كَالزَّكَاةِ وَشَبَهِهَا فَيَدْعُونَ إِلَى الرُّجُوعِ لِلْحَقِّ (٢) . فَإِذَا غَلَبَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ، وَنَصَّبُوا إِمَامًا فَجَبَى الْخَرَاجَ مِنْ أَرْبَابِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ، وَسَقَطَ عَنْهُمْ وَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِهِ إِمَامُ أَهْل الْعَدْل مَرَّةً ثَانِيَةً، عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْل الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جُبِيَ مِنْهُمْ. وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ احْتِسَابِهِ ضَرَرًا عَظِيمًا، وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً فَإِنَّ الْبُغَاةَ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلاَدِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ فَلَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ ذَلِكَ لأََدَّى إِلَى ثَنْيِ الْوَاجِبِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ وَلأَِنَّ حَقَّ الإِْمَامِ فِي الْجِبَايَةِ مَرْهُونٌ بِالْحِمَايَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عِنْدَ تَغَلُّبِ الْبُغَاةِ عَلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ. (٣)

стр. 11447

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الْخَرَاجَ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّهُ أَعْطَاهُ إِلَى مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ غَصْبًا. (١) دَفْعُ الْخَرَاجِ إِلَى الْمُحَارِبِينَ " قُطَّاعِ الطَّرِيقِ ": ٤٣ - الْمُحَارِبُونَ: هُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلاَحِ، فَيَغْصِبُونَ الْمَال مُجَاهَرَةً، أَوْ يَقْتُلُونَ، أَوْ يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ (٢) . فَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْخَرَاجَ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ الْخَرَاجُ بِأَدَائِهِ إِلَى الْمُحَارِبِينَ، لأَِنَّهُ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا. (٣) طُرُقُ اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ: الطَّرِيقَةُ الأُْولَى - الْعِمَالَةُ عَلَى الْخَرَاجِ: ٤٤ - تَعْيِينُ عَامِل الْخَرَاجِ مِنَ اخْتِصَاصَاتِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَيَكُونُ هَذَا الْعَامِل بِهَذَا التَّعْيِينِ

стр. 11448

وَكِيلاً عَنِ الإِْمَامِ فِي اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ وَقَبْضِهِ، فَتَكُونُ جِبَايَتُهُ لِلْخَرَاجِ مُحَدَّدَةً بِمَا رَسَمَهُ لَهُ الإِْمَامُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَقْسِيمُ مَا جَبَاهُ مِنْ أَمْوَال الْخَرَاجِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْمْوَال لاَ تُصْرَفُ إِلاَّ بِاجْتِهَادِ الإِْمَامِ. وَعَامِل الْخَرَاجِ - بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَكِيلٌ - أَمِينٌ إِذَا أَدَّى الأَْمَانَةَ فَلاَ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ وَلاَ يَمْلِكُ الزِّيَادَةَ. (١) شُرُوطُ تَعْيِينِ عَامِل الْخَرَاجِ: يُشْتَرَطُ فِي عَامِل الْخَرَاجِ: الإِْسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالأَْمَانَةُ، وَالْكِفَايَةُ، وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي: ١ - الإِْسْلاَمُ: ٤٥ - عَامِل الْخَرَاجِ قَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِتَقْدِيرِ الْخَرَاجِ وَوَضْعِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِجِبَايَتِهِ وَنَقْلِهِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ إِلَى بَيْتِ الْمَال. فَإِذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَتَقْدِيرِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْسْلاَمُ؛ لأَِنَّ هَذَا الْعَمَل وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الأَْمَانَةِ. وَلِذَا فَلاَ يُوَلَّى الذِّمِّيُّ تَقْدِيرَ الْخَرَاجِ، وَوَضْعِهِ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. قَال أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي

стр. 11449

أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - يُسْتَعْمَل الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي أَعْمَال الْمُسْلِمِينَ مِثْل الْخَرَاجِ؟ قَال: لاَ يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ. (١) وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآْيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . (٢) قَال الْقُرْطُبِيُّ: نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآْيَةِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْيَهُودِ، وَأَهْل الأَْهْوَاءِ دُخَلاَءَ، وَوُلَجَاءَ، يُفَاوِضُونَهُمْ فِي الآْرَاءِ، وَيَسْنُدُونَ إِلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ. (٣) وَقَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: فِي الآْيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. (٤) وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: قِيل لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: إِنَّ هَاهُنَا غُلاَمًا مِنْ أَهْل الْحِيرَةِ نَصْرَانِيًّا كَاتِبًا، فَلَوِ اتَّخَذْتُهُ كَاتِبًا، فَقَال: قَدِ اتَّخَذْتُ إِذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (٥) .

стр. 11450

عَقَّبَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى هَذَا الأَْثَرِ بِقَوْلِهِ: فَفِي هَذَا الأَْثَرِ مَعَ هَذِهِ الآْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمْ فِي الْكِتَابَةِ الَّتِي فِيهَا اسْتِطَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاطِّلاَعٌ عَلَى دَوَاخِل أُمُورِهِمُ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشُوهَا إِلَى الأَْعْدَاءِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، وَلِهَذَا قَال تَعَالَى: ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ . (١) وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ (٢) أَيْ لاَ تَسْتَنْصِحُوهُمْ، وَلاَ تَسْتَضِيئُوا بِرَأْيِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ أَنَّهُ أَرْسَل إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ﵁ خِطَابًا جَاءَ فِيهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ فِي عَمَلِي كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا لاَ يَتِمُّ أَمْرُ الْخَرَاجِ إِلاَّ بِهِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُقَلِّدَهُ دُونَ أَمْرِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، قَرَأْتُ كِتَابَكَ فِي أَمْرِ النَّصْرَانِيِّ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ قَدْ مَاتَ وَالسَّلاَمُ (٣) . وَقَدْ سَارَ الْخُلَفَاءُ الَّذِينَ لَهُمْ ثَنَاءٌ حَسَنٌ فِي الأُْمَّةِ عَلَى نَهْجِ عُمَرَ ﵁ فِي اسْتِبْعَادِ

стр. 11451

أَهْل الذِّمَّةِ عَنِ الْوَظَائِفِ الَّتِي فِيهَا اطِّلاَعٌ عَلَى دَوَاخِل الْمُسْلِمِينَ. فَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَحَدِ عُمَّالِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ فِي عَمَلِكَ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا يَتَصَرَّفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَادْعُ حَسَّانًا - يَعْنِي ذَلِكَ الْكَاتِبَ - إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ مِنَّا، وَنَحْنُ مِنْهُ، وَإِنْ أَبَى فَلاَ تَسْتَعِنْ بِهِ، وَلاَ تَتَّخِذْ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ دِينِ الإِْسْلاَمِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَسْلَمَ حَسَّانٌ وَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ (٢) . وَلأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ مُتَوَلِّي هَذَا الْعَمَل الأَْمَانَةَ وَالنُّصْحَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْحِرْص عَلَى مَصَالِحِهِمْ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صِفَاتِهِمْ فَهُمْ لاَ يُحِبُّونَ الْخَيْرَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَغُشُّونَ، وَلاَ يَنْصَحُونَ، قَال تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّل عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣) وَقَال تَعَالَى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ

стр. 11452

أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ . (١) . وَلِهَذَا وَلِغَيْرِهِ مَنَعَ الْفُقَهَاءُ أَنْ يُسْتَعْمَل الذِّمِّيُّ فِي عَمَلٍ يَخْتَصُّ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَتَقْدِيرِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِجِبَايَتِهِ وَنَقْلِهِ، فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ. فَإِذَا كَانَ يَجْبِيهِ مِنَ الذِّمِّيِّينَ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا، وَإِنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِأَيْدِيهِمُ الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ فَفِي جَوَازِ ذَلِكَ وَجْهَانِ. وَالأَْصَحُّ عَدَمُ الْجَوَازِ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ (٢) . ٢ - الْحُرِّيَّةُ: ٤٦ - تُشْتَرَطُ فِي عَامِل الْخَرَاجِ الْمُخْتَصِّ بِتَقْدِيرِ الْخَرَاجِ وَوَضْعِهِ الْحُرِّيَّةُ. وَلِذَا فَلاَ يُوَلَّى الْعَبْدُ تَقْدِيرَ الْخَرَاجِ وَوَضْعَهُ؛ لأَِنَّ هَذَا الْعَمَل وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعَامِل جَابِيًا فَتُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ إِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي هَذَا الْعَمَل إِلاَّ عَنِ اسْتِنَابَةٍ، وَلاَ تُشْتَرَطُ إِنِ اسْتَغْنَى عَنِ الاِسْتِنَابَةِ، لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالرَّسُول لِلْمَأْمُورِ. (٣) ٣ - الأَْمَانَةُ: ٤٧ - تُشْتَرَطُ فِي عَامِل الْخَرَاجِ الأَْمَانَةُ. وَلِذَا فَلاَ

стр. 11453

يُوَلَّى الْخَائِنُ وَغَيْرُ الثِّقَةِ، لِئَلاَّ يَخُونَ فِيمَا ائْتُمِنَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَغُشُّ فِيمَا قَدِ اسْتُنْصِحَ فِيهِ، قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي ائْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ . (٢) قَال أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ الَّذِي وَجَّهَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدِ: وَرَأَيْتُ أَنْ تَتَّخِذَ قَوْمًا مِنْ أَهْل الصَّلاَحِ، وَالدِّينِ، وَالأَْمَانَةِ فَتُوَلِّيهِمُ الْخَرَاجَ. (٣) ٤ - الْكِفَايَةُ: ٤٨ - تُشْتَرَطُ فِي عَامِل الْخَرَاجِ الْكِفَايَةُ بِحَيْثُ يَكُونُ مُضْطَلِعًا بِالْحِسَابِ، وَالْمِسَاحَةِ، وَكَيْفِيَّةِ خَرْصِ الثِّمَارِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ قَال: فَمَنْ رَجُلٌ لَهُ جَزَالَةٌ وَعَقْلٌ يَضَعُ الأَْرْضَ مَوَاضِعَهَا، وَيَضَعُ عَلَى الْعُلُوجِ مَا يَحْتَمِلُونَ. (٤) فَأُخْبِرَ بِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ فَعَيَّنَهُ، لأَِنَّهُ كَانَ ذَا بَصَرٍ وَعَقْلٍ، وَتَجْرِبَةٍ. قَال ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ - فِي بَيَانِ مَا تَتَحَقَّقُ بِهِ كِفَايَةُ عَامِل الْخَرَاجِ -: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِحَفْرِ الأَْنْهَارِ، وَمَجَارِي

стр. 11454

الْمِيَاهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالْمِسَاحَاتِ، وَتَخْمِينِ الْغَلاَّتِ، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِفُصُول السَّنَةِ، وَمَجَارِي الشَّمْسِ، وَأَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِالْحِسَابِ وَكُسُورِهِ وَتَرْتِيبِهِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ دُرْبَةٌ بِعَقْدِ الْجُسُورِ، وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَصَالِحِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بِمَا يُدْفَعُ عَنِ الزَّرْعِ فِي الأَْرَاضِي، وَأَنْ يَكُونَ خَبِيرًا بِأَوْقَاتِ الزَّرْعِ وَأَحْوَال الأَْسْعَارِ، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحُقُوقِ بَيْتِ الْمَال وَمَا يَجِبُ لَهُ. (١) هَذَا إِنْ تَوَلَّى وَضْعَ الْخَرَاجِ وَتَقْدِيرَهُ، أَمَّا إِنِ اقْتَصَرَتْ مُهِمَّتُهُ عَلَى طَلَبِ جِبَايَتِهِ فَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ. ٥ - الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ: ٤٩ - إِنْ تَوَلَّى وَضْعَ الْخَرَاجِ اعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ، وَإِنْ وُلِّيَ جِبَايَةَ الْخَرَاجِ صَحَّتْ وِلاَيَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا. (٢) آدَابُ عَامِل الْخَرَاجِ: ١ - الرِّفْقُ بِأَهْل الْخَرَاجِ: ٥٠ - يَنْبَغِي لِعَامِل الْخَرَاجِ أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا بِأَهْل الْخَرَاجِ. وَمِنْ مَظَاهِرِ الرِّفْقِ فِي اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِالْخَرَاجِ كُلَّمَا خَرَجَتْ غَلَّةٌ، فَيَأْخُذَهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ تَمَامَ الْخَرَاجِ فِي آخِرِ الْغَلَّةِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُوَزِّعَ الْخَرَاجَ عَلَى

стр. 11455

قَدْرِ الْغَلَّةِ، حَتَّى إِنَّ الأَْرْضَ إِذَا كَانَتْ تُزْرَعُ فِي الرَّبِيعِ وَالْخَرِيفِ قَسَمَ الْخَرَاجَ نِصْفَيْنِ، فَيَأْخُذُ نِصْفَ الْخَرَاجِ مِنْ غَلَّةِ الرَّبِيعِ، وَيُؤَخِّرُ النِّصْفَ الثَّانِيَ إِلَى غَلَّةِ الْخَرِيفِ. (١) ٢ - الْعَدْل وَالإِْنْصَافُ: ٥١ - يَجِبُ عَلَى عَامِل الْخَرَاجِ أَنْ يَكُونَ عَادِلاً فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ، وَتَقْدِيرِهِ، فَيُسَاوِي بَيْنَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ، وَلاَ يُحَابِي الْقَرِيبَ عَلَى الْبَعِيدِ، وَلاَ الشَّرِيفَ عَلَى الْوَضِيعِ، وَيَأْخُذُ مِنْهُمُ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ بِلاَ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ. (٢) ٣ - الْعِفَّةُ: ٥٢ - يَجِبُ عَلَى عَامِل الْخَرَاجِ أَنْ يَكُونَ عَفِيفَ النَّفْسِ، فَلاَ يَطْلُبُ رِشْوَةً مِنْ أَحَدٍ، وَلاَ يَقْبَل هَدِيَّةً مِنْ أَهْل الْخَرَاجِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَال: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. (٣) قَال الْخَطَّابِيُّ: الرَّاشِي الْمُعْطِي، وَالْمُرْتَشِي الآْخِذُ. وَإِنَّمَا يَلْحَقُهُمَا الْعُقُوبَةُ مَعًا إِذَا اسْتَوَيَا فِي

стр. 11456

الْقَصْدِ وَالإِْرَادَةِ. فَرِشَا الْمُعْطِي لِيَنَال بِهِ بَاطِلاً وَيَتَوَصَّل بِهِ إِلَى ظُلْمٍ. فَأَمَّا إِذَا أَعْطَى لِيَتَوَصَّل بِهِ إِلَى حَقٍّ أَوْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي هَذَا الْوَعِيدِ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَخَذَ فِي شَيْءٍ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَعْطَى دِينَارَيْنِ حَتَّى خُلِّيَ سَبِيلُهُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ بَأْسَ أَنْ يُصَانِعَ الرَّجُل عَنْ نَفْسِهِ، وَمَالِهِ، إِذَا خَافَ الظُّلْمَ. (١) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَْزْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَال: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَقَال: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ. (٢) ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبِطَيْهِ (٣) . اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ. اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ. ثَلاَثًا. (٤)

стр. 11457

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْهَدَايَا الَّتِي يُقَدِّمُهَا أَهْل الْخَرَاجِ إِلَى الْعُمَّال حَرَامٌ. قَال الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّال سُحْتٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ سَبِيلُهَا سَبِيل سَائِرِ الْهَدَايَا الْمُبَاحَاتِ، وَإِنَّمَا يُهْدَى إِلَيْهِ لِلْمُحَابَاةِ، وَلِيُخَفِّفَ عَنِ الْمُهْدِي، وَيُسَوِّغَ لَهُ بَعْضَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِيَانَةٌ مِنْهُ، وَبَخْسٌ لِلْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ اسْتِيفَاؤُهُ لأَِهْلِهِ. (١) وَاجِبُ الإِْمَامِ تُجَاهَ عُمَّال الْخَرَاجِ: ١ - الرِّقَابَةُ الْفَعَّالَةُ عَلَى عُمَّال الْخَرَاجِ: ٥٣ - لِضَمَانِ تَحْقِيقِ الْعَدْل بَيْنَ النَّاسِ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ رِقَابَةٌ فَعَّالَةٌ عَلَى عُمَّال الْخَرَاجِ. وَقَدْ نَصَحَ أَبُو يُوسُفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ الرَّشِيدَ بِذَلِكَ حَيْثُ قَال: وَأَنَا أَرَى أَنْ تَبْعَثَ قَوْمًا مِنْ أَهْل الصَّلاَحِ وَالْعَفَافِ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ يَسْأَلُونَ عَنْ سِيرَةِ الْعُمَّال وَمَا عَمِلُوا بِهِ فِي الْبِلاَدِ وَكَيْفَ جَبَوْا الْخَرَاجَ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ، وَعَلَى مَا وُظِّفَ عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ وَاسْتَقَرَّ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَكَ وَصَحَّ، أُخِذُوا بِمَا اسْتَفْضَلُوا مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الأَْخْذِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَالنَّكَال حَتَّى لاَ يَتَعَدَّوْا مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا عُهِدَ إِلَيْهِمْ فِيهِ. فَإِنَّ كُل مَا عَمِل بِهِ وَالِي الْخَرَاجِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعَسْفِ فَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ أَحْلَلْتَ بِوَاحِدٍ

стр. 11458

مِنْهُمُ الْعُقُوبَةَ الْمُوجِعَةَ انْتَهَى غَيْرُهُ وَاتَّقَى وَخَافَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَل هَذَا بِهِمْ تَعَدَّوْا عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ وَاجْتَرَءُوا عَلَى ظُلْمِهِمْ وَتَعَسُّفِهِمْ وَأَخْذِهِمْ بِمَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ. وَإِذَا صَحَّ عِنْدَكَ مِنَ الْعَامِل وَالْوَالِي تَعَدٍّ بِظُلْمٍ وَعَسْفٍ وَخِيَانَةٍ لَكَ فِي رَعِيَّتِكَ وَاحْتِجَازِ شَيْءٍ مِنَ الْفَيْءِ، أَوْ خَبَثِ طُعْمَتِهِ، أَوْ سُوءِ سِيرَتِهِ فَحَرَامٌ عَلَيْكَ اسْتِعْمَالُهُ، وَالاِسْتِعَانَةُ بِهِ، وَأَنْ تُقَلِّدَهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ رَعِيَّتِكَ، أَوْ تُشْرِكَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ. بَل عَاقِبْهُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَرْدَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمِثْل مَا تَعَرَّضَ لَهُ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ. (١) ٢ - ضَرُورَةُ مَنْحِ عُمَّال الْخَرَاجِ رَوَاتِبَ تَكْفِيهِمْ: ٥٤ - لاِجْتِنَابِ وُقُوعِ عُمَّال الْخَرَاجِ فِي الرِّشْوَةِ وَأَكْل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل، لاَ بُدَّ أَنْ تُصْرَفَ لَهُمْ أُجُورٌ " رَوَاتِبُ " مُجْزِيَةٌ تَفِي بِحَاجَاتِهِمْ وَتَكْفِي نَفَقَاتِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَال لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄: دَنَّسْتَ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال لَهُ عُمَرُ: يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِذَا لَمْ أَسْتَعِنْ بِأَهْل الدِّينِ عَلَى سَلاَمَةِ دِينِي فَبِمَنْ أَسْتَعِينُ؟ قَال: أَمَا إِنْ فَعَلْتَ فَأَغْنِهِمْ بِالْعِمَالَةِ عَنِ الْخِيَانَةِ. يَقُول: إِذَا اسْتَعْمَلْتَهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَأَجْزِل لَهُمْ فِي الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ، لاَ يَحْتَاجُونَ (٢) .

стр. 11459

الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: نِظَامُ التَّقْبِيل " التَّضْمِينِ ": ٥٥ - نَشَأَ عَنْ تَطْبِيقِ الْخَرَاجِ بَعْضُ الظَّوَاهِرِ الاِقْتِصَادِيَّةِ، كَنِظَامِ التَّقْبِيل " التَّضْمِينِ " حَيْثُ بَدَأَ وُجُودُ هَذَا النِّظَامِ فِي الْعَصْرِ الأُْمَوِيِّ، وَانْتَشَرَ فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ. وَمِنَ الأَْمْثِلَةِ عَلَى تَطْبِيقِ هَذَا النِّظَامِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَى نَوْفَل بْنِ الْفُرَاتِ - عَامِل خَرَاجِ مِصْرَ - سَنَةَ ١٤١ هـ أَنِ اعْرِضْ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الأَْشْعَثِ ضَمَانَ خَرَاجِ مِصْرَ. فَإِنْ ضَمِنَهُ فَأَشْهِدْ عَلَيْهِ، وَاشْخُصْ إِلَيَّ (أَيْ عُدْ أَنْتَ إِلَيَّ) وَإِنْ أَبَى فَاعْمَل عَلَى الْخَرَاجِ. فَعَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَأَبَى (١) . وَالتَّقْبِيل فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَبَّل أَيْ كَفَل، يُقَال قَبَل (بِالْفَتْحِ) إِذَا كَفَل أَوْ قَبُل (بِالضَّمِّ) إِذَا صَارَ قَبِيلاً أَيْ كَفِيلاً. (٢) وَالتَّقْبِيل فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَتَكَفَّل شَخْصٌ بِتَحْصِيل الْخَرَاجِ، وَأَخْذِهِ لِنَفْسِهِ مُقَابِل قَدْرٍ مُحَدَّدٍ يَدْفَعُهُ. وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِاسْمِ نِظَامِ الاِلْتِزَامِ. وَقَدْ عَرَّفَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِقَوْلِهِ: أَنْ يَتَقَبَّل الرَّجُل النَّخْل وَالشَّجَرَ، وَالزَّرْعَ النَّابِتَ، قَبْل أَنْ يُسْتَحْصَدَ وَيُدْرَكَ (٣) .

стр. 11460

حُكْمُ التَّقْبِيل " التَّضْمِينِ ": ٥٦ - لَمْ يَرْتَضِ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ هَذَا النِّظَامَ وَاعْتَبَرُوهُ بَاطِلاً غَيْرَ مَشْرُوعٍ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ. (١) قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَأَمَّا تَضْمِينُ الْعُمَّال لأَِمْوَال الْعُشْرِ، وَالْخَرَاجِ، فَبَاطِلٌ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ. (٢) وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - إِلَى جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵁ يَقُول: الْقَبَالاَتُ رِبًا وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: الْقَبَالاَتُ حَرَامٌ (٣) قَال أَحْمَدُ: هُوَ أَنْ يَتَقَبَّل بِالْقَرْيَةِ وَفِيهَا الْعُلُوجُ وَالنَّخْل، وَمَعْنَاهُ حُكْمُهُ حُكْمُ الرِّبَا (٤) وَقَالُوا: يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا النِّظَامِ الظُّلْمُ وَالْعَسْفُ، وَخَرَابُ الدِّيَارِ. وَقَدْ كَتَبَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ يُحَذِّرُهُ مِنْ تَطْبِيقِ هَذَا النِّظَامِ مَا نَصُّهُ: وَرَأَيْتُ أَنْ لاَ تَقْبَل شَيْئًا مِنَ السَّوَادِ وَلاَ غَيْرِ السَّوَادِ مِنَ الْبِلاَدِ، فَإِنَّ الْمُتَقَبِّل إِذَا كَانَ فِي قَبَالَتِهِ فَضْلٌ عَنِ الْخَرَاجِ، عَسَفَ بِأَهْل الْخَرَاجِ وَحَمَّل عَلَيْهِمْ مَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ،

стр. 11461

وَظَلَمَهُمْ، وَأَخَذَهُمْ بِمَا يُجْحِفُ بِهِمْ لِيَسْلَمَ مِمَّا دَخَل فِيهِ، وَفِي ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ خَرَابُ الْبِلاَدِ وَهَلاَكُ الرَّعِيَّةِ. وَالْمُتَقَبِّل لاَ يُبَالِي بِهَلاَكِهِمْ بِصَلاَحِ أَمْرِهِ فِي قَبَالَتِهِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَفْضِل بَعْدَ أَنْ يَتَقَبَّل بِهِ فَضْلاً كَثِيرًا، وَلَيْسَ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِشِدَّةٍ مِنْهُ عَلَى الرَّعِيَّةِ وَضَرْبٍ لَهُمْ شَدِيدٍ، وَإِقَامَتِهِ لَهُمْ فِي الشَّمْسِ وَتَعْلِيقِ الْحِجَارَةِ فِي الأَْعْنَاقِ، وَعَذَابٍ عَظِيمٍ يَنَال أَهْل الْخَرَاجِ مِمَّا لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ الْقَبَالَةَ، لأَِنِّي لاَ آمَنُ أَنْ يَحْمِل هَذَا الْمُتَقَبِّل عَلَى أَهْل الْخَرَاجِ مَا لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَيُعَامِلَهُمْ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ فَيَضُرَّ ذَلِكَ بِهِمْ فَيُخَرِّبُوا مَا عَمَّرُوا، وَيَدَعُوهُ فَيَنْكَسِرَ الْخَرَاجُ. (١) وَالأَْصْل فِي كَرَاهَتِهِ هَذَا أَنَّهُ بَيْعُ ثَمَرٍ لَمْ يَبْدُ صَلاَحُهُ، وَلَمْ يُخْلَقْ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، فَأَمَّا الْمُعَامَلَةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ، وَكِرَاءُ الأَْرْضِ الْبَيْضَاءِ، فَلَيْسَتَا مِنَ الْقَبَالاَتِ وَلاَ يَدْخُلاَنِ فِيهِمَا، وَقَدْ رُخِّصَ فِي هَذَيْنِ، وَلاَ نَعْلَمُ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ الْقَبَالَةِ. فَإِذَا أَمِنَ الإِْمَامُ عَدَمَ الظُّلْمِ، وَالْجَوْرِ، وَالْعَسْفِ وَرَضِيَ أَهْل الْخَرَاجِ بِهَذَا النِّظَامِ، فَقَدْ قَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ جَاءَ أَهْل طَسُّوجٍ - نَاحِيَةٍ - أَوْ مِصْرٍ مِنَ الأَْمْصَارِ وَمَعَهُمْ

стр. 11462

رَجُلٌ مِنَ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ مُوسِرٌ، فَقَالُوا: هَذَا أَخَفُّ عَلَيْنَا، نُظِرَ فِي ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ صَلاَحًا لأَِهْل هَذَا الْبَلَدِ وَالطَّسُّوجِ، قُبِل وَضُمِنَ وَأُشْهِدَ عَلَيْهِ وَصِيرَ مَعَهُ أَمِيرٌ مِنْ قِبَل الإِْمَامِ يُوثَقُ بِدِينِهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِنْ أَرَادَ ظُلْمَ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْخَرَاجِ، أَوِ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ أَوْ تَحْمِيلَهُ شَيْئًا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ، مَنَعَهُ الأَْمِيرُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الْمَنْعِ. وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى عَيْنًا بِمَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ، وَمَا رَأَى أَنَّهُ أَصْلَحُ لأَِهْل الْخَرَاجِ، وَأَوْفَرُ عَلَى بَيْتِ الْمَال عَمِل عَلَيْهِ مِنَ الْقَبَالَةِ، وَالْوِلاَيَةِ بَعْدَ الإِْعْذَارِ وَالتَّقَدُّمِ إِلَى الْمُتَقَبِّل، وَالْوَالِي يَرْفَعُ الظُّلْمَ عَنِ الرَّعِيَّةِ، وَالْوَعِيدُ لَهُ إِنْ حَمَّلَهُمْ مَا لاَ طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، أَوْ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ فَعَل فَفُوا لَهُ بِمَا أَوْعَدَ بِهِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ زَاجِرًا وَنَاهِيًا لِغَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. (١) (وَسَيَأْتِي التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: قَبَالَةٌ) . مُسْقِطَاتُ الْخَرَاجِ: أَوَّلاً: انْعِدَامُ صَلاَحِيَّةِ الأَْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ: ٥٧ - الْمَقْصُودُ بِانْعِدَامِ صَلاَحِيَّةِ الأَْرْضِ لِلزِّرَاعَةِ هُوَ أَنْ يَطْرَأَ عَلَى الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ طَارِئٌ خَارِجٌ عَنْ فِعْل الإِْنْسَانِ، يَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنَ الاِنْتِفَاعِ

стр. 11463

بِهَا كَانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْهَا، أَوْ غَلَبَتِهِ عَلَيْهَا بِحَيْثُ تُصْبِحُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلزِّرَاعَةِ. فَإِذَا تَعَرَّضَتِ الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ لِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهَا الْخَرَاجُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْخَرَاجُ الْوَاجِبُ مُقَاسَمَةً، أَمْ وَظِيفَةً، فَيَسْقُطُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ حَقِيقَةً وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَيَسْقُطُ خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ. (١) هَذَا فِي حَالَةِ عَدَمِ إِمْكَانِيَّةِ إِصْلاَحِهَا وَإِعْمَارِهَا، أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ إِصْلاَحُهَا وَإِعْمَارُهَا فَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَعْمُرَ الأَْرْضَ وَيُصْلِحَهَا مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَلاَ يَجُوزُ إِلْزَامُ أَهْلِهَا بِعِمَارَتِهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. فَإِنْ سَأَلَهُمْ أَنْ يُعَمِّرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَيَعْتَدُّ لَهُمْ بِمَا أَنْفَقُوا عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجِهَا فَرَضُوا بِذَلِكَ جَازَ. وَإِذَا كَانَ سَهْمُ الْمَصَالِحِ عَاجِزًا عَنْ سَدِّ نَفَقَاتِ إِصْلاَحِ هَذِهِ الأَْرْضِ أُجْبِرَ أَهْلُهَا عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهُمْ وَلأَِصْحَابِ الْفَيْءِ، وَإِنْ أَمْكَنَ الاِنْتِفَاعُ بِتِلْكَ الأَْرْضِ بَعْدَ أَنْ بَارَتْ فِي

стр. 11464

غَيْرِ الزِّرَاعَةِ كَالرَّعْيِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُوضَعُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ جَدِيدٌ بِحَسَبِ مَا تَحْتَمِلُهُ. وَهَذِهِ الأَْرْضُ تَخْتَلِفُ عَنْ أَرْضِ الْمَوَاتِ، فَإِنَّ أَرْضَ الْمَوَاتِ مُبَاحَةٌ. (١) ثَانِيًا: تَعْطِيل الأَْرْضِ عَنِ الزِّرَاعَةِ: ٥٨ - إِنْ كَانَ التَّعْطِيل مِنْ غَيْرِ جِهَةِ صَاحِبِ الأَْرْضِ، كَأَنْ يَدْهَمَ الْبِلاَدَ عَدُوٌّ يَمْنَعُ أَهْل الأَْرْضِ مِنْ زِرَاعَتِهَا وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا، أَوْ يَلْحَقَهُمْ جَوْرٌ مِنَ الْوُلاَةِ لَمْ تُمْكِنْهُمُ الإِْقَامَةُ عَلَيْهِ. فَهَذَا يُسْقِطُ الْخَرَاجَ عَنْهُمْ حَتَّى تَعُودَ الأَْرْضُ كَمَا كَانَتْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا. (٢) وَإِنْ كَانَ التَّعْطِيل مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الأَْرْضِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ. فَإِذَا عَطَّلَهَا بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ كَأَنْ يَتْرُكَهَا بِلاَ زِرَاعَةٍ وَاسْتِغْلاَلٍ وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَقَادِرٌ عَلَى زِرَاعَتِهَا سَقَطَ عَنْهُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ اتِّفَاقًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ حَقِيقَةً وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ. (٣) وَلاَ يُقِرُّ الْمُفَرِّطُ عَلَى عَدَمِ اسْتِغْلاَلِهِ لِلأَْرْضِ

стр. 11465

الْخَرَاجِيَّةِ، بَل يُؤْمَرُ بِزِرَاعَتِهَا وَاسْتِغْلاَلِهَا لِئَلاَّ يَتَضَرَّرَ أَصْحَابُ الْفَيْءِ. وَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فَلاَ يَسْقُطُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَلأَِنَّ الْخَرَاجَ بِمَنْزِلَةِ الإِْجَارَةِ فَإِذَا عَطَّل الْمُسْتَأْجِرُ الاِنْتِفَاعَ بِالْمُؤَجَّرِ لَمْ تَسْقُطِ الأُْجْرَةُ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ بِتَعْطِيل الأَْرْضِ عَنِ الزِّرَاعَةِ، سَوَاءٌ عَطَّلَهَا مُخْتَارًا أَمْ مَعْذُورًا، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ. (١) وَإِذَا عَطَّلَهَا بِلاَ تَفْرِيطٍ مِنْهُ كَأَنْ تَرَكَ زِرَاعَتَهَا لِعَدَمِ قُوَّتِهَا وَقُدْرَتِهِ الْجِسْمِيَّةِ، أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحَمُّل تَكَالِيفِ الزِّرَاعَةِ وَنَفَقَاتِهَا يَسْقُطُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ حَقِيقَةً. (٢) وَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ. وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ الْخَرَاجِ. وَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الأَْرْضِ تَصَرُّفًا يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ لأَِهْل الْفَيْءِ، وَلِصَاحِبِ الأَْرْضِ. وَمِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ: مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: مِنْ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَأْمُرَ

стр. 11466

صَاحِبَ الأَْرْضِ بِتَأْجِيرِهَا لِمَنْ يَقُومُ بِزِرَاعَتِهَا وَإِلاَّ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا، وَلاَ تُتْرَكُ بِيَدِهِ خَرَابًا وَإِنْ دَفَعَ خَرَاجَهَا، لِئَلاَّ تَصِيرَ بِالْخَرَابِ مَوَاتًا، فَيَتَضَرَّرَ أَهْل الْفَيْءِ بِتَعْطِيلِهَا. (١) وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الإِْمَامُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ دَفَعَ الأَْرْضَ لِغَيْرِ صَاحِبِهَا مُزَارَعَةً، وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ نَصِيبِهِ وَيُمْسِكُ الْبَاقِيَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ آجَرَهَا وَأَخَذَ الْخَرَاجَ مِنَ الأُْجْرَةِ، وَإِنْ شَاءَ زَرَعَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَال فَإِذَا حَصَلَتِ الْغَلَّةُ أَخَذَ قَدْرَ الْخَرَاجِ وَمَا أَنْفَقَ، وَيَحْفَظُ الْبَاقِيَ لِمُسْتَغِل الأَْرْضِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لِلإِْمَامِ أَنْ يَدْفَعَ لِلْعَاجِزِ كِفَايَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال قَرْضًا لِيَعْمَل وَيَسْتَغِل أَرْضَهُ. فَإِذَا لَمْ يَجِدِ الإِْمَامُ مَنْ يَعْمَل فِي تِلْكَ الأَْرْضِ مُزَارَعَةً أَوْ بِالأُْجْرَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بَيْعَهَا وَأَخْذَ الْخَرَاجِ مِنْ ثَمَنِهَا، وَيُحْفَظُ الْبَاقِي لِمُسْتَغِل الأَْرْضِ. وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ عَدَمَ جَوَازِ بَيْعِهَا، وَإِنَّمَا يَحْجُرُهَا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، مَعَ أَنَّهُ لاَ يَرَى جَوَازَ الْحَجْرِ عَلَى الْكَبِيرِ إِلاَّ أَنَّ هَذَا الْحَجْرَ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الْعَامَّةِ. (٢)

стр. 11467

ثَالِثًا: هَلاَكُ الزَّرْعِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ: ٥٩ - إِذَا زَرَعَ صَاحِبُ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ أَرْضَهُ بِزَرْعٍ مَا، فَأَصَابَتْهُ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهَا، كَغَرَقٍ، أَوْ حَرْقٍ، أَوْ شِدَّةِ بَرْدٍ، أَوْ جَرَادٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْهَلاَكُ قَبْل الْحَصَادِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ. أ - فَإِذَا هَلَكَ الزَّرْعُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْل الْحَصَادِ يَسْقُطُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ إِذَا أَدَّتْ تِلْكَ الآْفَةُ إِلَى هَلاَكِ جَمِيعِ الزَّرْعِ؛ لأَِنَّ خَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ حَقِيقَةً. وَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فَيَسْقُطُ عَنْ صَاحِبِ الأَْرْضِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ مُصَابٌ وَيَسْتَحِقُّ الْمَعُونَةَ؛ وَلأَِنَّ الْخَرَاجَ صِلَةٌ وَاجِبَةٌ بِاعْتِبَارِ الأَْرَاضِي، فَلاَ يُمْكِنُ إِيجَابُهَا بَعْدَ هَلاَكِ الزَّرْعِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ اسْتِغْلاَل الأَْرْضِ. وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِسُقُوطِ الْخَرَاجِ بِهَذَا السَّبَبِ شَرْطَيْنِ: الأَْوَّل: أَنْ لاَ تَبْقَى مِنَ السَّنَةِ مُدَّةٌ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ زِرَاعَةِ الأَْرْضِ مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنْ بَقِيَتْ مِنَ السَّنَةِ مُدَّةٌ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ أَنْ يَزْرَعَ الأَْرْضَ ثَانِيَةً لَمْ يَسْقُطِ الْخَرَاجُ لِتَحَقُّقِ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ، وَقَدَّرُوا الْمُدَّةَ بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ. وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يَبْقَى مِنَ الزَّرْعِ ضِعْفُ الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ عَلَى الأَْرْضِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنَ الزَّرْعِ ضِعْفُ الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ عَلَى الأَْرْضِ لَمْ

стр. 11468

يَسْقُطِ الْخَرَاجُ وَيُؤْخَذُ مِنَ الزَّارِعِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى النِّصْفِ. وَإِنْ بَقِيَ أَقَل مِنْ ضِعْفِ الْخَرَاجِ الْمُوَظَّفِ عَلَى الأَْرْضِ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ الْمُوَظَّفُ، وَيُكْتَفَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِأَخْذِ نِصْفِ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ بَعْدَ خَصْمِ نَفَقَاتِ الزِّرَاعَةِ. (١) هَذَا مَا جَاءَ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. ب - إِذَا هَلَكَ الْخَارِجُ مِنَ الأَْرْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهَا، كَغَرَقٍ، وَحَرْقٍ يَسْقُطُ خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ، لِتَعَلُّقِهِ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ حَقِيقَةً. جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: وَلَوْ هَلَكَ الْخَارِجُ فِي خَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ قَبْل الْحَصَادِ أَوْ بَعْدَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْخَارِجِ حَقِيقَةً، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّرِيكِ شَرِكَةَ الْمِلْكِ فَلاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي. (٢) وَأَمَّا خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ فَلاَ يَسْقُطُ بِهَلاَكِ الْخَارِجِ

стр. 11469

بَعْدَ الْحَصَادِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ وَزِرَاعَتِهَا، وَبِالْحَصَادِ قَدْ تَحَقَّقَ الاِنْتِفَاعُ بِالأَْرْضِ، وَحَصَلَتِ الزِّرَاعَةُ بِالْفِعْل فَلاَ يَسْقُطُ الْخَرَاجُ الْمُوَظَّفُ بِهَلاَكِ الْخَارِجِ بَعْدَ الْحَصَادِ. جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: ذَكَرَ شَيْخُ الإِْسْلاَمِ خُوَاهَرْ زَادَهْ أَنَّ هَلاَكَ الْخَارِجِ قَبْل الْحَصَادِ يُسْقِطُ الْخَرَاجَ، وَهَلاَكُهُ بَعْدَ الْحَصَادِ لاَ يُسْقِطُهُ. (١) وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى كَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَلَمْ نَقِفْ لَهُمْ عَلَى نُصُوصٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. رَابِعًا: إِسْقَاطُ الإِْمَامِ لِلْخَرَاجِ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ٦٠ - إِذَا رَأَى الإِْمَامُ إِسْقَاطَ الْخَرَاجِ عَمَّنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ لِمَصْلَحَةٍ، أَوْ لِكَوْنِ مَنْ بِيَدِهِ تِلْكَ الأَْرْضُ يَقُومُ بِعَمَلٍ مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمُسْلِمُونَ، كَالْقَضَاءِ، أَوِ التَّدْرِيسِ، أَوْ حِمَايَةِ الثُّغُورِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، أَوِ التَّجَسُّسِ عَلَى الأَْعْدَاءِ لِمَعْرِفَةِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ وَسَائِل الْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَهَل يَجُوزُ هَذَا التَّصَرُّفُ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ لاَ؟ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ لَهُ حَقُّ النَّظَرِ فِي مَصَالِحِ

стр. 11470

الْمُسْلِمِينَ، وَفِعْل مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ الَّتِي قَرَّرَهَا الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ أَنَّ: (تَصَرُّفَ الإِْمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ) (١) وَقَالُوا: لَوْ صَارَ الْخَرَاجُ فِي يَدِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ شَخْصًا إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ بِطَرِيقِ الأَْوْلَى؛ وَلأَِنَّ صَاحِبَ الْخَرَاجِ لَهُ حَقٌّ فِي الْخَرَاجِ فَصَحَّ تَرْكُهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَيَّدَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ الَّذِي يَنْوِي الإِْمَامُ إِسْقَاطَ الْخَرَاجِ عَنْهُ، مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ الْخَرَاجَ كَالْفَقِيهِ وَالْجُنْدِيِّ، وَالْقَاضِي، وَالْمُؤَذِّنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (٢) وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِسْقَاطُهُ كَالْعُشْرِ (٣) . وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَلَمْ نَقِفْ لَهُمْ عَلَى نُصُوصٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

стр. 11471

خَامِسًا: الْبِنَاءُ عَلَى الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ: ٦١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِمْرَارِ وَظِيفَةِ الْخَرَاجِ عَلَى الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ بَعْدَ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهَا أَبْنِيَةٌ وَحَوَانِيتُ. ١ - فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى اسْتِمْرَارِ وُجُوبِ الْخَرَاجِ وَعَدَمِ سُقُوطِهِ عَنْ تِلْكَ الأَْرْضِ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ (١) . رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ بُخْتَانَ أَنَّهُ سَأَل أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، تَرَى أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُل عَمَّا فِي يَدِهِ مِنْ دَارٍ، أَوْ ضَيْعَةٍ عَلَى مَا وَظَّفَ عُمَرُ ﵁ عَلَى كُل جَرِيبٍ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ؟ فَقَال مَا أَجْوَدُ هَذَا. فَقَال يَعْقُوبُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُعْطِي مِنْ دَارِكَ الْخَرَاجَ فَتَتَصَدَّقُ بِهِ. فَقَال: نَعَمْ. وَقَدْ عَلَّل عُلَمَاءُ الْحَنَابِلَةِ فِعْل أَحْمَدَ بِقَوْلِهِمْ: (إِنَّمَا كَانَ أَحْمَدُ يَفْعَل ذَلِكَ لأَِنَّ بَغْدَادَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا عُمَرُ الْخَرَاجَ، فَلَمَّا بُنِيَتْ مَسَاكِنُ، رَاعَى أَحْمَدُ حَالَهَا الأُْولَى الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ . (٢) ٢ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ الْخَرَاجِ عَنِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ بَعْدَ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا مَنْ هِيَ بِيَدِهِ

стр. 11472

أَبْنِيَةً وَحَوَانِيتَ، وَلاَ يَجِبُ الْخَرَاجُ عَلَى الأَْرْضِ إِلاَّ إِذَا جَعَلَهَا بُسْتَانًا، أَوْ مَزْرَعَةً؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِنَمَاءِ الأَْرْضِ وَغَلَّتِهَا. (١) ٣ - وَيَرَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ عَنِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا مَنْ هِيَ بِيَدِهِ أَبْنِيَةً ضَرُورِيَّةً لاَ غِنًى لَهُ عَنْهَا. كَأَنْ يَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا يَسْكُنُهُ. وَأَمَّا الأَْبْنِيَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ فَلاَ تَكُونُ سَبَبًا فِي سُقُوطِ الْخَرَاجِ عَنِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ كَأَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا أَبْنِيَةً لِلاِسْتِغْلاَل وَالنَّمَاءِ (٢) . سَادِسًا: إِسْلاَمُ مَالِكِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ أَوِ انْتِقَالُهَا إِلَى مُسْلِمٍ: ٦٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَرَاجَ الْعَنْوِيَّ لاَ يَسْقُطُ عَنِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ بِإِسْلاَمِ صَاحِبِهَا وَلاَ بِانْتِقَالِهَا إِلَى مُسْلِمٍ؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً مَوْقُوفَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهَا بِمَثَابَةِ الأُْجْرَةِ فَلاَ يَسْقُطُ بِإِسْلاَمِ مَنْ بِيَدِهِ هَذِهِ الأَْرْضُ وَلاَ بِانْتِقَالِهَا إِلَى مُسْلِمٍ (٣) . وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَرَاجِ الصُّلْحِيِّ (الْمَضْرُوبِ

стр. 11473

عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي صَالَحَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَهَا عَلَى أَنَّ لَهُمُ الأَْرْضَ وَلِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجَ) هَل يَسْقُطُ بَعْدَ إِسْلاَمِ صَاحِبِهَا، أَوِ انْتِقَالِهَا إِلَى مُسْلِمٍ: ١ - فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى سُقُوطِ الْخَرَاجِ الصُّلْحِيِّ إِذَا أَسْلَمَ صَاحِبُ الأَْرْضِ، أَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ، لِمَا رَوَى الْعَلاَءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَال: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، أَوْ إِلَى هَجَرَ، فَكُنْتُ آتِي الْحَائِطَ يَكُونُ بَيْنَ الإِْخْوَةِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمْ، فَآخُذُ مِنَ الْمُسْلِمِ الْعُشْرَ، وَمِنَ الْمُشْرِكِ الْخَرَاجَ. (١) وَلأَِنَّ الْخَرَاجَ الصُّلْحِيَّ بِمَثَابَةِ الْجِزْيَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْكُفْرِ، فَإِذَا زَال الْكُفْرُ سَقَطَ الْخَرَاجُ كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ. (٢) ٢ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ سُقُوطِ الْخَرَاجِ الصُّلْحِيِّ قِيَاسًا عَلَى الْخَرَاجِ الْعَنْوِيِّ؛ وَلأَِنَّ الْخَرَاجَ مُؤْنَةُ الأَْرْضِ، وَالأَْصْل فِيهَا أَنَّهَا لاَ تَتَغَيَّرُ بِتَبَدُّل الْمَالِكِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، فَإِذَا أَسْلَمَ صَاحِبُ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ أَوْ بَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ فَلاَ ضَرُورَةَ

стр. 11474

لِتَغَيُّرِ الْمُؤْنَةِ؛ لأَِنَّ الْمُسْلِمَ مِنْ أَهْل وُجُوبِ الْخَرَاجِ - أَيْ فِي الْجُمْلَةِ - (١) اجْتِمَاعُ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ: ٦٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي يَمْلِكُ الأَْرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ يُطَالَبُ بِالزَّكَاةِ " الْعُشْرِ " وَالْخَرَاجِ مَعًا إِذَا زَرَعَهَا أَوِ انْتَفَعَ بِهَا. وَاسْتَدَلُّوا لاِجْتِمَاعِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ﴾ . (٢) فَالآْيَةُ عَامَّةٌ فِي كُل أَرْضٍ يُنْتَفَعُ بِهَا وَتُزْرَعُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ خَرَاجِيَّةً، أَوْ عُشْرِيَّةً، كَمَا اسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا (٣) الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ. (٤) وَلأَِنَّ الْعُشْرَ وَالْخَرَاجَ حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ ذَاتًا، وَسَبَبًا، وَمَصْرِفًا، وَدَلِيلاً: أَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا ذَاتًا فَلأَِنَّ الْعُشْرَ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَالْخَرَاجُ فِيهِ

стр. 11475

مَعْنَى الْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا سَبَبًا فَلأَِنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ، وَالْخَرَاجَ يَجِبُ فِي الأَْرْضِ النَّامِيَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ النَّمَاءُ حَقِيقِيًّا أَمْ تَقْدِيرِيًّا بِأَنْ يُتَمَكَّنَ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالأَْرْضِ. وَأَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا مَصْرِفًا، فَلأَِنَّ مَصْرِفَ الْعُشْرِ: الأَْصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ، الْمُحَدَّدُ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ، وَمَصْرِفَ الْخَرَاجِ: الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ. وَأَمَّا اخْتِلاَفُهُمَا دَلِيلاً، فَلأَِنَّ دَلِيل الْعُشْرِ: النَّصُّ، وَدَلِيل الْخَرَاجِ الاِجْتِهَادُ الْمَبْنِيُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ. وَإِذَا ثَبَتَ اخْتِلاَفُهُمَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَلاَ مَانِعَ مِنَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَوُجُوبُ أَحَدِهِمَا لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الآْخَرِ، كَاجْتِمَاعِ الْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ عِنْدَ قَتْل الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ (١) . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ اجْتِمَاعِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ فِي الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا مُسْلِمٌ، وَلاَ يَجِبُ فِي هَذِهِ الأَْرْضِ سِوَى الْخَرَاجِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ

стр. 11476

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ يَجْتَمِعُ عَلَى الْمُسْلِمِ خَرَاجٌ وَعُشْرٌ. (١) وَبِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَال كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي دِهْقَانَةَ نَهْرِ الْمَلِكِ - كُورَةٌ وَاسِعَةٌ مِنَ الأَْرْضِ الَّتِي بُنِيَتْ بِهَا بَغْدَادُ - أَسْلَمَتْ فَكَتَبَ: أَنِ ادْفَعُوا إِلَيْهَا أَرْضَهَا تُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ (٢) . فَأَمَرَ عُمَرُ ﵁ بِأَخْذِ الْخَرَاجِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِأَخْذِ الْعُشْرِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لأََمَرَ بِهِ. وَلأَِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْل، وَوُلاَةِ الْجَوْرِ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ عُشْرًا؛ وَلأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الأَْرْضُ النَّامِيَةُ، فَلاَ يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لاَ يَجْتَمِعُ زَكَاتَانِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ كَزَكَاةِ السَّائِمَةِ وَالتِّجَارَةِ فِي الْحَيَوَانَاتِ. (٣) مَصَارِفُ الْخَرَاجِ: ٦٤ - لَمْ يُفَرِّقِ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ فِي

стр. 11477

الصَّرْفِ، كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْفَيْءِ وَالزَّكَاةِ مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ بَيْنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ. فَالْفَيْءُ يَتَوَقَّفُ صَرْفُهُ عَلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ فِي تَقْدِيرِ الْمَصَالِحِ، وَتَقْدِيمِ الأَْهَمِّ عَلَى الْمُهِمِّ، وَالزَّكَاةُ تُصْرَفُ فِي الْمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي حَدَّدَتْهَا آيَةُ الصَّدَقَاتِ. وَالْغَنِيمَةُ تُخَمَّسُ، وَتُقْسَمُ الأَْرْبَعَةُ الأَْخْمَاسِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا حَدَّدَتْ آيَةُ الْغَنَائِمِ. قَال ابْنُ رُشْدٍ: يُصْرَفُ خَرَاجُهَا - أَيْ خَرَاجُ الأَْرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً - فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُل الْخَيْرِ (١) . (وَقَال الْبُهُوتِيُّ: وَمَصْرِفُ الْخَرَاجِ كَفَيْءٍ لأَِنَّهُ مِنْهُ) . (٢) وَقَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا مَصْرِفُ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنَ الْخَرَاجِ وَأَخَوَاتِهِ فَعِمَارَةُ الدِّينِ، وَإِصْلاَحُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ رِزْقُ الْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ وَأَهْل الْفَتْوَى مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُقَاتِلَةِ، وَرَصْفُ الطُّرُقِ وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ، وَالرِّبَاطَاتِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْجُسُورِ، وَسَدُّ الثُّغُورِ، وَإِصْلاَحُ الأَْنْهَارِ الَّتِي لاَ مِلْكَ لأَِحَدٍ فِيهَا. (٣) (وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: مَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِ هَذِهِ الأَْرْضِ يَصْرِفُهُ الإِْمَامُ فِي مَصَالِحِ

стр. 11478

الْمُسْلِمِينَ الأَْهَمِّ فَالأَْهَمِّ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالأَْغْنِيَاءِ مِنْ أَهْل الْفَيْءِ وَغَيْرِهِمْ) . (١) هَذَا مَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ الْمَصْرُوفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: بَيْتُ الْمَال، وَفَيْءٌ) . حُكْمُ تَخْمِيسِ الْخَرَاجِ: ٦٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ لاَ يُخَمَّسُ، بَل يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الإِْمَامَ يُعْطِي مِنْهُ لِلْمُقَاتِلِينَ، وَالْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْعُمَّال، وَالأَْئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَكُل مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَيُصْرَفُ عَلَى بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَشَقِّ الطُّرُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَبْدَأُ الإِْمَامُ بِالأَْهَمِّ فَالْمُهِمِّ، فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْءٌ قَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ (٢) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ

стр. 11479

وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . (١) قَال الْمُفَسِّرُونَ: طَلَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخَمِّسَ أَمْوَال بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا أُجْلُوا عَنْهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّهَا فَيْءٌ لَمْ تَحْصُل لَهُمْ بِمُحَارَبَتِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ بِتَسْلِيطِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً يَفْعَل مِنْهُ مَا يَشَاءُ. (٢) وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: كَانَتْ أَمْوَال بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ فَكَانَتْ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ يَجْعَل مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ (٣) وَالسِّلاَحِ عُدَّةً لِلْمُسْلِمِينَ (٤) . هَذَا مَا كَانَ يُفْعَل بِالْفَيْءِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ خَاصَّةً، يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَدِّمُ الأَْهَمَّ عَلَى الْمُهِمِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الإِْمَامَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلاَنِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.

стр. 11480

وَلِذَا لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْفَيْءِ لِنَفْسِهِ لأَِنَّ الإِْمَامَ يُنْصَرُ بِسَبَبِ قَوْمِهِ لاَ بِسَبَبِهِ خَاصَّةً فَكَانَتْ أَمْوَال الْفَيْءِ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ . (١) فَذِكْرُ الأَْصْنَافِ فِي هَذِهِ الآْيَةِ مِنْ بَابِ التَّعْدِيدِ لِلأَْصْنَافِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْمَال وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ يَتَعَدَّى بِهِ هَؤُلاَءِ (٢) . (انْظُرْ: خُمُسٌ، وَفَيْءٌ) .

стр. 11481

خَرَسٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الْخَرَسُ مَصْدَرُ خَرِسَ، يُقَال: خَرِسَ الإِْنْسَانُ خَرَسًا، إِذَا مُنِعَ الْكَلاَمَ خِلْقَةً، أَيْ خُلِقَ وَلاَ نُطْقَ لَهُ. أَوْ ذَهَبَ كَلاَمُهُ عِيًّا. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: اعْتِقَال اللِّسَانِ: ٢ - الاِعْتِقَال: الْحَبْسُ، وَاعْتُقِل لِسَانُهُ: إِذَا حُبِسَ وَمُنِعَ الْكَلاَمَ (٢) . وَالْمُعْتَقَل اللِّسَانِ وَسَطٌ بَيْنَ الأَْخْرَسِ وَالنَّاطِقِ. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْخْرَسِ: إِسْلاَمُ الأَْخْرَسِ: ٣ - يَصِيرُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا بِالإِْذْعَانِ بِالْقَلْبِ وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ، فَإِنْ كَانَ

стр. 11482

عَاجِزًا عَنِ النُّطْقِ لِخَرَسٍ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِي إِسْلاَمِهِ بِالإِْشَارَةِ مَعَ قِيَامِ الْقَرَائِنِ عَلَى أَنَّهُ أَذْعَنَ بِقَلْبِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال: وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ إِسْلاَمِ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ، وَلَمْ أَرَ الآْنَ فِيهَا نَقْلاً صَرِيحًا. وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ صَلاَةِ الأَْخْرَسِ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ بِالإِْشَارَةِ. جَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: يَصِحُّ إِسْلاَمُ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، وَقِيل: لاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ إِلاَّ إِذَا صَلَّى بَعْدَ الإِْشَارَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الأُْمِّ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الأَْوَّل، وَحَمْل النَّصِّ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الإِْشَارَةُ مُفْهِمَةً. (١) تَكْبِيرُ الأَْخْرَسِ وَقِرَاءَتُهُ فِي الصَّلاَةِ: ٤ - تَشْتَمِل الصَّلاَةُ عَلَى أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، وَمِنَ الأَْقْوَال مَا هُوَ فَرْضٌ، كَتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ سُنَّةٌ كَالتَّكْبِيرَاتِ الأُْخْرَى. فَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ النُّطْقِ لِخَرَسٍ تَسْقُطُ عَنْهُ الأَْقْوَال، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ تَحْرِيكِ لِسَانِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ.

стр. 11483

فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - عَدَا الْقَاضِي - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لاَ يَجِبُ عَلَى الأَْخْرَسِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ لِلصَّلاَةِ بِقَلْبِهِ؛ لأَِنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ عَبَثٌ، وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ عَلَى الأَْخْرَسِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَشَفَتَيْهِ، وَلَهَاتِهِ بِالتَّكْبِيرِ قَدْرَ إِمْكَانِهِ، قَال فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَكَذَا حُكْمُ تَشَهُّدِهِ، وَسَلاَمِهِ، وَسَائِرِ أَذْكَارِهِ، قَال ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ كَالْمَرِيضِ. لَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَرَسِ الطَّارِئِ، أَمَّا الْخَرَسُ الْخِلْقِيُّ فَلاَ يَجِبُ مَعَهُ تَحْرِيكُ شَيْءٍ (١) . وَنَحْوُ ذَلِكَ قَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ. وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: إِنَّ تَحْرِيكَ لِسَانِ الأَْخْرَسِ فِي تَكْبِيرَةِ الاِفْتِتَاحِ وَالتَّلْبِيَةِ لاَزِمٌ عَلَى الْقَوْل بِهِ، أَوْ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَأَمَّا بِالْقِرَاءَةِ فَلاَ عَلَى الْمُخْتَارِ. . الاِقْتِدَاءُ بِالأَْخْرَسِ: ٥ - لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ النَّاطِقِ بِالأَْخْرَسِ وَلَوْ كَانَ النَّاطِقُ أُمِّيًّا؛ لأَِنَّ الأَْخْرَسَ أَسْوَأُ حَالاً مِنَ الأُْمِّيِّ لِقُدْرَةِ الأُْمِّيِّ عَلَى التَّحْرِيمَةِ، وَعَجْزِ الأَْخْرَسِ

стр. 11484

عَنِ الإِْتْيَانِ بِالتَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اقْتِدَاءِ الأَْخْرَسِ بِأَخْرَسَ مِثْلِهِ. فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأَْخْرَسِ بِأَخْرَسَ مِثْلِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْعَجْزِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأَْخْرَسِ بِأَخْرَسَ مِثْلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُحْسِنَ أَحَدُهُمَا مَا لاَ يُحْسِنُهُ الآْخَرُ، أَوْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لأَِحَدِهِمَا قُوَّةٌ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ نَاطِقًا أَحْسَن مَا لاَ يُحْسِنُهُ الآْخَرُ. (١) إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ فِي الصَّلاَةِ: ٦ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْكَلاَمَ فِي الصَّلاَةِ يُبْطِلُهَا، فَهَل تُعْتَبَرُ إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ فِي الصَّلاَةِ مِثْل كَلاَمِ النَّاطِقِ؟ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهَا لاَ تَبْطُل بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ؛ لأَِنَّ الإِْشَارَةَ فِي الصَّلاَةِ جَائِزَةٌ مِنَ النَّاطِقِ. وَاعْتَبَرَ الْحَنَابِلَةُ الإِْشَارَةَ فِعْلاً لاَ قَوْلاً، فَلاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِهَا إِلاَّ إِذَا كَثُرَتْ عُرْفًا وَتَوَالَتْ. وَفِي الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل

стр. 11485

الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ، لأَِنَّ إِشَارَتَهُ كَالْكَلاَمِ. وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ قَصَدَ الْكَلاَمَ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ لَمْ تَبْطُل (١) . وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَبْطُل عِنْدَهُمْ بِالإِْشَارَةِ. كَمَا قَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ بَأْسَ بِتَكْلِيمِ الْمُصَلِّي وَإِجَابَتِهِ بِرَأْسِهِ، كَمَا لَوْ طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ أُرِيَ دِرْهَمًا، وَقِيل: أَجَيِّدٌ؟ فَأَوْمَأَ بِنَعَمْ أَوْ لاَ، أَوْ قِيل كَمْ صَلَّيْتُمْ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ (٢) . ذَبْحُ الأَْخْرَسِ وَصَيْدُهُ: ٧ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالصَّيْدِ وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً. وَلَكِنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى حِل ذَبِيحَةِ الأَْخْرَسِ وَصَيْدِهِ مَعَ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى النُّطْقِ. إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنْ كَانَ الْمُذَكِّي أَخْرَسَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَوْ أَشَارَ إِشَارَةً تَدُل عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْمِيَةَ، كَانَ فِعْلُهُ كَافِيًا لِقِيَامِ إِشَارَتِهِ مَقَامَ نُطْقِهِ. وَقَالُوا فِي الصَّيْدِ: لاَ تُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ مِنَ الأَْخْرَسِ عِنْدَ إِرْسَال السَّهْمِ وَالْجَارِحَةِ لِتَعَذُّرِهَا
следующие страницы →