Полный текст (31 949 стр.). Показаны 11411–11450 · переход к 11416.
стр. 11411
فِي تَشْرِيعِ الْخَرَاجِ إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْمَصْلَحَةِ.
١ - الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ:
بَيَّنَتِ الآْيَاتُ السَّابِقَةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا الإِْمَامُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، حُكْمَ مَسْأَلَةِ وَقْفِ أَرْضِ السَّوَادِ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
٢ - السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ:
أ - رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنَعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَقَفِيزَهَا، (١) وَمَنَعَتِ الشَّامُ مُدْيَهَا (٢) وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا (٣) وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ (٤) شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْلاَمِ النُّبُوَّةِ لإِِخْبَارِهِ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ مُلْكِ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الأَْقَالِيمَ стр. 11412
وَوَضْعِهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ، ثُمَّ بُطْلاَنِ ذَلِكَ (١) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ سَيَضَعُونَ الْخَرَاجَ عَلَى الأَْرْضِ وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ إِلَى خِلاَفِ ذَلِكَ، بَل قَرَّرَهُ وَحَكَاهُ لَهُمْ، وَلِذَلِكَ قَال يَحْيَى بْنُ آدَمَ: يُرِيدُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ الْقَفِيزَ وَالدِّرْهَمَ قَبْل أَنْ يَضَعَهُ عُمَرُ عَلَى الأَْرْضِ ". (٢)
ب - رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَال: قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ، نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا. (٣)
فَالْحَدِيثُ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَا وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَأْنِ خَيْبَرَ حَيْثُ وَقَفَ نِصْفَهَا لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً.
٣ - الْمَصْلَحَةُ:
رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ стр. 11413
أَنَّ مِنَ الْمَصْلَحَةِ عَدَمَ تَقْسِيمِ الأَْرَاضِي الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً، وَوَقْفَهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَضَرْبَ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا. وَأَهَمُّ مَا تَقْضِي بِهِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ.
أ - تَأْمِينُ مَوْرِدٍ مَالِيٍّ ثَابِتٍ لِلأُْمَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ
بِأَجْيَالِهَا الْمُتَعَاقِبَةِ وَمُؤَسَّسَاتِهَا الْمُخْتَلِفَةِ:
نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى مُسْتَقْبَل الأُْمَّةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ وَأَجْيَالِهَا الْقَادِمَةِ، فَرَأَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا سَيَقَعُ فِي شَظَفِ الْعَيْشِ وَالْحِرْمَانِ، إِذَا مَا قُسِمَتْ تِلْكَ الأَْرَاضِي الْمَفْتُوحَةُ عَنْوَةً وَوُزِّعَتْ عَلَى الْفَاتِحِينَ. وَلِهَذَا رَأَى عَدَمَ التَّقْسِيمِ، وَوَقَفَ الأَْرَضِينَ، وَضَرَبَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا لِيَكُونَ مَوْرِدًا مَالِيًّا ثَابِتًا لِلأَْجْيَال الْقَادِمَةِ.
وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا (١) لَيْسَ لَهُمْ مِنْ شَيْءٍ مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلاَّ قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، وَلَكِنْ أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ (٢) .
ب - تَوْزِيعُ الثَّرْوَةِ وَعَدَمُ حَصْرِهَا فِي فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ:
كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (٣)
وَقَدْ أَشَارَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁ عَلَى стр. 11414
عُمَرَ ﵁، لَمَّا رَأَى إِصْرَارَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ عَلَى التَّقْسِيمِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهِ إِذًا لَيَكُونَنَّ مَا تَكْرَهُ. إِنَّكَ إِنْ قَسَمْتَهَا صَارَ الرِّيعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ يُبِيدُونَهُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ إِلَى الرَّجُل الْوَاحِدِ، أَوِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، ثُمَّ يَأْتِي مَنْ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَسُدُّونَ مِنَ الإِْسْلاَمِ مَسَدًّا، فَلاَ يَجِدُونَ شَيْئًا، فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ (١) فَرَضِيَ عُمَرُ قَوْل مُعَاذٍ، فَوَقَفَ الأَْرْضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ، وَأَصْبَحَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بِمَا فِيهِمُ الْفُقَرَاءُ وَالأَْغْنِيَاءُ.
ج - عِمَارَةُ الأَْرْضِ بِالزِّرَاعَةِ وَعَدَمُ تَعْطِيلِهَا:
إِنَّ عِمَارَةَ الأَْرْضِ بِالزِّرَاعَةِ وَالاِنْتِفَاعَ بِمَا فِي بَاطِنِهَا مِنْ مَعَادِنَ مَطْلُوبٌ مِنَ النَّاسِ عَامَّةً، وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً، فَهُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الاِسْتِخْلاَفِ الْعَامِّ لِلنَّاسِ فِي الأَْرْضِ ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً﴾ . (٢)
وَكَانَ قَصْدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ ضَرْبِ الْخَرَاجِ أَنْ تَبْقَى الأَْرْضُ عَامِرَةً بِالزِّرَاعَةِ فَأَهْلُهَا أَقْدَرُ مِنَ الْغَانِمِينَ عَلَى ذَلِكَ لِتَوَفُّرِ الْخِبْرَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الزِّرَاعَةِ، وَلِذَلِكَ قَال стр. 11415
فِي أَهْلِهَا: يَكُونُونَ عُمَّارَ الأَْرْضِ فَهُمْ أَعْلَمُ بِهَا وَأَقْوَى عَلَيْهَا ". (١)
وَقَدْ سَلَكَ عُمَرُ ﵁ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ وَصَارَتِ الأَْرْضُ وَالأَْمْوَال الْمَغْنُومَةُ تَحْتَ يَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْعُمَّال مَا يَكْفُونَ عِمَارَةَ الأَْرْضِ وَزِرَاعَتَهَا، دَفَعَهَا إِلَى أَهْلِهَا عَلَى أَنْ يَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ نِصْفُ ثَمَرَتِهَا. وَبَقِيَتْ عَلَى ذَلِكَ طِيلَةَ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ ﵁ إِلَى الشَّامِ (٢) .
أَنْوَاعُ الْخَرَاجِ:
قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ الْخَرَاجَ - بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ - إِلَى أَنْوَاعٍ:
فَقَسَمُوهُ - بِاعْتِبَارِ الْمَأْخُوذِ مِنَ الأَْرْضِ - إِلَى خَرَاجِ وَظِيفَةٍ، وَمُقَاسَمَةٍ.
وَقَسَمُوهُ - بِاعْتِبَارِ الأَْرْضِ الَّتِي تَخْضَعُ لِلْخَرَاجِ إِلَى خَرَاجٍ عَنْوِيٍّ، وَصُلْحِيٍّ
وَفِيمَا يَلِي هَذِهِ الأَْنْوَاعُ.
١ - خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ وَالْمُقَاسَمَةِ:
أ - خَرَاجُ الْوَظِيفَةِ:
١٤ - يُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ أَيْضًا خَرَاجَ الْمُقَاطَعَةِ وَخَرَاجَ الْمِسَاحَةِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ يَنْظُرُ إِلَى مِسَاحَةِ الأَْرْضِ وَنَوْعِ مَا يُزْرَعُ عِنْدَ تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا. стр. 11416
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ شَيْئًا فِي الذِّمَّةِ يَتَعَلَّقُ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الزِّرَاعَةِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَقَعِ الزَّرْعُ بِالْفِعْل فَيَجِبُ الْخَرَاجُ عَلَى مَالِكِ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّ التَّمَكُّنَ مِنَ الاِنْتِفَاعِ قَائِمٌ وَهُوَ الَّذِي قَصَّرَ فِي تَحْصِيلِهِ. فَيَتَحَمَّل نَتِيجَةَ تَقْصِيرِهِ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْخَرَاجِ هُوَ الَّذِي وَظَّفَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى أَرْضِ السَّوَادِ، وَمِصْرَ، وَالشَّامِ (١) .
ب - خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ:
١٥ - هُوَ: أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ جُزْءًا شَائِعًا مِنَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ، كَالرُّبُعِ وَالْخُمُسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْخَرَاجِ يَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ لاَ بِالتَّمَكُّنِ، فَلَوْ عَطَّل الْمَالِكُ الأَْرْضَ لاَ يَجِبُ الْخَرَاجُ. (٢)
وَقَدْ حَدَثَ هَذَا النَّوْعُ فِي عَهْدِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيِّ (عَامَ ١٦٩ هـ) حَيْثُ قَرَّرَهُ بَدَلاً مِنْ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ الَّذِي كَانَ مَعْمُولاً بِهِ مُنْذُ زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
قَال يَحْيَى بْنُ آدَمَ فِي كِتَابِ الْخَرَاجِ: (أَمَّا مُقَاسَمَةُ السَّوَادِ فَإِنَّ النَّاسَ سَأَلُوهَا السُّلْطَانَ فِي آخِرِ خِلاَفَةِ الْمَنْصُورِ (عَامَ ١٥٨ هـ) فَقُبِضَ قَبْل стр. 11417
أَنْ يُقَاسِمُوا، ثُمَّ أَمَرَ الْمَهْدِيَّ بِهَا فَقُوسِمُوا فِيهَا دُونَ عَقَبَةَ حُلْوَانَ) . (١)
أَمَّا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى الْفَرَّاءُ فَقَدْ ذَكَرَا وَجْهًا آخَرَ فِي سَبَبِ تَغْيِيرِ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ الَّذِي فَرَضَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى خَرَاجِ مُقَاسَمَةٍ حَيْثُ قَالاَ: (وَلَمْ يَزَل السَّوَادُ عَلَى الْمِسَاحَةِ وَالْخَرَاجِ إِلَى أَنْ عَدَل بِهِمُ الْخَلِيفَةُ الْمَنْصُورُ فِي الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ عَنِ الْخَرَاجِ إِلَى الْمُقَاسَمَةِ؛ لأَِنَّ السِّعْرَ نَقَصَ، فَلَمْ تَفِ الْغَلاَّتُ بِخَرَاجِهَا، وَخَرِبَ السَّوَادُ، فَجَعَلَهُ مُقَاسَمَةً، وَأَشَارَ وَزِيرُ الْمَهْدِيِّ أَنْ يَجْعَل أَرْضَ الْخَرَاجِ مُقَاسَمَةً) . (٢)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ خَرَاجِ الْوَظِيفَةِ، وَخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ أَيْضًا، أَنَّ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ يُؤْخَذُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ، وَلاَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ.
أَمَّا خَرَاجُ الْمُقَاسَمَةِ فَيَتَكَرَّرُ أَخْذُهُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ.
٢ - الْخَرَاجُ الصُّلْحِيُّ وَالْعَنَوِيُّ:
أ - الْخَرَاجُ الصُّلْحِيُّ:
١ ٦ - هُوَ: (الْخَرَاجُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي صُولِحَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ стр. 11418
لَهُمْ، وَيُقَرُّونَ عَلَيْهَا بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ) قَال الْبَاجِيُّ: (فَمَا صَالَحُوا عَلَى بَقَائِهِ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَهُوَ مَال صُلْحٍ، أَرْضًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) .
ب - الْخَرَاجُ الْعَنْوِيُّ:
١٧ - هُوَ الْخَرَاجُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي افْتُتِحَتْ عَنْوَةً بَعْدَ أَنْ وَقَفَهَا الإِْمَامُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَدْخُل فِي هَذَا النَّوْعِ الْخَرَاجُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي جَلاَ عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا وَفَزَعًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَا الْخَرَاجُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي صُولِحَ أَهْلُهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُقَرُّونَ عَلَيْهَا بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ.
قَال الْبَاجِيُّ: (وَمَا صَالَحُوا بِهِ أَوْ أَعْطَوْهُ عَلَى إِقْرَارِهِمْ فِي بِلاَدِهِمْ وَتَأْمِينِهِمْ كَانَ أَرْضًا أَوْ غَيْرَهُ) ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَال صُلْحٍ، وَلَوْ أَنَّ أَهْل حَرْبٍ قُوتِلُوا حَتَّى صَالَحُوا عَلَى أَنْ لاَ يَكُونَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ حَقٌّ وَيُؤَمَّنُونَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْبَلَدِ أَوِ الْمُقَامِ بِهِ عَلَى الذِّمَّةِ، لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ أَرْضَ صُلْحٍ، وَإِنَّمَا تَكُونُ أَرْضَ صُلْحٍ مَا صُولِحُوا عَلَى بَقَائِهَا بِأَيْدِيهِمْ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ ذَلِكَ حَرْبٌ، أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ حَرْبٌ.
وَأَمَّا الْعَنْوَةُ فَهِيَ الْغَلَبَةُ، فَكُل مَالٍ صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِ الْغَلَبَةِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَيْنٍ
стр. 11419
دُونَ اخْتِيَارِ مَنْ غُلِبَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفَّارِ فَهُوَ أَرْضُ عَنْوَةٍ سَوَاءٌ دَخَلْنَا الدَّارَ غَلَبَةً، أَمْ أُجْلُوا عَنْهَا مَخَافَةَ الْمُسْلِمِينَ، تَقَدَّمَتْ فِي ذَلِكَ حَرْبٌ، أَمْ لَمْ تَتَقَدَّمْ، أَقَرَّ أَهْلُهَا فِيهَا أَمْ نُقِلُوا عَنْهَا. . وَقَال أَيْضًا: (وَمُرَادُنَا بِالصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ أَنَّ الأَْرْضَ آل حَالُهَا إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّتْ بِأَيْدِي أَرْبَابِهَا بِصُلْحٍ صَالَحُوا عَلَيْهَا أَوْ زَال عَنْهَا مُلْكُهُمْ بِالْعَنْوَةِ وَالْغَلَبَةِ) . (١)
أَنْوَاعُ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ:
١٨ - النَّوْعُ الأَْوَّل: الأَْرْضُ الَّتِي صَالَحَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَهِيَ نَوْعَانِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ لأَِهْلِهَا، وَلِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجُ، فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لأَِهْلِهَا وَتُعْتَبَرُ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقَعَ الصُّلْحُ عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُقَرُّ أَهْلُهَا عَلَيْهَا بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ. (٢)
١٩ - النَّوْعُ الثَّانِي: الأَْرْضُ الَّتِي جَلاَ عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا وَفَزَعًا وَبِدُونِ قِتَالٍ. فَهِيَ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ وَتَصِيرُ وَقْفًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الاِسْتِيلاَءِ عَلَيْهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ стр. 11420
وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّهَا فَيْءٌ وَلَيْسَتْ غَنِيمَةً. وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ إِلَى أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الأَْرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً فَلاَ تَصِيرُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلاَّ بِوَقْفِ الإِْمَامِ لَهَا؛ لأَِنَّهَا مَالٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِقُوَّتِهِمْ فَلاَ يَكُونُ وَقْفًا بِنَفْسِ الاِسْتِيلاَءِ كَالْمَنْقُول. (١)
أَمَّا أَرْضُ الْعَرَبِ فَكُلُّهَا أَرْضٌ عُشْرِيَّةٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَالْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَأْخُذُوا الْخَرَاجَ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَلأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ فَلاَ يَثْبُتُ فِي أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا لاَ تَثْبُتُ الْجِزْيَةُ فِي رِقَابِهِمْ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (أَرْضٌ، وَأَرْضُ الْعَرَبِ) . (٢)
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الأَْرْضُ الَّتِي افْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً:
٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْسِيمِ الأَْرْضِ الَّتِي افْتُتِحَتْ عَنْوَةً بَيْنَ الْفَاتِحِينَ.
فَيَرَى بَعْضُهُمْ وُجُوبَ تَقْسِيمِهَا، وَيَرَى آخَرُونَ وَقْفَهَا، وَيَرَى بَعْضُهُمْ تَخْيِيرَ الإِْمَامِ بَيْنَ هَذَيْنِ الأَْمْرَيْنِ. رَاجِعْ مُصْطَلَحَ: (أَرْضٌ) . стр. 11421
شُرُوطُ الأَْرْضِ الَّتِي تَخْضَعُ لِلْخَرَاجِ:
الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ خَرَاجِيَّةً .
٢١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْرْضَ الَّتِي تَخْضَعُ لِوَظِيفَةِ الْخَرَاجِ، لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَرَاجِيَّةً، وَلِذَا فَلاَ تَجِبُ وَظِيفَةُ الْخَرَاجِ عَلَى الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ، كَالأَْرْضِ الَّتِي أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا طَوْعًا.
وَالأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ: هِيَ الأَْرْضُ الَّتِي صُولِحَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا، وَكَذَا الأَْرْضُ الَّتِي جَلاَ عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا وَفَزَعًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالأَْرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَتَرَكَهَا الإِْمَامُ فِي أَيْدِي أَهْلِهَا يَزْرَعُونَهَا وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَهْلُهَا بَعْدَ فَتْحِهَا أَوْ لَمْ يُسْلِمُوا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ نَامِيَةً .
٢٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ، فَلاَ تَخْضَعُ الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ لِوَظِيفَةِ الْخَرَاجِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ نَامِيَةً.
وَالنَّمَاءُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا، بِأَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ مُغِلَّةً بِالْفِعْل، كَأَنْ تَكُونَ مَزْرُوعَةً بِالأَْشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ كَالنَّخِيل وَالْعِنَبِ وَغَيْرِهِمَا.
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّمَاءُ تَقْدِيرِيًّا، بِأَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ بَيْضَاءَ صَالِحَةً لِلزِّرَاعَةِ. وَصَلاَحِيَّتُهَا لِلزِّرَاعَةِ بِأَنْ تَكُونَ تُرْبَتُهَا قَابِلَةً لِلزِّرَاعَةِ، وَأَنْ يَنَالَهَا الْمَاءُ.
وَلِذَا فَلاَ يَجِبُ الْخَرَاجُ فِي الأَْرْضِ الْمَبْنِيَّةِ مَسَاكِنَ وَدُورًا، وَلاَ فِي الأَْرْضِ الْمَوَاتِ الَّتِي
стр. 11422
لاَ تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ، كَأَنْ تَكُونَ نَزَّةً - لاَ تُمْسِكُ الْمَاءَ - أَوْ سَبِخَةً، لِعَدَمِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي الزِّرَاعَةِ، وَلأَِنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُدْخِلْهَا فِي الْوَقْفِ، وَلَمْ يَفْرِضْ عَلَيْهَا الْخَرَاجَ. (١)
رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَال: وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى أَهْل السَّوَادِ عَلَى كُل جَرِيبٍ (٢) عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا، وَعَلَى جَرِيبِ الرَّطْبَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّجَرَةِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ (٣) .
وَقَدْ عَلَّقَ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي تَأْوِيل حَدِيثِ عُمَرَ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ جَعَل الْخَرَاجَ عَلَى الأَْرَضِينَ الَّتِي تُغِل مِنْ ذَوَاتِ الْحَبِّ وَالثِّمَارِ، وَالَّتِي تَصْلُحُ لِلْغَلَّةِ مِنَ الْعَامِرِ وَالْغَامِرِ، وَعَطَّل مِنْ ذَلِكَ الْمَسَاكِنَ وَالدُّورَ الَّتِي هِيَ مَنَازِلُهُمْ فَلَمْ يَجْعَل عَلَيْهَا فِيهَا شَيْئًا) . (٤) стр. 11423
وَلأَِنَّ الْخَرَاجَ بِمَثَابَةِ أُجْرَةِ الأَْرْضِ وَمَا لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لاَ أَجْرَ لَهُ.
انْتِقَال الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ إِلَى الذِّمِّيِّ، وَمَا يَجِبُ فِيهَا:
٢٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ مِنَ الذِّمِّيِّ، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا بِالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لإِِفْضَائِهِ إِلَى إِسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا.
وَاسْتَدَلُّوا لِمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ لِلذِّمِّيِّ؛ بِأَنَّهَا مَالٌ مَمْلُوكٌ لِلْمُسْلِمِ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهِ فَلاَ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ لِلذِّمِّيِّ أَوْ غَيْرِهِ.
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى مَنْعِ الْمُسْلِمِ مِنْ بَيْعِهَا إِلَى الذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّ بِانْتِقَالِهَا إِلَى الذِّمِّيِّ يَسْقُطُ الْعُشْرُ فَيَتَضَرَّرُ الْفُقَرَاءُ. (١)
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَظِيفَةِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى أَهْل الذِّمَّةِ إِذَا تَمَلَّكُوا الأَْرْضَ الْعُشْرِيَّةَ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ عِنْدَهُمْ، وَالثَّوْرِيُّ، وَشَرِيكٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ لاَ تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهَا إِلَى стр. 11424
الذِّمِّيِّ وَلاَ يُفْرَضُ عَلَيْهَا عُشْرٌ، وَلاَ خَرَاجٌ لِفَقْدِ مُوجِبِهِمَا.
فَالْخَرَاجُ يَجِبُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي خَضَعَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْغَلَبَةِ، أَوِ الصُّلْحِ وَلاَ يَجِبُ بِالْبَيْعِ وَلاَ بِمُجَرَّدِ انْتِقَالِهَا إِلَى ذِمِّيٍّ.
وَالْعُشْرُ يَجِبُ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّ الْعُشْرَ عِبَادَةٌ، وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.
كَمَا قَاسُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَسْأَلَةِ انْتِقَال الْحَيَوَانَاتِ السَّائِمَةِ إِلَى الذِّمِّيِّ فَكَمَا تَسْقُطُ زَكَاةُ السَّائِمَةِ بِانْتِقَالِهَا إِلَى الذِّمِّيِّ، يَسْقُطُ الْعُشْرُ عَنِ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ بِانْتِقَالِهَا إِلَى الذِّمِّيِّ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّهَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً، وَيُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ الَّذِي انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ الْخَرَاجُ لاَ الْعُشْرُ؛ لأَِنَّ الْعُشْرَ فِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ كَمَا لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ الْمَعْهُودَةُ، وَلِهَذَا لاَ تَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً. وَإِذَا تَعَذَّرَ إِيجَابُ الْعُشْرِ وَجَبَ الْخَرَاجُ إِذْ لاَ بُدَّ مِنْ فَرْضِ وَظِيفَةٍ عَلَى الأَْرْضِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وَقْتِ صَيْرُورَتِهَا خَرَاجِيَّةً، فَفِي رِوَايَةٍ تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِالشِّرَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لاَ تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً مَا لَمْ يُوضَعْ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْخَرَاجُ إِذَا مَضَتْ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا، سَوَاءٌ زَرَعَ أَمْ لَمْ يَزْرَعْ.
стр. 11425
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّهَا تُعْتَبَرُ خَرَاجِيَّةً وَيُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ الْعُشْرُ مُضَاعَفًا، كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ مَعَ نَصَارَى تَغْلِبَ. وَلأَِنَّ انْتِقَالَهَا إِلَى الذِّمِّيِّ يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاطِ الْعُشْرِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الإِْضْرَارِ بِالْفُقَرَاءِ، فَإِذَا تَعَرَّضَ أَهْل الذِّمَّةِ لِذَلِكَ ضُوعِفَ عَلَيْهِمُ الْعُشْرُ كَمَا لَوْ اتَّجَرُوا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِمْ ضُوعِفَتْ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ فَأُخِذَ مِنْهُمْ نِصْفُ الْعُشْرِ. وَيُوضَعُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى أَنَّهَا تَبْقَى عُشْرِيَّةً، وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ سِوَى الْعُشْرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّ كُل أَرْضٍ ابْتَدَأَتْ بِضَرْبِ حَقٍّ عَلَيْهَا لاَ يَتَبَدَّل الْحَقُّ بِتَبَدُّل الْمَالِكِ، كَالْخَرَاجِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَئُونَةُ الأَْرْضِ لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَالِكِ، حَتَّى يَجِبَ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ، فَلاَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمَالِكِ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي مَوْضِعِ الْمَأْخُوذِ وَمَصْرِفِهِ، فَقِيل: يُوضَعُ مَوْضِعَ الصَّدَقَةِ لأَِنَّهُ قَدْرُ الْوَاجِبِ لَمْ يَتَغَيَّرْ عِنْدَهُ، فَلَمْ تَتَغَيَّرْ صِفَتُهُ أَيْضًا.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ، لأَِنَّ مَال الصَّدَقَةِ لاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مَالاً مَأْخُوذًا مِنْ كَافِرٍ، فَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ.
وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِلَى وُجُوبِ الْعُشْرِ
стр. 11426
وَالْخَرَاجِ مَعًا، فَأَمَّا الْعُشْرُ فَاسْتِصْحَابًا، وَأَمَّا الْخَرَاجُ فَغُرْمٌ يَلْحَقُهُ بِمَصِيرِهَا إِلَيْهِ. (١)
إِحْيَاءُ الأَْرْضِ الْمَوَاتِ:
٢٤ - إِذَا كَانَ الْمُحْيِي لِلأَْرْضِ الْمَوَاتِ ذِمِّيًّا، فَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ ذَلِكَ - بِإِذْنِ الإِْمَامِ - سَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الأَْرْضُ ضِمْنَ دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَمْ دَارِ الْعَهْدِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ إِلاَّ فِي وَظِيفَةِ الأَْرْضِ، فَالْمُسْلِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْحَالاَتِ الْعُشْرُ، أَمَّا الذِّمِّيُّ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ سِوَى الْخَرَاجِ لأَِنَّهُ أَلْيَقُ بِحَالِهِ. (٢)
وَيَرَى آخَرُونَ عَدَمَ جَوَازِ إِحْيَاءِ الذِّمِّيِّ أَرْضَ الْمَوَاتِ فِي بِلاَدِ الْعَرَبِ. وَيَرَى بَعْضُهُمْ عَدَمَ جَوَازِ إِحْيَاءِ الذِّمِّيِّ أَرْضَ الْمَوَاتِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ.
انْظُرْ: (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) ف ٢٢ وَ ٢٣
مِقْدَارُ الْخَرَاجِ:
٢٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُل جَرِيبٍ يَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ قَفِيزٌ وَدِرْهَمٌ، وَفِي جَرِيبِ الرَّطْبَةِ (الْفَصْفَصَةِ) خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَفِي جَرِيبِ الْكَرْمِ стр. 11427
(الْعِنَبِ) عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَْصْنَافِ كَالزَّعْفَرَانِ، وَالْقُطْنِ وَغَيْرِهَا، يُوضَعُ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الطَّاقَةِ.
وَنِهَايَةُ الطَّاقَةِ أَنْ يَبْلُغَ الْوَاجِبُ نِصْفَ الْخَارِجِ، وَلاَ يُزَادُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ التَّنْصِيفَ عَيْنُ الإِْنْصَافِ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَال: وَضَعَ عُمَرُ عَلَى أَهْل السَّوَادِ عَلَى كُل جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا، وَعَلَى جَرِيبِ الْحِنْطَةِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّجَرَةِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ - قَال وَلَمْ يَذْكُرِ النَّخْل - وَعَلَى رُءُوسِ الرِّجَال ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ.
٢٦ - وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى عَدَمِ التَّقَيُّدِ بِتَقْدِيرِ إِمَامٍ مِنَ الأَْئِمَّةِ السَّابِقِينَ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِأَيِّ رِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ، وَإِنَّمَا قَال: الْمَرْجِعُ فِيهِ إِلَى قَدْرِ مَا تَحْتَمِلُهُ الأَْرْضُ مِنْ ذَلِكَ لاِخْتِلاَفِهَا فِي حَوَاصِلِهَا، وَيَجْتَهِدُ الإِْمَامُ فِي تَقْدِيرِ ذَلِكَ مُسْتَعِينًا عَلَيْهِ بِأَهْل الْخِبْرَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ стр. 11428
الشَّعْبِيِّ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ ابْنَ حُنَيْفٍ إِلَى السَّوَادِ فَطَرَّزَ الْخَرَاجَ فَوَضَعَ عَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْل ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الزَّيْتُونِ اثْنَيْ عَشَرَ. وَوَضَعَ عَلَى الرَّجُل الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ فِي الشَّهْرِ (١) .
٢٧ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ قَدْرَ الْخَرَاجِ فِي كُل سَنَةٍ، مَا فَرَضَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ لَمَّا بَعَثَهُ عُمَرُ مَاسِحًا وَهُوَ عَلَى كُل جَرِيبِ شَعِيرٍ دِرْهَمَانِ، وَعَلَى كُل جَرِيبِ حِنْطَةٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ. وَعَلَى كُل جَرِيبِ شَجَرٍ، وَقَصَبِ سُكَّرٍ سِتَّةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى كُل جَرِيبِ نَخْلٍ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى كُل جَرِيبِ كَرْمٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى كُل جَرِيبِ زَيْتُونٍ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا. (٢)
٢٨ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُل جَرِيبٍ دِرْهَمٌ وَقَفِيزٌ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْل ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الرَّطْبَةِ (٣) سِتَّةُ دَرَاهِمَ. стр. 11429
وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ حَيْثُ قَال: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَأَتَاهُ ابْنُ حُنَيْفٍ - فَجَعَل يُكَلِّمُهُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُول: وَضَعْتُ عَلَى كُل جَرِيبٍ مِنَ الأَْرْضِ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامٍ لاَ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلاَ يُجْهِدُهُمْ (١) .
الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ عَلَى مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ ﵁:
٢٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ أَخَذُوا بِتَقْدِيرَاتِ عُمَرَ ﵁ لِلْخَرَاجِ فِي جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى مَا وَظَّفَهُ عُمَرُ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ إِلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَاقَةِ الأَْرْضِ وَقُدْرَتِهَا عَلَى التَّحَمُّل.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ حَيْثُ قَال لِعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: (لَعَلَّكُمَا حَمَّلْتُمَا الأَْرْضَ مَا لاَ تُطِيقُ) (٢) فَإِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ تُطِيقُ الزِّيَادَةَ يُزَادُ بِقَدْرِ стр. 11430
الطَّاقَةِ، كَمَا إِذَا كَانَتْ لاَ تُطِيقُ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ لِقِلَّةِ رِيعِهَا فَتَنْقُصُ. (١)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ إِلَى جَوَازِ النُّقْصَانِ دُونَ الزِّيَادَةِ، لِقَوْل عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَحُذَيْفَةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: (وَلَوْ زِدْنَا لأََطَاقَتْ) (٢) فَلَمْ يَزِدْ عُمَرُ مَعَ أَنَّهُ أُخْبِرَ بِأَنَّ الأَْرْضَ تُطِيقُ الزِّيَادَةَ (٣) .
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ إِلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ دُونَ النُّقْصَانِ، لِقَوْل عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ لِعُمَرَ: وَاللَّهِ لَوْ زِدْتُ عَلَيْهِمْ لأََجْهَدْتُهُمْ (٤) فَدَل عَلَى إِبَاحَةِ الزِّيَادَةِ مَا لَمْ يُجْهِدْهُمْ، وَلأَِنَّ الإِْمَامَ نَاظِرٌ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً، فَجَازَ لَهُ الزِّيَادَةُ فِيهِ دُونَ النُّقْصَانِ (٥) وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ، إِلَى عَدَمِ جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لأَِنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ ﵁ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، إِذْ هُوَ كَالإِْجْمَاعِ لِعَدَمِ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ. (٦) стр. 11431
مَا يُرَاعَى عِنْدَ تَقْدِيرِ الْخَرَاجِ:
٣٠ - يَنْبَغِي لِوَاضِعِ الْخَرَاجِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تُرْبَةِ الأَْرْضِ، وَمَدَى إِنْتَاجِيَّتِهَا وَخُصُوبَتِهَا، فَمَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الْجَيِّدَةِ يَخْتَلِفُ عَمَّا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الرَّدِيئَةِ.
وَمَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ فِي كُل عَامٍ، يَخْتَلِفُ عَمَّا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ فِي عَامٍ، وَتُرَاحُ فِي عَامٍ. فَيُرَاعَى عِنْدَ ابْتِدَاءِ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي لاَ تُزْرَعُ فِي كُل عَامٍ حَالُهَا، وَاعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ أَصْلَحَ الأُْمُورِ لأَِرْبَابِ هَذِهِ الأَْرْضِ، وَأَهْل الْفَيْءِ يَكُونُ فِي خَصْلَةٍ مِنْ ثَلاَثٍ.
أ - إِمَّا أَنْ يُجْعَل خَرَاجُهَا عَلَى الشَّطْرِ مِنْ خَرَاجِ مَا يُزْرَعُ.
ب - وَإِمَّا أَنْ يَمْسَحَ كُل جَرِيبَيْنِ مِنْهَا بِجَرِيبٍ لِيَكُونَ أَحَدُهُمَا لِلْمَزْرُوعِ وَالآْخَرُ لِلْمَتْرُوكِ.
ج - وَإِمَّا أَنْ يَضَعَهُ بِكَمَالِهِ عَلَى مِسَاحَةِ الْمَزْرُوعِ وَالْمَتْرُوكِ، وَيَسْتَوْفِي مِنْ أَرْبَابِهِ الشَّطْرَ مِنْ مِسَاحَةِ أَرْضِهِمْ. (١)
خِفَّةُ مَئُونَةِ السَّقْيِ وَكَثْرَتُهَا:
٣١ - مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تُرَاعَى أَيْضًا عِنْدَ تَحْدِيدِ стр. 11432
وَظِيفَةِ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ خِفَّةُ مَئُونَةِ السَّقْيِ وَكَثْرَتُهَا. فَقَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُشْرَ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالأَْنْهَارِ، وَأَوْجَبَ نِصْفَ الْعُشْرِ فِي الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ الْعُشْرِيَّةِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءِ الآْبَارِ الَّذِي يُحْتَاجُ فِي إِخْرَاجِهِ إِلَى مَئُونَةٍ.
وَكَذَلِكَ الأَْمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، فَمَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءِ الأَْمْطَارِ، أَوِ الْعُيُونِ، أَوِ الأَْنْهَارِ يَزِيدُ عَمَّا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ الَّتِي تُسْقَى بِمَاءِ الآْبَارِ.
نَوْعِيَّةُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الْمَزْرُوعَةِ فِي الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ:
٣٢ - الْخَرَاجُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ بِالْقَمْحِ، أَوِ الشَّعِيرِ، يَخْتَلِفُ عَمَّا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ بِالأَْشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ كَالْعِنَبِ، وَالنَّخِيل، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ قِيمَةِ كُل نَوْعٍ عَنِ الآْخَرِ.
٣٣ - قُرْبُ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ مِنَ الْمُدُنِ وَالأَْسْوَاقِ وَبُعْدُهَا عَنْهَا:
فَمَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْمُدُنِ وَالأَْسْوَاقِ يَخْتَلِفُ عَمَّا يُوضَعُ عَلَى الأَْرْضِ الْبَعِيدَةِ عَنِ الْمُدُنِ وَالأَْسْوَاقِ لأَِنَّ بُعْدَهَا عَنِ الْمُدُنِ وَالأَْسْوَاقِ يَزِيدُ مِنَ الْمَئُونَةِ وَالْكُلْفَةِ.
стр. 11433
مَا يَنْزِل بِأَرْبَابِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ مِنْ نَوَائِبَ
وَمُلِمَّاتٍ .
٣٤ - يَنْبَغِي لِوَاضِعِ الْخَرَاجِ أَنْ يَحْسِبَ حِسَابَ النَّوَائِبِ، وَالْمُلِمَّاتِ الَّتِي قَدْ تَنْزِل بِأَرْبَابِ الأَْرْضِ فَيَتْرُكَ لَهُمْ مِنْ غَايَةِ مَا تَحْتَمِلُهُ الأَْرْضُ نِسْبَةً مُعَيَّنَةً لِمُوَاجَهَةِ تِلْكَ النَّوَائِبِ، وَالْمُلِمَّاتِ.
كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي خَرْصِ الثِّمَارِ الْمُزَكَّاةِ حَيْثُ قَال: إِذَا خَرَصْتُمْ فَجُذُّوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا أَوْ تَجُذُّوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ (١) وَقَدْ عَلَّل النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ فِي الْمَال الْعَرِيَّةَ وَالْوَطِيَّةَ (٢) وَقَال عُمَرُ ﵁: خَفِّفُوا عَلَى النَّاسِ فِي الْخَرْصِ فَإِنَّ فِي الْمَال الْعَرِيَّةَ (٣) стр. 11434
وَالأَْكَلَةَ (١) .
وَقَدْ رَاعَى عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ ذَلِكَ التَّخْفِيفَ عِنْدَمَا وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَى أَرْضِ السَّوَادِ فَقَال: حَمَّلْنَاهَا أَمْرًا هِيَ مُطِيقَةٌ لَهُ، مَا فِيهَا كَثِيرُ فَضْلٍ (٢) فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَقَدْ تَرَكَهُ لَهُمْ. وَقَال أَيْضًا: (وَلَوْ زِدْنَا لأََطَاقَتْ (٣) .
وَقَدْ نَبَّهَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَلاَ يَسْتَقْصِي فِي وَضْعِ الْخَرَاجِ غَايَةَ مَا يَحْتَمِلُهُ، وَلْيَجْعَل مِنْهُ لأَِرْبَابِ الأَْرْضِ بَقِيَّةً يُجْبِرُونَ بِهَا النَّوَائِبَ وَالْحَوَائِجَ، حُكِيَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَخْذِ الْفَضْل مِنْ أَمْوَال السَّوَادِ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ لاَ تَكُنْ عَلَى دِرْهَمِكَ الْمَأْخُوذِ أَحْرَصَ مِنْكَ عَلَى стр. 11435
دِرْهَمِكَ الْمَتْرُوكِ، وَأَبْقِ لَهُمْ لُحُومًا يَعْقِدُونَ بِهَا شُحُومًا) . (١)
اسْتِيفَاءُ الْخَرَاجِ:
إِذَا وُضِعَ الْخَرَاجُ عَلَى أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ فَلاَ بُدَّ مِنَ اسْتِيفَائِهِ بَعْدَ حُلُول وَقْتِ الْوُجُوبِ لِيُصْرَفَ أَيْ مَصَارِفَهُ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ سَدِّ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
وَقْتُ اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ:
٣٥ - لِمَعْرِفَةِ وَقْتِ اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَقْتِ الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ - غَالِبًا - مَا يَكُونُ بَعْدَ حُلُول وَقْتِ الْوُجُوبِ.
أ - وَقْتُ وُجُوبِ الْخَرَاجِ
٣٥ م - وَقْتُ وُجُوبِ الْخَرَاجِ يَخْتَلِفُ تَبَعًا لِنَوْعِ الْخَرَاجِ الْمَفْرُوضِ عَلَى رَقَبَةِ الأَْرْضِ.
فَإِذَا كَانَ الْمَفْرُوضُ خَرَاجَ مُقَاسَمَةٍ، يَكُونُ وَقْتُ الْوُجُوبِ عِنْدَ كَمَال الزَّرْعِ وَتَصْفِيَتِهِ، وَيَتَكَرَّرُ الْوَاجِبُ بِتَكَرُّرِ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِالْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ. (٢)
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَفْرُوضُ خَرَاجَ وَظِيفَةٍ، فَلاَ يُؤْخَذُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ، وَلاَ يَتَكَرَّرُ، وَلَوِ стр. 11436
اسْتَغَلَّهَا صَاحِبُهَا فِي السَّنَةِ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَأْخُذِ الْخَرَاجَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي السَّنَةِ؛ وَلأَِنَّ رِيعَ عَامَّةِ الأَْرَاضِي يَكُونُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا يُبْنَى الْحُكْمُ عَلَى الْعَامِّ الْغَالِبِ.
وَالْوَظِيفَةُ الْمَفْرُوضَةُ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى مِسَاحَةِ الأَْرْضِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى مِسَاحَةِ الزَّرْعِ.
فَإِذَا كَانَتْ عَلَى مِسَاحَةِ الأَْرْضِ، فَيَجِبُ الْخَرَاجُ عِنْدَ نِهَايَةِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا السَّنَةُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا.
وَإِذَا كَانَتْ عَلَى مِسَاحَةِ الزَّرْعِ فَيَجِبُ الْخَرَاجُ عِنْدَ نِهَايَةِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ؛ لأَِنَّهَا السَّنَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا الأَْمْطَارُ وَيُزْرَعُ الزَّرْعُ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ خَرَاجَ الْوَظِيفَةِ يَجِبُ عِنْدَ نِهَايَةِ السَّنَةِ، الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (١)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ فِي أَوَّل السَّنَةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ بَقَاءِ الأَْرْضِ النَّامِيَةِ فِي يَدِهِ سَنَةً، إِمَّا حَقِيقَةً، وَإِمَّا تَقْدِيرًا، وَيَأْخُذُهُ الإِْمَامُ عِنْدَ بُلُوغِ الْغَلَّةِ. (٢) стр. 11437
ب - تَعْجِيل الْخَرَاجِ:
٣٦ - الْمَقْصُودُ بِتَعْجِيل الْخَرَاجِ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْل حُلُول وَقْتِ وُجُوبِهِ. فَهَل يَجُوزُ لِلإِْمَامِ مُطَالَبَةُ أَهْل الذِّمَّةِ بِالْخَرَاجِ قَبْل حُلُول وَقْتِهِ؟
أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ تَعْجِيل الْخَرَاجِ لِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ؛ لأَِنَّ سَبَبَهُ الأَْرْضُ النَّامِيَةُ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ الأُْجْرَةِ عَلَى الأَْرْضِ؛ وَلأَِنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ عُجِّل رِفْقًا فَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَجَلِهِ كَالدَّيْنِ (١) .
وَمُقْتَضَى قِيَاسِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ جَوَازُ تَعْجِيلِهِ لِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ عِنْدَهُمْ أُجْرَةٌ، وَالأُْجْرَةُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ.
وَلَوْ تَعَجَّل الإِْمَامُ الْخَرَاجَ قَبْل وُجُوبِهِ ثُمَّ انْقَطَعَ وُجُوبُهُ فَهَل يَرُدُّ الإِْمَامُ مَا أَخَذَهُ إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ؟
فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الْمَأْخُوذُ قَدْ صُرِفَ، وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ بَاقِيًا. فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا رَدَّهُ الإِْمَامُ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ صُرِفَ فَلاَ شَيْءَ لَهُ، كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ لأَِنَّ مَذْهَبَهُمْ فِي الْخَرَاجِ أَنَّهُ صِلَةٌ وَاجِبَةٌ بِاعْتِبَارِ الأَْرْضِ. (٢) стр. 11438
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى رَدِّهِ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ مُطْلَقًا - أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ بَاقِيًا أَوْ قَدْ صُرِفَ - لأَِنَّهُ أُجْرَةٌ مَحْضَةٌ، وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ لِيَقَعَ نَفْلاً. (١)
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الرَّدَّ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْخَرَاجَ عِنْدَهُمْ أُجْرَةٌ. وَلَمْ نَجِدْ نَصًّا لَهُمْ بِذَلِكَ.
ج - تَأْخِيرُ الْخَرَاجِ:
٣٧ - إِذَا تَأَخَّرَ صَاحِبُ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا.
فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَمَطَل حُبِسَ بِهِ، إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ لَهُ مَالٌ فَيُبَاعُ فِي خَرَاجِهِ كَالْمَدْيُونِ. وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ غَيْرُ أَرْضِ الْخَرَاجِ فَيُتْرَكُ الأَْمْرُ لِلإِْمَامِ، إِمَّا أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الْخَرَاجِ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَجِّرَهَا عَلَيْهِ، وَيَسْتَوْفِيَ الْخَرَاجَ مِنْ أُجْرَتِهَا وَيَرُدَّ الْبَاقِيَ إِلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ. وَإِنْ نَقَصَتِ الأُْجْرَةُ عَنِ الْخَرَاجِ كَانَ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ نُقْصَانُهَا. (٢)
وَإِذَا كَانَ صَاحِبُ الأَْرْضِ مُعْسِرًا وَجَبَ إِنْظَارُهُ وَيَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَلاَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْخَرَاجُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَالصَّاحِبَيْنِ стр. 11439
مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١) ، وَلأَِنَّ الْخَرَاجَ أُجْرَةٌ لِلأَْرْضِ، وَالأُْجْرَةُ لاَ تَسْقُطُ بِالإِْعْسَارِ كَأُجْرَةِ الدَّارِ وَالْحَوَانِيتِ. (٢)
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ بِالإِْعْسَارِ كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ، لأَِنَّهُ صِلَةٌ وَاجِبَةٌ بِاعْتِبَارِ الأَْرْضِ - أَيْ لَيْسَ بَدَلاً عَنْ شَيْءٍ (٣) - وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِكِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ رَأْيَهُمْ مُوَافِقٌ لِرَأْيِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي أَنَّ خَرَاجَ الأَْرْضِ أُجْرَةٌ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُمْ نَصًّا فِي ذَلِكَ.
الشَّخْصُ الَّذِي يُسْتَوْفَى مِنْهُ الْخَرَاجُ:
٣٨ - الْمُطَالَبُ بِالْخَرَاجِ هُوَ مَنْ بِيَدِهِ الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِيَدِهِ ابْتِدَاءً أَمِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ. (٤)
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِمُطَالَبَةِ الْمُشْتَرِي بِالْخَرَاجِ، أَنْ تَبْقَى الأَْرْضُ فِي يَدِهِ مُدَّةً يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالزِّرَاعَةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَقَدَّرُوا هَذِهِ الْمُدَّةَ стр. 11440
بِثَلاَثَةِ أَشْهُرٍ. وَلِذَلِكَ قَالُوا: إِذَا بَاعَ رَجُلٌ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً مِنْ غَيْرِهِ، فَبَاعَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ غَيْرِهِ بَعْدَ شَهْرٍ، ثُمَّ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي الثَّانِي مِنْ غَيْرِهِ كَذَلِكَ حَتَّى مَضَتِ السَّنَةُ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الأَْرْضُ فِي مِلْكِ أَحَدِهِمْ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، لاَ خَرَاجَ عَلَى أَحَدٍ. (١)
وَإِذَا آجَرَ مَنْ بِيَدِهِ الأَْرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ أَرْضَهُ، أَوْ أَعَارَهَا، أَوْ أَعْطَاهَا مُزَارَعَةً، فَخَرَاجُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ أَوِ الْمُعِيرِ، لاَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ يَتَعَلَّقُ بِنَمَاءِ الأَْرْضِ وَهُوَ لِلْمَالِكِ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ أَوِ الْمُؤَجِّرُ مِنَ الأُْجْرَةِ عِوَضٌ عَنْ ذَلِكَ النَّمَاءِ، أَوِ الْمَنْفَعَةِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الأَْرْضِ. فَلاَ يَكُونُ النَّفْعُ لَهُ وَالْخَرَاجُ عَلَى غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ الْمُسْتَعِيرُ إِنَّمَا دَخَل عَلَى أَنْ يَنْتَفِعَ بِالأَْرْضِ مَجَّانًا فَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ. (٢)
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ إِلَى أَنَّ الْخَرَاجَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْمُسْتَعِيرِ قِيَاسًا عَلَى الْعُشْرِ؛ وَلأَِنَّ الْخَرَاجَ مِنْ تَمَامِ تُرْبَةِ الأَْرْضِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّقْيِ وَالْحَرْثِ، وَتَهْيِئَتِهَا لِلزِّرَاعَةِ؛ وَلأَِنَّ стр. 11441
الْمُسْتَأْجِرَ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِالأَْرْضِ حَقِيقَةً. (١)
وَإِذَا غَصَبَ الأَْرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ غَاصِبٌ، فَإِمَّا أَنْ يُعَطِّلَهَا عَنِ الزِّرَاعَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَزْرَعَهَا وَيَسْتَغِلَّهَا. فَإِذَا عَطَّلَهَا عَنِ الزِّرَاعَةِ فَلاَ خَرَاجَ عَلَى أَحَدٍ، وَإِذَا زَرَعَهَا الْغَاصِبُ وَاسْتَغَلَّهَا، فَإِمَّا أَنْ تُنْقِصَهَا الزِّرَاعَةُ، وَإِمَّا أَنْ لاَ تُنْقِصَهَا، فَإِذَا لَمْ تُنْقِصْهَا الزِّرَاعَةُ فَيَجِبَ خَرَاجُهَا عَلَى الْغَاصِبِ.
وَإِذَا نَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ، يَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَى صَاحِبِ الأَْرْضِ؛ لأَِنَّ الْغَاصِبَ ضَامِنٌ لِلنَّقْصِ، وَلَمَّا كَانَ ضَامِنًا لِلنَّقْصِ صَارَ كَالْمُسْتَأْجِرِ.
هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ: يُنْظَرُ إِلَى ضَمَانِ نُقْصَانِ الأَْرْضِ وَإِلَى الْخَرَاجِ. فَإِنْ كَانَ ضَمَانُ النُّقْصَانِ أَكْثَرَ مِنَ الْخَرَاجِ، فَالْخَرَاجُ عَلَى رَبِّ الأَْرْضِ. فَيَأْخُذُ مِنَ الْغَاصِبِ غَرَامَةَ النُّقْصَانِ وَيُؤَدِّي الْخَرَاجَ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ ضَمَانُ النُّقْصَانِ أَقَل مِنَ الْخَرَاجِ، فَالْخَرَاجُ عَلَى الْغَاصِبِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ النُّقْصَانِ. (٢)
وَيُؤْخَذُ مِنْ نُصُوصِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي تَضْمِينِ الْغَاصِبِ أُجْرَةَ الأَْرْضِ الْمُؤَجَّرَةِ، وَمِنْ قَوَاعِدِهِمْ فِي ضَمَانِ الْمَنَافِعِ، أَنَّ стр. 11442
غَاصِبَ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ يَضْمَنُ الْخَرَاجَ، لأَِنَّ الْخَرَاجَ بِمَنْزِلَةِ الأُْجْرَةِ. (١)
مَنْ لَهُ حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ:
٣٩ - قَرَّرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْخَارِجَ مِنَ الأَْمْوَال الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَوَلَّى أَمْرَهَا الأَْئِمَّةُ وَالسَّلاَطِينُ. فَالإِْمَامُ هُوَ الَّذِي يُقَدِّرُ الْخَرَاجَ ابْتِدَاءً، وَيُطَالِبُ بِهِ، وَيُقَرِّرُ صَرْفَهُ وَفْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْمَامَ وَكِيلٌ عَنِ الأُْمَّةِ فِي اسْتِيفَاءِ حُقُوقِهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَفِي تَدْبِيرِ شُؤُونِهَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ: الأَْمْوَال الَّتِي لِلأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ فِيهَا مَدْخَلٌ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: مَا أُخِذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى طَرِيقِ التَّطْهِيرِ لَهُمْ كَالصَّدَقَاتِ وَالزَّكَوَاتِ.
وَالثَّانِي: الْغَنَائِمُ وَمَا يَحْصُل فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكَافِرِينَ بِالْحَرْبِ، وَالْقَهْرِ، وَالْغَلَبَةِ.
وَالثَّالِثُ: الْفَيْءُ وَهُوَ مَا رَجَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَال الْكُفَّارِ عَفْوًا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَلاَ إِيجَافٍ، كَالصُّلْحِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالْخَرَاجِ، وَالْعُشُورِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ تُجَّارِ الْكُفَّارِ. (٢)
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَالْمُطَالِبُ بِالْخَرَاجِ هُوَ الإِْمَامُ، وَيَجِبُ عَلَى أَرْبَابِ الأَْرْضِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، стр. 11443
لأَِنَّ مَصْرِفَ الْخَرَاجِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ.
دَفْعُ الْخَرَاجِ إِلَى أَئِمَّةِ الْعَدْل:
٤٠ - الإِْمَامُ الْعَادِل: هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ، وَقَامَ بِتَدْبِيرِ شُؤُونِ الأُْمَّةِ وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ ، فَإِذَا طَلَبَ مِنْ ذَوِي الأَْمْوَال مَالاً لاَ يَطْلُبُهُ إِلاَّ بِحَقٍّ، وَإِذَا قَسَمَ أَمْوَالاً عَامَّةً قَسَمَهَا وَفْقَ شَرْعِ اللَّهِ، وَحَسَبَ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ، كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ. (١)
وَقَال أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذَا الْمَال بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ (٢) فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قَال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)
فَإِذَا طَلَبَ الإِْمَامُ الْعَادِل الْخَرَاجَ مِنْ أَرْبَابِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَجَبَ عَلَيْهِمُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ تَوْزِيعُ خَرَاجِ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَدَّى شَخْصٌ الْخَرَاجَ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ بِنَفْسِهِ فَلِلإِْمَامِ أَخْذُهُ مِنْهُ ثَانِيًا، لأَِنَّ حَقَّ الأَْخْذِ لَهُ. стр. 11444
أَمَّا إِذَا تَعَذَّرَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ فَعَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. (١)
دَفْعُ الْخَرَاجِ إِلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ:
٤١ - الإِْمَامُ الْجَائِرُ: هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِتَدْبِيرِ شُؤُونِ الأُْمَّةِ وَفْقَ هَوَاهُ، فَيَقَعُ مِنْهُ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ عَلَى النَّاسِ.
فَإِذَا طَلَبَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ الْخَرَاجَ مِنْ أَرْبَابِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ دَفْعُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ، وَإِذَا أَدَّوْا إِلَيْهِ الْخَرَاجَ سَقَطَ عَنْهُمْ وَلاَ يُطَالَبُونَ بِهِ مِنْ قِبَل أَئِمَّةِ الْعَدْل. (٢)
قَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا سَلاَطِينُ زَمَانِنَا الَّذِينَ أَخَذُوا الصَّدَقَاتِ، وَالْعُشُورَ، وَالْخَرَاجَ، لاَ يَضَعُونَهَا مَوَاضِعَهَا فَهَل تَسْقُطُ هَذِهِ الْحُقُوقُ عَنْ أَرْبَابِهَا؟ .
اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، ذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: أَنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَإِنْ كَانُوا لاَ يَضَعُونَهَا فِي أَهْلِهَا؛ لأَِنَّ حَقَّ الأَْخْذِ لَهُمْ فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ بِأَخْذِهِمْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا فَالْوَبَال عَلَيْهِمْ. стр. 11445
وَقَال الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ سَعِيدٍ: إِنَّ الْخَرَاجَ يَسْقُطُ، وَلاَ تَسْقُطُ الصَّدَقَاتُ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ يُصْرَفُ إِلَى الْمُقَاتِلَةِ، وَهُمْ يَصْرِفُونَ إِلَى الْمُقَاتِلَةِ وَيُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ الْعَدُوُّ، فَإِنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ وَيَذُبُّونَ عَنْ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَّا الزَّكَوَاتُ وَالصَّدَقَاتُ فَإِنَّهُمْ لاَ يَضَعُونَهَا فِي أَهْلِهَا " (١) وَاسْتَدَلُّوا لِوُجُوبِ طَاعَةِ الإِْمَامِ الْجَائِرِ، فِيمَا يَجُوزُ مِنْ أَمْرِهِ كَطَلَبِ الْخَرَاجِ، بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيل تَسُوسُهُمُ الأَْنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي. وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَقَال: أَوْفُوا بِبَيْعَةِ الأَْوَّل فَالأَْوَّل، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ. (٢)
قَال الشَّوْكَانِيُّ - فِي بَيَانِ مَعْنَى " ثُمَّ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ ": - أَيِ ادْفَعُوا إِلَى الأُْمَرَاءِ حَقَّهُمُ الَّذِي لَهُمُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَقَبْضُهُ، سَوَاءٌ كَانَ يَخْتَصُّ بِهِمْ أَمْ يَعُمُّ، وَذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، كَالزَّكَاةِ، وَفِي الأَْنْفُسِ كَالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ. (٣)
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ стр. 11446
كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَال: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ. (١)
دَفْعُ الْخَرَاجِ إِلَى الْبُغَاةِ:
٤٢ - الْبُغَاةُ: هُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الإِْمَامَ مُتَأَوِّلِينَ كَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ، وَالَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الإِْمَامِ، أَوْ يَمْتَنِعُونَ عَنِ الدُّخُول فِي طَاعَتِهِ، أَوْ يَمْنَعُونَ حَقًّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ كَالزَّكَاةِ وَشَبَهِهَا فَيَدْعُونَ إِلَى الرُّجُوعِ لِلْحَقِّ (٢) .
فَإِذَا غَلَبَ أَهْل الْبَغْيِ عَلَى بَلَدٍ، وَنَصَّبُوا إِمَامًا فَجَبَى الْخَرَاجَ مِنْ أَرْبَابِ الأَْرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ، فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ، وَسَقَطَ عَنْهُمْ وَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِهِ إِمَامُ أَهْل الْعَدْل مَرَّةً ثَانِيَةً، عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ، مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْل الْبَصْرَةِ لَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا جُبِيَ مِنْهُمْ. وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ احْتِسَابِهِ ضَرَرًا عَظِيمًا، وَمَشَقَّةً كَبِيرَةً فَإِنَّ الْبُغَاةَ قَدْ يَغْلِبُونَ عَلَى الْبِلاَدِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ فَلَوْ لَمْ يُحْتَسَبْ ذَلِكَ لأََدَّى إِلَى ثَنْيِ الْوَاجِبِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ وَلأَِنَّ حَقَّ الإِْمَامِ فِي الْجِبَايَةِ مَرْهُونٌ بِالْحِمَايَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ عِنْدَ تَغَلُّبِ الْبُغَاةِ عَلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ. (٣) стр. 11447
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الْخَرَاجَ الإِْعَادَةُ؛ لأَِنَّهُ أَعْطَاهُ إِلَى مَنْ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهَا آحَادُ الرَّعِيَّةِ غَصْبًا. (١)
دَفْعُ الْخَرَاجِ إِلَى الْمُحَارِبِينَ " قُطَّاعِ الطَّرِيقِ ":
٤٣ - الْمُحَارِبُونَ: هُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلاَحِ، فَيَغْصِبُونَ الْمَال مُجَاهَرَةً، أَوْ يَقْتُلُونَ، أَوْ يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ (٢) .
فَإِذَا أَخَذَ الْمُحَارِبُونَ الْخَرَاجَ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مَوْقِعَهُ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمُ الْخَرَاجُ بِأَدَائِهِ إِلَى الْمُحَارِبِينَ، لأَِنَّهُ كَالْمَأْخُوذِ غَصْبًا. (٣)
طُرُقُ اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ:
الطَّرِيقَةُ الأُْولَى - الْعِمَالَةُ عَلَى الْخَرَاجِ:
٤٤ - تَعْيِينُ عَامِل الْخَرَاجِ مِنَ اخْتِصَاصَاتِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَيَكُونُ هَذَا الْعَامِل بِهَذَا التَّعْيِينِ стр. 11448
وَكِيلاً عَنِ الإِْمَامِ فِي اسْتِيفَاءِ الْخَرَاجِ وَقَبْضِهِ، فَتَكُونُ جِبَايَتُهُ لِلْخَرَاجِ مُحَدَّدَةً بِمَا رَسَمَهُ لَهُ الإِْمَامُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَقْسِيمُ مَا جَبَاهُ مِنْ أَمْوَال الْخَرَاجِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْمْوَال لاَ تُصْرَفُ إِلاَّ بِاجْتِهَادِ الإِْمَامِ.
وَعَامِل الْخَرَاجِ - بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَكِيلٌ - أَمِينٌ إِذَا أَدَّى الأَْمَانَةَ فَلاَ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ وَلاَ يَمْلِكُ الزِّيَادَةَ. (١)
شُرُوطُ تَعْيِينِ عَامِل الْخَرَاجِ:
يُشْتَرَطُ فِي عَامِل الْخَرَاجِ: الإِْسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالأَْمَانَةُ، وَالْكِفَايَةُ، وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
١ - الإِْسْلاَمُ:
٤٥ - عَامِل الْخَرَاجِ قَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِتَقْدِيرِ الْخَرَاجِ وَوَضْعِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِجِبَايَتِهِ وَنَقْلِهِ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ إِلَى بَيْتِ الْمَال.
فَإِذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِوَضْعِ الْخَرَاجِ وَتَقْدِيرِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الإِْسْلاَمُ؛ لأَِنَّ هَذَا الْعَمَل وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الأَْمَانَةِ.
وَلِذَا فَلاَ يُوَلَّى الذِّمِّيُّ تَقْدِيرَ الْخَرَاجِ، وَوَضْعِهِ، عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
قَال أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي стр. 11449
أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - يُسْتَعْمَل الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي أَعْمَال الْمُسْلِمِينَ مِثْل الْخَرَاجِ؟ قَال: لاَ يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآْيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . (٢)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآْيَةِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْيَهُودِ، وَأَهْل الأَْهْوَاءِ دُخَلاَءَ، وَوُلَجَاءَ، يُفَاوِضُونَهُمْ فِي الآْرَاءِ، وَيَسْنُدُونَ إِلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ. (٣)
وَقَال إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: فِي الآْيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِعَانَةُ بِأَهْل الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. (٤)
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: قِيل لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: إِنَّ هَاهُنَا غُلاَمًا مِنْ أَهْل الْحِيرَةِ نَصْرَانِيًّا كَاتِبًا، فَلَوِ اتَّخَذْتُهُ كَاتِبًا، فَقَال: قَدِ اتَّخَذْتُ إِذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (٥) . стр. 11450
عَقَّبَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى هَذَا الأَْثَرِ بِقَوْلِهِ: فَفِي هَذَا الأَْثَرِ مَعَ هَذِهِ الآْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ لاَ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمْ فِي الْكِتَابَةِ الَّتِي فِيهَا اسْتِطَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاطِّلاَعٌ عَلَى دَوَاخِل أُمُورِهِمُ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشُوهَا إِلَى الأَْعْدَاءِ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، وَلِهَذَا قَال تَعَالَى: ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ . (١)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ (٢) أَيْ لاَ تَسْتَنْصِحُوهُمْ، وَلاَ تَسْتَضِيئُوا بِرَأْيِهِمْ.
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ أَنَّهُ أَرْسَل إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ﵁ خِطَابًا جَاءَ فِيهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ فِي عَمَلِي كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا لاَ يَتِمُّ أَمْرُ الْخَرَاجِ إِلاَّ بِهِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُقَلِّدَهُ دُونَ أَمْرِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، قَرَأْتُ كِتَابَكَ فِي أَمْرِ النَّصْرَانِيِّ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّصْرَانِيَّ قَدْ مَاتَ وَالسَّلاَمُ (٣) .
وَقَدْ سَارَ الْخُلَفَاءُ الَّذِينَ لَهُمْ ثَنَاءٌ حَسَنٌ فِي الأُْمَّةِ عَلَى نَهْجِ عُمَرَ ﵁ فِي اسْتِبْعَادِ следующие страницы →