← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

مُبَاحَةٌ لاَ عِصْمَةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلِلْمُسْلِمِينَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِشَتَّى الطُّرُقِ، لأَِنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنْ ذَكَرُوا حَالاَتٍ تُثْبِتُ لأَِنْفُسِهِمْ وَلأَِمْوَالِهِمُ الْعِصْمَةَ وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، مِنْهَا: ١٣ - أ - إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ بِأَسْرٍ، وَائْتَمَنُوهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يَحِل لَهُ خِيَانَتُهُمْ فِي شَيْءٍ، لأَِنَّهُمْ أَعْطَوْهُ الأَْمَانَ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ، وَأَمْنِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، فَلَمْ يَحِل لَهُ خِيَانَتُهُمْ، لأَِنَّهُ غَدْرٌ، وَلاَ يَصْلُحُ الْغَدْرُ فِي الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْهُمْ شَيْئًا أَوْ غَصَبَ، وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَإِلاَّ بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِمْ، لأَِنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ فَلَزِمَهُ رَدُّهُ، كَمَا لَوْ أَخَذَ مَال مُسْلِمٍ (١) . وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ حُقِنَ دَمُهُ، وَأَحْرَزَ مَالَهُ وَأَوْلاَدَهُ الصِّغَارَ مِنَ السَّبْيِ، فَإِذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا اقْتُصَّ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي عِصْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ وَمَالِهِ

стр. 12322

أَيْنَمَا كَانَ وَحَيْثُ وُجِدَ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ خَطَأً فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِلاَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْخَطَأِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢) وَلَمْ يَذْكُرِ الدِّيَةَ. وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (قَتْل عَمْدٍ) . أَمَّا أَوْلاَدُهُ الصِّغَارُ فَأَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ تَبَعًا لَهُ أَمَّا مَالُهُ فَمَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ مَنْقُولٍ فَهُوَ لَهُ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ بِيَدِ مُسْلِمٍ وَدِيعَةً، أَوْ بِيَدِ ذِمِّيٍّ فَهُوَ لَهُ، لأَِنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ فَكَانَ مَعْصُومًا. أَمَّا الْعَقَارُ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ فَهِيَ غَنِيمَةٌ، لأَِنَّهَا بُقْعَةٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ فَجَازَ اغْتِنَامُهَا (٣) . ١٤ - ب - وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ خَرَجَ إِلَيْهَا، وَلَهُ أَوْلاَدٌ صِغَارٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ صَارُوا مُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَجُزْ سَبْيُهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَقَالُوا: إِنَّهُمْ أَوْلاَدُ مُسْلِمٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَتْبَعُوهُ فِي الإِْسْلاَمِ كَمَا لَوْ كَانُوا

стр. 12323

مَعَهُ فِي الدَّارِ، وَلأَِنَّ مَالَهُ مَال مُسْلِمٍ فَلاَ يَجُوزُ اغْتِنَامُهُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَهَاجَرَ إِلَيْنَا ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ، فَأَمْوَالُهُ فَيْءٌ، إِلاَّ مَا كَانَ فِي يَدِ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَدِيعَةً. وَإِنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَجَمِيعُ أَمْوَالِهِ وَأَوْلاَدِهِ الصِّغَارِ فَيْءٌ، لأَِنَّ اخْتِلاَفَ الدَّارِ يَمْنَعُ التَّبَعِيَّةَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ فَأَصَابَ مَالاً، ثُمَّ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الدَّارِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الَّذِي أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا (٣) . التِّجَارَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ: ١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلتَّاجِرِ أَنْ يَحْمِل إِلَى دَارِ الْحَرْبِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى الْحَرْبِ، كَالسِّلاَحِ بِأَنْوَاعِهِ، وَالسُّرُوجِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، وَكُل مَا مِنْ شَأْنِهِ تَقْوِيَتِهِمْ فِي الْحَرْبِ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِمْدَادَهُمْ وَإِعَانَتَهُمْ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْحَرْبِيِّ

стр. 12324

إِذَا دَخَل دَارَ الإِْسْلاَمِ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلاَحًا، وَإِذَا اشْتَرَى لاَ يُمَكَّنُ مِنْ إِدْخَالِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ (١) . أَمَّا الاِتِّجَارُ بِغَيْرِ السِّلاَحِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لاَ يُسْتَخْدَمُ فِي الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ، كَالثِّيَابِ، وَالطَّعَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لاِنْعِدَامِ عِلَّةِ الْمَنْعِ مِنَ الْبَيْعِ. إِلاَّ أَنْ يَحْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلْعَةِ فَلاَ يُحْمَل إِلَيْهِمْ، وَجَرَتِ الْعَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ التُّجَّارِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْخُلُونَ دَارَ الْحَرْبِ لِلتِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَلاَ إِنْكَارَ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّ الأَْفْضَل أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ، لأَِنَّهُمْ يَسْتَخِفُّونَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْكَفُّ وَالإِْمْسَاكُ عَنِ الدُّخُول فِي دَارِهِمْ مِنْ بَابِ صِيَانَةِ النَّفْسِ عَنِ الْهَوَانِ، وَالدِّينِ عَنِ الزَّوَال (٢) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ الْمُتَاجَرَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى بِلاَدِهِمْ حَيْثُ تَجْرِي أَحْكَامُ الْكُفْرِ عَلَيْهِ (٣) . أَثَرُ اخْتِلاَفِ الدَّارِ فِي أَحْكَامِ الأُْسْرَةِ وَالتَّوَارُثِ: ١٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ يَرِثُ

стр. 12325

الْمُسْلِمَ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالآْخَرُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَوَارُثِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الدَّارِ. (ر: اخْتِلاَفُ الدَّارِ) .

стр. 12326

دَارُ الْعَهْدِ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الْعَهْدِ فِي اللُّغَةِ: الأَْمَانُ، وَالذِّمَّةُ، وَالْيَمِينُ، وَالْحِفَاظُ، وَرِعَايَةُ الْحُرْمَةِ، وَكُل مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَوَاثِيقِ فَهُوَ عَهْدٌ (١) . وَدَارُ الْعَهْدِ هِيَ: كُل بَلَدٍ صَالَحَ الإِْمَامُ أَهْلَهَا عَلَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَْرْضُ لَهُمْ، وَلِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجُ عَنْهَا (٢) . وَتُسَمَّى دَارَ الْمُوَادَعَةِ، وَدَارَ الصُّلْحِ، وَدَارَ الْمُعَاهَدَةِ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - دَارُ الْحَرْبِ: ٢ - دَارُ الْحَرْبِ هِيَ كُل بُقْعَةٍ تَكُونُ أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ كُل مَكَانٍ يَسْكُنُهُ غَيْرُ

стр. 12327

الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَسْبِقْ فِيهِ حُكْمٌ إِسْلاَمِيٌّ، أَوْ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ قَطُّ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ (١) . فَدَارُ الْعَهْدِ أَخَصُّ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لِوُجُودِ الْمَوَاثِيقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْلِهَا، فَلِذَا اخْتَصَّتْ عَنْ دَارِ الْحَرْبِ بِأَحْكَامٍ سَيَأْتِي بَيَانُهَا. ب - دَارُ الإِْسْلاَمِ: ٣ - دَارُ الإِْسْلاَمِ هِيَ كُل بَلَدٍ أَوْ إِقْلِيمٍ تَظْهَرُ فِيهِ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ (٢) . ج - دَارُ الْبَغْيِ: ٤ - دَارُ الْبَغْيِ هِيَ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْحَازُ إِلَيْهِ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الإِْمَامِ بِتَأْوِيلٍ، وَغَلَبُوا عَلَيْهِ. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَارِ الْعَهْدِ: ٥ - يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الإِْمَامُ مَعَ أَهْل الْحَرْبِ عَهْدًا لِلْمَصْلَحَةِ يَتْرُكُ بِمُوجَبِهِ الْقِتَال مُدَّةً بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَتَكُونُ تِلْكَ الدَّارُ دَارَ عَهْدٍ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (هُدْنَةٌ) . وَقَسَّمَ الْفُقَهَاءُ عَقْدَ الصُّلْحِ مَعَ أَهْل الْحَرْبِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

стр. 12328

أ - قِسْمٌ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَْرَاضِي لَنَا، وَنُقِرُّهَا بِأَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ لَنَا. فَهَذَا الصُّلْحُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ أُجْرَةً لاَ يَسْقُطُ بِإِسْلاَمِهِمْ، وَيُؤْخَذُ خَرَاجُهَا إِذَا انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ، وَهُمْ يَصِيرُونَ أَهْل عَهْدٍ. وَالدَّارُ دَارُ إِسْلاَمٍ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيهَا بِالْبَيْعِ، أَوِ الرَّهْنِ، فَإِنْ دَفَعُوا الْجِزْيَةَ عَنْ رِقَابِهِمْ جَازَ إِقْرَارُهُمْ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْجِزْيَةَ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهَا، وَلَمْ يُقَرُّوا فِيهَا إِلاَّ الْمُدَّةَ الَّتِي يُقَرُّ فِيهَا أَهْل الْهُدْنَةِ (١) . ب - وَقِسْمٌ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ لَهُمْ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، وَالْخَرَاجُ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا يَسْقُطُ عَنْهُمْ، وَلاَ تَصِيرُ الدَّارُ دَارَ إِسْلاَمٍ، وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ وَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَرَهْنُهَا، وَإِذَا انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا، وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ، وَلاَ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، لأَِنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلَهُمْ إِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ فِيهَا، لأَِنَّ الأَْرْضَ لَهُمْ وَلَيْسَتْ دَارَ إِسْلاَمٍ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا، وَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ فِيهَا كَالْخَمْرِ،

стр. 12329

وَالْخِنْزِيرِ، وَضَرْبِ النَّاقُوسِ، وَلاَ يُمْنَعُونَ إِلاَّ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَإِيوَاءِ جَاسُوسٍ، وَنَقْل أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الأَْعْدَاءِ، وَسَائِرِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا عُقِدَ الْعَهْدُ مَعَ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْ تُجْرَى فِي دَارِهِمْ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ صَارَتْ دَارُهُمْ بِالصُّلْحِ دَارَ إِسْلاَمٍ، وَصَارُوا أَهْل ذِمَّةٍ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، وَإِذَا طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْمُوَادَعَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْخَرَاجَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ لاَ تَجْرِيَ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ فِي دَارِهِمْ لَمْ يُقْبَل مِنْهُمْ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا رَأَى الإِْمَامُ مَصْلَحَةً فِي عَقْدِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ جَازَ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ ضَرُورَةُ الاِسْتِعْدَادِ لِلْقِتَال بِأَنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَبِالْكَفَرَةِ قُوَّةُ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَلاَ تَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، لأَِنَّ الْمُوَادَعَةَ تَرْكُ الْقِتَال الْمَفْرُوضِ، فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ فِي حَالٍ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى الْقِتَال، لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ قِتَالاً مَعْنًى، قَال اللَّهُ ﵎: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ (٢) وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لاَ بَأْسَ بِهِ، لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا

стр. 12330

لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ﴾ (١) وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَادَعَ أَهْل مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ تُوضَعَ الْحَرْبُ عَشْرَ سِنِينَ. (٢) وَلاَ يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِْمَامِ بِالْمُوَادَعَةِ، حَتَّى لَوْ وَادَعَهُمْ فَرِيقٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ جَازَتْ مُوَادَعَتُهُمْ، لأَِنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ كَوْنُ عَقْدِ الْمُوَادَعَةِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ (٣) . وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَخْرُجُونَ بِهَذِهِ الْمُوَادَعَةِ مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْل حَرْبٍ، فَإِذَا صَالَحَهُمْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحَاطَ مَعَ الْجَيْشِ بِبِلاَدِهِمْ فَمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ عَلَى الصُّلْحِ يَكُونُ غَنِيمَةً يُخَمِّسُهَا، وَيَقْسِمُ الْبَاقِي عَلَى الْجَيْشِ، لأَِنَّهُ تَوَصَّل إِلَيْهِ بِقُوَّةِ السَّيْفِ، فَإِنْ لَمْ يَنْزِل بِسَاحَتِهِمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ وَطَلَبُوا مِنْهُ الْمُوَادَعَةَ بِالْمَال، فَمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْجِزْيَةِ، لاَ خُمُسَ فِيهِ، بَل يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْجِزْيَةِ. الأَْمَانُ لأَِهْل دَارِ الْعَهْدِ: ٦ - يَمْنَعُ الإِْمَامُ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ مِنْ إِيذَاءِ أَهْل دَارِ الْعَهْدِ وَالتَّعَرُّضِ لَهُمْ، لأَِنَّهُمْ اسْتَفَادُوا الأَْمَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ بِالْمُوَادَعَةِ، أَمَّا إِنْ

стр. 12331

أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الدِّفَاعُ عَنْهُمْ، لأَِنَّهُمْ بِهَذَا الْعَهْدِ " الْمُوَادَعَةِ " مَا خَرَجُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا أَهْل حَرْبٍ، لأَِنَّهُمْ لَمْ يَنْقَادُوا لِحُكْمِ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُمْ (١) . وَهَذَا الْعَهْدُ أَوِ الْمُوَادَعَةُ: عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ مُحْتَمِلٌ لِلنَّقْضِ، فَلِلإِْمَامِ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢) أَمَّا إِذَا وَقَعَ عَلَى أَنْ تَجْرِيَ فِي دَارِهِمْ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ فَهُوَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، لاَ يَحْتَمِل النَّقْضَ مِنَّا، لأَِنَّ الْعَهْدَ الْوَاقِعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَقْدُ ذِمَّةٍ. وَالدَّارُ دَارُ إِسْلاَمٍ يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الإِْسْلاَمِ (٣) . فَإِنْ نَقَضُوا الصُّلْحَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ مَعَهُمْ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ دَارَهُمْ تَصِيرُ دَارَ حَرْبٍ، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ فِي دَارِهِمْ مُسْلِمٌ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَبْقَى دَارُهُمْ دَارَ إِسْلاَمِ يَجْرِي عَلَى أَهْلِهَا حُكْمُ الْبُغَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مُسْلِمٌ وَلاَ بَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَتَكُونُ دَارَ حَرْبٍ (٤) .

стр. 12332

وَإِذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَكَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِدَارِنَا يُبَلَّغُ مَأْمَنَهُ، أَيْ مَا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَّا وَمِنْ أَهْل الْعَهْدِ، ثُمَّ كَانُوا حَرْبًا لَنَا (١) .

стр. 12333

دَالِيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - مِنْ مَعَانِي الدَّالِيَةِ فِي اللُّغَةِ: الدَّلْوُ وَنَحْوُهَا، وَخَشَبٌ يُصْنَعُ كَهَيْئَةِ الصَّلِيبِ، وَيُشَدُّ بِرَأْسِ الدَّلْوِ، ثُمَّ يُؤْخَذُ حَبْلٌ يُرْبَطُ طَرَفُهُ بِذَلِكَ، وَطَرَفُهُ بِجِذْعٍ قَائِمٍ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ وَيُسْقَى بِهَا، فَهِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ، وَالْجَمْعُ: الدَّوَالِي (١) . وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِالْمَعْنَى نَفْسِهِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: السَّانِيَةُ: ٢ - السَّانِيَةُ: الدَّلْوُ الْكَبِيرَةُ تُنْصَبُ عَلَى الْمَسْنَوِيَّةِ، ثُمَّ تَجُرُّهُ الْمَاشِيَةُ ذَاهِبَةً وَرَاجِعَةً، وَالسَّانِيَةُ أَيْضًا النَّاضِحَةُ، وَهِيَ النَّاقَةُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا (٣) .

стр. 12334

النَّاعُورَةُ: ٣ - النَّاعُورَةُ وَاحِدَةُ النَّوَاعِيرِ الَّتِي يُسْتَقَى بِهَا يُدِيرُهَا الْمَاءُ وَلَهَا صَوْتٌ (١) . فَالدَّالِيَةُ، وَالسَّانِيَةُ، وَالنَّاعُورَةُ وَسَائِل رَفْعِ الْمَاءِ إِلَى الأَْرْضِ (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - زَكَاةُ مَا سُقِيَ بِالدَّالِيَةِ: كُل مَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ مِنْ دَالِيَةٍ، أَوْ سَانِيَةٍ، أَوْ دُولاَبٍ، أَوْ نَاعُورَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ. لِحَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ قَال: بَعَثَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِمَّا سَقَتِ السَّمَاءُ وَمَا سُقِيَ بَعْلاً (٣) الْعُشْرَ، وَمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي نِصْفَ الْعُشْرِ. (٤) وَلأَِنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ جُمْلَةً بِدَلِيل الْمَعْلُوفَةِ، فَلأََنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى، وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي الْمَال النَّامِي، وَلِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرٌ فِي تَقْلِيل النَّمَاءِ، فَأَثَّرَتْ فِي تَقْلِيل الْوَاجِبِ فِيهَا (٥) .

стр. 12335

وَلِلتَّفْصِيل فِي زَكَاةِ مَا سُقِيَ سَيْحًا (١) وَبِدَالِيَةٍ وَنَحْوِهَا. يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (زَكَاةٌ) . نَصْبُ الدَّالِيَةِ عَلَى الأَْنْهَارِ: ٥ - يَجُوزُ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَصْبُ الدَّالِيَةِ عَلَى الأَْنْهَارِ الْعَامَّةِ، كَالنِّيل، وَدِجْلَةَ، وَالْفُرَاتِ، وَنَحْوِهَا. إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّهْرِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْنْهَارَ لَمْ تَدْخُل تَحْتَ يَدِ أَحَدٍ فَلاَ يَثْبُتُ الاِخْتِصَاصُ بِهَا لأَِحَدٍ، فَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ، وَكَانَ لِكُل وَاحِدٍ الْحَقُّ فِي الاِنْتِفَاعِ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ الضَّرَرِ بِالنَّهْرِ، كَالاِنْتِفَاعِ بِطَرِيقِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِالنَّهْرِ فَلِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْعُهُ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِبَاحَةُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ، كَالتَّصَرُّفِ فِي الطَّرِيقِ الأَْعْظَمِ (٢) . أَمَّا النَّهْرُ الْمُشْتَرَكُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ نَصْبَ دَالِيَةٍ عَلَيْهِ فَيُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ لاَ يَضُرُّ بِالشُّرْبِ وَالنَّهْرِ، وَكَانَ مَوْضِعُ الْبِنَاءِ أَرْضَ صَاحِبِهِ جَازَ، وَإِلاَّ فَلاَ، لأَِنَّ رَقَبَةَ النَّهْرِ وَمَوْضِعَ الْبِنَاءِ مِلْكٌ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الشَّرِكَةِ، وَحَقُّ الْكُل مُتَعَلِّقٌ بِالْمَاءِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى التَّصَرُّفِ فِي

стр. 12336

الْمِلْكِ الْمُشْتَرَكِ وَالْحَقِّ الْمُشْتَرَكِ إِلاَّ بِرِضَا الشُّرَكَاءِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي: (مِيَاهٌ، نَهْرٌ) .

стр. 12337

دَامِعَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الدَّامِعَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ دَمَعَتِ الْعَيْنُ دَمْعًا، أَيْ سَال دَمْعُهَا، وَالدَّمْعُ: مَاءُ الْعَيْنِ، وَشَجَّةٌ دَامِعَةٌ: تَسِيل دَمًا، فَالدَّامِعَةُ مِنَ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي يَسِيل مِنْهَا الدَّمُ كَدَمْعِ الْعَيْنِ (١) . وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الدَّامِعَةِ: فَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَقَاضِي زَادَهْ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يُسَايِرُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ، وَالْحَنَابِلَةُ يُسَمُّونَهَا الْبَازِلَةَ وَالدَّامِيَةَ أَيْضًا. وَهِيَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِمْ، كَالْبَدَائِعِ وَالْكَافِي وَابْنِ عَابِدِينَ وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ: هِيَ الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ وَلاَ تُسِيلُهُ كَالدَّمْعِ فِي الْعَيْنِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الدَّامِعَةُ وَالدَّامِيَةُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهِيَ الَّتِي تَصْعَقُ الْجِلْدَ فَيَرْشَحُ مِنْهُ دَمٌ، كَالدَّمْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْشَقَّ الْجِلْدُ (٢) .

стр. 12338

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - الدَّامِعَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً. فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لإِِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الاِسْتِيفَاءِ، وَلِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ . (١) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ، إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِيهَا لِعَدَمِ إِمْكَانِ الاِسْتِيفَاءِ بِصِفَةِ الْمُمَاثَلَةِ، وَإِنَّمَا فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ (٢) ، لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَإِنْ كَانَتِ الدَّامِعَةُ خَطَأً فَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ مِنَ الشَّرْعِ، وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا فَوَجَبَ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ. وَهَذَا إِذَا لَمْ تَبْرَأِ الشَّجَّةُ، أَوْ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ، فَإِذَا بَرِئَتْ دُونَ أَثَرٍ فَلاَ شَيْءَ فِيهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ الأَْرْشَ إِنَّمَا يَجِبُ

стр. 12339

بِالشَّيْنِ الَّذِي يَلْحَقُ الْمَشْجُوجَ بِالأَْثَرِ، وَقَدْ زَال فَسَقَطَ الأَْرْشُ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ حُكُومَةُ الأَْلَمِ لأَِنَّ الشَّجَّةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَلاَ سَبِيل إِلَى إِهْدَارِهَا، وَقَدْ تَعَذَّرَ إِيجَابُ أَرْشِ الشَّجَّةِ، فَيَجِبُ أَرْشُ الأَْلَمِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَجِبُ قَدْرُ مَا أَنْفَقَ مِنْ أُجْرَةِ الطَّبِيبِ وَثَمَنِ الدَّوَاءِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا بَرِئَتْ وَلَمْ تُنْقِصْ شَيْئًا فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى التَّعْزِيرِ كَمَا لَوْ لَطَمَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِمُثْقِلٍ فَزَال الأَْلَمُ. وَالثَّانِي: يَفْرِضُ الْقَاضِي شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، شِجَاجٌ، قِصَاصٌ، دِيَةٌ) .

стр. 12340

دَامِغَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الدَّامِغَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ دَمَغَهُ أَيْ أَصَابَ دِمَاغَهُ، وَشَجَّهُ حَتَّى بَلَغَتِ الشَّجَّةُ الدِّمَاغَ، وَالدَّامِغَةُ مِنَ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الدِّمَاغَ وَلاَ حَيَاةَ مَعَهَا غَالِبًا (١) . وَهِيَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَذَلِكَ، فَقَدْ قَالُوا: هِيَ الَّتِي تَخْرِقُ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ (الْجِلْدَةَ الرَّقِيقَةَ السَّاتِرَةَ لِلْمُخِّ) وَتَصِل إِلَيْهِ. وَهِيَ مُذَفِّفَةٌ غَالِبًا. وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الشِّجَاجِ لِلْمَوْتِ بَعْدَهَا عَادَةً، فَتَكُونُ عِنْدَهُ قَتْلاً لاَ شَجًّا (٢) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ . ٢ - الدَّامِغَةُ مِنَ الشِّجَاجِ إِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَلاَ

стр. 12341

قِصَاصَ فِيهَا إِنْ لَمْ تُفْضِ إِلَى الْمَوْتِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ بِالْمِثْل لِعِظَمِ خَطَرِهَا وَخَشْيَةِ السِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ، وَلِذَلِكَ يَسْتَوِي فِي الْحُكْمِ فِيهَا عَمْدُهَا وَخَطَؤُهَا. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ قِيَاسًا عَلَى الْمَأْمُومَةِ (الآْمَّةِ) لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْل الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ، وَفِيهِ: فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ. (١) وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجِبُ عَلَى الْجَانِي أَرْشُ مَأْمُومَةٍ وَحُكُومَةُ عَدْلٍ، لأَِنَّ خَرْقَ الْجِلْدِ جِنَايَةٌ بَعْدَ الْمَأْمُومَةِ فَوَجَبَ لأَِجْلِهَا حُكُومَةٌ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً، لأَِنَّهُ يَقْتَصُّ بَعْضَ حَقِّهِ، وَلأَِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْجِنَايَةِ يُمْكِنُ الْقِصَاصُ فِيهَا، وَيَأْخُذُ الأَْرْشَ فِي الْبَاقِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ لأَِنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيهِ فَانْتَقَل إِلَى الْبَدَل، كَمَا لَوْ قَطَعَ أُصْبُعَيْهِ وَلَمْ يُمْكِنِ الاِسْتِيفَاءُ إِلاَّ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَيْسَ لَهُ أَرْشُ

стр. 12342

الْبَاقِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ، لأَِنَّهُ جُرْحٌ وَاحِدٌ فَلاَ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الْحُكْمَ بِثُلُثِ الدِّيَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا عَاشَ الْمَشْجُوجُ، أَمَّا إِذَا مَاتَ بِهَا فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَفِيهَا دِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةً (١) .

стр. 12343

دَامِيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الدَّامِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ دَمِيَ الْجُرْحُ يَدْمَى دَمْيًا وَدَمًى: خَرَجَ مِنْهُ الدَّمُ، وَالشَّجَّةُ الدَّامِيَةُ: هِيَ الَّتِي يَخْرُجُ دَمُهَا وَلاَ يَسِيل (١) . وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى الدَّامِيَةِ. فَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يُسَايِرُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ، إِذْ يَقُول الْمَالِكِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تُضْعِفُ الْجِلْدَ فَيَرْشَحُ مِنْهُ دَمٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْشَقَّ الْجِلْدُ. وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَدْمَى مِنْ غَيْرِ سَيَلاَنِ الدَّمِ (٢) . وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ الدَّامِيَةَ هِيَ الَّتِي تُخْرِجُ الدَّمَ وَتُسِيلُهُ وَلاَ تُوضِحُ الْعَظْمَ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ الَّذِينَ يُسَمُّونَهَا أَيْضًا الْبَازِلَةَ وَالدَّامِغَةَ (٣) .

стр. 12344

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - حُكْمُ الدَّامِيَةِ هُوَ حُكْمُ الدَّامِعَةِ بِكُل تَفَاصِيلِهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَمْدًا أَمْ خَطَأً. (ر: دَامِعَةٌ) .

стр. 12345

دِبَاغَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الدِّبَاغَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ دَبَغَ الْجِلْدَ يَدْبُغُهُ دَبْغًا وَدِبَاغَةً، أَيْ عَالَجَهُ وَلَيَّنَهُ بِالْقَرَظِِ وَنَحْوِهِ لِيَزُول مَا بِهِ مِنْ نَتْنٍ وَفَسَادٍ وَرُطُوبَةٍ. وَالدِّبَاغَةُ أَيْضًا اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى حِرْفَةِ الدَّبَّاغِ وَهُوَ صَاحِبُهَا. أَمَّا الدِّبْغُ وَالدِّبَاغُ بِالْكَسْرِ فَهُمَا مَا يُدْبَغُ بِهِ الْجِلْدُ لِيَصْلُحَ. وَالْمَدْبَغَةُ مَوْضِعُ الدَّبْغِ (١) . وَتُطْلَقُ الدِّبَاغَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ (٢) . قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: الدَّبْغُ نَزْعُ فُضُول الْجِلْدِ، وَهِيَ مَائِيَّتُهُ وَرُطُوبَاتُهُ الَّتِي يُفْسِدُهُ بَقَاؤُهَا، وَيُطَيِّبُهُ نَزْعُهَا بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ النَّتْنُ وَالْفَسَادُ (٣) . وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ الدَّبْغُ

стр. 12346

بِمَا يَحْرِفُ الْفَمَ، أَيْ يَلْذَعُ اللِّسَانَ بِحَرَافَتِهِ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِمَا (١) ، كَمَا سَيَأْتِي: (ف ٧) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الصِّبَاغَةُ: ٢ - الصِّبَاغَةُ حِرْفَةُ الصَّبَّاغِ، وَالصِّبْغُ وَالصِّبْغَةُ وَالصِّبَاغُ بِالْكَسْرِ كُلُّهَا بِمَعْنًى، وَهُوَ مَا يُصْبَغُ بِهِ، وَالصَّبْغُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ، يُقَال: صَبَغَ الثَّوْبَ صَبْغًا: أَيْ لَوَّنَهُ بِالصِّبَاغِ، وَالأَْصْل فِي مَعْنَاهُ التَّغْيِيرُ، وَيَعْرِضُ لِلْجِلْدِ وَغَيْرِهِ (٢) . ب - التَّشْمِيسُ: ٣ - التَّشْمِيسُ مَصْدَرُ شَمَّسْتُ الشَّيْءَ إِذَا وَضَعْتَهُ فِي الشَّمْسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يُبْسَطَ الْجِلْدُ فِي الشَّمْسِ لِتَجِفَّ مِنْهُ الرُّطُوبَةُ، وَتَزُول عَنْهُ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ. وَاعْتَبَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنْ مَعَهُمْ دِبَاغًا حُكْمِيًّا (٣) كَمَا سَيَأْتِي. ج - التَّتْرِيبُ: ٤ - التَّتْرِيبُ مَصْدَرُ تَرَّبَ، يُقَال: تَرَّبْتُ الإِْهَابَ تَتْرِيبًا، إِذَا نَثَرَ عَلَيْهِ التُّرَابَ لإِِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ

стр. 12347

رُطُوبَةٍ وَرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ، وَيُقَال أَيْضًا: تَرَّبْتُ الشَّيْءَ إِذَا وَضَعْتَ عَلَيْهِ التُّرَابَ. وَهُوَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الدِّبَاغِ الْحُكْمِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَنْ مَعَهُمْ (١) . مَشْرُوعِيَّةُ الدِّبَاغَةِ: ٥ - الدِّبَاغَةُ مُبَاحَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْحِرَفِ الَّتِي فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلنَّاسِ. وَقَدِ اسْتَدَلُّوا لِجَوَازِ الدِّبَاغَةِ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ : أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) وَلأَِنَّ الدِّبَاغَةَ وَسِيلَةٌ لِتَطْهِيرِ الْجُلُودِ بِإِزَالَةِ مَا بِهَا مِنْ نَتْنٍ وَفَسَادٍ فَيُنْتَفَعُ بِهَا، كَمَا يُنْتَفَعُ مِنْ سَائِرِ الأَْشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ (٣) . مَا يَقْبَل الدِّبَاغَةَ: ٦ - الْجُلُودُ هِيَ الَّتِي تُدْبَغُ غَالِبًا وَتَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي بَيَانُهُ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ - أَنَّ الْمَثَانَةَ وَالْكَرِشَ، مِثْل الإِْهَابِ فِي قَبُول الدِّبَاغِ وَالطَّهَارَةِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الأَْمْعَاءُ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنْ

стр. 12348

الْبَحْرِ: فَلَوْ دُبِغَتِ الْمَثَانَةُ وَجُعِل فِيهَا لَبَنٌ جَازَ. وَكَذَلِكَ الْكَرِشُ إِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِصْلاَحِهِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنَّهُ لاَ يَطْهُرُ، لأَِنَّهُ كَاللَّحْمِ، وَإِذَا أَصْلَحَ أَمْعَاءَ شَاةٍ مَيِّتَةٍ فَصَلَّى وَهِيَ مَعَهُ جَازَ، لأَِنَّهُ يَتَّخِذُ مِنْهَا الأَْوْتَارَ وَهُوَ كَالدِّبَاغِ (١) . وَقَال الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَجَعْل الْمُصْرَانِ وِتْرًا دِبَاغٌ، وَكَذَا جَعْل الْكَرِشِ، لأَِنَّهُ هُوَ الْمُعْتَادُ فِيهِ (٢) . وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ مِنَ الْحَيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَهَا دَمٌ، وَكَذَلِكَ الْفَأْرَةُ لاَ يَقْبَلاَنِ الدِّبَاغَ فَلاَ يَطْهُرَانِ بِالْعِلاَجِ (٣) . مَا تَحْصُل بِهِ الدِّبَاغَةُ: ٧ - مَا يَحْصُل بِهِ الدِّبَاغَةُ يُسَمَّى دَبْغًا وَدِبَاغًا، وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الدِّبَاغِ أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا لِلرُّطُوبَةِ مُنَقِّيًا لِلْخَبَثِ، مُزِيلاً لِلرِّيحِ، وَلاَ يُشْرَطُ أَنْ تَكُونَ الدِّبَاغَةُ بِفِعْل فَاعِلٍ، فَإِنْ وَقَعَ الْجِلْدُ فِي مَدْبَغَتِهِ بِنَحْوِ رِيحٍ، أَوْ أُلْقِيَ الدَّبْغُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَانْدَبَغَ بِهِ كَفَى. كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّابِغُ مُسْلِمًا. وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدِّبَاغُ طَاهِرًا، فَإِنَّ حِكْمَةَ الدِّبَاغِ إِنَّمَا هِيَ بِأَنْ يُزِيل

стр. 12349

عُفُونَةَ الْجِلْدِ وَيُهَيِّئَهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ. فَمَا أَفَادَ ذَلِكَ جَازَ بِهِ، طَاهِرًا كَانَ كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ، أَوْ نَجِسًا كَزَرْقِ الطُّيُورِ (١) . وَهَل يُشْتَرَطُ غَسْل الْجِلْدِ أَثْنَاءَ أَوْ بَعْدَ الدِّبَاغَةِ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي بَيَانُهُ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدِّبَاغُ طَاهِرًا، لأَِنَّهَا طَهَارَةٌ مِنْ نَجَاسَةٍ فَلَمْ تَحْصُل بِنَجِسٍ، كَالاِسْتِجْمَارِ وَالْغَسْل (٢) . وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) بِأَنَّهُ لاَ يَكْفِي فِي الدِّبَاغَةِ التَّشْمِيسُ، وَلاَ التَّتْرِيبُ (٣) . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُدْبَغُ بِهِ. فَنُقِل عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَا دُبِغَ بِهِ جِلْدُ الْمَيْتَةِ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ مِلْحٍ أَوْ قَرَظٍ فَهُوَ طَهُورٌ، ثُمَّ قَال: وَهُوَ صَحِيحٌ، فَإِنَّ حِكْمَةَ الدِّبَاغِ إِنَّمَا هِيَ بِأَنْ يُزِيل عُفُونَةَ الْجِلْدِ وَيُهَيِّئَهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ فَمَا أَفَادَ ذَلِكَ جَازَ بِهِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِمَا يَحْرِفُ الْفَمَ أَيْ يَلْذَعُ اللِّسَانَ بِحَرَافَتِهِ، كَالْقَرَظِ وَالْعَفْصِ وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَالشَّثِّ وَالشَّبِّ (٤) . وَلَوْ بِإِلْقَائِهِ عَلَى الدِّبْغِ بِنَحْوِ رِيحٍ، أَوْ

стр. 12350

إِلْقَاءِ الدِّبْغِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. لاَ شَمْسٍ وَتُرَابٍ وَتَجْمِيدٍ وَتَمْلِيحٍ مِمَّا لاَ يَنْزِعُ الْفُضُول وَإِنْ جَفَّتْ وَطَابَتْ رَائِحَتُهُ، لأَِنَّ الْفَضَلاَتِ لَمْ تَزُل، وَإِنَّمَا جَمَدَتْ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ نُقِعَ فِي الْمَاءِ عَادَتْ إِلَيْهِ الْعُفُونَةُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَحْصُل الدَّبْغُ بِنَجِسٍ، وَلاَ بِغَيْرِ مُنَشِّفٍ لِلرُّطُوبَةِ مُنَقٍّ لِلْخَبَثِ بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ الْجِلْدُ بَعْدَهُ فِي الْمَاءِ فَسَدَ، وَلاَ بِتَشْمِيسٍ وَلاَ بِتَتْرِيبٍ وَلاَ بِرِيحٍ (١) . أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَتَحْصُل الدِّبَاغَةُ عِنْدَهُمْ بِكُل مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ، وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَمَا يَمْنَعُ عَلَى نَوْعَيْنِ حَقِيقِيٍّ كَالْقَرَظِ وَالشَّبِّ وَالْعَفْصِ وَنَحْوِهِ، وَحُكْمِيٍّ كَالتَّتْرِيبِ وَالتَّشْمِيسِ وَالإِْلْقَاءِ فِي الرِّيحِ. وَلَوْ جَفَّ وَلَمْ يَسْتَحِل لَمْ يَطْهُرْ (٢) . وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الدِّبَاغِ الْحَقِيقِيِّ وَالْحُكْمِيِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ الْمَاءُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ الْحَقِيقِيِّ لاَ يَعُودُ نَجِسًا بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عِنْدَهُمْ، وَفِيمَا بَعْدَ الدِّبَاغِ الْحُكْمِيِّ رِوَايَتَانِ (٣) .

стр. 12351

أَثَرُ الدِّبَاغَةِ فِي تَطْهِيرِ الْجُلُودِ: ٨ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الآْدَمِيِّ طَاهِرٌ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلدِّبَاغَةِ أَصْلاً. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جِلْدَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ كَالإِْبِل وَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالظِّبَاءِ وَنَحْوِهَا طَاهِرٌ قَبْل الذَّبْحِ وَبَعْدَهُ، سَوَاءٌ أَدُبِغَ أَمْ لَمْ يُدْبَغْ. وَكَذَلِكَ مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لاَ نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً. وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَجَاسَةِ جُلُودِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ قَبْل الدِّبَاغِ، وَعَرَّفُوا الْمَيْتَةَ بِأَنَّهَا الْمَيِّتُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، مَأْكُولَةُ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرُهُ، مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ، كَمُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ أَوِ الْكِتَابِيِّ لِصَنَمِهِ، أَوِ الْمُحْرِمِ لِصَيْدٍ، أَوِ الْمُرْتَدِّ أَوْ نَحْوِهِ (١) . (ر: مَيْتَةٌ) . ٩ - وَاخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي جِلْدِ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ - إِلَى أَنَّ الدِّبَاغَةَ وَسِيلَةٌ لِتَطْهِيرِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَأْكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ غَيْرَ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ، فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَيْتَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ إِلاَّ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَإِلاَّ جِلْدَ الآْدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ

стр. 12352

لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (١) وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا جِلْدَ الْكَلْبِ، كَمَا اسْتَثْنَى مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ جِلْدَ الْفِيل (٢) . وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ بِأَحَادِيثَ، مِنْهَا: أ - قَوْلُهُ ﷺ : أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ. (٣) ب - وَبِمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبِّقِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلاَّ فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ. قَال: أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ قَالَتْ: بَلَى. قَال: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا. (٤) ج - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: تَصَدَّقَ عَلَى مَوْلاَةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: هَلاَّ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَال: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. (٥)

стр. 12353

وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الدَّبْغَ يُزِيل سَبَبَ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الرُّطُوبَةُ وَالدَّمُ، فَصَارَ الدَّبْغُ لِلْجِلْدِ كَالْغَسْل لِلثَّوْبِ، وَلأَِنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ لِلْجِلْدِ وَيُصْلِحُهُ لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْجُلُودِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ (١) . أَمَّا اسْتِثْنَاءُ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ فَلأَِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، أَيْ أَنَّ ذَاتَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا نَجِسَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَلَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ أَوِ الرُّطُوبَةِ كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِذَا لَمْ يَقْبَل التَّطْهِيرَ (٢) . وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ لاِسْتِثْنَاءِ الْكَلْبِ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ. (٣) وَالطَّهَارَةُ تَكُونُ لِحَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلاَ حَدَثَ عَلَى الإِْنَاءِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوُلُوغَ سَبَبٌ لِلْخَبَثِ بِسَبَبِ نَجَاسَةِ فَمِ الْكَلْبِ، فَبَقِيَّةُ أَجْزَاءِ الْكَلْبِ

стр. 12354

أَوْلَى بِالنَّجَاسَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ لاَ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْكَلْبِ فَالدِّبَاغُ أَوْلَى، لأَِنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنَ الدِّبَاغِ بِدَلِيل أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ، وَالدِّبَاغُ وَسِيلَةٌ لِطَهَارَةِ الْجِلْدِ فَقَطْ (١) . وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ لِطَهَارَةِ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغَةِ بِعُمُومِ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ (٢) . وَالْكَلْبُ لَيْسَ نَجِسَ الْعَيْنِ عِنْدَهُمْ فِي الأَْصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْفِيل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ (٣) ، وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِعَظْمِ الْفِيل. ١٠ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِعَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ قَال: أَتَانَا كِتَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْل وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَلاَّ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ ﷺ قَال: كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلاَ تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلاَ عَصَبٍ. (٤)

стр. 12355

وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ عَنِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَيِ النَّظَافَةِ، وَلِذَا جَازَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي حَالاَتٍ خَاصَّةٍ كَمَا سَيَأْتِي. وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلُهُمَا: بِطَهَارَةِ جِلْدِ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ بِالدِّبَاغَةِ حَتَّى الْخِنْزِيرِ (١) . ١١ - وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ جِلْدُ مَيْتَةِ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَظِبَاءٍ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُول اللَّحْمِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) فَيَتَنَاوَل الْمَأْكُول وَغَيْرَهُ، وَخَرَجَ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي حَال الْحَيَاةِ لِكَوْنِ الدَّبْغِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ. كَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: بِطَهَارَةِ جُلُودِ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ ﷺ : ذَكَاةُ الأَْدِيمِ دِبَاغُهُ (٣) وَالذَّكَاةُ إِنَّمَا تَعْمَل فِيمَا يُؤْكَل لَحْمُهُ،

стр. 12356

فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ (١) غَسْل الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ: ١٢ - لَمْ يَذْكُرِ الْحَنَفِيَّةُ ضَرُورَةَ غَسْل الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ وَلاَ بَعْدَهَا، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ طَهَارَةُ الْجِلْدِ بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قَبْل الْغَسْل، كَمَا هُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) وَلأَِنَّهُ طَهُرَ بِانْقِلاَبِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ كَالْخَمْرَةِ إِذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لاَ تَحْصُل بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ بَل تَحْتَاجُ إِلَى الْغَسْل لِقَوْلِهِ ﷺ فِي جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ. (٣) وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ غَسْل الْجِلْدِ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الإِْحَالَةِ، وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ. إِذَا دُبِغَ الإِْهَابُ فَقَدْ طَهُرَ (٤) وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْغَسْل.

стр. 12357

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ يُشْتَرَطُ غَسْلُهُ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الإِْزَالَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الآْخَرِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ وَحُمِل الأَْوَّل عَلَى النَّدْبِ، أَمَّا بَعْدَ الدِّبَاغَةِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ وُجُوبُ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ، لأَِنَّ الْمَدْبُوغَ يَصِيرُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ أَيْ مُتَنَجِّسٍ لِمُلاَقَاتِهِ لِلأَْدْوِيَةِ النَّجِسَةِ. أَوِ الَّتِي تَنَجَّسَتْ بِهِ قَبْل طُهْرِهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ لِذَلِكَ (١) . طُرُقُ الاِنْتِفَاعِ بِالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ: أ - أَكْل جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ: ١٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَكْل جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل الدَّبْغِ أَمْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ فِي جِلْدِ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ قَبْل دَبْغِهِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ اتِّفَاقًا، أَمَّا بَعْدَ دَبْغِهِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) وَالْجِلْدُ جُزْءٌ مِنْهَا. وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمَيْتَةِ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. (٣) وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَامِدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لأَِصْحَابِ

стр. 12358

الشَّافِعِيِّ جَوَازُ أَكْلِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : ذَكَاةُ الأَْدِيمِ دِبَاغُهُ. (١) وَلأَِنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُول اللَّحْمِ فَأَشْبَهَ الْمُذَكَّى (٢) . ب - اسْتِعْمَال الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَالتَّعَامُل بِهِ: ١٤ - إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ - غَيْرِ جِلْدِ السِّبَاعِ - فَيَصِحُّ بَيْعُهُ، وَإِجَارَتُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ، وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي كُل مَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ سِوَى الأَْكْل. وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ فَقَطْ، حَيْثُ قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ بِأَنْ يُوعَى فِيهِ الْعَدَسُ وَالْفُول وَنَحْوُهُمَا، وَيُغَرْبَل عَلَيْهَا، وَلاَ يُطْحَنُ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَحْلِيل بَعْضِ أَجْزَائِهِ فَتَخْتَلِطُ بِالدَّقِيقِ. لاَ فِي نَحْوِ عَسَلٍ وَلَبَنٍ وَسَمْنٍ وَمَاءِ زَهْرٍ. وَيَجُوزُ لُبْسُهَا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ لاَ فِيهَا. كَمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَاءِ أَيْضًا، لأَِنَّ لَهُ قُوَّةَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ لِطَهُورِيَّتِهِ فَلاَ يَضُرُّهُ إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ (٣) . أَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَفِيهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جِلْدٌ ف / ١٤) .

стр. 12359

دُبَّاءٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الدُّبَّاءُ فِي اللُّغَةِ: الْقَرْعُ، قِيل: الدُّبَّاءُ الْمُسْتَدِيرُ مِنْهُ وَقِيل: الْيَابِسُ، وَوَاحِدُهُ الدُّبَّاءَةُ (١) . وَالْمُرَادُ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَوْضُوعِ الأَْشْرِبَةِ الْقُرْعَةُ الْيَابِسَةُ الْمُتَّخَذَةُ وِعَاءً لِلاِنْتِبَاذِ فِيهِ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحَنْتَمُ: ٢ - الْحَنْتَمُ جِرَارٌ مَدْهُونَةٌ خُضْرٌ، كَانَتْ تُحْمَل الْخَمْرُ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْل التَّحْرِيمِ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا فَقِيل لِلْخَزَفِ كُلِّهِ: حَنْتَمٌ، وَوَاحِدَتُهَا حَنْتَمَةٌ (٣) .

стр. 12360

ب - الْمُزَفَّتُ: ٣ - الْمُزَفَّتُ هُوَ الإِْنَاءُ الَّذِي طُلِيَ بِالزِّفْتِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقَارِ، وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: الْمُقَيَّرُ (١) . ج - النَّقِيرُ . ٤ - النَّقِيرُ هُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَيُجْعَل ظَرْفًا كَالْقَصْعَةِ (٢) . وَهَذِهِ الأَْوْعِيَةُ كُلُّهَا تَشْتَرِكُ فِي أَنَّ مَا يُوضَعُ مِنَ الشَّرَابِ فِِيهَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ التَّخَمُّرُ (٣) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ) إِلَى جَوَازِ الاِنْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِيهَا إِنَّمَا كَانَ أَوَّلاً ثُمَّ نُسِخَ (٤) ،
следующие страницы →