Полный текст (31 949 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.
стр. 12356
فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ (١)
غَسْل الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ:
١٢ - لَمْ يَذْكُرِ الْحَنَفِيَّةُ ضَرُورَةَ غَسْل الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ وَلاَ بَعْدَهَا، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ طَهَارَةُ الْجِلْدِ بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ قَبْل الْغَسْل، كَمَا هُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٢) وَلأَِنَّهُ طَهُرَ بِانْقِلاَبِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ كَالْخَمْرَةِ إِذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لاَ تَحْصُل بِمُجَرَّدِ الدَّبْغِ بَل تَحْتَاجُ إِلَى الْغَسْل لِقَوْلِهِ ﷺ فِي جِلْدِ الشَّاةِ الْمَيِّتَةِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ. (٣)
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ غَسْل الْجِلْدِ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الإِْحَالَةِ، وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ. إِذَا دُبِغَ الإِْهَابُ فَقَدْ طَهُرَ (٤) وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْغَسْل. стр. 12357
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ يُشْتَرَطُ غَسْلُهُ أَثْنَاءَ الدِّبَاغَةِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الإِْزَالَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الآْخَرِ: يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ وَحُمِل الأَْوَّل عَلَى النَّدْبِ، أَمَّا بَعْدَ الدِّبَاغَةِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ وُجُوبُ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ، لأَِنَّ الْمَدْبُوغَ يَصِيرُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ أَيْ مُتَنَجِّسٍ لِمُلاَقَاتِهِ لِلأَْدْوِيَةِ النَّجِسَةِ. أَوِ الَّتِي تَنَجَّسَتْ بِهِ قَبْل طُهْرِهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ لِذَلِكَ (١) .
طُرُقُ الاِنْتِفَاعِ بِالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ:
أ - أَكْل جِلْدِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ:
١٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ أَكْل جِلْدِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُول اللَّحْمِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل الدَّبْغِ أَمْ بَعْدَهُ. وَكَذَلِكَ فِي جِلْدِ مَيْتَةِ مَأْكُول اللَّحْمِ قَبْل دَبْغِهِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ اتِّفَاقًا، أَمَّا بَعْدَ دَبْغِهِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) عَلَى عَدَمِ جَوَازِ أَكْلِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) وَالْجِلْدُ جُزْءٌ مِنْهَا.
وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْمَيْتَةِ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا. (٣)
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَامِدٍ، وَهُوَ وَجْهٌ لأَِصْحَابِ стр. 12358
الشَّافِعِيِّ جَوَازُ أَكْلِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : ذَكَاةُ الأَْدِيمِ دِبَاغُهُ. (١) وَلأَِنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ مِنْ حَيَوَانٍ مَأْكُول اللَّحْمِ فَأَشْبَهَ الْمُذَكَّى (٢) .
ب - اسْتِعْمَال الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَالتَّعَامُل بِهِ:
١٤ - إِذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ - غَيْرِ جِلْدِ السِّبَاعِ - فَيَصِحُّ بَيْعُهُ، وَإِجَارَتُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ، وَالاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي كُل مَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ سِوَى الأَْكْل.
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ جَوَازَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ فَقَطْ، حَيْثُ قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ بِأَنْ يُوعَى فِيهِ الْعَدَسُ وَالْفُول وَنَحْوُهُمَا، وَيُغَرْبَل عَلَيْهَا، وَلاَ يُطْحَنُ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَحْلِيل بَعْضِ أَجْزَائِهِ فَتَخْتَلِطُ بِالدَّقِيقِ. لاَ فِي نَحْوِ عَسَلٍ وَلَبَنٍ وَسَمْنٍ وَمَاءِ زَهْرٍ. وَيَجُوزُ لُبْسُهَا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ لاَ فِيهَا.
كَمَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَاءِ أَيْضًا، لأَِنَّ لَهُ قُوَّةَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ لِطَهُورِيَّتِهِ فَلاَ يَضُرُّهُ إِلاَّ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ (٣) .
أَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَفِيهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جِلْدٌ ف / ١٤) . стр. 12359
دُبَّاءٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدُّبَّاءُ فِي اللُّغَةِ: الْقَرْعُ، قِيل: الدُّبَّاءُ الْمُسْتَدِيرُ مِنْهُ وَقِيل: الْيَابِسُ، وَوَاحِدُهُ الدُّبَّاءَةُ (١) .
وَالْمُرَادُ بِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي مَوْضُوعِ الأَْشْرِبَةِ الْقُرْعَةُ الْيَابِسَةُ الْمُتَّخَذَةُ وِعَاءً لِلاِنْتِبَاذِ فِيهِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَنْتَمُ:
٢ - الْحَنْتَمُ جِرَارٌ مَدْهُونَةٌ خُضْرٌ، كَانَتْ تُحْمَل الْخَمْرُ فِيهَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْل التَّحْرِيمِ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهَا فَقِيل لِلْخَزَفِ كُلِّهِ: حَنْتَمٌ، وَوَاحِدَتُهَا حَنْتَمَةٌ (٣) . стр. 12360
ب - الْمُزَفَّتُ:
٣ - الْمُزَفَّتُ هُوَ الإِْنَاءُ الَّذِي طُلِيَ بِالزِّفْتِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْقَارِ، وَيُقَال لَهُ أَيْضًا: الْمُقَيَّرُ (١) .
ج - النَّقِيرُ .
٤ - النَّقِيرُ هُوَ جِذْعُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَيُجْعَل ظَرْفًا كَالْقَصْعَةِ (٢) .
وَهَذِهِ الأَْوْعِيَةُ كُلُّهَا تَشْتَرِكُ فِي أَنَّ مَا يُوضَعُ مِنَ الشَّرَابِ فِِيهَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ التَّخَمُّرُ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ) إِلَى جَوَازِ الاِنْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِيهَا إِنَّمَا كَانَ أَوَّلاً ثُمَّ نُسِخَ (٤) ، стр. 12361
فَقَدْ رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَال: كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَْشْرِبَةِ فِي ظُرُوفِ الأَْدَمِ فَاشْرَبُوا فِي كُل وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَيْتُكُمْ مِنَ الظُّرُوفِ وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَوْ ظَرْفًا - لاَ يُحِل شَيْئًا وَلاَ يُحَرِّمُهُ وَكُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ. (١)
قَال النَّوَوِيُّ: كَانَ الاِنْتِبَاذُ فِي الْمُزَفَّتِ وَالدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَصِيرَ مُسْكِرًا فِيهَا، وَلاَ يُعْلَمُ بِهِ لِكَثَافَتِهَا فَتَتْلَفُ مَالِيَّتُهُ، وَرُبَّمَا شَرِبَهُ الإِْنْسَانُ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مُسْكِرًا، فَيَصِيرُ شَارِبًا لِلْمُسْكِرِ، وَكَانَ الْعَهْدُ قَرِيبًا بِإِبَاحَةِ الْمُسْكِرِ فَلَمَّا طَال الزَّمَانُ وَاشْتَهَرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ، وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ، نُسِخَ النَّهْيُ وَأُبِيحَ لَهُمُ الاِنْتِبَاذُ فِي كُل وِعَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَشْرَبُوا مُسْكِرًا، وَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِهِ ﷺ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ (٢) .
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ إِلَى كَرَاهَةِ الاِنْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ (٣) ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِي стр. 12362
الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ وَالْحَنْتَمِ. (١)
وَيَرَى هَذَا الْفَرِيقُ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ النَّهْيَ الْمُتَقَدِّمَ الَّذِي نُسِخَ إِنَّمَا كَانَ نَهْيًا عَنِ الاِنْتِبَاذِ مُطْلَقًا، أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الاِنْتِبَاذِ فِي الدُّبَّاءِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ بَاقٍ - عِنْدَهُمْ - سَدًّا لِلذَّرَائِعِ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْوْعِيَةَ تُعَجِّل شِدَّةَ النَّبِيذِ (٢) . (ر: أَشْرِبَةٌ ف ١٨ ج ٥ ص ٢١) .
هَذَا وَلِلتَّفْصِيل فِي تَطْهِيرِ الدُّبَّاءِ (٣) وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْوْعِيَةِ إِذَا اسْتُعْمِل فِيهَا الْخَمْرُ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (نَجَاسَةٌ) . стр. 12363
دُبُرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدُّبُرُ بِضَمَّتَيْنِ خِلاَفُ الْقُبُل . وَدُبُرُ كُل شَيْءٍ عَقِبَهُ. وَمِنْهُ يُقَال لآِخِرِ الأَْمْرِ دُبُرٌ. وَأَصْلُهُ مَا أَدْبَرَ عَنْهُ الإِْنْسَانُ. وَالدُّبُرُ الْفَرْجُ وَجَمْعُهُ أَدْبَارٌ. وَوَلاَّهُ دُبُرَهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْهَزِيمَةِ (١) . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ . (٢)
وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا خِلاَفُ الْقُبُل مِنَ الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقُبُل:
٢ - الْقُبُل بِضَمَّتَيْنِ وَبِسُكُونِ الْبَاءِ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فَرْجُ الإِْنْسَانِ مِنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى. وَقِيل هُوَ لِلأُْنْثَى خَاصَّةً. وَالْقُبُل مِنْ كُل شَيْءٍ خِلاَفُ دُبُرِهِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَالْقُبُل مُقَابِل الدُّبُرِ (٣) .
ب - الْفَرْجُ:
٣ - الْفَرْجُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْخَلَل بَيْنَ стр. 12364
الشَّيْئَيْنِ، وَجَمْعُهُ فُرُوجٌ، وَالْفُرْجَةُ كَالْفَرْجِ، وَالْفَرْجُ الْعَوْرَةُ.
وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَال الْفَرْجِ فِي الْقُبُل مِنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى. وَقَدْ يَشْمَل الْقُبُل وَالدُّبُرَ مَعًا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ (١)
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالدُّبُرِ .
النَّظَرُ إِلَى الدُّبُرِ وَمَسُّهُ:
٤ - الدُّبُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ الْمُغَلَّظَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، فَلاَ يَجُوزُ كَشْفُهُ وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، بِدُونِ ضَرُورَةٍ.
أَمَّا الزَّوْجَانِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الزَّوْجِ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ بَدَنِ الزَّوْجَةِ، كَمَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْظُرَ مِنْهُ مَا أُبِيحَ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْهَا (٢) .
وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهَةِ النَّظَرِ إِلَى الْفَرْجِ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ بِلاَ حَاجَةٍ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْهُ وَلاَ رَأَى مِنِّي. (٣) стр. 12365
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحَيْ: (عَوْرَةٌ، وَنَظَرٌ) .
نَقْضُ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الدُّبُرِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الدُّبُرِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَفْسِهِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ بِحَائِلٍ أَمْ بِغَيْرِ حَائِلٍ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ: يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّ حَلْقَةِ الدُّبُرِ بِبَاطِنِ الْكَفِّ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ أَنْ يَكُونَ الْمَسُّ بِتَلَذُّذٍ عِنْدَهُمْ.
وَكَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ - فِي الْمُعْتَمَدِ - غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُقَيِّدُوهُ بِبَاطِنٍ، بَل يُنْتَقَضُ بِمَسِّهِ بِظَهْرِ الْيَدِ أَوْ بَاطِنِهَا أَوْ حَرْفِهَا (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ (٣) ، وَقَوْلُهُ ﷺ : إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ стр. 12366
بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ أَوْ حِجَابٌ فَلْيَتَوَضَّأْ. (١)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلاَ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمْ بِمَسِّ الدُّبُرِ إِذَا كَانَ مِنْ نَفْسِهِ. أَمَّا مَسُّ دُبُرِ الْغَيْرِ فَحُكْمُهُ عِنْدَهُمْ حُكْمُ اللَّمْسِ، إِذَا الْتَذَّ بِهِ صَاحِبُهُ أَوْ قَصَدَ اللَّذَّةَ يُنْتَقَضُ، وَإِلاَّ لاَ يُنْتَقَضُ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَدَثٌ) .
الاِسْتِنْجَاءُ:
٦ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي آدَابِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالاِسْتِنْجَاءِ أَنَّهُ يُنْدَبُ إِزَالَةُ مَا فِي الْمَحَل مِنْ أَذًى بِمَاءِ أَوْ حَجَرٍ بِالْيَدِ الْيُسْرَى، وَيُنْدَبُ إِعْدَادُ مُزِيل الأَْذَى مِنْ جَامِدٍ طَاهِرٍ أَوْ مَائِعٍ، كَمَا يُنْدَبُ اسْتِعْمَال الْجَامِدِ وِتْرًا، وَتَقْدِيمُ الْقُبُل عَلَى الدُّبُرِ احْتِرَازًا مِنْ تَنَجُّسِ يَدِهِ بِمَا عَلَى الْمَخْرَجِ (٣) عَلَى خِلاَفٍ لِلْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الأُْمُورِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: " اسْتِنْجَاءٌ وَاسْتِجْمَارٌ ". стр. 12367
أَثَرُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ:
٧ - الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنَ الدُّبُرِ كَالنَّجَاسَةِ وَالرِّيحِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
أَمَّا الْخَارِجُ غَيْرُ الْمُعْتَادِ كَالْحَصَى وَالدُّودِ وَالشَّعْرِ فَفِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ نُجْمِلُهُ فِيمَا يَأْتِي:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، سَوَاءٌ أَكَانَ جَافًّا أَمْ مَبْلُولاً بِنَجَاسَةٍ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ الْخَارِجَ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَحَصًى تَوَلَّدَ بِالْبَطْنِ، وَدُودٍ، لاَ يُنْقِضُ الْوُضُوءَ وَلَوْ مَبْلُولاً بِغَائِطٍ غَيْرِ مُتَفَاحِشٍ بِحَيْثُ يُنْسَبُ الْخُرُوجُ لِلْحَصَى وَالدُّودِ لاَ لِلْغَائِطِ.
وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ إِذَا كَانَ غَيْرَ نَقِيٍّ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي: (حَدَثٌ) .
أَثَرُ مَا يَدْخُل فِي دُبُرِ الصَّائِمِ:
٨ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وُصُول عَيْنٍ مِنَ الأَْعْيَانِ مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الْجَوْفِ وَإِنْ قَلَّتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ مِمَّا يُؤْكَل كَسِمْسِمَةٍ أَوْ حَصَاةٍ، وَلَوْ بِالْحُقْنَةِ стр. 12368
مُفْطِرٌ لِلصَّوْمِ، لأَِنَّ الصَّوْمَ إِمْسَاكٌ عَنْ كُل مَا يَصِل إِلَى الْجَوْفِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَمَا دَخَل فِي دُبُرِ الصَّائِمِ مِنْ خَشَبَةٍ أَوْ حَصَاةٍ وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَغَيْرَ مَبْلُولَةٍ يُفْطِرُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَدْخَل أُصْبُعَهُ فِي دُبُرٍ جَافَّةً كَانَتْ أَمْ مَبْلُولَةً (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الصَّوْمُ يَفْسُدُ بِالدُّخُول، وَالْوُضُوءُ يُنْتَقَضُ بِالْخُرُوجِ، فَإِذَا أَدْخَل عُودًا جَافًّا وَلَمْ يُغَيِّبْهُ لاَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِدَاخِلٍ مِنْ كُل وَجْهٍ. وَمِثْلُهُ الأُْصْبُعُ الْجَافَّةُ.
وَإِنْ غَيَّبَ الْعُودَ أَوْ نَحْوَهُ فَسَدَ وَإِنْ كَانَ جَافًّا لِتَحَقُّقِ الدُّخُول الْكَامِل.
وَكَذَلِكَ يَفْسُدُ الصَّوْمُ إِذَا أَدْخَل شَيْئًا مِنَ الْعُودِ أَوِ الأُْصْبُعِ فِي دُبُرِهِ مُبْتَلًّا، كَمَا فِي حَالَةِ الاِسْتِنْجَاءِ، لاِسْتِقْرَارِ الْبِلَّةِ فِي الْجَوْفِ. وَإِذَا أَدْخَلَهُمَا يَابِسَةً لاَ يَفْسُدُ الصَّوْمُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَهُمْ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ آلَةَ الْجِمَاعِ وَلاَ تُعْتَبَرُ دَاخِلَةً مِنْ كُل وَجْهٍ وَلَمْ تَنْقُل الْبِلَّةَ إِلَى الدَّاخِل (٢) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا وَصَل لِلْمَعِدَةِ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ مُتَحَلِّلاً أَمْ غَيْرَ مُتَحَلِّلٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَمْدًا أَمْ سَهْوًا. وَهَذَا هُوَ стр. 12369
الْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ. وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إِلَى أَنَّ لِلْحَصَاةِ حُكْمَ الطَّعَامِ يُوجِبُ فِي السَّهْوِ الْقَضَاءَ، وَفِي الْعَمْدِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ مَنْفَذٍ سَافِلٍ - كَالدُّبُرِ مَثَلاً - فَلاَ يُفْسِدُ إِذَا كَانَ جَامِدًا، وَيُفْسِدُ إِذَا كَانَ مُتَحَلِّلاً، وَالْمُرَادُ بِالْمُتَحَلِّل الْمَائِعُ، أَيْ مَا يَنْمَاعُ وَلَوْ فِي الْمَعِدَةِ، بِخِلاَفِ غَيْرِ الْمُتَحَلِّل الَّذِي لاَ يَنْمَاعُ فِي الْمَعِدَةِ، كَدِرْهَمٍ وَحَصَاةٍ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْحُقْنَةَ مِنْ مَائِعٍ فِي الدُّبُرِ تُوجِبُ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ بِخِلاَفِ الْحُقْنَةِ بِالْجَامِدِ فَلاَ قَضَاءَ، كَمَا لاَ قَضَاءَ فِي فَتَائِل عَلَيْهَا دُهْنٌ لِخِفَّتِهَا (١) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (صَوْمٌ) .
الاِسْتِمْتَاعُ بِدُبُرِ الزَّوْجَةِ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِجَوَازِ اسْتِمْتَاعِ الزَّوْجِ بِظَاهِرِ دُبُرِ زَوْجَتِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ، بِشَرْطِ عَدَمِ الإِْيلاَجِ، لأَِنَّهُ كَسَائِرِ جَسَدِهَا، وَجَمِيعُهُ مُبَاحٌ، إِلاَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنَ الإِْيلاَجِ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْحَائِضِ. أَمَّا فِي الْحَائِضِ فَقَيَّدُوا جَوَازَ الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهَا وَسُرَّتِهَا دُونَ الإِْيلاَجِ بِأَنْ يَكُونَ بِحَائِلٍ (٢) . عَلَى خِلاَفٍ стр. 12370
وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَيْضٌ) .
الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ:
أ - وَطْءُ الذُّكُورِ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ الإِْتْيَانِ فِي دُبُرِ الرِّجَال، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِاللِّوَاطِ (١) ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْمَجِيدِ، وَعَابَ مَنْ فَعَلَهُ، فَقَال: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَل أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ . (٢) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ : لَعَنِ اللَّهُ مَنْ عَمَل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ ثَلاَثًا (٣) .
وَفِي عُقُوبَةِ فَاعِلِهِ، وَالأَْحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (لِوَاطٌ)
ب - وَطْءُ الأَْجْنَبِيَّةِ فِي دُبُرِهَا:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ إِتْيَانِ الأَْجْنَبِيَّةِ فِي стр. 12371
دُبُرِهَا، وَأَلْحَقَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِالزِّنَى فِي الْحُكْمِ (١) .
وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (زِنًى، لِوَاطٌ) .
ج - وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي دُبُرِهَا:
١٢ - لاَ يَحِل وَطْءُ الزَّوْجَةِ فِي الدُّبُرِ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وَطْءٌ) .
د - وَطْءُ الْبَهِيمَةِ وَالْحَيَوَانِ:
١٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَةِ وَطْءِ الْحَيَوَانِ فِي دُبُرِهِ أَوْ قُبُلِهِ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (وَطْءٌ) . стр. 12372
دُخَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - دُخَانُ النَّارِ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ أَدْخِنَةٌ، وَدَوَاخِنُ، وَدَوَاخِينُ، يُقَال: دَخَنَتِ النَّارُ: ارْتَفَعَ دُخَانُهَا، وَدَخَنَتْ: إِذَا فَسَدَتْ بِإِلْقَاءِ الْحَطَبِ عَلَيْهَا حَتَّى هَاجَ دُخَانُهَا، وَقَدْ يَضَعُ الْعَرَبُ الدُّخَانَ مَوْضِعَ الشَّرِّ إِذَا عَلاَ، فَيَقُولُونَ: كَانَ بَيْنَنَا أَمْرٌ ارْتَفَعَ لَهُ دُخَانٌ. وَقَدْ قِيل: إِنَّ الدُّخَانَ قَدْ مَضَى (١) .
وَمِنْ إِطْلاَقَاتِهِ أَيْضًا: التَّبَغُ وَالْبُخَارُ (٢) ، وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيل أَحْكَامِهِمَا فِي مُصْطَلَحَيْ: " بُخَارٌ " " وَتَبَغٌ ".
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالدُّخَانِ:
دُخَانُ النَّجَاسَةِ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي طَهَارَةِ الدُّخَانِ الْمُتَصَاعِدِ стр. 12373
مِنَ النَّجَاسَةِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْسَانِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَلِلضَّرُورَةِ وَتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ دُخَانَ النَّجَاسَةِ كَأَصْلِهَا، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الرَّمْلِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ قَلِيلَهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَعَلَى هَذَا فَمَنِ اسْتَصْبَحَ بِدُهْنٍ نَجِسٍ، يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُهُ مِنْ دُخَانِ الْمِصْبَاحِ لِقِلَّتِهِ.
وَأَمَّا عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيِّ فَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُغَلَّظٍ، وَإِلاَّ فَلاَ يُعْفَى عَنْهُ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا (١) .
فَسَادُ الصَّوْمِ بِالدُّخَانِ:
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الصَّائِمَ لَوْ أَدْخَل فِي حَلْقِهِ الدُّخَانَ أَفْطَرَ، سَوَاءٌ كَانَ دُخَانَ تَبَغٍ، أَوْ عُودٍ، أَوْ عَنْبَرٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ. إِذْ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. وَأَمَّا إِذَا وَصَل стр. 12374
إِلَى حَلْقِهِ دُونَ قَصْدٍ، فَلاَ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، لِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، لأَِنَّهُ إِذَا أَطْبَقَ الْفَمَ، دَخَل مِنَ الأَْنْفِ.
وَفِي اسْتِنْشَاقِ الدُّخَانِ عَمْدًا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: " صَوْمٌ (١) ".
الْقَتْل بِالدُّخَانِ:
٤ - مَنْ حَبَسَ شَخْصًا فِي بَيْتٍ وَسَدَّ مَنَافِذَهُ فَاجْتَمَعَ فِيهِ الدُّخَانُ وَضَاقَ نَفَسُهُ فَمَاتَ، فَفِيهِ الْقِصَاصُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مَوْتَهُ، أَمَّا إِنْ قَصَدَ مُجَرَّدَ التَّعْذِيبِ فَالدِّيَةُ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَوَاعِدُهُمْ تَأْبَى وُجُوبَ الْقِصَاصِ (٢) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قِصَاصٌ، وَدِيَةٌ) .
إِيذَاءُ الْجَارِ بِالدُّخَانِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ فِي دَارِهِ تَنُّورًا لِلْخَبْزِ الدَّائِمِ كَمَا يَكُونُ فِي الدَّكَاكِينِ، يُمْنَعُ، стр. 12375
لأَِنَّهُ يَضُرُّ بِجِيرَانِهِ ضَرَرًا فَاحِشًا لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، إِذْ يَأْتِي مِنْهُ الدُّخَانُ الْكَثِيرُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَال بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: إِلَى أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ، لأَِنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَمَا لَوْ طَبَخَ فِي دَارِهِ أَوْ خَبَزَ فِيهَا.
أَمَّا دُخَانُ التَّنُّورِ الْمُعْتَادِ فِي الْبُيُوتِ، وَدُخَانُ الْخَبْزِ وَالطَّبِيخِ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ يُمْنَعُ، لأَِنَّ ضَرَرَهُ يَسِيرٌ، وَلاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، فَتَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ (١) .
وَإِذَا طَبَخَ الْجَارُ مَا يَصِل دُخَانُهُ أَوْ رَائِحَتُهُ إِلَى جَارِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي ذِكْرِ حُقُوقِ الْجَارِ، ذَكَرَ مِنْهَا: وَلاَ تُؤْذِهِ بِقُتَارِ رِيحِ قِدْرِكَ إِلاَّ أَنْ تَغْرِفَ لَهُ مِنْهَا. (٢) стр. 12376
دُخُولٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الدُّخُول فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الْخُرُوجِ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الاِنْفِصَال مِنَ الْخَارِجِ إِلَى الدَّاخِل (٢) . وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْوَطْءِ عَلَى سَبِيل الْكِنَايَةِ. قَال الْمُطَرِّزِيُّ: سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَطْءُ مُبَاحًا أَوْ مَحْظُورًا (٣) .
وَقَال الْفَيُّومِيُّ: " دَخَل بِامْرَأَتِهِ دُخُولاً، كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ أَوَّل مَرَّةٍ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَطْءِ الْمُبَاحِ " وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ . (٤)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْخُرُوجُ:
٢ - الْخُرُوجُ فِي اللُّغَةِ نَقِيضُ الدُّخُول. وَالْخُرُوجُ стр. 12377
أَيْضًا: أَوَّل مَا يَنْشَأُ مِنَ السَّحَابِ، قَال الأَْخْفَشُ: يُقَال لِلْمَاءِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ السَّحَابِ: خُرُوجٌ (١) . فَالدُّخُول، وَالْخُرُوجُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل ضِدَّانِ، وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي مُتَبَايِنَانِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - لِلدُّخُول بِإِطْلاَقَيْهِ أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهَا، وَاخْتِلاَفِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الدُّخُول. وَنُجْمِل أَهَمَّهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلاً: أَحْكَامُ الدُّخُول بِالإِْطْلاَقِ الأَْوَّل:
دُخُول الْمَسْجِدِ:
٤ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ دُخُول الْمَسْجِدِ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَيُؤَخِّرَ الْيُسْرَى عِنْدَ الدُّخُول، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ (٢) وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يُقَال: أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣) وَبِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَل стр. 12378
عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. (١) وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ دَخَل الْمَسْجِدَ صَلاَةُ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " مَسْجِدٌ ".
دُخُول مَكَّةَ:
٥ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ دُخُول مَكَّةَ بِاخْتِلاَفِ الدَّاخِل: فَالآْفَاقِيُّ لاَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا إِلاَّ مُحْرِمًا، سَوَاءٌ أَدَخَلَهَا حَاجًّا أَمْ مُعْتَمِرًا، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا دَخَلَهَا لِغَيْرِ النُّسُكِ.
وَمَنْ كَانَ دَاخِل الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُل مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ، لأَِنَّهُ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ لِحَاجَتِهِ، وَأَمَّا لِلْحَجِّ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ، لأَِنَّهُ لاَ يَتَكَرَّرُ، وَكَذَا لأَِدَاءِ الْعُمْرَةِ، لأَِنَّهُ الْتَزَمَهَا بِنَفْسِهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " إِحْرَامٌ ".
وَلاَ بَأْسَ بِدُخُول مَكَّةَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا. стр. 12379
وَيُسْتَحَبُّ الدُّخُول مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ عِنْدَ دُخُول مَكَّةَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ ﷺ (١) كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول عِنْدَ الدُّخُول الأَْدْعِيَةَ الْمَأْثُورَةَ (٢) ،
وَتَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (حَجٌّ) (وَإِحْرَامٌ) .
دُخُول الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ الْمَسْجِدَ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَالْمُكْثُ فِيهِ وَلَوْ بِوُضُوءٍ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْجُنُبِ سَوَاءٌ أَكَانَ رَجُلاً أَمِ امْرَأَةً، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبُيُوتُ أَصْحَابِهِ شَارِعَةً فِي الْمَسْجِدِ، فَقَال: وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ، فَإِنِّي لاَ أُحِل الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ. (٣)
وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ الدُّخُول فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِذَا كَانَ لِلضَّرُورَةِ كَالْخَوْفِ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ стр. 12380
كَأَنْ يَكُونَ بَابُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَلاَ يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُهُ وَلاَ السُّكْنَى فِي غَيْرِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُولِهِ مَارًّا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ دُخُولُهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَلَوْ مَارًّا مِنْ بَابٍ لِبَابٍ. إِلاَّ أَنْ لاَ يَجِدَ بُدًّا فَيَتَيَمَّمُ وَيَدْخُل. وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنَ الْعُبُورِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الْحَائِضَ إِذَا أَرَادَتْ الْعُبُورَ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ حَرُمَ الْعُبُورُ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَمِنَتِ التَّلْوِيثَ جَازَ الْعُبُورُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تُمْنَعُ الْحَائِضُ مِنَ الْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ (١) .
دُخُول الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ الْمَسْجِدَ:
٧ - قَال النَّوَوِيُّ: يَجُوزُ إِدْخَال الصَّبِيِّ الْمَسْجِدَ وَإِنْ كَانَ الأَْوْلَى تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَمَّنْ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ تَنْجِيسُهُ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ إِدْخَالِهِ الْمَسْجِدَ إِنْ стр. 12381
كَانَ لاَ يَكُفُّ عَنِ الْعَبَثِ إِذَا نُهِيَ عَنْهُ، وَإِلاَّ فَيُكْرَهُ. وَكَذَلِكَ الْمَجَانِينُ (١) ، لِمَا وَرَدَ مَرْفُوعًا: جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ، وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ، وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَل سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ. (٢)
دُخُول الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ دُخُول الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَلاَ يُكْرَهُ دُخُولُهُ غَيْرَهُ. إِلاَّ أَنَّ جَوَازَ الدُّخُول مُقَيَّدٌ بِالإِْذْنِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ جُنُبًا أَمْ لاَ، لأَِنَّهُ لاَ يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ. فَلَوْ جَلَسَ الْحَاكِمُ فِيهِ لِلْحُكْمِ، فَلِلذِّمِّيِّ دُخُولُهُ لِلْمُحَاكَمَةِ، وَيُنَزَّل جُلُوسُهُ مَنْزِلَةَ إِذْنِهِ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَهُ مُطْلَقًا إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَغَيْرِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أَنْزَل وَفْدَ ثَقِيفٍ стр. 12382
فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا كُفَّارًا، وَقَال: لَيْسَ عَلَى الأَْرْضِ مِنْ نَجَسِهِمْ شَيْءٌ (١) وَكَرِهَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مُطْلَقًا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، كَعِمَارَةٍ لَمْ تُمْكِنْ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ كَانَتْ مِنَ الْكَافِرِ أَتْقَنَ (٢) .
دُخُول الْحَمَّامِ:
٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ دُخُول الْحَمَّامِ مَشْرُوعٌ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل الْحَمَّامَ وَتَنَوَّرَ (٣) (اسْتَخْدَمَ النُّوْرَةَ) ، وَدَخَل خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَمَّامَ حِمْصَ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَدْخُلاَنِ الْحَمَّامَ، وَلَكِنَّ إِبَاحَةَ الدُّخُول مُقَيَّدَةٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ كَوْنِ الدَّاخِل رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " حَمَّامٌ ". стр. 12383
دُخُول الْخَلاَءِ:
١٠ - يُسَنُّ لِدَاخِل الْخَلاَءِ تَقْدِيمُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَيَقُول عِنْدَ الدُّخُول: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ. لأَِنَّ التَّسْمِيَةَ يَبْدَأُ بِهَا لِلتَّبَرُّكِ، ثُمَّ يَسْتَعِيذُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " قَضَاءُ الْحَاجَةِ ".
دُخُول مَكَانٍ فِيهِ مُنْكَرٌ:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الدُّخُول بِقَصْدِ الْمُكْثِ وَالْجُلُوسِ إِلَى مَحَلٍّ فِيهِ مُنْكَرٌ.
وَيَجِبُ الدُّخُول إِذَا كَانَ الْمُنْكَرُ يَزُول بِدُخُولِهِ لِنَحْوِ عِلْمٍ أَوْ جَاهٍ، لإِِزَالَةِ الْمُنْكَرِ (٢) .
دُخُول الْمُسْلِمِ الْكَنِيسَةَ وَالْبِيعَةَ:
١٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ دُخُول الْبِيعَةِ وَالْكَنِيسَةِ، لأَِنَّهُ مَجْمَعُ الشَّيَاطِينِ، لاَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الدُّخُول. وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي رَأْيٍ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ دُخُولُهَا стр. 12384
إِلاَّ بِإِذْنِهِمْ، وَذَهَبَ الْبَعْضُ الآْخَرُ فِي رَأْيٍ آخَرَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِ دُخُول بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَنَحْوِهِمَا وَالصَّلاَةَ فِي ذَلِكَ، وَعَنْ أَحْمَدَ يُكْرَهُ إِنْ كَانَ ثَمَّ صُورَةٌ، وَقِيل مُطْلَقًا، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ، وَقَال فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَتَصِحُّ صَلاَةُ الْفَرْضِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَال ابْنُ تَمِيمٍ. لاَ بَأْسَ بِدُخُول الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي لاَ صُوَرَ فِيهَا، وَالصَّلاَةِ فِيهَا. وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ كَالَّتِي فِيهَا صُوَرٌ، وَحَكَى فِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَيْنِ. وَقَال فِي الشَّرْحِ. لاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ فِي الْكَنِيسَةِ النَّظِيفَةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكٌ الصَّلاَةَ فِي الْكَنَائِسِ لأَِجْل الصُّوَرِ، وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: تُكْرَهُ الصَّلاَةُ فِيهَا لأَِنَّهُ كَالتَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيل لَهَا، وَقِيل: لأَِنَّهُ يَضُرُّ بِهِمْ (١) .
وَيُكْرَهُ دُخُول كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ نَيْرُوزِهِمْ وَمَهْرَجَانِهِمْ. قَال عُمَرُ ﵁: لاَ تَدْخُلُوا عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كَنَائِسِهِمْ يَوْمَ عِيدِهِمْ، فَإِنَّ السَّخْطَةَ تَنْزِل عَلَيْهِمْ (٢)
دُخُول الْبُيُوتِ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمَرْءِ دُخُول стр. 12385
بَيْتٍ مَسْكُونٍ غَيْرِ بَيْتِهِ إِلاَّ بَعْدَ الاِسْتِئْذَانِ وَالإِْذْنِ لَهُ بِالدُّخُول، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِئْذَانٌ) .
ثَانِيًا: أَحْكَامُ الدُّخُول بِالإِْطْلاَقِ الثَّانِي (الْوَطْءُ) :
أَثَرُ الدُّخُول فِي الْمَهْرِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ سَمَّى مَهْرًا لَزِمَهُ بِالدُّخُول، لأَِنَّهُ تَحَقَّقَ بِهِ تَسْلِيمُ الْمُبْدَل، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَزِمَهُ نِصْفُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ . (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مَهْرٌ) .
أَثَرُ الدُّخُول فِي الْعِدَّةِ:
١٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ إِذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُول، فَالْعِدَّةُ لِغَيْرِ الْحَامِل ثَلاَثَةُ قُرُوءٍ، أَوْ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ عَلَى حَسَبِ الأَْحْوَال، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ стр. 12386
نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ . (١)
وَعِدَّةُ الْحَامِل وَضْعُ حَمْلِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولاَتُ الأَْحْمَال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) وَعِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ . (٣)
وَإِذَا كَانَ الطَّلاَقُ قَبْل الدُّخُول فَلاَ عِدَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْل أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ . (٤) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ (٥)) .
دَرْءُ الْحَدِّ
انْظُرْ: (شُبْهَةٌ، حُدُودٌ) . стр. 12387
دَرَاهِمُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّرَاهِمُ جَمْعُ دِرْهَمٍ، وَهُوَ لَفْظٌ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ النَّقْدِ ضُرِبَ مِنَ الْفِضَّةِ كَوَسِيلَةٍ لِلتَّعَامُل، وَتَخْتَلِفُ أَنْوَاعُهُ وَأَوْزَانُهُ بِاخْتِلاَفِ الْبِلاَدِ الَّتِي تَتَدَاوَلُهُ وَتَتَعَامَل بِهِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّنَانِيرُ:
٢ - الدَّنَانِيرُ جَمْعُ دِينَارٍ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ، قَال أَبُو مَنْصُورٍ: دِينَارٌ أَصْلُهُ أَعْجَمِيٌّ غَيْرَ أَنَّ الْعَرَبَ تَكَلَّمَتْ بِهِ فَصَارَ عَرَبِيًّا.
وَالدِّينَارُ اسْمٌ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الذَّهَبِ الْمَضْرُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْمِثْقَال (٢) . فَهِيَ تَخْتَلِفُ عَنِ الدَّرَاهِمِ فِي أَنَّهَا مِنَ الذَّهَبِ فِي حِينِ أَنَّ الدَّرَاهِمَ مِنَ الْفِضَّةِ. стр. 12388
ب - النَّقْدُ .
٣ - لِلنَّقْدِ ثَلاَثَةُ مَعَانٍ فَيُطْلَقُ عَلَى الْحُلُول أَيْ خِلاَفِ النَّسِيئَةِ، وَعَلَى إِعْطَاءِ النَّقْدِ، وَعَلَى تَمَيُّزِ الدَّرَاهِمِ وَإِخْرَاجِ الزَّيْفِ مِنْهَا، وَمُطْلَقِ النَّقْدِ وَيُرَادُ بِهِ مَا ضُرِبَ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي يَتَعَامَل بِهَا النَّاسُ (١) .
ج - الْفُلُوسُ:
٤ - الْفُلُوسُ جَمْعُ فَلْسٍ، وَتُطْلَقُ الْفُلُوسُ وَيُرَادُ بِهَا مَا ضُرِبَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَصَارَتْ عُرْفًا فِي التَّعَامُل وَثَمَنًا بِاصْطِلاَحِ النَّاسِ (٢) .
د - سِكَّةٌ:
٥ - السَّكُّ: تَضْبِيبُ الْبَابِ أَوِ الْخَشَبِ بِالْحَدِيدِ. وَالسِّكَّةُ: حَدِيدَةٌ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهَا، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا الدَّرَاهِمُ، وَهِيَ الْمَنْقُوشَةُ ثُمَّ نُقِل إِلَى أَثَرِهَا وَهِيَ النُّقُوشُ الْمَاثِلَةُ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ نُقِل إِلَى الْقِيَامِ عَلَى ذَلِكَ، وَهِيَ الْوَظِيفَةُ فَصَارَ стр. 12389
عَلَمًا عَلَيْهَا فِي عُرْفِ الدُّوَل، وَتُسَمَّى الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ سِكَّةً (١) .
الدِّرْهَمُ الإِْسْلاَمِيُّ وَكَيْفِيَّةُ تَحْدِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ:
٦ - كَانَتِ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ قَبْل الإِْسْلاَمِ مُتَعَدِّدَةً مُخْتَلِفَةَ الأَْوْزَانِ، وَكَانَتْ تَرِدُ إِلَى الْعَرَبِ مِنَ الأُْمَمِ الْمُجَاوِرَةِ فَكَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا، لاَ بِاعْتِبَارِ الْعَدَدِ بَل بِأَوْزَانٍ اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا، وَجَاءَ الإِْسْلاَمُ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى هَذِهِ الأَْوْزَانِ كَمَا جَاءَ فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْل مَكَّةَ، وَالْمِكْيَال مِكْيَال أَهْل الْمَدِينَةِ. (٢)
وَلَمَّا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى تَقْدِيرِ الدِّرْهَمِ فِي الزَّكَاةِ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ وَزْنٍ مُحَدَّدٍ لِلدِّرْهَمِ يُقَدَّرُ النِّصَابُ عَلَى أَسَاسِهِ، فَجُمِعَتِ الدَّرَاهِمُ الْمُخْتَلِفَةُ الْوَزْنِ وَأُخِذَ الْوَسَطُ مِنْهَا، وَاعْتُبِرَ هُوَ الدِّرْهَمُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَزِنُ الْعَشَرَةُ مِنْهُ سَبْعَةَ مَثَاقِيل مِنَ الذَّهَبِ، فَضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ الإِْسْلاَمِيَّةُ عَلَى هَذَا الأَْسَاسِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فُقَهَاءَ وَمُؤَرِّخِينَ، стр. 12390
لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْعَهْدِ الَّذِي تَمَّ فِيهِ هَذَا التَّحْدِيدُ، فَقِيل إِنَّ ذَلِكَ تَمَّ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقِيل إِنَّ ذَلِكَ تَمَّ فِي عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ تَمَّ فِي عَهْدِ عُمَرَ أَمْ فِي عَهْدِ بَنِي أُمَيَّةَ فَإِنَّ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ الأَْمْرُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي ضُرِبَ فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ هُوَ أَسَاسَ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ.
لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ وَالْمُؤَرِّخِينَ أَثْبَتُوا أَنَّ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَبْقَ عَلَى الْوَضْعِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الإِْجْمَاعُ فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ، بَل أَصَابَهُ تَغْيِيرٌ كَبِيرٌ فِي الْوَزْنِ وَالْعِيَارِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَصَارَ أَهْل كُل بَلَدٍ يَسْتَخْرِجُونَ الْحُقُوقَ الشَّرْعِيَّةَ مِنْ نَقْدِهِمْ بِمَعْرِفَةِ النِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَقَادِيرِهَا الشَّرْعِيَّةِ إِلَى أَنْ قِيل: يُفْتَى فِي كُل بَلَدٍ بِوَزْنِهِمْ (١) .
وَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ اضْطِرَابٌ فِي مَعْرِفَةِ الأَْنْصِبَةِ، وَهَل تُقَدَّرُ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْعَدَدِ؟ وَأَصْبَحَ الْوُصُول стр. 12391
إِلَى مَعْرِفَةِ الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ غَايَةً تَمْنَعُ هَذَا الاِضْطِرَابَ. وَإِلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ لَمْ يَصِل الْفُقَهَاءُ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَتَّى أَثْبَتَ الْمُؤَرِّخُ عَلِيُّ بَاشَا مُبَارَكٌ - بِوَاسِطَةِ اسْتِقْرَاءِ النُّقُودِ الإِْسْلاَمِيَّةِ الْمَحْفُوظَةِ فِي دُورِ الآْثَارِ بِالدُّوَل الأَْجْنَبِيَّةِ - أَنَّ دِينَارَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَزِنُ ٤، ٢٥. جِرَامٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ وَزْنُ الدِّرْهَمِ. ٢، ٩٧٥ جِرَامًا مِنَ الْفِضَّةِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ مِعْيَارًا فِي اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ زَكَاةٍ، وَدِيَةٍ، وَتَحْدِيدِ صَدَاقٍ، وَنِصَابِ سَرِقَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (١) .
مَنْ يَتَوَلَّى ضَرْبَ الدَّرَاهِمِ:
٧ - ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَظِيفَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِلدَّوْلَةِ، إِذْ بِهَا يَتَمَيَّزُ الْخَالِصُ مِنَ الْمَغْشُوشِ بَيْنَ النَّاسِ فِي النُّقُودِ عِنْدَ الْمُعَامَلاَتِ، وَيُتَّقَى الْغِشُّ بِخَتْمِ السُّلْطَانِ عَلَيْهَا بِالنُّقُوشِ الْمَعْرُوفَةِ (٢) . وَقَدْ قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لاَ يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إِلاَّ فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ، لأَِنَّ النَّاسَ إِنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ، فَقَدْ مَنَعَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ مِنَ الضَّرْبِ بِغَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ لِمَا فِيهِ مِنَ الاِفْتِيَاتِ عَلَيْهِ (٣) . стр. 12392
وَفِي الرَّوْضَةِ لِلنَّوَوِيِّ: يُكْرَهُ لِلرَّعِيَّةِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَتْ خَالِصَةً، لأَِنَّ ضَرْبَ الدَّرَاهِمِ مِنْ شَأْنِ الإِْمَامِ (١) .
وَذَكَرَ الْبَلاَذُرِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أُتِيَ بِرَجُلٍ يَضْرِبُ عَلَى غَيْرِ سِكَّةِ السُّلْطَانِ فَعَاقَبَهُ وَسَجَنَهُ وَأَخَذَ حَدِيدَهُ فَطَرَحَهُ فِي النَّارِ، وَحَكَى الْبَلاَذُرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَخَذَ رَجُلاً يَضْرِبُ عَلَى غَيْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ قَطْعَ يَدِهِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَعَاقَبَهُ، قَال الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ: فَرَأَيْتُ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ شُيُوخِنَا حَسَّنُوا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ (٢) .
حُكْمُ كَسْرِ الدَّرَاهِمِ وَقَطْعِهَا:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ كَسْرِ الدَّرَاهِمِ وَقَطْعِهَا، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ إِلَى كَرَاهِيَةِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، لِحَاجَةٍ وَلِغَيْرِ حَاجَةٍ، لأَِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ وَيُنْكَرُ عَلَى فَاعِلِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ. (٣)
وَالْكَرَاهَةُ عِنْدَ الإِْمَامِ أَحْمَدَ لِلتَّحْرِيمِ عَلَى مَا стр. 12393
جَاءَ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَرِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ وَرِوَايَةِ حَرْبٍ - وَقَدْ سُئِل عَنْ كَسْرِ الدَّرَاهِمِ - فَقَال: هُوَ عِنْدِي مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ وَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً. لَكِنَّهُ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، قَال أَبُو طَالِبٍ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنِ الدَّرَاهِمِ تُقَطَّعُ فَقَال: لاَ، نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيل لَهُ: فَمَنْ كَسَرَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنْ قَدْ فَعَل مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ قَال أَبُو يَعْلَى: وَقَوْلُهُ: لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، مَعْنَاهُ لاَ مَأْثَمَ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَفُقَهَاءُ الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّ كَسْرَهَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
وَفَصَّل قَوْمٌ، فَقَال الشَّافِعِيُّ. إِنْ كَسَرَهَا لِحَاجَةٍ لَمْ يُكْرَهُ لَهُ، وَإِنْ كَسَرَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ كُرِهَ لَهُ، لأَِنَّ إِدْخَال النَّقْصِ عَلَى الْمَال مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ سَفَهٌ.
وَاعْتَبَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَال الْبَلَدِ فَقَال: إِنَّ كَرَاهَةَ الْقَطْعِ مَحْمُولٌ عِنْدِي عَلَى بَلَدٍ لاَ يَجُوزُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَلاَ يَنْفُقُ الْمَقْطُوعُ مِنَ الدَّرَاهِمِ نَفَاقَ الصَّحِيحِ.
وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَطْعَ السِّكَّةِ مَانِعًا مِنَ الشَّهَادَةِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: إِلاَّ أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ، وَقَال عَنْهُ الْعُتْبِيُّ: لاَ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلاً.
وَقَال سَحْنُونُ: لَيْسَ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِجُرْحَةٍ.
стр. 12394
قَال بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا الاِخْتِلاَفُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا قَطَعَهَا وَهِيَ وَازِنَةٌ فَرَدَّهَا نَاقِصَةً وَالْبَلَدُ لاَ تَجُوزُ فِيهِ إِلاَّ وَازِنَةٌ، وَهِيَ تَجْرِي فِيهِ عَدَدًا بِغَيْرِ وَزْنٍ، فَانْتَفَعَ بِمَا قَطَعَ مِنْهَا، وَيُنْفِقُهَا بِغَيْرِ وَزْنٍ فَتُجْرَى مَجْرَى الْوَازِنَةِ، فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ ذَلِكَ جُرْحَةٌ، وَلَوْ قَطَعَهَا وَكَانَ التَّبَايُعُ بِهَا بِالْمِيزَانِ فَلاَ خِلاَفَ أَنَّ التَّبَايُعَ بِهَا لَيْسَ بِجُرْحَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ.
أَمَّا قَطْعُ الدَّرَاهِمِ لِصِيَاغَتِهَا حُلِيًّا لِلنِّسَاءِ، فَقَدْ قَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ: لاَ بَأْسَ أَنْ يَقْطَعَ الرَّجُل الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ حُلِيًّا لِبَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ.
وَقَدْ مَنَعَ الإِْمَامُ أَحْمَدُ أَنْ تُقْطَعَ لِلصِّيَاغَةِ، قَال فِي رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ - وَقَدْ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُل يَقْطَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ يَصُوغُ مِنْهَا - قَال: لاَ تَفْعَل، فِي هَذَا ضَرَرٌ عَلَى النَّاسِ، وَلَكِنْ يَشْتَرِي تِبْرًا مَكْسُورًا بِالْفِضَّةِ (١) .
إِنْفَاقُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ:
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِنْفَاقِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ.
فَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الشِّرَاءَ بِالدَّرَاهِمِ الزَّائِفَةِ стр. 12395
وَلاَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا، بَل يَتَعَلَّقُ بِجِنْسِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ الزُّيُوفِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ يَعْلَمُ بِحَالِهَا خَاصَّةً لأَِنَّهُ رَضِيَ بِجِنْسِ الزُّيُوفِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ لاَ يَعْلَمُ لاَ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِجِنْسِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَيِّدِ مِنْ نَقْدِ تِلْكَ الْبَلَدِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَرْضَ إِلاَّ بِهِ إِذَا كَانَ لاَ يَعْلَمُ بِحَالِهَا.
وَيُجِيزُ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ تُبَاعَ لِمَنْ لاَ يَغُشُّ بِهَا النَّاسَ بَل لِمَنْ يُكَسِّرُهَا وَيَجْعَلُهَا حُلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ.
فَإِنْ بَاعَ لِمَنْ يَغُشُّ بِهِ فُسِخَ الْبَيْعُ.
وَفِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ إِنْ عُلِمَ مِعْيَارُ الْفِضَّةِ فِي الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ صَحَّتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا مُعَيَّنَةً، وَفِي الذِّمَّةِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا الصِّحَّةُ مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ رَوَاجُهَا وَهِيَ رَائِجَةٌ، وَلِحَاجَةِ الْمُعَامَلَةِ بِهَا. . ثُمَّ قَال: وَمَنْ مَلَكَ دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةً كُرِهَ لَهُ إِمْسَاكُهَا بَل يَسْبِكُهَا وَيُصَفِّيهَا، قَال الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إِلاَّ إِنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ مَغْشُوشَةً فَلاَ يُكْرَهُ إِمْسَاكُهَا.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ الْغِشُّ يَخْفَى لَمْ يَجُزِ التَّعَامُل بِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: الْمَنْعُ وَالْجَوَازُ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (صَرْفٌ، رِبًا، غِشٌّ) . следующие страницы →