Полный текст (31 949 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.
стр. 12566
الأَْصْل فِي الأَْشْيَاءِ الإِْبَاحَةُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ وَهِيَ: وَلِيمَةُ الْعُرْسِ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقِيل وَاجِبَةٌ، وَالْعَقِيقَةُ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ، وَالْمَأْتَمُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَهُوَ اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ فِي الْمَوْتِ.
وَفِي الْمُغْنِي خِلاَفُ ذَلِكَ، قَال: حُكْمُ الدَّعْوَةِ لِلْخِتَانِ وَسَائِرِ الدَّعَوَاتِ غَيْرِ الْوَلِيمَةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. (١)
وَانْظُرْ لِلتَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ: (وَلِيمَةٌ، عَقِيقَةٌ، جِنَازَةٌ، خِتَانٌ) .
تَكْرَارُ الدَّعْوَةِ:
٣١ م - قَال الْحَنَفِيَّةُ لاَ بَأْسَ بِأَنْ يَدْعُوَ لِلْوَلِيمَةِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعُرْسُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْوَلِيمَةُ، وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَكْرَارُ الدَّعْوَةِ لِلسَّبَبِ الْوَاحِدِ وَلَوْ وَلِيمَةً، قَالُوا: إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ ثَانِيًا غَيْرَ الْمَدْعُوِّ أَوَّلاً.
وَإِنْ كَانَ تَكْرَارُهَا لِضِيقِ مَنْزِلٍ، أَوْ لأَِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ جِنْسًا بَعْدَ جِنْسٍ، فَلاَ كَرَاهَةَ، قَالَهُ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ تَكُونُ مَكْرُوهَةً إِلاَّ إِذَا كَرَّرَهَا لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ أَوْ مَا بَعْدَهُ (٢) لِلْحَدِيثِ: الْوَلِيمَةُ стр. 12567
أَوَّل يَوْمٍ حَقٌّ، وَالثَّانِي مَعْرُوفٌ، والثَّالِثَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ (١) .
حُكْمُ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ:
٣٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ فِي الأَْصْل وَاجِبَةٌ إِنْ كَانَتْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ (ر: وَلِيمَةٌ) وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الإِْجَابَةِ إِلَيْهَا.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَيْسَتِ الإِْجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةً بَل هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ أَوْ مَانِعٌ عَلَى مَا يَأْتِي. وَسَوَاءٌ كَانَتْ لِسَبَبٍ كَبِنَاءٍ أَوْ وِلاَدَةٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مَا لَمْ تَكُنْ مِنَ الدَّاعِي مَكْرُوهَةً كَدَعْوَةِ الْمَأْتَمِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ فِي إِجَابَةِ الدَّاعِي تَطْيِيبُ نَفْسِهِ، وَجَبْرُ قَلْبِهِ. (٢)
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ الإِْجَابَةَ لِغَيْرِ الْعُرْسِ وَالْعَقِيقَةِ مُبَاحَةٌ وَقِيل هِيَ مَكْرُوهَةٌ، وَالْمَأْدُبَةُ إِذَا فُعِلَتْ لإِِينَاسِ الْجَارِ وَمَوَدَّتِهِ مَنْدُوبَةٌ. (٣)
وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الإِْجَابَةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَدْعُوِّ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ وَغَيْرِهَا، أَخْذًا стр. 12568
بِالْعُمُومَاتِ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا. إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلِيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ (١) وَقَوْلُهُ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ. (٢) فَجَعَل إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ حَقًّا لِلْمُسْلِمِ، وَالْحَقُّ هُوَ الْوَاجِبُ، وَلَمْ يَخُصَّ عُرْسًا مِنْ غَيْرِهِ (٣) .
إِجَابَةُ دَعْوَةِ الْفُقَرَاءِ وَالإِْجَابَةُ عَلَى الطَّعَامِ الْقَلِيل:
٣٣ - لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَقْرُ الدَّاعِي، أَوْ خِفَّةُ شَأْنِهِ، أَوْ قِلَّةُ الطَّعَامِ مَانِعًا مِنْ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكِبْرِ. وَالدَّعْوَةُ مَشْرُوعَةٌ لإِِحْيَاءِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَزِيدِ التَّآلُفِ. وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لَوْ دُعِيتَ إِلَى كُرَاعٍ لأََجَبْتُ وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ. (٤) стр. 12569
& وَالْكُرَاعُ مِنَ الشَّاةِ وَنَحْوِهَا: مُسْتَدَقُّ السَّاقِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ ﷺ وَتَوَاضُعِهِ وَجَبْرِهِ لِقُلُوبِ النَّاسِ، وَعَلَى قَبُول الْهَدِيَّةِ وَإِجَابَةِ مَنْ يَدْعُو الرَّجُل إِلَى مَنْزِلِهِ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ قَال: قَال الْمُهَلَّبُ: لاَ يَبْعَثُ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الطَّعَامِ إِلاَّ صِدْقُ الْمَوَدَّةِ وَسُرُورُ الدَّاعِي بِأَكْل الْمَدْعُوِّ مِنْ طَعَامِهِ، وَالتَّحَبُّبُ إِلَيْهِ بِالْمُؤَاكَلَةِ، وَتَوْكِيدِ الذِّمَامِ مَعَهُ بِهَا، فَلِذَلِكَ حَضَّ ﷺ عَلَى الإِْحَابَةِ وَلَوْ نَزَرَ الطَّعَامُ الْمَدْعُوُّ إِلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: الإِْجَابَةُ لِمَا قَل أَوْ كَثُرَ. ا. هـ ".
(١) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيبُوا. (٢)
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ (٣) .
الآْدَابُ الشَّرْعِيَّةُ لِلدَّعْوَةِ بِمَعْنَى الْمُنَادَاةِ:
٣٤ - أ - مِنْ أَدَبِ الدَّعْوَةِ مِنَ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ الْمُسْلِمِ أَنْ يُنَادِيَهُ بِالاِسْمِ أَوِ الْوَصْفِ الَّذِي يُحِبُّهُ، стр. 12570
قَال ابْنُ عَقِيلٍ: " لاَ تَدْعُوَنَّ أَحَدًا إِلاَّ بِأَحَبِّ أَسْمَائِهِ إِلَيْهِ " (١) وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَال الْكُنَى فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِكَ: يَا أَبَا فُلاَنٍ وَيَا أُمَّ فُلاَنٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ نَوْعٌ مِنَ التَّكْرِيمِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَنِّي أَصْحَابَهُ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ كَنَّى بَعْضَ الصِّغَارِ مِنْهُمْ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ قَال لأَِخِي أَنَسٍ وَكَانَ صَغِيرًا يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَل النُّغَيْرُ. (٢)
٣٥ - ب - وَمِنْهَا أَنْ لاَ يَكُونَ النِّدَاءُ بِالأَْلْقَابِ الْمَكْرُوهَةِ وَالأَْسْمَاءِ الَّتِي فِيهَا تَحْقِيرٌ وَيَنْفِرُ مِنْهَا صَاحِبُهَا، لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ﴾ (٣) وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جَبِيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ قَال: كَانَ الرَّجُل مِنَّا يَكُونُ لَهُ الاِسْمَانِ وَالثَّلاَثَةُ فَيُدْعَى بِهَا فَعَسَى أَنْ يَكْرَهَ فَنَزَلَتْ ﴿وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ﴾ . ا. هـ.
وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنِ النِّدَاءُ بِالْوَصْفِ الْمَكْرُوهِ سَبِيل التَّأْدِيبِ وَالتَّعْزِيرِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ. (٤) أَوْ عَلَى سَبِيل الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْل إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ (٥) . فَيَقُول لَهُ: يَا ظَالِمُ стр. 12571
يَا خَائِنُ، إِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ الظُّلْمُ أَوِ الْخِيَانَةُ.
وَلاَ يَحِل لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدْعُوَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ بِالْكُفْرِ بِأَنْ يَقُول لَهُ: يَا كَافِرُ، أَوْ يَا يَهُودِيُّ، أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ.
وَذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ أَوْ قَال يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ (١)
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَيُّمَا امْرِئٍ قَال لأَِخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَال وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ. (٢)
٣٦ - ج - وَمِنْهَا أَنْ يُرَاعِيَ الدَّاعِي مَا حَضَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ فِي الْمُخَاطَبَاتِ مِنْ تَوْقِيرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّوْقِيرَ وَالتَّبْجِيل لِعِلْمِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ عَدْلِهِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُوَقَّرَ أَرْبَعَةٌ: الْعَالِمُ، وَذُو الشَّيْبَةِ وَالسُّلْطَانُ وَالْوَالِدُ، وَمِنَ الْجَفَاءِ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُل وَالِدَهُ بِاسْمِهِ. (٣)
٣٧ - د - وَمِنْهَا أَنْ لاَ يُسْتَعْمَل فِي النِّدَاءِ الأَْلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى إِهَانَةِ الْمُخَاطِبِ لِنَفْسِهِ أَمَامَ الْمُخَاطَبِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ كَرِيمٌ بِكَرَامَةِ الإِْيمَانِ، عَزِيزٌ بِعَظَمَةِ اللَّهِ فِي صَدْرِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ. (٤) стр. 12572
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلدَّعْوَةِ وَالإِْجَابَةِ إِلَيْهَا:
٣٨ - تَأْخُذُ الدَّعْوَةُ حُكْمَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ غَالِبًا، فَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً، أَوْ سُنَّةً، أَوْ مُسْتَحَبَّةً، أَوْ مَكْرُوهَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً، فَتَكُونُ تَلْبِيَةُ الدَّعْوَةِ وَاجِبَةً فِي أَحْوَالٍ مِنْهَا.
٣٩ - أ - أَنْ يُدْعَى لأَِدَاءِ وَاجِبٍ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَيْنِيًّا كَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ فَلاَ يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ وَكَانَتِ الإِْجَابَةُ إِلَيْهِ مُتَعَيِّنَةً، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْكِفَايَةِ كَانَتِ الإِْحَابَةُ إِلَيْهِ وَاجِبَةً عَلَى الْكِفَايَةِ، كَإِجَابَةِ دَعْوَةِ الْمَلْهُوفِ، وَالْمُضْطَرِّ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلاَكِ، وَالْمُسْتَغِيثِ (ر: اسْتِغَاثَةٌ، اضْطِرَارٌ) .
٤٠ - ب - أَنْ يُدْعَى إِلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ فَتَجِبُ الاِسْتِجَابَةُ لِلدَّاعِي، لأَِنَّ الْفِعْل وَاجِبُ التَّرْكِ أَصْلاً، وَيَتَأَكَّدُ الْوُجُوبُ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيل لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِْثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (١) وَفِي مُقَابِل ذَلِكَ قَال تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) وَقَال: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ стр. 12573
وَالرَّسُول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ (١)
٤١ - ج - وَتَكُونُ الاِسْتِجَابَةُ أَيْضًا وَاجِبَةً عَلَى مَنْ دُعِيَ إِلَى قَاضٍ يَحْكُمُ طِبْقًا لِلشَّرِيعَةِ فِي حَقٍّ عَلَيْهِ. فَعَلَيْهِ الاِسْتِجَابَةُ، وَيَحْرُمُ الاِمْتِنَاعُ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ مَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى حُضُورِهِ، وَإِلاَّ وَجَبَ الْوَفَاءُ أَوِ الْحُضُورُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الْحَقُّ. وَلَوْ دَعَاهُ الْقَاضِي نَفْسُهُ لَزِمَ الْحُضُورُ أَيْضًا (٢) ، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ ﵎ فِي وَصْفِ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْل الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤) وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى، وَقَضَاءٌ) .
٤٢ - د - وَتَكُونُ الإِْجَابَةُ وَاجِبَةً أَيْضًا عَلَى مَنْ دُعِيَ لِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ، أَوْ دُعِيَ لأَِدَاءِ شَهَادَةٍ تَحَمَّلَهَا، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٥) قَال الْمَحَلِّيُّ: تَحَمُّل الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ - أَيْ فِي حَقِّ مَنْ هُمْ أَهْلٌ стр. 12574
لِثُبُوتِهِ، وَإِنْ زَادُوا عَلَى النِّصَابِ - لِتَوَقُّفِ الاِنْعِقَادِ عَلَيْهِ، فَيَلْزَمُهُ الاِسْتِجَابَةُ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا وَدُعِيَ لِلتَّحَمُّل فَالأَْصَحُّ عَدَمُ وُجُوبِ الإِْجَابَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُحَمَّل مَرِيضًا، أَوْ مَحْبُوسًا، أَوِ امْرَأَةً مُخَدَّرَةً، أَوْ قَاضِيًا يُشْهِدُهُ عَلَى أَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ.
وَأَمَّا الدَّعْوَةُ لِلأَْدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إِلاَّ اثْنَانِ لَزِمَهُمَا الأَْدَاءُ لِمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ فَالْوُجُوبُ عَلَى الْكِفَايَةِ (١) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (شَهَادَةٌ) .
٤٣ - هـ - أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي وَاجِبَ الطَّاعَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - الاِسْتِجَابَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ . فَقَدْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى كُل صَحَابِيٍّ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يُنَادِيهِ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (٢) عَلَى أَحَدِ الأَْقْوَال فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ.
قَال الرَّازِيُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّال وَالْمُبَرِّدِ، قَال: أَيْ وَلاَ تَجْعَلُوا أَمْرَهُ إِيَّاكُمْ وَدُعَاءَهُ لَكُمْ كَمَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، إِذْ كَانَ أَمْرُهُ فَرْضًا لاَزِمًا. (٣) стр. 12575
هَذَا وَتَجِبُ الاِسْتِجَابَةُ لِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَدْعُوُّ فِي غَيْرِ صَلاَةٍ، أَوْ كَانَ فِي صَلاَةِ فَرْضٍ، أَوْ صَلاَةِ نَفْلٍ. وَفِي بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِالاِسْتِجَابَةِ لَهُ بِالْقَوْل خِلاَفٌ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْمُعَلَّى، قَال: كُنْتُ أُصَلِّي فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَال: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ أَلَمْ يَقُل اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُول إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (١) ثُمَّ قَال: لأَُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْل أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ. . . (٢) الْحَدِيثَ
٤٤ - ب - أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي هُوَ الأَْبُ أَوِ الأُْمُّ، إِذْ مِنَ الْعُقُوقِ لَهُمَا أَنْ يَسْمَعَهُمَا يَدْعُوَانِهِ فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَهُمَا، فَإِنْ دَعَوَاهُ جَمِيعًا أَجَابَ الأُْمَّ أَوَّلاً، وَيَدُل لأَِصْل الْمَسْأَلَةِ فِي الْوُجُوبِ قِصَّةُ جُرَيْجٍ الْعَابِدِ، وَفِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ فَجَاءَتْ أُمُّهُ، فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا تَدْعُوهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمْنِي. فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي، فَقَال: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي، فَاخْتَارَ صَلاَتَهُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّهَا دَعَتْ عَلَيْهِ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهَا (٣) . стр. 12576
قَال الْحَنَفِيَّةُ كَمَا فِي الدُّرِّ وَرَدِّ الْمُحْتَارِ: لَوْ دَعَاهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فِي الْفَرْضِ لاَ يُجِيبُهُ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِهِ - وَاسْتِغَاثَةُ غَيْرِ الأَْبَوَيْنِ كَذَلِكَ - وَكَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى إِغَاثَتِهِ وَتَخْلِيصِهِ، فَيَجِبُ إِغَاثَتُهُ وَقَطْعُ الصَّلاَةِ، وَفِي النَّفْل إِنْ عَلِمَ الَّذِي نَادَاهُ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ فَدَعَاهُ لاَ يُجِيبُهُ، لأَِنَّ نِدَاءَهُ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ فِي صَلاَةٍ مَعْصِيَةٌ، وَلاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي صَلاَةٍ فَإِنَّهُ يُجِيبُهُ، لِمَا فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الْعَابِدِ (١) . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ إِجَابَةَ الْوَالِدِ فِي النَّافِلَةِ أَفْضَل مِنَ التَّمَادِي فِيهَا، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالأُْمِّ دُونَ الأَْبِ وَقَال بِهِ مِنَ السَّلَفِ مَكْحُولٌ (٢) .
وَقَال النَّوَوِيُّ فِي شَأْنِ حَدِيثِ قِصَّةِ جُرَيْجٍ: قَال الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ الصَّوَابُ فِي حَقِّهِ إِجَابَتَهَا، لأَِنَّهُ كَانَ فِي صَلاَةِ نَفْلٍ، وَالاِسْتِمْرَارُ فِيهَا تَطَوُّعٌ لاَ وَاجِبٌ، وَإِجَابَةُ الأُْمِّ وَبِرُّهَا وَاجِبٌ، وَعُقُوقُهَا حَرَامٌ (٣) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: جَوَازُ قَطْعِ الصَّلاَةِ مُطْلَقًا لإِِجَابَةِ نِدَاءِ الأُْمِّ نَفْلاً كَانَتْ أَوْ فَرْضًا وَجْهٌ فِي стр. 12577
مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الصَّلاَةَ إِنْ كَانَتْ نَفْلاً وَعَلِمَ تَأَذِّي الْوَالِدِ بِالتَّرْكِ وَجَبَتِ الإِْجَابَةُ وَإِلاَّ فَلاَ، وَإِنْ كَانَتْ فَرْضًا وَضَاقَ الْوَقْتُ لَمْ تَجِبِ الإِْجَابَةُ، وَإِنْ لَمْ يَضِقْ وَجَبَ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ لأَِنَّهَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ.
ج - أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي هُوَ الزَّوْجُ إِذَا دَعَا امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ: إِذَا دَعَا الرَّجُل امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ. (١)
٦ - أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي هُوَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْوِلاَيَةِ، كَأَمِيرِ الْحَجِّ، وَأَمِيرِ الْجَيْشِ، وَالْوَالِي وَنَحْوِهِمْ، فَتَجِبُ الاِسْتِجَابَةُ لَهُمْ بِمُقْتَضَى الْوِلاَيَةِ، مَا لَمْ تَكُنْ دَعْوَتُهُمْ إِلَى مُحَرَّمٍ. стр. 12578
دَفْعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّفْعُ: مَصْدَرُ دَفَعَ. وَمِنْ مَعَانِي مَادَّتِهِ فِي اللُّغَةِ: التَّنْحِيَةُ وَالْمُمَاطَلَةُ وَالْمُحَاجَّةُ عَنِ الْغَيْرِ وَالرَّدُّ، وَيَشْمَل رَدَّ الْقَوْل وَرَدَّ غَيْرِهِ كَالْوَدِيعَةِ مَثَلاً، وَالاِرْتِحَال عَنِ الْمَوْضِعِ، وَالْمَجِيءَ بِمَرَّةٍ. وَإِذَا بُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَفْعُول كَانَ بِمَعْنَى الاِنْتِهَاءِ إِلَى الشَّيْءِ (١) .
وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ: فَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الْكُلِّيَّاتِ (٢) : صَرْفُ الشَّيْءِ قَبْل الْوُرُودِ، وَإِذَا عُدِّيَ فِعْلُهُ بِإِلَى كَانَ مَعْنَاهُ الإِْنَالَةَ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (٣) ﴾ ، وَإِذَا عُدِّيَ بِعَنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْحِمَايَةَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (٤) ﴾ .
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَإِنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ الدَّفْعَ стр. 12579
بِمَعْنَى الإِْعْطَاءِ، أَوِ الإِْخْرَاجِ، أَوِ الأَْدَاءِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ (١) .
وَيَسْتَعْمِلُونَهُ أَيْضًا بِمَعْنَى الرَّدِّ كَمَا فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ إِلَى الْمُودِعِ (٢) .
وَيَسْتَعْمِلُونَهُ أَيْضًا بِمَعْنَى اتِّقَاءِ الشَّرِّ وَمَنْعِهِ كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِل (٣) .
وَيَسْتَعْمِلُونَهُ أَيْضًا بِمَعْنَى رَدِّ خُصُومَةِ الْمُدَّعِي وَإِبْطَال دَعْوَاهُ (٤) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - دَرْءٌ:
٢ - وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: الدَّفْعُ. قَال فِي الْمِصْبَاحِ: دَرَأْتُ الشَّيْءَ - بِالْهَمْزَةِ - دَرْءًا مِنْ بَابِ نَفَعَ، دَفَعْتُهُ، وَدَارَأْتُهُ دَافَعْتُهُ، وَتَدَارَءُوا تَدَافَعُوا.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَيْضًا مَعْنَاهُ الدَّفْعُ. стр. 12580
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى كَقَوْلِهِمْ: الْحُدُودُ تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ (١) .
ب - رَدٌّ:
٣ - وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْ مَنْعُ . وَالرُّجُوعُ، أَوِ الإِْرْسَال. قَال فِي الْمِصْبَاحِ: رَدَدْتُ الشَّيْءَ رَدًّا مَنَعْتُهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَقَدْ يُوصَفُ بِالْمَصْدَرِ فَيُقَال: فَهُوَ رَدٌّ. وَرَدَدْتُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. وَرَدَدْتُ إِلَيْهِ جَوَابَهُ أَيْ: رَجَعْتُ وَأَرْسَلْتُ. وَمِنْهُ رَدَدْتُ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةَ أَيْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ (٢) .
ج - رَفْعٌ:
٤ - وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: خِلاَفُ الْخَفْضِ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ أَيْضًا إِذَاعَةُ الأَْمْرِ، وَالشَّرَفُ فِي النَّسَبِ، وَالإِْسْرَاعُ فِي السَّيْرِ، وَقَبُول الْعَمَل، وَهُوَ فِي الأَْجْسَامِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَرَكَةِ وَالاِنْتِقَال. وَفِي الْمَعَانِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ، وَمَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ: يُقَابِل مَعْنَى الدَّفْعِ إِذْ مَعْنَاهُ صَرْفُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِهِ، وَالدَّفْعُ صَرْفُهُ قَبْل وُرُودِهِ (٣) .
د - مَنْعٌ:
٥ - وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْحِرْمَانُ مِنَ الأَْمْرِ، وَالْكَفُّ عَنْهُ، وَمُنَازَعَةُ الشَّيْءِ، وَالتَّمَنُّعُ بِالْقَوْمِ: التَّقَوِّي بِهِمْ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: خِلاَفُ الْعَطَاءِ، وَالصِّلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّفْعِ هِيَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ стр. 12581
يَسْتَعْمِلُونَ الدَّفْعَ وَيُرِيدُونَ مِنْهُ الْمَنْعَ كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِل (١) .
الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ الأَْحْكَامَ الْخَاصَّةَ بِمُصْطَلَحِ دَفْعٍ فِي عَدَدٍ مِنَ الْمَوَاطِنِ كَمَا يَلِي:
أ - الزَّكَاةُ:
٦ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ دَفْعٍ فِي الزَّكَاةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْطِنٍ وَأَرَادُوا بِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى، فَقَدِ اسْتَعْمَلُوهُ بِمَعْنَى الإِْعْطَاءِ أَوِ الأَْدَاءِ، كَقَوْلِهِمْ: مَنْ يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ لَهُ الصَّدَقَةُ وَمَنْ لاَ يَجُوزُ، وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ عِنْدَ دَفْعِهَا، وَبِمَعْنَى الإِْخْرَاجِ كَقَوْلِهِمْ: وَقْتُ دَفْعِ الزَّكَاةِ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاة) .
ب - الْوَدِيعَةُ:
٧ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الدَّفْعِ أَيْضًا فِي الْوَدِيعَةِ، وَأَرَادُوا بِهِ الرَّدَّ، أَيْ رَدَّهَا إِلَى الْمُودِعِ وَدَفْعَهَا إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى وَكِيلِهِ عِنْدَ طَلَبِهَا. فَإِنْ أَخَّرَهَا حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ (٣) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَدِيعَة) . стр. 12582
ج - الصِّيَال:
٨ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ الدَّفْعَ فِي الصِّيَال وَيَعْنُونَ بِهِ مَنْعَ الصَّائِل مِنْ تَحْقِيقِ غَرَضِهِ وَاتِّقَاءِ شَرِّهِ. وَالصَّائِل هُوَ مَنْ قَصَدَ غَيْرَهُ بِشَرٍّ سَوَاءٌ أَكَانَ الصَّائِل مُسْلِمًا أَمْ ذِمِّيًّا أَمْ عَبْدًا أَمْ حُرًّا أَمْ صَبِيًّا أَمْ مَجْنُونًا أَمْ بَهِيمَةً، فَيَجُوزُ دَفْعُهُ عَنْ كُل مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ، أَوْ طَرَفٍ، أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَعَنِ الْبُضْعِ، وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَعَنِ الْمَال وَإِنْ قَل، مَعَ رِعَايَةِ التَّدْرِيجِ فِي كَيْفِيَّةِ الدَّفْعِ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالأَْهْوَنِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُ إِلاَّ بِقَتْلِهِ قَتَلَهُ. وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِقِصَاصٍ، وَلاَ دِيَةٍ، وَلاَ كَفَّارَةٍ، وَلاَ قِيمَةٍ.
فَإِنْ قُتِل الْمُدَافِعُ كَانَ شَهِيدًا لِخَبَرِ: وَمَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ (١) وَلأَِنَّهُ قُتِل لِدَفْعِ ظَالِمٍ، فَكَانَ شَهِيدًا كَالْعَادِل إِذَا قَتَلَهُ الْبَاغِي (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صِيَال) .
د - دَعْوَى:
٩ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ الدَّفْعَ فِي الدَّعْوَى وَيَعْنُونَ بِهِ رَدَّ كَلاَمِ الْمُدَّعِي وَإِبْطَال دَعْوَاهُ. وَمِمَّا ذَكَرُوهُ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَنْ يَقُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هَذَا الشَّيْءُ أَوْدَعَنِيهِ فُلاَنٌ الْغَائِبُ أَوْ رَهَنَهُ عِنْدِي، أَوْ غَصَبْتُهُ مِنْهُ، أَوْ أَعَارَنِي، أَوْ آجَرَنِي. وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ стр. 12583
بَيِّنَةً، فَحِينَئِذٍ تَنْدَفِعُ الْخُصُومَةُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُحْتَالاً كَمَا ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ.
وَمِمَّا تَنْدَفِعُ بِهِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِمِلْكِ إِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِتِلْكَ الدَّعْوَى، أَوْ يُقِرُّ بِهِ لِغَيْرِ الْمُدَّعِي كَمَا فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَمِمَّا تَنْدَفِعُ بِهِ دَعْوَى الدَّيْنِ أَنْ يَقُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: قَضَيْتُ أَوْ أَبْرَأَنِي، كَمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ.
وَتَنْدَفِعُ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى زَوْجِيَّةَ امْرَأَةٍ وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ بِإِنْكَارِهَا، وَلاَ يُسْتَحْلَفُ كَمَا ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) .
الدَّفْعُ أَقْوَى مِنَ الرَّفْعِ:
١٠ - وَهِيَ قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ ذَكَرَهَا الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ. وَمِنْ فُرُوعِهَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَل إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لاَ يَعُودُ طَهُورًا فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ يَعُودُ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ قَبْل الاِسْتِعْمَال فَإِنَّهُ لاَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلاً بِهِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا اسْتُعْمِل وَهُوَ قُلَّتَانِ كَانَ دَافِعًا لِلاِسْتِعْمَال، وَإِذَا جُمِعَ كَانَ رَافِعًا. وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنَ الرَّفْعِ стр. 12584
وَمِنْ فُرُوعِهَا أَيْضًا أَنَّ السَّفَرَ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الصِّيَامِ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَيَ دْفَ عُ الصَّوْمَ. وَلَوْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ لاَ يُبِيحُهُ وَلاَ يَرْفَعُ الصَّوْمَ. وَالدَّفْعُ أَقْوَى مِنَ الرَّفْعِ (١) .
هَذَا وَيَرِدُ ذِكْرُ الدَّفْعِ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَمَسَائِلِهِ، كَالصَّلاَةِ وَالإِْحْرَامِ وَالسَّلَمِ وَالْحَوَالَةِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَاللُّقَطَةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالنَّفَقَاتِ وَالْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْجِهَادِ وَالْجِزْيَةِ. وَالتَّفْصِيل فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ بِتِلْكَ الأَْبْوَابِ وَالْمَسَائِل.
دَفْعُ الصَّائِل
انْظُرْ: صِيَال
دُفٌّ
انْظُرْ: مَلاَهِي стр. 12585
دَفْنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّفْنُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْمُوَارَاةِ وَالسَّتْرِ. يُقَال: دَفَنَ الْمَيِّتَ وَارَاهُ، وَدَفَنَ سِرَّهُ: أَيْ كَتَمَهُ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: مُوَارَاةُ الْمَيِّتِ فِي التُّرَابِ (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - دَفْنُ الْمُسْلِمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِجْمَاعًا إِنْ أَمْكَنَ. وَالدَّلِيل عَلَى وُجُوبِهِ: تَوَارُثُ النَّاسِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ ﵇ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مَعَ النَّكِيرِ عَلَى تَارِكِهِ.
وَأَوَّل مَنْ قَامَ بِالدَّفْنِ هُوَ قَابِيل الَّذِي أَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَى دَفْنِ أَخِيهِ هَابِيل (٣) ، لِمَا جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى стр. 12586
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَْرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَال يَا وَيْلَتَى أَعْجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْل هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (١) ﴾ .
وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ: كَمَا لَوْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ، غُسِّل وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنَ الْبَرِّ. وَتَقْدِيرُ الْقُرْبِ: بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَرِّ مُدَّةٌ لاَ يَتَغَيَّرُ فِيهَا الْمَيِّتُ.
وَصَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُثَقَّل بِشَيْءٍ لِيَرْسُبَ، وَقَال الشَّافِعِيُّ: يُثَقَّل إِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَإِلاَّ يُرْبَطُ بَيْنَ لَوْحَيْنِ لِيَحْمِلَهُ الْبَحْرُ إِلَى السَّاحِل، فَرُبَّمَا وَقَعَ إِلَى قَوْمٍ يَدْفِنُونَهُ (٢) .
أَفْضَل مَكَانٍ لِلدَّفْنِ:
٣ - الْمَقْبَرَةُ أَفْضَل مَكَانٍ لِلدَّفْنِ، وَذَلِكَ لِلاِتِّبَاعِ، وَلِنَيْل دُعَاءِ الطَّارِقِينَ، وَفِي أَفْضَل مَقْبَرَةٍ بِالْبَلَدِ أَوْلَى. وَإِنَّمَا دُفِنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِهِ؛ لأَِنَّ مِنْ خَوَاصِّ الأَْنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ حَيْثُ يَمُوتُونَ.
وَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الدَّارِ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ صَغِيرًا. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَكَذَلِكَ الدَّفْنُ فِي مَدْفَنٍ стр. 12587
خَاصٍّ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَبْنِي مَدْرَسَةً وَنَحْوَهَا وَيَبْنِي لَهُ بِقُرْبِهِ مَدْفَنًا (١) .
وَأَمَّا الدَّفْنُ فِي الْمَسَاجِدِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ دَفْنُ الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ لِلصَّلاَةِ فِيهِ.
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَحْرُمُ دَفْنُهُ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ؛ لِتَعْيِينِ الْوَاقِفِ الْجِهَةَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيُنْبَشُ عِنْدَهُمْ مَنْ دُفِنَ بِمَسْجِدٍ تَدَارُكًا لِلْعَمَل بِشَرْطِ الْوَاقِفِ. كَمَا يَحْرُمُ دَفْنُهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلاَ إِذْنِ رَبِّهِ لِلْعُدْوَانِ، وَلِلْمَالِكِ إِلْزَامُ دَافِنِهِ بِإِخْرَاجِهِ وَنَقْلِهِ؛ لِيَفْرُغَ لَهُ مِلْكُهُ عَمَّا شَغَلَهُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَالأَْوْلَى لَهُ تَرْكُهُ حَتَّى يَبْلَى؛ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ (٢) .
نَقْل الْمَيِّتِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ:
٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْل الْمَيِّتِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ بَعْدَ الدَّفْنِ مُطْلَقًا. وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِجَوَازِهِ إِلاَّ أَنَّ ابْنَ عَابِدِينَ رَدَّهُ فَقَال نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ: اتِّفَاقُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا стр. 12588
وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ، وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَسَعُهَا ذَلِكَ، فَتَجْوِيزُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا نَقْل يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ ﵉ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ؛ لِيَكُونَا مَعَ آبَائِهِمَا الْكِرَامِ فَهُوَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَلَمْ يَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا.
وَأَمَّا قَبْل دَفْنِهِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِنَقْلِهِ مُطْلَقًا، وَقِيل إِلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَقَيَّدَهُ مُحَمَّدٌ بِقَدْرِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ نَقْل الْمَيِّتِ قَبْل الدَّفْنِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ إِلاَّ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ. وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشَةِ، فَحُمِل إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَتَتْ قَبْرَهُ، ثُمَّ قَالَتْ: " وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلاَّ حَيْثُ مِتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ (١) ".
وَلأَِنَّ ذَلِكَ أَخَفُّ لِمُؤْنَتِهِ، وَأَسْلَمُ لَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ جَازَ.
قَال الشَّافِعِيُّ ﵀: لاَ أُحِبُّهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ стр. 12589
بِقُرْبِ مَكَّةَ، أَوِ الْمَدِينَةِ، أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَيُخْتَارُ أَنْ يُنْقَل إِلَيْهَا لِفَضْل الدَّفْنِ فِيهَا، وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُكْرَهُ نَقْلُهُ، وَقَال صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " وَآخَرُونَ: يَحْرُمُ نَقْلُهُ (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ نَقْل الْمَيِّتِ قَبْل الدَّفْنِ وَكَذَا بَعْدَهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ بِشُرُوطٍ هِيَ:
- أَنْ لاَ يَنْفَجِرَ حَال نَقْلِهِ
- أَنْ لاَ تُنْتَهَكَ حُرْمَتُهُ
- وَأَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ: كَأَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَهُ الْبَحْرُ، أَوْ تُرْجَى بَرَكَةُ الْمَوْضِعِ الْمَنْقُول إِلَيْهِ، أَوْ لِيُدْفَنَ بَيْنَ أَهْلِهِ، أَوْ لأَِجْل قُرْبِ زِيَارَةِ أَهْلِهِ، أَوْ دَفْنِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ، فَيُتَدَارَكُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا، وَدَفْنِهِ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ الثَّلاَثَةِ كَانَ النَّقْل حَرَامًا (٢) .
وَاتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ يُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ حَيْثُ قُتِل. لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُرَدُّوا إِلَى مَصَارِعِهِمْ (٣) . وَأَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ стр. 12590
الْحَدِيدُ وَالسِّلاَحُ، وَيُتْرَكُ عَلَيْهِ خُفَّاهُ، وَقَلَنْسُوَتُهُ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ بِدِمَائِهِمْ (١) . وَدَفْنُ الشَّهِيدِ بِثِيَابِهِ حَتْمٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَمَلاً بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهُ ثِيَابَهُ، وَيُكَفِّنَهُ بِغَيْرِهَا (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهِيد) (وَتَكْفِين) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْكَافِرَ إِنْ مَاتَ فِي الْحِجَازِ، وَشَقَّ نَقْلُهُ مِنْهُ لِتَقَطُّعِهِ، أَوْ بُعْدِ الْمَسَافَةِ مِنْ غَيْرِ الْحِجَازِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ دُفِنَ ثَمَّ، أَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلاَ يَجِبُ دَفْنُهُ، وَفِي وَجْهٍ لاَ يَجُوزُ، فَإِنْ دُفِنَ فَيُتْرَكُ.
وَأَمَّا فِي حَرَمِ مَكَّةَ فَيُنْقَل مِنْهُ وَلَوْ دُفِنَ؛ لأَِنَّ الْمَحَل غَيْرُ قَابِلٍ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِإِذْنٍ مِنَ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ إِذْنَ الإِْمَامِ لاَ يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ. وَلأَِنَّ بَقَاءَ جِيفَتِهِ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ دُخُولِهِ حَيًّا إِلاَّ إِذَا تَهَرَّى стр. 12591
وَتَقَطَّعَ بَعْدَ دَفْنِهِ تُرِكَ. وَلَيْسَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا ذُكِرَ؛ لاِخْتِصَاصِ حَرَمِ مَكَّةَ بِالنُّسُكِ (١) .
دَفْنُ الأَْقَارِبِ فِي مَقْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ:
٥ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ الأَْقَارِبِ فِي الدَّفْنِ فِي مَقْبَرَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ: أَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي (٢) . وَلأَِنَّ ذَلِكَ أَسْهَل لِزِيَارَتِهِمْ وَأَكْثَرُ لِلتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ، وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ الأَْبِ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِ فِي السِّنِّ وَالْفَضِيلَةِ إِنْ أَمْكَنَ (٣) .
الأَْحَقُّ بِالدَّفْنِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الأَْوْلَى بِدَفْنِ الْمَرْأَةِ مَحَارِمُهَا الرِّجَال الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ وَهُمُ الَّذِينَ كَانَ يَحِل لَهُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا وَلَهَا السَّفَرُ مَعَهُمْ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَامَ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂، فَقَال: أَلاَ стр. 12592
إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى النِّسْوَةِ مَنْ يُدْخِلُهَا قَبْرَهَا، فَأَرْسَلْنَ: مَنْ كَانَ يَحِل لَهُ الدُّخُول عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهَا، فَرَأَيْتُ أَنْ قَدْ صَدَقْنَ.
وَلأَِنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا لَمَّا تُوُفِّيَتْ قَال لأَِهْلِهَا: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا. وَلأَِنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِوِلاَيَتِهَا حَال الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثُمَّ زَوْجُهَا؛ لأَِنَّهُ أَشْبَهُ بِمَحْرَمِهَا مِنَ النَّسَبِ مِنَ الأَْجَانِبِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ ذُو رَحِمٍ فَلاَ بَأْسَ لِلأَْجَانِبِ وَضْعُهَا فِي قَبْرِهَا، وَلاَ يُحْتَاجُ إِلَى إِحْضَارِ النِّسَاءِ لِلدَّفْنِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ مَاتَتِ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَزَل فِي قَبْرِ ابْنَتِهِ (١) . وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَارِمَهَا كُنَّ هُنَاكَ، كَأُخْتِهَا فَاطِمَةَ وَلأَِنَّ تَوَلِّيَ النِّسَاءِ لِذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِل فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصْرِ خُلَفَائِهِ، وَلَمْ يُنْقَل. ثُمَّ يُقَدَّمُ خَصِيٌّ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أَفْضَل دِينًا وَمَعْرِفَةً. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: إِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُدْخِلَهَا النِّسَاءُ؛ لأَِنَّهُ مُبَاحٌ لَهُنَّ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَهُنَّ أَحَقُّ بِغُسْلِهَا، الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى كَالرِّجَال.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ الزَّوْجَ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ مَنْظُورَهُ أَكْثَرُ (٢) . стр. 12593
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْمَيِّتَ إِنْ كَانَ رَجُلاً فَيَضَعُهُ فِي قَبْرِهِ الرِّجَال، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً فَيَتَوَلَّى ذَلِكَ زَوْجُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا وَمَحَارِمُهَا مِنْ أَعْلاَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَصَالِحُوا الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ وُجِدَ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الأَْجَانِبِ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الأَْوْلَى بِدَفْنِ الرِّجَال أَوْلاَهُمْ بِغُسْلِهِ وَالصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَلاَ يَنْزِل الْقَبْرَ إِلاَّ الرِّجَال مَتَى وُجِدُوا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَحَدَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ ﵃، وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا تَوَلَّوْا غُسْلَهُ (٢) ، وَلأَِنَّ الْمُقَدَّمَ بِغُسْلِهِ أَقْرَبُ إِلَى سَتْرِ أَحْوَالِهِ، وَقِلَّةِ الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَقْرَبُ الْعَصَبَةِ، ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ، ثُمَّ الرِّجَال الأَْجَانِبُ، ثُمَّ مِنْ مَحَارِمِهِ مِنَ النِّسَاءِ، ثُمَّ الأَْجْنَبِيَّاتُ لِلْحَاجَةِ إِلَى دَفْنِهِ وَعَدَمِ غَيْرِهِنَّ (٣) .
أَمَّا دَفْنُ الْقَاتِل لِلْمَقْتُول: فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ حَقَّ لَهُ فِي دَفْنِهِ لِمُبَالَغَتِهِ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ (٤) .
دَفْنُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ
٧ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ стр. 12594
أَنْ يَدْفِنَ كَافِرًا وَلَوْ قَرِيبًا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، بِأَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ فَيُوَارِيهِ وُجُوبًا.؛ لأَِنَّهُ ﷺ لَمَّا أُخْبِرَ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَال لِعَلِيٍّ ﵁: اذْهَبْ فَوَارِهِ (١) وَكَذَلِكَ قَتْلَى بَدْرٍ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، أَوْ لأَِنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِهِ وَيَتَغَيَّرُ بِبَقَائِهِ. وَلاَ يُسْتَقْبَل بِهِ قِبْلَتَنَا لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلاَ قِبْلَتَهُمْ؛ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهَا، فَلاَ يُقْصَدُ جِهَةٌ مَخْصُوصَةٌ، بَل يَكُونُ دَفْنُهُ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ السُّنَّةِ.
وَكَذَلِكَ لاَ يُتْرَكُ مَيِّتٌ مُسْلِمٌ لِوَلِيِّهِ الْكَافِرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ، إِذْ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ دَفْنِهِ فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ وَاسْتِقْبَالِهِ قِبْلَتَهُمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٢) .
كَيْفِيَّةُ الدَّفْنِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخَل الْمَيِّتُ مِنْ قِبَل الْقِبْلَةِ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ جِهَتِهَا، ثُمَّ يُحْمَل فَيُلْحَدَ، فَيَكُونَ الآْخِذُ لَهُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ حَال الأَْخْذِ. стр. 12595
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. وَقَال النَّخَعِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ رَأَى أَهْل الْمَدِينَةِ فِي الزَّمَنِ الأَْوَّل يُدْخِلُونَ مَوْتَاهُمْ مِنْ قِبَل الْقِبْلَةِ، وَأَنَّ السَّل شَيْءٌ أَحْدَثَهُ أَهْل الْمَدِينَةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ بَأْسَ أَنْ يُدْخَل الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ كَانَ وَالْقِبْلَةُ أَوْلَى (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ السَّل، بِأَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عِنْدَ آخِرِ الْقَبْرِ ثُمَّ يُسَل مِنْ قِبَل رَأْسِهِ مُنْحَدِرًا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأَْنْصَارِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ.
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُل مِنْ قِبَل رَأْسِهِ سَلًّا (٣) .
وَالْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ هُنَا خِلاَفٌ فِي الأَْوْلَى، وَعَلَى هَذَا فَإِنْ كَانَ الأَْسْهَل عَلَيْهِمْ أَخْذَهُ مِنَ الْقِبْلَةِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الْقَبْرِ فَلاَ حَرَجَ؛ لأَِنَّ стр. 12596
اسْتِحْبَابَ أَخْذِهِ مِنْ أَسْفَل الْقَبْرِ إِنَّمَا كَانَ طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ عَلَيْهِمْ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الأَْسْهَل غَيْرَهُ كَانَ مُسْتَحَبًّا، قَال أَحْمَدُ ﵀: كُلٌّ لاَ بَأْسَ بِهِ (١) .
ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَيَقُول وَاضِعُهُ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللَّهِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَدْخَل الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ، قَال مَرَّةً: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللَّهِ. وَقَال مَرَّةً: بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢)
وَمَعْنَى بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللَّهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْنَاكَ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللَّهِ سَلَّمْنَاكَ.
وَقَال الْمَاتُرِيدِيُّ: هَذَا لَيْسَ دُعَاءً لِلْمَيِّتِ؛ لأَِنَّهُ إِنْ مَاتَ عَلَى مِلَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَدَّل حَالُهُ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُبَدَّل أَيْضًا، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنِينَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَيَشْهَدُونَ بِوَفَاةِ الْمَيِّتِ عَلَى الْمِلَّةِ، وَعَلَى هَذَا جَرَتِ السُّنَّةُ. стр. 12597
وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخْرَى ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ (١) .
ثُمَّ تُحَل عُقَدُ الْكَفَنِ لِلاِسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، وَيُسَوَّى اللَّبِنُ عَلَى اللَّحْدِ، وَتُسَدُّ الْفُرَجُ بِالْمَدَرِ وَالْقَصَبِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَيْ لاَ يَنْزِل التُّرَابُ مِنْهَا عَلَى الْمَيِّتِ، وَيُكْرَهُ وَضْعُ الآْجُرِّ الْمَطْبُوخِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الأَْرْضُ رَخْوَةً؛ لأَِنَّهَا تُسْتَعْمَل لِلزِّينَةِ، وَلاَ حَاجَةَ لِلْمَيِّتِ إِلَيْهَا، وَلأَِنَّهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ. قَال مَشَايِخُ بُخَارَى: لاَ يُكْرَهُ الآْجُرُّ فِي بِلاَدِنَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِضَعْفِ الأَْرَاضِي، وَكَذَلِكَ الْخَشَبُ.
وَيُسْتَحَبُّ حَثْيُهُ مِنْ قِبَل رَأْسِهِ ثَلاَثًا: لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَل رَأْسِهِ ثَلاَثًا (٢) . وَيَقُول فِي الْحَثْيَةِ الأُْولَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ، وَفِي الثَّالِثَةِ: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ .
وَقِيل: يَقُول فِي الأُْولَى: اللَّهُمَّ جَافِ الأَْرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لِرُوحِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ زَوِّجْهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَلِلْمَرْأَةِ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهَا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ. стр. 12598
ثُمَّ يُهَال التُّرَابُ عَلَيْهِ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ (١) .
وَيَحْرُمُ أَنْ يُوضَعَ تَحْتَ الْمَيِّتِ عِنْدَ الدَّفْنِ مِخَدَّةٌ أَوْ حَصِيرٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ إِتْلاَفُ مَالٍ بِلاَ ضَرُورَةٍ، بَل الْمَطْلُوبُ كَشْفُ خَدِّهِ، وَالإِْفْضَاءُ إِلَى التُّرَابِ اسْتِكَانَةً وَتَوَاضُعًا، وَرَجَاءً لِرَحْمَةِ اللَّهِ. وَمَا رُوِيَ أَنَّهُ جُعِل فِي قَبْرِهِ ﷺ قَطِيفَةٌ (٢) ، قِيل: لأَِنَّ الْمَدِينَةَ سَبِخَةٌ، وَقِيل: إِنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا ﵄ تَنَازَعَا فَبَسَطَهَا شَقْرَانُ تَحْتَهُ؛ لِقَطْعِ التَّنَازُعِ. وَقِيل: كَانَ ﵊ يَلْبَسُهَا وَيَفْتَرِشُهَا، فَقَال شَقْرَانُ: وَاللَّهِ لاَ يَلْبَسُكِ أَحَدٌ بَعْدَهُ أَبَدًا فَأَلْقَاهَا فِي الْقَبْرِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ لِيَكُونَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ، بَل ثَبَتَ عَنْ غَيْرِهِ خِلاَفُهُ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ شَيْءٌ عِنْدَ الدَّفْنِ.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَال: (لاَ تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الأَْرْضِ شَيْئًا) . стр. 12599
وَلاَ تَعْيِينَ فِي عَدَدِ مَنْ يَدْخُل الْقَبْرَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ عَدَدُهُمْ عَلَى حَسَبِ حَال الْمَيِّتِ، وَحَاجَتِهِ، وَمَا هُوَ أَسْهَل فِي أَمْرِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَدَهُ ثَلاَثَةٌ (١) .
وَلَوْ مَاتَ أَقَارِبُ الشَّخْصِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَمْكَنَهُ دَفْنُ كُل وَاحِدٍ فِي قَبْرٍ، بَدَأَ بِمَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فِي التَّغْيِيرِ، فَإِنْ لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرٌ بَدَأَ بِأَبِيهِ، ثُمَّ أُمِّهِ، ثُمَّ الأَْقْرَبِ فَالأَْقْرَبِ، فَإِنْ كَانَا أَخَوَيْنِ فَأَكْبَرُهُمَا، وَإِنْ كَانَتَا زَوْجَتَيْنِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (٢) .
أَقَل مَا يُجْزِئُ فِي الدَّفْنِ
٩ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّ أَقَل مَا يُجْزِئُ فِي الدَّفْنِ حُفْرَةٌ تَكْتُمُ رَائِحَةَ الْمَيِّتِ، وَتَحْرُسُهُ عَنِ السِّبَاعِ؛ لِعُسْرِ نَبْشِ مِثْلِهَا غَالِبًا، وَقُدِّرَ الأَْقَل بِنِصْفِ الْقَامَةِ، وَالأَْكْثَرُ بِالْقَامَةِ، وَيُنْدَبُ عَدَمُ تَعْمِيقِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ حَدَّ لأَِكْثَرِهِ وَإِنْ كَانَ النَّدْبُ عَدَمَ عُمْقِهِ.
وَيَجُوزُ الدَّفْنُ فِي الشَّقِّ وَاللَّحْدِ، فَاللَّحْدُ: أَنْ стр. 12600
يُحْفَرَ حَائِطُ الْقَبْرِ مَائِلاً عَنِ اسْتِوَائِهِ مِنْ أَسْفَلِهِ قَدْرَ مَا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. وَالشَّقُّ: أَنْ يُحْفَرَ وَسَطُهُ كَالنَّهْرِ، وَيُسَقَّفَ. فَإِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ صُلْبَةً فَاللَّحْدُ أَفْضَل، وَإِلاَّ فَالشَّقُّ (١) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: " قَبْر ".
تَغْطِيَةُ الْقَبْرِ حِينَ الدَّفْنِ:
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَغْطِيَةُ قَبْرِ الْمَرْأَةِ حِينَ الدَّفْنِ لأَِنَّهَا عَوْرَةٌ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ، وَبِنَاءُ أَمْرِهَا عَلَى السِّتْرِ، وَالْخُنْثَى فِي ذَلِكَ كَالأُْنْثَى احْتِيَاطًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَغْطِيَةِ قَبْرِ الرَّجُل، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ تَغْطِيَةُ قَبْرِ الرَّجُل إِلاَّ لِعُذْرٍ مِنْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَقَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا، وَقَدْ بَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ وَقَال: إِنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنِ اتِّبَاعِ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ стр. 12601
ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَالْمَرْأَةُ آكَدُ.؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عِنْدَ الاِضْطِجَاعِ وَحَل الشِّدَادِ، فَيَظْهَرُ مَا يُسْتَحَبُّ إِخْفَاؤُهُ.
اتِّخَاذُ التَّابُوتِ:
١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي التَّابُوتِ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَرَخَاوَةِ الأَْرْضِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ عَنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْل الدُّنْيَا، وَالأَْرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلاَتِهِ. وَلأَِنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ الْمَال.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَقَالُوا: لاَ بَأْسَ بِاتِّخَاذِ التَّابُوتِ لَهَا مُطْلَقًا؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى السِّتْرِ، وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَسِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ (١) .
الدَّفْنُ لَيْلاً وَفِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلاً؛ لأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دُفِنَ لَيْلاً، وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَيْلاً، وَمِمَّنْ دُفِنَ لَيْلاً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَرَخَّصَ стр. 12602
فِيهِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا إِنْ أَمْكَنَ؛ لأَِنَّهُ أَسْهَل عَلَى مُتَّبِعِي الْجِنَازَةِ، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا، وَأَمْكَنُ لاِتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ.
وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَالْحَسَنُ (١) ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلاً، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُل بِاللَّيْل إِلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ (٢) .
أَمَّا الدَّفْنُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الدَّفْنُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَعِنْدَ قِيَامِهَا (٣) لِقَوْل عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (٤) . стр. 12603
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الدَّفْنُ فِي غَيْرِهَا أَفْضَل (١) .
الدَّفْنُ قَبْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ غُسْلٍ وَبِلاَ كَفَنٍ:
١٣ - إِنْ دُفِنَ الْمَيِّتُ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُغَسَّل، إِلاَّ أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكُ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يُنْبَشُ لأَِنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نَبْش) .
أَمَّا إِنْ دُفِنَ قَبْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْقَاضِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلاَ يُنْبَشُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ (٣) ، وَلَمْ يَنْبُشْهَا، وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ دُفِنَ قَبْل وَاجِبٍ فَيُنْبَشُ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ стр. 12604
غُسْلٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، أَمَّا إِنْ تَغَيَّرَ فَلاَ يُنْبَشُ بِحَالٍ (١) .
وَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يُتْرَكُ اكْتِفَاءً بِسِتْرِ الْقَبْرِ، وَحِفْظًا؛ لِحُرْمَتِهِ، وَلأَِنَّ الْقَصْدَ بِالْكَفَنِ السَّتْرُ وَقَدْ حَصَل. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُنْبَشُ، ثُمَّ يُكَفَّنُ، ثُمَّ يُدْفَنُ لأَِنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ فَأَشْبَهَ الْغُسْل (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (كَفَن) .
دَفْنُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يُدْفَنُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَضِيقِ مَكَانٍ، أَوْ تَعَذُّرِ حَافِرٍ، أَوْ تُرْبَةٍ أُخْرَى؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ كُل مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (٣) . وَعَلَى هَذَا فِعْل الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
فَإِذَا دُفِنَ جَمَاعَةٌ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ: قُدِّمَ الأَْفْضَل مِنْهُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ عَلَى стр. 12605
حَسَبِ تَقْدِيمِهِمْ إِلَى الإِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ لِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ قَال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ: الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُل إِنْسَانٍ شَدِيدٌ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا (١) .
ثُمَّ إِنْ شَاءَ سَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمْ، إِنْ شَاءَ حَفَرَ قَبْرًا طَوِيلاً، وَجَعَل رَأْسَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى عِنْدَ رِجْل الآْخَرِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ أَحْمَدُ.
وَيُجْعَل بَيْنَ مَيِّتٍ وَآخَرَ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ وَيُقَدَّمُ الأَْبُ عَلَى الاِبْنِ، إِنْ كَانَ أَفْضَل مِنْهُ لِحُرْمَةِ الأُْبُوَّةِ، وَكَذَا تُقَدَّمُ الأُْمُّ عَلَى الْبِنْتِ.
وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَال إِلاَّ عِنْدَ تَأَكُّدِ الضَّرُورَةِ، وَيُقَدَّمُ الرَّجُل وَإِنْ كَانَ ابْنًا.
فَإِنِ اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَخُنْثَى وَصَبِيٌّ، قُدِّمَ الرَّجُل، ثُمَّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ الْخُنْثَى، ثُمَّ الْمَرْأَةُ.
وَلِذَلِكَ فَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِي، وَهِيَ كَبَيْتٍ مَعْقُودٍ بِالْبِنَاءِ يَسَعُ لِجَمَاعَةٍ قِيَامًا لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ، وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ وَهِيَ:
عَدَمُ اللَّحْدِ، وَدَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بِلاَ ضَرُورَةٍ، وَاخْتِلاَطُ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ بِلاَ حَاجِزٍ، следующие страницы →