Полный текст (31 949 стр.). Показаны 12601–12640 · переход к 12606.
стр. 12601
ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَالْمَرْأَةُ آكَدُ.؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا يَنْكَشِفُ عِنْدَ الاِضْطِجَاعِ وَحَل الشِّدَادِ، فَيَظْهَرُ مَا يُسْتَحَبُّ إِخْفَاؤُهُ.
اتِّخَاذُ التَّابُوتِ:
١١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي التَّابُوتِ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَرَخَاوَةِ الأَْرْضِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ عَنْ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْل الدُّنْيَا، وَالأَْرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلاَتِهِ. وَلأَِنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ الْمَال.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، فَقَالُوا: لاَ بَأْسَ بِاتِّخَاذِ التَّابُوتِ لَهَا مُطْلَقًا؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى السِّتْرِ، وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَسِّهَا عِنْدَ الْوَضْعِ فِي الْقَبْرِ (١) .
الدَّفْنُ لَيْلاً وَفِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلاً؛ لأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ دُفِنَ لَيْلاً، وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَيْلاً، وَمِمَّنْ دُفِنَ لَيْلاً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَائِشَةُ، وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. وَرَخَّصَ стр. 12602
فِيهِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا إِنْ أَمْكَنَ؛ لأَِنَّهُ أَسْهَل عَلَى مُتَّبِعِي الْجِنَازَةِ، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا، وَأَمْكَنُ لاِتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ.
وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَالْحَسَنُ (١) ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلاً، فَزَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُل بِاللَّيْل إِلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ (٢) .
أَمَّا الدَّفْنُ فِي الأَْوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الدَّفْنُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَعِنْدَ قِيَامِهَا (٣) لِقَوْل عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (٤) . стр. 12603
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الأَْوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الدَّفْنُ فِي غَيْرِهَا أَفْضَل (١) .
الدَّفْنُ قَبْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ غَيْرِ غُسْلٍ وَبِلاَ كَفَنٍ:
١٣ - إِنْ دُفِنَ الْمَيِّتُ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُغَسَّل، إِلاَّ أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَفَسَّخَ، فَيُتْرَكُ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يُنْبَشُ لأَِنَّ النَّبْشَ مُثْلَةٌ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (نَبْش) .
أَمَّا إِنْ دُفِنَ قَبْل الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ اخْتَارَهَا الْقَاضِي أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَلاَ يُنْبَشُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْمِسْكِينَةِ (٣) ، وَلَمْ يَنْبُشْهَا، وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ دُفِنَ قَبْل وَاجِبٍ فَيُنْبَشُ، كَمَا لَوْ دُفِنَ مِنْ غَيْرِ стр. 12604
غُسْلٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، أَمَّا إِنْ تَغَيَّرَ فَلاَ يُنْبَشُ بِحَالٍ (١) .
وَإِنْ دُفِنَ بِغَيْرِ كَفَنٍ، فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يُتْرَكُ اكْتِفَاءً بِسِتْرِ الْقَبْرِ، وَحِفْظًا؛ لِحُرْمَتِهِ، وَلأَِنَّ الْقَصْدَ بِالْكَفَنِ السَّتْرُ وَقَدْ حَصَل. وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُنْبَشُ، ثُمَّ يُكَفَّنُ، ثُمَّ يُدْفَنُ لأَِنَّ التَّكْفِينَ وَاجِبٌ فَأَشْبَهَ الْغُسْل (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (كَفَن) .
دَفْنُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يُدْفَنُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَضِيقِ مَكَانٍ، أَوْ تَعَذُّرِ حَافِرٍ، أَوْ تُرْبَةٍ أُخْرَى؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْفِنُ كُل مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (٣) . وَعَلَى هَذَا فِعْل الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
فَإِذَا دُفِنَ جَمَاعَةٌ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ: قُدِّمَ الأَْفْضَل مِنْهُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ عَلَى стр. 12605
حَسَبِ تَقْدِيمِهِمْ إِلَى الإِْمَامَةِ فِي الصَّلاَةِ لِمَا رَوَى هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ قَال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ: الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُل إِنْسَانٍ شَدِيدٌ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الاِثْنَيْنِ وَالثَّلاَثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا (١) .
ثُمَّ إِنْ شَاءَ سَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمْ، إِنْ شَاءَ حَفَرَ قَبْرًا طَوِيلاً، وَجَعَل رَأْسَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الْمَوْتَى عِنْدَ رِجْل الآْخَرِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ أَحْمَدُ.
وَيُجْعَل بَيْنَ مَيِّتٍ وَآخَرَ حَاجِزٌ مِنْ تُرَابٍ وَيُقَدَّمُ الأَْبُ عَلَى الاِبْنِ، إِنْ كَانَ أَفْضَل مِنْهُ لِحُرْمَةِ الأُْبُوَّةِ، وَكَذَا تُقَدَّمُ الأُْمُّ عَلَى الْبِنْتِ.
وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَال إِلاَّ عِنْدَ تَأَكُّدِ الضَّرُورَةِ، وَيُقَدَّمُ الرَّجُل وَإِنْ كَانَ ابْنًا.
فَإِنِ اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَخُنْثَى وَصَبِيٌّ، قُدِّمَ الرَّجُل، ثُمَّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ الْخُنْثَى، ثُمَّ الْمَرْأَةُ.
وَلِذَلِكَ فَيُكْرَهُ الدَّفْنُ فِي الْفَسَاقِي، وَهِيَ كَبَيْتٍ مَعْقُودٍ بِالْبِنَاءِ يَسَعُ لِجَمَاعَةٍ قِيَامًا لِمُخَالَفَتِهَا السُّنَّةَ، وَالْكَرَاهَةُ فِيهَا مِنْ وُجُوهٍ وَهِيَ:
عَدَمُ اللَّحْدِ، وَدَفْنُ الْجَمَاعَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بِلاَ ضَرُورَةٍ، وَاخْتِلاَطُ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ بِلاَ حَاجِزٍ، стр. 12606
وَتَجْصِيصُهَا وَالْبِنَاءُ عَلَيْهَا، وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ فِيهَا مَيِّتٌ لَمْ يُبْل، وَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْحَفَّارِينَ مِنْ نَبْشِ الْقُبُورِ الَّتِي لَمْ تُبْل أَرْبَابُهَا، وَإِدْخَال أَجَانِبَ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ مِنَ الْمُنْكَرِ الظَّاهِرِ، وَلَيْسَ مِنَ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ لِدَفْنِ مَيِّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ.
وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا صَارَ الْمَيِّتُ تُرَابًا؛ لأَِنَّ الْحُرْمَةَ بَاقِيَةٌ (١) .
دَفْنُ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ:
١٥ - إِذَا وُجِدَتْ أَطْرَافُ مَيِّتٍ، أَوْ بَعْضُ بَدَنِهِ لَمْ يُغَسَّل، وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، بَل يُدْفَنُ (٢) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ يَجِبُ مُوَارَاتُهُ بِخِرْقَةٍ وَدَفْنُهُ، وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُ صَاحِبِ الْعُضْوِ لَمْ يُصَل عَلَيْهِ، لَكِنْ يُنْدَبُ دَفْنُهُ، وَيَجِبُ فِي دَفْنِ الْجُزْءِ مَا يَجِبُ فِي دَفْنِ الْجُمْلَةِ.
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنْ وُجِدَ جُزْءُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ غُسِّل، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ стр. 12607
الْقَبْرِ، أَوْ نُبِشَ بَعْضُ الْقَبْرِ وَدُفِنَ فِيهِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَى كَشْفِ الْمَيِّتِ؛ لأَِنَّ ضَرَرَ نَبْشِ الْمَيِّتِ وَكَشْفِهِ أَعْظَمُ مِنَ الضَّرَرِ بِتَفْرِقَةِ أَجْزَائِهِ (١) .
دَفْنُ الْمُسْلِمِ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ وَعَكْسُهُ:
١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ دَفْنُ مُسْلِمٍ فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ وَعَكْسُهُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ. أَمَّا لَوْ جُعِلَتْ مَقْبَرَةُ الْكُفَّارِ الْمُنْدَرِسَةُ مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ نَقْل عِظَامِهَا إِنْ كَانَتْ جَازَ، كَجَعْلِهَا مَسْجِدًا؛ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِمْ. وَالدَّفْنُ فِي غَيْرِ مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ الْمُنْدَرِسَةِ أَوْلَى إِنْ أَمْكَنَ، تَبَاعُدًا عَنْ مَوَاضِعِ الْعَذَابِ. وَلاَ يَجُوزُ الْعَكْسُ، بِأَنْ تُجْعَل مَقْبَرَةُ الْمُسْلِمِينَ الْمُنْدَرِسَةُ مَقْبَرَةً لِلْكُفَّارِ، وَلاَ نَقْل عِظَامِ الْمُسْلِمِينَ لِتُدْفَنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لاِحْتِرَامِهَا (٢) .
أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَقَدْ ذَكَرَ الإِْسْنَوِيُّ نَقْلاً عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لاَ يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ لِخُرُوجِهِ بِالرِّدَّةِ عَنْهُمْ، وَلاَ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ حُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ. стр. 12608
وَأَمَّا مَنْ قُتِل حَدًّا فَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلاَةِ (١) .
دَفْنُ كَافِرَةٍ حَامِلٍ مِنْ مُسْلِمٍ:
١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دَفْنِ كَافِرَةٍ حَامِلٍ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَذْهَبُ لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الأَْحْوَطَ دَفْنُهَا عَلَى حِدَةٍ، وَيُجْعَل ظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ؛ لأَِنَّ وَجْهَ الْوَلَدِ لِظَهْرِهَا. وَاسْتَدَل الْحَنَابِلَةُ لِذَلِكَ بِأَنَّهَا كَافِرَةٌ، فَلاَ تُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَيَتَأَذَّوْا بِعَذَابِهَا، وَلاَ فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ؛ لأَِنَّ وَلَدَهَا مُسْلِمٌ، فَيَتَأَذَّى بِعَذَابِهِمْ، وَتُدْفَنُ مُنْفَرِدَةً، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَْسْقَعِ.
وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنَّهَا تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَتُنَزَّل مَنْزِلَةَ صُنْدُوقِ الْوَلَدِ، وَقِيل: فِي مَقَابِرِ الْكُفَّارِ، وَهُنَاكَ وَجْهٌ رَابِعٌ قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " بِأَنَّهَا تُدْفَنُ عَلَى طَرَفِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تُدْفَعُ إِلَى أَهْل دِينِهَا؛ لِيَتَوَلَّوْا غُسْلَهَا وَدَفْنَهَا (٢) .
وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ: قَال بَعْضُهُمْ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِنَا تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْوَلَدِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: تُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ стр. 12609
الْمُشْرِكِينَ؛ لأَِنَّ الْوَلَدَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْهَا مَا دَامَ فِي بَطْنِهَا، وَقَال وَاثِلَةُ بْنُ الأَْسْقَعِ: يُتَّخَذُ لَهَا مَقْبَرَةٌ عَلَى حِدَةٍ، وَهُوَ مَا أَخَذَ بِهِ الْجُمْهُورُ كَمَا سَبَقَ، وَهُوَ الأَْحْوَطُ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْحِلْيَةِ. وَالظَّاهِرُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ فِيمَا إِذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ وَإِلاَّ دُفِنَتْ فِي مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ (١) .
الْجُلُوسُ بَعْدَ الدَّفْنِ:
١٨ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ الْمُشَيِّعُونَ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ لِدُعَاءٍ وَقِرَاءَةٍ بِقَدْرِ مَا يُنْحَرُ الْجَزُورُ، وَيُفَرَّقُ لَحْمُهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَال: اسْتَغْفِرُوا لأَِخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الآْنَ يُسْأَل (٢) . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّل سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتَهَا، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَال: اجْلِسُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ، فَإِنِّي أَسْتَأْنِسُ بِكُمْ (٣) . стр. 12610
أُجْرَةُ الدَّفْنِ:
١٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ) إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الدَّفْنِ، وَلَكِنِ الأَْفْضَل أَنْ يَكُونَ مَجَّانًا، وَتُدْفَعُ مِنْ مَجْمُوعِ التَّرِكَةِ، وَتُقَدَّمُ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِنْ دَيْنٍ. وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى الدَّفْنِ؛ لأَِنَّهُ يَذْهَبُ بِالأَْجْرِ (١) .
دَفْنُ السِّقْطِ:
٢٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ السِّقْطَ إِذَا اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ يَجِبُ أَنْ يُدْرَجَ فِي خِرْقَةٍ وَيُدْفَنَ (٢) .
دَفْنُ الشَّعْرِ وَالأَْظَافِرِ وَالدَّمِ:
٢١ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْفَنَ مَا يُزِيلُهُ الشَّخْصُ مِنْ ظُفْرٍ وَشَعْرٍ وَدَمٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ مِيل بِنْتِ مِشْرَحٍ الأَْشْعَرِيَّةِ، قَالَتْ: رَأَيْتُ أَبِي يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَدْفِنُهُ وَيَقُول: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَل ذَلِكَ (٣) وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ стр. 12611
النَّبِيِّ ﷺ قَال: كَانَ يُعْجِبُهُ دَفْنُ الدَّمِ (١) .
وَقَال أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. وَكَذَلِكَ تُدْفَنُ الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ الَّتِي تُلْقِيهَا الْمَرْأَةُ (٢) .
دَفْنُ الْمُصْحَفِ:
٢٢ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُصْحَفَ إِذَا صَارَ بِحَالٍ لاَ يُقْرَأُ فِيهِ، يُدْفَنُ كَالْمُسْلِمِ، فَيُجْعَل فِي خِرْقَةٍ طَاهِرَةٍ، وَيُدْفَنُ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُمْتَهَنٍ لاَ يُوطَأُ، وَفِي الذَّخِيرَةِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَدَ لَهُ وَلاَ يُشَقَّ لَهُ؛ لأَِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى إِهَالَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ نَوْعُ تَحْقِيرٍ إِلاَّ إِذَا جُعِل فَوْقَهُ سَقْفًا بِحَيْثُ لاَ يَصِل التُّرَابُ إِلَيْهِ فَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا. ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ بَلِيَ لَهُ مُصْحَفٌ، فَحَفَرَ لَهُ فِي مَسْجِدِهِ، فَدَفَنَهُ. وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَفَنَ الْمَصَاحِفَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ. أَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ فَالأَْحْسَنُ كَذَلِكَ أَنْ تُدْفَنَ (٣) .
الْقَتْل بِالدَّفْنِ:
٢٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ مُقْتَضَى стр. 12612
قَوَاعِدِ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّ مَنْ دُفِنَ حَيًّا فَمَاتَ أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ مَا عَدَا مُحَمَّدًا أَنَّ فِيهِ الدِّيَةَ (١) . стр. 12613
دَلِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّلِيل لُغَةً: هُوَ الْمُرْشِدُ وَالْكَاشِفُ، مِنْ دَلَلْتُ عَلَى الشَّيْءِ وَدَلَلْتُ إِلَيْهِ.
وَالْمَصْدَرُ دُلُولَةٌ وَدَلاَلَةٌ، بِكَسْرِ الدَّال وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا. وَالدَّال وَصْفٌ لِلْفَاعِل (١) .
وَالدَّلِيل مَا يُتَوَصَّل بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى الْعِلْمِ بِمَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ وَلَوْ ظَنًّا، وَقَدْ يَخُصُّهُ بَعْضُهُمْ بِالْقَطْعِيِّ.
وَلِذَلِكَ كَانَ تَعْرِيفُ أُصُول الْفِقْهِ بِأَنَّهُ " أَدِلَّةُ الْفِقْهِ " جَارِيًا عَلَى الرَّأْيِ الأَْوَّل الْقَائِل بِالتَّعْمِيمِ فِي تَعْرِيفِ الدَّلِيل بِمَا يَشْمَل الظَّنِّيَّ؛ لأَِنَّ أُصُول الْفِقْهِ الَّتِي هِيَ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ الإِْجْمَالِيَّةِ تَشْمَل مَا هُوَ قَطْعِيٌّ، كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَمَا هُوَ ظَنِّيٌّ كَالْعُمُومَاتِ وَأَخْبَارِ الآْحَادِ وَالْقِيَاسِ وَالاِسْتِصْحَابِ. وَمِنْ هُنَا عَرَّفَهُ فِي الْمَحْصُول وَفِي الْمُعْتَمَدِ بِأَنَّهُ: " طُرُقُ الْفِقْهِ "؛ لِيَشْمَل الْقَطْعِيَّ وَالظَّنِّيَّ (٢) . стр. 12614
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الأَْمَارَةُ:
٢ - الأَْمَارَةُ فِي اللُّغَةِ: الْعَلاَمَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى - كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ - وَهِيَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: مَا أَوْصَل إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ ظَنِّيٍّ.
وَلَمْ يُفَرِّقِ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الأَْمَارَةِ وَالدَّلِيل. وَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: الأَْمَارَةُ مَا يُؤَدِّي النَّظَرُ الصَّحِيحُ فِيهِ إِلَى الظَّنِّ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَقْلِيًّا أَمْ شَرْعِيًّا. أَمَّا الْفُقَهَاءُ فَالأَْمَارَاتُ الْعَقْلِيَّةُ عِنْدَهُمْ أَدِلَّةٌ كَذَلِكَ (١) .
ب - الْبُرْهَانُ:
٣ - الْبُرْهَانُ: الْحُجَّةُ وَالدَّلاَلَةُ، وَيُطْلَقُ خَاصَّةً عَلَى مَا يَقْتَضِي الصِّدْقَ لاَ مَحَالَةَ. وَهُوَ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ مَا فَصَل الْحَقَّ عَنِ الْبَاطِل، وَمَيَّزَ الصَّحِيحَ مِنَ الْفَاسِدِ بِالْبَيَانِ الَّذِي فِيهِ (٢) .
ج - الْحُجَّةُ:
٤ - الْحُجَّةُ: الْبُرْهَانُ الْيَقِينِيُّ، وَهُوَ مَا تَثْبُتُ بِهِ الدَّعْوَى مِنْ حَيْثُ الْغَلَبَةُ عَلَى الْخَصْمِ.
وَالْحُجَّةُ الإِْقْنَاعِيَّةُ، هِيَ الَّتِي تُفِيدُ الْقَانِعِينَ стр. 12615
الْقَاصِرِينَ عَنْ تَحْصِيل الْمَطَالِبِ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَرُبَّمَا تُفْضِي إِلَى الْيَقِينِ بِالاِسْتِكْثَارِ (١) .
الأَْدِلَّةُ الْمُثْبِتَةُ لِلأَْحْكَامِ:
٥ - الأَْدِلَّةُ الْمُثْبِتَةُ لِلأَْحْكَامِ نَوْعَانِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، الَّتِي تَرْجِعُ إِلَيْهَا أَدِلَّةُ الْفِقْهِ الإِْجْمَالِيَّةُ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَثِيرٌ جَمَعَهَا الْقَرَافِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ الذَّخِيرَةِ، مِنْهَا: الاِسْتِحْسَانُ، وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ، وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ، وَالْعُرْفُ، وَقَوْل الصَّحَابِيِّ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَالاِسْتِصْحَابُ، وَإِجْمَاعُ أَهْل الْمَدِينَةِ، وَغَيْرِهَا (٢) . وَيُقْصَدُ بِالأَْحْكَامِ: الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ: الْوُجُوبُ، وَالنَّدْبُ، وَالإِْبَاحَةُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْحُرْمَةُ. وَالأَْحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ: كَالشَّرْطِ، وَالْمَانِعِ، وَالسَّبَبِ وَنَحْوِهَا (٣) .
الدَّلِيل الإِْجْمَالِيُّ وَالدَّلِيل التَّفْصِيلِيُّ:
٦ - عَرَّفَ الأُْصُولِيُّونَ أُصُول الْفِقْهِ لَقَبًا بِأَنَّهُ " أَدِلَّةُ стр. 12616
الْفِقْهِ الإِْجْمَالِيَّةُ " مِنْ حَيْثُ إِنَّ مَوْضُوعَهُ الأَْدِلَّةُ الإِْجْمَالِيَّةُ، وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ، وَهِيَ الأَْدِلَّةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا، وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ أَدِلَّةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا إِلاَّ أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الأَْرْبَعَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهِيَ الاِسْتِحْسَانُ، وَالاِسْتِصْحَابُ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَوْل الصَّحَابِيِّ، وَالاِسْتِصْلاَحُ. وَعِلْمُ أُصُول الْفِقْهِ يَبْحَثُ فِي إِثْبَاتِ حُجِّيَّةِ الأَْدِلَّةِ وَطُرُقِ دَلاَلَتِهَا عَلَى الأَْحْكَامِ.
وَالدَّلِيل إِنْ نُظِرَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ كَانَ دَلِيلاً إِجْمَالِيًّا، وَإِنْ نُظِرَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأَْحْكَامِ كَانَ دَلِيلاً تَفْصِيلِيًّا. وَمِثَال ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ (١) ﴾ فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَمْرٌ، وَأَنَّ الأَْمْرَ يُفِيدُ الْوُجُوبَ، كَانَ دَلِيلاً إِجْمَالِيًّا.
وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِوُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ كَانَ دَلِيلاً تَفْصِيلِيًّا (٢) .
الدَّلِيل الْقَطْعِيُّ وَالدَّلِيل الظَّنِّيُّ:
٧ - تَنْقَسِمُ الأَْدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتُ وَالدَّلاَلَةُ:
١ - قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلاَلَةِ، كَبَعْضِ النُّصُوصِ стр. 12617
الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (١) ﴾ .
٢ - وَقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ ظَنِّيُّ الدَّلاَلَةِ، كَبَعْضِ النُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي يُخْتَلَفُ فِي تَأْوِيلِهَا.
٣ - وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ قَطْعِيُّ الدَّلاَلَةِ، كَأَخْبَارِ الآْحَادِ ذَاتِ الْمَفْهُومِ الْقَطْعِيِّ.
٤ - وَظَنِّيُّ الثُّبُوتِ وَالدَّلاَلَةِ، كَأَخْبَارِ الآْحَادِ الَّتِي مَفْهُومُهَا ظَنِّيٌّ (٢) .
وَرَتَّبَ أُصُولِيُّو الْحَنَفِيَّةِ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِقَدْرِ دَلِيلِهِ:
فَبِالْقِسْمِ الأَْوَّل يَثْبُتُ الْفَرْضُ، وَبِالْقِسْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ، وَبِالْقِسْمِ الرَّابِعِ يَثْبُتُ الاِسْتِحْبَابُ وَالسُّنِّيَّةُ.
وَهَذَا التَّقْسِيمُ جَارٍ عَلَى اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، خِلاَفًا لِلْجُمْهُورِ. وَيُنْظَرُ فِي تَفْصِيل مَا تَقَدَّمَ: الْمُلْحَقُ الأُْصُولِيُّ فِي مَوَاضِعِهِ. وَكَذَلِكَ مُصْطَلَحُ: " اسْتِدْلاَل " " وَتَرْجِيح ". стр. 12618
دَمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّمُ بِالتَّخْفِيفِ، هُوَ ذَلِكَ السَّائِل الأَْحْمَرُ الَّذِي يَجْرِي فِي عُرُوقِ الْحَيَوَانَاتِ، وَعَلَيْهِ تَقُومُ الْحَيَاةُ (١) .
وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ عَبَّرُوا بِهِ عَنِ الْقِصَاصِ وَالْهَدْيِ فِي قَوْلِهِمْ: مُسْتَحِقُّ الدَّمِ (يَعْنِي وَلِيَّ الْقِصَاصِ) وَقَوْلُهُمْ: يَلْزَمُهُ دَمٌ. كَمَا أَطْلَقُوهُ عَلَى مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَيْضِ، وَالاِسْتِحَاضَةِ، وَالنِّفَاسِ أَيْضًا (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّدِيدُ:
٢ - صَدِيدُ الْجُرْحِ: مَاؤُهُ الرَّقِيقُ الْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ. وَقِيل: هُوَ الْقَيْحُ الْمُخْتَلِطُ بِالدَّمِ، وَالصَّدِيدُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: مَعْنَاهُ: مَا يَسِيل مِنْ جُلُودِ أَهْل стр. 12619
النَّارِ مِنَ الدَّمِ وَ الْقَيْحِ ، كَمَا قَال أَبُو إِسْحَاقَ (١) فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ (٢) ﴾ .
ب - الْقَيْحُ:
٣ - الْقَيْحُ: الْمِدَّةُ الْخَالِصَةُ لاَ يُخَالِطُهَا دَمٌ. وَقِيل: هُوَ الصَّدِيدُ الَّذِي كَأَنَّهُ الْمَاءُ، وَفِيهِ شُكْلَةُ دَمٍ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّمَ حَرَامٌ نَجَسٌ لاَ يُؤْكَل وَلاَ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَقَدْ حُمِل الْمُطْلَقُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي سُورَةِ الأَْنْعَامِ، فِي: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا (٤) ﴾
وَاخْتَلَفُوا فِي يَسِيرِهِ عَلَى أَقْوَالٍ. كَمَا اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِ الْيَسِيرِ (٥) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَرَ: مُصْطَلَحَ: (أَطْعِمَة) (وَوُضُوء) (وَنَجَاسَة) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٥ - تَتَعَلَّقُ بِالدَّمِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ بَحَثَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَوَاضِعِهَا: стр. 12620
فَمَسْأَلَةُ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِخُرُوجِ الدَّمِ تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (١) ، وَكَوْنُهُ نَجَسًا تَجِبُ إِزَالَتُهُ عَنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَمَكَانِهِ بُحِثَ فِي بَابِ النَّجَاسَاتِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ (٢) . وَفِي بَابِ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا (٣) ، وَاعْتِبَارُهُ حَيْضًا أَوِ اسْتِحَاضَةً أَوْ نِفَاسًا، فُصِّل الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الْحَيْضِ وَالاِسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ (٤) . وَكَوْنُهُ مِنْ مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ فِي بَابِ الصَّوْمِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ (٥) . وَانْظُرْ فِي الْمَوْسُوعَةِ الْمُصْطَلَحَاتِ الآْتِيَةَ: (حَدَث) (وَنَجَاسَة) (وَطَهَارَة) (وَحَيْض) (وَاسْتِحَاضَة) (وَنِفَاس) (وَحِجَامَة) .
وَكَوْنُهُ بِمَعْنَى الْهَدْيِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى ارْتِكَابِ مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ قَدْ بُحِثَ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَوُجُوبِ الْهَدْيِ فِي التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، стр. 12621
وَالإِْحْصَارِ (١) وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِحْرَام) (وَإِحْصَار) (وَهَدْي) (وَقِرَان) .
وَكَوْنُهُ مِمَّا يَحْرُمُ أَكْلُهُ أَوْ يَحِل فِي الأَْطْعِمَةِ (٢) . كَمَا تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي الذَّكَاةِ (٣) ، وَالْعَقِيقَةِ (٤) ، وَالْقِصَاصِ (٥) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. стр. 12622
دَنَانِيرُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّنَانِيرُ جَمْعُ دِينَارٍ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. وَالدِّينَارُ اسْمُ الْقِطْعَةِ مِنَ الذَّهَبِ الْمَضْرُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ بِالْمِثْقَال، وَيُرَادِفُ الدِّينَارَ الْمِثْقَال فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ، فَيَقُولُونَ: نِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالاً، وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتْحِ: أَنَّ الْمِثْقَال اسْمٌ لِلْمِقْدَارِ الْمُقَدَّرِ بِهِ، وَالدِّينَارُ اسْمٌ لِلْمُقَدَّرِ بِهِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ ذَهَبًا (١) .
وَالدَّنَانِيرُ أَصْلاً مِنْ ضَرْبِ الأَْعَاجِمِ. وَكَانَ وَزْنُهُ عِشْرِينَ قِيرَاطًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَلاَذُرِيُّ وَابْنُ خَلْدُونٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّرَاهِمُ:
٢ - الدَّرَاهِمُ جَمْعُ دِرْهَمٍ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ النَّقْدِ ضُرِبَ مِنَ الْفِضَّةِ. انْظُرْ: (دَرَاهِم) . стр. 12623
ب - النَّقْدُ:
٣ - النَّقْدُ مَا ضُرِبَ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَ الْفُلُوسِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الدِّينَارِ.
ج - الْفُلُوسُ:
٤ - الْفُلُوسُ مَا ضُرِبَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
د - سِكَّةٌ:
٥ - السِّكَّةُ مَا يُضْرَبُ بِهَا النَّقْدُ.
تَعَامُل الْعَرَبِ بِالدِّينَارِ وَمَوْقِفُ الإِْسْلاَمِ مِنْهُ:
٦ - ذَكَرَ الْبَلاَذُرِيُّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ أَنَّ دَنَانِيرَ هِرَقْل كَانَتْ تَرِدُ عَلَى أَهْل مَكَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا لاَ يَتَبَايَعُونَ بِهَا إِلاَّ عَلَى أَنَّهَا تِبْرٌ، وَكَانَ الْمِثْقَال عِنْدَهُمْ مَعْرُوفَ الْوَزْنِ، وَزْنُهُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا إِلاَّ كَسْرًا، وَأَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَقَرَّ أَهْل مَكَّةَ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ (١) . وَأَقَرَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ (٢) .
وَنَقَل النَّوَوِيُّ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ стр. 12624
عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لَمَّا أَرَادَ ضَرْبَ الدَّنَانِيرِ، سَأَل عَنْ أَوْزَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجْمَعُوا لَهُ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَال اثْنَانِ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا إِلاَّ حَبَّةً بِالشَّامِيِّ فَضَرَبَهَا كَذَلِكَ (١) .
الدِّينَارُ الشَّرْعِيُّ:
٧ - الدِّينَارُ الَّذِي ضَرَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هُوَ الدِّينَارُ الشَّرْعِيُّ؛ لِمُطَابَقَتِهِ لِلأَْوْزَانِ الْمَكِّيَّةِ الَّتِي أَقَرَّهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةُ. وَوَزْنُهُ كَمَا ذَكَرَتِ الرِّوَايَاتُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا إِلاَّ حَبَّةً بِالشَّامِيِّ، وَهُوَ أَيْضًا بِزِنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مِنْ حَبَّاتِ الشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطَةِ الَّتِي لَمْ تُقَشَّرْ وَقَدْ قُطِعَ مِنْ طَرَفَيْهَا مَا امْتَدَّ (٢) .
وَقَال ابْنُ خَلْدُونٍ: الإِْجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ مُنْذُ صَدْرِ الإِْسْلاَمِ وَعَهْدِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ: هُوَ الَّذِي تَزِنُ الْعَشَرَةُ مِنْهُ سَبْعَةَ مَثَاقِيل مِنَ الذَّهَبِ، وَهُوَ عَلَى هَذَا سَبْعَةُ أَعْشَارِ الدِّينَارِ، وَوَزْنُ الْمِثْقَال مِنَ الذَّهَبِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً مِنَ الشَّعِيرِ (٣) .
وَبِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) . стр. 12625
وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِائَةُ شَعِيرَةٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْشَأَ هَذَا الاِخْتِلاَفِ هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْقِيرَاطِ. فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ وَزْنَ الْمِثْقَال عِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَأَنَّ الْقِيرَاطَ خَمْسُ شَعِيرَاتٍ، فَالْمِثْقَال مِائَةُ شَعِيرَةٍ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ أَنَّ الْمِثْقَال أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَأَنَّ الْقِيرَاطَ ثَلاَثُ حَبَّاتٍ مِنْ مُتَوَسِّطِ الشَّعِيرِ، فَيَكُونُ وَزْنُ الْمِثْقَال اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ حَبَّةً.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمِثْقَال اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ شَعِيرَةً مُعْتَدِلَةً لَمْ تُقَشَّرْ وَقُطِعَ مِنْ طَرَفَيْهَا مَا دَقَّ وَطَال، وَهُوَ لَمْ يَتَغَيَّرْ جَاهِلِيَّةً وَلاَ إِسْلاَمًا. ثُمَّ قَال وَقَدْ ذُكِرَتْ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ فِي تَحْدِيدِ الْقِيرَاطِ (١) .
تَقْدِيرُ الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ:
٨ - تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الدِّينَارَ الَّذِي ضَرَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هُوَ الدِّينَارُ الشَّرْعِيُّ؛ لِمُطَابَقَتِهِ لأَِوْزَانِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهِيَ الأَْوْزَانُ الَّتِي أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ، وَأَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ стр. 12626
رَأَوْا دِينَارَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَقَرُّوهُ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ، وَتَبَايَعُوا بِهِ.
إِلاَّ أَنَّ السِّكَكَ اخْتَلَفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، يَقُول ابْنُ خَلْدُونٍ: وَقَعَ اخْتِيَارُ أَهْل السِّكَّةِ فِي الدُّوَل عَلَى مُخَالَفَةِ الْمِقْدَارِ الشَّرْعِيِّ فِي الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَاخْتَلَفَتْ فِي كُل الأَْقْطَارِ وَالآْفَاقِ (١) .
لِذَلِكَ كَانَ السَّبِيل الْوَحِيدُ لِتَقْدِيرِ الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ هُوَ مَعْرِفَةُ الدِّينَارِ الَّذِي ضُرِبَ فِي عَهْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.
وَقَدْ تَوَصَّل إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ، عَنْ طَرِيقِ الدَّنَانِيرِ الْمَحْفُوظَةِ فِي دُورِ الآْثَارِ الْغَرْبِيَّةِ وَثَبَتَ أَنَّ دِينَارَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَزِنُ٤، ٢٥ (أَرْبَعَةَ جِرَامَاتٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ مِنَ الْمِائَةِ مِنَ الْجِرَامِ) مِنَ الذَّهَبِ (٢) . وَبِذَلِكَ يَكُونُ هَذَا الْوَزْنُ هُوَ الأَْسَاسَ فِي تَقْدِيرِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ زَكَاةٍ وَدِيَاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
تَقْدِيرُ بَعْضِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ بِالدِّينَارِ:
حَدَّدَ الإِْسْلاَمُ مَقَادِيرَ مُعَيَّنَةً بِالدِّينَارِ فِي بَعْضِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - الزَّكَاةُ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ الَّذِي стр. 12627
يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا تَمَّتْ فَفِيهَا رُبْعُ الْعُشْرِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُل عِشْرِينَ دِينَارًا فَصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ وَمِنَ الأَْرْبَعِينَ دِينَارًا (١) . وَرَوَى سَعِيدٌ وَالأَْثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ: فِي كُل أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ وَفِي كُل عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفُ دِينَارٍ.
هَذَا مَعَ الاِخْتِلاَفِ هَل لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا بِالدَّرَاهِمِ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ وَغَيْرُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاة) .
ب - الدِّيَةُ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ إِنْ كَانَتْ مِنْ الذَّهَبِ فَإِنَّهَا تُقَدَّرُ بِأَلْفِ مِثْقَالٍ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْل الْيَمَنِ وَأَنَّ فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ مِائَةً مِنَ الإِْبِل وَعَلَى أَهْل الذِّمَّةِ أَلْفُ دِينَارٍ (٣) . стр. 12628
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (١) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (دِيَات) .
ج - السَّرِقَةُ:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النِّصَابَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ السَّارِقُ بِالنِّسْبَةِ لِلذَّهَبِ رُبْعُ دِينَارٍ، أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبْعُ دِينَارٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلاَّ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا (٢) . وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَنِصَابُ السَّرِقَةِ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ (٣) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تُقْطَعُ الْيَدُ إِلاَّ فِي دِينَارٍ أَوْ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (٤) .
وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلاَتٌ كَثِيرَةٌ تُنْظَرُ فِي: (سَرِقَة) .
مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّنَانِيرِ مِنْ أَحْكَامٍ:
١٢ - يَتَعَلَّقُ بِالدَّنَانِيرِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ стр. 12629
مِنْ حَيْثُ حُكْمُ كَسْرِهَا وَقَطْعِهَا، وَاتِّخَاذِهَا حِلْيَةً، وَكَذَلِكَ حُكْمُ مَسِّ الْمُحْدِثِ الدَّنَانِيرَ الَّتِي عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ حَمْلِهَا حِينَ دُخُول الْخَلاَءِ. وَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الأَْحْكَامُ فِي مُصْطَلَحِ دَرَاهِمَ، وَهِيَ نَفْسُ الأَْحْكَامِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالدَّنَانِيرِ، فَتُنْظَرُ فِي: (دَرَاهِمَ) . (ف ٧، ٩، ١٠) .
أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ فِي إِجَارَتِهَا، أَوْ رَهْنِهَا، أَوْ وَقْفِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَتُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهَا وَمُصْطَلَحَاتِهَا.
стр. 12630
دَهْرِيٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّهْرِيُّ فِي اللُّغَةِ: مَنْسُوبٌ إِلَى الدَّهْرِ، وَالدَّهْرُ يُطْلَقُ عَلَى الأَْبَدِ وَالزَّمَانِ، وَيُقَال لِلرَّجُل الَّذِي يَقُول بِقِدَمِ الدَّهْرِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِالْبَعْثِ: دَهْرِيٌّ بِالْفَتْحِ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا الرَّجُل الْمُسِنُّ إِذَا نُسِبَ إِلَى الدَّهْرِ يُقَال لَهُ: (دُهْرِيٌّ) بِالضَّمِّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ (١) .
وَالدَّهْرِيُّونَ فِي الاِصْطِلاَحِ فِرْقَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ ذَهَبُوا إِلَى قِدَمِ الدَّهْرِ وَإِسْنَادِ الْحَوَادِثِ إِلَيْهِ، مُنْكَرِينَ وُجُودَ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ سُبْحَانَهُ (٢) ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ (٣) ﴾ .
يَقُول الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ الآْيَةِ: يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ تَأْثِيرَاتُ الطَّبَائِعِ، وَلاَ حَاجَةَ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى إِثْبَاتِ الْفَاعِل الْمُخْتَارِ (٤) . стр. 12631
وَهَذَا إِنْكَارٌ مِنْهُمْ لِلآْخِرَةِ وَتَكْذِيبٌ لِلْبَعْثِ وَإِبْطَالٌ لِلْجَزَاءِ، كَمَا يَقُول الْقُرْطُبِيُّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الزِّنْدِيقُ:
٢ - عَرَّفَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الزِّنْدِيقَ بِأَنَّهُ هُوَ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الإِْسْلاَمَ. وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ الْمُنَافِقِ . وَقِيل هُوَ مَنْ لاَ يَنْتَحِل دِينًا، أَيْ لاَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ (٢) .
ب - الْمُلْحِدُ:
٣ - الْمُلْحِدُ: هُوَ مَنْ يَطْعَنُ فِي الدِّينِ مَعَ ادِّعَاءِ الإِْسْلاَمِ أَوِ التَّأْوِيل فِي ضَرُورَاتِ الدِّينِ لإِِجْرَاءِ الأَْهْوَاءِ. وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَابِدِينَ بِأَنَّهُ مَنْ مَال عَنِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ إِلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكُفْرِ (٣) .
ج - الْمُنَافِقُ:
٤ - الْمُنَافِقُ: هُوَ مَنْ يُضْمِرُ الْكُفْرَ اعْتِقَادًا، وَيُظْهِرُ الإِْسْلاَمَ قَوْلاً. أَوِ الَّذِي أَظْهَرَ الإِْسْلاَمَ لأَِهْلِهِ، وَأَضْمَرَ غَيْرَ الإِْسْلاَمِ. وَمَحَل النِّفَاقِ الْقَلْبُ (٤) . стр. 12632
د - الْمُرْتَدُّ:
٥ - الْمُرْتَدُّ: هُوَ الرَّاجِعُ عَنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ بِإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ بَعْدَ الإِْيمَانِ، فَالاِرْتِدَادُ كُفْرٌ بَعْدَ الإِْسْلاَمِ (١) .
وَجَمِيعُ هَؤُلاَءِ يَشْتَرِكُونَ مَعَ الدَّهْرِيِّ فِي الْكُفْرِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - الدَّهْرِيُّ إِذَا كَانَ كَافِرَ الأَْصْل، أَيْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ أَنِ اعْتَنَقَ الإِْسْلاَمَ، فَإِمَّا أَنْ يَعِيشَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَهُوَ حَرْبِيٌّ يُنْظَرُ حُكْمُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْل الْحَرْبِ) . أَوْ يَعِيشَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ مُؤَقَّتٍ فَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ، حُكْمُهُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (أَمَان وَمُسْتَأْمَن) . أَوْ يَعِيشَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ مُؤَبَّدٍ، أَيْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فَهُوَ ذِمِّيٌّ، وَحُكْمُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَهْل الذِّمَّةِ) .
أَمَّا إِذَا كَانَ مُسْلِمًا ثُمَّ كَفَرَ بِقَوْلِهِ بِقِدَمِ الدَّهْرِ وَإِنْكَارِ إِسْنَادِ الْحَوَادِثِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ. وَحُكْمُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّة) . стр. 12633
دُهْنٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدُّهْنُ - بِالضَّمِّ - مَا يُدْهَنُ بِهِ مِنْ زَيْتٍ وَغَيْرِهِ وَجَمْعُهُ دِهَانٌ بِالْكَسْرِ، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّمْنُ:
٢ - السَّمْنُ: مَا يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ (٢) . وَالدُّهْنُ أَعَمُّ مِنَ السَّمْنِ.
ب - الشَّحْمُ:
٣ - الشَّحْمُ: مَا يَذُوبُ مِنَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ (٣) .
وَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُل شَحْمٍ دُهْنٌ، وَلَيْسَ كُل دُهْنٍ شَحْمًا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالدُّهْنِ:
تَطْهِيرُ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ стр. 12634
عَلَى الأَْصَحِّ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ الدُّهْنَ الْمَائِعَ إِذَا تَنَجَّسَ لاَ يَقْبَل التَّطْهِيرَ لِقَوْلِهِ ﷺ لَمَّا سُئِل عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ: إِنْ كَانَ جَامِدًا (١) فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْخَطَّابِيِّ: فَأَرِيقُوهُ. (٢) فَلَوْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُهُ شَرْعًا لَمْ يَقُل فِيهِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَال، وَلَبَيَّنَهُ لَهُمْ، وَقِيَاسًا عَلَى الدِّبْسِ وَالْخَل وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَائِعَاتِ إِذَا تَنَجَّسَتْ فَإِنَّهُ لاَ طَرِيقَ إِلَى تَطْهِيرِهَا بِلاَ خِلاَفٍ (٣) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الدُّهْنَ стр. 12635
الْمُتَنَجِّسَ يَطْهُرُ بِالْغَسْل، وَكَيْفِيَّةُ تَطْهِيرِهِ أَنْ يُجْعَل الدُّهْنُ فِي إِنَاءٍ، وَيُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَيُكَاثَرَ بِهِ، وَيُحَرَّكَ بِخَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا تَحْرِيكًا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ وَصَل إِلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَعْلُوَ الدُّهْنُ، فَيُؤْخَذَ. أَوْ يُنْقَبَ أَسْفَل الإِْنَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَاءُ فَيَطْهُرَ الدُّهْنُ (١) .
هَذَا وَيُشْتَرَطُ التَّثْلِيثُ لِتَطْهِيرِ الدُّهْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى نَقْلاً عَنِ الزَّاهِدِيِّ (٢) .
وَقَال فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ: ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخُلاَصَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّثْلِيثِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مُجْزِئَةٌ عَنِ التَّثْلِيثِ.
كَمَا يَرَى صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ أَنَّ شَرْطَ غَلَيَانِ الدُّهْنِ لِتَطْهِيرِهِ الْمَذْكُورِ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ زِيَادَةِ النَّاسِخِ، أَوْ يُحْمَل عَلَى مَا إِذَا جَمَدَ الدُّهْنُ بَعْدَ تَنَجُّسِهِ (٣) .
اسْتِعْمَال الدُّهْنِ لِلْمُحْرِمِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْهُنَ بِدُهْنٍ فِيهِ طِيبٌ لأَِنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ وَتُقْصَدُ رَائِحَتُهُ فَكَانَ طِيبًا كَمَاءِ الْوَرْدِ (٤) . وَأَمَّا стр. 12636
مَا لاَ طِيبَ فِيهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اسْتِعْمَالِهِ لِلْمُحْرِمِ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ حَظْرَ اسْتِعْمَال الدُّهْنِ لِلْمُحْرِمِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَعَامَّةِ بَدَنِهِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَإِلاَّ جَازَ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الأَْدْهَانَ الْمُطَيِّبَةَ كَالزَّيْتِ، وَالشَّيْرَجِ، وَالسَّمْنِ وَالزُّبْدِ، لاَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ اسْتِعْمَالُهَا فِي بَدَنِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي شَعْرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ (٢) وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ غَيْرِ مُقَتِّتٍ أَيْ غَيْرِ مُطَيِّبٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ (٣) . وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ - عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ - جَوَازَ الاِدِّهَانِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ (٤) .
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِحْرَامٌ ف ٧٣ ج ٢ ص ١٥٩) . стр. 12637
بَيْعُ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ:
٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) عَلَى الْمَشْهُورِ وَالأَْصَحِّ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ عَدَمَ صِحَّةِ بَيْعِ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ؛ لأَِنَّ أَكْلَهُ حَرَامٌ بِلاَ خِلاَفٍ، فَقَدْ سُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ فَقَال: إِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ (١) وَإِذَا كَانَ حَرَامًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْل شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ (٢) . وَلأَِنَّهُ نَجَسٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى شَحْمِ الْمَيْتَةِ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - عَلَى مُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ - وَالشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ إِلَى صِحَّةِ بَيْعِ الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ - وَهُوَ الَّذِي عَرَضَتْ لَهُ النَّجَاسَةُ - لأَِنَّ تَنْجِيسَهُ بِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ فِيهِ لاَ يُسْقِطُ مِلْكَ رَبِّهِ عَنْهُ، وَلاَ يُذْهِبُ جُمْلَةَ الْمَنَافِعِ مِنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُتْلَفَ عَلَيْهِ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَصْرِفُهُ فِيمَا كَانَ لَهُ هُوَ أَنْ يَصْرِفَهُ فِيهِ (٤) .
وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ جَوَازُ بَيْعِ الدُّهْنِ стр. 12638
الْمُتَنَجِّسِ لِكَافِرٍ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهُ؛ لأَِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى: لُتُّوا بِهِ السَّوِيقَ وَبِيعُوهُ وَلاَ تَبِيعُوهُ مِنْ مُسْلَمٍ وَبَيِّنُوهُ (١) .
هَذَا وَبَعْدَ أَنْ نَقَل الدُّسُوقِيُّ الْخِلاَفَ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ حَوْل جَوَازِ وَعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ قَال: هَذَا فِي الزَّيْتِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لاَ يُجِيزُ غَسْلَهُ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ غَسْلَهُ - وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ - فَسَبِيلُهُ فِي الْبَيْعِ سَبِيل الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ (٢) .
أَمَّا الْوَدَكُ (دُهْنُ الْمَيْتَةِ) فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهُ اتِّفَاقًا، وَكَذَا الاِنْتِفَاعُ بِهِ (٣) لِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ، فَقِيل: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، قَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل: (ر: بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) ف ١١ ج ٩ ص ١٥٠.
الاِسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ:
٧ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ الاِسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ стр. 12639
سُئِل عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَال: إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ، أَوْ فَانْتَفَعُوا بِهِ (١) . وَلِجَوَازِ الاِنْتِفَاعِ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى وَجْهٍ لاَ تَتَعَدَّى. أَمَّا الاِسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَلاَ يَجُوزُ؛ لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إِلَى تَنْجِيسِهِ (٢) .
وَيَمِيل الإِْسْنَوِيُّ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِصْبَاحِ بِالدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ قَال: وَإِطْلاَقُهُمْ يَقْتَضِي الْجَوَازَ، وَسَبَبُهُ قِلَّةُ الدُّخَانِ (٣) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: اسْتِصْبَاح وَمَسْجِد) .
دَوَاءٌ
انْظُرْ: (تَدَاوِي، تَطْبِيب) стр. 12640
دَوْلَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الدَّوْلَةُ فِي اللُّغَةِ حُصُول الشَّيْءِ فِي يَدِ هَذَا تَارَةً وَفِي يَدِ هَذَا أُخْرَى، أَوِ الْعُقْبَةُ فِي الْمَال وَالْحَرْبِ (أَيِ التَّعَاقُبُ) ، وَالدَّوْلَةُ فِي الْمَال وَالْحَرْبِ سَوَاءٌ، وَقِيل: الدُّولَةُ بِالضَّمِّ فِي الْمَال، وَالدَّوْلَةُ بِالْفَتْحِ فِي الْحَرْبِ.
وَالإِْدَالَةُ مَعْنَاهَا الْغَلَبَةُ، يُقَال: أُدِيل لَنَا عَلَى أَعْدَائِنَا أَيْ نُصِرْنَا عَلَيْهِمْ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ: يُدَال عَلَيْنَا الْمَرَّةَ وَنُدَال عَلَيْهِ الأُْخْرَى (١) . أَيْ: نَغْلِبُهُ مَرَّةً وَيَغْلِبُنَا مَرَّةً، مِنَ التَّدَاوُل، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَتِلْكَ الأَْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ (٢) ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ مِنْكُمْ (٣) ﴾ أَيْ يُتَدَاوَلُونَ الْمَال بَيْنَهُمْ وَلاَ يَجْعَلُونَ لِلْفُقَرَاءِ مِنْهُ نَصِيبًا (٤) . следующие страницы →