← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: إِيقَاعُ شَيْءٍ يَطْمَئِنُّ لَهُ الصَّدْرُ يَخُصُّ بِهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِلْهَامٌ) . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرُّؤْيَا وَالإِْلْهَامِ أَنَّ الإِْلْهَامَ يَكُونُ فِي الْيَقَظَةِ، بِخِلاَفِ الرُّؤْيَا فَإِنَّهَا لاَ تَكُونُ إِلاَّ فِي النَّوْمِ. ب - الْحُلُمُ: ٣ - الْحُلُمُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ اللاَّمِ وَقَدْ تُسَكَّنُ تَخْفِيفًا هُوَ الرُّؤْيَا، أَوْ هُوَ اسْمٌ لِلاِحْتِلاَمِ وَهُوَ الْجِمَاعُ فِي النَّوْمِ (٢) . وَالْحُلُمُ وَالرُّؤْيَا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَحْدُثُ فِي النَّوْمِ إِلاَّ أَنَّ الرُّؤْيَا اسْمٌ لِلْمَحْبُوبِ فَلِذَلِكَ تُضَافُ إِلَى اللَّهِ ، وَالْحُلُمُ اسْمٌ لِلْمَكْرُوهِ فَيُضَافُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِقَوْلِهِ ﷺ : الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ (٣) ، وَقَال عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: الرُّؤْيَا رُؤْيَةُ مَا يُتَأَوَّل عَلَى الْخَيْرِ وَالأَْمْرِ الَّذِي يُسَرُّ بِهِ، وَالْحُلُمُ هُوَ الأَْمْرُ الْفَظِيعُ الْمَجْهُول يُرِيهِ الشَّيْطَانُ لِلْمُؤْمِنِ لِيُحْزِنَهُ وَلِيُكَدِّرَ عَيْشَهُ (٤) .

стр. 13162

ج - الْخَاطِرُ: ٤ - الْخَاطِرُ هُوَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَرَاتِبِ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ مَا يَخْطِرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ تَدْبِيرِ أَمْرٍ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْخِطَابِ أَوِ الْوَارِدُ الَّذِي لاَ عَمَل لِلْعَبْدِ فِيهِ، وَالْخَاطِرُ غَالِبًا يَكُونُ فِي الْيَقَظَةِ بِخِلاَفِ الرُّؤْيَا (١) . د - الْوَحْيُ: ٥ - مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ كَمَا قَال ابْنُ فَارِسٍ الإِْشَارَةُ وَالرِّسَالَةُ وَالْكِتَابَةُ وَكُل مَا أَلْقَيْتَهُ إِلَى غَيْرِك لِيَعْلَمَهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ وَحَى إِلَيْهِ يَحِي مِنْ بَابِ وَعَدَ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ بِالأَْلِفِ مِثْلُهُ، ثُمَّ غَلَبَ اسْتِعْمَال الْوَحْيِ فِيمَا يُلْقَى إِلَى الأَْنْبِيَاءِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى (٢) . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرُّؤْيَا وَاضِحٌ، وَرُؤْيَا الأَْنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: أَوَّل مَا بُدِئَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ (٣) . الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ وَمَنْزِلَتُهَا: ٦ - الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ حَالَةٌ شَرِيفَةٌ وَمَنْزِلَةٌ رَفِيعَةٌ كَمَا

стр. 13163

ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ (١) . وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْل مِصْرَ سَأَل أَبَا الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) قَال: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْهَا، فَقَال: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُك مُنْذُ أُنْزِلَتْ، هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ (٣) . وَقَدْ حَكَمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ (٤) وَرُوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ غَالِبُ رُؤَى الصَّالِحِينَ

стр. 13164

كَمَا قَال الْمُهَلَّبُ، وَإِلاَّ فَالصَّالِحُ قَدْ يَرَى الأَْضْغَاثَ وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ لِقِلَّةِ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ، بِخِلاَفِ عَكْسِهِمْ، فَإِنَّ الصِّدْقَ فِيهَا نَادِرٌ لِغَلَبَةِ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ، فَالنَّاسُ عَلَى هَذَا ثَلاَثُ دَرَجَاتٍ. - الأَْنْبِيَاءُ وَرُؤَاهُمْ كُلُّهَا صِدْقٌ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ. - وَالصَّالِحُونَ وَالأَْغْلَبُ عَلَى رُؤَاهُمُ الصِّدْقُ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى تَعْبِيرٍ. - وَمَنْ عَدَاهُمْ وَقَدْ يَقَعُ فِي رُؤَاهُمُ الصِّدْقُ وَالأَْضْغَاثُ. وَقَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْعَرَبِيُّ: إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ الصَّالِحِ هِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ لِصَلاَحِهَا وَاسْتِقَامَتِهَا، بِخِلاَفِ رُؤْيَا الْفَاسِقِ فَإِنَّهَا لاَ تُعَدُّ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ، وَقِيل تُعَدُّ مِنْ أَقْصَى الأَْجْزَاءِ، وَأَمَّا رُؤْيَا الْكَافِرِ فَلاَ تُعَدُّ أَصْلاً. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُسْلِمَ الصَّادِقَ الصَّالِحَ هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ حَالُهُ حَال الأَْنْبِيَاءِ فَأُكْرِمَ بِنَوْعٍ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ الأَْنْبِيَاءُ وَهُوَ الاِطِّلاَعُ عَلَى الْغَيْبِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْمُخَلِّطُ فَلاَ، وَلَوْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ أَحْيَانًا فَذَاكَ كَمَا قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبُ، وَلَيْسَ كُل مَنْ حَدَّثَ عَنْ غَيْبٍ يَكُونُ خَبَرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ كَالْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ (١) .

стр. 13165

هَذَا، وَقَدِ اسْتُشْكِل كَوْنُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَقِيل فِي الْجَوَابِ: إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً، وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى سَبِيل الْمَجَازِ. وَقَال الْخَطَّابِيُّ: قِيل مَعْنَاهُ: أَنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لاَ أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَقِيل الْمَعْنَى: إِنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ؛ لأَِنَّ النُّبُوَّةَ وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا بَاقٍ (١) . رُؤْيَا اللَّهِ فِي الْمَنَامِ: ٧ - اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ رُؤْيَتِهِ فِي الْمَنَامِ فَقِيل: لاَ تَقَعُ، لأَِنَّ الْمَرْئِيَّ فِيهِ خَيَالٌ وَمِثَالٌ، وَذَلِكَ عَلَى الْقَدِيمِ مُحَالٌ، وَقِيل: تَقَعُ لأَِنَّهُ لاَ اسْتِحَالَةَ لِذَلِكَ فِي الْمَنَامِ (٢) . رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَنَامِ: ٨ - ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ بَابًا بِعِنْوَانِ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: مَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 13166

يَقُول: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ وَلاَ يَتَمَثَّل الشَّيْطَانُ بِي (١) . وَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ تَدُل عَلَى جَوَازِ رُؤْيَتِهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَقْوَالاً مُخْتَلِفَةً فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ. وَالصَّحِيحُ مِنْهَا أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي كُل حَالَةٍ لَيْسَتْ بَاطِلَةً وَلاَ أَضْغَاثًا، بَل هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا، وَلَوْ رُئِيَ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي حَيَاتِهِ ﷺ فَتَصَوُّرُ تِلْكَ الصُّورَةِ لَيْسَ مِنَ الشَّيْطَانِ بَل هُوَ مِنْ قِبَل اللَّهِ، وَقَال: وَهَذَا قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ (٢) أَيْ رَأَى الْحَقَّ الَّذِي قَصَدَ إِعْلاَمَ الرَّائِي بِهِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَإِلاَّ سَعَى فِي تَأْوِيلِهَا وَلاَ يُهْمِل أَمْرَهَا، لأَِنَّهَا إِمَّا بُشْرَى بِخَيْرٍ، أَوْ إِنْذَارٌ مِنْ شَرٍّ إِمَّا لِيُخِيفَ الرَّائِيَ، إِمَّا لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ، وَإِمَّا لِيُنَبِّهَ عَلَى حُكْمٍ يَقَعُ لَهُ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ (٣) . وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ ﵊ إِنَّمَا تَصِحُّ لأَِحَدِ رَجُلَيْنِ: -

стр. 13167

أَحَدُهُمَا: صَحَابِيٌّ رَآهُ فَعَلِمَ صِفَتَهُ فَانْطَبَعَ فِي نَفْسِهِ مِثَالُهُ فَإِذَا رَآهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ الْمَعْصُومَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ اللَّبْسُ وَالشَّكُّ فِي رُؤْيَتِهِ ﵊. وَثَانِيهِمَا: رَجُلٌ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ سَمَاعُ صِفَاتِهِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْكُتُبِ حَتَّى انْطَبَعَتْ فِي نَفْسِهِ صِفَتُهُ ﵊، وَمِثَالُهُ الْمَعْصُومُ، كَمَا حَصَل ذَلِكَ لِمَنْ رَآهُ، فَإِذَا رَآهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ ﵊ كَمَا يَجْزِمُ بِهِ مَنْ رَآهُ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ اللَّبْسُ وَالشَّكُّ فِي رُؤْيَتِهِ ﵊، وَأَمَّا غَيْرُ هَذَيْنِ فَلاَ يَحِل لَهُ الْجَزْمُ بَل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ ﵇ بِمِثَالِهِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ مِنْ تَخْيِيل الشَّيْطَانِ، وَلاَ يُفِيدُ قَوْل الْمَرْئِيِّ لِمَنْ رَآهُ أَنَا رَسُول اللَّهِ، وَلاَ قَوْل مَنْ يَحْضُرُ مَعَهُ هَذَا رَسُول اللَّهِ؛ لأَِنَّ الشَّيْطَانَ يَكْذِبُ لِنَفْسِهِ وَيَكْذِبُ لِغَيْرِهِ، فَلاَ يَحْصُل الْجَزْمُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ مِثَالِهِ الْمَخْصُوصِ لاَ يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي التَّعْبِيرِ أَنَّ الرَّائِيَ يَرَاهُ ﵊ شَيْخًا وَشَابًّا وَأَسْوَدَ، وَذَاهِبَ الْعَيْنَيْنِ، وَذَاهِبَ الْيَدَيْنِ، وَعَلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى مِنَ الْمُثُل الَّتِي لَيْسَتْ مِثَالَهُ ﵊؛ لأَِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ صِفَاتُ الرَّائِينَ وَأَحْوَالُهُمْ تَظْهَرُ فِيهِ ﵊ وَهُوَ كَالْمِرْآةِ لَهُمْ (١) .

стр. 13168

تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى قَوْل النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فِعْلِهِ فِي الرُّؤْيَا: ٩ - مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ يَقُول قَوْلاً أَوْ يَفْعَل فِعْلاً فَهَل يَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا أَوْ فِعْلُهُ حُجَّةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ أَوْ لاَ؟ . ذَكَرَ الشَّوْكَانِيُّ فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ: - الأَْوَّل: أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً وَيَلْزَمُ الْعَمَل بِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ مِنْهَا الأُْسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ؛ لأَِنَّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ وَالشَّيْطَانُ لاَ يَتَمَثَّل بِهِ. الثَّانِيَ: أَنَّهُ لاَ يَكُونُ حُجَّةً وَلاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ لأَِنَّ رُؤْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا حَقٍّ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّل بِهِ لَكِنِ النَّائِمُ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّحَمُّل لِلرِّوَايَةِ لِعَدَمِ حِفْظِهِ. الثَّالِثَ: أَنَّهُ يُعْمَل بِذَلِكَ مَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعًا ثَابِتًا. قَال الشَّوْكَانِيُّ: وَلاَ يَخْفَاكَ أَنَّ الشَّرْعَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَنَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ قَدْ كَمَّلَهُ اللَّهُ وَقَال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) . وَلَمْ يَأْتِنَا دَلِيلٌ يَدُل عَلَى أَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي النَّوْمِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ إِذَا قَال فِيهَا بِقَوْلٍ، أَوْ فَعَل فِيهَا فِعْلاً يَكُونُ دَلِيلاً وَحُجَّةً، بَل قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَمَّل لِهَذِهِ الأُْمَّةِ مَا شَرَعَهُ لَهَا عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَبْقَ

стр. 13169

بَعْدَ ذَلِكَ حَاجَةٌ لِلأُْمَّةِ فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْبَعْثَةُ لِتَبْلِيغِ الشَّرَائِعِ وَتَبْيِينِهَا بِالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ رَسُولاً حَيًّا وَمَيِّتًا، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا ضَبْطَ النَّائِمِ لَمْ يَكُنْ مَا رَآهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ أَوْ فِعْلِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ وَلاَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأُْمَّةِ (١) . وَذَكَرَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ أَيْضًا أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الرُّؤْيَا التَّعْوِيل عَلَيْهَا فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لاِحْتِمَال الْخَطَأِ فِي التَّحَمُّل وَعَدَمِ ضَبْطِ الرَّائِي، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَدُل عَلَى أَنَّ مَا يَثْبُتُ فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالنَّوْمِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ لِرَجُلٍ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ يَقُول لَهُ إِنَّ فِي الْمَحَل الْفُلاَنِيِّ رِكَازًا اذْهَبْ فَخُذْهُ وَلاَ خُمُسَ عَلَيْكَ فَذَهَبَ وَوَجَدَهُ وَاسْتَفْتَى ذَلِكَ الرَّجُل الْعُلَمَاءَ، فَقَال لَهُ الْعِزُّ: أَخْرِجِ الْخُمُسَ فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ، وَقُصَارَى رُؤْيَتِكَ الآْحَادُ، فَلِذَلِكَ لَمَّا اضْطَرَبَتْ آرَاءُ الْفُقَهَاءِ بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ فِيمَنْ رَآهُ ﵇ فِي الْمَنَامِ فَقَال لَهُ إِنَّ امْرَأَتَكَ طَالِقٌ ثَلاَثًا وَهُوَ يَجْزِمُ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا لِتَعَارُضِ خَبَرِهِ ﵇ عَنْ تَحْرِيمِهَا فِي النَّوْمِ، وَإِخْبَارِهِ فِي الْيَقَظَةِ فِي شَرِيعَتِهِ الْمُعَظَّمَةِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ، اسْتَظْهَرَ الأَْصْل أَنَّ إِخْبَارَهُ ﵇ فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ لِتَطَرُّقِ الاِحْتِمَال لِلرَّائِي بِالْغَلَطِ فِي ضَبْطِهِ الْمِثَال قَال: فَإِذَا عَرَضْنَا عَلَى

стр. 13170

أَنْفُسِنَا احْتِمَال طُرُوِّ الطَّلاَقِ مَعَ الْجَهْل بِهِ وَاحْتِمَال طُرُوِّ الْغَلَطِ فِي الْمِثَال فِي النَّوْمِ وَجَدْنَا الْغَلَطَ فِي الْمِثَال أَيْسَرَ وَأَرْجَحَ، أَمَّا ضَبْطُ عَدَمِ الطَّلاَقِ فَلاَ يَخْتَل إِلاَّ عَلَى النَّادِرِ مِنَ النَّاسِ، وَالْعَمَل بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَال عَنْ حَلاَلٍ إِنَّهُ حَرَامٌ، أَوْ عَنْ حَرَامٍ إِنَّهُ حَلاَلٌ، أَوْ عَنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ قَدَّمْنَا مَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رَأَى فِي النَّوْمِ، كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ مِنْ أَخْبَارِ الْيَقَظَةِ صَحِيحَانِ فَإِنَّا نُقَدِّمُ الأَْرْجَحَ بِالسَّنَدِ، أَوْ بِاللَّفْظِ، أَوْ بِفَصَاحَتِهِ، أَوْ قِلَّةِ الاِحْتِمَال فِي الْمَجَازِ أَوْ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ خَبَرُ الْيَقَظَةِ وَخَبَرُ النَّوْمِ يَخْرُجَانِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ (١) . تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا: ١٠ - التَّعْبِيرُ كَمَا ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ خَاصٌّ بِتَفْسِيرِ الرُّؤْيَا، وَمَعْنَاهُ الْعُبُورُ مِنْ ظَاهِرِهَا إِلَى بَاطِنِهَا، وَقِيل: هُوَ النَّظَرُ فِي الشَّيْءِ، فَيُعْتَبَرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ حَتَّى يَحْصُل عَلَى فَهْمِهِ حَكَاهُ الأَْزْهَرِيُّ، وَبِالأَْوَّل جَزَمَ الرَّاغِبُ، وَقَال أَصْلُهُ مِنَ الْعَبْرِ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وَهُوَ التَّجَاوُزُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَخَصُّوا تَجَاوُزَ الْمَاءِ بِسِبَاحَةٍ أَوْ فِي سَفِينَةٍ أَوْ غَيْرِهَا بِلَفْظِ الْعُبُورِ بِضَمَّتَيْنِ، وَعَبَرَ الْقَوْمُ إِذَا مَاتُوا كَأَنَّهُمْ جَازُوا الْقَنْطَرَةَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الآْخِرَةِ، قَال: وَالاِعْتِبَارُ وَالْعِبْرَةُ الْحَالَةُ الَّتِي يُتَوَصَّل بِهَا مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشَاهَدِ إِلَى مَا لَيْسَ

стр. 13171

بِمُشَاهَدٍ، وَيُقَال: عَبَرْتُ الرُّؤْيَا بِالتَّخْفِيفِ إِذَا فَسَّرْتَهَا، وَعَبَّرْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ (١) . وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (٢) أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ عُبُورِ النَّهْرِ، فَعَابِرُ الرُّؤْيَا يَعْبُرُ بِمَا يَؤُول إِلَيْهِ أَمْرُهَا، وَيَنْتَقِل بِهَا كَمَا فِي رُوحِ الْمَعَانِي مِنَ الصُّورَةِ الْمُشَاهَدَةِ فِي الْمَنَامِ إِلَى مَا هِيَ صُورَةٌ وَمِثَالٌ لَهَا مِنَ الأُْمُورِ الآْفَاقِيَّةِ وَالأَْنْفُسِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْخَارِجِ (٣) . هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ صُوَرًا لِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَتَأْوِيلِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ: تَأْوِيل الثِّيَابِ بِالدِّينِ وَالْعِلْمِ، فَإِنَّ الرَّسُول ﷺ أَوَّل الْقَمِيصَ فِي الْمَنَامِ بِالدِّينِ وَالْعِلْمِ (٤) . وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتُرُ صَاحِبَهُ وَيُجَمِّلُهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَالْقَمِيصُ يَسْتُرُ بَدَنَهُ، وَالْعِلْمُ وَالدِّينُ يَسْتُرُ رُوحَهُ وَقَلْبَهُ، وَيُجَمِّلُهُ بَيْنَ النَّاسِ. وَتَأْوِيل اللَّبَنِ بِالْفِطْرَةِ لِمَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ التَّغْذِيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَيَاةِ وَكَمَال النَّشْأَةِ. وَتَأْوِيل

стр. 13172

الْبَقَرِ بِأَهْل الدِّينِ وَالْخَيْرِ الَّذِينَ بِهِمْ عِمَارَةُ الأَْرْضِ كَمَا أَنَّ الْبَقَرَ كَذَلِكَ. وَتَأْوِيل الزَّرْعِ وَالْحَرْثِ بِالْعَمَل، لأَِنَّ الْعَامِل زَارِعٌ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ. وَتَأْوِيل الْخَشَبِ الْمَقْطُوعِ الْمُتَسَانِدِ بِالْمُنَافِقِينَ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُنَافِقَ لاَ رُوحَ فِيهِ وَلاَ ظِل وَلاَ ثَمَرَ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبِ الَّذِي هُوَ كَذَلِكَ. وَتَأْوِيل النَّارِ بِالْفِتْنَةِ لإِِفْسَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ وَيَتَّصِل بِهِ. وَتَأْوِيل النُّجُومِ بِالْعُلَمَاءِ وَالأَْشْرَافِ لِحُصُول هِدَايَةِ أَهْل الأَْرْضِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَلاِرْتِفَاعِ الأَْشْرَافِ بَيْنَ النَّاسِ كَارْتِفَاعِ النُّجُومِ. وَتَأْوِيل الْغَيْثِ بِالرَّحْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةِ وَصَلاَحِ حَال النَّاسِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصُّوَرِ الْوَارِدَةِ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا وَالْمَأْخُوذَةِ مِنَ الأَْمْثِلَةِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَال: وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْثَال الْقُرْآنِ كُلِّهَا أُصُولٌ وَقَوَاعِدُ لِعِلْمِ التَّعْبِيرِ لِمَنْ أَحْسَنَ الاِسْتِدْلاَل بِهَا، وَكَذَلِكَ مَنْ فَهِمَ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُعَبِّرُ بِهِ الرُّؤْيَا أَحْسَنَ تَعْبِيرٍ، وَأُصُول التَّعْبِيرِ الصَّحِيحَةُ إِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ مِشْكَاةِ الْقُرْآنِ، فَالسَّفِينَةُ تُعَبَّرُ بِالنَّجَاةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ (١) وَتُعَبَّرُ بِالتِّجَارَةِ. وَالطِّفْل الرَّضِيعُ يُعَبَّرُ بِالْعَدُوِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 13173

: ﴿فَالْتَقَطَهُ آل فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (١) . وَالرَّمَادُ بِالْعَمَل الْبَاطِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ (٢) فَإِنَّ الرُّؤْيَا أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِيَسْتَدِل الرَّائِي بِمَا ضُرِبَ لَهُ مِنَ الْمَثَل عَلَى نَظِيرِهِ، وَيَعْبُرُ مِنْهُ إِلَى شَبَهِهِ (٣) . هَذَا وَمِمَّا وَرَدَ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي أَتَانَا اللَّهُ بِهِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ (٤) . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُوتِيتُ خَزَائِنَ الأَْرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ

стр. 13174

اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ (١) . وَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِل إِلَى مَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ (٢) . وَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: رَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ (٣) . هَذَا وَلاَ تُقَصُّ الرُّؤْيَا عَلَى غَيْرِ شَفِيقٍ وَلاَ نَاصِحٍ، وَلاَ يُحَدَّثُ بِهَا إِلاَّ عَاقِلٌ مُحِبٌّ، أَوْ نَاصِحٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَال يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ (٤) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تُقَصُّ الرُّؤْيَا إِلاَّ عَلَى عَالِمٍ أَوْ

стр. 13175

نَاصِحٍ (١) . وَأَنْ لاَ يَقُصَّهَا عَلَى مَنْ لاَ يُحْسِنُ التَّأْوِيل، لِقَوْل مَالِكٍ: لاَ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا إِلاَّ مَنْ يُحْسِنُهَا، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا أَخْبَرَ بِهِ، وَإِنْ رَأَى مَكْرُوهًا فَلْيَقُل خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، قِيل: فَهَل يُعَبِّرُهَا عَلَى الْخَيْرِ وَهُوَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ لِقَوْل مَنْ قَال: إِنَّهَا عَلَى مَا تَأَوَّلَتْ عَلَيْهِ، فَقَال: لاَ، ثُمَّ قَال: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَلاَ يُتَلاَعَبُ بِالنُّبُوَّةِ. وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُل ثَلاَثًا، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ، وَإِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْمَدَ، وَأَنْ يُحَدِّثَ بِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَال: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُول: " لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُول: وَأَنَا كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي حَتَّى سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَلْيَتْفُل ثَلاَثًا، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ (٢) .

стр. 13176

وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يُحِبُّهَا فَإِنَّهَا مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا وَلاَ يَذْكُرْهَا لأَِحَدٍ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ (١) .

стр. 13177

رُؤْيَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الرُّؤْيَةُ لُغَةً: إدْرَاكُ الشَّيْءِ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، وَقَال ابْنُ سِيدَهْ: الرُّؤْيَةُ: النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالْقَلْبِ. وَالْغَالِبُ فِي اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ هُوَ الْمَعْنَى الأَْوَّل، وَذَلِكَ كَمَا فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَل، وَرُؤْيَةِ الْمَبِيعِ، وَرُؤْيَةِ الشَّاهِدِ لِلشَّيْءِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَهَكَذَا. وَقَال الْجُرْجَانِيُّ: الرُّؤْيَةُ: الْمُشَاهَدَةُ بِالْبَصَرِ حَيْثُ كَانَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الإِْدْرَاكُ: ٢ - الإِْدْرَاكُ: هُوَ الْمَعْرِفَةُ فِي أَوْسَعِ مَعَانِيهَا، وَيَشْمَل الإِْدْرَاكَ الْحِسِّيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ (٢) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: انْطِبَاعُ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ.

стр. 13178

وَبِذَلِكَ يَكُونُ الإِْدْرَاكُ أَعَمَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالْبَصَرِ وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَلِذَلِكَ يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: مُدْرَكُ الْعِلْمِ الَّذِي تَقَعُ بِهِ الشَّهَادَةُ: الرُّؤْيَةُ وَالسَّمَاعُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ (١) . ب - النَّظَرُ: ٣ - النَّظَرُ: طَلَبُ ظُهُورِ الشَّيْءِ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْحَوَاسِّ. وَالنَّظَرُ بِالْقَلْبِ مِنْ جِهَةِ التَّفَكُّرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّظَرِ وَالرُّؤْيَةِ أَنَّ النَّظَرَ تَقْلِيبُ الْعَيْنِ حِيَال مَكَانِ الْمَرْئِيِّ طَلَبًا لِرُؤْيَتِهِ، وَالرُّؤْيَةُ هِيَ إِدْرَاكُ الْمَرْئِيِّ. وَقَال الْبَاقِلاَّنِيُّ: النَّظَرُ هُوَ الْفِكْرُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ (٢) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٤ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ بِاخْتِلاَفِ مَا تُسْتَعْمَل فِيهِ الرُّؤْيَةُ فَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْكِفَايَةِ كَرُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. وَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ مُسْتَحَبَّةً كَرُؤْيَةِ الْمَخْطُوبَةِ. وَقَدْ تَكُونُ حَرَامًا كَرُؤْيَةِ عَوْرَةِ الأَْجْنَبِيِّ. وَقَدْ تَكُونُ مُبَاحَةً كَرُؤْيَةِ الأَْشْيَاءِ الْعَادِيَّةِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلٌ لِذَلِكَ فِي الْبَحْثِ.

стр. 13179

مَا يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ مِنْ أَحْكَامٍ: رُؤْيَةُ الأَْجْنَبِيَّاتِ وَالْمَحَارِمِ: ٥ - يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل تَعَمُّدُ رُؤْيَةِ مَا يُعْتَبَرُ عَوْرَةً مِنَ الْمَرْأَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَحْرَمًا أَمْ أَجْنَبِيَّةً عَلَى الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ مَا هُوَ عَوْرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَحْرَمِ وَمَا هُوَ عَوْرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْجْنَبِيِّ. هَذَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ حَالاَتِ الضَّرُورَةِ كَالنَّظَرِ لِلْعِلاَجِ أَوْ مِنْ أَجْل الشَّهَادَةِ. كَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَعَمُّدُ رُؤْيَةِ مَا يُعْتَبَرُ عَوْرَةً مِنَ الرَّجُل سَوَاءٌ أَكَانَ مَحْرَمًا أَمْ أَجْنَبِيًّا مَعَ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ مَا هُوَ عَوْرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَحْرَمِ وَمَا هُوَ عَوْرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلأَْجْنَبِيِّ. وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل تَعَمُّدُ رُؤْيَةِ الْعَوْرَةِ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ. وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَعَمُّدُ رُؤْيَةِ الْعَوْرَةِ مِنَ امْرَأَةٍ أُخْرَى. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا. . .﴾ (١) إِلَخْ الآْيَةِ. وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لأَِسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: يَا أَسْمَاءُ: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا

стр. 13180

إِلاَّ هَذَا وَهَذَا وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ (١) . وَتَعَمُّدُ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ إِلَى مَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ حَرَامٌ سَوَاءٌ أَكَانَ النَّظَرُ مِنَ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ أَوِ الْعَكْسَ؛ لأَِنَّهُ يَجُرُّ إِلَى الْفِتْنَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : يَا عَلِيُّ لاَ تُتْبِعُ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُْولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآْخِرَةُ (٢) ، وَلِمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ الْفَضْل بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ رَدِيفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ فَجَاءَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ تَسْتَفْتِيهِ، فَأَخَذَ الْفَضْل يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ هِيَ إِلَيْهِ فَصَرَفَ ﵊ وَجْهَ الْفَضْل عَنْهَا (٣) . فَقَال لَهُ الْعَبَّاسُ فِي رِوَايَةٍ: لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ. قَال: رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا (٤) . هَذَا مَعَ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ فِي الْجُمْلَةِ بِنَظَرِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ إِلَى عَوْرَةِ الآْخَرِ فَيَحِل لِكُلٍّ مِنْهُمَا النَّظَرُ إِلَى كُل بَدَنِ الآْخَرِ.

стр. 13181

وَيَجُوزُ فِي الْجُمْلَةِ رُؤْيَةُ الإِْنْسَانِ عَوْرَةَ نَفْسِهِ (١) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحَاتِ: (أَجْنَبِيٌّ، أُنُوثَةٌ، حِجَابٌ، سَتْرُ الْعَوْرَةِ، عَوْرَةٌ، نَظَرٌ) . رُؤْيَةُ الْمَخْطُوبَةِ: ٦ - الأَْصْل أَنَّ تَعَمُّدَ رُؤْيَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٢) لَكِنْ مَنْ أَرَادَ النِّكَاحَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَى مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا، بَل يُسَنُّ ذَلِكَ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَقَدْ خَطَبَ امْرَأَةً: انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا (٣) ، بَل يَجُوزُ تَكْرَارُ النَّظَرِ إِنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِيَتَبَيَّنَ هَيْئَتَهَا، فَلاَ يَنْدَمُ بَعْدَ النِّكَاحِ، إِذْ لاَ يَحْصُل الْغَرَضُ غَالِبًا بِأَوَّل نَظْرَةٍ، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ (٤) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (خِطْبَةٌ) . رُؤْيَةُ الْمُتَيَمِّمِ الْمَاءَ: ٧ - مَنْ تَيَمَّمَ لِلصَّلاَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَاءِ ثُمَّ رَأَى

стр. 13182

الْمَاءَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ قَبْل الدُّخُول فِي الصَّلاَةِ بَطَل تَيَمُّمُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ (١) . وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ بُطْلاَنَ التَّيَمُّمِ بِمَا إِذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ لأَِدَاءِ رَكْعَةٍ بَعْدَ اسْتِعْمَال الْمَاءِ وَإِلاَّ فَلاَ يَبْطُل التَّيَمُّمُ. وَذَهَبَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَنْتَقِضُ بِوُجُودِ الْمَاءِ أَصْلاً؛ لأَِنَّ الطَّهَارَةَ بَعْدَ صِحَّتِهَا لاَ تَنْتَقِضُ إِلاَّ بِالْحَدَثِ، وَوُجُودُ الْمَاءِ لَيْسَ بِحَدَثٍ (٢) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (حَدَثٌ، وَوُضُوءٌ، وَتَيَمُّمٌ، وَصَلاَةٌ) . رُؤْيَةُ الْمَبِيعِ: ٨ - مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْعِلْمُ بِالْمَبِيعِ، فَلاَ يَصِحُّ الْبَيْعُ مَعَ الْجَهْل بِالْمَبِيعِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٣) مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا عَلِمَ الْمَبِيعَ. وَمِنَ الأُْمُورِ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الْعِلْمُ بِالْمَبِيعِ الرُّؤْيَةُ الْمُقَارِنَةُ لِلْعَقْدِ، فَإِذَا رَأَى الْمُتَعَاقِدَانِ الْمَبِيعَ حَال

стр. 13183

الْعَقْدِ يَكُونُ الْبَيْعُ لاَزِمًا فَلاَ يَكُونُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ، وَيَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ الْمُقَارِنَةِ لِلْعَقْدِ الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ عَلَى الْعَقْدِ بِزَمَنٍ لاَ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ غَالِبًا تَغَيُّرًا ظَاهِرًا فِيهِ لِحُصُول الْعِلْمِ بِالْمَبِيعِ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَاهَدَاهُ حَالَةَ الْعَقْدِ، وَالشَّرْطُ إِنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا الرُّؤْيَةُ طَرِيقُ الْعِلْمِ، وَلاَ حَدَّ لِلزَّمَنِ الَّذِي لاَ يَتَغَيَّرُ فِيهِ الْمَبِيعُ، إِذِ الْمَبِيعُ مِنْهُ مَا يُسْرِعُ تَغَيُّرُهُ، وَمَا يَتَبَاعَدُ، وَمَا يَتَوَسَّطُ، فَيُعْتَبَرُ كُلٌّ بِحَسَبِهِ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَبِيعَ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَصْبَحَ الْبَيْعُ لاَزِمًا وَلاَ خِيَارَ فِيهِ، وَإِنْ وَجَدَ الْمَبِيعَ مُتَغَيِّرًا عَنِ الْحَالَةِ الَّتِي رَآهُ عَلَيْهَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي. وَجَوَازُ الْبَيْعِ بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْعَقْدِ هُوَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَال أَبُو الْقَاسِمِ الأَْنْمَاطِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ فِي الْقَوْل الْجَدِيدِ لِلشَّافِعِيِّ حَتَّى يَرَيَا الْمَبِيعَ حَال الْعَقْدِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ؛ لأَِنَّ الرُّؤْيَةَ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حَال الْعَقْدِ كَالشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) .

стр. 13184

الرُّؤْيَةُ الْمُعْتَبَرَةُ: ٩ - الْمُعْتَبَرُ فِي رُؤْيَةِ الْمَبِيعِ الْعِلْمُ بِالْمَقْصُودِ الأَْصْلِيِّ مِنْ مَحَل الْعَقْدِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلاَفِ الْمَقَاصِدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللاَّزِمِ رُؤْيَةُ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ، بَل قَدْ تَكْفِي رُؤْيَةُ الْبَعْضِ الَّذِي يَدُل عَلَى بَقِيَّتِهِ وَعَلَى الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ؛ لأَِنَّ رُؤْيَةَ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَبِيعِ قَدْ تَكُونُ مُتَعَذِّرَةً كَمَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ صُبْرَةً فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ رُؤْيَةُ كُل حَبَّةٍ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ يُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ مَا هُوَ مَقْصُودٌ، فَإِذَا رَآهُ جَعَل غَيْرَ الْمَرْئِيِّ تَبَعًا لِلْمَرْئِيِّ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً. فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ الْبَعْضِ الَّذِي يَدُل عَلَى الْمَقْصُودِ، فَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ مَثَلاً فَرَسًا أَوْ بَغْلاً أَوْ حِمَارًا فَيُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ الْوَجْهِ وَالْمُؤَخِّرَةِ؛ لأَِنَّ الْوَجْهَ وَالْكَفَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُضْوٌ مَقْصُودٌ فِي هَذَا الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ بَقَرَةً حَلُوبًا، فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَنْظُرُ إِلَى الضَّرْعِ، وَهَكَذَا. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةً، فَإِنْ كَانَتْ آحَادُهُ لاَ تَتَفَاوَتُ، وَهُوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمِثْلِيِّ، وَمِنْ عَلاَمَتِهِ أَنْ يُعْرَضَ بِالنَّمُوذَجِ كَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْبَاقِي أَرْدَأَ مِمَّا رَأَى فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ. وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَثْوَابًا مُتَعَدِّدَةً وَهِيَ مِنْ نَمَطٍ وَاحِدٍ لاَ تَخْتَلِفُ عَادَةً بِحَيْثُ يُبَاعُ كُل وَاحِدٍ مِنْهَا

стр. 13185

بِثَمَنٍ مُتَّحِدٍ فَقَدْ اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ يَكْفِي رُؤْيَةُ ثَوْبٍ مِنْهَا؛ لأَِنَّهَا تُبَاعُ بِالنَّمُوذَجِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ، وَيَلْحَقُ بِمَا لاَ تَتَفَاوَتُ آحَادُهُ الْعَدَدِيَّاتُ الْمُتَقَارِبَةُ كَالْجَوْزِ، فَيُكْتَفَى بِرُؤْيَةِ الْبَعْضِ عَنْ رُؤْيَةِ الْكُل؛ لأَِنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ صَغِيرِ الْجَوْزِ وَكَبِيرِهِ مُتَقَارِبٌ مُلْحَقٌ بِالْعَدَمِ عُرْفًا وَعَادَةً، وَهُوَ الأَْصَحُّ، خِلاَفًا لِلْكَرْخِيِّ حَيْثُ أَلْحَقَهُ بِالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ لاِخْتِلاَفِهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ وَجَعَل لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ. وَإِنْ كَانَتْ آحَادُ الْمَبِيعِ تَتَفَاوَتُ وَهُوَ مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْقِيَمِيِّ وَيُسَمَّى الْعَدَدِيَّاتَ الْمُتَفَاوِتَةَ، وَلاَ يُبَاعُ بِالنَّمُوذَجِ كَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ الْمُتَفَاوِتَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلاَ بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ مَا يَدُل عَلَى الْمَقْصُودِ مِنَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ أَوْ رُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنْ كُل وَاحِدٍ إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الأَْشْيَاءِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَعَدَدٍ مِنَ الدَّوَابِّ. هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْجُمْلَةِ (١) ، مَعَ اخْتِلاَفِ الْمَذَاهِبِ - وَكَذَا فُقَهَاءُ الْمَذْهَبِ الْوَاحِدِ - فِي تَحْدِيدِ مَا يَتِمُّ بِهِ الْعِلْمُ بِالْمَقْصُودِ لِيُكْتَفَى بِرُؤْيَتِهِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) .

стр. 13186

رُؤْيَةُ الْمَشْهُودِ بِهِ: ١٠ - مِنْ شُرُوطِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَعْلُومًا لِلشَّاهِدِ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ. فَلاَ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ إِلاَّ بِمَا يَعْلَمُهُ بِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُل أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَال: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرَّجُل يَشْهَدُ بِشَهَادَةٍ، فَقَال لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذِهِ الشَّمْسِ وَأَوْمَأَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ (٢) . وَمِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ بِهِ الرُّؤْيَةُ، فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مِنَ الأَْفْعَال كَالْغَصْبِ وَالإِْتْلاَفِ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَسَائِرِ الأَْفْعَال، وَكَذَا الصِّفَاتُ الْمَرْئِيَّةُ كَالْعُيُوبِ فِي الْمَبِيعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِرُؤْيَتِهِ، فَهَذَا يُشْتَرَطُ فِي تَحَمُّل الشَّهَادَةِ فِيهِ الرُّؤْيَةُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ قَطْعًا إِلاَّ بِرُؤْيَتِهِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِثْل الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ

стр. 13187

وَالإِْجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الأَْقْوَال، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ، هَل لاَ بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَعَ سَمَاعِ أَقْوَالِهِمَا، أَمْ يَكْفِي السَّمَاعُ فَقَطْ؟ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَكْفِي السَّمَاعُ وَلاَ تُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إِذَا عَرَفَهُمَا وَتَيَقَّنَ أَنَّهُ كَلاَمُهُمَا، وَبِهَذَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ وَشُرَيْحٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى؛ لأَِنَّهُ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا فَجَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ رَآهُ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ لِمَنْ عَرَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَقِينًا، وَقَدْ يَحْصُل الْعِلْمُ بِالسَّمَاعِ يَقِينًا، وَقَدِ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ بِتَجْوِيزِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَلِهَذَا قُبِلَتْ رِوَايَةُ الأَْعْمَى وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ أَزْوَاجِ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِهِنَّ. وَالأَْصْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ الرُّؤْيَةُ مَعَ السَّمَاعِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ مِنَ الأَْقْوَال كَالأَْفْعَال؛ لأَِنَّ مِنْ شُرُوطِ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ التَّحَمُّل بِمُعَايَنَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِنَفْسِهِ لاَ بِغَيْرِهِ إِلاَّ فِي أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ يَصِحُّ التَّحَمُّل فِيهَا بِالتَّسَامُعِ مِنَ النَّاسِ كَالنِّكَاحِ وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ، وَالدَّلِيل عَلَى شَرْطِ التَّحَمُّل عَنْ طَرِيقِ الْمُعَايَنَةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، لاَ تَشْهَدْ إِلاَّ عَلَى مَا يُضِيءُ لَكَ كَضِيَاءِ هَذِهِ الشَّمْسِ، وَأَوْمَأَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى الشَّمْسِ وَلاَ يَعْلَمُ مِثْل الشَّمْسِ إِلاَّ بِالْمُعَايَنَةِ بِنَفْسِهِ، وَلِذَلِكَ لاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الأَْعْمَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ سَوَاءٌ أَكَانَ

стр. 13188

بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّل أَمْ لاَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُقْبَل إِذَا كَانَ بَصِيرًا وَقْتَ التَّحَمُّل. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ سَمِعَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ، وَلَوْ فَسَّرَهُ لِلْقَاضِي بِأَنْ قَال: سَمِعْتُهُ بَاعَ وَلَمْ أَرَ شَخْصَهُ حِينَ تَكَلَّمَ، لاَ يَقْبَلُهُ؛ لأَِنَّ النَّغْمَةَ تُشْبِهُ النَّغْمَةَ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ دَخَل الْبَيْتَ وَعَلِمَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ سِوَاهُ ثُمَّ جَلَسَ عَلَى الْبَابِ وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ مَسْلَكٌ غَيْرُهُ فَسَمِعَ إِقْرَارَ الدَّاخِل وَلاَ يَرَاهُ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَ؛ لأَِنَّهُ حَصَل بِهِ الْعِلْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: كَذَلِكَ لاَ بُدَّ مِنَ الرُّؤْيَةِ مَعَ السَّمَاعِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الأَْقْوَال كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِثْل الشَّهَادَةِ عَلَى الأَْفْعَال. وَلِذَلِكَ لاَ تُقْبَل فِيهَا شَهَادَةُ الأَْصَمِّ وَلاَ الأَْعْمَى اعْتِمَادًا عَلَى الصَّوْتِ؛ لأَِنَّ الأَْصْوَاتَ تَتَشَابَهُ وَيَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا التَّلْبِيسُ. وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مِثْل الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ (١) . وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٌ) .

стр. 13189

رُؤْيَةُ الْقَاضِي الْخُصُومَ: ١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ قَضَاءِ الأَْعْمَى، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (قَضَاء، وَعَمَى، وَغَيْبَة) . أَثَرُ الرُّؤْيَةِ: ١٢ - لِلرُّؤْيَةِ أَثَرٌ فِي بَعْضِ الأَْحْكَامِ وَمِنْ ذَلِكَ: أ - وُجُوبُ الصَّوْمِ لِرُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ وَوُجُوبُ الْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ هِلاَل شَوَّالٍ (١) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمُ الشَّهْرُ فَعُدُّوا لَهُ ثَلاَثِينَ (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (رُؤْيَةُ الْهِلاَل) . ب - رُؤْيَةُ الْمُنْكَرِ تُوجِبُ النَّهْيَ عَنْهُ وَمُحَاوَلَةَ تَغْيِيرِهِ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٤) :

стр. 13190

هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ الْوَاجِبَ تَغْيِيرُهُ هُوَ الْمُجْمَعُ عَلَى إِنْكَارِهِ، وَمُرَاعَاةِ عَدَمِ تَرَتُّبِ فِتْنَةٍ عَلَى مُحَاوَلَةِ التَّغْيِيرِ، وَمُرَاعَاةِ الظُّرُوفِ الَّتِي تَتَلاَءَمُ مَعَ كُل مَرْتَبَةٍ مِنَ الْمَرَاتِبِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ مِنَ التَّغْيِيرِ بِالْيَدِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ (١) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) . ج - يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ (٢) . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا يَقُول إِذَا رَأَى الْبَيْتَ: " بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. وَالأَْفْضَل الدُّعَاءُ بِالْمَأْثُورِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَال: اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَكَرَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا (٣) . د - رُؤْيَةُ عَيْبٍ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ تُثْبِتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ (٤) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (خِيَارُ الْعَيْبِ)

стр. 13191

رُؤْيَةُ الْهِلاَل التَّعْرِيفُ: ١ - الرُّؤْيَةُ: النَّظَرُ بِالْعَيْنِ وَالْقَلْبِ، وَهِيَ مَصْدَرُ رَأَى، وَالرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَبِمَعْنَى الْعِلْمِ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ (١) . وَحَقِيقَةُ الرُّؤْيَةِ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الأَْعْيَانِ كَانَتْ بِالْبَصَرِ، كَقَوْلِهِ ﵊ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ (٢) ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ مَجَازًا (٣) . وَتَرَاءَى الْقَوْمُ: رَأَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَرَاءَيْنَا الْهِلاَل: نَظَرْنَا. وَلِلْهِلاَل عِدَّةُ مَعَانٍ مِنْهَا: الْقَمَرُ فِي أَوَّل اسْتِقْبَالِهِ الشَّمْسَ كُل شَهْرٍ قَمَرِيٍّ فِي اللَّيْلَةِ الأُْولَى وَالثَّانِيَةِ، قِيل: وَالثَّالِثَةِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ

стр. 13192

لأَِنَّهُ فِي قَدْرِ الْهِلاَل فِي أَوَّل الشَّهْرِ. وَقِيل يُسَمَّى هِلاَلاً إِلَى أَنْ يَبْهَرَ ضَوْءُهُ سَوَادَ اللَّيْل، وَهَذَا لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ (١) . وَالْمَقْصُودُ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل: مُشَاهَدَتُهُ بِالْعَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ السَّابِقِ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ وَتُقْبَل شَهَادَتُهُ فَيَثْبُتُ دُخُول الشَّهْرِ بِرُؤْيَتِهِ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: طَلَبُ رُؤْيَةِ الْهِلاَل: ٢ - رُؤْيَةُ الْهِلاَل أَمْرٌ يَقْتَضِيهِ ارْتِبَاطُ تَوْقِيتِ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ بِهَا، فَيُشْرَعُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجِدُّوا فِي طَلَبِهَا وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لِمَعْرِفَةِ دُخُول رَمَضَانَ، وَلَيْلَةِ الثَّلاَثِينَ مِنْ رَمَضَانَ لِمَعْرِفَةِ نِهَايَتِهِ وَدُخُول شَوَّالٍ، وَلَيْلَةِ الثَّلاَثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لِمَعْرِفَةِ ابْتِدَاءِ ذِي الْحِجَّةِ. فَهَذِهِ الأَْشْهُرُ الثَّلاَثَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا رُكْنَانِ مِنْ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ هُمَا الصِّيَامُ وَالْحَجُّ، وَلِتَحْدِيدِ عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الأَْضْحَى. وَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَال النَّبِيُّ ﷺ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ (٢) . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ

стр. 13193

رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَثِينَ (١) . أَوْجَبَ الْحَدِيثُ الأَْوَّل صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلاَلِهِ أَوْ بِإِكْمَال شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ، وَأَمَرَ بِالإِْفْطَارِ لِرُؤْيَةِ هِلاَل شَوَّالٍ، أَوْ بِإِتْمَامِ رَمَضَانَ ثَلاَثِينَ. وَنَهَى الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ قَبْل رُؤْيَةِ هِلاَلِهِ أَوْ قَبْل إِتْمَامِ شَعْبَانَ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ. وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ حَدِيثٌ فِيهِ أَمْرٌ بِالاِعْتِنَاءِ بِهِلاَل شَعْبَانَ لأَِجْل رَمَضَانَ قَال: أَحْصُوا هِلاَل شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ (٢) وَحَدِيثٌ يُبَيِّنُ اعْتِنَاءَهُ بِشَهْرِ شَعْبَانَ لِضَبْطِ دُخُول رَمَضَانَ، عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لاَ يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلاَثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ (٣) قَال الشُّرَّاحُ: أَيْ

стр. 13194

يَتَكَلَّفُ فِي عَدِّ أَيَّامِ شَعْبَانَ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ (١) . وَقَدِ اهْتَمَّ الصَّحَابَةُ ﵃ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ بِرُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ فَكَانُوا يَتَرَاءَوْنَهُ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَال: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلاَل فَأَخْبَرْتُ بِهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ (٢) . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَال: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَتَرَاءَيْنَا الْهِلاَل، وَكُنْتُ رَجُلاً حَدِيدَ الْبَصَرِ فَرَأَيْتُهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي. قَال: فَجَعَلْتُ أَقُول لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ فَجَعَل لاَ يَرَاهُ. قَال: يَقُول عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي (٣) . وَقَدْ أَوْجَبَ الْحَنَفِيَّةُ كِفَايَةَ الْتِمَاسِ رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلاَثِينَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنْ رَأَوْهُ صَامُوا، وَإِلاَّ أَكْمَلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صَامُوا (٤) ؛ لأَِنَّ

стр. 13195

مَا لاَ يَحْصُل الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ تَرَائِي الْهِلاَل احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَحِذَارًا مِنْ الاِخْتِلاَفِ (١) . وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ تَصْرِيحًا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. طُرُقُ إِثْبَاتِ الْهِلاَل: أَوَّلاً: الرُّؤْيَةُ بِالْعَيْنِ: أ - الرُّؤْيَةُ مِنَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ الَّذِينَ تَحْصُل بِهِمْ الاِسْتِفَاضَةُ: ٣ - هِيَ رُؤْيَةُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ الَّذِينَ لاَ يَجُوزُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَادَةً، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي صِفَتِهِمْ مَا يُشْتَرَطُ فِي صِفَةِ الشَّاهِدِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَدَالَةِ (٢) . وَهَذَا أَحَدُ تَفْسِيرَيْ الاِسْتِفَاضَةِ، وَقَدِ ارْتَقَتْ بِهِ إِلَى التَّوَاتُرِ، أَمَّا التَّفْسِيرُ الثَّانِي لِلاِسْتِفَاضَةِ فَقَدْ حُدِّدَتْ بِمَا زَادَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَشْخَاصٍ (٣) . وَالتَّفْسِيرَانِ يَلْتَقِيَانِ فِي أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ تَكُونُ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ، وَأَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا دُخُول رَمَضَانَ.

стр. 13196

وَقَدْ قَال بِهَذَا النَّوْعِ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ الْحَنَفِيَّةُ لإِِثْبَاتِ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ (١) . وَقَال بِهِ أَيْضًا الْمَالِكِيَّةُ لَكِنَّهُمْ سَكَتُوا عَنِ اشْتِرَاطِ الصَّحْوِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. ب - رُؤْيَةُ عَدْلَيْنِ: ٤ - نُقِل الْقَوْل بِاشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ (٢) ، وَقَال بِهَذَا الرَّأْيِ الْمَالِكِيَّةُ فِي حَالَةِ الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ فِي الْمِصْرِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَيَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلَيْنِ الصَّوْمُ وَالْفِطْرُ وَشَهْرُ ذِي الْحِجَّةِ، وَاشْتَرَطُوا فِي الْعَدْل الإِْسْلاَمَ وَالْحُرِّيَّةَ وَالذُّكُورَةَ وَمَا تَقْتَضِيهِ الْعَدَالَةُ مِنَ الْعَقْل وَالْبُلُوغِ وَالاِلْتِزَامِ بِالإِْسْلاَمِ (٣) . وَاعْتَبَرَ سَحْنُونٌ شَهَادَةَ اثْنَيْنِ فَقَطْ فِي الصَّحْوِ، وَفِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ رِيبَةً، وَلَمْ يُنْقَل عَنْهُ تَعْيِينُ الْعَدَدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يُقْبَل فِي مِثْلِهَا غَيْرُ الرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ وَأَقَلُّهَا ثَلاَثَةٌ. قَال: " وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ إِذَا لَمْ يَشْهَدْ غَيْرُهُمَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ وَالصَّحْوِ، وَأَيَّةُ رِيبَةٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذِهِ (٤) ".

стр. 13197

وَنُقِل الْقَوْل بِاشْتِرَاطِ عَدْلَيْنِ فِي الشَّهَادَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا هِلاَل رَمَضَانَ عَنِ الْبُوَيْطِيِّ تِلْمِيذِ الشَّافِعِيِّ (١) . ج - رُؤْيَةُ عَدْلٍ وَاحِدٍ: ٥ - لِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ وَشُرُوطٌ فِي قَبُول رُؤْيَةِ الْعَدْل الْوَاحِدِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: قَبِل الْحَنَفِيَّةُ فِي رُؤْيَةِ هِلاَل رَمَضَانَ شَهَادَةَ الْعَدْل الْوَاحِدِ فِي الْغَيْمِ أَوِ الْغُبَارِ وَانْعِدَامِ صَحْوِ السَّمَاءِ، وَاكْتَفَوْا فِي وَصْفِ الْعَدَالَةِ بِتَرْجِيحِ الْحَسَنَاتِ عَلَى السَّيِّئَاتِ، وَقَبِلُوا شَهَادَةَ مَسْتُورِ الْحَال، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الذُّكُورَةَ وَالْحُرِّيَّةَ، وَاعْتَبَرُوا الإِْعْلاَمَ بِالرُّؤْيَةِ مِنْ قَبِيل الإِْخْبَارِ. وَتَتِمُّ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُمْ فِي الْمِصْرِ أَمَامَ الْقَاضِي، وَفِي الْقَرْيَةِ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ رَأَى الْهِلاَل وَحْدَهُ وَلَمْ يَقْبَل الْقَاضِي شَهَادَتَهُ صَامَ، فَلَوْ أَفْطَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ (٢) . وَاسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ عَلَى قَبُول شَهَادَةِ الْعَدْل الْوَاحِدِ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: أَبْصَرْتُ الْهِلاَل اللَّيْلَةَ، قَال: أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: يَا بِلاَل أَذِّنْ فِي

стр. 13198

النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا (١) . وَتَقَدَّمَ فِي تَرَائِي الْهِلاَل حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ. وَبِأَنَّ الإِْخْبَارَ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل مِنَ الرِّوَايَةِ وَلَيْسَ بِشَهَادَةٍ؛ لأَِنَّهُ يُلْزِمُ الْمُخْبَرَ بِالصَّوْمِ، وَمَضْمُونُ الشَّهَادَةِ لاَ يُلْزِمُ الشَّاهِدَ بِشَيْءٍ، وَالْعَدَدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الرِّوَايَةِ فَأَمْكَنَ قَبُول خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَل بِالشُّرُوطِ الْوَاجِبِ تَوَفُّرُهَا فِي الرَّاوِي لِخَبَرٍ دِينِيٍّ، وَهِيَ: الإِْسْلاَمُ وَالْعَقْل وَالْبُلُوغُ وَالْعَدَالَةُ (٢) . وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْمَالِكِيَّةُ رُؤْيَةَ الْعَدْل الْوَاحِدِ فِي إِثْبَاتِ الْهِلاَل، وَلَمْ يُوجِبُوا الصَّوْمَ بِمُقْتَضَاهَا عَلَى الْجَمَاعَةِ (٣) ، وَأَلْزَمُوا مَنْ رَأَى الْهِلاَل وَحْدَهُ بِإِعْلاَمِ الإِْمَامِ بِرُؤْيَتِهِ لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ رَأَى أَوْ عَلِمَ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، وَأَوْجَبُوا عَلَى الرَّائِي الْمُنْفَرِدِ الصِّيَامَ، وَلَوْ رَدَّ الإِْمَامُ شَهَادَتَهُ فَإِنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ

стр. 13199

الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَال: إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسَأَلْتُهُمْ وَأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا (٢) . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ قَبُول هَذَا النَّوْعِ مِنَ الرُّؤْيَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ مَنْ يَعْتَنِي بِأَمْرِ الْهِلاَل (٣) . وَقَبِل بَعْضُهُمْ رُؤْيَةَ الرَّجُل الْوَاحِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ إِذَا أُرِيدَ مِنَ الشَّهْرِ مَعْرِفَةُ عِلْمِ التَّارِيخِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُلُول دَيْنٍ أَوْ إِكْمَال عِدَّةٍ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلاَ بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ (٤) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَبُول رُؤْيَةِ الْعَدْل الْوَاحِدِ فِي هِلاَل رَمَضَانَ وَإِلْزَامُ الْجَمِيعِ الصِّيَامَ بِمُقْتَضَاهَا احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ، وَلَمْ يَقْبَلُوهَا مِنَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؛ لأَِنَّ الإِْخْبَارَ بِالرُّؤْيَةِ عِنْدَهُمْ مِنْ قَبِيل الشَّهَادَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَبُول النَّبِيِّ ﷺ إِخْبَارَ ابْنِ عُمَرَ وَحْدَهُ بِهِلاَل رَمَضَانَ، وَقَبُولِهِ أَيْضًا إِخْبَارَ

стр. 13200

أَعْرَابِيٍّ بِذَلِكَ (١) ، وَأَوْجَبُوا عَلَى الرَّائِي الصَّوْمَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَدْلاً (٢) . وَقَبِل الْحَنَابِلَةُ فِي هِلاَل رَمَضَانَ رُؤْيَةَ الْعَدْل الْوَاحِدِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الذُّكُورَةَ وَالْحُرِّيَّةَ وَرَفَضُوا شَهَادَةَ مَسْتُورِ الْحَال فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ، وَمُسْتَنَدُهُمْ قَبُول النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَ الأَْعْرَابِيِّ (٣) . وَلَمْ يَقْبَلُوا فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ إِلاَّ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. رُؤْيَةُ هِلاَل شَوَّالٍ وَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ: ٦ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ فِي هِلاَل شَوَّالٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفْصِيلاَتِ. فَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لإِِثْبَاتِ هِلاَل شَوَّالٍ فِي حَالَةِ الصَّحْوِ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ جَمَاعَةً يَحْصُل الْعِلْمُ لِلْقَاضِي بِخَبَرِهِمْ كَمَا فِي هِلاَل رَمَضَانَ، وَلَمْ يَقْبَلُوا فِي حَال الْغَيْمِ إِلاَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ غَيْرَ مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ، وَإِنْ تَابَا كَمَا فِي الشَّهَادَةِ فِي الْحُقُوقِ وَالأَْمْوَال؛ لأَِنَّ الإِْخْبَارَ بِهِلاَل شَوَّالٍ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ. وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْمُخْبِرِ، وَهُوَ إسْقَاطُ الصَّوْمِ عَنْهُ فَكَانَ مُتَّهَمًا فَاشْتُرِطَ فِيهِ الْعَدَدُ نَفْيًا
следующие страницы →