Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14141–14180 · переход к 14146.
стр. 14141
اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلاَ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَهِيَ طَاهِرَةٌ فَلاَ تُنَجِّسُ سَرَاوِيلَهُ الْمُبْتَلَّةَ إِذَا خَرَجَتْ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي (اسْتِنْجَاء) .
وُجُوبُ إِزَالَةِ رِيحِ النَّجَاسَةِ:
٥ - يَجِبُ إِزَالَةُ رِيحِ النَّجَاسَةِ عِنْدَ تَطْهِيرِ الشَّيْءِ الْمُتَنَجِّسِ، وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَة) .
إِخْرَاجُ الرِّيحِ فِي الْمَسْجِدِ:
٦ - يُكْرَهُ إِخْرَاجُ الرِّيحِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ لِحَدِيثِ: إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ (٢) . وَيَخْرُجُ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، كَمَا يُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ لِمَنْ أَكَل شَيْئًا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَالْبَصَل النِّيءِ وَنَحْوِهِ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجَمَاعَةُ إِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إِزَالَةُ رِيحِهَا، وَمِثْل ذَلِكَ مَنْ لَهُ صُنَانٌ، أَوْ بَخْرٌ (٣) ، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَكَل مِنْ هَذِهِ стр. 14142
الشَّجَرَةِ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا (١) .
ثُبُوتُ حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ بِفَوْحِ رِيحِهَا مِنْ فَمِهِ:
٧ - لاَ يَثْبُتُ حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ بِوُجُودِ رِيحِهَا فِي فَمِهِ لاِحْتِمَال أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا، أَوْ ظَنَّهَا مَاءً فَلَمَّا ذَاقَهَا مَجَّهَا، أَوْ أَنَّهُ تَنَاوَل شَيْئًا آخَرَ تُشْبِهُ رِيحُهُ رِيحَ الْخَمْرِ، وَالاِحْتِمَال شُبْهَةٌ يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ لِقَوْلِهِ ﷺ : ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ (٢) ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَثْبُتُ حَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ بِوُجُودِ الرِّيحِ، وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، لأَِنَّ الرِّيحَ تَدُل عَلَى شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ فَأُجْرِيَ مَجْرَى الإِْقْرَارِ، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ جَلَدَ رَجُلاً وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ (٤) .
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (سُكْر) .
الْبَوْل فِي مَهَبِّ الرِّيحِ:
٨ - يُكْرَهُ التَّبَوُّل وَالتَّغَوُّطُ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ؛ لِئَلاَّ стр. 14143
يُصِيبَهُ رَشَاشُ النَّجَاسَةِ، وَلاَ يُكْرَهُ اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ عِنْدَ إِخْرَاجِ الرِّيحِ؛ لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا مُقَيَّدٌ بِحَالَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الرِّيحِ (١) .
التَّخَلُّفُ عَنِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ لِشِدَّةِ الرِّيحِ:
٩ - يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ لاِشْتِدَادِ الرِّيحِ، وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ لِلْمَشَقَّةِ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَذَاتِ الرِّيحِ (٢) : أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَال (٣) .
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) . стр. 14144
رِيش
التَّعْرِيفُ:
١ - الرِّيشُ لُغَةً: كِسْوَةُ الطَّائِرِ، وَالْوَاحِدَةُ رِيشَةٌ، وَهُوَ يُقَابِل الشَّعْرَ فِي الإِْنْسَانِ وَنَحْوِهِ، وَالصُّوفَ لِلْغَنَمِ، وَالْوَبَرَ لِلإِْبِل، وَالْحَرَاشِفَ لِلزَّوَاحِفِ، وَالْقُشُورَ لِلأَْسْمَاكِ، وَالرِّيشُ أَيْضًا اللِّبَاسُ الْفَاخِرُ، وَالأَْثَاثُ، وَالْمَال، وَالْخِصْبُ، وَالْحَالَةُ الْجَمِيلَةُ. وَجَمْعُهُ أَرْيَاشٌ وَرِيَاشٌ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلْكَلِمَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ:
٢ - الشَّعْرُ: مَا يَنْبُتُ عَلَى الْجِسْمِ مِمَّا لَيْسَ بِصُوفٍ وَلاَ وَبَرٍ لِلإِْنْسَانِ وَغَيْرِهِ.
وَالشَّعْرُ يُقَابِلُهُ الرِّيشُ فِي الطُّيُورِ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ. стр. 14145
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالرِّيشِ:
أ - طَهَارَةُ الرِّيشِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّيشَ يُوَافِقُ الشَّعْرَ فِي أَحْكَامِهِ، وَمَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى طَهَارَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأْكُول حَال حَيَاتِهِ إِذَا كَانَ مُتَّصِلاً بِالطَّيْرِ، أَمَّا إِذَا نُتِفَ أَوْ تَسَاقَطَ فَيَرَى الْجُمْهُورُ - أَيْضًا - طَهَارَتَهُ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الطَّاهِرَ مِنْهُ هُوَ الزَّغَبُ، وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِقَصَبِ الرِّيشِ، أَمَّا الْقَصَبُ فَنَجِسٌ، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الرِّيشَ الْمُتَسَاقِطَ وَالْمَنْتُوفَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ (١) وَدَلِيل الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٢) وَالرِّيشُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا، وَلَوْ قُصِرَ الاِنْتِفَاعُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَى الْمُذَكَّى لَضَاعَ مُعْظَمُ الشُّعُورِ وَالأَْصْوَافِ، قَال بَعْضُهُمْ: وَهَذَا. أَحَدُ مَوْضِعَيْنِ خُصِّصَتِ السُّنَّةُ فِيهِمَا بِالْكِتَابِ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﷺ : مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ. خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ . الآْيَةَ.
وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - فِي الْجُمْلَةِ - طَهَارَةُ стр. 14146
رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأْكُول إِذَا مَاتَ (١) .
وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ: قَال صَاحِبُ الاِخْتِيَارِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: شَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ، لأَِنَّ الْحَيَاةَ لاَ يُحِلُّهُمَا، حَتَّى لاَ يَتَأَلَّمَ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِمَا، فَلاَ يُحِلُّهُمَا الْمَوْتُ، وَهُوَ الْمُنَجِّسُ، وَكَذَلِكَ الْعَصَبُ وَالْحَافِرُ وَالْخُفُّ وَالظِّلْفُ وَالْقَرْنُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ وَالسِّنُّ وَالْمِنْقَارُ وَالْمِخْلَبُ لِمَا ذَكَرْنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ امْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمَأْخُوذِ مِنَ الْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: ﵂ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَحْمُهَا (٣) فَدَل عَلَى أَنَّ مَا عَدَا اللَّحْمَ لاَ يَحْرُمُ، فَدَخَلَتِ الأَْجْزَاءُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ صَرِيحَةٌ؛ وَلأَِنَّ الْمَعْهُودَ فِيهَا قَبْل الْمَوْتِ الطَّهَارَةُ فَكَذَا بَعْدَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُحِلُّهَا (٤) . стр. 14147
وَقَيَّدَهَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: بِأَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنَ الدُّسُومَةِ (١) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِرِيشِ الْمَيْتَةِ كَمَذْهَبِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيشِ الْمَنْتُوفِ وَالْمُنْفَصِل، وَهُوَ أَنَّ الزَّغَبَ طَاهِرٌ دُونَ الْقَصَبِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِجَزِّ الزَّغَبِ وَلَوْ بَعْدَ نَتْفِ الرِّيشِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ بَعْدَ جَزِّهِ (٢) .
وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ الْجُمْهُورَ فِي طَهَارَةِ رِيشِ الْمَيْتَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ أُصُول الرِّيشِ إِذَا نُتِفَ سَوَاءٌ أَكَانَ رَطْبًا أَمْ يَابِسًا؛ لأَِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، أَشْبَهَ سَائِرَهَا؛ وَلأَِنَّ أُصُول الشَّعْرِ وَالرِّيشِ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، لَمْ يَسْتَكْمِل شَعْرًا وَلاَ رِيشًا (٣) .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ أَصْل الرِّيشِ إِذَا كَانَ رَطْبًا، وَنُتِفَ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لأَِنَّهُ رَطْبٌ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، وَهَل يَكُونُ طَاهِرًا بَعْدَ غَسْلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ كَرُءُوسِ الشَّعْرِ إِذَا تَنَجَّسَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ لأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ لَمْ стр. 14148
يَسْتَكْمِل شَعْرًا وَلاَ رِيشًا (١) ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَبَقَ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ - فِي الصَّحِيحِ - أَنَّ رِيشَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ، لأَِنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَال خِلْقَةٍ فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَالأَْعْضَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٢) وَهَذَا عَامٌّ يَشْمَل الشَّعْرَ وَالرِّيشَ وَغَيْرَهُمَا.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الرِّيشَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْل، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: لاَ بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلاَ بَأْسَ بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا وَقُرُونِهَا إِذَا غُسِل بِالْمَاءِ (٣) .
أَمَّا الطَّيْرُ غَيْرُ الْمَأْكُول فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي رِيشِهِ كَمَذْهَبِهِمْ فِي رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأْكُول أَنَّهُ طَاهِرٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى نَجَاسَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَيِّتِ غَيْرِ الْمَأْكُول، إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ لَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ.
قَال فِي الْمُغْنِي: وَكُل حَيَوَانٍ فَشَعْرُهُ - أَيْ وَرِيشُهُ - مِثْل بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ، مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ стр. 14149
وَرِيشُهُ طَاهِرٌ، وَمَا كَانَ نَجِسًا فَشَعْرُهُ - رِيشُهُ - كَذَلِكَ، وَلاَ فَرْقَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ، إِلاَّ أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا لِمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ مِنْهَا، كَالسِّنَّوْرِ وَمَا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ، فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، لأَِنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً مَعَ وُجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعَارِضٍ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ، وَقَدِ انْتَفَتِ الْحَاجَةُ، فَتَنْتَفِي الطَّهَارَةُ.
وَالثَّانِي: هِيَ طَاهِرَةٌ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لأَِنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتُ لاَ يَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا، فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ (١) .
حُكْمُ الرِّيشِ عَلَى عُضْوٍ مُبَانٍ مِنْ حَيٍّ:
٤ - قَال الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ جَنَاحُ طَائِرٍ مَأْكُولٍ فِي حَيَاتِهِ فَمَا عَلَيْهِ مِنَ الرِّيشِ نَجِسٌ تَبَعًا لِمَيْتَتِهِ (٢) . وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي: (شَعْر)
. حُكْمُ الرِّيشِ عَلَى الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ:
٥ - إِذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ (أَوْ رِيش) قَال فِي الأُْمِّ: لاَ يَطْهُرُ لأَِنَّ الدِّبَاغَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي تَطْهِيرِهِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ عَنِ стр. 14150
الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَطْهُرُ؛ لأَِنَّهُ شَعْرٌ - رِيشٌ - نَابِتٌ عَلَى جِلْدٍ طَاهِرٍ فَكَانَ كَالْجِلْدِ فِي الطَّهَارَةِ، كَشَعْرِ الْحَيَوَانِ حَال الْحَيَاةِ، وَالأَْوَّل أَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل: فِي (دِبَاغ) ، (شَعْر) .
حُكْمُ الْجِنَايَةِ عَلَى رِيشِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ أَوْ فِي الْحَرَمِ:
٦ - إِنْ نَتَفَ الْمُحْرِمُ رِيشَ الصَّيْدِ أَوْ شَعْرَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَعَادَ مَا نَتَفَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ النَّقْصَ زَال، أَشْبَهَ مَا لَوِ انْدَمَل الْجُرْحُ، فَإِنْ صَارَ الصَّيْدُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ رِيشِهِ وَنَحْوِهِ فَكَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا صَارَ بِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ - أَيْ عَلَيْهِ جَزَاءُ جَمِيعِهِ - وَإِنْ نَتَفَهُ فَغَابَ وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ فَعَلَيْهِ نَقْصُهُ (٢) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (حَرَم) ، (صَيْد) .
الاِسْتِنْجَاءُ بِالرِّيشِ:
٧ - لاَ يَحْرُمُ الاِسْتِنْجَاءُ بِالرِّيشِ إِذَا كَانَ طَاهِرًا قَالِعًا، وَلَوِ اسْتَنْجَى بِشَيْءٍ مِنْهُ وَشَكَّ هَل وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الشُّرُوطُ أَوْ لاَ؟ فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الإِْجْزَاءُ (٣) . وَيُنْظَرُ (اسْتِنْجَاء) ، (شَعْر) . стр. 14151
السَّلَمُ فِي الرِّيشِ:
٨ - يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالرِّيشِ مَا لَمْ يُعَيَّنْ حَيَوَانُهَا (١) .
انْظُرِ التَّفْصِيل فِي: (سَلَم) ، (شَعْر) ، (صُوف) .
نَتْفُ الرِّيشِ بِالْمَاءِ الْحَارِّ:
٩ - فِي فَتَاوَى الأَْنْقِرْوِيِّ (نَقْلاً عَنْ فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ فِي الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ) : سُئِل عَنِ الدَّجَاجِ إِذَا أُلْقِيَ فِي الْمَاءِ حَال الْغَلَيَانِ لِيُنْتَفَ رِيشُهُ، قَبْل شَقِّ بَطْنِهِ هَل يَتَنَجَّسُ؟ فَأَجَابَ: يَتَنَجَّسُ، وَلَكِنْ يُغْسَل بِالْمَاءِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَيَطْهُرُ (٢) . وَجَاءَ فِي شَرْحِ الزَّرْقَانِيِّ عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: لَيْسَ مِنَ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِالنَّجَاسَةِ الدَّجَاجُ الْمَذْبُوحُ، يُوضَعُ فِي مَاءٍ حَارٍّ لإِِخْرَاجِ رِيشِهِ مِنْ غَيْرِ غَسْل الْمَذْبَحِ؛ لأَِنَّ هَذَا لَيْسَ بِطَبْخٍ حَتَّى تَدْخُل النَّجَاسَةُ فِي أَعْمَاقِهِ، بَل يُغْسَل وَيُؤْكَل (٣) . стр. 14152
رِيع
التَّعْرِيفُ:
١ - الرِّيعُ لُغَةً: النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ، وَرَيَّعَ: زَكَا وَزَادَ وَيُقَال: أَرَاعَتِ الشَّجَرَةُ: كَثُرَ حَمْلُهَا.
وَيُقَال: أَخْرَجَتِ الأَْرْضُ الْمَرْهُونَةُ رِيعًا، أَيْ غَلَّةً لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ (١) .
وَالْفُقَهَاءُ يُفَسِّرُونَ الرِّيعَ بِالْغَلَّةِ وَيُفَسِّرُونَ الْغَلَّةَ بِالرِّيعِ، وَيَسْتَعْمِلُونَ اللَّفْظَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَيُعَبِّرُونَ تَارَةً بِالرِّيعِ وَتَارَةً بِالْغَلَّةِ، وَالْمُسَمَّى عِنْدَهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالْفَائِدَةُ وَالدَّخْل الَّذِي يَحْصُل كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَكِرَاءِ الأَْرْضِ وَأُجْرَةِ الدَّابَّةِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرِّبْحُ:
٢ - الرِّبْحُ نَمَاءُ الْمَال نَتِيجَةَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. стр. 14153
وَالْمُرَابَحَةُ بَيْعُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ الأَْوَّل مَعَ زِيَادَةٍ (١) . أَمَّا الرِّيعُ فَهُوَ مَا يَكُونُ مِمَّا تُخْرِجُهُ الأَْرْضُ مِنْ زَرْعٍ، أَوِ الشَّجَرُ مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ مَا يَكُونُ مِنْ كِرَاءِ الْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ.
مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّيعِ مِنْ أَحْكَامٍ:
٣ - يَتَعَلَّقُ بِالرِّيعِ بَعْضُ الأَْحْكَامِ وَمِنْ ذَلِكَ:
أَوَّلاً: إِيرَادُ بَعْضِ الْعُقُودِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ مَوْجُودًا أَمْ مَعْدُومًا وَذَلِكَ كَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أ - الْوَقْفُ:
٤ - الْوَقْفُ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْبِيسِ الأَْصْل وَالتَّصَدُّقِ بِالرِّيعِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. قَال: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى لِلنَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَال: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. قَال: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُبْتَاعُ، وَلاَ يُورَثُ، وَلاَ يُوهَبُ. قَال: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيل اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيل، стр. 14154
وَالضَّيْفِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ (١) . وَإِذَا لَزِمَ الْوَقْفُ أَصْبَحَ رِيعُهُ - إِنْ كَانَ لَهُ رِيعٌ - مِنْ حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَمِلْكًا لَهُمْ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مُعَيَّنِينَ، أَمْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (٢) . وَيُتَّبَعُ فِي صَرْفِ الرِّيعِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ شَرْطُ الْوَاقِفِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْف) .
اشْتِرَاطُ الْوَاقِفِ الْغَلَّةَ لِنَفْسِهِ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَاقِفِ الْغَلَّةَ أَوْ بَعْضَهَا لِنَفْسِهِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي حَبْسَ الْعَيْنِ وَتَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ، وَالْعَيْنُ مَحْبُوسَةٌ وَمَنْفَعَتُهَا تَكُونُ مَمْلُوكَةً لَهُ فَلَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ مَعْنًى.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ وَالصَّوَابُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ قَال: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنِ стр. 14155
ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَجَرٍ الْمَدَرِيِّ أَنَّ فِي صَدَقَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُل مِنْهَا أَهْلُهُ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ (١) ، وَلاَ يَحِل ذَلِكَ إِلاَّ بِالشَّرْطِ فَدَل ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ؛ وَلأَِنَّ الْوَقْفَ إِزَالَةُ الْمِلْكِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، وَلأَِنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا وَقَفَ قَال: وَلاَ بَأْسَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُل مِنْهَا أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وَكَانَ الْوَقْفُ فِي يَدِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَلأَِنَّهُ إِذَا وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا كَالْمَسَاجِدِ وَالسِّقَايَاتِ وَالرِّبَاطَاتِ وَالْمَقَابِرِ كَانَ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا (٢) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْف) .
هَل يُزَكَّى رِيعُ الْوَقْفِ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ زَكَاتُهُ ؟
٦ - غَلَّةُ الأَْرْضِ الْمَوْقُوفَةِ وَثِمَارُ الْبَسَاتِينِ، إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَحَصَل لِبَعْضِهِمْ مِنَ الثَّمَرَةِ أَوِ الْحَبِّ نِصَابٌ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، لأَِنَّهُ اسْتَغَل مِنْ أَرْضِ الْوَقْفِ أَوْ شَجَرِهِ نِصَابًا فَلَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ كَغَيْرِ الْوَقْفِ، وَالْمِلْكُ فِيهَا تَامٌّ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهَا стр. 14156
بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ وَتُورَثُ عَنْهُ. وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَمَكْحُولٍ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي ذَلِكَ، لأَِنَّ الأَْرْضَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لَهُمْ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ زَكَاةٌ فِي الْخَارِجِ مِنْهَا كَالْمَسَاكِينِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ تَقْدِيمَ الْعُشْرِ أَوِ الْخَرَاجِ وَسَائِرِ الْمُؤَنِ، وَجَعَل لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْفَاضِل، عُمِل بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَهَا؛ لأَِنَّهُ لَوْ جَازَ كَانَ كُل الأَْجْرِ لَهُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ فَيَفُوتُ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْوَاقِفُ شَيْئًا كَانَ الْعُشُرُ أَوِ الْخَرَاجُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ (١) .
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا، وَلاَ فِيمَا يَحْصُل فِي أَيْدِي الْمَسَاكِينِ، سَوَاءٌ حَصَل فِي يَدِ بَعْضِهِمْ نِصَابٌ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ أَوْ لَمْ يَحْصُل؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاكِينِ لاَ يَتَعَيَّنُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، بِدَلِيل أَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَجُوزُ حِرْمَانُهُ وَالدَّفْعُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهِ بِالدَّفْعِ وَالْقَبْضِ لِمَا أُعْطِيَهُ مِنْ غَلَّتِهِ مِلْكًا مُسْتَأْنَفًا، فَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ كَاَلَّذِي يُدْفَعُ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ مِنْ стр. 14157
نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَتْ نِصَابًا؛ لأَِنَّ الْمَالِكَ لِلأَْرْضِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْعُشْرِ وَالثِّمَارِ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تُخْرَجُ أَوَّلاً بِمَعْرِفَةِ مَنْ يَلِي الْوَقْفَ، ثُمَّ يُفَرَّقُ الْبَاقِي عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِالاِجْتِهَادِ كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ (١) .
وَإِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ مَاشِيَةً لِتَفْرِقَةِ لَبَنِهَا أَوْ صُوفِهَا أَوْ نَسْلِهَا، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ. وَلاَ زَكَاةَ فِيهَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتْ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُعَيَّنٍ فَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وَقْف) .
ب - الْوَصِيَّةُ:
٧ - تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِغَلَّةِ الْعَبْدِ وَالدَّارِ وَالأَْرْضِ وَالشَّجَرِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَسَوَاءٌ أَوْصَى стр. 14158
بِذَلِكَ مَعَ الرَّقَبَةِ أَوْ أَوْصَى بِالْغَلَّةِ فَقَطْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْغَلَّةُ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْوَصِيَّةِ، أَوْ كَانَتْ مَعْدُومَةً كَالْوَصِيَّةِ بِمَا تَحْمِل الشَّجَرَةُ مِنْ ثِمَارٍ، لأَِنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدِ السَّلَمِ وَ الْمُسَاقَاةِ وَالإِْجَارَةِ وَالْوَقْفِ، فَكَذَا يَجُوزُ بِالْوَصِيَّةِ. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ فِي الْجُمْلَةِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّة) .
ج - الْمُسَاقَاةُ:
٨ - الْمُسَاقَاةُ هِيَ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُل شَجَرَهُ إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ وَعَمَل سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ.
وَالأَْصْل فِي جَوَازِهَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: عَامَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ (٢) .
وَأَجَازَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ اسْتِدْلاَلاً بِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يُجِزْهَا، وَاسْتَدَل بِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَال: وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا، نَهَانَا أَنْ نُحَاقِل بِالأَْرْضِ فَنُكْرِيهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالطَّعَامِ الْمُسَمَّى. وَأَمَرَ رَبَّ الأَْرْضِ أَنْ стр. 14159
يَزْرَعَهَا أَوْ يُزْرِعَهَا وَكَرِهَ كِرَاءَهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ.
وَفِي رِوَايَةٍ لأَِبِي دَاوُدَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلاَ يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلاَ بِرُبُعٍ، وَلاَ بِطَعَامٍ مُسَمًّى (١) .
وَهَذَا مُتَأَخِّرٌ عَمَّا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنَ الإِْبَاحَةِ وَيَعْمَلُونَهُ فَاقْتَضَى نَسْخَهُ؛ لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ مَعْدُومَةٍ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ؛ وَلأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَحْصُل مِنْ عَمَلِهِ فَلاَ يَجُوزُ كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ.
لَكِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ اخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (مُسَاقَاة)
د - الْمُزَارَعَةُ:
٩ - الْمُزَارَعَةُ عَقْدٌ عَلَى الزَّرْعِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالاِسْتِدْلاَل فِيهَا كَالاِسْتِدْلاَل فِي الْمُسَاقَاةِ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (مُزَارَعَة) .
ضَمَانُ الرِّيعِ:
١٠ - يَظْهَرُ ضَمَانُ الرِّيعِ فِي حَالَةِ الْغَصْبِ، وَهُوَ стр. 14160
الاِسْتِيلاَءُ عَلَى مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)
. وَيَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْمَغْصُوبِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ (٢) .
كَمَا أَنَّ غَلَّةَ الْمَغْصُوبِ مِنْ ثَمَرِ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ، أَوْ تَنَاسُل حَيَوَانٍ أَوْ صُوفٍ جُزَّ، أَوْ لَبَنٍ حُلِبَ يَجِبُ رَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ الْمَغْصُوبِ، فَإِنْ أَكَلَهُ الْغَاصِبُ أَوْ تَلِفَ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ، لأَِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَكَانَ عَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبَدَلُهُ إِنْ كَانَ تَالِفًا. وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: زَوَائِدُ الْغَصْبِ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لاَ تُضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوْ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ. (٣) وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (غَصْب) . стр. 14161
زَكَاةُ الرِّيعِ:
١١ - مَا تُخْرِجُهُ الأَْرْضُ مِنْ زَرْعٍ وَمَا تَحْمِلُهُ الأَْشْجَارُ مِنْ ثِمَارٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ.
وَزَكَاةُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ فَرْضٌ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ﴾ (١) ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (٢) ، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا سَقَتِ الأَْنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشْرِ (٣) .
وَسَبَبُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ فِي الزُّرُوعِ: الأَْرْضُ النَّامِيَةُ بِالْخَارِجِ حَقِيقَةً، حَتَّى إِنَّ الأَْرْضَ لَوْ لَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا لَمْ تَجِبْ زَكَاةٌ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنَ الْخَارِجِ، وَإِيجَابُ جُزْءٍ مِنَ الْخَارِجِ وَلاَ خَارِجَ مُحَالٌ، كَمَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مِنَ الأَْرْضِ مِمَّا يُقْصَدُ بِزِرَاعَتِهِ نَمَاءُ الأَْرْضِ وَتُسْتَغَل بِهِ الأَْرْضُ عَادَةً، فَلاَ عُشْرَ فِي الْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ لاَ تُسْتَنْمَى بِهَا الأَْرْضُ стр. 14162
وَلاَ تُسْتَغَل بِهَا عَادَةً؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ لاَ تَنْمُو بِهَا، بَل تَفْسُدُ، فَلَمْ تَكُنْ نَمَاءَ الأَْرْضِ.
وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (زَكَاة) . (١)
رِيق
انْظُرْ: صَوْم، سُؤْر
زَاغ
انْظُرْ: أَطْعِمَة. стр. 14163
زِبْل
التَّعْرِيفُ:
١ - الزِّبْل لُغَةً: السِّرْقِينُ، وَهُمَا فَضْلَةُ الْحَيَوَانِ الْخَارِجَةُ مِنَ الدُّبُرِ، وَالْمَزْبَلَةُ مَكَانُ طَرْحِ الزِّبْل وَمَوْضِعُهُ، وَالْجَمْعُ مَزَابِل. (١) وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٢)
وَفَسَّرَ الْحَصْكَفِيُّ وَالْبُهُوتِيُّ السِّرْقِينَ بِالزِّبْل، وَفِي الشُّرُنْبُلاَلِيَّةِ: هُوَ رَجِيعُ (فَضْلَةُ) مَا سِوَى الإِْنْسَانِ. (٣)
وَالسِّرْقِينُ أَصْلُهَا: (سِرْكِينُ) بِالْكَافِ فَعُرِّبَتْ إِلَى الْجِيمِ وَالْقَافِ، فَيُقَال سِرْجِينٌ وَسِرْقِينٌ، وَالرَّوْثُ وَالسِّرْقِينُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ. وَعَنِ الأَْصْمَعِيِّ أَنَّ السِّرْقِينَ الرَّوْثُ (٤) . وَنَقَل ابْنُ стр. 14164
عَابِدِينَ أَنَّ السِّرْقِينَ هُوَ رَجِيعُ مَا سِوَى الإِْنْسَانِ. وَيَخْتَلِفُ الزِّبْل عَنْ كُلٍّ مِنَ الرَّوْثِ، وَالْخِثْيِ، وَالْبَعْرِ، وَالْخُرْءِ، وَالنَّجْوِ، وَالْعَذِرَةِ.
فَالرَّوْثُ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْل وَالْحِمَارِ، وَالْخِثْيُ لِلْبَقَرِ وَالْفِيل، وَالْبَعْرُ لِلإِْبِل وَالْغَنَمِ، وَالذَّرْقُ لِلطُّيُورِ، وَالنَّجْوُ لِلْكَلْبِ، وَالْعَذِرَةُ لِلإِْنْسَانِ، وَالْخُرْءُ لِلطَّيْرِ وَالْكَلْبِ وَالْجُرَذِ وَالإِْنْسَانِ. (١)
وَقَدْ يُسْتَعْمَل بَعْضُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ مَكَانَ بَعْضٍ تَوَسُّعًا.
حُكْمُ الزِّبْل مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ طَهَارَتِهِ وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (رَوْث) .
الصَّلاَةُ فِي الْمَزْبَلَةِ:
٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ كَرَاهَةَ الصَّلاَةِ فِي الْمَزْبَلَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ بِهَا نَجَاسَةٌ.
وَجَازَتِ الصَّلاَةُ بِمَزْبَلَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا أُمِنَتْ مِنَ النَّجِسِ - بِأَنْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ طَهَارَتَهَا - أَمَّا إِذَا تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهَا أَوْ ظُنَّتْ فَلاَ تَجُوزُ الصَّلاَةُ فِيهَا، وَإِذَا صَلَّى أَعَادَ أَبَدًا، وَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَتِهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الرَّاجِحِ بِنَاءً عَلَى تَرْجِيحِ стр. 14165
الأَْصْل عَلَى الْغَالِبِ وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ، وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ: يُعِيدُ أَبَدًا تَرْجِيحًا لِلْغَالِبِ عَلَى الأَْصْل.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَلَوْ طَاهِرَةً. (١)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَلاَة) .
الصَّلاَةُ بِالثَّوْبِ الْمُصَابِ بِالزِّبْل:
٣ - الزِّبْل مِنْهُ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كَذَرْقِ الطُّيُورِ مِمَّا يُؤْكَل لَحْمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَفَضْلَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي يُؤْكَل لَحْمُهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَإِذَا أَصَابَ شَيْءٌ مِنْهَا بَدَنَ الإِْنْسَانِ أَوْ ثَوْبَهُ لاَ يُنَجِّسُهُ، وَلاَ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ عِنْدَهُمْ. (٢)
أَمَّا الزِّبْل النَّجِسُ، كَفَضْلَةِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي لاَ يُؤْكَل لَحْمُهَا، وَكَذَلِكَ فَضْلَةُ الْحَيَوَانَاتِ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِنَجَاسَتِهَا فَفِيهِ مَا يَأْتِي مِنَ التَّفْصِيل:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: النَّجَاسَةُ الْغَلِيظَةُ يُعْفَى عَنْهَا فِي الصَّلاَةِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ فَأَقَل، وَالْخَفِيفَةُ يُعْفَى عَنْهَا قَدْرَ رُبُعِ الثَّوْبِ فَأَقَل، وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا (ر: نَجَاسَة) . стр. 14166
فَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنَ الرَّوْثِ أَوْ مِنْ أَخْثَاءِ الْبَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزِ الصَّلاَةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لأَِنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ (١) لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ، فَيَكُونُ مِنَ النَّجَاسَةِ الْغَلِيظَةِ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يُجْزِئُهُ الصَّلاَةُ حَتَّى يَفْحُشَ، أَيْ يَصِل رُبُعَ الثَّوْبِ؛ لأَِنَّ لِلاِجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا فَيَثْبُتُ التَّخْفِيفُ فِي نَجَاسَتِهَا. وَلأَِنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِعَدَمِ خُلُوِّ الطُّرُقِ فِيهِ. (٢)
وَإِنْ أَصَابَهُ خُرْءُ مَا لاَ يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الطُّيُورِ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْحِدَأَةِ وَكَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ جَازَتِ الصَّلاَةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لأَِنَّهَا تَذْرِقُ مِنَ الْهَوَاءِ وَالتَّحَامِي عَنْهَا مُتَعَذِّرٌ فَتَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ. وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ تَجُوزُ؛ لأَِنَّ التَّخْفِيفَ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ ضَرُورَةَ هُنَا لِعَدَمِ الْمُخَالَطَةِ. (٣)
اقْتِنَاءُ الزِّبْل وَاسْتِعْمَالُهُ .
٤ - الزِّبْل الطَّاهِرُ يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي стр. 14167
الزِّرَاعَةِ وَالتَّسْخِينِ وَإِنْضَاجِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّبْل النَّجِسِ. فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي تَنْمِيَةِ الزَّرْعِ وَإِنْضَاجِ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِمَا.
كَذَلِكَ يَجُوزُ الاِسْتِفَادَةُ مِنَ الزِّبْل وَاقْتِنَاؤُهُ لِلزِّرَاعَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ.
وَقَالُوا: الزَّرْعُ النَّابِتُ عَلَى الزِّبْل لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، لَكِنْ يَنْجُسُ بِمُلاَقَاةِ النَّجَاسَةِ فَإِذَا غُسِل طَهُرَ، وَإِذَا سَنْبَل فَحَبَّاتُهُ الْخَارِجَةُ طَاهِرَةٌ.
وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِنَجِسٍ، لَكِنَّهُمُ اسْتَثْنَوْا مِنْهُ أَشْيَاءَ مِنْهَا: جَعْل عَذِرَةٍ بِمَاءِ سَقْيِ الزَّرْعِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْخُبْزَ الْمَخْبُوزَ عَلَى نَارِ الرَّوْثِ النَّجِسِ طَاهِرٌ وَلَوْ تَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الرَّمَادِ.
وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْحَنَابِلَةِ عَلَى كَلاَمٍ فِي اسْتِعْمَال الزِّبْل، لَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الزِّبْل النَّجِسِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفِقْرَةِ التَّالِيَةِ. (١)
بَيْعُ الزِّبْل:
٥ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ جَوَازَ بَيْعِ الزِّبْل لاِتِّفَاقِ أَهْل стр. 14168
الأَْمْصَارِ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، فَجَازَ بَيْعُهُ كَسَائِرِ الأَْشْيَاءِ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَيْعِ الزِّبْل ثَلاَثَةَ أَقْوَالٍ لِلْمَالِكِيَّةِ:
أ - الْمَنْعُ، وَهُوَ قِيَاسُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِلزِّبْل عَلَى الْعَذِرَةِ فِي الْمَنْعِ عِنْدَ مَالِكٍ.
ب - الْجَوَازُ، وَهُوَ قَوْلٌ لاِبْنِ الْقَاسِمِ.
ج - الْجَوَازُ لِلضَّرُورَةِ، وَهُوَ قَوْل أَشْهَبَ. وَتُزَادُ الْكَرَاهَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَفَهْمِ أَبِي الْحَسَنِ. هَذَا وَالْعَمَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الزِّبْل دُونَ الْعَذِرَةِ لِلضَّرُورَةِ. (١)
قَال الْحَطَّابُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْل بِالْمَنْعِ هُوَ الْجَارِي عَلَى أَصْل الْمَذْهَبِ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ النَّجَاسَاتِ، وَالْقَوْل بِالْجَوَازِ لِمُرَاعَاةِ الضَّرُورَةِ. وَمَنْ قَال بِالْكَرَاهَةِ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الأَْمْرَانِ، وَرَأَى أَنَّ أَخْذَ الثَّمَنِ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ.
وَالْقَوْل الآْخَرُ رَأَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْجَوَازِ إِنَّمَا هِيَ الاِضْطِرَارُ، فَلاَ بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا بِوُجُودِ الاِضْطِرَارِ إِلَيْهِ. (٢) стр. 14169
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بَيْعُ زِبْل الْبَهَائِمِ الْمَأْكُولَةِ وَغَيْرِهَا بَاطِلٌ وَثَمَنُهُ حَرَامٌ. وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ (١) . وَلأَِنَّ الزِّبْل نَجِسُ الْعَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْعَذِرَةِ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ صِحَّةِ بَيْعِ الزِّبْل النَّجِسِ بِخِلاَفِ الطَّاهِرِ مِنْهُ، كَرَوْثِ الْحَمَامِ، وَبَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ. (٣)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: نَجَاسَة، وَبَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ) . стр. 14170
زَبُور
التَّعْرِيفُ:
١ - الزَّبُورُ: فَعُولٌ مِنَ الزَّبْرِ، وَهُوَ الْكِتَابَةُ، بِمَعْنَى الْمَزْبُورِ أَيِ: الْمَكْتُوبِ. وَجَمْعُهُ: زُبُرٌ.
وَالزَّبُورُ: كِتَابُ دَاوُدَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، كَمَا أَنَّ التَّوْرَاةَ هِيَ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى مُوسَى ﵊، وَالإِْنْجِيل هُوَ الْمُنَزَّل عَلَى عِيسَى ﵊. وَالْقُرْآنُ الْمُنَزَّل عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (١) . وَكَانَ مِائَةً وَخَمْسِينَ سُورَةً، لَيْسَ فِيهَا حُكْمٌ، وَلاَ حَلاَلٌ، وَلاَ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا هِيَ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ، وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّمْجِيدُ وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ (٢) . стр. 14171
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَوَّلاً: مَسُّ الزَّبُورِ لِلْمُحْدِثِ:
٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ مَسُّ الْقُرْآنِ لِلْمُحْدِثِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (١) . وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلاَّ طَاهِرٌ (٢) .
وَأَلْحَقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِهِ كُتُبَ التَّفْسِيرِ إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ فِيهِ أَكْثَرَ. (٣) (ر: مُصْحَف) .
أَمَّا الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ الأُْخْرَى، كَالتَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل وَالزَّبُورِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ يُكْرَهُ مَسُّ التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل وَالزَّبُورِ، وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَشِيثٍ إِنْ وُجِدَتْ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، وَالنَّصُّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ. (٤)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ ظَنَّ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا غَيْرَ مُبَدَّلٍ كُرِهَ مَسُّهُ، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُبَدَّل مِنْهَا - وَهُوَ الْغَالِبُ - لاَ يُكْرَهُ مَسُّهُ عِنْدَهُمْ. (٥) стр. 14172
ثَانِيًا: وُجُوبُ الإِْيمَانِ بِالزَّبُورِ:
٣ - الإِْيمَانُ بِمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ، وَالزَّبُورُ كِتَابٌ أُنْزِل عَلَى دَاوُدَ ﵊ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَجِبُ الإِْيمَانُ بِهِ، كَمَا وَجَبَ الإِْيمَانُ عَلَى مَا أُنْزِل إِلَى سَائِرِ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِل إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِل إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَْسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ . (١)
يَعْنِي لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ بِأَنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضِ الأَْنْبِيَاءِ وَنَكْفُرَ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَل الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، بَل نَشْهَدُ لِجَمِيعِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا رُسُل اللَّهِ وَأَنْبِيَاءَهُ بُعِثُوا بِالْحَقِّ وَالْهُدَى.
وَالإِْيمَانُ الْوَاجِبُ بِالزَّبُورِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْل الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هُوَ الإِْيمَانُ بِهَا عَلَى مَا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَدْخُل عَلَيْهَا التَّحْرِيفُ. (٢) стр. 14173
زَخْرَفَة
التَّعْرِيفُ:
١ - الزَّخْرَفَةُ لُغَةً الزِّينَةُ وَكَمَال حُسْنِ الشَّيْءِ، وَالزُّخْرُفُ فِي الأَْصْل الذَّهَبُ، ثُمَّ سُمِّيَتْ كُل زِينَةٍ زُخْرُفًا.
وَالْمُزَخْرَفُ الْمُزَيَّنُ، وَتَزَخْرَفَ الرَّجُل إِذَا تَزَيَّنَ وَزَخْرَفَ الْبَيْتَ أَيْ زَيَّنَهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا. . .﴾ (١) وَكُل مَا زُوِّقَ أَوْ زُيِّنَ فَقَدْ زُخْرِفَ، وَزُخْرُفُ الْقَوْل، أَيِ الْمُزَوِّقَاتُ مِنَ الْكَلاَمِ. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. стр. 14174
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّزْوِيقُ:
٢ - الزَّوْقُ لُغَةً الزِّينَةُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الزَّاوُوقِ، وَالْمُزَوَّقُ الْمُزَيَّنُ بِهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى سُمِّيَ كُل مُزَيَّنٍ بِشَيْءٍ مُزَوَّقًا، وَزَوَّقْتُ الْكَلاَمَ وَالْكِتَابَ إِذَا أَحْسَنْتَهُ وَقَوَّمْتَهُ، (١) وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَوْ لِنَبِيٍّ أَنْ يَدْخُل بَيْتًا مُزَوَّقًا (٢) . أَيْ مُزَيَّنًا "
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ نَقْشٍ، أَوْ صَبْغٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلاَتِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ.
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ (٣) وَالتَّشْيِيدُ: الطِّلاَءُ بِالشِّيدِ أَيِ الْجِصِّ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. стр. 14175
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ (١) .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ وَقَال: أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ (٢) .
وَقَال أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: إِذَا حَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ وَزَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ فَالدَّبَارُ عَلَيْكُمْ.
وَلأَِنَّ ذَلِكَ يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنِ الصَّلاَةِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فَيُخِل بِخُشُوعِهِ؛ وَلأَِنَّ هَذَا مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ أَوْ نَقْشُهُ مِنْ مَال الْوَقْفِ، وَأَنَّ الْفَاعِل يَضْمَنُ ذَلِكَ وَيَغْرَمُ الْقِيمَةَ؛ لأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلاَ مَصْلَحَةَ فِيهِ وَلَيْسَ بِبِنَاءٍ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِلاَّ إِذَا خِيفَ طَمَعُ الظَّلَمَةِ، كَأَنِ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ أَمْوَال الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْعِمَارَةِ فَلاَ بَأْسَ بِزَخْرَفَتِهِ. وَكَذَلِكَ مَا لَوْ كَانَتِ الزَّخْرَفَةُ لإِِحْكَامِ стр. 14176
الْبِنَاءِ، أَوْ كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ فَعَل مِثْلَهُ، لِقَوْلِهِمْ: إِنَّهُ يَعْمُرُ الْوَقْفَ كَمَا كَانَ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ كَذَلِكَ.
٤ - وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَابِلَةُ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ؛ لأَِنَّهُ إِسْرَافٌ، وَيُفْضِي إِلَى كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، كَمَا يَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفِهِ أَوْ حَائِلِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ إِنْ تَحَصَّل مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي إِتْلاَفِهِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلاَفَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ فَقِيل لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ، وَأَوَّل مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الإِْسْلاَمِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلِذَلِكَ عَدَّهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَقْسَامِ الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى اسْتِحْبَابِ زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ نَقْشٍ، أَوْ صَبْغٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِحْيَاءِ الشَّعَائِرِ الإِْسْلاَمِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِزَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَقْشِهِ بِجِصٍّ أَوْ مَاءِ ذَهَبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الأَْشْيَاءِ الثَّمِينَةِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ جِدَارِ الْقِبْلَةِ؛ لأَِنَّهُ يَشْغَل قَلْبَ
стр. 14177
الْمُصَلِّي، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي حَائِطِ الْمَيْمَنَةِ أَوِ الْمَيْسَرَةِ، لأَِنَّهُ أَيْضًا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ الْقَرِيبَ مِنْهُ، أَمَّا زَخْرَفَةُ هَذِهِ الأَْمَاكِنِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَمَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُمْ أَيْضًا. (١)
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَسَاجِد، وَقْف، ذَهَب) .
ب - زَخْرَفَةُ الْمُصْحَفِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ زَخْرَفَةِ الْمَصَاحِفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ وَإِعْزَازًا لِلدِّينِ.
وَاتَّفَقَ هَؤُلاَءِ عَلَى حُرْمَةِ الزَّخْرَفَةِ بِالذَّهَبِ لِمَا عَدَا الْمُصْحَفَ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الأُْخْرَى. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ زَخْرَفَتِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، وَإِلَى حُرْمَةِ كِتَابَتِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، فَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ يُتَمَوَّل بِهِ زَكَّاهُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا أَوْ بِانْضِمَامِ стр. 14178
مَالٍ آخَرَ لَهُ، قَال أَبُو الْخَطَّابِ: يُزَكِّيهِ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَلَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْقَوْل الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: جَوَازُ زَخْرَفَتِهِ بِالذَّهَبِ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ بِخِلاَفِ الرَّجُل فَلاَ يَجُوزُ لَهُ، وَتَجُوزُ زَخْرَفَتُهُ بِالْفِضَّةِ لِلرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ، وَقِيل: لاَ يَجُوزُ زَخْرَفَةُ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ لاَ لِلرَّجُل وَلاَ لِلْمَرْأَةِ. (١)
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مُصْحَف، ذَهَب)
ج - زَخْرَفَةُ الْبُيُوتِ:
٦ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى حُرْمَةِ زَخْرَفَةِ الْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَمَّا الزَّخْرَفَةُ بِغَيْرِهَا فَلاَ بَأْسَ بِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ إِلَى حَدِّ الإِْسْرَافِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ تَمْوِيهُ السَّقْفِ وَالْحَائِطِ وَالْجِدَارِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْسْرَافِ وَالْخُيَلاَءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ؛ لأَِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، كَمَا تَجِبُ زَكَاتُهُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا بِنَفْسِهِ أَوْ ضَمِّهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلاَ زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ. (٢) стр. 14179
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَقْش) .
٧ - هَذَا وَتَجُوزُ الزَّخْرَفَةُ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الأَْقْمِشَةِ وَالْخَشَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَسَائِرِ الأَْمْتِعَةِ مَا لَمْ يَصِل إِلَى دَرَجَةِ الإِْسْرَافِ.
زَرَافَة
انْظُرْ: أَطْعِمَة
стр. 14180
زَرْع
التَّعْرِيفُ:
١ - الزَّرْعُ فِي اللُّغَةِ: مَا اسْتُنْبِتَ بِالْبَذْرِ - تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ - وَمِنْهُ يُقَال: حَصَدْتُ الزَّرْعَ أَيِ: النَّبَاتَ، وَالْجَمْعُ: زُرُوعٌ.
قَال بَعْضُهُمْ: وَلاَ يُسَمَّى زَرْعًا إِلاَّ وَهُوَ غَضٌّ طَرِيٌّ.
وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَقِيل: الزَّرْعُ: نَبَاتُ كُل شَيْءٍ يُحْرَثُ، وَقِيل: الزَّرْعُ: طَرْحُ الْبَذْرِ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْغَرْسُ:
٢ - الْغَرْسُ مَصْدَرُ غَرَسَ يُقَال: غَرَسْتُ الشَّجَرَةَ следующие страницы →