Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14176–14215 · переход к 14181.
стр. 14176
الْبِنَاءِ، أَوْ كَانَ الْوَاقِفُ قَدْ فَعَل مِثْلَهُ، لِقَوْلِهِمْ: إِنَّهُ يَعْمُرُ الْوَقْفَ كَمَا كَانَ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ كَذَلِكَ.
٤ - وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَابِلَةُ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ زَخْرَفَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ؛ لأَِنَّهُ إِسْرَافٌ، وَيُفْضِي إِلَى كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، كَمَا يَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفِهِ أَوْ حَائِلِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ إِنْ تَحَصَّل مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي إِتْلاَفِهِ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلاَفَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ فَقِيل لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ، وَأَوَّل مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الإِْسْلاَمِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلِذَلِكَ عَدَّهَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَقْسَامِ الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِلَى اسْتِحْبَابِ زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ نَقْشٍ، أَوْ صَبْغٍ، أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْمَسْجِدِ وَإِحْيَاءِ الشَّعَائِرِ الإِْسْلاَمِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِزَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ نَقْشِهِ بِجِصٍّ أَوْ مَاءِ ذَهَبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الأَْشْيَاءِ الثَّمِينَةِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْمِحْرَابِ أَوْ جِدَارِ الْقِبْلَةِ؛ لأَِنَّهُ يَشْغَل قَلْبَ
стр. 14177
الْمُصَلِّي، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي حَائِطِ الْمَيْمَنَةِ أَوِ الْمَيْسَرَةِ، لأَِنَّهُ أَيْضًا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ الْقَرِيبَ مِنْهُ، أَمَّا زَخْرَفَةُ هَذِهِ الأَْمَاكِنِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَمَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُمْ أَيْضًا. (١)
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَسَاجِد، وَقْف، ذَهَب) .
ب - زَخْرَفَةُ الْمُصْحَفِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال لَدَى الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ زَخْرَفَةِ الْمَصَاحِفِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ وَإِعْزَازًا لِلدِّينِ.
وَاتَّفَقَ هَؤُلاَءِ عَلَى حُرْمَةِ الزَّخْرَفَةِ بِالذَّهَبِ لِمَا عَدَا الْمُصْحَفَ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الأُْخْرَى. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهَةِ زَخْرَفَتِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ، وَإِلَى حُرْمَةِ كِتَابَتِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، فَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ يُتَمَوَّل بِهِ زَكَّاهُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا أَوْ بِانْضِمَامِ стр. 14178
مَالٍ آخَرَ لَهُ، قَال أَبُو الْخَطَّابِ: يُزَكِّيهِ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَلَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْقَوْل الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: جَوَازُ زَخْرَفَتِهِ بِالذَّهَبِ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ بِخِلاَفِ الرَّجُل فَلاَ يَجُوزُ لَهُ، وَتَجُوزُ زَخْرَفَتُهُ بِالْفِضَّةِ لِلرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ، وَقِيل: لاَ يَجُوزُ زَخْرَفَةُ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ لاَ لِلرَّجُل وَلاَ لِلْمَرْأَةِ. (١)
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مُصْحَف، ذَهَب)
ج - زَخْرَفَةُ الْبُيُوتِ:
٦ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى حُرْمَةِ زَخْرَفَةِ الْبُيُوتِ وَالْحَوَانِيتِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَمَّا الزَّخْرَفَةُ بِغَيْرِهَا فَلاَ بَأْسَ بِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ إِلَى حَدِّ الإِْسْرَافِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ تَمْوِيهُ السَّقْفِ وَالْحَائِطِ وَالْجِدَارِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْسْرَافِ وَالْخُيَلاَءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ.
وَتَجِبُ إِزَالَتُهُ؛ لأَِنَّهُ مُنْكَرٌ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ، كَمَا تَجِبُ زَكَاتُهُ إِنْ بَلَغَ نِصَابًا بِنَفْسِهِ أَوْ ضَمِّهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلاَ زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ. (٢) стр. 14179
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نَقْش) .
٧ - هَذَا وَتَجُوزُ الزَّخْرَفَةُ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الأَْقْمِشَةِ وَالْخَشَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَسَائِرِ الأَْمْتِعَةِ مَا لَمْ يَصِل إِلَى دَرَجَةِ الإِْسْرَافِ.
زَرَافَة
انْظُرْ: أَطْعِمَة
стр. 14180
زَرْع
التَّعْرِيفُ:
١ - الزَّرْعُ فِي اللُّغَةِ: مَا اسْتُنْبِتَ بِالْبَذْرِ - تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ - وَمِنْهُ يُقَال: حَصَدْتُ الزَّرْعَ أَيِ: النَّبَاتَ، وَالْجَمْعُ: زُرُوعٌ.
قَال بَعْضُهُمْ: وَلاَ يُسَمَّى زَرْعًا إِلاَّ وَهُوَ غَضٌّ طَرِيٌّ.
وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَقِيل: الزَّرْعُ: نَبَاتُ كُل شَيْءٍ يُحْرَثُ، وَقِيل: الزَّرْعُ: طَرْحُ الْبَذْرِ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْغَرْسُ:
٢ - الْغَرْسُ مَصْدَرُ غَرَسَ يُقَال: غَرَسْتُ الشَّجَرَةَ стр. 14181
غَرْسًا فَالشَّجَرُ مَغْرُوسٌ وَغَرْسٌ وَغِرَاسٌ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّرْعِ، أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالشَّجَرِ.
الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالزَّرْعِ:
إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ:
٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا تَحْيَا بِهِ الأَْرْضُ زَرْعَهَا أَوِ الْغَرْسَ فِيهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) (٢ ٢٤٨ - ٢٤٩) .
زَكَاةُ الزُّرُوعِ:
٤ - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الزُّرُوعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة) .
بَيْعُ الزُّرُوعِ:
٥ - إِذَا بَاعَ الأَْرْضَ وَأَطْلَقَ، دَخَل مَا فِيهَا مِنَ الزَّرْعِ سَوَاءٌ اشْتَدَّ وَأَمِنَ الْعَاهَةَ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الزَّرْعَ تَابِعٌ وَلَوْ بِيعَ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ بَعْدَ اشْتِدَادِهِ لِيَأْمَنَ الْعَاهَةَ.
وَإِذَا بَاعَ الزَّرْعَ لَمْ تُدَخِّل الأَْرْضُ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الأَْرْضِ وَاسْتِثْنَاءُ مَا فِيهَا مِنَ الزَّرْعِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي (بَيْع) .
بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ:
٦ - الْمُحَاقَلَةُ: هِيَ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ مِثْل كَيْلِهَا خَرْصًا.
стр. 14182
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ بَيْعَ الْمُحَاقَلَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، إِذْ هُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بَاطِلٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (بَيْع) (٩ ١٣٨، ١٦٨) .
بَيْعُ مَا يَكْمُنُ فِي الأَْرْضِ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَيْعِ مَا يَكْمُنُ فِي الأَْرْضِ مِنَ الزَّرْعِ قَبْل قَلْعِهِ، كَالْبَصَل، وَالثُّومِ، وَنَحْوِهِمَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْجَوَازِ بِشَرْطٍ. وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (جَهَالَة ٩ ١٧٠ - ١٧١) .
إِتْلاَفُ الزَّرْعِ:
٨ - فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ مَا تُتْلِفُهُ الدَّوَابُّ مِنَ الزُّرُوعِ نَهَارًا وَبَيْنَ مَا تُتْلِفُهُ لَيْلاً، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الإِْتْلاَفَ إِذَا كَانَ لَيْلاً ضَمِنَ صَاحِبُ الدَّوَابِّ؛ لأَِنَّ فِعْلَهَا مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا إِذَا وَقَعَ الإِْتْلاَفُ نَهَارًا، وَكَانَتِ الدَّوَابُّ وَحْدَهَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لأَِنَّ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ حِفْظُ الزَّرْعِ نَهَارًا مِنْ قِبَل صَاحِبِهِ. وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَى هَذَا فِي مُصْطَلَحِ (إِتْلاَف ١ ٢٢٤) .
زَعَامَة
انْظُرْ: إِمَارَة، إِمَامَة، خِلاَفَة، كَفَالَة
стр. 14183
زَعْفَرَان
التَّعْرِيفُ:
١ - الزَّعْفَرَانُ نَبَاتٌ بَصَلِيٌّ مُقْمِرٌ مِنَ الْفَصِيلَةِ السَّوْسَنِيَّةِ مِنْهُ أَنْوَاعٌ بَرِّيٌّ وَنَوْعٌ صَيْفِيٌّ طِبِّيٌّ مَشْهُورٌ.
وَزَعْفَرْتُ الثَّوْبَ صَبَغْتُهُ فَهُوَ مُزَعْفَرٌ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لاِسْتِعْمَال الزَّعْفَرَانِ:
أ - حُكْمُ الْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَهَا طَاهِرٌ كَالزَّعْفَرَانِ:
٢ - اتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي خَالَطَهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الأَْشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنِ الْمَاءِ غَالِبًا مَتَى غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.
وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي طَهُورِيَّتِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لأَِنَّهُ لاَ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً стр. 14184
فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) . فَالْمَاءُ هُنَا عَلَى إِطْلاَقِهِ، وَأَمَّا الْمُخَالِطُ فَيُضَافُ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي خَالَطَهُ، فَيُقَال مَثَلاً: مَاءُ زَعْفَرَانٍ، أَوْ رَيْحَانٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ مَا لَمْ يَكُنِ التَّغَيُّرُ عَنْ طَبْخٍ.
أَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِالطَّبْخِ مَعَ شَيْءٍ طَاهِرٍ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلاَ التَّطَهُّرُ بِهِ. (٢) (ر: مِيَاه) .
ب - الاِخْتِضَابُ بِالزَّعْفَرَانِ:
٣ - يُسْتَحَبُّ الاِخْتِضَابُ بِالزَّعْفَرَانِ لِحَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَْشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَال: كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ (٣) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ وَرَفَعَهُ إِنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ (٤) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْحَدِيثُ стр. 14185
يَدُل عَلَى أَنَّ الْخِضَابَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَيْهِمَا بَل يُشَارِكُهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْخِضَابِ فِي أَصْل الْحُسْنِ.
وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى شِيخَةٍ مِنَ الأَْنْصَارِ بِيضٌ لِحَاهُمْ فَقَال: يَا مَعْشَرَ الأَْنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْل الْكِتَابِ (١) ، وَالصُّفْرَةُ هِيَ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ.
وَاتَّفَقَ الأَْئِمَّةُ عَلَى جَوَازِ خَضْبِ رَأْسِ الصَّبِيِّ بِالزَّعْفَرَانِ وَبِالْخَلُوقِ (قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: هُوَ طِيبٌ مَائِعٌ فِيهِ صُفْرَةٌ) وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: الْخَلُوقُ طِيبٌ يُصْنَعُ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ. (٢)
وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ قَال: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لأَِحَدِنَا غُلاَمٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطَّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالإِْسْلاَمِ كُنَّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ (٣)
جـ - стр. 14186
تَزَعْفُرُ الرَّجُل:
٤ - الأَْصْل جَوَازُ التَّزَعْفُرِ لِلْمَرْأَةِ. أَمَّا الرَّجُل فَقَدْ نَقَل الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَال: أَنْهَى الرَّجُل الْحَلاَل بِكُل حَالٍ أَنْ يَتَزَعْفَرَ، وَآمُرُهُ إِذَا تَزَعْفَرَ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَأُرَخِّصُ فِي الْمُعَصْفَرِ، لأَِنَّنِي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَحْكِي عَنْهُ إِلاَّ مَا قَال عَلِيٌّ ﵁: نَهَانِي وَلاَ أَقُول نَهَاكُمْ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: بِكَرَاهَةِ لُبْسِ الثِّيَابِ الْمَصْبُوغَةِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْمُعَصْفَرِ لِلرِّجَال لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، (٢) مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَال: رَأَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَال: إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلاَ تَلْبَسْهَا (٣) .
وَقَدْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لاَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مَشْهُورٌ، لِقَوْل أَنَسٍ ﵁: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَال: مَا هَذَا؟ قَال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَال: بَارَكَ اللَّهُ стр. 14187
لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. (١) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُعَصْفَرِ فِي الْبُيُوتِ وَكَرِهَهُ فِي الْمَحَافِل وَالأَْسْوَاقِ.
وَعَنْ أَنَسٍ قَال: دَخَل رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَلَّمَا كَانَ يُوَاجِهُ أَحَدًا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، فَلَمَّا قَامَ قَال: لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَتْرُكَ هَذِهِ الصُّفْرَةَ (٢) .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لُبْسَ هَذَيْنِ لاَ يَعْدُو الْكَرَاهَةَ، فَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لأََمَرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَغْسِلَهُ وَلَمَا سَكَتَ عَنْ نُصْحِهِ وَإِرْشَادِهِ. هَذَا وَالْكَرَاهَةُ لِمَنْ تَزَعْفَرَ فِي بَدَنِهِ أَشَدُّ مِنَ الْكَرَاهَةِ لِمَنْ تَزَعْفَرَ فِي ثَوْبِهِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُل (٣) . وَلأَِبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ قَال: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي لَيْلاً وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلَقُونِي بِالزَّعْفَرَانِ، فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْتُ стр. 14188
عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَلَمْ يُرَحِّبْ بِي. وَقَال: اذْهَبْ فَاغْسِل هَذَا عَنْكَ، ثُمَّ قَال: لاَ تَحْضُرِ الْمَلاَئِكَةُ جِنَازَةَ الْكَافِرِ بِخَيْرٍ، وَلاَ الْمُتَضَمِّخِ بِالزَّعْفَرَانِ، وَلاَ الْجُنُبِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: أَلْبِسَة)
د - أَكْل الزَّعْفَرَانِ:
٥ - يَحْرُمُ أَكْل كَثِيرِ الزَّعْفَرَانِ لأَِنَّهُ يُزِيل الْعَقْل، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ وَعَدُّوهُ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ الْجَامِدَةِ الَّتِي تَحْرُمُ، وَلاَ حَدَّ فِيهَا، بَل فِيهَا التَّعْزِيرُ.
وَهِيَ طَاهِرَةٌ فِي ذَاتِهَا بِخِلاَفِ الْمَائِعَاتِ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ. (٢)
هـ - أَكْل الزَّعْفَرَانِ فِي الإِْحْرَامِ:
٦ - يُحْظَرُ أَكْل الزَّعْفَرَانِ خَالِصًا أَوْ شُرْبُهُ لِلْمُحْرِمِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ.
أَمَّا إِذَا خُلِطَ بِطَعَامٍ قَبْل الطَّبْخِ وَطَبَخَهُ مَعَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ قَلِيلاً كَانَ أَوْ كَثِيرًا، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامٍ مَطْبُوخٍ بَعْدَ الطَّبْخِ فَإِنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي أَكْلِهِ.
أَمَّا إِذَا خَلَطَهُ بِطَعَامٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ غَالِبًا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وَلاَ فِدْيَةَ إِنْ لَمْ تُوجَدْ стр. 14189
الرَّائِحَةُ، وَإِلاَّ يُكْرَهُ عِنْدَهُمْ عِنْدَ وُجُودِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ.
وَإِنْ كَانَ الطِّيبُ غَالِبًا وَجَبَ فِي أَكْلِهِ الدَّمُ سَوَاءٌ ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ أَوْ لَمْ تَظْهَرْ، كَخَلْطِ الزَّعْفَرَانِ بِالْمِلْحِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَكُل طَعَامٍ خُلِطَ بَعْدَ الطَّبْخِ بِالزَّعْفَرَانِ فَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي كُل الصُّوَرِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، إِنْ خُلِطَ الزَّعْفَرَانُ بِمَشْرُوبٍ، وَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ قَلِيلاً كَانَ الطِّيبُ أَوْ كَثِيرًا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِذَا خُلِطَ الزَّعْفَرَانُ بِغَيْرِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ رِيحٌ أَوْ طَعْمٌ فَلاَ حُرْمَةَ وَلاَ فِدْيَةَ، وَإِلاَّ فَفِيهِ الْحُرْمَةُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. (١)
و حُكْمُ لُبْسِ الْمُزَعْفَرِ مِنَ الثِّيَابِ أَثْنَاءَ الإِْحْرَامِ:
٧ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِيمَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ: وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ (٢) . стр. 14190
وَيَلْتَحِقُ بِالثِّيَابِ الْجُلُوسُ عَلَى فِرَاشٍ مُزَعْفَرٍ أَوْ مُطَيَّبٍ بِزَعْفَرَانٍ. وَلاَ يَضَعُ عَلَيْهِ ثَوْبًا مُزَعْفَرًا، وَلَوْ عَلِقَ بِنِعَالِهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ طِيبٌ وَجَبَ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى نَزْعِهِ. (١)
(ر: أَلْبِسَة - ب فِقْرَةُ ١٤ وَإِحْرَام) .
ي - التَّدَاوِي بِالزَّعْفَرَانِ فِي الإِْحْرَامِ:
٨ - التَّدَاوِي مُلْتَحِقَةٌ أَحْكَامُهُ بِالطَّعَامِ، وَقَدْ فَصَّل الأَْحْنَافُ فِي الطِّيبِ الَّذِي لاَ يُؤْكَل بِأَنَّ عَلَى الْمُتَدَاوِي إِحْدَى الْكَفَّارَاتِ الثَّلاَثِ أَيُّهَا شَاءَ، إِذَا فَعَلَهُ الْمُحْرِمُ لِضَرُورَةٍ وَعُذْرٍ. (ر: إِحْرَام) .
زَعِيم
انْظُرْ: كَفَالَة، إِمَامَة، إِمَارَة.
زِفَاف
انْظُرْ: عُرْس. стр. 14191
زَكَاة
التَّعْرِيفُ:
١ - الزَّكَاةُ لُغَةً: النَّمَاءُ وَالرِّيعُ وَالزِّيَادَةُ، مِنْ زَكَا يَزْكُو زَكَاةً وَزَكَاءً، وَمِنْهُ قَوْل عَلِيٍّ ﵁: الْعِلْمُ يَزْكُو بِالإِْنْفَاقِ.
وَالزَّكَاةُ أَيْضًا الصَّلاَحُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ (١) . قَال الْفَرَّاءُ: أَيْ صَلاَحًا، وَقَال تَعَالَى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْل اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ (٢) أَيْ مَا صَلُحَ مِنْكُمْ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) أَيْ يُصْلِحُ مَنْ يَشَاءُ. وَقِيل لِمَا يُخْرَجُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي الْمَال " زَكَاةٌ "، لأَِنَّهُ تَطْهِيرٌ لِلْمَال مِمَّا فِيهِ مِنْ حَقٍّ، وَتَثْمِيرٌ لَهُ، وَإِصْلاَحٌ وَنَمَاءٌ بِالإِْخْلاَفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَزَكَاةُ الْفِطْرِ طُهْرَةٌ لَلأَْبْدَانِ. (٤)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ عَلَى أَدَاءِ حَقٍّ يَجِبُ стр. 14192
فِي أَمْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ، عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَيُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهِ الْحَوْل وَالنِّصَابُ. وَتُطْلَقُ الزَّكَاةُ أَيْضًا عَلَى الْمَال الْمُخْرَجِ نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: عَزَل زَكَاةَ مَالِهِ، وَالسَّاعِي يَقْبِضُ الزَّكَاةَ. وَيُقَال: زَكَّى مَالَهُ أَيْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ، وَالْمُزَكِّي: مَنْ يُخْرِجُ عَنْ مَالِهِ الزَّكَاةَ. وَالْمُزَكِّي أَيْضًا: مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ جَمْعِ الزَّكَاةِ. (١)
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِنَّ الزَّكَاةَ تُطْلَقُ عَلَى الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ، وَالنَّفَقَةِ وَالْحَقِّ، وَالْعَفْوِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعْرِيفَهَا فِي الشَّرْعِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الصَّدَقَةُ:
٢ - الصَّدَقَةُ: تُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ: الأَْوَّل: مَا أَعْطَيْتَهُ مِنَ الْمَال قَاصِدًا بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَشْمَل مَا كَانَ وَاجِبًا وَهُوَ الزَّكَاةُ، وَمَا كَانَ تَطَوُّعًا.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الزَّكَاةِ، أَيْ فِي الْحَقِّ الْوَاجِبِ خَاصَّةً، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ (٣) . стр. 14193
وَالْمُصَدِّقُ - بِفَتْحِ الصَّادِ مُخَفَّفَةً - هُوَ السَّاعِي الَّذِي يَأْخُذُ الْحَقَّ الْوَاجِبَ فِي الأَْنْعَامِ، يُقَال: جَاءَ السَّاعِي فَصَدَقَ الْقَوْمَ، أَيْ أَخَذَ مِنْهُمْ زَكَاةَ أَنْعَامِهِمْ.
وَالْمُتَصَدِّقُ وَالْمُصَّدِّقُ - بِتَشْدِيدِ الصَّادِ - هُوَ مُعْطِي الصَّدَقَةِ (١) .
ب - الْعَطِيَّةُ:
٣ - الْعَطِيَّةُ: هِيَ مَا أَعْطَاهُ الإِْنْسَانُ مِنْ مَالِهِ لِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُرِيدُ بِهِ التَّوَدُّدَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - الزَّكَاةُ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الإِْسْلاَمِ، وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ. وَقَدْ دَل عَلَى وُجُوبِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢) . وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ: ﴿وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ стр. 14194
وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١) . وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ (٢)
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ وَذَكَرَ مِنْهَا إِيتَاءَ الزَّكَاةِ (٣) وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرْسِل السُّعَاةَ لِيَقْبِضُوا الصَّدَقَاتِ، وَأَرْسَل مُعَاذًا إِلَى أَهْل الْيَمَنِ، وَقَال لَهُ: أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (٤) . وَقَال ﷺ : مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّل لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُول: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ (٥) . стр. 14195
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ عَلَى وُجُوبِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى قِتَال مَانِعِيهَا.
فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَال عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِل النَّاسَ وَقَدْ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ (١) .
فَقَال أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لأَُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَال. وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا قَال عُمَرُ: فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ (٢) .
أَطْوَارُ فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ:
٥ - إِيتَاءُ الزَّكَاةِ كَانَ مَشْرُوعًا فِي مِلَل الأَْنْبِيَاءِ стр. 14196
السَّابِقِينَ، قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ وَآلِهِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْل الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ (١) .
وَشُرِعَ لِلْمُسْلِمِينَ إِيتَاءُ الصَّدَقَةِ لِلْفُقَرَاءِ، مُنْذُ الْعَهْدِ الْمَكِّيِّ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢) وَبَعْضُ الآْيَاتِ الْمَكِّيَّةِ جَعَلَتْ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَال الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا مَعْلُومًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِل وَالْمَحْرُومِ﴾ (٣) .
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: اخْتُلِفَ فِي أَوَّل فَرْضِ الزَّكَاةِ فَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَادَّعَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ فَرْضَهَا كَانَ قَبْل الْهِجْرَةِ. وَاحْتَجَّ بِقَوْل جَعْفَرٍ لِلنَّجَاشِيِّ: وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَلاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هَذِهِ الزَّكَاةَ الْمَخْصُوصَةَ ذَاتَ النِّصَابِ وَالْحَوْل.
قَال: وَمِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ إِنَّمَا فُرِضَ стр. 14197
بَعْدَ الْهِجْرَةِ؛ لأَِنَّ الآْيَةَ الدَّالَّةَ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ مَدَنِيَّةٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَال: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاةُ، ثُمَّ نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الزَّكَاةِ فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا، وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ (١) .
فَضْل إِيتَاءِ الزَّكَاةِ:
٦ - يَظْهَرُ فَضْل الزَّكَاةِ مِنْ أَوْجُهٍ:
١ - اقْتِرَانُهَا بِالصَّلاَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَحَيْثُمَا وَرَدَ الأَْمْرُ بِالصَّلاَةِ اقْتَرَنَ بِهِ الأَْمْرُ بِالزَّكَاةِ، مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) . وَمِنْ هُنَا قَال أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَال مَانِعِي الزَّكَاةِ: وَاَللَّهِ لأَُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.
٢ - أَنَّهَا ثَالِثُ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ (٣) . стр. 14198
٣ - أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ فَرِيضَةٌ أَفْضَل مِنْ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ لأَِنَّهَا تَطَوُّعِيَّةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ (١) .
أَمَّا فَضْل إِيتَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ فَيَأْتِي فِي مَبَاحِثِ: (صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) .
حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الزَّكَاةِ:
٧ - أ - أَنَّ الصَّدَقَةَ وَإِنْفَاقَ الْمَال فِي سَبِيل اللَّهِ يُطَهِّرَانِ النَّفْسَ مِنَ الشُّحِّ وَالْبُخْل، وَسَيْطَرَةِ حُبِّ الْمَال عَلَى مَشَاعِرِ الإِْنْسَانِ، وَيُزَكِّيهِ بِتَوْلِيدِ مَشَاعِرِ الْمُوَادَّةِ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي إِقَالَةِ الْعَثَرَاتِ، وَدَفْعِ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِينَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى.
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) ، وَفِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ مَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ، فَفَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الصَّدَقَاتِ حَدًّا أَدْنَى أَلْزَمَ الْعِبَادَ بِهِ، وَبَيَّنَ مَقَادِيرَهُ، قَال الدَّهْلَوِيُّ: إِذْ لَوْلاَ التَّقْدِيرُ لَفَرَّطَ الْمُفْرِطُ وَلاَعْتَدَى الْمُعْتَدِي. (٣) стр. 14199
ب - الزَّكَاةُ تَدْفَعُ أَصْحَابَ الأَْمْوَال الْمَكْنُوزَةِ دَفْعًا إِلَى إِخْرَاجِهَا لِتَشْتَرِكَ فِي زِيَادَةِ الْحَرَكَةِ الاِقْتِصَادِيَّةِ، يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ. (١)
ج - الزَّكَاةُ تَسُدُّ حَاجَةَ جِهَاتِ الْمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ وَبِذَلِكَ تَنْتَفِي الْمَفَاسِدُ الاِجْتِمَاعِيَّةُ وَالْخُلُقِيَّةُ النَّاشِئَةُ عَنْ بَقَاءِ هَذِهِ الْحَاجَاتِ دُونَ كِفَايَةٍ.
أَحْكَامُ مَانِعِ الزَّكَاةِ:
إِثْمُ مَانِعِ الزَّكَاةِ:
٨ - مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَدِ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا هُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَوَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّ عُقُوبَتَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلاَّ أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَل صَفَائِحَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إِلاَّ стр. 14200
بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ كَأَوْفَرَ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلاَّ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، كَأَوْفَرَ مَا كَانَتْ، فَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلاَ جَلْحَاءُ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ (١) .
الْعُقُوبَةُ لِمَانِعِ الزَّكَاةِ:
٩ - مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَهُوَ فِي قَبْضَةِ الإِْمَامِ تُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (٢) وَمِنْ حَقِّهَا الزَّكَاةُ، قَال أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِمَحْضَرِ الصَّحَابَةِ: الزَّكَاةُ حَقُّ الْمَال " وَقَال ﵁: وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ. وَأَقَرَّهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ. стр. 14201
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ إِذَا أُخِذَتْ مِنْهُ قَهْرًا لاَ يُؤْخَذُ مَعَهَا مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ يُؤْخَذُ شَطْرُ مَالِهِ عُقُوبَةً لَهُ، مَعَ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُ.
وَاحْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : فِي كُل سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي كُل أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لاَ تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لاَ يَحِل لآِل مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ (١) .
وَيُسْتَدَل لِقَوْل الْجُمْهُورِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ فِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ (٢) .
وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَأْخُذُوا نِصْفَ أَمْوَال الأَْعْرَابِ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ.
فَأَمَّا مَنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ قَبْضَةِ الإِْمَامِ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، فَعَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُقَاتِلَهُ؛ لأَِنَّ الصَّحَابَةَ стр. 14202
قَاتَلُوا الْمُمْتَنِعِينَ مِنْ أَدَائِهَا، فَإِنْ ظَفِرَ بِهِ أَخَذَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مُقِرًّا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لَكِنْ مَنَعَهَا بُخْلاً أَوْ تَأَوُّلاً، وَلاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَلِذَا فَإِنْ مَاتَ فِي قِتَالِهِ عَلَيْهَا وَرِثَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ وَلاَ يُورَثُ وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا قَاتَل مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ قَالُوا: نُؤَدِّيهَا، قَال: لاَ أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَكُمْ فِي النَّارِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ. وَلَمْ يُنْقَل إِنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَدَل عَلَى كُفْرِهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ مُنْكِرًا لِوُجُوبِهَا، فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً وَمِثْلُهُ يَجْهَل ذَلِكَ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ، أَوْ لأَِنَّهُ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الأَْمْصَارِ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ وُجُوبَهَا وَلاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ لأَِنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا نَاشِئًا بِبِلاَدِ الإِْسْلاَمِ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فَيُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، وَيَكُونُ مُرْتَدًّا، وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّ، لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. (١)
مَنْ تَجِبُ فِي مَالِهِ الزَّكَاةُ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَالِغَ الْعَاقِل الْمُسْلِمَ стр. 14203
الْحُرَّ الْعَالِمَ بِكَوْنِ الزَّكَاةِ فَرِيضَةً، رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً تَجِبُ فِي مَالِهِ الزَّكَاةُ إِذَا بَلَغَ نِصَابًا، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَتَمَّتِ الشُّرُوطُ فِي الْمَال.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ كَمَا يَلِي:
أ - الزَّكَاةُ فِي مَال الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ:
١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَال كُلٍّ مِنَ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَبِهِ قَال ابْنُ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٌ، وَرَبِيعَةُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَلاَ مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلاَ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ (١) وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ؛ لأَِنَّ الْيَتِيمَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ، إِذْ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَبَرَّعَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ بِشَيْءٍ؛ وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ تُرَادُ لِثَوَابِ الْمُزَكِّي وَمُوَاسَاةِ الْفَقِيرِ، وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ مِنْ أَهْل الثَّوَابِ وَأَهْل الْمُوَاسَاةِ عَلَى مَا قَال الشِّيرَازِيُّ، وَبِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَال، فَأَشْبَهَ نَفَقَةَ الأَْقَارِبِ وَأُرُوشَ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ. стр. 14204
وَقَال الدَّرْدِيرُ: إِنَّمَا وَجَبَتْ فِي مَالِهِمَا لأَِنَّهَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ.
وَيَتَوَلَّى الْوَلِيُّ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِهِمَا؛ لأَِنَّ الْوَلِيَّ يَقُومُ مَقَامَهُمَا فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْحُقُوقِ، كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ، وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهَا زَكَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْوَلِيُّ وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالْمَجْنُونِ بَعْدَ الإِْفَاقَةِ، إِخْرَاجُ زَكَاةِ مَا مَضَى.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَلاَ تُخْرَجُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، أَوْ يُفِيقَ الْمَجْنُونُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ لَهُ وِلاَيَةُ الأَْدَاءِ، قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: احْصِ مَا يَجِبُ فِي مَال الْيَتِيمِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِذَا بَلَغَ فَأَعْلِمْهُ، فَإِنْ شَاءَ زَكَّى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُزَكِّ، أَيْ لاَ إِثْمَ عَلَى الْوَلِيِّ بَعْدَئِذٍ إِنْ لَمْ يُزَكِّ الصَّبِيُّ. وَذَهَبَ ابْنُ شُبْرُمَةَ إِلَى أَنَّ أَمْوَالَهُ الظَّاهِرَةَ مِنْ نَعَمٍ وَزَرْعٍ وَثَمَرٍ يُزَكَّى، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَلاَ.
وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لاَ يُزَكِّي حَتَّى يُصَلِّيَ وَيَصُومَ، وَقَال أَبُو وَائِلٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لاَ زَكَاةَ فِي مَال الصَّبِيِّ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَجِبُ فِي مَال الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ الْعُشْرُ فِي زُرُوعِهِمَا وَثِمَارِهِمَا، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُمَا.
وَاسْتُدِل لِهَذَا الْقَوْل بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى
стр. 14205
عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ (١) .
وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلاَ تَتَأَدَّى إِلاَّ بِالاِخْتِيَارِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الاِبْتِلاَءِ، وَلاَ اخْتِيَارَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ الْعَقْل، وَقِيَاسًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الذِّمِّيِّ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِهِمَا لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى مُؤْنَةِ الأَْرْضِ، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ تَابِعٌ (٢) . وَمِمَّا يَتَّصِل بِهَذَا زَكَاةُ مَال الْجَنِينِ مِنْ إِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ، ذَكَرَ فِيهِ النَّوَوِيُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ طَرِيقَيْنِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا لاَ تَجِبُ، قَال: وَبِذَلِكَ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لأَِنَّ الْجَنِينَ لاَ يُتَيَقَّنُ حَيَاتُهُ وَلاَ يَوْثُقُ بِهَا، فَلاَ يَحْصُل تَمَامُ الْمِلْكِ وَاسْتِقْرَارُهُ، قَال: فَعَلَى هَذَا يَبْتَدِئُ حَوْل مَالِهِ مِنْ حِينِ يَنْفَصِل. (٣)
ب - الزَّكَاةُ فِي مَال الْكَافِرِ:
١٢ - لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَال الْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ стр. 14206
اتِّفَاقًا، حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لَمْ يَلْتَزِمْهُ؛ وَلأَِنَّهَا وَجَبَتْ طُهْرَةً لِلْمُزَكِّي، وَالْكَافِرُ لاَ طُهْرَةَ لَهُ مَا دَامَ عَلَى كُفْرِهِ.
وَأَخَذَ عُمَرُ ﵁ الزَّكَاةَ مُضَاعَفَةً مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عِنْدَمَا رَفَضُوا دَفْعَ الْجِزْيَةِ وَرَضُوا بِدَفْعِ الزَّكَاةِ (١) .
وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ؛ لأَِنَّهُ فِي حَقِيقَتِهِ جِزْيَةٌ، وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَهُوَ قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ.
أَمَّا الْمُرْتَدُّ، فَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ فِي إِسْلاَمِهِ، وَذَلِكَ إِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل عَلَى النِّصَابِ لاَ يَسْقُطُ فِي قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ حَقُّ مَالٍ فَلاَ يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالدَّيْنِ، فَيَأْخُذُهُ الإِْمَامُ مِنْ مَالِهِ كَمَا يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُمْتَنِعِ، فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَدَاؤُهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ الزَّكَاةُ الَّتِي وَجَبَتْ فِي مَال الْمُرْتَدِّ قَبْل الرِّدَّةِ، لأَِنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةَ عِنْدَ الأَْدَاءِ، وَنِيَّتُهُ الْعِبَادَةَ وَهُوَ كَافِرٌ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَتَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ كَالصَّلاَةِ، حَتَّى مَا كَانَ مِنْهَا زَكَاةَ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ. (٢) стр. 14207
وَأَمَّا إِذَا ارْتَدَّ قَبْل تَمَامِ الْحَوْل عَلَى النِّصَابِ فَلاَ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ مِلْكَهُ لِمَالِهِ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَادَ إِلَى الإِْسْلاَمِ تَبَيَّنَ بَقَاءُ مِلْكِهِ وَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِلاَّ فَلاَ. (١)
ج - مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ:
١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الزَّكَاةِ مَفْرُوضَةً لَيْسَ شَرْطًا لِوُجُوبِهَا، فَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَرْبِيِّ إِذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ سَوَائِمُ وَمَكَثَ هُنَاكَ سِنِينَ وَلاَ عِلْمَ لَهُ بِالشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَيُخَاطَبُ بِأَدَائِهَا إِذَا خَرَجَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الزَّكَاةِ فَرِيضَةً شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْحَرْبِيِّ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ. (٢)
د - مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الأَْدَاءِ:
١٤ - ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنَ стр. 14208
الأَْدَاءِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَلَوْ حَال الْحَوْل ثُمَّ تَلِفَ الْمَال قَبْل أَنْ يَتَمَكَّنَ صَاحِبُهُ مِنَ الأَْدَاءِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ، حَتَّى لَقَدْ قَال مَالِكٌ: إِنَّ الْمَالِكَ لَوْ أَتْلَفَ الْمَال بَعْدَ الْحَوْل قَبْل إِمْكَانِ الأَْدَاءِ فَلاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ.
وَاحْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ فَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إِمْكَانُ أَدَائِهَا كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنَ الأَْدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا لِوُجُوبِهَا، لِمَفْهُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (١) . فَمَفْهُومُهُ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ إِذَا حَال الْحَوْل، وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ، فَيَثْبُتُ وُجُوبُهَا فِي الذِّمَّةِ مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِ الأَْدَاءِ، كَثُبُوتِ الدُّيُونِ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ. (٢)
الزَّكَاةُ فِي الْمَال الْعَامِّ (أَمْوَال بَيْتِ الْمَال) :
١٤ م - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَال الْفَيْءِ، وَخُمُسَ الْغَنِيمَةِ، وَكُل مَا هُوَ تَحْتَ يَدِ الإِْمَامِ مِمَّا يَرْجِعُ стр. 14209
إِلَى الصَّرْفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لاَ زَكَاةَ فِيهِ. (١)
وَلَمْ نَجِدْ لَدَى غَيْرِهِمْ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مُرَاعَاتِهَا فِي التَّطْبِيقِ، إِذْ لَمْ يُعْهَدْ عِلْمًا وَلاَ عَمَلاً أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنَ الأَْمْوَال الْعَامَّةِ.
الزَّكَاةُ فِي الأَْمْوَال الْمُشْتَرَكَةِ وَالأَْمْوَال الْمُخْتَلِفَةِ وَالأَْمْوَال الْمُتَفَرِّقَةِ:
١٥ - الَّذِي يُكَلَّفُ بِالزَّكَاةِ هُوَ الشَّخْصُ الْمُسْلِمُ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مَا يَمْلِكُهُ نِصَابًا وَحَال عَلَيْهِ الْحَوْل وَتَمَّتِ الشُّرُوطُ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ كَانَ الْمَال شَرِكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَكَانَ الْمَال نِصَابًا فَأَكْثَرَ فَلاَ زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ نَصِيبُهُ نِصَابًا، وَلاَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ شَيْءٌ، وَيُسْتَثْنَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ - وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيَّةُ - السَّائِمَةُ الْمُشْتَرَكَةُ فَإِنَّهَا تُعَامَل مُعَامَلَةَ مَال رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَفِي النِّصَابِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَكَذَا السَّائِمَةُ الْمُخْتَلِطَةُ - أَيِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ حَقُّ كُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ فِيهَا لَكِنَّهَا تَشْتَرِكُ فِي الْمَرْعَى وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَرَافِقِ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الأَْظْهَرِ إِلَى أَنَّ الْمَال الْمُشْتَرَكَ وَالْمَال الْمُخْتَلِطَ يُعَامَل مُعَامَلَةَ مَال رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي النِّصَابِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَجَّحَ стр. 14210
الْعَمَل بِهَا بَعْضُهُمْ كَابْنِ عَقِيلٍ وَالآْجُرِّيِّ. (١) وَاحْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (٢) . وَلِمَعْرِفَةِ تَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ وَالْخِلاَفِ فِيهِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (خُلْطَة) .
هَذَا إِذَا كَانَ الْمَال فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إِنْ كَانَ مَال الرَّجُل مُفَرَّقًا بَيْن بَلَدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمَوَاشِي فَلاَ أَثَرَ لِتَفَرُّقِهِ، بَل يُزَكَّى زَكَاةَ مَالٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمَوَاشِي وَكَانَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةُ قَصْرٍ فَأَكْثَرُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَجَّحَهَا صَاحِبُ الْمُغْنِي. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ كُل مَالٍ مِنْهَا يُزَكَّى مُنْفَرِدًا عَمَّا سِوَاهُ، فَإِنْ كَانَ كِلاَ الْمَالَيْنِ نِصَابًا زَكَّاهُمَا كَنِصَابَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا وَالآْخَرُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ زَكَّى مَا تَمَّ نِصَابًا دُونَ الآْخَرِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْل عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ. وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ اجْتِمَاعُ مَال الْجَمَاعَةِ حَال الْخُلْطَةِ فِي مَرَافِقِ الْمِلْكِ وَمَقَاصِدِهِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ حَتَّى جَعَلَهُ كَمَالٍ وَاحِدٍ وَجَبَ تَأْثِيرُ الاِفْتِرَاقِ الْفَاحِشِ فِي الْمَال стр. 14211
الْوَاحِدِ حَتَّى يَجْعَلَهُ كَمَالَيْنِ. وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلأَِنَّ كُل مَالٍ تُخْرَجُ زَكَاتُهُ بِبَلَدِهِ. (١)
شُرُوطُ الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ:
١٦ - يُشْتَرَطُ فِي الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ شُرُوطٌ:
١ - كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ.
٢ - وَكَوْنُ مَمْلُوكِيَّتِهِ مُطْلَقَةً (أَيْ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا رَقَبَةً وَيَدًا) .
٣ - وَكَوْنُهُ نَامِيًا.
٤ - وَأَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَاتِ الأَْصْلِيَّةِ.
٥ - حَوَلاَنُ الْحَوْل.
٦ - وَبُلُوغُهُ نِصَابًا، وَالنِّصَابُ فِي كُل نَوْعٍ مِنَ الْمَال بِحَسَبِهِ.
٧ - وَأَنْ يَسْلَمَ مِنْ وُجُودِ الْمَانِعِ، وَالْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَالِكِ دَيْنٌ يُنْقِصُ النِّصَابَ.
١٧ - الشَّرْطُ الأَْوَّل: كَوْنُ الْمَال مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ:
فَلاَ زَكَاةَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تَجِبُ فِي سَوَائِمِ الْوَقْفِ، وَالْخَيْل الْمُسَبَّلَةِ؛ لأَِنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ.
قَالُوا: لأَِنَّ فِي الزَّكَاةِ تَمْلِيكًا، وَالتَّمْلِيكُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لاَ يُتَصَوَّرُ، قَالُوا: وَلاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ؛ стр. 14212
لأَِنَّهُمْ مَلَكُوهُ بِالإِْحْرَازِ، فَزَال مِلْكُ الْمُسْلِمِ عَنْهُ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ زَكَاةَ فِي الْمُوصَى بِهِ لِغَيْرِ مُعَيَّنِينَ. وَتَجِبُ فِي الْمَوْقُوفِ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَسَاجِدَ، أَوْ بَنِي تَمِيمٍ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُمْ لاَ يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ، فَلَوْ وَقَفَ نُقُودًا لِلسَّلَفِ يُزَكِّيهَا الْوَاقِفُ أَوِ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهَا مِنْهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ مِلْكِهَا، أَوْ زَكَّاهَا إِنْ كَانَتْ نِصَابًا، وَهَذَا إِنْ لَمْ يَتَسَلَّفْهَا أَحَدٌ، فَإِنْ تَسَلَّفَهَا أَحَدٌ زُكِّيَتْ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْهُ لِعَامٍ وَاحِدٍ. (٢)
وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ، أَوْ كَانَ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ مَدْرَسَةٍ، أَوْ رِبَاطٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لاَ يَتَعَيَّنُ لَهُ مَالِكٌ لاَ زَكَاةَ فِيهِ. وَكَذَا النَّقْدُ الْمُوصَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، أَوْ لِيُشْتَرَى بِهِ وَقْفٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، بِخِلاَفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيل عِنْدَهُمْ: لاَ تَجِبُ؛ لأَِنَّ مِلْكَهُ يَنْتَقِل إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لاَ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. (٣)
١٨ - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِلْكِيَّةُ الْمَال مُطْلَقَةً:
وَهَذِهِ عِبَارَةُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُمْ بِالْمِلْكِ стр. 14213
التَّامِّ: وَهُوَ مَا كَانَ فِي يَدِ مَالِكِهِ يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ.
وَالْمِلْكُ النَّاقِصُ يَكُونُ فِي أَنْوَاعٍ مِنَ الْمَال مُعَيَّنَةٍ، مِنْهَا:
١ - مَال الضِّمَارِ: وَهُوَ كُل مَالٍ مَالِكُهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ لِكَوْنِ يَدِهِ لَيْسَتْ عَلَيْهِ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَصَاحِبَيْهِ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، كَالْبَعِيرِ الضَّال، وَالْمَال الْمَفْقُودِ، وَالْمَال السَّاقِطِ فِي الْبَحْرِ، وَالْمَال الَّذِي أَخَذَهُ السُّلْطَانُ مُصَادَرَةً، وَالدَّيْنِ الْمَجْحُودِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ بَيِّنَةٌ، وَالْمَال الْمَغْصُوبِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ صَاحِبُهُ عَلَى أَخْذِهِ، وَالْمَسْرُوقِ الَّذِي لاَ يَدْرِي مَنْ سَرَقَهُ، وَالْمَال الْمَدْفُونِ فِي الصَّحْرَاءِ إِذَا خَفِيَ عَلَى الْمَالِكِ مَكَانُهُ، فَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا فِي الْبَيْتِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَيْ لأَِنَّهُ فِي مَكَانٍ مَحْدُودٍ.
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ فِي مَال الضِّمَارِ زَكَاةٌ
وَلأَِنَّ الْمَال إِذَا لَمْ يَكُنْ الاِنْتِفَاعُ بِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ مَقْدُورًا لاَ يَكُونُ الْمَالِكُ بِهِ غَنِيًّا. قَالُوا:
وَهَذَا بِخِلاَفِ ابْنِ السَّبِيل (أَيِ الْمُسَافِرِ عَنْ وَطَنِهِ) فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي مَالِهِ؛ لأَِنَّ مَالِكَهُ يَقْدِرُ عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَكَذَا الدَّيْنُ الْمُقَرُّ بِهِ إِذَا كَانَ عَلَى مَلِيءٍ (١) . стр. 14214
وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْمَال الضَّائِعَ وَنَحْوَهُ كَالْمَدْفُونِ فِي صَحْرَاءَ إِذَا ضَل صَاحِبُهُ عَنْهُ أَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لاَ يُحَاطُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُزَكَّى لِعَامٍ وَاحِدٍ إِذَا وَجَدَهُ صَاحِبُهُ وَلَوْ بَقِيَ غَائِبًا عَنْهُ سِنِينَ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْمَال الضَّائِعِ وَلَكِنْ لاَ يَجِبُ دَفْعُهَا حَتَّى يَعُودَ الْمَال. فَإِنْ عَادَ يُخْرِجُهَا صَاحِبُهُ عَنِ السَّنَوَاتِ الْمَاضِيَةِ كُلِّهَا؛ لأَِنَّ السَّبَبَ الْمِلْكُ، وَهُوَ ثَابِتٌ. قَالُوا: لَكِنْ لَوْ تَلِفَ الْمَال، أَوْ ذَهَبَ وَلَمْ يَعُدْ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ. وَكَذَا عِنْدَهُمُ الْمَال الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ لاِنْقِطَاعِ خَبَرِهِ، أَوِ انْقِطَاعِ الطَّرِيقِ إِلَيْهِ (٢) .
وَالْمَال الْمَوْرُوثُ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ إِلاَّ بَعْدَ قَبْضِهِ، يَسْتَقْبِل بِهِ الْوَارِثُ حَوْلاً، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَقَامَ سِنِينَ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْوَارِثُ بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. (٣)
الزَّكَاةُ فِي مَال الأَْسِيرِ، وَالْمَسْجُونِ وَنَحْوِهِ:
١٩ - مَنْ كَانَ مَأْسُورًا أَوْ مَسْجُونًا قَدْ حِيل بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ، ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِبَيْعٍ وَهِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا نَفَذَ، وَكَذَا стр. 14215
لَوْ وَكَّل فِي مَالِهِ نَفَذَتِ الْوَكَالَةُ. (١)
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ كَوْنَ الرَّجُل مَفْقُودًا أَوْ أَسِيرًا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ فِي حَقِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِ الْبَاطِنَةِ، لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مَغْلُوبًا عَلَى عَدَمِ التَّنْمِيَةِ فَيَكُونُ مَالُهُ حِينَئِذٍ كَالْمَال الضَّائِعِ، وَلِذَا يُزَكِّيهَا إِذَا أُطْلِقَ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَالأَْمْوَال الضَّائِعَةِ. وَفِي قَوْل الأُْجْهُورِيِّ وَالزَّرْقَانِيِّ: لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا أَصْلاً. وَفِي قَوْل الْبُنَانِيِّ: لاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنِ الأَْسِيرِ وَالْمَفْقُودِ، بَل تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمَا كُل عَامٍ، لَكِنْ لاَ يَجِبُ الإِْخْرَاجُ مِنْ مَالِهِمَا بَل يَتَوَقَّفُ مَخَافَةَ حُدُوثِ الْمَوْتِ. (٢)
أَمَّا الْمَال الظَّاهِرُ فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْفَقْدَ وَالأَْسْرَ لاَ يُسْقِطَانِ زَكَاتَهُ؛ لأَِنَّهُمَا مَحْمُولاَنِ عَلَى الْحَيَاةِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِهِمَا الظَّاهِرِ وَتُجْزِئُ، وَلاَ يَضُرُّ عَدَمُ النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ نِيَّةَ الْمُخْرِجِ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّتِهِ. (٣)
وَلَمْ نَجِدْ لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ تَعَرُّضًا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
زَكَاةُ الدَّيْنِ:
٢٠ - الدَّيْنُ مَمْلُوكٌ لِلدَّائِنِ، وَلَكِنَّهُ لِكَوْنِهِ لَيْسَ تَحْتَ يَدِ صَاحِبِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ: فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ، وَعِكْرِمَةُ مَوْلَى следующие страницы →