← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14316–14355 · переход к 14321.

стр. 14316

الْخَارِجِ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ. فَالْعُشْرُ اتِّفَاقًا فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، كَاَلَّذِي يَشْرَبُ بِمَاءِ الْمَطَرِ أَوْ بِمَاءِ الأَْنْهَارِ سَيْحًا، أَوْ بِالسَّوَاقِي دُونَ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ غَرْفًا أَوْ بِآلَةٍ، أَوْ يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَهُوَ مَا يُزْرَعُ فِي الأَْرْضِ الَّتِي مَاؤُهَا قَرِيبٌ مِنْ وَجْهِهَا تَصِل إِلَيْهِ عُرُوقُ الشَّجَرِ فَيَسْتَغْنِي عَنِ السَّقْيِ. وَيَجِبُ فِيمَا يُسْقَى بِكُلْفَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ، سَوَاءٌ سَقَتْهُ النَّوَاضِحُ أَوْ سُقِيَ بِالدَّوَالِي، أَوِ السَّوَانِي أَوِ الدَّوَالِيبِ أَوِ النَّوَاعِيرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَا لَوْ مَدَّ مِنَ النَّهْرِ سَاقِيَةً إِلَى أَرْضِهِ فَإِذَا بَلَغَهَا الْمَاءُ احْتَاجَ إِلَى رَفْعِهِ بِالْغَرْفِ أَوْ بِآلَةٍ. وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنْ يُحْتَاجَ فِي رَفْعِ الْمَاءِ إِلَى وَجْهِ الأَْرْضِ إِلَى آلَةٍ أَوْ عَمَلٍ. وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ (١) وَالْحِكْمَةُ فِي تَقْلِيل الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيمَا فِيهِ عَمَلٌ أَنَّ لِلْكُلْفَةِ أَثَرًا فِي تَقْلِيل النَّمَاءِ. وَلَوِ احْتَاجَتِ الأَْرْضُ إِلَى سَاقٍ يَسْقِيهَا بِمَاءِ الأَْنْهَارِ أَوِ الأَْمْطَارِ، وَيُحَوِّل الْمَاءَ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ، أَوِ احْتَاجَتْ إِلَى عَمَل سَوَاقٍ أَوْ حَفْرِ أَنْهَارٍ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَقْلِيل النِّصَابِ.

стр. 14317

وَإِنْ سُقِيَتِ الأَْرْضُ نِصْفَ الْوَقْتِ بِكُلْفَةٍ وَنِصْفَهَا بِغَيْرِ كُلْفَةٍ فَالزَّكَاةُ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ سُقِيَتْ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى اعْتِبَارِ الأَْكْثَرِ، وَيَسْقُطُ حُكْمُ الأَْقَل، وَقِيل: يُعْتَبَرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِقِسْطِهِ (١) . مَا يُطْرَحُ مِنَ الْخَارِجِ قَبْل أَخْذِ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ: ١١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ عَلَى التَّفْصِيل الْمُتَقَدِّمِ يُؤْخَذُ مِنْ كُل الْخَارِجِ، فَلاَ يُطْرَحُ مِنْهُ الْبَذْرُ الَّذِي بَذَرَهُ وَلاَ أُجْرَةُ الْعُمَّال أَوْ كَرْيُ الأَْنْهَارِ أَوْ أُجْرَةُ الْحَافِظِ وَنَحْوُ ذَلِكَ بَل يَجِبُ الْعُشْرُ فِي الْكُل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِتَفَاوُتِ الْوَاجِبِ لِتَفَاوُتِ الْمُؤْنَةِ، وَلَوْ رُفِعَتِ الْمُؤْنَةُ لَكَانَ الْوَاجِبُ بِنَفْسِ الْمِقْدَارِ، وَاسْتَظْهَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّ الْوَاجِبَ إِنْ كَانَ جُزْءًا مِنَ الْخَارِجِ فَإِنَّهُ يُجْعَل كَالْهَالِكِ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْبَاقِي (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّرْعِ إِنْ كَانَتْ دَيْنًا يُسْقِطُهَا مَالِكُهُ مِنْهُ قَبْل احْتِسَابِ الْعُشْرِ، قَال أَحْمَدُ: مَنِ اسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ وَاسْتَدَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ، احْتَسَبَ مَا أَنْفَقَ عَلَى زَرْعِهِ دُونَ مَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ. قَالُوا: وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الزَّرْعِ، فَالْحَاصِل فِي

стр. 14318

مُقَابَلَتِهِ يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْصُل، وَهَذَا بِخِلاَفِ سَائِرِ الدُّيُونِ فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ مِنَ الْحَاصِل لأَِنَّهُ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ (١) . وَشَبِيهٌ بِمُؤْنَةِ الزَّرْعِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خَرَاجُ الأَْرْضِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الْغَلَّةِ قَبْل احْتِسَابِ الزَّكَاةِ فِيهَا. وَلَمْ نَجِدْ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ كَلاَمًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. مَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ فِعْلُهُ قَبْل إِخْرَاجِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ: ١١٧ - يُؤْخَذُ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ مِنَ الْغَلَّةِ بَعْدَ التَّجْفِيفِ فِي الثِّمَارِ وَالتَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ؛ لأَِنَّهُ أَوَانُ الْكَمَال وَحَال الاِدِّخَارِ، وَالْمُؤْنَةُ عَلَى الثَّمَرَةِ إِلَى حِينِ الإِْخْرَاجِ لاَزِمَةٌ لِرَبِّ الْمَال، لأَِنَّهُ فِي حَقِّ الْغَلَّةِ، كَالْحِفْظِ فِي حَقِّ الْمَاشِيَةِ، وَلاَ يَحِقُّ لِلسَّاعِي أَخْذُهُ رَطْبًا. وَلَوْ أَخْرَجَ رَبُّ الْمَال الْعُشْرَ رَطْبًا لَمْ يُجْزِئْهُ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحْوَالٌ: مِنْهَا: أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى قَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْل كَمَالِهَا خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، أَوْ إِلَى قَطْعِ بَعْضِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَمِثْل ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَطْعُهَا رَطْبَةً أَنْفَعَ وَأَصْلَحَ.

стр. 14319

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ مِمَّا لاَ يَجِفُّ بَل يُؤْكَل رَطْبًا كَبَعْضِ أَنْوَاعِ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْفُول وَنَحْوِهَا، فَتَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ مَا يُزَكَّى الاِدِّخَارُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يُدَّخَرُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَفِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ: يَجُوزُ أَخْذُ حَقِّ الْفُقَرَاءِ رَطْبًا، وَإِنْ أَتْلَفَهَا رَبُّ الْمَال فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ وَيَجُوزُ إِخْرَاجُ قَدْرِ الزَّكَاةِ مِنَ الْجِنْسِ جَافًّا إِنْ شَاءَ رَبُّ الْمَال. وَقِيل: يَجِبُ فِي ذِمَّتِهِ الْعُشْرُ جَافًّا وَلَوْ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ عُشْرُ الثَّمَنِ إِنْ بِيعَ وَإِلاَّ فَالْقِيمَةُ. وَالزَّيْتُونُ عِنْدَ مَنْ قَال تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، إِنْ كَانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي يُعْصَرُ مِنْهُ الزَّيْتُ يُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ عَصْرِهِ، وَلَوْ كَانَ زَيْتُهُ قَلِيلاً؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُدَّخَرُ فَهُوَ بِمَثَابَةِ التَّجْفِيفِ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ. وَإِنْ كَانَ يُدَّخَرُ حَبًّا، فَيُؤْخَذُ عُشْرُهُ حَبًّا إِذَا بَلَغَ الْحَبُّ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَال مَالِكٌ: إِذَا بَلَغَ الزَّيْتُونُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أُخِذَ الْخُمُسُ مِنْ زَيْتِهِ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ الْعُشْرُ مِنْهُ حَبًّا عَلَى كُل حَالٍ (٢) .

стр. 14320

زَكَاةُ الْعَسَل وَالْمُنْتَجَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ: ١١٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَسَل تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْخَذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَل مِنْ عَشْرِ قِرْبَاتٍ قِرْبَةٌ مِنْ أَوْسَطِهَا (١) . وَوَرَدَ أَنَّ أَبَا سَيَّارَةَ الْمُتَعِيَّ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ لِي نَحْلاً، قَال: أَدِّ الْعُشْرَ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: احْمِهَا لِي. فَحَمَاهَا لَهُ (٢) . وَأَخَذَ عُمَرُ مِنَ الْعَسَل الْعُشْرَ (٣) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْعَسَل لاَ زَكَاةَ فِيهِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَل خَبَرٌ يَثْبُتُ. ثُمَّ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَمْرَانِ: الأَْوَّل: أَنْ لاَ يَكُونَ النَّحْل فِي أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجِيَّةَ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ، وَلاَ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ عُشْرٌ وَخَرَاجٌ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 14321

الثَّانِي: إِنْ كَانَ النَّحْل فِي أَرْضِ مَفَازَةٍ أَوْ جَبَلٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ إِلاَّ إِنْ حَفِظَهُ الإِْمَامُ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ زَكَاةَ إِلاَّ إِنْ كَانَتِ الأَْرْضُ مَمْلُوكَةً (١) . نِصَابُ الْعَسَل: (١١٨ م) - قَال الْحَنَابِلَةُ: نِصَابُهُ عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ (وَالْفَرْقُ مِكْيَالٌ يَسَعُ ١٦ رِطْلاً عِرَاقِيًّا مِنَ الْقَمْحِ) . وَقِيل: عِنْدَهُمُ النِّصَابُ أَلْفُ رِطْلٍ. وَقَال مُحَمَّدٌ: خَمْسَةُ أَفْرَاقٍ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ (٢) . أَمَّا مَا عَدَا الْعَسَل فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِي الْحَرِيرِ وَدُودَةِ الْقَزِّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. وَأَضَافَ صَاحِبُ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: الصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَاللَّبَنُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ مِمَّا لاَ زَكَاةَ فِيهِ أَيْضًا: الْمِسْكَ وَنَحْوَهُ مِنَ الطِّيبِ (٣) . زَكَاةُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ غَيْرِ النَّبَاتِ: ١١٩ - قَدْ يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأَْرْضِ غَيْرَ النَّبَاتِ الذَّهَبُ أَوِ الْفِضَّةُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنَ الْمَعَادِنِ الَّتِي

стр. 14322

تَنْطَبِعُ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالزِّئْبَقِ أَوْ لاَ تَنْطَبِعُ كَالنِّفْطِ وَالْقَارِ وَالْفَحْمِ وَغَيْرِهَا. وَكُل ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَخْلُوقًا فِي الأَْرْضِ بِفِعْل اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يَكُونُ مِمَّا وَضَعَهُ فِيهَا الآْدَمِيُّونَ كَالْكُنُوزِ الَّتِي يَضَعُهَا أَهْلُهَا فِي الأَْرْضِ ثُمَّ يَبِيدُونَ وَتَبْقَى فِيهَا. وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ اسْمَ (الرِّكَازِ) شَامِلٌ لِكُل ذَلِكَ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ اسْمَ الرِّكَازِ خَاصٌّ بِمَا هُوَ مَرْكُوزٌ فِي الأَْرْضِ خِلْقَةً، وَيُؤْخَذُ الْخُمُسُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رُبُعُ الْعُشْرِ عَلَى اخْتِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُؤْخَذُ أَهُوَ زَكَاةٌ تُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهَا أَمْ فَيْءٌ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ (١) . وَلِمَعْرِفَةِ كُل ذَلِكَ تُنْظَرُ الْمُصْطَلَحَاتُ: (رِكَاز، كَنْز، مَعْدِن) . زَكَاةُ الْمُسْتَخْرَجِ مِنَ الْبِحَارِ: ١٢٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَخْرَجَ مِنَ الْبَحْرِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ وَالْمَرْجَانِ وَنَحْوِهَا لاَ شَيْءَ فِيهِ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ خُمُسٍ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ أَلْقَاهُ الْبَحْرُ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ جَابِرٍ، وَلأَِنَّهُ قَدْ كَانَ

стр. 14323

يُسْتَخْرَجُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ سُنَّةٌ عَنْهُ وَلاَ عَنْهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ: فِيهِ الزَّكَاةُ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ الْخَارِجَ مِنْ مَعْدِنِ الْبَرِّ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال فِي الْعَنْبَرِ: إِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَفِيهِ الْخُمُسِ، وَكَتَبَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي عَنْبَرَةٍ وَجَدَهَا عَلَى سَاحِل الْبَحْرِ فَاسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ، فَأَشَارُوا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا الْخُمُسَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ أَخَذَ مِنَ الْعَنْبَرِ الْخُمُسَ. وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَامِلَهُ بِعُمَانَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ السَّمَكِ الزَّكَاةَ إِذَا بَلَغَ ثَمَنُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا خَرَجَ مِنَ الْبَحْرِ كَعَنْبَرٍ إِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ وَلاَ يُخَمَّسُ كَالصَّيْدِ، فَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِلْكٌ فَإِنْ كَانَ لِجَاهِلِيٍّ أَوْ شُكَّ فِيهِ فَرِكَازٌ، وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَلُقَطَةٌ (٢) . الْقِسْمُ الثَّالِثُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ: ١٢١ - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إِمَّا أَنْ يُخْرِجَهَا بِإِعْطَائِهَا مُبَاشَرَةً إِلَى الْفُقَرَاءِ وَسَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى الإِْمَامِ لِيَصْرِفَهَا فِي

стр. 14324

مَصَارِفِهَا. وَنَذْكُرُ هُنَا الأَْحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالإِْخْرَاجِ وَخَاصَّةً الإِْخْرَاجَ الْمُبَاشِرَ إِلَى الْفُقَرَاءِ. النِّيَّةُ عِنْدَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ: ١٢٢ - الزَّكَاةُ فَرِيضَةٌ مِنْ فَرَائِضِ الْعِبَادَاتِ، كَالصَّلاَةِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِيهَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. وَرُوِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ عَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا لأَِنَّهَا دَيْنٌ عَلَى صَاحِبِهَا، وَأَدَاءُ الدَّيْنِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ. وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (١) . وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ الْمَال لِلَّهِ يَكُونُ فَرْضًا وَيَكُونُ نَفْلاً، فَافْتَقَرَتِ الْفَرِيضَةُ إِلَى النِّيَّةِ لِتَمْيِيزِهَا عَنِ النَّفْل، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلاَةِ. وَمَعْنَى النِّيَّةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الزَّكَاةِ أَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ مَا يُخْرِجُهُ هُوَ الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ يُخْرِجُ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ مِنْ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَنْ يَقْصِدَ أَنَّهَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِمَا (٢) . وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ النَّاوِي مُكَلَّفًا؛ لأَِنَّهَا فَرِيضَةٌ (٣) .

стр. 14325

وَيَنْوِي عِنْدَ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ أَوْ إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، أَوْ قَبْل الدَّفْعِ بِقَلِيلٍ. فَإِنْ نَوَى بَعْدَ الدَّفْعِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالشَّرْطُ مُقَارَنَةُ النِّيَّةِ لِلأَْدَاءِ وَلَوْ حُكْمًا، كَمَا لَوْ دَفَعَ بِلاَ نِيَّةٍ ثُمَّ نَوَى وَالْمَال لاَ يَزَال قَائِمًا فِي مِلْكِ الْفَقِيرِ بِخِلاَفِ مَا إِذَا نَوَى بَعْدَمَا اسْتَهْلَكَهُ الْفَقِيرُ أَوْ بَاعَهُ فَلاَ تُجْزِئُ عَنِ الزَّكَاةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَزَل الزَّكَاةَ عَنْ مَالِهِ وَنَوَى عِنْدَ الْعَزْل أَنَّهَا زَكَاةٌ كَفَى ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ عِنْدَ الدَّفْعِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لأَِنَّ الدَّفْعَ يَتَفَرَّقُ، فَيَتَحَرَّجُ بِاسْتِحْضَارِ النِّيَّةِ عِنْدَ كُل دَفْعٍ، فَاكْتُفِيَ بِذَلِكَ، لِلْحَرَجِ (١) . وَإِنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى وَكِيلِهِ نَاوِيًا أَنَّهَا زَكَاةٌ كَفَى ذَلِكَ، وَالأَْفْضَل أَنْ يَنْوِيَ الْوَكِيل أَيْضًا عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ أَيْضًا وَلاَ تَكْفِي نِيَّةُ الْوَكِيل وَحْدَهُ (٢) . وَلَوْ دَفَعَ الإِْنْسَانُ كُل مَالِهِ إِلَى الْفُقَرَاءِ تَطَوُّعًا بَعْدَ مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ، بَل تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ.

стр. 14326

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ فِي هَذِهِ الْحَال اسْتِحْسَانًا لأَِنَّهُ لَمَّا أَدَّى الْكُل زَالَتْ الْمُزَاحَمَةُ بَيْنَ الْجُزْءِ الْمُؤَدَّى وَسَائِرِ الأَْجْزَاءِ، وَبِأَدَاءِ الْكُل لِلَّهِ تَعَالَى تَحَقَّقَ أَدَاءُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ (١) . وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَال الْمُخْرَجِ عَنْهُ، لَكِنْ لَوْ عَيَّنَهُ تَعَيَّنَ. فَلَوْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَنَوَى عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ الَّذِي لاَ يَعْلَمُ سَلاَمَتَهُ جَازَ، لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاؤُهُ ثُمَّ إِنْ تَبَيَّنَتْ سَلاَمَتُهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ تَلَفُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَصْرِفَ الزَّكَاةَ إِلَى مَالٍ آخَرَ، وَإِنْ نَوَى عَنْ مَالَيِ الْغَائِبِ أَوِ الْحَاضِرِ، فَتَبَيَّنَ تَلَفُ الْغَائِبِ أَجْزَأَتْ عَنِ الْحَاضِرِ، وَإِنْ نَوَى بِالْمُخْرَجِ أَنْ يَكُونَ زَكَاةَ الْمَال الْمَوْرُوثِ الَّذِي يَشُكُّ فِي مَوْتِ مُورَثِهِ لَمْ تُجْزِئْهُ، لأَِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ وَالأَْصْل عَدَمُ الْمَوْتِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ عِلْمُ آخِذِ الزَّكَاةِ أَنَّهَا زَكَاةٌ (٢) . النِّيَّةُ عِنْدَ أَخْذِ السُّلْطَانِ الزَّكَاةَ: ١٢٣ - إِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ أَوْ نُوَّابُهُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَائِهَا قَهْرًا، وَبِمَنْزِلَةِ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا مَنْ غَيَّبَ مَالَهُ لِئَلاَّ تُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وَالأَْسِيرُ، وَمَنْ يَتَعَذَّرُ الْوُصُول إِلَيْهِ، عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْمُنْتَهَى، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَخَذَ السُّلْطَانُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا وَنَوَى عِنْدَ

стр. 14327

الأَْخْذَ أَوْ عِنْدَ التَّفْرِيقِ، أَجْزَأَتْ عَنِ الْمُمْتَنِعِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لأَِنَّ تَعَذُّرَ النِّيَّةِ فِي حَقِّهِ أَسْقَطَ وُجُوبَهَا عَنْهُ، كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَالسُّلْطَانُ لَهُ وِلاَيَةٌ عَلَى الْمَالِكِ. وَأَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل بِإِجْزَائِهَا، وَظَاهِرُهُ إِجْزَاؤُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِذَا أَخَذَهَا السُّلْطَانُ أَجْزَأَتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ سَوَاءٌ أَخَذَهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، لأَِنَّ أَخْذَ الإِْمَامِ لَهَا بِمَنْزِلَةِ الْقَسْمِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ، لأَِنَّهُ وَكِيل الْفُقَرَاءِ؛ وَلأَِنَّ لِلسُّلْطَانِ وِلاَيَةً عَامَّةً، وَبِدَلِيل أَنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ لَمْ يُجْزِئْهُ لَمَا أَخَذَهَا، أَوْ لأََخَذَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، حَتَّى يَنْفَدَ مَالُهُ. وَفِي قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَخَذَهَا الإِْمَامُ قَهْرًا أَجْزَأَتْ ظَاهِرًا، فَلاَ يُطَالَبُ بِهَا، وَلاَ تُجْزِئُ بَاطِنًا، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَلاَ تُجْزِئُ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، كَالصَّلاَةِ، وَأَخْذُ الإِْمَامِ لَهَا يُسْقِطُ الْمُطَالَبَةَ بِهَا لاَ غَيْرُ (١) . تَعْجِيل الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ: ١٢٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَإِسْحَاقُ، إِلَى أَنَّهُ

стр. 14328

يَجُوزُ لِلْمُزَكِّي تَعْجِيل إِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ قَبْل مِيعَادِ وُجُوبِهَا، لِمَا وَرَدَ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي تَعْجِيل صَدَقَتِهِ قَبْل أَنْ تَحِل، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. (١) وَقَال النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا زَكَاةَ الْعَبَّاسِ عَامَ الأَْوَّل لِلْعَامِ (٢) . إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: يَجُوزُ التَّعْجِيل لِعَامٍ وَاحِدٍ وَلاَ يَجُوزُ لِعَامَيْنِ فِي الأَْصَحِّ لأَِنَّ زَكَاةَ الْعَامِ الثَّانِي لَمْ يَنْعَقِدْ حَوْلُهَا. وَاشْتَرَطُوا لِجَوَازِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَوْجُودًا، فَلاَ يَجُوزُ تَعْجِيل الزَّكَاةِ قَبْل وُجُودِ النِّصَابِ، بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ النِّصَابَ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَالْحَوْل شَرْطُهَا وَلاَ يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ قَبْل سَبَبِهِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ قَبْل شَرْطِهِ، كَإِخْرَاجِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْل الْحِنْثِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْل بَعْدَ الْجَرْحِ وَقَبْل الزُّهُوقِ. وَتَوَسَّعَ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَالِكًا لِنِصَابٍ وَاحِدٍ جَازَ أَنْ يُعَجِّل زَكَاةَ نُصُبٍ كَثِيرَةٍ لأَِنَّ اللاَّحِقَ تَابِعٌ لِلْحَاصِل.

стр. 14329

وَالشَّافِعِيَّةُ أَجَازُوا ذَلِكَ فِي مَال التِّجَارَةِ لأَِنَّ النِّصَابَ فِيهَا عِنْدَهُمْ مُشْتَرَطٌ فِي آخِرِ الْحَوْل فَقَطْ لاَ فِي أَوَّلِهِ وَلاَ فِي أَثْنَائِهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ مَلَكَ نِصَابًا فَقَدَّمَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ مَا قَدْ يَسْتَفِيدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلاَ يُجْزِئُهُ عِنْدَهُمْ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ قَدَّمَ زَكَاتَهُ وَزَكَاةَ مَا قَدْ يَنْتِجُ مِنْهُ، أَوْ يَرْبَحُهُ مِنْهُ، أَجْزَأَهُ لأَِنَّهُ تَابِعٌ لِمَا هُوَ مَالِكُهُ الآْنَ (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثِّمَارِ أَوِ الزُّرُوعِ قَبْل الْوُجُوبِ، بِأَنْ دَفَعَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ تُجْزِئْ عَنْهُ. وَكَذَا لاَ تُجْزِئُ زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ إِنْ قَدَّمَهَا وَكَانَ هُنَاكَ سَاعٍ يَأْتِي لِقَبْضِهَا فَأَخْرَجَهَا قَبْل قُدُومِهِ. أَمَّا زَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا سَاعٍ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا فِي حُدُودِ شَهْرٍ وَاحِدٍ لاَ أَكْثَرَ، وَهَذَا عَلَى سَبِيل الرُّخْصَةِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ (٢) وَالأَْصْل عَدَمُ الإِْجْزَاءِ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مَوْقُوتَةٌ بِالْحَوْل. تَأْخِيرُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا: ١٢٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ مَتَى

стр. 14330

وَجَبَتْ، وَجَبَتِ الْمُبَادَرَةُ بِإِخْرَاجِهَا عَلَى الْفَوْرِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ الْخَشْيَةِ مِنْ ضَرَرٍ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَمَتَى تَحَقَّقَ وُجُوبُهَا تَوَجَّهَ الأَْمْرُ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا، وَالأَْمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ عِنْدَهُمْ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَجَازَ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ فَتَنْتَفِي الْعُقُوبَةُ عَلَى التَّرْكِ؛ وَلأَِنَّ حَاجَةَ الْفُقَرَاءِ نَاجِزَةٌ، وَحَقَّهُمْ فِي الزَّكَاةِ ثَابِتٌ، فَيَكُونُ تَأْخِيرُهَا مَنْعًا لِحَقِّهِمْ فِي وَقْتِهِ. وَسُئِل أَحْمَدُ: إِذَا ابْتَدَأَ فِي إِخْرَاجِهَا فَجَعَل يُخْرِجُهَا أَوَّلاً فَأَوَّلاً؟ قَال: لاَ، بَل يُخْرِجُهَا كُلُّهَا إِذَا حَال الْحَوْل. وَقَال: لاَ يُجْرِي عَلَى أَقَارِبِهِ مِنَ الزَّكَاةِ كُل شَهْرٍ، أَيْ مَعَ التَّأْخِيرِ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِعُذْرٍ. وَمِمَّا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ مِنَ الأَْعْذَارِ: أَنْ يَكُونَ الْمَال غَائِبًا فَيُمْهَل إِلَى مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ إِحْضَارُهُ، وَأَنْ يَكُونَ بِإِخْرَاجِهَا أَمْرٌ مُهِمٌّ دِينِيٌّ أَوْ دُنْيَوِيٌّ، وَأَنْ يَنْتَظِرَ بِإِخْرَاجِهَا صَالِحًا أَوْ جَارًا. وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ فِي تَعْجِيل الإِْخْرَاجِ، مِثْل مَنْ يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل قَبْل مَجِيءِ السَّاعِي، وَيَخْشَى إِنْ أَخْرَجَهَا بِنَفْسِهِ أَخَذَهَا السَّاعِي مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى. وَكَذَا إِنْ خَشِيَ فِي إِخْرَاجِهَا ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ لَهُ سِوَاهَا، لأَِنَّ مِثْل ذَلِكَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ دَيْنِ الآْدَمِيِّ لأَِجْلِهِ، فَدَيْنُ اللَّهِ أَوْلَى. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَاضِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مَا حَضَرَ مِنْ مَالِهِ وَمَا غَابَ دُونَ تَأْخِيرٍ

стр. 14331

مُطْلَقًا، وَلَوْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ، بِخِلاَفِ الْمُسَافِرِ فَلَهُ التَّأْخِيرُ إِنْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ أَوِ الْحَاجَةُ لِصَرْفِ مَا مَعَهُ فِي نَفَقَتِهِ. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ مَشَايِخِهِمْ أَنَّ افْتِرَاضَ الزَّكَاةِ عُمْرِيٌّ، أَيْ عَلَى التَّرَاخِي فَفِي أَيِّ وَقْتٍ أَدَّى يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْوَاجِبِ، وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْوَقْتُ لِلْوُجُوبِ، وَإِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ حَتَّى لَوْ لَمْ يُؤَدِّ يَأْثَمُ إِذَا مَاتَ. وَاسْتَدَل لَهُ الْجَصَّاصُ بِأَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ إِذَا هَلَكَ نِصَابُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْل وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الأَْدَاءِ لاَ يَضْمَنُ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَى الْفَوْرِ لَضَمِنَ، كَمَنْ أَخَّرَ صَوْمَ رَمَضَانَ عَنْ وَقْتِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ (١) . حُكْمُ مَنْ تَرَكَ إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ حَتَّى مَاتَ: ١٢٦ - مَنْ تَرَكَ الزَّكَاةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إِخْرَاجِهَا، حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُوصِ بِإِخْرَاجِهَا أَثِمَ إِجْمَاعًا. ثُمَّ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ لَمْ يُؤَدِّهَا فَإِنَّهَا لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَالِيَّةِ، وَمِنْهَا الْحَجُّ وَالْكَفَّارَاتُ، وَيَجِبُ

стр. 14332

إِخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَوْ لَمْ يُوصِ، وَتُخْرَجُ مِنْ كُل مَالِهِ لأَِنَّهَا دَيْنٌ لِلَّهِ، فَتُعَامَل مُعَامَلَةَ الدَّيْنِ، وَلاَ تُزَاحِمُ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ؛ لأَِنَّ الثُّلُثَ يَكُونُ فِيمَا بَعْدَ الدَّيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمَال، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا اجْتَمَعَ دَيْنُ اللَّهِ مَعَ دَيْنِ الآْدَمِيِّ يُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ لِحَدِيثِ دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (١) . وَقِيل: يُقَدَّمُ دَيْنُ الآْدَمِيِّ، وَقِيل: يَسْتَوِيَانِ. وَذَهَبَ الأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ إِلَى أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنَ الثُّلُثِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا وَلاَ يُجَاوَزُ بِهَا الثُّلُثَ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ إِلَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ يَجِبُ إِخْرَاجُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى بِهَا فَهِيَ وَصِيَّةٌ تُزَاحِمُ سَائِرَ الْوَصَايَا فِي الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا سَقَطَتْ، لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَسَقَطَتْ بِمَوْتِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا الْوَرَثَةُ فَهِيَ صَدَقَةُ تَطَوُّعٍ مِنْهُمْ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عُشْرُ الْخَارِجِ مِنَ الأَْرْضِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ لأَِنَّهُ عِنْدَهُمْ فِي مَعْنَى مَئُونَةِ الأَْرْضِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَل يَسْقُطُ أَيْضًا.

стр. 14333

ثُمَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تُخْرَجُ زَكَاةٌ فَرَّطَ فِيهَا مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا، أَمَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ إِقْرَارِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى بَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا فَهِيَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِلاَّ فَلاَ تُخْرَجُ أَصْلاً. وَأَمَّا زَكَاةُ عَامِ مَوْتِهِ فَإِنِ اعْتَرَفَ بِحُلُولِهَا وَأَوْصَى بِإِخْرَاجِهَا أُخْرِجَتْ مِنْ رَأْسِ الْمَال (١) . تَرَاكُمُ الزَّكَاةِ لِسِنِينَ: ١٢٧ - إِذَا أَتَى عَلَى الْمُكَلَّفِ بِالزَّكَاةِ سُنُونَ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ فِيهَا وَقَدْ تَمَّتْ شُرُوطُ الْوُجُوبِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ اتِّفَاقًا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ عَنْ كُل السِّنِينَ الَّتِي مَضَتْ وَلَمْ يُخْرِجْ زَكَاتَهُ فِيهَا. وَلَكِنِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ هَل يُسْقِطُ مِنَ الْمَال قَدْرَ زَكَاتِهِ لِلسَّنَةِ الأُْولَى وَيُزَكِّي فِي الثَّانِيَةِ مَا عَدَاهُ، وَهَكَذَا فِي الثَّالِثَةِ وَمَا بَعْدَهَا، أَمْ يُزَكِّي كُل الْمَال لِكُل السِّنِينَ؟ . قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَائِدَةُ الْخِلاَفِ: أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ فَحَال عَلَى مَالِهِ حَوْلاَنِ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا لِمَا مَضَى، وَلاَ تَنْقَضِي عَنْهُ الزَّكَاةُ فِي الْحَوْل الثَّانِي، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ

стр. 14334

مِنْ نِصَابٍ لَمْ تَنْقُصِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ أَحْوَالٌ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً مَضَى عَلَيْهَا ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِائَةَ دِينَارٍ، فَعَلَيْهِ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ وَنِصْفٌ؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي تَنْقِيصِ النِّصَابِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ آخَرُ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْهُ احْتُمِل أَنْ تَسْقُطَ الزَّكَاةُ فِي قَدْرِهَا؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ. وَإِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، وَكَانَ النِّصَابُ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ فَحَالَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالٌ لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهَا تَعَلَّقَتِ الزَّكَاةُ فِي الْحَوْل الأَْوَّل مِنَ النِّصَابِ بِقَدْرِهَا، فَإِنْ كَانَ نِصَابًا لاَ زِيَادَةَ عَلَيْهِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهِ فِيمَا بَعْدَ الْحَوْل الأَْوَّل؛ لأَِنَّ النِّصَابَ نَقَصَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ عَزَل قَدْرَ فَرْضِ الْحَوْل الأَْوَّل، وَعَلَيْهِ زَكَاةُ مَا بَقِيَ. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ (١) . حُكْمُ مَنْ شَكَّ هَل أَدَّى الزَّكَاةَ أَمْ لَمْ يُؤَدِّهَا: ١٢٨ - تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحَنَفِيَّةُ: فَقَالُوا: إِنَّ مَنْ شَكَّ هَل أَدَّى زَكَاتَهُ أَوْ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ بِخِلاَفِ مَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ أَنَّهُ هَل صَلَّى أَمْ لاَ، لاَ يُعِيدُ. قَالُوا: لأَِنَّ وَقْتَ الزَّكَاةِ لاَ آخِرَ

стр. 14335

لَهُ، بَل هُوَ الْعُمُرُ، فَالشَّكُّ فِيهَا كَالشَّكِّ فِي الصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ (١) . وَقَوَاعِدُ الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى تَقْتَضِي مِثْل ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَقِينَ لاَ يَزُول بِالشَّكِّ. (صُوَرُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ: ١٢٩ - الزَّكَاةُ إِمَّا أَنْ تُخْرَجَ مِنْ أَعْيَانِ الْمَال وَهُوَ الأَْصْل فِي غَيْرِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ التِّجَارِيَّةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَإِمَّا أَنْ تُخْرَجَ الْقِيمَةُ. ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ إِخْرَاجُ الْقِيمَةِ، وَلاَ يُجْزِئُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ الْعُرُوضِ عِنْدَهُمْ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْجَوَازِ. وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ الذَّهَبِ عَنِ الْفِضَّةِ بِالْقِيمَةِ وَعَكْسُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رَجَّحَهَا ابْنُ قُدَامَةَ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ الثَّمَنِيَّةُ، وَالتَّوَسُّل بِهَا إِلَى الْمَقَاصِدِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْجِنْسَيْنِ جَمِيعًا، وَمِنْ هُنَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الأَْجْنَاسِ، فَإِنَّ لِكُل جِنْسٍ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا بِهِ لاَ يَحْصُل بِالْجِنْسِ الآْخَرِ. وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ الْقِيمَةِ هُنَا قَدْ يَكُونُ أَرْفَقَ بِالآْخِذِ وَالْمُعْطِي. وَقَدْ يَنْدَرِئُ بِهِ الضَّرَرُ عَنْهُمَا، فَإِنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الدَّنَانِيرِ مِنْهَا شَقَّ عَلَى مَنْ

стр. 14336

يَمْلِكُ أَقَل مِنْ أَرْبَعِينَ دِينَارًا ذَهَبًا إِخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ دِينَارٍ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى قَطْعِهِ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ مُشَارَكَةِ الْفَقِيرِ لَهُ فِيهِ، وَفِي كُل ذَلِكَ ضَرَرٌ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَعَلَى هَذَا لاَ يَجُوزُ الإِْبْدَال فِي مَوْضِعٍ يَلْحَقُ فِيهِ الْفَقِيرَ ضَرَرٌ. وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ جَوَازَ إِخْرَاجِ الْفُلُوسِ عَنْ كُلٍّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (١) . ١٣٠ - وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ كَزَكَاةِ الْمَوَاشِي وَالزُّرُوعِ وَإِخْرَاجِ زَكَاةِ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ عَنْ غَيْرِهِمَا أَوِ الْعَكْسِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ عَلَى مَذَاهِبَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ وَهِيَ الْمَذْهَبُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل نَحْوَ إِخْرَاجِ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ، وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (٢) فَتَكُونُ الشَّاةُ الْمَذْكُورَةُ وَالدَّرَاهِمُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الْمَأْمُورَ بِهَا، وَالأَْمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا فِي حَدِيثِ كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ

стр. 14337

هَذِهِ الصَّدَقَةُ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى، وَكَانَ فِيهِ: فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِْبِل بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ (١) وَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَيْنَهَا. وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَال خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِْبِل، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ (٢) . قَالُوا: وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ فُرِضَتْ دَفْعًا لِحَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَحَاجَاتُهُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَوَّعَ الْوَاجِبُ لِيَتَنَوَّعَ مَا يَصِل إِلَيْهِ، وَوَجَبَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْمَال، وَيَحْصُل ذَلِكَ بِالْمُوَاسَاةِ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ (٣) . وَلأَِنَّ الزَّكَاةَ قُرْبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَسَبِيلُهُ الاِتِّبَاعُ، وَلَوْ جَازَتِ الْقِيمَةُ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل

стр. 14338

الثَّوْرِيِّ إِلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْقِيمَةِ جَائِزٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ، وَيُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل شِرَاءِ الإِْنْسَانِ الصَّدَقَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا لِلَّهِ تَعَالَى. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِإِجْزَاءِ الْقِيمَةِ، بِمَا رُوِيَ أَنَّ مُعَاذًا قَال لأَِهْل الْيَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضِ ثِيَابٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَال عَطَاءٌ: " كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَأْخُذُ الْعُرُوضَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَيْ عَنْهَا؛ وَلأَِنَّ الْغَرَضَ مِنْهَا سَدُّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ، وَذَلِكَ مَعْنًى مَعْقُولٌ؛ وَلأَِنَّ حَاجَاتِهِ مُخْتَلِفَةٌ، وَبِالْقِيمَةِ يُحَصِّل مَا شَاءَ مِنْ حَاجَاتِهِ. وَقِيَاسًا عَلَى الْجِزْيَةِ فَإِنَّ الْقِيمَةَ مُجْزِئَةٌ فِيهَا اتِّفَاقًا، وَالْغَرَضُ مِنْهَا كِفَايَةُ الْمُقَاتِلَةِ، وَمِنَ الزَّكَاةِ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَرْفُوعِ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِْبِل صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَل مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا (١) . قَال ابْنُ الْهُمَامِ: فَانْتَقَل إِلَى الْقِيمَةِ فِي

стр. 14339

مَوْضِعَيْنِ، فَعَلِمْنَا أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خُصُوصَ عَيْنِ السِّنِّ الْمُعَيَّنِ وَإِلاَّ لَسَقَطَ إِنْ تَعَذَّرَ، أَوْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيَدْفَعَهُ. ثُمَّ قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ أُكْرِهَ عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ فَدَفَعَهَا أَجْزَأَتْ، قَوْلاً وَاحِدًا. وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لاَ تُجْزِئُ الْقِيَمُ إِلاَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، مِثْل مَنْ يَبِيعُ عِنَبَهُ وَرُطَبَهُ قَبْل الْيُبْسِ. قَال: وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ صَرِيحًا، فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِ الْقِيَمِ وَجَوَّزَهُ فِي مَوَاضِعَ لِلْحَاجَةِ (١) . الإِْخْرَاجُ بِإِسْقَاطِ الْمُزَكِّي دَيْنَهُ عَنْ مُسْتَحِقٍّ لِلزَّكَاةِ: ١٣١ - لاَ يَجُوزُ لِلدَّائِنِ أَنْ يُسْقِطَ دَيْنَهُ عَنْ مَدِينِهِ الْفَقِيرِ الْمُعْسِرِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ وَيَحْسِبَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ. فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَبِهَذَا قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ مَا عَدَا أَشْهَبَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل أَبِي عُبَيْدٍ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الزَّكَاةَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ يَجُوزُ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَى نَفْعِ نَفْسِهِ أَوْ إِحْيَاءِ مَالِهِ، وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ.

стр. 14340

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ: إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ زَكَاتَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ عَنْ دَيْنِهِ جَازَ، فَكَذَا هَذَا. فَإِنْ دَفَعَ الدَّائِنُ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى مَدِينِهِ فَرَدَّهَا الْمَدِينُ إِلَيْهِ سَدَادًا لِدَيْنِهِ، أَوِ اسْتَقْرَضَ الْمَدِينُ مَا يَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ فَدَفَعَهُ إِلَى الدَّائِنِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِ وَاحْتَسَبَهُ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِيلَةً، أَوْ تَوَاطُؤًا، أَوْ قَصْدًا لإِِحْيَاءِ مَالِهِ، جَازَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيل الْحِيلَةِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَجَازَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ وَاتِّفَاقٍ، بَل بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. لَكِنْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ جَمِيعَ الدَّيْنِ إِلَى الْمَدِينِ الْفَقِيرِ سَقَطَتْ زَكَاةُ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ (١) . احْتِسَابُ الْمَكْسِ وَنَحْوِهِ عَنِ الزَّكَاةِ: ١٣٢ - قَال السَّرَخْسِيُّ الْحَنَفِيُّ: إِذَا نَوَى أَنْ يَكُونَ الْمَكْسُ زَكَاةً فَالصَّحِيحُ - أَيْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّهُ لاَ يَقَعُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ (٢) .

стр. 14341

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَفْتَى الشَّيْخُ عُلَيْشٌ فِيمَنْ يَمْلِكُ نِصَابًا مِنَ الأَْنْعَامِ، فَجَعَل عَلَيْهِ الْحَاكِمُ نَقْدًا مَعْلُومًا كُل سَنَةٍ، يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ، فَلاَ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الزَّكَاةَ، وَإِنْ نَوَاهَا لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ، وَقَال: أَفْتَى بِهِ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ وَالْحَطَّابُ (١) . وَفِي الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ: اتَّفَقَ الأَْصْحَابُ أَنَّ الْخَرَاجَ الْمَأْخُوذَ ظُلْمًا لاَ يَقُومُ مَقَامَ الْعُشْرِ، فَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَل الْعُشْرِ فَهُوَ كَأَخْذِ الْقِيمَةِ، وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ خِلاَفٌ، وَالصَّحِيحُ السُّقُوطُ بِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الْعُشْرِ أَخْرَجَ الْبَاقِيَ. وَأَفْتَى ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ بِأَنَّ مَا يُؤْخَذُ مِنَ التَّاجِرِ مِنَ الْمَكْسِ لاَ يُحْسَبُ عَنْهُ زَكَاةً، وَلَوْ نَوَى بِهِ الزَّكَاةَ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ لَمْ يَأْخُذْهُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ (٢) . وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا يُجْزِئُ وَالأُْخْرَى لاَ يُجْزِئُ، قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَهِيَ الأَْصَحُّ؛ لأَِنَّهُ أَخَذَهَا غَصْبًا (٣) . وَفِي فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَا يَأْخُذُهُ وُلاَةُ الأُْمُورِ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الزَّكَاةِ (٤) .

стр. 14342

مَا يَنْبَغِي لِمُخْرِجِ الزَّكَاةِ مُرَاعَاتُهُ فِي الإِْخْرَاجِ: ١٣٣ - أ - يُسْتَحَبُّ لِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُ الْجَيِّدِ مِنْ مَالِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّهِ الْوَسَطُ، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَْرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) وَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) . ١٣٤ - ب - إِظْهَارُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَإِعْلاَنُهُ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَل اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُل عَلاَنِيَتَهَا، يُقَال: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَجَعَل صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ عَلاَنِيَتَهَا أَفْضَل مِنْ سِرِّهَا، يُقَال: بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، قَال: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل فِي الأَْشْيَاءِ كُلِّهَا. وَقَال الطَّبَرِيُّ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ إِظْهَارَ الْوَاجِبِ أَفْضَل. اهـ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) فَهُوَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، نَظِيرُهَا الصَّلاَةُ، تَطَوُّعُهَا فِي الْبَيْتِ أَفْضَل، وَفَرِيضَتُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَ الْجَمَاعَةِ أَفْضَل (٤) .

стр. 14343

ج - الْحَذَرُ مِنَ الْمَنِّ وَالرِّيَاءِ وَالأَْذَى، وَهَذِهِ الأُْمُورُ مُحَرَّمَةٌ فِي كُل مَا يُخْرَجُ مِنَ الْمَال مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُحْبِطُ الأَْجْرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَْذَى﴾ (١) . وَمِنْ هُنَا اسْتَحَبَّ الْمَالِكِيَّةُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يُخْرِجُهَا خَوْفَ قَصْدِ الْمَحْمَدَةِ (٢) . ج - اخْتِيَارُ الْمُزَكِّي مَنْ يُعْطِيهِ الزَّكَاةَ: ١٣٦ - إِعْطَاءُ الْمُسْتَحِقِّينَ الزَّكَاةَ لَيْسَ بِدَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْفَضْل، بَل يَتَمَايَزُ. فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُزَكِّي إِيثَارُ الْمُضْطَرِّ أَيِ الْمُحْتَاجِ، عَلَى غَيْرِهِ، بِأَنْ يُزَادَ فِي إِعْطَائِهِ مِنْهَا دُونَ عُمُومِ الأَْصْنَافِ (٣) . د - أَنْ لاَ يُخْبِرَ الْمُزَكِّي الْفَقِيرَ أَنَّهَا زَكَاةٌ: ١٣٧ - قِيل لأَِحْمَدَ: يَدْفَعُ الرَّجُل زَكَاتَهُ إِلَى الرَّجُل، فَيَقُول: هَذَا مِنَ الزَّكَاةِ، أَوْ يَسْكُتُ؟ قَال: وَلِمَ يُبَكِّتْهُ بِهَذَا الْقَوْل؟ يُعْطِيهِ وَيَسْكُتُ، مَا حَاجَتُهُ إِلَى أَنْ يُقَرِّعَهُ؟ وَهَذَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَبِهِ صَرَّحَ اللَّقَانِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (٤) ، قَال: لِمَا فِيهِ

стр. 14344

مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الْفَقِيرِ. وَقَال ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ بُدَّ أَنْ يَقُول بِلِسَانِهِ شَيْئًا، كَالْهِبَةِ، قَال النَّوَوِيُّ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ. قَال: وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّ وَلَمْ يَقُل هِيَ زَكَاةٌ، وَلاَ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ أَصْلاً فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ وَتَقَعُ زَكَاةً. لَكِنْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَعْطَاهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ فَبَانَ الآْخِذُ غَنِيًّا لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ (١) . التَّوْكِيل فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ: ١٣٨ - يَجُوزُ لِلْمُزَكِّي أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي أَدَاءِ زَكَاتِهِ، سَوَاءٌ فِي إِيصَالِهَا لِلإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ فِي أَدَائِهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، سَوَاءٌ عَيَّنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحِقَّ أَوْ فَوَّضَ تَعْيِينَهُ إِلَى الْوَكِيل. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْمُزَكِّي الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ أَفْضَل مِنَ التَّوْكِيل؛ لأَِنَّهُ بِفِعْل نَفْسِهِ أَوْثَقُ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: التَّوْكِيل أَفْضَل خَشْيَةَ قَصْدِ الْمَحْمَدَةِ، وَيَجِبُ لِمَنْ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ الْقَصْدَ، أَوْ يَجْهَل الْمُسْتَحِقِّينَ. قَالُوا: وَلَيْسَ لِلْوَكِيل صَرْفُهَا لِقَرِيبِ الْمُزَكِّي الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ كُرِهَ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْوَكِيل بَالِغًا

стр. 14345

عَاقِلاً، جَازَ التَّفْوِيضُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ سَفِيهًا لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيل، إِلاَّ إِنْ نَوَى الْمُوَكِّل وَعَيَّنَ لَهُ مَنْ يُعْطِيهِ الْمَال (١) . تَلَفُ الْمَال كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ: ١٣٩ - مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَمْ يُخْرِجْهَا ثُمَّ ضَاعَ الْمَال كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ، أَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ فِعْل الْمُزَكِّي فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ تَلِفَ الْمَال سَقَطَتِ الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ فَيَسْقُطُ بِهَلاَكِ مَحَلِّهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ هَلاَكُهُ بَعْدَ طَلَبِ السَّاعِي فَقِيل: يَضْمَنُ، وَقِيل: لاَ يَضْمَنُ. قَالُوا: وَإِذَا هَلَكَ بَعْضُ الْمَال يَسْقُطُ مِنَ الزَّكَاةِ بِقَدْرِهِ أَيْ بِنِسْبَةِ مَا هَلَكَ. وَقَالُوا: إِنْ تَلِفَ مِنْ مَال الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْل مَا كَانَ بِهِ الْبَاقِي أَقَل مِنْ نِصَابٍ قَبْل إِمْكَانِ الأَْدَاءِ بِلاَ تَفْرِيطٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ، فَإِنْ أَمْكَنَ الأَْدَاءُ وَفَرَّطَ ضَمِنَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ ضَيَاعُهُ بِتَفْرِيطِهِ فِي حِفْظِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ كُل الْمَال، وَكَذَا إِنْ فَرَّطَ فِي الإِْخْرَاجِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، بِأَنْ وَجَدَ الْمُسْتَحِقَّ، سَوَاءٌ طَلَبَ الزَّكَاةَ أَمْ لَمْ يَطْلُبْهَا، لِتَقْصِيرِهِ بِحَبْسِ الْحَقِّ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فَرَّطَ زَكَّى الْبَاقِيَ فَقَطْ

стр. 14346

بِقِسْطِهِ، وَلَوْ كَانَ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، فَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الإِْبِل فَتَلِفَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُ قَبْل التَّمَكُّنِ فَفِي الْبَاقِي ٥ / ٤ شَاةٍ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الثَّانِي. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِنْ كَانَ الْبَاقِي أَقَل مِنْ نِصَابٍ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ كُل الْمَال، حَتَّى لَوْ ضَاعَ كُلُّهُ بَعْدَ الْحَوْل فَالزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ لاَ تَسْقُطُ إِلاَّ بِالأَْدَاءِ، لأَِنَّهَا حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ وَمَنْ مَعَهُمْ لَمْ يَصِل إِلَيْهِمْ، كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ (١) . تَلَفُ الزَّكَاةِ بَعْدَ عَزْلِهَا: ١٤٠ - لَوْ عَزَل الزَّكَاةَ وَنَوَى أَنَّهَا زَكَاةُ مَالِهِ فَتَلِفَتْ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ صُورَةَ مَا لَوْ عَزَل الزَّكَاةَ فَتَلِفَ الْمَال وَبَقِيَتِ الزَّكَاةُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا وَلاَ تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَال (٢) . الْقِسْمُ الرَّابِعُ: جَمْعُ الإِْمَامِ وَنُوَّابِهِ لِلزَّكَاةِ: ١٤١ - لِلإِْمَامِ حَقُّ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنَ الْمَال الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ (عَلَى خِلاَفٍ فِي بَعْضِ الأَْمْوَال يَأْتِي بَيَانُهُ) . وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْخَلِيفَتَانِ بَعْدَهُ

стр. 14347

يَأْخُذُونَ الزَّكَاةَ مِنْ كُل الأَْمْوَال، إِلَى أَنْ فَوَّضَ عُثْمَانُ ﵁ فِي خِلاَفَتِهِ أَدَاءَ الزَّكَاةِ عَنِ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ إِلَى مُلاَّكِهَا، كَمَا يَأْتِي (١) . وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) وَقَوْل أَبِي بَكْرٍ ﵁: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَخْذُ الزَّكَاةِ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ لأَِخْذِ الصَّدَقَاتِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يَبْعَثُونَ السُّعَاةَ، وَلأَِنَّ فِي النَّاسِ مَنْ يَمْلِكُ الْمَال وَلاَ يَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْخَل. وَالْوُجُوبُ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الْمَالِكِيَّةِ (٣) ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ . وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا لِلإِْمَامِ فِي عَدَمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ جَمِيعِ الأَْمْوَال أَوْ مِنْ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، إِنَّمَا هُوَ إِذَا عَلِمَ الإِْمَامُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُمْ أَخْرَجُوهَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، أَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّ إِنْسَانًا مِنَ النَّاسِ أَوْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ لاَ يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ فَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَخْذُهَا مِنْهُمْ وَلَوْ قَهْرًا، كَمَا

стр. 14348

تَقَدَّمَ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَةَ لِحِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا، وَمَنْعُ الزَّكَاةِ هَدْمٌ لِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ (١) . حُكْمُ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ الْعَادِل: ١٤٢ - الْمُرَادُ بِالإِْمَامِ الْعَادِل هُنَا مَنْ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ بِحَقِّهَا، وَيُعْطِيهَا لِمُسْتَحِقِّهَا، وَلَوْ كَانَ جَائِرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ. وَمَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى الإِْمَامِ الْعَادِل جَازَ، وَأَجْزَأَتْ عَنْهُ اتِّفَاقًا. وَلَوْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ دَفْعُهَا إِلَى الإِْمَامِ وَتَفْرِيقُهَا بِنَفْسِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ الْقَدِيمُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ الزُّرُوعُ، وَالْمَوَاشِي، وَالْمَعَادِنِ، وَنَحْوِهَا، وَبَيْنَ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالتِّجَارَاتُ. فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَيَجِبُ دَفْعُهَا إِلَى الإِْمَامِ، لأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ طَالَبَهُمْ بِالزَّكَاةِ وَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهَا، وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى هَذَا، فَلَيْسَ لِلْمُزَكِّي إِخْرَاجُهَا بِنَفْسِهِ، حَتَّى لَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا كَذَلِكَ لَمْ تُجْزِئْهُ. وَلأَِنَّ مَا لِلإِْمَامِ قَبْضُهُ بِحُكْمِ الْوِلاَيَةِ لاَ يَجُوزُ دَفْعُهُ إِلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ.

стр. 14349

وَأَمَّا زَكَاةُ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لِلإِْمَامِ طَلَبُهَا، وَحَقُّهُ ثَابِتٌ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ كُل مَالٍ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، لِلآْيَةِ. وَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ ﵁ أَنَّهُ فَوَّضَ إِلَى الْمُلاَّكِ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ، فَهُمْ نُوَّابُهُ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا لاَ يُسْقِطُ طَلَبَ الإِْمَامِ أَصْلاً، وَلِهَذَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ أَهْل بَلْدَةٍ لاَ يُؤَدُّونَ زَكَاتَهُمْ طَالَبَهُمْ بِهَا. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَطْلُبْهَا لَمْ يَجِبِ الدَّفْعُ إِلَيْهِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: زَكَاةُ الأَْمْوَال الْبَاطِنَةِ مُفَوَّضَةٌ لأَِرْبَابِهَا، فَلِرَبِّ الْمَال أَنْ يُوصِلَهَا إِلَى الْفُقَرَاءِ وَسَائِرِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِنَفْسِهِ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْجَدِيدُ الْمُعْتَمَدُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ: إِلَى أَنَّ الدَّفْعَ إِلَى الإِْمَامِ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَلَى السَّوَاءِ، فَيَجُوزُ لِلْمَالِكِ صَرْفُهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ مُبَاشَرَةً، قِيَاسًا لِلظَّاهِرَةِ عَلَى الْبَاطِنَةِ، وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ إِيصَال الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ الْجَائِزِ تَصَرُّفُهُ، فَيُجْزِئُهُ، كَمَا لَوْ دَفَعَ الدَّيْنَ إِلَى غَرِيمِهِ مُبَاشَرَةً، وَأَخْذُ الإِْمَامِ لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّهَا، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِمْ جَازَ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل رُشْدٍ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ: الصَّرْفُ إِلَى

стр. 14350

الإِْمَامِ أَفْضَل مِنْ تَفْرِيقِهَا بِنَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمُسْتَحِقِّينَ، وَأَقْدَرُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ، وَبِهِ يَبْرَأُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (١) . ثُمَّ قَال الْحَنَابِلَةُ: تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ، أَوْلَى وَأَفْضَل مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ، لأَِنَّهُ إِيصَالٌ لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَيَسْلَمُ عَنْ خَطَرِ الْخِيَانَةِ مِنَ الإِْمَامِ أَوْ عُمَّالِهِ؛ وَلأَِنَّ فِيهِ مُبَاشَرَةَ تَفْرِيجِ كُرْبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا، وَفِيهِ تَوْفِيرٌ لأَِجْرِ الْعِمَالَةِ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إِعْطَاءِ مَحَاوِيجِ أَقْرِبَائِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ، وَصِلَتِهِمْ بِهَا، إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فَالأَْفْضَل لَهُ دَفْعُهَا إِلَى السَّاعِي، لِئَلاَّ يَمْنَعَهُ الشُّحُّ مِنْ إِخْرَاجِهَا. أَمَّا لَوْ طَلَبَ الإِْمَامُ الْعَادِل الزَّكَاةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ اتِّفَاقًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَال ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَالْخِلاَفُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ جَمْعَ زَكَاةِ الْمَال الْبَاطِنِ لاَ يُبِيحُ مَعْصِيَتَهُ فِي ذَلِكَ إِنْ طَلَبَهُ، لأَِنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ، وَأَمْرُ الإِْمَامِ يَرْفَعُ الْخِلاَفَ كَحُكْمِ الْقَاضِي، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الإِْمَامَ الْعَدْل إِنْ طَلَبَهَا فَادَّعَى الْمَالِكُ إِخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ (٢) .

стр. 14351

دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الأَْئِمَّةِ الْجَائِرِينَ، وَإِلَى الْبُغَاةِ: ١٤٣ - إِنْ أَخَذَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ الزَّكَاةَ قَهْرًا أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا. وَكَذَا إِنْ أَكْرَهَ الإِْمَامُ الْمُزَكِّيَ فَخَافَ الضَّرَرَ إِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الاِمْتِنَاعِ عَنْ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ، أَوْ عَلَى إِخْفَاءِ مَالِهِ، أَوْ إِنْكَارِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ حِينَئِذٍ، وَأَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ عَنْ دَافِعِهَا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَخَذَ الْخَوَارِجُ وَالسَّلاَطِينُ الْجَائِرُونَ زَكَاةَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ كَزَكَاةِ السَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ، فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي مَصَارِفِهِ الْمَشْرُوعَةِ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَى الْمُزَكِّي، وَإِلاَّ فَعَلَى الْمُزَكِّي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِعَادَةُ إِخْرَاجِهَا. وَفِي حَالَةِ كَوْنِ الآْخِذِ لَهَا الْبُغَاةَ لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُطَالِبَ أَصْحَابَ الأَْمْوَال بِهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَحْمِهِمْ مِنَ الْبُغَاةِ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ، وَيُفْتَى الْبُغَاةُ بِأَنْ يُعِيدُوا مَا أَخَذُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ. وَأَمَّا الأَْمْوَال الْبَاطِنَةُ فَلاَ يَصِحُّ دَفْعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ دَفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ

стр. 14352

اخْتِيَارًا، فَدَفَعَهَا السُّلْطَانُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ تُجْزِئْهُ. فَإِنْ طَلَبَهَا الْجَائِرُ فَعَلَى رَبِّهَا جَحْدُهَا وَالْهَرَبُ بِهَا مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ أَكْرَهَهُ جَازَ. وَهَذَا إِنْ كَانَ جَائِرًا فِي أَخْذِهَا أَوْ صَرْفِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ. أَمَّا إِنْ كَانَ عَادِلاً فِيهَا وَجَائِرًا فِي غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ (١) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ، فَصَرْفُهَا إِلَيْهِ أَفْضَل، وَكَذَا زَكَاةُ الْمَال الظَّاهِرِ سَوَاءٌ لَمْ يَطْلُبْهَا أَوْ طَلَبَهَا، وَفِي التُّحْفَةِ إِنْ طَلَبَهَا وَجَبَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ وَالْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إِذَا غَلَبُوا عَلَى الْبَلَدِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ. وَيَبْرَأُ الْمُزَكِّي بِدَفْعِهَا إِلَيْهِمْ، سَوَاءٌ صَرَفَهَا الإِْمَامُ فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لاَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ (٣) . إِرْسَال الْجُبَاةِ وَالسُّعَاةِ لِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَصَرْفِهَا: ١٤٤ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُرْسِل السُّعَاةَ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، وَقَدْ

стр. 14353

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوَلِّي الْعُمَّال ذَلِكَ وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الأَْمْوَال، فَقَدِ اسْتَعْمَل عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَيْهَا، وَوَرَدَ أَنَّهُ اسْتَعْمَل ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ (١) . وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يُرْسِلُونَ سُعَاتِهِمْ لِقَبْضِهَا. وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي مَا يَلِي: ١ - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ يَسْتَعْمِل عَلَيْهَا كَافِرًا لأَِنَّهَا وِلاَيَةٌ، وَفِيهَا تَعْظِيمٌ لِلْوَالِي. ٢ - وَأَنْ يَكُونَ عَدْلاً، أَيْ ثِقَةً مَأْمُونًا، لاَ يَخُونُ وَلاَ يَجُورُ فِي الْجَمْعِ، وَلاَ يُحَابِي فِي الْقِسْمَةِ. ٣ - وَأَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي أُمُورِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ وَمَا لاَ يُؤْخَذُ، وَمُحْتَاجٌ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ وَقَائِعِ الزَّكَاةِ. ٤ - وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَمَل وَضَبْطِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ. ٥ - وَأَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَمَعْنَى اشْتِرَاطِهِ هُنَا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلأَْخْذِ مِنْهَا مُقَابِل عَمَلِهِ فِيهَا، فَلَوْ عَمِل بِلاَ أَجْرٍ أَوْ أُعْطِيَ أَجْرَهُ مِنْ مَال الْفَيْءِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ، وَ (ر: آل، جِبَايَة) . وَالسُّعَاةُ عَلَى الزَّكَاةِ أَنْوَاعٌ فَمِنْهُمُ الْجَابِي:

стр. 14354

وَهُوَ الْقَابِضُ لِلزَّكَاةِ، وَالْمُفَرِّقُ: وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَالْحَاشِرُ: وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الأَْمْوَال لِتُؤْخَذَ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ، وَالْكَاتِبُ لَهَا (١) . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ، أَوْ كَانَ الإِْمَامُ لاَ يُرْسِل السُّعَاةَ لِجَبْيِ الزَّكَاةِ فَيَجِبُ عَلَى أَهْل الأَْمْوَال إِخْرَاجُهَا وَتَفْرِيقُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل الْحَقِّ فِيهَا وَالإِْمَامُ نَائِبٌ (٢) . مَوْعِدُ إِرْسَال السُّعَاةِ: ١٤٥ - الأَْمْوَال قِسْمَانِ: فَمَا كَانَ مِنْهَا لاَ يُشْتَرَطُ لِزَكَاتِهِ الْحَوْل كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ، فَهَذَا يُرْسِل الإِْمَامُ سُعَاتَهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا، فَفِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا بِحَيْثُ يَصِلُهُمْ وَقْتَ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْخَرْصِ، أَمَّا الْخَارِصُ فَيُرْسَل عِنْدَ بَدْءِ ظُهُورِ الصَّلاَحِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: خَرْص) . وَمَا كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْل كَالْمَوَاشِي: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ شَهْرًا مُعَيَّنًا مِنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ يُرْسِل إِلَيْهِمْ فِيهِ السَّاعِيَ كُل عَامٍ (٣) .

стр. 14355

حُقُوقُ الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ: ١٤٦ - الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ حَقَّهُ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي السَّاعِي. وَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، كَأَنْ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، أَوْ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ غَالِبًا كَالرَّاعِي وَالْحَارِسِ وَالسَّائِقِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُعْطَى الرَّاعِي وَالْحَارِسُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الزَّكَاةِ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَامِلِينَ (١) . وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ الأَْجْرِ الَّذِي يُعْطِيهِ إِيَّاهُ الإِْمَامُ، لِمَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى يَقُول: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا (٢) فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) . وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَهْل الأَْمْوَال بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ بِسَبَبِ وِلاَيَتِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ لَمْ يَحِل لَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ وَيَسْتَأْثِرَ بِهِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَْزْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ
следующие страницы →