← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14351–14390 · переход к 14356.

стр. 14351

دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى الأَْئِمَّةِ الْجَائِرِينَ، وَإِلَى الْبُغَاةِ: ١٤٣ - إِنْ أَخَذَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ الزَّكَاةَ قَهْرًا أَجْزَأَتْ عَنْ صَاحِبِهَا. وَكَذَا إِنْ أَكْرَهَ الإِْمَامُ الْمُزَكِّيَ فَخَافَ الضَّرَرَ إِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا إِلَيْهِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الاِمْتِنَاعِ عَنْ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ، أَوْ عَلَى إِخْفَاءِ مَالِهِ، أَوْ إِنْكَارِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ دَفْعِهَا إِلَى الإِْمَامِ حِينَئِذٍ، وَأَنَّهَا لاَ تُجْزِئُ عَنْ دَافِعِهَا عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَخَذَ الْخَوَارِجُ وَالسَّلاَطِينُ الْجَائِرُونَ زَكَاةَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ كَزَكَاةِ السَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ، فَإِنْ صَرَفُوهُ فِي مَصَارِفِهِ الْمَشْرُوعَةِ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَى الْمُزَكِّي، وَإِلاَّ فَعَلَى الْمُزَكِّي فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إِعَادَةُ إِخْرَاجِهَا. وَفِي حَالَةِ كَوْنِ الآْخِذِ لَهَا الْبُغَاةَ لَيْسَ لِلإِْمَامِ أَنْ يُطَالِبَ أَصْحَابَ الأَْمْوَال بِهَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَحْمِهِمْ مِنَ الْبُغَاةِ، وَالْجِبَايَةُ بِالْحِمَايَةِ، وَيُفْتَى الْبُغَاةُ بِأَنْ يُعِيدُوا مَا أَخَذُوهُ مِنَ الزَّكَاةِ. وَأَمَّا الأَْمْوَال الْبَاطِنَةُ فَلاَ يَصِحُّ دَفْعُهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ دَفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ

стр. 14352

اخْتِيَارًا، فَدَفَعَهَا السُّلْطَانُ لِمُسْتَحِقِّهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ تُجْزِئْهُ. فَإِنْ طَلَبَهَا الْجَائِرُ فَعَلَى رَبِّهَا جَحْدُهَا وَالْهَرَبُ بِهَا مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ أَكْرَهَهُ جَازَ. وَهَذَا إِنْ كَانَ جَائِرًا فِي أَخْذِهَا أَوْ صَرْفِهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ. أَمَّا إِنْ كَانَ عَادِلاً فِيهَا وَجَائِرًا فِي غَيْرِهَا، فَيَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ (١) . أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الإِْمَامُ الْجَائِرُ زَكَاةَ الْمَال الْبَاطِنِ، فَصَرْفُهَا إِلَيْهِ أَفْضَل، وَكَذَا زَكَاةُ الْمَال الظَّاهِرِ سَوَاءٌ لَمْ يَطْلُبْهَا أَوْ طَلَبَهَا، وَفِي التُّحْفَةِ إِنْ طَلَبَهَا وَجَبَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ (٢) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ دَفْعَ الزَّكَاةِ إِلَى الإِْمَامِ الْجَائِرِ وَالْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ إِذَا غَلَبُوا عَلَى الْبَلَدِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الأَْمْوَال الظَّاهِرَةِ أَوِ الْبَاطِنَةِ. وَيَبْرَأُ الْمُزَكِّي بِدَفْعِهَا إِلَيْهِمْ، سَوَاءٌ صَرَفَهَا الإِْمَامُ فِي مَصَارِفِهَا أَوْ لاَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ (٣) . إِرْسَال الْجُبَاةِ وَالسُّعَاةِ لِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَصَرْفِهَا: ١٤٤ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُرْسِل السُّعَاةَ لِقَبْضِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا، وَقَدْ

стр. 14353

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوَلِّي الْعُمَّال ذَلِكَ وَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الأَْمْوَال، فَقَدِ اسْتَعْمَل عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَيْهَا، وَوَرَدَ أَنَّهُ اسْتَعْمَل ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ (١) . وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ كَانُوا يُرْسِلُونَ سُعَاتِهِمْ لِقَبْضِهَا. وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي مَا يَلِي: ١ - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، فَلاَ يَسْتَعْمِل عَلَيْهَا كَافِرًا لأَِنَّهَا وِلاَيَةٌ، وَفِيهَا تَعْظِيمٌ لِلْوَالِي. ٢ - وَأَنْ يَكُونَ عَدْلاً، أَيْ ثِقَةً مَأْمُونًا، لاَ يَخُونُ وَلاَ يَجُورُ فِي الْجَمْعِ، وَلاَ يُحَابِي فِي الْقِسْمَةِ. ٣ - وَأَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي أُمُورِ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا يُؤْخَذُ وَمَا لاَ يُؤْخَذُ، وَمُحْتَاجٌ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ وَقَائِعِ الزَّكَاةِ. ٤ - وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ الْكِفَايَةُ، وَهِيَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَمَل وَضَبْطِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ. ٥ - وَأَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ اخْتِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. وَمَعْنَى اشْتِرَاطِهِ هُنَا عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهِ لِلأَْخْذِ مِنْهَا مُقَابِل عَمَلِهِ فِيهَا، فَلَوْ عَمِل بِلاَ أَجْرٍ أَوْ أُعْطِيَ أَجْرَهُ مِنْ مَال الْفَيْءِ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ، وَ (ر: آل، جِبَايَة) . وَالسُّعَاةُ عَلَى الزَّكَاةِ أَنْوَاعٌ فَمِنْهُمُ الْجَابِي:

стр. 14354

وَهُوَ الْقَابِضُ لِلزَّكَاةِ، وَالْمُفَرِّقُ: وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَالْحَاشِرُ: وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الأَْمْوَال لِتُؤْخَذَ مِنْهُمُ الزَّكَاةُ، وَالْكَاتِبُ لَهَا (١) . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ، أَوْ كَانَ الإِْمَامُ لاَ يُرْسِل السُّعَاةَ لِجَبْيِ الزَّكَاةِ فَيَجِبُ عَلَى أَهْل الأَْمْوَال إِخْرَاجُهَا وَتَفْرِيقُهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لأَِنَّهُمْ أَهْل الْحَقِّ فِيهَا وَالإِْمَامُ نَائِبٌ (٢) . مَوْعِدُ إِرْسَال السُّعَاةِ: ١٤٥ - الأَْمْوَال قِسْمَانِ: فَمَا كَانَ مِنْهَا لاَ يُشْتَرَطُ لِزَكَاتِهِ الْحَوْل كَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعَادِنِ، فَهَذَا يُرْسِل الإِْمَامُ سُعَاتَهُ وَقْتَ وُجُوبِهَا، فَفِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ إِدْرَاكِهَا بِحَيْثُ يَصِلُهُمْ وَقْتَ الْجُذَاذِ وَالْحَصَادِ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْخَرْصِ، أَمَّا الْخَارِصُ فَيُرْسَل عِنْدَ بَدْءِ ظُهُورِ الصَّلاَحِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: خَرْص) . وَمَا كَانَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْل كَالْمَوَاشِي: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَيِّنَ لَهُمْ شَهْرًا مُعَيَّنًا مِنَ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ يُرْسِل إِلَيْهِمْ فِيهِ السَّاعِيَ كُل عَامٍ (٣) .

стр. 14355

حُقُوقُ الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ: ١٤٦ - الْعَامِل عَلَى الزَّكَاةِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ حَقَّهُ مِنَ الزَّكَاةِ نَفْسِهَا بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي السَّاعِي. وَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الزَّكَاةِ، كَأَنْ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، أَوْ يَكُونَ الْعَمَل مِمَّا لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ غَالِبًا كَالرَّاعِي وَالْحَارِسِ وَالسَّائِقِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُعْطَى الرَّاعِي وَالْحَارِسُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الزَّكَاةِ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَامِلِينَ (١) . وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا غَيْرَ الأَْجْرِ الَّذِي يُعْطِيهِ إِيَّاهُ الإِْمَامُ، لِمَا فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى يَقُول: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا (٢) فَمَا فَوْقَهُ، كَانَ غُلُولاً يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) . وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ أَهْل الأَْمْوَال بِاسْمِ الْهَدِيَّةِ بِسَبَبِ وِلاَيَتِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ لَمْ يَحِل لَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ وَيَسْتَأْثِرَ بِهِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال: اسْتَعْمَل النَّبِيُّ ﷺ رَجُلاً مِنَ الأَْزْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ

стр. 14356

اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَال: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَال: فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ - أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ - ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ - اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ، ثَلاَثًا (١) . دُعَاءُ السَّاعِي لِلْمُزَكِّي: ١٤٧ - إِذَا أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَالِكِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَل عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢) وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل أَبِي أَوْفَى (٣) . وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ ذَلِكَ، لِظَاهِرِ الآْيَةِ. وَيَقُول: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ. وَإِنْ شَاءَ دَعَا بِغَيْرِ

стр. 14357

ذَلِكَ. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَدْعُو بِالصَّلاَةِ عَلَى آل الْمُزَكِّي، بَل يَدْعُو بِغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ خَاصَّةٌ بِالأَْنْبِيَاءِ (١) . مَا يَصْنَعُ السَّاعِي بِالْمُمْتَنِعِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ: ١٤٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ السَّاعِي جَائِرًا فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ أَوْ صَرْفِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْزِيرُ مَنِ امْتَنَعَ أَوْ أَخْفَى مَالَهُ أَوْ غَلَبَ بِهِ؛ لأَِنَّ الْمُمْتَنِعَ أَوِ الْمُخْفِيَ يَكُونُ بِذَلِكَ مَعْذُورًا. أَمَّا إِنْ كَانَ السَّاعِي عَادِلاً فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَوِ الْمُخْفِي، وَيُعَزِّرُهُ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا فَعَلَهُ شُبْهَةٌ مُعْتَبَرَةٌ (٢) . وَلَوْ خَرَجَ عَلَى الإِْمَامِ قَوْمٌ فَلَمْ يَقْدِرِ السَّاعِي عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ حَتَّى مَضَتْ أَعْوَامٌ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِمْ، يُؤْخَذُونَ بِزَكَاةِ مَا وُجِدَ مَعَهُمْ حَال الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ لِمَاضِي الأَْعْوَامِ وَلِعَامِ الْقُدْرَةِ، وَإِنِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا يُصَدَّقُونَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ لِمَنْعِهَا لاَ يُصَدَّقُونَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (٣) . مَا يَصْنَعُ السَّاعِي عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْحَوْل عَلَى الْمُلاَّكِ (٤) : ١٤٩ - قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا وَصَل السَّاعِي إِلَى

стр. 14358

أَرْبَابِ الأَْمْوَال، فَإِنْ كَانَ حَوْل صَاحِبِ الْمَال قَدْ تَمَّ أَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ، وَإِنْ كَانَ حَوْل بَعْضِهِمْ لَمْ يَتِمَّ سَأَلَهُ السَّاعِي تَعْجِيل الزَّكَاةِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَالِكِ إِجَابَتُهُ، فَإِنْ عَجَّلَهَا بِرِضَاهُ أَخَذَهَا مِنْهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَجْبُرْهُ، ثُمَّ إِنْ رَأَى السَّاعِي الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يُوَكِّل مَنْ يَأْخُذُهَا عِنْدَ حُلُولِهَا وَيُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِهَا فَعَل. وَإِنْ رَأَى أَنْ يُؤَخِّرَهَا لِيَأْخُذَهَا مِنْهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِل فَعَل، وَيَكْتُبُهَا كَيْ لاَ يَنْسَاهَا أَوْ يَمُوتَ فَلاَ يَعْلَمَهَا السَّاعِي الَّذِي بَعْدَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَرْجِعَ فِي وَقْتِ حُلُولِهَا لِيَأْخُذَهَا فَعَل، وَإِنْ وَثِقَ بِصَاحِبِ الْمَال جَازَ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ تَفْرِيقَهَا (١) . وَتَقَدَّمَ أَنَّ وُصُول السَّاعِي شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ سَاعٍ، فَهُوَ يُحَاسِبُهُمْ عَلَى مَا يَمْلِكُونَهُ يَوْمَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ (٢) . حِفْظُ الزَّكَاةِ: ١٥٠ - عَلَى السَّاعِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَال الزَّكَاةِ. وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى مُسْتَحَقِّيهِ، أَوْ يُوصِلَهُ إِلَى الإِْمَامِ إِنْ فَضَل مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَهُ فِي سَبِيل ذَلِكَ أَنْ يَتَّخِذَ حَارِسًا أَوْ رَاعِيًا وَنَحْوَهُمَا. وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ وَسَائِل الْحِفْظِ وَسْمُ

стр. 14359

بَهَائِمِ الصَّدَقَةِ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهَا؛ وَلِئَلاَّ تَضِيعَ، وَيَسِمُهَا بِالنَّارِ بِعَلاَمَةٍ خَاصَّةٍ، كَأَنْ تَكُونَ عَلاَمَةُ الْوَسْمِ (لِلَّهِ) لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: وَافَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَبِيَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِل الصَّدَقَةِ (١) وَلآِثَارٍ وَرَدَتْ مِنْ فِعْل عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (٢) . بَيْتُ مَال الزَّكَاةِ: ١٥١ - عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ بَيْتًا لأَِمْوَال الزَّكَاةِ تُحْفَظُ فِيهِ وَتُضْبَطُ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ صَرْفِهَا لأَِهْلِهَا (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: بَيْتُ الْمَال ". تَصَرُّفَاتُ السَّاعِي فِي الزَّكَاةِ: ١٥٢ - إِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ يُفَرِّقُهَا عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا مِنْ أَهْل الْبَلَدِ الَّتِي جَمَعَهَا فِيهَا إِنْ كَانَ الإِْمَامُ أَذِنَ لَهُ فِي تَفْرِيقِهَا، فَلاَ يَنْقُلُهَا إِلَى أَبْعَدَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا فُقَرَاءُ

стр. 14360

الْبَلَدِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال لَهُ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلاَ آخِذَ جِزْيَةٍ وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّ فِي فُقَرَائِهِمْ. فَقَال مُعَاذٌ: أَنَا مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهُ مِنِّي. (١) فَلَوْ نَقَلَهَا فِي غَيْرِ تِلْكَ الْحَال فَفِيهِ خِلاَفٌ يَأْتِي. وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ لِنَفْسِهِ عَلَى أَنَّهُ أَحَدُ أَصْنَافِ أَهْل الزَّكَاةِ، كَمَا لَوْ كَانَ غَارِمًا أَوْ فَقِيرًا. وَلاَ يَأْخُذُ إِلاَّ مَا أَعْطَاهُ الإِْمَامُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ؛ لأَِنَّهُ يَقْسِمُ فَلاَ يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ. ١٥٣ - وَإِذَا تَلِفَ مِنْ مَال الزَّكَاةِ شَيْءٌ فِي يَدِ الإِْمَامِ أَوِ السَّاعِي ضَمِنَهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ بِأَنْ قَصَّرَ فِي حِفْظِهِ، وَكَذَا لَوْ عَرَفَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَمْكَنَهُ التَّفْرِيقُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَفْعَل حَتَّى تَلِفَتْ؛ لأَِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْ (٢) . قَال النَّوَوِيُّ: يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ وَالسَّاعِي وَكُل مَنْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ أَمْرُ تَفْرِيقِ الصَّدَقَاتِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ، وَأَقْدَارِ حَاجَاتِهِمْ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ

стр. 14361

الصَّدَقَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ أَوْ مَعَهَا، لِيُعَجِّل حُقُوقَهُمْ، وَلِيَأْمَنَ هَلاَكَ الْمَال عِنْدَهُ (١) . وَتُصْرَفُ الزَّكَاةُ فِي الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَلاَ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلاَّ لِمَنْ جَمَعَ شُرُوطَ الاِسْتِحْقَاقِ، وَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيل. ١٥٤ - وَإِذَا أَخَذَ الإِْمَامُ أَوِ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَاحْتَاجَ إِلَى بَيْعِهَا لِمَصْلَحَةٍ، مِنْ كُلْفَةٍ فِي نَقْلِهَا، أَوْ مَرَضِ الْبَهِيمَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ جَازَ، أَمَّا إِذَا بَاعَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ إِنْ تَلِفَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ أَهْل الزَّكَاةِ أَهْل رُشْدٍ لاَ وِلاَيَةَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُ مَالِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ. وَفِي احْتِمَالٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ ذَلِكَ، لِمَا وَرَدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى فِي إِبِل الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَل عَنْهَا، فَقَال الْمُصَدِّقُ: إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، فَسَكَتَ (٢) قَال أَبُو عُبَيْدٍ: الرَّجْعَةُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا أَوْ غَيْرَهَا (٣) . نَصْبُ الْعَشَّارِينَ: ١٥٥ - يَنْصِبُ الإِْمَامُ عَلَى الْمَعَابِرِ فِي طُرُقِ الأَْسْفَارِ عَشَّارِينَ لِلْجِبَايَةِ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ بِالْمَال

стр. 14362

مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْل الذِّمَّةِ وَأَهْل الْحَرْبِ إِذَا أَتَوْا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ، فَيَأْخُذُ مِنْ أَهْل الإِْسْلاَمِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْعُشْرَ. وَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَأَهْل الْحَرْبِ فَيْءٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجِزْيَةِ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الْفَيْءِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (عُشْر) . أَمَّا مَا يَأْخُذُهُ مِنْ أَهْل الإِْسْلاَمِ فَهُوَ زَكَاةٌ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ فِي سَائِرِ الأَْمْوَال الزَّكَوِيَّةِ وَيُصْرَفُ فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمَال وَإِنْ كَانَ فِي الأَْصْل مَالاً بَاطِنًا لَكِنَّهُ لَمَّا انْتَقَل صَاحِبُهُ بِهِ فِي الْبِلاَدِ أَصْبَحَ فِي حُكْمِ الْمَال الظَّاهِرِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَابِدِينَ، وَلِذَا كَانَتْ وِلاَيَةُ قَبْضِ زَكَاتِهِ إِلَى الإِْمَامِ، كَالسَّوَائِمِ وَالزُّرُوعِ. وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِتَحْلِيفِ مَنْ يَمُرُّ عَلَى الْعَاشِرِ إِنْ أَنْكَرَ تَمَامَ الْحَوْل عَلَى مَا بِيَدِهِ، أَوِ ادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، فَإِنْ حَلَفَ فَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَكَذَا إِنْ قَال أَدَّيْتُهَا إِلَى عَاشِرٍ آخَرَ وَأَخْرَجَ بَرَاءَةً (إيصَالاً رَسْمِيًّا بِهَا) ، وَكَذَا إِنْ قَال أَدَّيْتُهَا بِنَفْسِي إِلَى الْفُقَرَاءِ فِي الْمِصْرِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا مَعَهُ نِصَابًا فَأَكْثَرَ حَتَّى يَجِبَ الأَْخْذُ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ وَلَهُ فِي الْمِصْرِ مَا يَكْمُل بِهِ النِّصَابُ فَلاَ وِلاَيَةَ

стр. 14363

لِلْعَاشِرِ عَلَى الأَْخْذِ مِنْهُ؛ لأَِنَّ وِلاَيَتَهُ عَلَى الظَّاهِرِ فَقَطْ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَاشِرِ مَا يُشْتَرَطُ فِي السَّاعِي كَمَا تَقَدَّمَ وَأَنْ يَأْمَنَ الْمُسَافِرُونَ بِحِمَايَتِهِ مِنَ اللُّصُوصِ (١) . الْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَصَارِفُ الزَّكَاةِ: ١٥٦ - مَصَارِفُ الزَّكَاةِ مَحْصُورَةٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ. وَالأَْصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيل اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيل فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) . وَ " إِنَّمَا " الَّتِي صُدِّرَتْ بِهَا الآْيَةُ أَدَاةُ حَصْرٍ، فَلاَ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ لأَِحَدٍ أَوْ فِي وَجْهٍ غَيْرِ دَاخِلٍ فِي هَذِهِ الأَْصْنَافِ، وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَال: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلاَ غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةً، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَْجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ (٣) .

стр. 14364

وَمَنْ كَانَ دَاخِلاً فِي هَذِهِ الأَْصْنَافِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ مِنَ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِأَنْ تَنْطَبِقَ عَلَيْهِ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ تَأْتِي بَعْدَ بَيَانِ الأَْصْنَافِ. بَيَانُ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ: الصِّنْفَانِ الأَْوَّل وَالثَّانِي: الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ: ١٥٧ - الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ هُمْ أَهْل الْحَاجَةِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ، وَإِذَا أُطْلِقَ لَفْظُ (الْفُقَرَاءِ) وَانْفَرَدَ دَخَل فِيهِمُ (الْمَسَاكِينُ) ، وَكَذَلِكَ عَكْسُهُ، وَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي كَلاَمٍ وَاحِدٍ، كَمَا فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، تَمَيَّزَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنًى. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيُّهُمَا أَشَدُّ حَاجَةً، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنَ الْمِسْكِينِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ ذِكْرَهُمْ فِي الآْيَةِ، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّهُمْ أَهَمُّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١) . فَأَثْبَتَ لَهُمْ وَصْفَ الْمَسْكَنَةِ مَعَ كَوْنِهِمْ يَمْلِكُونَ سَفِينَةً وَيُحَصِّلُونَ نَوْلاً، وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِالاِشْتِقَاقِ، فَالْفَقِيرُ لُغَةً: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ مَنْ نُزِعَتْ بَعْضُ فَقَارِ صُلْبِهِ، فَانْقَطَعَ ظَهْرُهُ،

стр. 14365

وَالْمِسْكِينُ مِفْعِيلٌ مِنَ السُّكُونِ، وَمَنْ كُسِرَ صُلْبُهُ أَشَدُّ حَالاً مِنَ السَّاكِنِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمِسْكِينَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنَ الْفَقِيرِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (١) . وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ لِشِدَّةِ جُوعِهِ، وَبِأَنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ قَالُوا ذَلِكَ، مِنْهُمُ الْفَرَّاءُ وَثَعْلَبٌ وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَبِالاِشْتِقَاقِ أَيْضًا، فَهُوَ مِنَ السُّكُونِ، كَأَنَّهُ عَجَزَ عَنِ الْحَرَكَةِ فَلاَ يَبْرَحُ. وَنَقَل الدُّسُوقِيُّ قَوْلاً أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْ لاَ يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ، سَوَاءٌ كَانَ لاَ يَمْلِكُ شَيْئًا أَوْ يَمْلِكُ أَقَل مِنْ قُوتِ الْعَامِ (٢) . ١٥٨ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ كُلٍّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ: فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: الْفَقِيرُ مَنْ لاَ مَال لَهُ وَلاَ كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ، كَمَنْ حَاجَتُهُ عَشَرَةٌ فَلاَ يَجِدُ شَيْئًا أَصْلاً، أَوْ يَقْدِرُ بِمَالِهِ وَكَسْبِهِ وَمَا يَأْتِيهِ مِنْ غَلَّةٍ وَغَيْرِهَا عَلَى أَقَل مِنْ نِصْفِ كِفَايَتِهِ. فَإِنْ كَانَ يَجِدُ النِّصْفَ أَوْ أَكْثَرَ وَلاَ يَجِدُ كُل الْعَشَرَةِ فَمِسْكِينٌ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: الْمِسْكِينُ مَنْ لاَ يَجِدُ شَيْئًا أَصْلاً فَيَحْتَاجُ لِلْمَسْأَلَةِ وَتَحِل لَهُ.

стр. 14366

وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُمْ فِي الْفَقِيرِ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْفَقِيرُ مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ وَهُوَ مَا دُونَ النِّصَابِ، فَإِذَا مَلَكَ نِصَابًا مِنْ أَيِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ فَهُوَ غَنِيٌّ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الزَّكَاةِ، فَإِنْ مَلَكَ أَقَل مِنْ نِصَابٍ فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ نِصَابًا غَيْرَ نَامٍ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ فِي الْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا مُنِعَ، كَمَنْ عِنْدَهُ ثِيَابٌ تُسَاوِي نِصَابًا لاَ يَحْتَاجُهَا، فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَلَوْ بَلَغَتْ قِيمَةُ مَا يَمْلِكُهُ نُصُبًا فَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنَهُ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلزَّكَاةِ إِنْ كَانَتْ مُسْتَغْرَقَةً بِالْحَاجَةِ الأَْصْلِيَّةِ كَمَنْ عِنْدَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلتَّدْرِيسِ، أَوْ آلاَتُ حِرْفَةٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْفَقِيرُ مَنْ يَمْلِكُ شَيْئًا لاَ يَكْفِيهِ لِقُوتِ عَامِهِ (١) . الْغِنَى الْمَانِعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَوِ الْمَسْكَنَةِ: ١٥٩ - الأَْصْل أَنَّ الْغَنِيَّ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَهَذَا اتِّفَاقِيٌّ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ (٢) . وَلَكِنِ اخْتُلِفَ فِي الْغِنَى الْمَانِعِ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ:

стр. 14367

فَقَال الْجُمْهُورُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَدَّمَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: إِنَّ الأَْمْرَ مُعْتَبَرٌ بِالْكِفَايَةِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنَ الأَْثْمَانِ أَوْ غَيْرِهَا مَا يَكْفِيهِ وَيَكْفِي مَنْ يُمَوِّنُهُ فَهُوَ غَنِيٌّ لاَ تَحِل لَهُ الزَّكَاةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ حَلَّتْ لَهُ وَلَوْ كَانَ مَا عِنْدَهُ يَبْلُغُ نُصُبًا زَكَوِيَّةً، وَعَلَى هَذَا، فَلاَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلزَّكَاةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هُوَ الْغِنَى الْمُوجِبُ لِلزَّكَاةِ، فَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الزَّكَاةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (١) . وَمَنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ أَيِّ مَالٍ زَكَوِيٍّ كَانَ فَهُوَ غَنِيٌّ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَوْ كَانَ مَا عِنْدَهُ لاَ يَكْفِيهِ لِعَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا كَامِلاً فَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ، فَيَجُوزُ أَنْ تُدْفَعَ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَيْهَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: إِنْ وَجَدَ كِفَايَتَهُ، فَهُوَ غَنِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَكَانَ لَدَيْهِ خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ خَاصَّةً، فَهُوَ غَنِيٌّ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ لاَ تَكْفِيهِ،

стр. 14368

لِحَدِيثِ مَنْ سَأَل النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ. قَالُوا يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَال: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ (١) . وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الأَْثْمَانِ وَغَيْرِهَا اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ (٢) . وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيل فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِمَنْ لاَ يَمْلِكُ مَالاً وَلَهُ مَوْرِدُ رِزْقٍ: ١٦٠ - مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَوْ لَهُ مَالٌ لاَ يَكْفِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلاَّ أَنَّ مَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مَلِيئًا مِنْ نَحْوِ وَالِدٍ لاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ، وَكَذَا لاَ تُعْطَى الزَّوْجَةُ لاِسْتِغْنَائِهَا بِإِنْفَاقِ زَوْجِهَا عَلَيْهَا. وَمَنْ لَهُ مُرَتَّبٌ يَكْفِيهِ لَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ. وَكَذَا مَنْ كَانَ لَهُ صَنْعَةٌ تَكْفِيهِ وَإِنْ كَانَ لاَ يَمْلِكُ فِي الْحَال مَالاً. فَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ يَأْتِيهِ مِنْهُ أَقَل مِنْ كِفَايَتِهِ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ تَمَامَ الْكِفَايَةِ (٣) . وَنَقَل النَّوَوِيُّ أَنَّ مَنْ لَهُ ضَيْعَةٌ تَغُل بَعْضَ كِفَايَتِهِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ بَيْعُهَا لِتَحِل لَهُ الزَّكَاةُ،

стр. 14369

وَكَذَلِكَ آلاَتُ الْمُحْتَرَفِينَ وَكَسْبُ الْعَالِمِ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ دَخْلٌ سَنَوِيٌّ أَوْ شَهْرِيٌّ أَوْ يَوْمِيٌّ مِنْ عَقَارٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، إِنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا زَكَوِيًّا، وَيَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى الْوَلَدِ الَّذِي أَبُوهُ غَنِيٌّ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا فَقِيرًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعَدُّ غَنِيًّا بِيَسَارِ أَبِيهِ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، أَمَّا الْوَلَدُ الصَّغِيرُ الَّذِي أَبُوهُ غَنِيٌّ فَلاَ تُدْفَعُ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ لأَِنَّهُ يُعَدُّ غَنِيًّا بِيَسَارِ أَبِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ فِي عِيَال أَبِيهِ أَمْ لاَ. وَكَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى رَجُلٍ فَقِيرٍ لَهُ ابْنٌ مُوسِرٌ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ الأَْبُ فِي عِيَال الاِبْنِ الْمُوسِرِ لاَ يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازَ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْفَقِيرَةُ إِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهَا مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّهَا لاَ تُعَدُّ غَنِيَّةً بِيَسَارِ زَوْجِهَا، وَبِقَدْرِ النَّفَقَةِ لاَ تَصِيرُ مُوسِرَةً، وَاسْتِيجَابُهَا النَّفَقَةَ بِمَنْزِلَةِ الأُْجْرَةِ (٢) . وَمَنْ كَانَ مُسْتَغْنِيًا بِأَنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَيَجُوزُ لِلْمُتَبَرِّعِ بِنَفَقَتِهِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ وَلَوْ كَانَ فِي عِيَالِهِ، لِدُخُولِهِ فِي أَصْنَافِ الزَّكَاةِ، وَعَدَمِ وُجُودِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ يُخْرِجُهُ مِنَ الْعُمُومِ (٣) .

стр. 14370

إِعْطَاءُ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ الْقَادِرَيْنِ عَلَى الْكَسْبِ: ١٦١ - مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ قَادِرًا عَلَى كَسْبِ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ، أَوْ تَمَامِ الْكِفَايَةِ، لَمْ يَحِل لَهُ الأَْخْذُ مِنَ الزَّكَاةِ، وَلاَ يَحِل لِلْمُزَكِّي إِعْطَاؤُهُ مِنْهَا، وَلاَ تُجْزِئُهُ لَوْ أَعْطَاهُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَالِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ فِي الصَّدَقَةِ: لاَ حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلاَ لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ (١) . وَفِي لَفْظٍ لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ (٢) . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ أَقَل مِنْ نِصَابٍ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا، لأَِنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ مِسْكِينٌ، وَهُمَا مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ؛ وَلأَِنَّ حَقِيقَةَ الْحَاجَةِ لاَ يُوقَفُ عَلَيْهَا، فَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَى دَلِيلِهَا، وَهُوَ فَقْدُ النِّصَابِ. وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي قِصَّةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا، وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ الصَّدَقَاتِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلاَنِ يَسْأَلاَنِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَال: إِنَّهُ لاَ حَقَّ لَكُمَا فِيهِ وَإِنْ شِئْتُمَا

стр. 14371

أَعْطَيْتُكُمَا (١) . لأَِنَّهُ أَجَازَ إِعْطَاءَهُمَا، وَقَوْلُهُ: لاَ حَقَّ لَكُمَا فِيهِ مَعْنَاهُ لاَ حَقَّ لَكُمَا فِي السُّؤَال (٢) . وَمِثْلُهُ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ، إِلاَّ أَنَّ الْحَدَّ الأَْدْنَى الَّذِي يَمْنَعُ الاِسْتِحْقَاقَ عِنْدَهُمْ هُوَ مِلْكُ الْكِفَايَةِ لاَ مِلْكُ النِّصَابِ، كَمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) . إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ أَوْ كَسْبٌ وَامْتَنَعَ عَنْهُ مَالُهُ أَوْ كَسْبُهُ: ١٦٢ - مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ مِنَ الزَّكَاةِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا أَوْ كَانَ دَيْنًا مُؤَجَّلاً، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ إِعْطَائِهِ مَا يَكْفِيهِ إِلَى أَنْ يَصِل إِلَى مَالِهِ أَوْ يَحِل الأَْجَل (٤) . وَالْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ إِنْ شَغَلَهُ عَنِ الْكَسْبِ طَلَبُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ إِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِخِلاَفِ التَّفَرُّغِ لِلْعِبَادَةِ. وَاشْتَرَطَ بَعْضُ

стр. 14372

الشَّافِعِيَّةِ فِي طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ نَجِيبًا يُرْجَى نَفْعُ الْمُسْلِمِينَ بِتَفَقُّهِهِ. وَمَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى كَسْبٍ لَكِنَّ ذَلِكَ الْكَسْبَ لاَ يَلِيقُ بِهِ، أَوْ يَلِيقُ بِهِ لَكِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَهُ مِنَ الزَّكَاةِ (١) . جِنْسُ الْكِفَايَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ: ١٦٣ - الْكِفَايَةُ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ لِلْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَسْكَنِ وَسَائِرِ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْحَال مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ، لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ وَلِمَنْ هُوَ فِي نَفَقَتِهِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّ مَال الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ فِيهِ سَعَةٌ يَجُوزُ الإِْعَانَةُ بِهِ لِمَنْ أَرَادَ الزَّوَاجَ (٢) . الْقَدْرُ الَّذِي يُعْطَاهُ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ مِنَ الزَّكَاةِ: ١٦٤ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ أَهْل الْحَاجَةِ الْمُسْتَحِقَّ لِلزَّكَاةِ بِالْفَقْرِ أَوِ الْمَسْكَنَةِ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ الْكِفَايَةَ أَوْ تَمَامَهَا لَهُ وَلِمَنْ يَعُولُهُ عَامًا كَامِلاً، وَلاَ يُزَادُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا حَدَّدُوا

стр. 14373

الْعَامَ لأَِنَّ الزَّكَاةَ تَتَكَرَّرُ كُل عَامٍ غَالِبًا، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّخَرَ لأَِهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ (١) . وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَكْفِيهِ يُسَاوِي نِصَابًا أَوْ نُصُبًا. وَإِنْ كَانَ يَمْلِكُ أَوْ يَحْصُل لَهُ بَعْضُ الْكِفَايَةِ أُعْطِيَ تَمَامَ الْكِفَايَةِ لِعَامٍ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَنْصُوصٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ يُعْطَيَانِ مَا يُخْرِجُهُمَا مِنَ الْفَاقَةِ إِلَى الْغِنَى وَهُوَ مَا تَحْصُل بِهِ الْكِفَايَةُ عَلَى الدَّوَامِ، لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ مَرْفُوعًا إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ: رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَال: سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ. . (٢) الْحَدِيثَ. قَالُوا: فَإِنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الاِحْتِرَافُ أُعْطِيَ مَا يَشْتَرِي بِهِ أَدَوَاتِ حِرْفَتِهِ قَلَّتْ قِيمَتُهَا أَوْ كَثُرَتْ بِحَيْثُ يَحْصُل لَهُ مِنْ رِبْحِهِ مَا يَفِي بِكِفَايَتِهِ غَالِبًا تَقْرِيبًا، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا أُعْطِيَ بِنِسْبَةِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الضِّيَاعِ يُشْتَرَى لَهُ ضَيْعَةٌ تَكْفِيهِ غَلَّتُهَا عَلَى الدَّوَامِ. قَال بَعْضُهُمْ: يَشْتَرِيهَا لَهُ

стр. 14374

الإِْمَامُ وَيُلْزِمُهُ بِعَدَمِ إِخْرَاجِهَا عَنْ مِلْكِهِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَنْ لاَ يَمْلِكُ نِصَابًا زَكَوِيًّا كَامِلاً يَجُوزُ أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ أَقَل مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أَوْ تَمَامُهَا. وَيُكْرَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَال زُفَرُ لاَ يَجُوزُ تَمَامُ الْمِائَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرُ. وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ وَلاَ دَيْنَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَالْمَدِينُ يُعْطَى لِدَيْنِهِ وَلَوْ فَوْقَ الْمِائَتَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي الْغَارِمِينَ (١) . إِثْبَاتُ الْفَقْرِ: ١٦٥ - إِذَا ادَّعَى رَجُلٌ صَحِيحٌ قَوِيٌّ أَنَّهُ لاَ يَجِدُ مَكْسَبًا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَال، وَيُقْبَل قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا (٢) لَكِنْ مَنْ عُلِمَ كَذِبُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ. وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالاً وَطَلَبَ مِنَ الزَّكَاةِ لأَِجْلِهِمْ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْعِيَال، وَلاَ تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ.

стр. 14375

وَكَذَا مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْيَسَارِ لاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ، لَكِنِ إِنِ ادَّعَى أَنَّ مَالَهُ تَلِفَ أَوْ فُقِدَ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي عَدَدِ الْبَيِّنَةِ، فَقِيل: لاَ بُدَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَال لَهُ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا. ثُمَّ قَال: يَا قَبِيصَةُ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لأَِحَدِ ثَلاَثَةٍ. . . وَذَكَرَ مِنْهُمْ: رَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ لَهُ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَال: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ (١) . وَقِيل عِنْدَهُمْ: يُقْبَل قَوْل اثْنَيْنِ فَقَطْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْحَدِيثُ وَارِدٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، لاَ فِي الإِْعْطَاءِ دُونَ مَسْأَلَةٍ (٢) . الصِّنْفُ الثَّالِثُ: الْعَامِلُونَ عَلَى الزَّكَاةِ: ١٦٦ - يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْعَامِلِينَ عَلَى الزَّكَاةِ مِنْهَا. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَامِل الَّذِي يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ شُرُوطٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا. وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَأْخُذُ مِنَ الْعَامِلِينَ مِنَ الزَّكَاةِ الْفَقْرُ؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ بِعَمَلِهِ لاَ لِفَقْرِهِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ: لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ

стр. 14376

لِخَمْسَةٍ. . فَذَكَرَ مِنْهُمُ الْعَامِل عَلَيْهَا (١) . قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَدْفَعُ إِلَى الْعَامِل بِقَدْرِ عَمَلِهِ فَيُعْطِيهِ مَا يَسَعُهُ وَيَسَعُ أَعْوَانَهُ غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالثَّمَنِ، وَلاَ يُزَادُ عَلَى نِصْفِ الزَّكَاةِ الَّتِي يَجْمَعُهَا وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ أَكْثَرَ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِل إجَارَةً صَحِيحَةً بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، إِمَّا عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، أَوْ عَمَلٍ مَعْلُومٍ. ثُمَّ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْطَى الْعَامِل مِنَ الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ زَادَ أَجْرُهُ عَلَى الثَّمَنِ أَتَمَّ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَقِيل مِنْ بَاقِي السِّهَامِ. وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَجْرَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَلَهُ أَنْ يَبْعَثَهُ بِغَيْرِ إجَارَةٍ ثُمَّ يُعْطِيَهُ أَجْرَ الْمِثْل. وَإِنْ تَوَلَّى الإِْمَامُ، أَوْ وَالِي الإِْقْلِيمِ أَوِ الْقَاضِي مِنْ قِبَل الإِْمَامِ أَوْ نَحْوِهِمْ أَخْذَ الزَّكَاةِ وَقِسْمَتَهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئًا؛ لأَِنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال وَعَمَلُهُ عَامٌّ (٢) .

стр. 14377

الصِّنْفُ الرَّابِعُ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: ١٦٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِنْفِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ: فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بَاقٍ لَمْ يَسْقُطْ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ سَهْمَهُمُ انْقَطَعَ لِعِزِّ الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يُعْطَوْنَ الآْنَ، لَكِنْ إِنِ احْتِيجَ لاِسْتِئْلاَفِهِمْ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ أُعْطُوا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَعَل مَعْنَى قَوْل أَحْمَدَ: انْقَطَعَ سَهْمُهُمْ، أَيْ لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِي الْغَالِبِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الأَْئِمَّةَ لاَ يُعْطُونَهُمُ الْيَوْمَ شَيْئًا، فَأَمَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَى إِعْطَائِهِمْ جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ، فَلاَ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِمْ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى سُقُوطِ سَهْمِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ (١) لِمَا وَرَدَ أَنَّ الأَْقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ جَاءَا يَطْلُبَانِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَرْضًا، فَكَتَبَ لَهُمَا بِذَلِكَ، فَمَرَّا عَلَى عُمَرَ، فَرَأَى الْكِتَابَ فَمَزَّقَهُ، وَقَال: هَذَا شَيْءٌ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعْطِيكُمُوهُ لِيَتَأَلَّفَكُمْ، وَالآْنَ قَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الإِْسْلاَمَ وَأَغْنَى عَنْكُمْ، فَإِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الإِْسْلاَمِ، وَإِلاَّ فَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، فَرَجَعَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالاَ، مَا نَدْرِي: الْخَلِيفَةُ أَنْتَ أَمْ

стр. 14378

عُمَرُ؟ فَقَال: هُوَ إِنْ شَاءَ، وَوَافَقَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ (١) . ١٦٨ - ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَفِي قَوْلٍ لِلْمَالِكِيَّةِ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ كُفَّارٌ يُعْطَوْنَ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الإِْسْلاَمِ لأَِجْل أَنْ يُعِينُوا الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ لاَ تُعْطَى الزَّكَاةُ لِمَنْ أَسْلَمَ فِعْلاً. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُعْطَى مِنْ هَذَا السَّهْمِ لِكَافِرٍ أَصْلاً، لأَِنَّ الزَّكَاةَ لاَ تُعْطَى لِكَافِرٍ، لِلْحَدِيثِ: تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (٢) بَل تُعْطَى لِمَنْ أَسْلَمَ فِعْلاً، وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى لِلشَّافِعِيَّةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ الإِْعْطَاءُ مِنَ الزَّكَاةِ لِلْمُؤَلَّفِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا. وَعِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَقْوَالٌ بِمِثْل هَذَا. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ ضَرْبَانِ: كُفَّارٌ وَمُسْلِمُونَ، وَهُمْ جَمِيعًا السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَضْرُبٍ: ١ - سَادَةٌ مُطَاعُونَ فِي قَوْمِهِمْ أَسْلَمُوا وَنِيَّتُهُمْ

стр. 14379

ضَعِيفَةٌ فَيُعْطَوْنَ تَثْبِيتًا لَهُمْ. ٢ - قَوْمٌ لَهُمْ شَرَفٌ وَرِيَاسَةٌ أَسْلَمُوا وَيُعْطَوْنَ لِتَرْغِيبِ نُظَرَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ لِيُسْلِمُوا. ٣ - صِنْفٌ يُرَادُ بِتَأَلُّفِهِمْ أَنْ يُجَاهِدُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَحْمُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ٤ - صِنْفٌ يُرَادُ بِإِعْطَائِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ أَنْ يَجْبُوا الزَّكَاةَ مِمَّنْ لاَ يُعْطِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ الْكُفَّارَ فَجَعَلَهُمْ ضَرْبَيْنِ: ١ - مَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُ فَيُعْطَى لِتَمِيل نَفْسُهُ إِلَى الإِْسْلاَمِ. ٢ - مَنْ يُخْشَى شَرُّهُ وَيُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ كَفُّ شَرِّهِ وَكَفُّ غَيْرِهِ مَعَهُ (١) . الصِّنْفُ الْخَامِسُ: فِي الرِّقَابِ: ١٦٩ - وَهُمْ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: الأَْوَّل: الْمُكَاتَبُونَ الْمُسْلِمُونَ: فَيَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الصَّرْفُ مِنَ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ، إعَانَةً لَهُمْ عَلَى فَكِّ رِقَابِهِمْ وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَالِكٌ، كَمَا لَمْ يُجِزْ صَرْفَ شَيْءٍ مِنَ الزَّكَاةِ فِي إِعْتَاقِ مَنِ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ حُرِّيَّةٍ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ، كَالتَّدْبِيرِ وَالاِسْتِيلاَدِ وَالتَّبْعِيضِ. فَعَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ: إِنَّمَا يُعَانُ الْمُكَاتَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى الأَْدَاءِ لِبَعْضِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ،

стр. 14380

فَإِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ شَيْئًا أَصْلاً دُفِعَ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْوَفَاءِ. الثَّانِي: إِعْتَاقُ الرَّقِيقِ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الصَّرْفِ مِنَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَعَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ بِيَدِ الإِْمَامِ أَوِ السَّاعِي جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ رَقَبَةً أَوْ رِقَابًا فَيُعْتِقَهُمْ، وَوَلاَؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَذَا إِنْ كَانَتِ الزَّكَاةُ بِيَدِ رَبِّ الْمَال فَأَرَادَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً تَامَّةً مِنْهَا، فَيَجُوزُ ذَلِكَ لِعُمُومِ الآْيَةِ ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (١) وَيَكُونُ وَلاَؤُهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: مَا رَجَعَ مِنَ الْوَلاَءِ رَدٌّ فِي مِثْلِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُشْتَرَى بِمَا تَرَكَهُ الْمُعْتَقُ وَلاَ وَارِثَ لَهُ رِقَابٌ تَعْتِقُ. وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ: الْوَلاَءُ لِلْمُعْتِقِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلَى أَنَّهُ لاَ يَعْتِقُ مِنَ الزَّكَاةِ، لأَِنَّ ذَلِكَ كَدَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الْقِنِّ، وَالْقِنُّ لاَ تُدْفَعُ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ وَلأَِنَّهُ دَفْعٌ إِلَى السَّيِّدِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّ الْعِتْقَ إِسْقَاطُ مِلْكٍ، وَلَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، لَكِنْ إِنْ أَعَانَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي إِعْتَاقِ رَقَبَةٍ جَازَ عِنْدَ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) . الثَّالِثُ: أَنْ يَفْتَدِيَ بِالزَّكَاةِ أَسِيرًا مُسْلِمًا مِنْ

стр. 14381

أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِجَوَازِ هَذَا النَّوْعِ؛ لأَِنَّهُ فَكُّ رَقَبَةٍ مِنَ الأَْسْرِ، فَيَدْخُل فِي الآْيَةِ بَل هُوَ أَوْلَى مِنْ فَكِّ رَقَبَةِ مَنْ بِأَيْدِينَا. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِمَنْعِهِ (١) . الصِّنْفُ السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ: وَالْغَارِمُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: الضَّرْبُ الأَْوَّل: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَيُشْتَرَطُ لإِِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ مَا يَلِي: ١ - أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا. ٢ - أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ آل الْبَيْتِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ: بِجَوَازِ إِعْطَاءِ مَدِينِ آل الْبَيْتِ مِنْهَا. ٣ - وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ لاَ يَكُونَ قَدِ اسْتَدَانَ لِيَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ، كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ وَتَوَسَّعَ فِي الإِْنْفَاقِ بِالدَّيْنِ لأَِجْل أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا، بِخِلاَفِ فَقِيرٍ اسْتَدَانَ لِلضَّرُورَةِ نَاوِيًا الأَْخْذَ مِنْهَا (٢) . ٤ - وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِمَّا يُحْبَسُ فِيهِ، فَيَدْخُل فِيهِ دَيْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ، وَالدَّيْنُ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَخَرَجَ دَيْنُ الْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ.

стр. 14382

٥ - أَنْ لاَ يَكُونَ دَيْنُهُ فِي مَعْصِيَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، كَأَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ خَمْرٍ، أَوْ قِمَارٍ، أَوْ زِنًا، لَكِنْ إِنْ تَابَ يَجُوزُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَقِيل: لاَ. وَرَجَّحَ الْمَالِكِيَّةُ الأَْوَّل، وَعَدَّ الشَّافِعِيَّةُ الإِْسْرَافَ فِي النَّفَقَةِ مِنْ بَابِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُ الإِْعْطَاءَ مِنَ الزَّكَاةِ. ٦ - أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ حَالًّا، صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ الشَّافِعِيَّةُ، قَالُوا: إِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً فَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الأَْجَل تِلْكَ السَّنَةَ أُعْطِيَ، وَإِلاَّ فَلاَ يُعْطَى مِنْ صَدَقَاتِ تِلْكَ السَّنَةِ. ٧ - أَنْ لاَ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى السَّدَادِ مِنْ مَالٍ عِنْدَهُ زَكَوِيٍّ أَوْ غَيْرِ زَكَوِيٍّ زَائِدٍ عَنْ كِفَايَتِهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ دَارٌ يَسْكُنُهَا تُسَاوِي مِائَةً وَعَلَيْهِ مِائَةٌ، وَتَكْفِيهِ دَارٌ بِخَمْسِينَ فَلاَ يُعْطَى حَتَّى تُبَاعَ، وَيَدْفَعَ الزَّائِدَ فِي دَيْنِهِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَلَوْ وَجَدَ مَا يَقْضِي بِهِ بَعْضَ الدَّيْنِ أُعْطِيَ الْبَقِيَّةَ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ زَمَنٍ بِالاِكْتِسَابِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي جَوَازِ إِعْطَائِهِ مِنْهَا. الضَّرْبُ الثَّانِي: الْغَارِمُ لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ: ١٧١ - الأَْصْل فِيهِ حَدِيثُ قَبِيصَةَ الْمَرْفُوعُ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِل إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ. فَذَكَرَ مِنْهُمْ وَرَجُلٍ تَحَمَّل حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ

стр. 14383

يُمْسِكُ (١) فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْغَارِمِينَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا؛ لأَِنَّهُ لَوِ اُشْتُرِطَ الْفَقْرُ فِيهِ لَقَلَّتِ الرَّغْبَةُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُمَةِ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قَبِيلَتَيْنِ أَوْ حَيَّيْنِ فِتْنَةٌ، يَكُونُ فِيهَا قَتْل نَفْسٍ أَوْ إِتْلاَفُ مَالٍ، فَيَتَحَمَّلُهُ لأَِجْل الإِْصْلاَحِ بَيْنَهُمْ، فَيُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ لِتَسْدِيدِ حَمَالَتِهِ، وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ الإِْعْطَاءَ بِمَا قَبْل الأَْدَاءِ الْفِعْلِيِّ، مَا لَمْ يَكُنْ أَدَّى الْحَمَالَةَ مِنْ دَيْنٍ اسْتَدَانَهُ؛ لأَِنَّ الْغُرْمَ يَبْقَى. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُعْطَى الْمُتَحَمِّل مِنَ الزَّكَاةِ إِلاَّ إِنْ كَانَ لاَ يَمْلِكُ نِصَابًا فَاضِلاً عَنْ دَيْنِهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَدِينِينَ (٢) . وَلَمْ يُصَرِّحِ الْمَالِكِيَّةُ بِحُكْمِ هَذَا الضَّرْبِ فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْغَارِمُ بِسَبَبِ دَيْنِ ضَمَانٍ وَهَذَا الضَّرْبُ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ مُعْسِرَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا فَفِي إِعْطَاءِ الضَّامِنِ مِنَ الزَّكَاةِ خِلاَفٌ عِنْدَهُمْ وَتَفْصِيلٌ. الدَّيْنُ عَلَى الْمَيِّتِ: ١٧١ م - إِنْ مَاتَ الْمَدِينُ وَلاَ وَفَاءَ فِي تَرِكَتِهِ لَمْ يَجُزْ

стр. 14384

عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَدَادُ دَيْنِهِ مِنَ الزَّكَاةِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُوَفَّى دَيْنُهُ مِنْهَا وَلَوْ مَاتَ، قَال بَعْضُهُمْ: هُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ لِلْيَأْسِ مِنْ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ عَنْهُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) . وَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَيِّتِ تَفْصِيلاً. الصِّنْفُ السَّابِعُ: فِي سَبِيل اللَّهِ . وَهَذَا الصِّنْفُ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ. ١٧٢ - الضَّرْبُ الأَْوَّل: الْغُزَاةُ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى ، وَاَلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الدِّيوَانِ، بَل هُمْ مُتَطَوِّعُونَ لِلْجِهَادِ. وَهَذَا الضَّرْبُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ قَدْرَ مَا يَتَجَهَّزُونَ بِهِ لِلْغَزْوِ مِنْ مَرْكَبٍ وَسِلاَحٍ وَنَفَقَةٍ وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْغَازِي لِغَزْوِهِ مُدَّةَ الْغَزْوِ وَإِنْ طَالَتْ. وَلاَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فِي الْغَازِي أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا، بَل يَجُوزُ إِعْطَاءُ الْغَنِيِّ لِذَلِكَ، لأَِنَّهُ لاَ يَأْخُذُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، بَل لِحَاجَةِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْفَقْرُ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْغَازِي غَنِيًّا، وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِنْفِ الْفُقَرَاءِ فَلاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ، وَإِلاَّ فَيُعْطَى، وَإِنْ كَانَ كَاسِبًا؛ لأَِنَّ الْكَسْبَ

стр. 14385

يُقْعِدُهُ عَنِ الْجِهَادِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْغَازِي مُنْقَطِعُ الْحَاجِّ لاَ مُنْقَطِعُ الْغُزَاةِ. وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْغَازِي أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، لِكَوْنِهِ مُسْلِمًا ذَكَرًا بَالِغًا قَادِرًا، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ آل الْبَيْتِ. وَأَمَّا جُنُودُ الْجَيْشِ الَّذِينَ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي الدِّيوَانِ فَلاَ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنِ امْتَنَعَ إِعْطَاؤُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَال لِضَعْفِهِ، يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ (١) . الضَّرْبُ الثَّانِي: مَصَالِحُ الْحَرْبِ ١٧٣ - وَهَذَا الضَّرْبُ ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّرْفُ مِنَ الزَّكَاةِ فِي مَصَالِحِ الْجِهَادِ الأُْخْرَى غَيْرِ إِعْطَاءِ الْغُزَاةِ، نَحْوِ بِنَاءِ أَسْوَارٍ لِلْبَلَدِ لِحِفْظِهَا مِنْ غَزْوِ الْعَدُوِّ، وَنَحْوِ بِنَاءِ الْمَرَاكِبِ الْحَرْبِيَّةِ، وَإِعْطَاءِ جَاسُوسٍ يَتَجَسَّسُ لَنَا عَلَى الْعَدُوِّ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا. وَأَجَازَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يُشْتَرَى مِنَ الزَّكَاةِ السِّلاَحُ وَآلاَتُ الْحَرْبِ وَتُجْعَل وَقْفًا يَسْتَعْمِلُهَا الْغُزَاةُ ثُمَّ يَرُدُّونَهَا، وَلَمْ يُجِزْهُ الْحَنَابِلَةُ.

стр. 14386

وَظَاهِرُ صَنِيعِ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ - إِذْ قَصَرُوا سَهْمَ سَبِيل اللَّهِ عَلَى الْغُزَاةِ، أَوِ الْغُزَاةِ وَالْحُجَّاجِ، أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ مِنْهُ فِي هَذَا الضَّرْبِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لاَ تَمْلِيكَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ تَمْلِيكٌ لِغَيْرِ أَهْل الزَّكَاةِ، أَوْ كَمَا قَال أَحْمَدُ: لأَِنَّهُ لَمْ يُؤْتِ الزَّكَاةَ لأَِحَدٍ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِيتَائِهَا (١) . الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْحُجَّاجُ: ١٧٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الصَّرْفُ فِي الْحَجِّ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ سَبِيل اللَّهِ فِي آيَةِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ مُطْلَقٌ، وَهُوَ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّ الأَْكْثَرَ مِمَّا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قُصِدَ بِهِ الْجِهَادُ، فَتُحْمَل الآْيَةُ عَلَيْهِ. وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، إِلَى أَنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيل اللَّهِ فَيُصْرَفُ فِيهِ مِنَ الزَّكَاةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَعَل نَاقَتَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ، فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تَحُجَّ، فَقَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : فَهَلاَّ خَرَجْتِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيل اللَّهِ (٢) فَعَلَى هَذَا

стр. 14387

الْقَوْل لاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَحُجُّ بِهِ سِوَاهَا، وَلاَ يُعْطَى إِلاَّ لِحَجِّ الْفَرِيضَةِ خَاصَّةً، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ حَتَّى فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ. وَيُنْقَل عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَصْرِفَ فِي سَبِيل اللَّهِ هُوَ لِمُنْقَطِعِ الْحُجَّاجِ (١) . إِلاَّ أَنَّ مُرِيدَ الْحَجِّ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ كَمَا يَأْتِي. الصِّنْفُ الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيل: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلاَزَمَتِهِ الطَّرِيقَ، إِذْ لَيْسَ هُوَ فِي وَطَنِهِ لِيَأْوِيَ إِلَى سَكَنٍ. وَهَذَا الصِّنْفُ ضَرْبَانِ: ١٧٥ - الضَّرْبُ الأَْوَّل: الْمُتَغَرِّبُ عَنْ وَطَنِهِ الَّذِي لَيْسَ بِيَدِهِ مَا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى بَلَدِهِ: وَهَذَا الضَّرْبُ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الزَّكَاةِ، فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، إِلاَّ فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُعْطَى؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ نَقْل الزَّكَاةِ مِنْ بَلَدِهَا. وَلاَ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ إِلاَّ بِشُرُوطٍ: الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، مِنْ غَيْرِ آل الْبَيْتِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لاَ يَكُونَ بِيَدِهِ فِي الْحَال مَالٌ

стр. 14388

يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الْوُصُول إِلَى بَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ مُؤَجَّلٌ أَوْ عَلَى غَائِبٍ، أَوْ مُعْسِرٍ، أَوْ جَاحِدٍ، لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الأَْخْذَ مِنَ الزَّكَاةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لاَ يَكُونَ سَفَرُهُ لِمَعْصِيَةٍ، صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَيَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِطَاعَةٍ وَاجِبَةٍ كَحَجِّ الْفَرْضِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، أَوْ مُسْتَحَبَّةٍ كَزِيَارَةِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، أَوْ كَانَ سَفَرُهُ لِمُبَاحٍ كَالْمَعَاشَاتِ وَالتِّجَارَاتِ، فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ لِمَعْصِيَةٍ لَمْ يَجُزْ إِعْطَاؤُهُ مِنْهَا لأَِنَّهُ إعَانَةٌ عَلَيْهَا، مَا لَمْ يَتُبْ، وَإِنْ كَانَ لِلنُّزْهَةِ فَقَطْ فَفِيهِ وَجْهَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَقْوَاهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إِلَى هَذَا السَّفَرِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: وَهُوَ لِلْمَالِكِيَّةِ خَاصَّةً: أَنْ لاَ يَجِدَ مَنْ يُقْرِضُهُ إِنْ كَانَ بِبَلَدِهِ غَنِيًّا. وَلاَ يُعْطَى أَهْل هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الزَّكَاةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَكْفِيهِ لِلرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ، وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: إِنْ كَانَ قَاصِدًا بَلَدًا آخَرَ يُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَيْهِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَى بَلَدِهِ. قَال الْمَالِكِيَّةُ: فَإِنْ جَلَسَ بِبَلَدِ الْغُرْبَةِ بَعْدَ أَخْذِهِ مِنَ الزَّكَاةِ نُزِعَتْ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ فَقِيرًا بِبَلَدِهِ، وَإِنْ فَضَل مَعَهُ فَضْلٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ نُزِعَ مِنْهُ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. ثُمَّ قَدْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى

стр. 14389

السَّدَادِ فَالأَْوْلَى لَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَلاَ يَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ (١) . الضَّرْبُ الثَّانِي: مَنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ وَيُرِيدُ أَنْ يُنْشِئَ سَفَرًا: ١٧٦ - فَهَذَا الضَّرْبُ مَنَعَ الْجُمْهُورُ إِعْطَاءَهُ، وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ إِعْطَاءَهُ لِذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي سَفَرِهِ، وَأَنْ لاَ يَكُونَ فِي مَعْصِيَةٍ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ إِعْطَاءُ مَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يُنْشِئُ مِنْهُ سَفَرَ الْحَجِّ مَا لاَ يَحُجُّ بِهِ. وَالْحَنَفِيَّةُ لاَ يَرَوْنَ جَوَازَ الإِْعْطَاءِ فِي هَذَا الضَّرْبِ، إِلاَّ أَنَّ مَنْ كَانَ بِبَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ بِيَدِهِ مَالٌ يُنْفِقُ مِنْهُ وَلَهُ مَالٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، لاَ يَصِل إِلَيْهِ، رَأَوْا أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِابْنِ السَّبِيل (٢) . أَصْنَافُ الَّذِينَ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ: ١٧٧ - ١ - آل النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ لأَِنَّ الزَّكَاةَ وَالصَّدَقَةَ مُحَرَّمَتَانِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِمْ فِي (آل) . ٢ - الأَْغْنِيَاءُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَنْ هُمْ فِي صِنْفِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.

стр. 14390

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: خَمْسَةٌ لاَ يُعْطَوْنَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ: الْفَقِيرُ، وَالْمِسْكِينُ، وَالْمُكَاتَبُ، وَالْغَارِمُ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، وَابْنُ السَّبِيل، وَخَمْسَةٌ يَأْخُذُونَ مَعَ الْغِنَى: الْعَامِل، وَالْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ، وَالْغَازِي، وَالْغَارِمُ لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَابْنُ السَّبِيل الَّذِي لَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ. وَخَالَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْغَازِي وَالْغَارِمِ لإِِصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَرَأَوْا أَنَّهُمْ لاَ يَأْخُذُونَ إِلاَّ مَعَ الْحَاجَةِ (١) . ٣ - الْكُفَّارُ وَلَوْ كَانُوا أَهْل ذِمَّةٍ: لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ. نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (٢) وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ إِعْطَاءَهُمْ مَعَ الْعَامِلِينَ إِنْ عَمِلُوا عَلَى الزَّكَاةِ. وَيُسْتَثْنَى الْمُؤَلَّفُ قَلْبُهُ أَيْضًا عَلَى التَّفْصِيل وَالْخِلاَفِ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَوْضِعِهِ (٣) . وَيَشْمَل الْكَافِرُ هُنَا الْكَافِرَ الأَْصْلِيَّ وَالْمُرْتَدَّ، وَمَنْ كَانَ مُتَسَمِّيًا بِالإِْسْلاَمِ وَأَتَى بِمُكَفِّرٍ نَحْوِ الاِسْتِخْفَافِ بِالْقُرْآنِ، أَوْ سَبِّ اللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ، أَوْ دِينِ الإِْسْلاَمِ، فَهُوَ كَافِرٌ لاَ يَجُوزُ إِعْطَاؤُهُ مِنَ الزَّكَاةِ اتِّفَاقًا، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رِدَّة) .
следующие страницы →