← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.

стр. 14491

وَإِلاَّ عَرَى عَنِ الْفَائِدَةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الاِسْتِيفَاءُ لِيَحْصُل الزَّجْرُ، وَالْفَرْضُ أَنْ لاَ قُدْرَةَ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَرَجَ وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِلإِْيجَابِ حَال وُجُودِهِ لَمْ يَنْقَلِبْ مُوجِبًا لَهُ حَال عَدَمِهِ. وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا زَنَى فِي عَسْكَرٍ لأَِمِيرِهِ وِلاَيَةُ إِقَامَةِ الْحَدِّ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَى؛ لأَِنَّهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَالْقُدْرَةُ ثَابِتَةٌ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ خَرَجَ مِنَ الْعَسْكَرِ فَدَخَل دَارَ الْحَرْبِ فَزَنَى ثُمَّ عَادَ إِلَى الْعَسْكَرِ فَإِنَّهُ لاَ يُقِيمُهُ، وَكَذَا لَوْ زَنَى فِي الْعَسْكَرِ وَالْعَسْكَرُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي أَيَّامِ الْمُحَارَبَةِ قَبْل الْفَتْحِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَهَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِمَا إِذَا كَانَ فِي الْعَسْكَرِ مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ، بِخِلاَفِ أَمِيرِ الْعَسْكَرِ أَوِ السَّرِيَّةِ لأَِنَّهُ إِنَّمَا فَوَّضَ لَهُمَا تَدْبِيرَ الْحَرْبِ لاَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلإِْمَامِ، وَوِلاَيَةُ الإِْمَامِ مُنْقَطِعَةٌ ثَمَّةَ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً مِنْ نَحْوِ رِدَّةِ الْمَحْدُودِ وَالْتِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَنْ أَتَى حَدًّا فِي الْغَزْوِ لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، لِمَا رَوَى جُنَادَةُ بْنُ أُمَيَّةَ قَال: كُنَّا مَعَ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ فِي الْبَحْرِ، فَأُتِيَ بِسَارِقٍ يُقَال لَهُ: مَصْدَرٌ، قَدْ سَرَقَ بُخْتِيَّةً، (١) فَقَال: قَدْ سَمِعْتُ

стр. 14492

رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ تُقْطَعُ الأَْيْدِي فِي السَّفَرِ (١) وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَقَطَعْتُهُ. وَنَقَلُوا إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَتَى رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعُمُومِ الآْيَاتِ وَالأَْخْبَارِ، وَإِنَّمَا أُخِّرَ لِعَارِضٍ، وَقَدْ زَال. وَإِذَا أَتَى حَدًّا فِي الثُّغُورِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِيهَا بِغَيْرِ خِلاَفٍ، لأَِنَّهَا مِنْ بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى زَجْرِ أَهْلِهَا كَالْحَاجَةِ إِلَى زَجْرِ غَيْرِهِمْ. (٢) ٥ - أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل مُسْلِمًا: ٢٨ - اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل مُسْلِمًا، فَلاَ يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْكَافِرِ إِذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ طَائِعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَيُرَدُّ إِلَى أَهْل مِلَّتِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ، وَتُحَدُّ الْمُسْلِمَةُ. وَإِنِ اسْتَكْرَهَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَةَ عَلَى الزِّنَى قُتِل.

стр. 14493

وَقَدْ وَافَقَتِ الْمَذَاهِبُ الأُْخْرَى مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُسْتَأْمَنِ فَقَطْ. وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ فِي الْمَذَاهِبِ نَذْكُرُهُ فِيمَا يَلِي: فَفِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ: لاَ يُحَدُّ الْمُسْتَأْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَيُحَدُّ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَقَوْل أَبِي يُوسُفَ: يُحَدُّ الْجَمِيعُ. وَقَوْل مُحَمَّدٍ: لاَ يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. فَإِذَا زَنَى الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ بِالْمُسْلِمَةِ أَوِ الذِّمِّيَّةِ فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ دُونَ الْحَرْبِيِّ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ جَمِيعًا فِي قَوْل أَبِي يُوسُفَ، وَلاَ حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي قَوْل مُحَمَّدٍ، وَتَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِالْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ لأَِنَّهُ لَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ لاَ يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُحَدَّانِ، وَإِنْ زَنَى الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ بِالْحَرْبِيَّةِ الْمُسْتَأْمَنَةِ حُدَّ الرَّجُل فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يُحَدَّانِ جَمِيعًا. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عَلَى الْمُعَاهَدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِمَا بِالأَْحْكَامِ، وَيُقَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ لاِلْتِزَامِهِ بِالأَْحْكَامِ، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ رَجُلاً وَامْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ زَنَيَا (١) . وَكَانَا قَدْ أُحْصِنَا. قَال

стр. 14494

الرَّمْلِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ الْيَوْمَ لاَ يُحَدُّونَ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْمُسْتَأْمَنِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يُجَدَّدُ لَهُمْ عَهْدٌ، بَل يَجْرُونَ عَلَى ذِمَّةِ آبَائِهِمْ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ يُحَدُّونَ حَدَّ الزِّنَى، لأَِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ زَنَيَا فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَا وَيَلْزَمُ الإِْمَامَ إِقَامَةُ الْحَدِّ فِي زِنَى بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ لاِلْتِزَامِهِمْ حُكْمَنَا. وَلاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عَلَى مُسْتَأْمَنٍ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ حُكْمَنَا. وَلأَِنَّ زِنَى الْمُسْتَأْمَنِ يَجِبُ بِهِ الْقَتْل لِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَلاَ يَجِبُ مَعَ الْقَتْل حَدٌّ سِوَاهُ. وَهَذَا إِذَا زَنَى بِمُسْلِمَةٍ. أَمَّا إِذَا زَنَى الْمُسْتَأْمَنُ بِغَيْرِ مُسْلِمَةٍ فَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. (١) ٦ - أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل نَاطِقًا: ٢٩ - اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حَدِّ الزِّنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْفِعْل نَاطِقًا. فَلاَ يُقَامُ حَدُّ الزِّنَى عِنْدَهُمْ عَلَى الأَْخْرَسِ مُطْلَقًا، حَتَّى وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ أَوْ إِشَارَةٍ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِالزِّنَى لاَ تُقْبَل لِلشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ هَذَا الشَّرْطَ فَيَجِبُ حَدُّ

стр. 14495

الزِّنَى عَلَى الأَْخْرَسِ إِذَا زَنَى (١) . ثُبُوتُ الزِّنَى: يَثْبُتُ الزِّنَى بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: بِ الشَّهَادَةِ ، وَالإِْقْرَارِ، وَالْقَرَائِنِ. أ - الشَّهَادَةُ: ٣٠ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ الزِّنَى بِالشَّهَادَةِ، وَأَنَّهُ لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ (٢) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (٤) وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٥) وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ قَال لِرَسُول اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُول اللَّهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ

стр. 14496

امْرَأَتِي رَجُلاً أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ (١) . وَيُشْتَرَطُ فِي الشُّهُودِ عَلَى الزِّنَى بِالإِْضَافَةِ إِلَى الشُّرُوطِ الْعَامَّةِ لِلشَّهَادَةِ (الْمَذْكُورَةِ فِي مُصْطَلَحِ شَهَادَةٍ) أَنْ تَتَوَافَرَ فِيهِمْ شُرُوطٌ مُعَيَّنَةٌ حَتَّى يَثْبُتَ الزِّنَى، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ: الشَّرْطُ الأَْوَّل: الذُّكُورَةُ: ٣١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ فِي شُهُودِ الزِّنَى، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونُوا رِجَالاً كُلَّهُمْ، لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ. وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الزِّنَى بِحَالٍ؛ لأَِنَّ لَفْظَ الأَْرْبَعَةِ اسْمٌ لِعَدَدِ الْمَذْكُورِينَ، وَيَقْتَضِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ بِأَرْبَعَةٍ، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الأَْرْبَعَةَ إِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ نِسَاءً لاَ يُكْتَفَى بِهِمْ، وَأَنَّ أَقَل مَا يُجْزِئُ خَمْسَةٌ، وَهَذَا خِلاَفُ النَّصِّ: ﴿أَنْ تَضِل إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى﴾ (٢) وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ مَدْخَل لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ. (٣)

стр. 14497

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةً: ٣٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّنَى لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ، لِلنُّصُوصِ السَّابِقَةِ؛ وَلأَِنَّ الزِّنَى مِنْ أَغْلَظِ الْفَوَاحِشِ فَغُلِّظَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ لِيَكُونَ أَسْتَرَ، وَقَدْ نَقَل ابْنُ قُدَامَةَ الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَمُلُوا أَرْبَعَةً حُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكْمُلُوا فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (١) وَلأَِنَّ عُمَرَ ﵁ حَدَّ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَى. وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ، وَلِئَلاَّ يَتَّخِذَ صُورَةَ الشَّهَادَةِ ذَرِيعَةً إِلَى الْوَقِيعَةِ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ. وَعِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ لاَ يُجْلَدُ الشُّهُودُ إِذَا نَقَصَ عَدَدُهُمْ عَنْ أَرْبَعَةٍ؛ لأَِنَّهُمْ جَاءُوا شَاهِدِينَ لاَ هَاتِكِينَ. (٢) الشَّرْطُ الثَّالِثُ: اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ: ٣٣ - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَى أَنْ تَكُونَ فِي

стр. 14498

مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ شَهِدَ بَعْضُ الأَْرْبَعَةِ فِي مَجْلِسٍ، وَبَعْضُهُمْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ، وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ. كَمَا اشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَأْتِيَ الشُّهُودُ مُجْتَمِعِينَ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعُوا خَارِجَ مَجْلِسِ الْقَاضِي وَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ وَيُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ، أَمَّا لَوْ كَانُوا قُعُودًا فِي مَوْضِعِ الشُّهُودِ فَقَامَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ وَشَهِدَ، فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ بَعْدَ إِتْيَانِهِمْ مَحَل الْحَاكِمِ جَمِيعًا فَإِنَّهُمْ يُفَرَّقُونَ وُجُوبًا لِيَسْأَل كُل وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا أَوْ بَعْضُهُمْ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَحُدُّوا. وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَابِلَةُ إِتْيَانَهُمْ مُجْتَمِعِينَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَأْتُوا مُتَفَرِّقِينَ لِقِصَّةِ الْمُغِيرَةِ، فَإِنَّهُمْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ، وَسُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنَّمَا حُدُّوا لِعَدَمِ كَمَالِهَا. عَلَى أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ مِنْ مَجْلِسِهِ فَهُمْ قَذَفَةٌ؛ لأَِنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلاَ صَحِيحَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ. وَلَمْ يَشْتَرِطِ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُمْ أَنْ يَأْتِيَ الشُّهُودُ مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، وَأَنْ تُؤَدَّى الشَّهَادَةُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَجْلِسٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ

стр. 14499

شُهَدَاءَ﴾ (١) . وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَجْلِسَ. وَقَال تَعَالَى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ . (٢) وَلأَِنَّ كُل شَهَادَةٍ مَقْبُولَةٌ إِنِ اتَّفَقَتْ، تُقْبَل إِذَا افْتَرَقَتْ فِي مَجَالِسَ، كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ. (٣) الشَّرْطُ الرَّابِعُ: تَفْصِيل الشَّهَادَةِ: ٣٤ - يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى التَّفْصِيل، فَيَصِفُ الشُّهُودُ كَيْفِيَّةَ الزِّنَى، فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَاهُ مُغَيِّبًا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا، أَوْ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ أَوْ قَدْرَهَا - إِنْ كَانَ مَقْطُوعَهَا - فِي فَرْجِهَا كَالْمِيل فِي الْمُكْحُلَةِ، أَوِ الرِّشَاءِ فِي الْبِئْرِ، لأَِنَّهُ إِذَا اعْتَبَرَ التَّصْرِيحَ فِي الإِْقْرَارِ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّهَادَةِ أَوْلَى؛ وَلأَِنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ الشَّاهِدُ مَا لَيْسَ بِزِنًى زِنًى، فَاعْتُبِرَ ذِكْرُ صِفَتِهِ. كَمَا يُبَيِّنُ الشُّهُودُ كَيْفِيَّتَهُمَا مِنَ اضْطِجَاعٍ أَوْ جُلُوسٍ أَوْ قِيَامٍ، أَوْ هُوَ فَوْقَهَا أَوْ تَحْتَهَا. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا سَأَلَهُمُ الْقَاضِي فَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى قَوْلِهِمْ: إِنَّهُمَا زَنَيَا، فَإِنَّهُ لاَ يَحُدُّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ وَلاَ الشُّهُودَ. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ

стр. 14500

الْمَرْأَةِ، فَلَوْ شَهِدُوا بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لاَ يَعْرِفُونَهَا لَمْ يُحَدَّ؛ لاِحْتِمَال أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ، بَل هُوَ الظَّاهِرُ. كَمَا لاَ بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْبَلَدِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَكَذَا تَعْيِينُ الْمَكَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، كَكَوْنِهَا فِي رُكْنِ الْبَيْتِ الشَّرْقِيِّ أَوِ الْغَرْبِيِّ، أَوْ وَسَطِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْمَكَانِ فِي الْبَيْتِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِيهِ حُدَّ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْحَدُّ لاِخْتِلاَفِ الْمَكَانِ حَقِيقَةً وَهُوَ قَوْل زُفَرَ، وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ أَنَّ التَّوْفِيقَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الْفِعْل فِي زَاوِيَةٍ وَالاِنْتِهَاءُ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى بِالاِضْطِرَابِ، أَوْ لأَِنَّ الْوَاقِعَ فِي وَسَطِ الْبَيْتِ فَيَحْسِبُهُ مَنْ فِي الْمُقَدَّمِ فِي الْمُقَدَّمِ، وَمَنْ فِي الْمُؤَخَّرِ فِي الْمُؤَخَّرِ فَيَشْهَدُ بِحَسَبِ مَا عِنْدَهُ، وَهَذَا فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ، أَمَّا فِي الْبَيْتِ الْكَبِيرِ فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعْيِينِ. وَلاَ بُدَّ أَيْضًا مِنْ تَعْيِينِ الزَّمَانِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِتَكُونَ الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَا شَهِدَ بِهِ أَحَدُهُمْ غَيْرَ مَا شَهِدَ بِهِ الآْخَرُ. فَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنَّهُ زَنَى بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا يَوْمَ السَّبْتِ فَإِنَّهُ لاَ حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَكَذَا لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ فِيمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ

стр. 14501

أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي سَاعَةٍ أُخْرَى. (١) الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَصَالَةُ الشَّهَادَةِ: ٣٥ - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي شُهُودِ الزِّنَى الأَْصَالَةَ، فَلاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السِّتْرِ وَالدَّرْءِ بِالشُّبُهَاتِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِيهَا شُبْهَةٌ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا اجْتِمَاعُ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ وَالْكَذِبِ فِي شُهُودِ الْفَرْعِ مَعَ احْتِمَال ذَلِكَ فِي شُهُودِ الأَْصْل، وَهَذَا احْتِمَالٌ زَائِدٌ لاَ يُوجَدُ فِي شُهُودِ الأَْصْل، وَلأَِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ إِنَّمَا تُقْبَل لِلْحَاجَةِ، وَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا فِي الْحَدِّ، لأَِنَّ سِتْرَ صَاحِبِهِ أَوْلَى مِنَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ فَتَجُوزُ عِنْدَهُمُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَى بِشَرْطِ أَنْ يَنْقُل عَنْ كُل شَاهِدٍ أَصِيلٍ شَاهِدَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْقُل الشَّاهِدَانِ عَنْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ أَوْ عَنْ شَاهِدَيْنِ،

стр. 14502

وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَيْنِ النَّاقِلَيْنِ أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدُهُمَا شَاهِدًا أَصِيلاً، فَيَجُوزُ فِي الزِّنَى أَنْ يَشْهَدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، أَوْ يَشْهَدَ كُل اثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ وَاحِدٍ، أَوْ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ، أَوْ يَشْهَدَ ثَلاَثَةٌ عَلَى ثَلاَثَةٍ، وَيَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ الرَّابِعِ، وَإِذَا نَقَل اثْنَانِ عَنْ ثَلاَثَةٍ وَعَنِ الرَّابِعِ اثْنَانِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلاَفًا لاِبْنِ الْمَاجِشُونِ؛ وَوَجْهُ عَدَمِ صِحَّتِهَا أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الْفَرْعُ إِلاَّ حَيْثُ تَصِحُّ شَهَادَةُ الأَْصْل لَوْ حَضَرَ، وَالرَّابِعُ الَّذِي نَقَل عَنْهُ الاِثْنَانِ الآْخَرَانِ لَوْ حَضَرَ مَا صَحَّتْ شَهَادَتُهُ مَعَ الاِثْنَيْنِ النَّاقِلَيْنِ عَنِ الثَّلاَثَةِ لِنَقْصِ الْعَدَدِ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَيُحْتَمَل أَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ؛ لأَِنَّ عَدَدَ الْفَرْعِ فِيهَا نَاقِصٌ عَنْ عَدَدِ الأَْصْل حَيْثُ نَقَل عَنِ الثَّلاَثَةِ اثْنَانِ فَقَطْ، وَالْفَرْعُ لاَ يَنْقُصُ عَنِ الأَْصْل لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَنِيَابَتِهِ مَنَابَهُ. كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ التَّلْفِيقُ بَيْنَ شُهُودِ الأَْصْل وَالْفَرْعِ، كَأَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ عَلَى رُؤْيَةِ الزِّنَى، وَيَنْقُل اثْنَانِ عَنْ كُل وَاحِدٍ مِنَ الاِثْنَيْنِ الآْخَرَيْنِ (١) . شَهَادَةُ الزَّوْجِ عَلَى الزِّنَى: ٣٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ

стр. 14503

وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ قَبُول شَهَادَةِ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَى لِلتُّهْمَةِ، إِذْ أَنَّهُ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهَا مُقِرٌّ بِعَدَاوَتِهِ؛ وَلأَِنَّهَا دَعْوَى خِيَانَتِهَا فِرَاشَهُ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى قَبُول شَهَادَةِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ التُّهْمَةَ مَا تُوجِبُ جَرَّ نَفْعٍ، وَالزَّوْجُ مُدْخِلٌ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ لُحُوقَ الْعَارِ وَخُلُوَّ الْفِرَاشِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا أَوْلاَدٌ صِغَارٌ. (١) وَانْظُرِ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَى الْقَدِيمِ، فِي مُصْطَلَحِ (حُدُودٍ ف ٢٤) الْمَوْسُوعَةُ ١٧ / ١٣٧. وَأَمَّا بَقِيَّةُ مَسَائِل الشَّهَادَةِ كَرُجُوعِ الشُّهُودِ، وَظُهُورِ عَدَمِ أَهْلِيَّةِ الشُّهُودِ، وَاخْتِلاَفِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ، وَتَعَارُضِ الشَّهَادَاتِ، وَأَثَرِ تَعَهُّدِ النَّظَرِ فِي قَبُول الشَّهَادَةِ، فَتَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٍ) . ب - الإِْقْرَارُ: ٣٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثُبُوتِ الزِّنَى بِالإِْقْرَارِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارَيْهِمَا (٢) . وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ الإِْقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلاَ يُكْتَفَى

стр. 14504

بِالإِْقْرَارِ مُرَّةً وَاحِدَةً، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ اشْتِرَاطَ كَوْنِهَا فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ مِنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ دُونَ مَجْلِسِ الْقَاضِي، وَذَلِكَ بِأَنْ يَرُدَّهُ الْقَاضِي كُلَّمَا أَقَرَّ فَيَذْهَبَ حَيْثُ لاَ يَرَاهُ ثُمَّ يَجِيءَ فَيُقِرَّ، وَيَسْتَوِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ تَكُونَ الأَْقَارِيرُ الأَْرْبَعَةُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى الاِكْتِفَاءِ بِالإِْقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَفَى مِنَ الْغَامِدِيَّةِ بِإِقْرَارِهَا مُرَّةً وَاحِدَةً. وَيُشْتَرَطُ فِي الإِْقْرَارِ أَنْ يَكُونَ مُفَصِّلاً مُبَيِّنًا لِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ لِتَزُول التُّهْمَةُ وَالشُّبْهَةُ. (١) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمَاعِزٍ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟ قَال: لاَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: أَنِكْتَهَا؟ لاَ يُكَنِّي فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَال: حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ قَال: نَعَمْ، قَال: كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَهَل تَدْرِي مَا الزِّنَى؟ قَال: نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُل مِنَ امْرَأَتِهِ حَلاَلاً. (٢)

стр. 14505

وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (حُدُودٍ) ف ٢٦ الْمَوْسُوعَةُ ١٧ / ١٣٨، وَمُصْطَلَحَ: (إِقْرَارٍ) ف ١٢ وَمَا بَعْدَهَا، ٦ / ٤٩، وَانْظُرْ أَيْضًا الشُّبْهَةَ بِتَقَادُمِ الإِْقْرَارِ، وَالرُّجُوعَ فِي الإِْقْرَارِ فِي مُصْطَلَحِ: (إِقْرَارٍ) ف ٥٧ وَمَا بَعْدَهَا الْمَوْسُوعَةُ ٦ / ٧١ الْبَيِّنَةُ عَلَى الإِْقْرَارِ: ٣٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِالْبَيِّنَةِ - الشَّهَادَةِ - عَلَى الإِْقْرَارِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الإِْقْرَارِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تُقْبَل الشَّهَادَةُ عَلَى الإِْقْرَارِ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَلاَ يُحَدُّ، مِثْل الرُّجُوعِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالزِّنَى أَرْبَعًا، يَثْبُتُ الزِّنَى لِوُجُودِ الإِْقْرَارِ بِهِ أَرْبَعًا، وَلاَ يَثْبُتُ الإِْقْرَارُ بِالزِّنَى بِدُونِ أَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى الإِْقْرَارِ بِهِ مِنَ الرِّجَال. فَإِنْ أَنْكَرَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الإِْقْرَارَ، أَوْ صَدَّقَهُمْ دُونَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، لأَِنَّ إِنْكَارَهُ وَتَصْدِيقَهُ دُونَ أَرْبَعٍ رُجُوعٌ عَنْ إِقْرَارِهِ، وَهُوَ مَقْبُولٌ مِنْهُ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِالشَّهَادَةِ عَلَى إِقْرَارِهِ. قَالُوا: لَوْ شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ بِالزِّنَى فَقَال: مَا أَقْرَرْتُ، أَوْ قَال بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِإِقْرَارِهِ: مَا أَقْرَرْتُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ

стр. 14506

لاَ يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِ؛ لأَِنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ وَالْقَاضِي (١) . ج - الْقَرَائِنُ: ٣٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِعِلْمِ الإِْمَامِ وَالْقَاضِي، فَلاَ يُقِيمَانِهِ بِعِلْمِهِمَا. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ وَأَبُو ثَوْرٍ: إِلَى ثُبُوتِهِ بِعِلْمِهِ. وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ) ف ٢٨ الْمَوْسُوعَةُ ١٧ / ١٣٩ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِظُهُورِ الْحَمْل وَاللِّعَانِ وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا يَلِي: ١ - ظُهُورُ الْحَمْل: ٤٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى عَدَمِ ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِظُهُورِ الْحَمْل فِي امْرَأَةٍ لاَ زَوْجَ لَهَا وَأَنْكَرَتِ الزِّنَى؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ إِكْرَاهٍ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إِلَى عُمَرَ لَيْسَ لَهَا زَوْجٌ وَقَدْ حَمَلَتْ، وَسَأَلَهَا عُمَرُ،

стр. 14507

فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ ثَقِيلَةُ الرَّأْسِ وَقَعَ عَلَيَّ رَجُلٌ وَأَنَا نَائِمَةٌ، فَمَا اسْتَيْقَظْتُ حَتَّى نَزَعَ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالاَ: إِذَا كَانَ فِي الْحَدِّ " لَعَل " " وَعَسَى " فَهُوَ مُعَطَّلٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا تُسْأَل، وَلاَ يَجِبُ سُؤَالُهَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى ثُبُوتِ حَدِّ الزِّنَى بِظُهُورِ حَمْل امْرَأَةٍ لاَ زَوْجَ لَهَا، فَتُحَدُّ وَلاَ يُقْبَل دَعْوَاهَا الْغَصْبَ عَلَى ذَلِكَ بِلاَ قَرِينَةٍ تَشْهَدُ لَهَا بِذَلِكَ، أَمَّا مَعَ قَرِينَةٍ تُصَدِّقُهَا فَتُقْبَل دَعْوَاهَا وَلاَ تُحَدُّ، كَأَنْ تَأْتِيَ مُسْتَغِيثَةً مِنْهُ، أَوْ تَأْتِيَ الْبِكْرُ تَدَّعِي عَقِبَ الْوَطْءِ، وَكَذَا لاَ تُقْبَل دَعْوَاهَا أَنَّ هَذَا الْحَمْل مِنْ مَنِيٍّ شَرِبَهُ فَرْجُهَا فِي الْحَمَّامِ، وَلاَ مِنْ وَطْءِ جِنِّيٍّ إِلاَّ لِقَرِينَةٍ مِثْل كَوْنِهَا عَذْرَاءَ وَهِيَ مِنْ أَهْل الْعِفَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالزَّوْجِ زَوْجٌ يُلْحَقُ بِهِ الْحَمْل فَيَخْرُجُ الْمَجْبُوبُ وَالصَّغِيرُ، أَوْ أَتَتْ بِهِ كَامِلاً لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ فَتُحَدُّ. وَمِثْل الْمَرْأَةِ الَّتِي لاَ زَوْجَ لَهَا الأَْمَةُ الَّتِي أَنْكَرَ سَيِّدُهَا وَطْأَهَا فَتُحَدُّ (١) . ٢ - اللِّعَانُ: ٤١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى ثُبُوتِ حَدِّ

стр. 14508

الزِّنَى بِاللِّعَانِ إِذَا لاَعَنَ الزَّوْجُ وَامْتَنَعَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهُ، فَيَثْبُتُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَى حِينَئِذٍ وَتُحَدُّ، أَمَّا إِذَا لاَعَنَتْ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا امْتَنَعَتْ عَنِ اللِّعَانِ لاَ حَدَّ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ زِنَاهَا لَمْ يَثْبُتْ؛ وَلأَِنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ، وَيَحْبِسُهَا الْحَاكِمُ حَتَّى تُلاَعِنَ أَوْ تُصَدِّقَهُ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (لِعَانٍ) . إِقَامَةُ حَدِّ الزِّنَى: ١ - مَنْ يُقِيمُ حَدَّ الزِّنَى: ٤٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُقِيمُ حَدَّ الزِّنَى عَلَى الْحُرِّ إِلاَّ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ) ف ٣٦ الْمَوْسُوعَةُ ١٧ / ١٤٤ ٢ - عَلاَنِيَةُ الْحَدِّ: ٤٣ - اسْتَحَبَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُسْتَوْفَى حَدُّ الزِّنَى بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ. قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحُدُودِ الزَّجْرُ، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالْحُضُورِ.

стр. 14509

وَأَوْجَبَ الْحَنَابِلَةُ حُضُورَ طَائِفَةٍ لِيَشْهَدُوا حَدَّ الزِّنَى (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) . ٣ - كَيْفِيَّةُ إِقَامِهِ الْحَدِّ: ٤٤ - سَبَقَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ الْجَلْدِ وَالأَْعْضَاءِ الَّتِي لاَ تُجْلَدُ، وَبَيَانُ إِذَا كَانَ الْمَحْدُودُ مَرِيضًا لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ ضَعِيفًا لاَ يَحْتَمِل الْجَلْدَ (٣) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (جَلْدٍ) ف ١٢ الْمَوْسُوعَةُ الْفِقْهِيَّةُ ١٥ / ٢٤٧ كَمَا أَنَّ تَفْصِيل كَيْفِيَّةِ الرَّجْمِ فِي مُصْطَلَحِ: (رَجْمٍ) ثُمَّ إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنْ تَكُونَ الْحِجَارَةُ فِي الرَّجْمِ مُتَوَسِّطَةً كَالْكَفِّ - تَمْلأَُ الْكَفَّ - فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَمَ بِصَخَرَاتٍ تُذَفِّفُهُ (أَيْ تُجْهِزُ عَلَيْهِ فَوْرًا) فَيَفُوتُ التَّنْكِيل الْمَقْصُودُ، وَلاَ بِحَصَيَاتٍ خَفِيفَةٍ لِئَلاَّ يَطُول تَعْذِيبُهُ، قَال

стр. 14510

الْمَالِكِيَّةُ: وَيَخُصُّ بِالرَّجْمِ الْمَوَاضِعَ الَّتِي هِيَ مَقَاتِل مِنَ الظَّهْرِ وَغَيْرِهِ مِنَ السُّرَّةِ إِلَى مَا فَوْقُ، وَيُتَّقَى الْوَجْهُ وَالْفَرْجُ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنْ يَتَّقِيَ الرَّاجِمُ الْوَجْهَ لِشَرَفِهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوفِ الرَّاجِمِينَ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُصَفُّوا عِنْدَ الرَّجْمِ كَصُفُوفِ الصَّلاَةِ، كُلَّمَا رَجَمَ قَوْمٌ تَأَخَّرُوا وَتَقَدَّمَ غَيْرُهُمْ فَرَجَمُوا. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ أَنْ يَدُورَ النَّاسُ حَوْل الْمَرْجُومِ مِنْ كُل جَانِبٍ كَالدَّائِرَةِ إِنْ كَانَ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ حَاجَةَ إِلَى تَمْكِينِهِ مِنَ الْهَرَبِ، وَلاَ يُسَنُّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ زِنَاهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ لاِحْتِمَال أَنْ يَهْرُبَ فَيُتْرَكَ وَلاَ يُتَمَّمُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُحِيطُ النَّاسُ بِهِ (١) . مُسْقِطَاتُ حَدِّ الزِّنَى: ٤٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ حَدِّ الزِّنَى بِالشُّبْهَةِ، إِذِ الْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ (٢) . وَقَدْ سَبَقَ الْكَلاَمُ عَلَى الشُّبْهَةِ ف ١٤

стр. 14511

كَمَا أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي سُقُوطِ حَدِّ الزِّنَى بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ إِذَا كَانَ ثُبُوتُهُ بِالإِْقْرَارِ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ ف ١٤) الْمَوْسُوعَةُ ١٧ / ١٣٤ كَمَا يَسْقُطُ حَدُّ الزِّنَى بِرُجُوعِ الشُّهُودِ الأَْرْبَعَةِ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٍ) . ٤٦ - وَيَسْقُطُ حَدُّ الزِّنَى أَيْضًا بِتَكْذِيبِ أَحَدِ الزَّانِيَيْنِ لِلآْخَرِ لِلْمُقِرِّ بِالزِّنَى مِنْهُمَا، فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنِ الْمُكَذِّبِ فَقَطْ دُونَ الْمُقِرِّ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ مُؤَاخَذَةً بِإِقْرَارِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَكَذَّبَتْهُ لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْمُقِرِّ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا الْحَدُّ أَيْضًا لَوْ سَكَتَتْ، أَوْ لَمْ تُسْأَل عَنْ ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى سُقُوطِ الْحَدِّ عَنِ الْمُقِرِّ أَيْضًا، لاِنْتِفَاءِ الْحَدِّ عَنِ الْمُنْكِرِ بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلنَّفْيِ عَنْهُ، فَأَوْرَثَ شُبْهَةً فِي حَقِّ الْمُقِرِّ، لأَِنَّ الزِّنَى فِعْلٌ وَاحِدٌ يَتِمُّ بِهِمَا. فَإِذَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةٌ تَعَدَّتْ إِلَى طَرَفَيْهِ لأَِنَّهُ مَا أُطْلِقَ، بَل أَقَرَّ بِالزِّنَى بِمَنْ دَرَأَ الشَّرْعُ الْحَدَّ عَنْهُ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ أَطْلَقَ وَقَال: زَنَيْتُ، فَإِنَّهُ لاَ مُوجِبَ شَرْعًا يَدْفَعُهُ (١) .

стр. 14512

وَبَقَاءُ الْبَكَارَةِ مُسْقِطٌ لِحَدِّ الزِّنَى عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، فَإِذَا شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَى فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا عَذْرَاءُ لَمْ تُحَدَّ بِشُبْهَةِ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، حَيْثُ إِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا لَمْ تُوطَأْ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ تَكْفِي شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بِعُذْرَتِهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَوْ رَجُلاَنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (١) . ٤٧ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُ الزَّانِيَيْنِ الزَّوْجِيَّةَ، كَأَنْ يُقِرَّ الرَّجُل أَنَّهُ زَنَى بِفُلاَنَةَ حَتَّى كَانَ إِقْرَارُهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَقَالَتْ هِيَ: بَل تَزَوَّجَنِي، أَوْ أَقَرَّتْ هِيَ كَذَلِكَ بِالزِّنَى مَعَ فُلاَنٍ، وَقَال الرَّجُل: بَل تَزَوَّجْتُهَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُحَدُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تَحْتَمِل الصِّدْقَ وَهُوَ يَقُومُ بِالطَّرَفَيْنِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً. ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْمَهْرُ تَعْظِيمًا لِخَطَرِ الْبُضْعِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الْبَيِّنَةِ حِينَئِذٍ عَلَى النِّكَاحِ. فَلَوْ قَالَتِ الْمَرْأَةُ: زَنَيْتُ مَعَ هَذَا الرَّجُل، فَأَقَرَّ بِوَطْئِهَا وَادَّعَى أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَكَذَّبَتْهُ وَلاَ بَيِّنَةَ لَهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ، أَمَّا حَدُّهَا فَظَاهِرٌ لإِِقْرَارِهَا بِالزِّنَى، وَأَمَّا حَدُّهُ فَإِنَّهَا لَمْ تُوَافِقْهُ عَلَى النِّكَاحِ وَالأَْصْل عَدَمُ السَّبَبِ الْمُبِيحِ. قَال

стр. 14513

الدُّسُوقِيُّ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ وَلَوْ حَصَل فُشُوٌّ، وَمِثْلُهُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى الرَّجُل وَطْءَ امْرَأَةٍ وَأَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَلَمَّا طُلِبَتْ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةُ قَالاَ: عَقَدْنَا النِّكَاحَ وَلَمْ نُشْهِدْ وَنَحْنُ نُشْهِدُ الآْنَ - وَالْحَال أَنَّهُ لَمْ يَحْصُل فُشُوٌّ يَقُومُ مَقَامَ الإِْشْهَادِ - فَإِنَّ الزَّوْجَيْنِ يُحَدَّانِ لِدُخُولِهِمَا بِلاَ إِشْهَادٍ. وَكَذَا لَوْ وُجِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي بَيْتٍ أَوْ طَرِيقٍ - وَالْحَال أَنَّهُمَا غَيْرُ طَارِئَيْنِ - وَأَقَرَّا بِالْوَطْءِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ وَالإِْشْهَادَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لاَ بَيِّنَةَ لَهُمَا بِذَلِكَ وَلاَ فُشُوَّ يَقُومُ مَقَامَهَا، فَإِنَّهُمَا يُحَدَّانِ، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ السَّبَبِ الْمُبِيحِ لِلْوَطْءِ، فَإِنْ حَصَل فُشُوٌّ أَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ، قُبِل قَوْلُهُمَا وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمَا؛ لأَِنَّهُمَا لَمْ يَدَّعِيَا شَيْئًا مُخَالِفًا لِلْعُرْفِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَى عَلَى الْمُقِرِّ فَقَطْ دُونَ مَنِ ادَّعَى الزَّوْجِيَّةَ فَلاَ يُحَدُّ؛ لأَِنَّ دَعْوَاهُ ذَلِكَ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ عَنْهُ؛ وَلاِحْتِمَال صِدْقِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِْمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ (١) فَإِذَا أَقَرَّتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ زَنَى

стр. 14514

بِهَا مُطَاوَعَةً عَالِمَةً بِتَحْرِيمِهِ حُدَّتْ وَحْدَهَا، وَلاَ مَهْرَ لَهَا مُؤَاخَذَةً لَهَا بِإِقْرَارِهَا. وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيَّةُ حَدَّ الْقَذْفِ عَلَى الْمُقِرِّ أَيْضًا. فَلَوْ قَال: زَنَيْتُ بِفُلاَنَةَ، فَقَالَتْ: كَانَ تَزَوَّجَنِي، صَارَ مُقِرًّا بِالزِّنَى وَقَاذِفًا لَهَا، فَيَلْزَمُهُ حَدُّ الزِّنَى وَحَدُّ الْقَذْفِ (١) . وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ اعْتِرَاضَ مِلْكِ النِّكَاحِ أَوْ مِلْكِ الْيَمِينِ مُسْقِطٌ لِحَدِّ الزِّنَى، بِأَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَوْ بِجَارِيَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا - وَهِيَ إِحْدَى ثَلاَثِ رِوَايَاتٍ عَنْهُ - وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ بُضْعَ الْمَرْأَةِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ فِي حَقِّ الاِسْتِمَاعِ، فَحَصَل الاِسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ فَيَصِيرُ شُبْهَةً، كَالسَّارِقِ إِذَا مَلَكَ الْمَسْرُوقَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ أَنَّهُ لاَ يَسْقُطُ الْحَدُّ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهِيَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَطْءَ حَصَل زِنًى مَحْضًا لِمُصَادَفَتِهِ مَحَلًّا غَيْرَ مَمْلُوكٍ لَهُ فَحَصَل مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَالْعَارِضُ وَهُوَ الْمِلْكُ لاَ يَصْلُحُ مُسْقِطًا لاِقْتِصَارِهِ عَلَى حَالَةِ ثُبُوتِهِ؛ لأَِنَّهُ يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ

стр. 14515

وَالشِّرَاءِ، وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وُجِدَ لِلْحَال، فَلاَ يَسْتَنِدُ الْمِلْكُ الثَّابِتُ بِهِ إِلَى وَقْتِ وُجُودِ الْوَطْءِ، فَبَقِيَ الْوَطْءُ خَالِيًا عَنِ الْمِلْكِ فَبَقِيَ زِنًى مَحْضًا لِلْحَدِّ، بِخِلاَفِ السَّارِقِ إِذَا مَلَكَ الْمَسْرُوقَ لأَِنَّ هُنَاكَ وُجِدَ الْمُسْقِطُ وَهُوَ بُطْلاَنُ وِلاَيَةِ الْخُصُومَةِ؛ لأَِنَّ الْخُصُومَةَ هُنَاكَ شَرْطٌ، وَقَدْ خَرَجَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمًا بِمِلْكِ الْمَسْرُوقِ، لِذَلِكَ افْتَرَقَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ أَنَّ اعْتِرَاضَ الشِّرَاءِ يُسْقِطُ وَاعْتِرَاضَ النِّكَاحِ لاَ يُسْقِطُ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْحَسَنِ أَنَّ الْبُضْعَ لاَ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ، بِدَلِيل أَنَّهَا إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لَهَا، وَالْعُقْرُ بَدَل الْبُضْعِ، وَالْبَدَل إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ كَانَ لَهُ الْمُبْدَل فَلَمْ يَحْصُل اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ مِنْ مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ فَلاَ يُورِثُ شُبْهَةً، وَبُضْعُ الأَْمَةِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى بِالشِّرَاءِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ كَانَ الْعُقْرُ لِلْمَوْلَى فَحَصَل الاِسْتِيفَاءُ مِنْ مَحَلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ فَيُورِثُ شُبْهَةً، فَصَارَ كَالسَّارِقِ إِذَا مَلَكَ الْمَسْرُوقَ بَعْدَ الْقَضَاءِ قَبْل الإِْمْضَاءِ (١) . ٤٨ - كَمَا يَسْقُطُ حَدُّ الزِّنَى فِي الرَّجْمِ خَاصَّةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ بِمَوْتِ الشُّهُودِ أَوْ غَيْبَتِهِمْ أَوْ مَرَضِهِمْ

стр. 14516

بَعْدَ الشَّهَادَةِ أَوْ قَطْعِ أَيْدِيهِمْ؛ لأَِنَّ الْبِدَايَةَ بِالشُّهُودِ شَرْطُ جَوَازِ الإِْقَامَةِ وَقَدْ فَاتَ بِالْمَوْتِ عَلَى وَجْهٍ لاَ يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ، فَسَقَطَ الْحَدُّ ضَرُورَةً (١) . وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٍ ف ٣٨) الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ ١٧ / ١٤٥ زُنْبُورٌ انْظُرْ: أَطْعِمَةٌ، مِيَاهٌ، مَعْفُوَّاتٌ زَنْدٌ انْظُرْ: جِنَايَاتٌ، دِيَاتٌ

стр. 14517

زَنْدَقَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الزَّنْدَقَةُ لُغَةً: الضِّيقُ، وَقِيل: الزِّنْدِيقُ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الزِّنْدِيقُ مَعْرُوفٌ، وَزَنْدَقَتُهُ أَنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ بِالآْخِرَةِ وَوَحْدَانِيَّةِ الْخَالِقِ، وَقَدْ تَزَنْدَقَ، وَالاِسْمُ: الزَّنْدَقَةُ، قَال ثَعْلَبٌ: لَيْسَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ زِنْدِيقٌ، وَإِنَّمَا تَقُول الْعَرَبُ: زَنْدَقٌ وَزَنْدَقِيٌّ إِذَا كَانَ شَدِيدَ الْبُخْل، فَإِذَا أَرَادَتِ الْعَرَبُ مَعْنَى مَا تَقُول الْعَامَّةُ قَالُوا: مُلْحِدٌ وَدَهْرِيٌّ (بِفَتْحِ الدَّال) ، فَإِذَا أَرَادُوا مَعْنَى السِّنِّ قَالُوا: دُهْرِيٌّ (بِضَمِّ الدَّال) (١) . وَالزَّنْدَقَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إِظْهَارُ الإِْسْلاَمِ وَإِبْطَانُ الْكُفْرِ، فَالزِّنْدِيقُ هُوَ مَنْ يُظْهِرُ الإِْسْلاَمَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي الصَّدْرِ الأَْوَّل مُنَافِقًا، وَيُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ زِنْدِيقًا. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ الزَّنْدَقَةُ: عَدَمُ التَّدَيُّنِ بِدِينٍ، أَوْ هِيَ الْقَوْل بِبَقَاءِ الدَّهْرِ وَاعْتِقَادُ

стр. 14518

أَنَّ الأَْمْوَال وَالْحُرُمَ مُشْتَرَكَةٌ (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الرِّدَّةُ: ٢ - الاِرْتِدَادُ فِي اللُّغَةِ: التَّحَوُّل وَالرُّجُوعُ، وَالاِسْمُ: الرِّدَّةُ. وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلرِّدَّةِ هُوَ رُجُوعُ الْمُسْلِمِ عَنْ دِينِهِ (٢) . وَبَيْنَ الرِّدَّةِ وَالزَّنْدَقَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ يَجْتَمِعَانِ فِي الْمُرْتَدِّ إِذَا أَخْفَى كُفْرَهُ وَأَظْهَرَ الإِْسْلاَمَ، وَيَنْفَرِدُ الْمُرْتَدُّ فِيمَنِ ارْتَدَّ عَلاَنِيَةً، وَيَنْفَرِدُ الزِّنْدِيقُ فِيمَنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ إِسْلاَمٌ صَحِيحٌ. ب - الإِْلْحَادُ: ٣ - الإِْلْحَادُ لُغَةً: الْمَيْل. قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: الْمُلْحِدُ الْعَادِل عَنِ الْحَقِّ الْمُدْخِل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، يُقَال: أَلْحَدَ فِي الدِّينِ وَلَحَدَ أَيْ حَادَ عَنْهُ (٣) . وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ: الْمُلْحِدُ مَنْ مَال عَنِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ إِلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكُفْرِ، مَنْ أَلْحَدَ فِي الدِّينِ أَيْ حَادَ وَعَدَل، لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الاِعْتِرَافُ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ

стр. 14519

وَلاَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَلاَ إِضْمَارِ الْكُفْرِ، فَالْمُلْحِدُ أَوْسَعُ فِرَقِ الْكُفْرِ فَهُوَ أَعَمُّ (١) . ج - النِّفَاقُ: ٤ - النِّفَاقُ: فِعْل الْمُنَافِقِ، وَالنِّفَاقُ: الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ مِنْ وَجْهٍ وَالْخُرُوجُ عَنْهُ مِنْ آخَرَ، مُشْتَقٌّ مِنْ نَافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ، وَقَدْ نَافَقَ مُنَافَقَةً وَنِفَاقًا، وَهُوَ اسْمٌ إِسْلاَمِيٌّ لَمْ تَعْرِفْهُ الْعَرَبُ بِالْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ بِهِ وَهُوَ الَّذِي يَسْتُرُ كُفْرَهُ وَيُظْهِرُ إِيمَانَهُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مَعْرُوفًا (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزِّنْدِيقِ وَالْمُنَافِقِ وَالدَّهْرِيِّ وَالْمُلْحِدِ مَعَ الاِشْتِرَاكِ فِي إِبْطَانِ الْكُفْرِ، أَنَّ الْمُنَافِقَ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَالدَّهْرِيَّ كَذَلِكَ مَعَ إِنْكَارِ إِسْنَادِ الْحَوَادِثِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ ، وَالْمُلْحِدَ وَهُوَ مَنْ مَال عَنِ الشَّرْعِ الْقَوِيمِ إِلَى جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْكُفْرِ، مَنْ أَلْحَدَ فِي الدِّينِ أَيْ حَادَ وَعَدَل لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الاِعْتِرَافُ بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ وَلاَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَبِهَذَا فَارَقَ أَيْضًا، كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ إِضْمَارُ الْكُفْرِ وَبِهِ فَارَقَ الْمُنَافِقُ،

стр. 14520

وَلاَ سَبَقَ الإِْسْلاَمَ، وَبِهِ فَارَقَ الدَّهْرِيُّ الْمُرْتَدُّ، فَالْمُلْحِدُ أَوْسَعُ فِرَقِ الْكُفْرِ حَدًّا أَيْ هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكُل (١) . مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّنْدَقَةِ مِنْ أَحْكَامٍ: الْحُكْمُ بِكُفْرِ مَنْ تَزَنْدَقَ: ٥ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّنْدَقَةَ كُفْرٌ، فَمَنْ كَانَ مُسْلِمًا ثُمَّ تَزَنْدَقَ، بِأَنْ صَارَ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الإِْسْلاَمَ، أَوْ صَارَ لاَ يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ كَافِرًا، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي اسْتِتَابَتِهِ وَفِي قَبُول تَوْبَتِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: يُفَرِّقُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَنْ تَابَ قَبْل الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ وَالْعِلْمِ بِزَنْدَقَتِهِ، وَبَيْنَ مَنْ أُخِذَ قَبْل أَنْ يَتُوبَ، فَمَنْ كَانَ زِنْدِيقًا ثُمَّ تَابَ إِلَى اللَّهِ وَرَجَعَ عَنْ زَنْدَقَتِهِ، وَتَقَدَّمَ مُعْلِنًا تَوْبَتَهُ قَبْل أَنْ يُعْرَفَ ذَلِكَ عَنْهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلاَ يُقْتَل، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ نَقْلاً عَنِ الْخَانِيَّةِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ الزِّنْدِيقَ إِنْ أُخِذَ بَعْدَ أَنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ - وَبِهَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ - وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُقْتَل وَلاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ. وَإِنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْل أَنْ يَتُوبَ وَرُفِعَ إِلَى الْحَاكِمِ فَلاَ تُقْبَل تَوْبَتُهُ وَيُقْتَل، وَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِحَالِهِ إِمَّا بِاعْتِرَافِهِ أَوْ بِشَهَادَةِ بَعْضِ النَّاسِ عَلَيْهِ، أَوْ يُسِرُّ هُوَ بِحَالِهِ إِلَى مَنْ أَمِنَ إِلَيْهِ.

стр. 14521

وَالْخِلاَفُ فِي قَبُول التَّوْبَةِ وَعَدَمِهَا إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الدُّنْيَا، أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَل تَوْبَتُهُ بِلاَ خِلاَفٍ (١) . هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَنْ يَتُوبَ قَبْل الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَبُول تَوْبَتِهِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: مَفْهُومُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الزِّنْدِيقَ إِذَا تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَمْ يُقْتَل، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْخَلاَّل، وَقَال: إِنَّهُ أَوْلَى عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَيُرْوَى ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَالدَّلِيل عَلَى قَبُول تَوْبَتِهِ وَعَدَمِ قَتْلِهِ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾ (٢) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِْسْلاَمِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ (٣) .

стр. 14522

وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلاً سَارَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا سَارَّ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْل رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ قَال: بَلَى وَلاَ شَهَادَةَ لَهُ، قَال: أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ قَال: بَلَى وَلاَ صَلاَةَ لَهُ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ (١) كَمَا يَدُل عَلَى قَبُول تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَْسْفَل مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٢) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ تُقْبَل تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٣) وَلأَِنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَيْنُ الزَّنْدَقَةِ، وَلأَِنَّهُ لاَ تَظْهَرُ مِنْهُ عَلاَمَةٌ تُبَيِّنُ رُجُوعَهُ وَتَوْبَتَهُ لأَِنَّهُ كَانَ مُظْهِرًا لِلإِْسْلاَمِ مُسِرًّا لِلْكُفْرِ، فَإِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ فَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ قَبْلَهَا وَهُوَ إِظْهَارُ الإِْسْلاَمِ (٤) .

стр. 14523

مَال مَنْ تَزَنْدَقَ وَمَنْ يَرِثُهُ: ٦ - مِلْكُ الزِّنْدِيقِ يَزُول عَنْ مَالِهِ زَوَالاً مَوْقُوفًا، فَإِنْ مَاتَ قَبْل الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ ثُمَّ عُرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ أَوْ بَعْدَ أَنْ جَاءَ تَائِبًا، أَوْ قُتِل بَعْدَ الاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ وَبَعْدَ تَوْبَتِهِ لِعَدَمِ قَبُولِهَا مِنْهُ (عِنْدَ مَنْ يَقُول بِذَلِكَ) ، فَمَالُهُ لِوَارِثِهِ، وَإِنْ عُرِفَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَتُبْ وَلَمْ يُنْكِرْ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ حَتَّى قُتِل أَوْ مَاتَ، فَمَالُهُ لِبَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ (١) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ (إِرْثٌ، رِدَّةٌ) .

стр. 14524

زُنَّارٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الزُّنَّارُ وَالزُّنَّارَةُ فِي اللُّغَةِ مَا يَشُدُّهُ الْمَجُوسِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ عَلَى وَسَطِهِ (١) . وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ، فَفِي الدُّسُوقِيِّ: الزُّنَّارُ خُيُوطٌ مُتَلَوِّنَةٌ بِأَلْوَانٍ شَتَّى يَشُدُّ بِهَا الذِّمِّيُّ وَسَطَهُ (٢) . وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: الزُّنَّارُ خَيْطٌ غَلِيظٌ فِيهِ أَلْوَانٌ يَشُدُّ بِهِ الذِّمِّيُّ وَسَطَهُ (٣) . وَهُوَ يَكُونُ فَوْقَ الثِّيَابِ (٤) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْحِزَامُ: ٢ - الْحِزَامُ اسْمُ مَا حُزِّمَ بِهِ، وَاحْتَزَمَ الرَّجُل وَتَحَزَّمَ إِذَا شَدَّ وَسَطَهُ بِحَبْلٍ، وَيَكُونُ الْحِزَامُ أَيْضًا لِلصَّبِيِّ فِي مَهْدِهِ، وَالْحِزَامُ لِلسَّرْجِ وَالدَّابَّةِ، وَحَزَّمَ الْفَرَسَ: شَدَّ حِزَامَهُ، وَأَحْزَمَهُ جَعَل لَهُ حِزَامًا (٥) .

стр. 14525

ب - النِّطَاقُ: ٣ - الْمِنْطَقُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالنِّطَاقُ: كُل مَا شُدَّ بِهِ الْوَسَطُ، وَالنِّطَاقُ شِبْهُ إِزَارٍ فِيهِ تِكَّةٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَنْتَطِقُ بِهِ. وَفِي الْمُحْكَمِ: النِّطَاقُ شُقَّةٌ أَوْ ثَوْبٌ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ تَشُدُّ وَسَطَهَا بِحَبْلٍ ثُمَّ تُرْسِل الأَْعْلَى عَلَى الأَْسْفَل إِلَى الرُّكْبَةِ (١) . ج - الْهِمْيَانُ: ٤ - الْهِمْيَانُ: كِيسٌ تُجْعَل فِيهِ النَّفَقَةُ وَيُشَدُّ عَلَى الْوَسَطِ، وَفِي اللِّسَانِ: الْهِمْيَانُ هِمْيَانُ الدَّرَاهِمِ، أَيِ الَّذِي تُجْعَل فِيهِ النَّفَقَةُ، وَهُوَ أَيْضًا: شِدَادُ السَّرَاوِيل وَالْمِنْطَقَةِ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَشُدُّ بِهَا حَقْوَيْهَا. إِمَّا تِكَّةٌ وَإِمَّا خَيْطٌ (٢) . مَا يَتَعَلَّقُ بِالزُّنَّارِ مِنْ أَحْكَامٍ: أَوَّلاً: اتِّخَاذُ أَهْل الذِّمَّةِ الزُّنَّارَ: ٥ - مِمَّا يُؤْخَذُ بِهِ أَهْل الذِّمَّةِ وُجُوبًا إِظْهَارُ عَلاَمَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا، وَلاَ يُتْرَكُونَ يَتَشَبَّهُونَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي لِبَاسِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ كَيْ لاَ يُعَامَلُوا مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُؤْمَرُ بِشَدِّ الزُّنَّارِ فِي وَسَطِهِ مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ عَلاَمَةً مُمَيِّزَةً لَهُ، فَلاَ يُعَامَل مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 14526

كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ أَيْضًا تُؤْخَذُ بِذَلِكَ وَتَشُدُّهُ تَحْتَ إِزَارِهَا بِحَيْثُ يَظْهَرُ بَعْضُهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ. وَمَنْ خَالَفَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ وَتَرَكَ الزُّنَّارَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِهِ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ (١) . ثَانِيًا: لُبْسُ الْمُسْلِمِ الزُّنَّارَ: ٦ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ شَدُّ الزُّنَّارِ فِي وَسَطِهِ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي يُلْزَمُ بِهَا أَهْل الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ تَشَبُّهٌ بِهِمْ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ (٢) . وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. وَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ مَنْ شَدَّ عَلَى وَسَطِهِ زُنَّارًا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي يَلْزَمُ بِهَا أَهْل الذِّمَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَاصٍ بِذَلِكَ كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، حَيْثُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّزَيِّي بِزِيِّ الْكُفَّارِ (٣) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَعَظَ الإِْمَامُ فَاسِقًا وَنَدَبَهُ إِلَى التَّوْبَةِ، فَقَال: بَعْدَ الْيَوْمِ

стр. 14527

أَضَعُ عَلَى رَأْسِي قَلَنْسُوَةَ الْمَجُوسِ، وَكَانَتْ عَلاَمَةً خَاصَّةً بِهِمْ يَكْفُرُ؛ لأَِنَّ وَضْعَ تِلْكَ الْقَلَنْسُوَةِ كَشَدِّ الزُّنَّارِ عَلاَمَةُ الْكُفْرِ. وَمَنْ شَدَّ الزُّنَّارَ وَدَخَل دَارَ الْحَرْبِ كَفَرَ، قَال الأُْسْرُوشَنِيُّ: إِنْ فَعَل ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ الأَْسِيرِ لاَ يَكْفُرُ، وَلَوْ دَخَل لِلتِّجَارَةِ كَفَرَ، وَمَنْ لَفَّ عَلَى وَسَطِهِ حَبْلاً وَقَال: هَذَا زُنَّارٌ لاَ يَكْفُرُ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ؛ لأَِنَّهُ تَصْرِيحٌ بِالْكُفْرِ (١) . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا قَال الدَّرْدِيرُ: مِنْ عَلاَمَاتِ الرِّدَّةِ صُدُورُ فِعْلٍ يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَشَدِّ زُنَّارٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَلْبُوسُ الْكَافِرِ الْخَاصُّ بِهِ أَيْ إِذَا فَعَلَهُ حُبًّا فِيهِ وَمَيْلاً لأَِهْلِهِ، وَأَمَّا إِنْ لَبِسَهُ لَعِبًا فَحَرَامٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ، قَال الدُّسُوقِيُّ: يَكْفُرُ إِذَا فَعَلَهُ حُبًّا فِيهِ سَوَاءٌ أَسَعَى بِهِ لِلْكَنِيسَةِ وَنَحْوِهَا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَفَعَلَهُ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ أَمْ فِي بِلاَدِهِمْ، فَالْمَدَارُ فِي الرِّدَّةِ عَلَى فِعْلِهِ حُبًّا فِيهِ وَمَيْلاً لأَِهْلِهِ كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَرْزُوقٍ، لَكِنَّ الزَّرْقَانِيَّ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالسَّعْيِ بِهِ لِلْكَنِيسَةِ وَبِفِعْلِهِ فِي بِلاَدِ الإِْسْلاَمِ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ كَأَسِيرٍ عِنْدَهُمْ يُضْطَرُّ إِلَى اسْتِعْمَال ثِيَابِهِمْ، فَلاَ حُرْمَةَ عَلَيْهِ فَضْلاً عَنِ الرِّدَّةِ كَمَا قَال ابْنُ مَرْزُوقٍ (٢) .

стр. 14528

زَوَائِدُ انْظُرْ: زِيَادَةٌ. زَوَاجٌ انْظُرْ: نِكَاحٌ.

стр. 14529

زَوَالٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الزَّوَال لُغَةً: الْحَرَكَةُ وَالذَّهَابُ وَالاِسْتِحَالَةُ وَالاِضْمِحْلاَل. وَزَال الشَّيْءُ عَنْ مَكَانِهِ، وَأَزَالَهُ غَيَّرَهُ. وَيُقَال: رَأَيْتُ شَبَحًا ثُمَّ زَال، أَيْ تَحَرَّكَ. وَالزَّوَائِل: النُّجُومُ لِزَوَالِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ. وَالزَّوَال: زَوَال الشَّمْسِ، وَزَوَال الْمِلْكِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَزُول عَنْ حَالِهِ. وَزَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ، وَزَال الظِّل (١) . وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: وَرَدَتِ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالزَّوَال فِي أَمَاكِنَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْهَا: أ - وَقْتُ صَلاَةِ الظُّهْرِ: ٢ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ وَقْتَ صَلاَةِ الظُّهْرِ يَدْخُل حِينَ تَزُول الشَّمْسُ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ، وَهُوَ

стр. 14530

مَيْل الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ إِلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ. فَلَوْ شَرَعَ الْمُصَلِّي فِي التَّكْبِيرِ قَبْل ظُهُورِ الزَّوَال ثُمَّ ظَهَرَ الزَّوَال عَقِبَ التَّكْبِيرِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَصِحَّ الظُّهْرُ. وَيُعْرَفُ الزَّوَال بِزِيَادَةِ الظِّل بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ لأَِنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ رُفِعَ لِكُل شَاخِصٍ ظِلٌّ طَوِيلٌ إِلَى جَانِبِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ كُلَّمَا دَامَتِ الشَّمْسُ فِي الاِرْتِفَاعِ فَالظِّل يَنْتَقِصُ، فَإِذَا انْتَهَتِ الشَّمْسُ إِلَى وَسَطِ السَّمَاءِ - وَهِيَ حَالَةُ الاِسْتِوَاءِ وَانْتِصَافِ النَّهَارِ - انْتَهَى نُقْصَانُ الظِّل وَوَقَفَ، فَإِذَا زَادَ الظِّل أَدْنَى زِيَادَةً إِلَى الْجِهَةِ الأُْخْرَى دَل ذَلِكَ عَلَى الزَّوَال. قَال النَّوَوِيُّ: إِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ زَوَال الشَّمْسِ فَانْصِبْ عَصًا أَوْ غَيْرَهَا فِي الشَّمْسِ عَلَى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ وَعَلِّمْ عَلَى طَرَفِ ظِلِّهَا ثُمَّ رَاقِبْهُ فَإِنْ نَقَصَ الظِّل عَلِمْتَ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَزُل، وَلاَ تَزَال تَرْقُبُهُ حَتَّى يَزِيدَ فَمَتَى زَادَ عَلِمْتَ الزَّوَال. وَيَخْتَلِفُ قَدْرُ مَا تَزُول عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنَ الظِّل بِاخْتِلاَفِ الأَْزْمَانِ وَالأَْمَاكِنِ، فَأَقْصَرُ مَا يَكُونُ الظِّل عِنْدَ الزَّوَال فِي الصَّيْفِ عِنْدَ تَنَاهِي طُول النَّهَارِ، وَأَطْوَل مَا يَكُونُ فِي الشِّتَاءِ عِنْدَ تَنَاهِي قِصَرِ النَّهَارِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلأَْمَاكِنِ فَكُلَّمَا قَرُبَ الْمَكَانُ مِنْ خَطِّ الاِسْتِوَاءِ نَقَصَ الظِّل عِنْدَ الزَّوَال. وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ وَقْتَ صَلاَةِ الظُّهْرِ يَدْخُل
следующие страницы →