Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14596–14635 · переход к 14601.
стр. 14596
٨ - وَقَدْ أَوْرَدَ الْعُلَمَاءُ عِبَارَاتٍ كَثِيرَةً صَاغُوهَا لِتَعْلِيمِ النَّاسِ، ضَمَّنُوهَا ثَنَاءً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
فَيَدْعُو الإِْنْسَانُ بِدُعَاءِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَيُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْعُو بِمَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
٩ - وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ قَدْ أَوْصَاهُ بِالسَّلاَمِ عَلَيْهِ ﷺ فَلْيَقُل: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ، أَوْ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ، أَوْ مَا شَابَهُ ذَلِكَ.
١٠ - ثُمَّ يَتَأَخَّرُ إِلَى صَوْبِ الْيَمِينِ قَدْرَ ذِرَاعِ الْيَدِ لِلسَّلاَمِ عَلَى الصِّدِّيقِ الأَْكْبَرِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ﵁، لأَِنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ كَتِفِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِمَا يَحْضُرُهُ مِنَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي تَلِيقُ بِمَقَامِ الصِّدِّيقِ ﵁.
١١ - ثُمَّ يَتَنَحَّى صَوْبَ الْيَمِينِ قَدْرَ ذِرَاعٍ لِلسَّلاَمِ عَلَى الْفَارُوقِ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الإِْسْلاَمَ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِمَا يَحْضُرُهُ مِنَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي تَلِيقُ بِمَقَامِهِ ﵁.
١٢ - ثُمَّ يَرْجِعُ لِيَقِفَ قُبَالَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَالأَْوَّل، وَيَدْعُو مُتَشَفِّعًا بِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْخَيْرَاتِ لَهُ وَلِمَنْ يُحِبُّ وَلِلْمُسْلِمِينَ. وَيُرَاعِي فِي كُل ذَلِكَ أَحْوَال الزِّحَامِ بِحَيْثُ لاَ يُؤْذِي مُسْلِمًا. (١) стр. 14597
زِيَارَةُ الْقُبُورِ
حُكْمُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ:
١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ تُنْدَبُ لِلرِّجَال زِيَارَةُ الْقُبُورِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالآْخِرَةِ، (١) وَلأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْبَقِيعِ لِزِيَارَةِ الْمَوْتَى وَيَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: أَسْأَل اللَّهَ لِي وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ. (٢)
أَمَّا النِّسَاءُ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ تُكْرَهُ زِيَارَتُهُنَّ لِلْقُبُورِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ (٣) . وَلأَِنَّ النِّسَاءَ فِيهِنَّ رِقَّةُ قَلْبٍ، وَكَثْرَةُ جَزَعٍ، وَقِلَّةُ احْتِمَالٍ لِلْمَصَائِبِ، وَهَذَا مَظِنَّةٌ стр. 14598
لِطَلَبِ بُكَائِهِنَّ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ كَمَا يُنْدَبُ لِلرِّجَال، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ (١) الْحَدِيثُ.
وَقَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّدْبِ وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُنَّ فَلاَ تَجُوزُ، وَعَلَيْهِ حُمِل حَدِيثُ لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. وَإِنْ كَانَ لِلاِعْتِبَارِ وَالتَّرَحُّمِ مِنْ غَيْرِ بُكَاءٍ، وَالتَّبَرُّكِ بِزِيَارَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ فَلاَ بَأْسَ - إِذَا كُنَّ عَجَائِزَ - وَيُكْرَهُ إِذَا كُنَّ شَوَابَّ، كَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تُكْرَهُ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ، لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (٢) فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ، حَرُمَتْ زِيَارَتُهُنَّ الْقُبُورَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْلُهُ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ.
قَالُوا: وَإِنِ اجْتَازَتِ امْرَأَةٌ بِقَبْرٍ فِي طَرِيقِهَا فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَدَعَتْ لَهُ فَحَسَنٌ؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ لِذَلِكَ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْكَرَاهَةِ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُنَّ زِيَارَتُهُ، وَكَذَا قُبُورُ الأَْنْبِيَاءِ غَيْرِهِ стр. 14599
عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي طَلَبِ زِيَارَتِهِ ﷺ . (١)
زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ:
٢ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ زِيَارَة قَبْرِ الْكَافِرِ جَائِزَةٌ.
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: تَحْرُمُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ.
قَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يُسَلِّمُ مَنْ زَارَ قَبْرَ كَافِرٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ (٢) .
شَدُّ الرِّحَال لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ شَدُّ الرَّحْل لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ، وَخُصُوصًا قُبُورُ الأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى، (٣) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ قَال: لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَهُوَ جَاءٍ مِنَ الطُّورِ فَقَال: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَال: مِنَ الطُّورِ، صَلَّيْتُ فِيهِ. قَال: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْل أَنْ تَرْحَل стр. 14600
إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (١) . وَنَقَل ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (٢)
وَحَمَل الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَسَاجِدِ، فَلاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ مِنْهَا. بِدَلِيل جَوَازِ شَدِّ الرِّحَال لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَلِلتِّجَارَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لاَ يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تُشَدَّ رِحَالُهُ إِلَى مَسْجِدٍ يَنْبَغِي فِيهِ الصَّلاَةُ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا. (٣)
زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ :
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي زِيَارَةِ قُبُورِ الأَْنْبِيَاءِ وَالأَْوْلِيَاءِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
آدَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ:
٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ زِيَارَتُهَا قَائِمًا، وَالدُّعَاءُ стр. 14601
عِنْدَهَا قَائِمًا، كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْبَقِيعِ، وَيَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْل الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَْثَرِ (١) . - أَوْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْل الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ، نَسْأَل اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ (٢) ثُمَّ يَدْعُو قَائِمًا، طَوِيلاً.
وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: يَدْعُو قَائِمًا مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، وَقِيل: يَسْتَقْبِل وَجْهَ الْمَيِّتِ. (٣)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُنْدَبُ أَنْ يَقُول الزَّائِرُ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَأَنْ يَقْرَأَ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وَيَدْعُوَ لَهُمْ، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمَزُورِ مِنْ قِبَل وَجْهِهِ، وَأَنْ يَتَوَجَّهَ فِي الدُّعَاءِ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَعَنِ الْخُرَاسَانِيِّينَ إِلَى وَجْهِهِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَل. (٤)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: سُنَّ وُقُوفُ زَائِرٍ أَمَامَهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَقَوْل: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، أَوْ أَهْل الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ стр. 14602
لَلاَحِقُونَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَل اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ. (١)
وَفِي الْقُنْيَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: قَال أَبُو اللَّيْثِ: لاَ نَعْرِفُ وَضْعَ الْيَدِ عَلَى الْقَبْرِ سُنَّةً وَلاَ مُسْتَحَبًّا وَلاَ نَرَى بَأْسًا، وَعَنْ جَارِ اللَّهِ الْعَلاَّمَةِ: إِنَّ مَشَايِخَ مَكَّةَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ عَادَةُ أَهْل الْكِتَابِ، وَفِي إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ: إِنَّهُ مِنْ عَادَةِ النَّصَارَى.
قَال شَارِحُ الْمُنْيَةِ: لاَ شَكَّ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، لاَ سُنَّةَ فِيهِ وَلاَ أَثَرَ عَنْ صَحَابِيٍّ وَلاَ عَنْ إِمَامٍ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَيُكْرَهُ، وَلَمْ يُعْهَدِ الاِسْتِلاَمُ فِي السُّنَّةِ إِلاَّ لِلْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ خَاصَّةً. (٢)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ بَأْسَ بِلَمْسِ قَبْرٍ بِيَدٍ لاَ سِيَّمَا مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُسْتَلَمُ وَلاَ يُقَبَّل إِلاَّ الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ يُسْتَلَمُ وَلاَ يُقَبَّل. (٣)
بِدَعُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ:
٦ - يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أُمُورٌ مَكْرُوهَةٌ فِي زِيَارَتِهِمْ لِلْقُبُورِ، ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ فِي مَظَانِّهَا، وَفِي стр. 14603
كُتُبِ الآْدَابِ. وَيُنْظَرُ مَا تَقَدَّمَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ حَوْل مَنْعِ اجْتِمَاعِ الْعَامَّةِ فِي بَعْضِ الأَْضْرِحَةِ.
زَيْفٌ
انْظُرْ: زُيُوفٌ
زِينَةٌ
انْظُرْ: تَزَيُّنٌ.
стр. 14604
زُيُوفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الزُّيُوفُ لُغَةً: النُّقُودُ الرَّدِيئَةُ، وَهِيَ جَمْعُ زَيْفٍ، وَهُوَ فِي الأَْصْل مَصْدَرٌ، ثُمَّ وُصِفَ بِالْمَصْدَرِ، فَيُقَال: دِرْهَمٌ زَيْفٌ، وَدَرَاهِمُ زُيُوفٌ، وَرُبَّمَا قِيل: زَائِفَةٌ. (١) قَال بَعْضُهُمْ: الزُّيُوفُ هِيَ الْمَطْلِيَّةُ بِالزِّئْبَقِ الْمَعْقُودِ بِمُزَاوَجَةِ الْكِبْرِيتِ وَتُسَكُّ بِقَدْرِ الدَّرَاهِمِ الْجَيِّدَةِ لِتَلْتَبِسَ بِهَا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: " أَنَّهُ بَاعَ نُفَايَةَ بَيْتِ الْمَال وَكَانَتْ زُيُوفًا وَقَسِّيَّةً (٢) . أَيْ رَدِيئَةً.
وَالتَّزْيِيفُ لُغَةً: إِظْهَارُ زَيْفِ الدَّرَاهِمِ. (٣)
وَلاَ يَخْرُجُ اصْطِلاَحُ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَقَدْ أَصْبَحَ لِلزُّيُوفِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ مَعْنًى آخَرَ. стр. 14605
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْجِيَادُ:
٢ - الْجِيَادُ لُغَةً: جَمِيعُ جَيِّدَةٍ، وَالدَّرَاهِمُ الْجِيَادُ مَا كَانَ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ تَرُوجُ فِي التِّجَارَاتِ وَتُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَال. (١) وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَهُمَا التَّضَادُّ.
ب - النَّبَهْرَجَةُ:
٣ - التَّبَهْرُجُ وَالْبَهْرَجُ: الرَّدِيءُ مِنَ الشَّيْءِ، وَدِرْهَمٌ نُبَهْرَجٌ، أَوْ بَهْرَجٌ، أَوْ مُبَهْرَجٌ أَيْ رَدِيءُ الْفِضَّةِ، وَهُوَ مَا يَرُدُّهُ التُّجَّارُ، وَقِيل هُوَ: مَا ضُرِبَ فِي غَيْرِ دَارِ السُّلْطَانِ.
ج - السَّتُّوقَةُ:
٤ - وَهِيَ صُفْرٌ مُمَوَّهٌ بِالْفِضَّةِ نُحَاسُهَا أَكْثَرُ مِنْ فِضَّتِهَا (٢) .
د - الْفُلُوسُ:
٥ - الْفُلُوسُ جَمْعُ فَلْسٍ، وَهُوَ قِطْعَةٌ مَضْرُوبَةٌ مِنَ النُّحَاسِ يُتَعَامَل بِهَا.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا:
٦ - يَجُوزُ التَّعَامُل بِدَرَاهِمَ زُيُوفٍ أَيْ " مَغْشُوشَةٍ " وَإِنْ جَهِل قَدْرَ غِشِّهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لَهَا قِيمَةٌ إِنِ انْفَرَدَتِ الْفِضَّةُ أَمْ لاَ، стр. 14606
اسْتُهْلِكَتْ فِيهَا أَمْ لاَ، وَلَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَلاَ يَضُرُّ اخْتِلاَطُهَا بِالنُّحَاسِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ رَوَاجُهَا، وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَعَامَلُونَ بِدَرَاهِمِ الْعَجَمِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَضْرِبْ نُقُودًا وَلاَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، ﵃، وَكَانُوا إِذَا زَافَتْ عَلَيْهِمْ أَتَوْا بِهَا إِلَى السُّوقِ وَقَالُوا: مَنْ يَبِيعُنَا بِهَذِهِ، وَسُئِل أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي دَرَاهِمَ يُقَال لَهَا: الْمُسَيَّبِيَّةُ عَامَّتُهَا مِنْ نُحَاسٍ، إِلاَّ أَنَّ فِيهَا شَيْئًا مِنَ الْفِضَّةِ فَقَال: إِذَا كَانَ شَيْئًا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ أَرْجُو أَلاَّ يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ تَغْرِيرَ فِيهِ وَلاَ يُمْنَعُ النَّاسُ مِنْهُ، لأَِنَّهُ مُسْتَفِيضٌ فِي سَائِرِ الأَْعْصَارِ جَارٍ بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. (١) أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَارَفِ النَّاسُ عَلَى التَّعَامُل بِهَا فَلاَ يَجُوزُ.
ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ الزُّيُوفِ:
٧ - يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ ضَرْبُ نُقُودٍ زَائِفَةٍ، كَمَا يُكْرَهُ لِلأَْفْرَادِ اتِّخَاذُهَا، أَوْ إِمْسَاكُهَا؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَتَعَامَل بِهَا مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَالَهَا فَيَظُنُّهَا جَيِّدَةً وَلِخَبَرِ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا. (٢)
وَمَنِ اجْتَمَعَتْ عِنْدَهُ زُيُوفٌ فَلاَ يُمْسِكُهَا بَل يَسْبِكُهَا وَيَصُوغُهَا، وَلاَ يَبِيعُهَا لِلنَّاسِ، إِلاَّ أَنْ стр. 14607
يُبَيِّنَ حَالَهَا لِلْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّهُ رُبَّمَا خَلَطَهَا بِدَرَاهِمَ جَيِّدَةٍ، وَيُعَامِل مَنْ لاَ يَعْرِفُهَا فَيَكُونُ تَغْرِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ وَإِدْخَالاً لِلضَّرَرِ عَلَيْهِمْ. وَقَال أَحْمَدُ: لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَغُرَّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ أَقُول إِنَّهَا حَرَامٌ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يَأْخُذَ الزُّيُوفَ لِبَيْتِ الْمَال مِنْ أَهْل الْجِزْيَةِ وَمِنْ أَهْل الأَْرَاضِي الْخَرَاجِيَّةِ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَكْسِرُ الزُّيُوفَ وَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَال (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ فِي الْقَوْل الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ: لاَ يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ زَائِفٍ بِدِرْهَمٍ جَيِّدٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَلاَ بِعَرَضٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ إِلَى إِدْخَال الْغِشِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يُرِيقُ اللَّبَنَ الْمَشُوبَ بِالْمَاءِ، تَأْدِيبًا لِصَاحِبِهِ، فَإِجَازَةُ شِرَائِهِ إِجَازَةٌ لِغِشِّهِ وَإِفْسَادٌ لأَِسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلِخَبَرِ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا.
وَقَدْ نَهَى عُمَرُ ﵁ عَنْ بَيْعِ نُفَايَةِ بَيْتِ الْمَال، وَكَانَتْ زُيُوفًا؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ - وَهُوَ الْفِضَّةُ - مَجْهُولٌ، فَأَشْبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ، وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ بِالْمَاءِ.
وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) стр. 14608
وَيُعَلِّل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَنْعَ بَيْعِ الدَّرَاهِمِ الْجَيِّدَةِ بِالدَّرَاهِمِ الزُّيُوفِ بِأَنَّهُ مِنْ رِبَا الْفَضْل لِعَدَمِ مَعْرِفَةِ التَّمَاثُل مَعَ وَحْدَةِ الْجِنْسِ فِي الْعِوَضَيْنِ.
وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الزُّيُوفِ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزُّيُوفِ مِنَ الدَّرَاهِمِ.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الْفِضَّةُ فِيهَا هِيَ الْغَالِبَةُ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ؛ لأَِنَّ الْغِشَّ مُسْتَهْلَكٌ مَغْمُورٌ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ قَال: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الدَّرَاهِمِ الْجِيَادِ، وَالزُّيُوفِ، وَالنَّبَهْرَجَةِ، وَالْمُزَيَّفَةِ، إِذَا كَانَ الْغَالِبُ فِيهَا الْفِضَّةَ؛ لأَِنَّ مَا يَغْلِبُ فِضَّتُهُ عَلَى غِشِّهِ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الدِّرْهَمِ مُطْلَقًا، وَالشَّرْعُ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ بِاسْمِ الدِّرْهَمِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِيهَا الْغِشَّ وَالْفِضَّةُ مَغْلُوبَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ أَثْمَانًا رَائِجَةً، أَوْ يُمْسِكُهَا لِلتِّجَارَةِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِنْ أَدْنَى الدَّرَاهِمِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ - وَهِيَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا الْفِضَّةُ - تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ. وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ فَلاَ تَجِبُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَثْمَانًا رَائِجَةً، وَلاَ مُعَدَّةً لِلتِّجَارَةِ فَلاَ زَكَاةَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الصُّفْرَ أَيِ النُّحَاسَ لاَ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِلاَّ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ، فَإِذَا أَعَدَّهَا لِلتِّجَارَةِ اعْتَبَرْنَا فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا الْقِيمَةَ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، وَلَيْسَتْ أَثْمَانًا رَائِجَةً،
стр. 14609
اعْتَبَرْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْفِضَّةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لاَ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الزُّيُوفِ مِنَ النُّقُودِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهَا نِصَابًا. فَإِذَا بَلَغَ خَالِصُهَا النِّصَابَ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ خَالِصًا، أَوْ أَخْرَجَ مِنَ الْمَغْشُوشِ مَا يَعْلَمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى خَالِصٍ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ. (٢)
وَلِتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (زَكَاةٍ) .
بَيْعُ الزُّيُوفِ بِالْجِيَادِ:
٩ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الزُّيُوفِ بِالْجِيَادِ مُتَفَاضِلاً (٣) بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ. . . مِثْلاً بِمِثْلٍ. (٤)
وَعَنْ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، (٥) وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ أَنَّهُ سَأَل стр. 14610
عَلِيًّا ﵁ عَنِ الدَّرَاهِمِ تَكُونُ مَعِي لاَ تُنْفَقُ فِي حَاجَتِي أَيْ رَدِيئَةً، فَأَشْتَرِي بِهَا دَرَاهِمَ تُنْفَقُ فِي حَاجَتِي وَأَهْضِمُ مِنْهَا؟ أَيْ أُنْقِصُ مِنَ الْبَدَل فَقَال: لاَ، وَلَكِنْ بِعْ دَرَاهِمَكَ بِدَنَانِيرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهَا دَرَاهِمَ تُنْفَقُ فِي حَاجَتِكَ؛ وَلأَِنَّ الْجِيَادَ وَالزُّيُوفَ نَوْعٌ وَاحِدٌ فَيَحْرُمُ التَّفَاضُل بَيْنَهُمَا. (١)
وَلاَ مَعْنَى لِمُرَاعَاةِ فَرْقِ الْجَوْدَةِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ " جَيِّدِهَا وَرَدِيئِهَا سَوَاءٌ ".
(٢) وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْعَ الدَّرَاهِمِ الْجِيَادِ بِالدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ حَتَّى تُكْسَرَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَغُشَّ غَيْرَهُ فِي أَظْهَرِ الأَْقْوَال عِنْدَهُمْ. (٣)
وَقَال الدَّرْدِيرُ: وَالْخِلاَفُ فِي الْمَغْشُوشِ الَّذِي لاَ يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ كَغَيْرِهِ، وَإِلاَّ جَازَ قَطْعًا. (٤)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ: (رِبًا) ، (صَرْفٍ) . стр. 14611
سُؤَالٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السُّؤَال: مَصْدَرُ (سَأَل) تَقُول: سَأَلْتُهُ الشَّيْءَ، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الشَّيْءِ سُؤَالاً وَمَسْأَلَةً، وَجَمْعُ سُؤَالٍ أَسْئِلَةٌ، وَجَمْعُ الْمَسْأَلَةِ مَسَائِل، وَقَال ابْنُ بَرِّيٍّ: سَأَلْتُهُ الشَّيْءَ اسْتَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ. (١) قَال تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ﴾ (٢) وَسَأَلْتُهُ عَنِ الشَّيْءِ وَبِهِ: اسْتَخْبَرْتُهُ، وَفِي هَذَا قَال تَعَالَى: ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْأَل بِهِ خَبِيرًا﴾ (٤) وَحَدِيثُ: إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَل عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْل مَسْأَلَتِهِ. (٥)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: اسْتِدْعَاءُ مَعْرِفَةٍ أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ، أَوْ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْمَال (٦) . стр. 14612
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ بِهِ:
الاِسْتِجْدَاءُ:
٢ - وَهُوَ مَنْ أَجْدَى عَلَيْهِ أَيْ أَعْطَاهُ، يُقَال: جَدَوْتُهُ جَدْوًا، وَأَجْدَيْتُهُ، وَاسْتَجْدَيْتُهُ: إِذَا أَتَيْتُهُ أَسْأَلُهُ حَاجَةً، وَطَلَبْتُ جَدْوَاهُ أَوْ طَلَبْتُ الصَّدَقَةَ مِنْهُ (١) .
الشِّحَاذَةُ:
٣ - الشِّحَاذَةُ هِيَ الإِْلْحَاحُ فِي الْمَسْأَلَةِ. (٢)
الأَْمْرُ:
٤ - الأَْمْرُ: هُوَ طَلَبُ الْفِعْل بِالْقَوْل عَلَى وَجْهِ الاِسْتِعْلاَءِ (٣) .
الدُّعَاءُ:
٥ - الدُّعَاءُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْل مِنَ الأَْدْنَى إِلَى الأَْعْلَى، (٤) فَالدُّعَاءُ نَوْعٌ مِنَ السُّؤَال.
الاِلْتِمَاسُ:
٦ - الاِلْتِمَاسُ هُوَ طَلَبُ الْفِعْل مِنَ الْمُسَاوِي. (٥) стр. 14613
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ السُّؤَال بِاخْتِلاَفِ حَالَةِ السَّائِل وَنَوْعِ السُّؤَال، وَقَصْدِ السَّائِل مِنْهُ:
أَوَّلاً - السُّؤَال (بِمَعْنَى الاِسْتِفْهَامِ) :
٧ - السُّؤَال عَلَى وَجْهِ التَّبَيُّنِ وَالتَّعَلُّمِ عَمَّا تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ فِي أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا مَأْمُورٌ بِهِ، أَوْ مُبَاحٌ بِحَسَبِ حَال الْمَسْئُول عَنْهُ.
أَمَّا السُّؤَال عَمَّا لاَ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ وَلاَ دُنْيَوِيَّةٌ عَلَى طَرِيقِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَنُّتِ لِغَرَضِ التَّعْجِيزِ وَتَغْلِيطِ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) قَال الطَّبَرِيُّ: ذَكَرَ أَنَّ الآْيَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِسَبَبِ مَسَائِل كَانَ يَسْأَلُهَا إِيَّاهُ أَقْوَامٌ امْتِحَانًا لَهُ أَحْيَانًا وَاسْتِهْزَاءً أَحْيَانًا. (٢)
وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً، يَقُول الرَّجُل مَنْ أَبِي؟ وَيَقُول الرَّجُل: تَضِل نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَل اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ . (٣) стр. 14614
وَعَنْهُ ﷺ : الْحَلاَل مَا أَحَل اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ. (١) وَوَرَدَ عَنْهُ ﵊ أَنَّهُ: كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيل وَقَال، وَكَثْرَةِ السُّؤَال، وَإِضَاعَةِ الْمَال. (٢)
وَجَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ الْمَسَائِل، وَعَابَهَا (٣)
وَالْمُرَادُ الْمَسَائِل الدَّقِيقَةُ الَّتِي لاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: " شَرُّ النَّاسِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ شَرَّ الْمَسَائِل كَيْ يُغَلِّطُوا الْعُلَمَاءَ (٤)
السُّؤَال بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْمُتَكَلِّمِ:
٨ - قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ السُّؤَال إِمَّا أَنْ يَقَعَ مِنْ عَالِمٍ أَوْ غَيْرِ عَالِمٍ. وَأَعْنِي بِالْعَالَمِ الْمُجْتَهِدِ، وَغَيْرِ الْعَالِمِ الْمُقَلِّدِ. وَعَلَى كِلاَ التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُول عَالِمًا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: стр. 14615
(الأَْوَّل) سُؤَال الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ. وَذَلِكَ فِي الْمَشْرُوعِ يَقَعُ عَلَى وُجُوهٍ، كَتَحْقِيقِ مَا حَصَل، أَوْ رَفْعِ إِشْكَالٍ عَنَّ لَهُ، وَتَذَكَّرَ مَا خَشِيَ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ، أَوْ تَنْبِيهِ الْمَسْئُول عَلَى خَطَأٍ يُورِدُهُ مَوْرِدَ الاِسْتِفَادَةِ، أَوْ نِيَابَةٍ مِنْهُ عَنِ الْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ، أَوْ تَحْصِيل مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ فَاتَهُ مِنَ الْعِلْمِ.
(وَالثَّانِي) سُؤَال الْمُتَعَلِّمِ لِمِثْلِهِ، وَذَلِكَ أَيْضًا يَكُونُ عَلَى وُجُوهٍ، كَمُذَاكَرَتِهِ لَهُ بِمَا سَمِعَ، أَوْ طَلَبِهِ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِمَّا سَمِعَهُ الْمَسْئُول، أَوْ تَمَرُّنِهِ مَعَهُ فِي الْمَسَائِل قَبْل لِقَاءِ الْعَالِمِ، أَوِ التَّهَدِّي بِعَقْلِهِ إِلَى فَهْمِ مَا أَلْقَاهُ الْعَالِمُ.
(وَالثَّالِثُ) سُؤَال الْعَالِمِ لِلْمُتَعَلِّمِ. وَهُوَ عَلَى وُجُوهٍ كَذَلِكَ، كَتَنْبِيهٍ عَلَى مَوْضِعِ إِشْكَالٍ يَطْلُبُ رَفْعَهُ، أَوِ اخْتِبَارِ عَقْلِهِ أَيْنَ بَلَغَ؟ وَالاِسْتِعَانَةِ بِفَهْمِهِ إِنْ كَانَ لِفَهْمِهِ فَضْلٌ، أَوْ تَنْبِيهِهِ عَلَى مَا عَلِمَ لِيَسْتَدِل بِهِ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْ.
(وَالرَّابِعُ) وَهُوَ الأَْصْل الأَْوَّل، سُؤَال الْمُتَعَلِّمِ لِلْعَالِمِ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى طَلَبِ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمْ. فَأَمَّا الأَْوَّل وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مُسْتَحَقٌّ إِنْ عُلِمَ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ عَارِضٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا، وَإِلاَّ فَالاِعْتِرَافُ بِالْعَجْزِ. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلَيْسَ الْجَوَابُ بِمُسْتَحَقٍّ بِإِطْلاَقٍ، بَل فِيهِ تَفْصِيلٌ. فَيَلْزَمُ الْجَوَابُ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا سُئِل عَنْهُ مُتَعَيِّنًا عَلَيْهِ فِي نَازِلَةٍ وَاقِعَةٍ، أَوْ فِي أَمْرٍ فِيهِ نَصٌّ شَرْعِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَعَلِّمِ،
стр. 14616
لاَ مُطْلَقًا، وَيَكُونُ السَّائِل مِمَّنْ يَحْتَمِل عَقْلُهُ الْجَوَابَ، وَلاَ يُؤَدِّي السُّؤَال إِلَى تَعَمُّقٍ وَلاَ تَكَلُّفٍ، وَهُوَ مِمَّا يُبْنَى عَلَيْهِ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَقَدْ لاَ يَلْزَمُ الْجَوَابُ فِي مَوَاضِعَ، بِمَا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ. أَوِ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةٌ لاَ نَصَّ فِيهَا لِلشَّارِعِ. وَقَدْ لاَ يَجُوزُ، كَمَا إِذَا لَمْ يَحْتَمِل عَقْلُهُ الْجَوَابَ أَوْ كَانَ فِيهِ تَعَمُّقٌ، أَوْ أَكْثَرُ مِنَ السُّؤَالاَتِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الأَْغَالِيطِ وَفِيهِ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ. (١) انْتَهَى كَلاَمُ الشَّاطِبِيِّ.
هَذَا وَالسُّؤَال مِنَ الْمُقَلِّدِ عَنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِيمَا وَقَعَ لَهُ يُسَمَّى اسْتِفْتَاءً، وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (فَتْوَى) .
ثَانِيًا - السُّؤَال بِمَعْنَى طَلَبِ الْحَاجَةِ:
التَّعَرُّضُ لِلصَّدَقَةِ بِالسُّؤَال، أَوْ إِظْهَارِ أَمَارَةِ الْفَاقَةِ:
٩ - يَحْرِصُ الإِْسْلاَمُ عَلَى حِفْظِ كَرَامَةِ الْمُسْلِمِ، وَصَوْنِ نَفْسِهِ عَنِ الاِبْتِذَال وَالْوُقُوفِ بِمَوَاقِفِ الذُّل وَالْهَوَانِ، فَحَذَّرَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلصَّدَقَةِ بِالسُّؤَال، أَوْ بِإِظْهَارِ أَمَارَاتِ الْفَاقَةِ، بَل حَرَّمَ السُّؤَال عَلَى مَنْ يَمْلِكُ مَا يُغْنِيهِ عَنْهَا مِنْ مَالٍ أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى التَّكَسُّبِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا يَسْأَلُهُ زَكَاةً أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ كَفَّارَةً، وَلاَ يَحِل لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ إِنْ أُعْطِيَ بِالسُّؤَال أَوْ إِظْهَارِ الْفَاقَةِ. قَال الشَّبْرَامَلِّسِي: لَوْ أَظْهَرَ الْفَاقَةَ وَظَنَّهُ الدَّافِعُ مُتَّصِفًا بِهَا لَمْ يَمْلِكْ стр. 14617
مَا أَخَذَهُ، لأَِنَّهُ قَبَضَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، إِذْ لَمْ يَسْمَحْ لَهُ إِلاَّ عَلَى ظَنِّ الْفَاقَةِ. (١) لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ سَأَل النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ، وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَال: خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ (٢) وَعَنْهُ ﷺ : إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَل اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ (٣) وَقَال ﵊: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ. (٤)
أَمَّا إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الصَّدَقَةِ، وَمِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَهَا لِفَقْرٍ أَوْ زَمَانَةٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنِ الْكَسْبِ فَيَجُوزُ لَهُ السُّؤَال بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لاَ يُذِل نَفْسَهُ، وَأَنْ لاَ يُلِحَّ فِي السُّؤَال، أَوْ يُؤْذِيَ الْمَسْئُول، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ بَاعِثَ الْمُعْطِي الْحَيَاءُ مِنَ السَّائِل أَوْ مِنَ الْحَاضِرِينَ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ السُّؤَال وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ стр. 14618
مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَيَحْرُمُ أَخْذُهَا، وَيَجِبُ رَدُّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ مُضْطَرًّا بِحَيْثُ يَخْشَى الْهَلاَكَ إِنْ لَمْ يَأْخُذِ الصَّدَقَةَ، لِحَدِيثِ: لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِل نَفْسَهُ. فَإِنْ خَافَ هَلاَكًا لَزِمَهُ السُّؤَال إِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ التَّكَسُّبِ. فَإِنْ تَرَكَ السُّؤَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ لأَِنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَالسُّؤَال فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي مَقَامِ التَّكَسُّبِ؛ لأَِنَّهَا الْوَسِيلَةُ الْمُتَعَيِّنَةُ لإِِبْقَاءِ النَّفْسِ، وَلاَ ذُل فِيهَا لِلضَّرُورَةِ، وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ كَأَكْل الْمَيْتَةِ. (١)
وَلاَ بَأْسَ بِسُؤَال الْمَاءِ لِلشُّرْبِ لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَقَال أَحْمَدُ فِي الْعَطْشَانِ الَّذِي لاَ يَسْتَسْقِي: يَكُونُ أَحْمَقَ، وَلاَ بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ الاِسْتِعَارَةِ وَالاِسْتِقْرَاضِ نَصَّ عَلَيْهِمَا أَحْمَدُ قَال الآْجُرِّيُّ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ حَل الْمَسْأَلَةِ وَمَتَى تَحِل، وَمَا قَالَهُ بِمَعْنَى قَوْل أَحْمَدَ فِي أَنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدَيْنِهِ فَرْضٌ، وَلاَ بَأْسَ بِسُؤَال الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَشَسْعِ النَّعْل أَيْ سَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ، وَإِنْ أُعْطِيَ مَالاً طَيِّبًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلاَ اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ أَوْ هِبَةٍ وَجَبَ أَخْذُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَنَقَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (٢) стр. 14619
السُّؤَال فِي الْمَسْجِدِ:
١٠ - يُكْرَهُ السُّؤَال فِي الْمَسْجِدِ، وَالصَّدَقَةُ فِيهِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ إِلاَّ إِذَا كَانَ السَّائِل يَسْأَل وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ، فَتُمْنَعُ؛ لأَِنَّ السَّائِل فَعَل مَا لاَ يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، فَلاَ يُعِينُهُ عَلَيْهِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْجِدٍ) .
ثَالِثًا - السُّؤَال بِاللَّهِ أَوْ بِوَجْهِ اللَّهِ
١١ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ السُّؤَال بِاللَّهِ، أَوْ بِوَجْهِ اللَّهِ مَكْرُوهٌ، كَأَنْ يَقُول: أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ، أَوْ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
كَمَا يُكْرَهُ رَدُّ السَّائِل بِذَلِكَ. (٢) لِخَبَرِ: لاَ يُسْأَل بِوَجْهِ اللَّهِ إِلاَّ الْجَنَّةُ. (٣) وَخَبَرِ: مَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ (٤) .
رَابِعًا - سُؤَال اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِهِ
١٢ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ أَنْ يُسْأَل اللَّهَ بِغَيْرِهِ كَأَنْ يَقُول السَّائِل: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِفُلاَنٍ، أَوْ стр. 14620
بِمَلاَئِكَتِكَ، أَوْ يَقُول فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، لأَِنَّ هَذَا يُوهِمُ تَعَلُّقَ عِزَّتِهِ تَعَالَى بِالْعَرْشِ، وَصِفَاتُ اللَّهِ جَمِيعُهَا قَدِيمَةٌ بِقِدَمِ ذَاتِهِ، فَكَانَ الاِحْتِيَاطُ الإِْمْسَاكَ عَمَّا يَقْتَضِي الإِْيهَامَ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ بِجَوَازِ ذَلِكَ، لِلدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعْقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ، وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ، وَبِاسْمِكَ الأَْعْظَمِ، وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّةِ ". (١)
وَالتَّفْصِيل فِي (دُعَاءٍ، وَتَوَسُّلٍ) .
خَامِسًا - الأَْسْئِلَةُ فِي الاِسْتِدْلاَل
١٣ - يُسَمِّي بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ الاِعْتِرَاضَاتُ الَّتِي تُورَدُ عَلَى كَلاَمِ الْمُسْتَدِل (الأَْسْئِلَةَ) وَبَعْضُهُمْ يَحْصُرُهَا فِي عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ مِنْهَا: النَّقْضُ، وَالْقَلْبُ، وَالْمُطَالَبَةُ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ مِنَ الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. стр. 14621
سُؤْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السُّؤْرُ لُغَةً: بَقِيَّةُ الشَّيْءِ، وَجَمْعُهُ أَسْآرٌ، وَأَسْأَرَ مِنْهُ شَيْئًا أَبْقَى، وَفِي الْحَدِيثِ إِذَا شَرِبْتُمْ فَأَسْئِرُوا (١) أَيْ أَبْقُوا شَيْئًا مِنَ الشَّرَابِ فِي قَعْرِ الإِْنَاءِ، وَفِي حَدِيثِ الْفَضْل بْنِ عَبَّاسٍ مَا كُنْتُ أُوثِرُ عَلَى سُؤْرِكَ أَحَدًا (٢) . وَرَجُلٌ سَأْرٌ أَيْ يُبْقِي فِي الإِْنَاءِ مِنَ الشَّرَابِ.
وَيُقَال: سَأَرَ فُلاَنٌ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ سُؤْرًا وَذَلِكَ إِذَا أَبْقَى بَقِيَّةً. وَبَقِيَّةُ كُل شَيْءٍ سُؤْرُهُ (٣) .
وَالسُّؤْرُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: فَضْلَةُ الشُّرْبِ وَبَقِيَّةُ الْمَاءِ الَّتِي يُبْقِيهَا الشَّارِبُ فِي الإِْنَاءِ، أَوْ فِي الْحَوْضِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِبَقِيَّةِ الطَّعَامِ أَوْ غَيْرِهِ. قَال стр. 14622
النَّوَوِيُّ: وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِهِمْ: سُؤْرُ الْحَيَوَانِ طَاهِرٌ أَوْ نَجَسٌ: لُعَابُهُ وَرُطُوبَةُ فَمِهِ. (١)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَحْكَامِ الأَْسْآرِ عَلَى اتِّجَاهَيْنِ:
أَحَدُهَا: يَذْهَبُ إِلَى طَهَارَةِ الأَْسْآرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ.
وَالآْخَرُ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَرَوْنَ طَهَارَةَ بَعْضِ الأَْسْآرِ وَنَجَاسَةَ بَعْضِهَا. وَالتَّفْصِيل كَمَا يَلِي:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى تَقْسِيمِ الأَْسْآرِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: سُوَرٌ مُتَّفَقٌ عَلَى طَهَارَتِهِ وَهُوَ سُؤْرُ الآْدَمِيِّ بِجَمِيعِ أَحْوَالِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ جُنُبًا. وَقَدْ أُتِيَ ﵊ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ بَعْضَهُ وَنَاوَل الْبَاقِيَ أَعْرَابِيًّا كَانَ عَلَى يَمِينِهِ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَشَرِبَ، وَقَال: الأَْيْمَنَ فَالأَْيْمَنَ. (٢) стр. 14623
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِي فَيَشْرَبُ (١)
وَلأَِنَّ سُؤْرَ الآْدَمِيِّ مُتَحَلِّبٌ مِنْ لَحْمِهِ، وَلَحْمُهُ طَاهِرٌ، فَكَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا، إِلاَّ فِي حَال شُرْبِ الْخَمْرِ فَيَكُونُ سُؤْرُهُ نَجِسًا؛ لِنَجَاسَةِ فَمِهِ بِالْخَمْرِ.
وَمِنَ النَّوْعِ الأَْوَّل الْمُتَّفَقِ عَلَى طَهَارَتِهِ سُؤْرُ مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ مِنَ الأَْنْعَامِ وَالطُّيُورِ إِلاَّ الْجَلاَّلَةَ وَالدَّجَاجَةَ الْمُخَلاَّةَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ بَعِيرٍ أَوْ شَاةٍ (٢) وَلأَِنَّ سُؤْرَهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ لَحْمِهِ وَلَحْمَهُ طَاهِرٌ.
أَمَّا سُؤْرُ الْجَلاَّلَةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلاَّةِ وَهِيَ الَّتِي تَأْكُل النَّجَاسَاتِ حَتَّى أَنْتَنَ لَحْمُهَا فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لاِحْتِمَال نَجَاسَةِ فَمِهَا وَمِنْقَارِهَا.
وَإِذَا حُبِسَتْ حَتَّى يَذْهَبَ نَتْنُ لَحْمِهَا فَلاَ كَرَاهَةَ فِي سُؤْرِهَا.
وَأَمَّا سُؤْرُ الْفَرَسِ فَطَاهِرٌ عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّ سُؤْرَهُ مُتَحَلِّبٌ مِنْ لَحْمِهِ، وَلَحْمُهُ طَاهِرٌ؛ وَلأَِنَّ كَرَاهَةَ لَحْمِهِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ стр. 14624
لِنَجَاسَتِهِ بَل لاِحْتِرَامِهِ؛ لأَِنَّهُ آلَةُ الْجِهَادِ وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ مُنْعَدِمٌ فِي سُؤْرِهِ فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّ سُؤْرَهُ نَجِسٌ بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْهُ بِنَجَاسَةِ لَحْمِهِ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ: مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَيْ دَمٌ سَائِلٌ، سَوَاءٌ كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ أَوْ فِي غَيْرِهِ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ.
النَّوْعُ الثَّانِي: السُّؤْرُ الطَّاهِرُ الْمَكْرُوهُ وَهُوَ سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْحِدَأَةِ وَنَحْوِهَا فَسُؤْرُهَا طَاهِرٌ؛ لأَِنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ عَظْمٌ جَافٌّ فَلَمْ يَخْتَلِطْ لُعَابُهَا بِسُؤْرِهَا؛ وَلأَِنَّ صِيَانَةَ الأَْوَانِي عَنْهَا مُتَعَذِّرَةٌ؛ لأَِنَّهَا تَنْقَضُّ مِنَ الْجَوِّ فَتَشْرَبُ، إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ سُؤْرُهَا؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا تَتَنَاوَل الْجِيَفَ وَالْمَيْتَاتِ فَأَصْبَحَ مِنْقَارُهَا فِي مَعْنَى مِنْقَارِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلاَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ سِبَاعَ الطَّيْرِ إِنْ كَانَ لاَ يَتَنَاوَل الْمَيْتَاتِ مِثْل الْبَازِي الأَْهْلِيِّ وَنَحْوِهِ فَلاَ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِسُؤْرِهِ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ سُؤْرُ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ كَالْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْوَزَغَةِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْحَشَرَاتِ الَّتِي لَهَا دَمٌ سَائِلٌ؛ لأَِنَّهُ يُتَعَذَّرُ صَوْنُ الأَْوَانِي مِنْهَا.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا: سُؤْرُ الْهِرَّةِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: السِّنَّوْرُ
стр. 14625
سَبُعٌ. (١) وَلِقَوْلِهِ ﷺ يُغْسَل الإِْنَاءُ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ أَوْ آخِرُهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِل مَرَّةً. (٢)
وَالْمَعْنَى فِي كَرَاهَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ أَنَّ الْهِرَّةَ نَجِسَةٌ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهَا، وَسُؤْرُهَا نَجَسٌ مُخْتَلَطٌ بِلُعَابِهَا الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمِهَا النَّجِسِ، وَلَكِنْ سَقَطَتْ نَجَاسَةُ سُؤْرِهَا اتِّفَاقًا، لِعِلَّةِ الطَّوَافِ الْمَنْصُوصَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ. (٣) حَيْثُ إِنَّهَا تَدْخُل الْمَضَائِقَ وَتَعْلُو الْغُرَفَ فَيُتَعَذَّرُ صَوْنُ الأَْوَانِي مِنْهَا.
وَلَمَّا سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ مِنْ سُؤْرِهَا لِضَرُورَةِ الطَّوَافِ بَقِيَتِ الْكَرَاهَةُ؛ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ وَلإِِمْكَانِ التَّحَرُّزِ عَنْهَا فِي الْجُمْلَةِ.
وَالثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَهُوَ أَنَّ الْهِرَّةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ - وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ - لأَِنَّ стр. 14626
النَّبِيَّ ﷺ نَفَى عَنْهَا النَّجَاسَةَ بِقَوْلِهِ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ. (١) وَلَكِنْ يُكْرَهُ سُؤْرُهَا لِتَوَهُّمِ أَخْذِهَا الْفَأْرَةَ فَصَارَ فَمُهَا كَيَدِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ نَوْمِهِ. فَلَوْ أَكَلَتِ الْفَأْرَةَ ثُمَّ شَرِبَتِ الْمَاءَ قَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ شَرِبَتْهُ عَلَى الْفَوْرِ تَنَجَّسَ الْمَاءُ، وَإِنْ مَكَثَتْ سَاعَةً وَلَحِسَتْ فَمَهَا ثُمَّ شَرِبَتْ فَلاَ يَتَنَجَّسُ بَل يُكْرَهُ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَتَنَجَّسُ الْمَاءُ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَاهُ فِي سُؤْرِ شَارِبِ الْخَمْرِ، وَهُوَ أَنَّ صَبَّ الْمَاءِ شَرْطٌ فِي التَّطْهِيرِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّ مَا سِوَى الْمَاءِ مِنَ الْمَائِعَاتِ لَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: السُّؤْرُ النَّجِسُ الْمُتَّفَقُ عَلَى نَجَاسَتِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَهُوَ سُؤْرُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَسَائِرِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ. أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلأَِنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٢) الآْيَةَ. وَلُعَابُهُ يُتَوَلَّدُ مِنْ لَحْمِهِ النَّجِسِ. وَأَمَّا الْكَلْبُ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِغَسْل الإِْنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَلِسَانُهُ يُلاَقِي الْمَاءَ أَوْ مَا يَشْرَبُهُ مِنَ الْمَائِعَاتِ الأُْخْرَى دُونَ الإِْنَاءِ فَكَانَ أَوْلَى بِالنَّجَاسَةِ؛ وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْ سُؤْرِهِمَا стр. 14627
وَصِيَانَةُ الأَْوَانِي عَنْهُمَا، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَمَا سُئِل عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ؟ قَال: إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْجُسُ. (١) وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَمْ يَحُدَّهُ بِالْقُلَّتَيْنِ.
وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى وَرَدَا حَوْضًا فَقَال عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَل تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَال عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لاَ تُخْبِرْهُ فَإِنَّنَا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا. وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَاءُ يَتَنَجَّسُ بِشُرْبِهَا مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لِلسُّؤَال وَلاَ لِلنَّهْيِ عَنِ الْجَوَابِ مَعْنًى؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ غَيْرُ مَأْكُولَةِ اللَّحْمِ وَيُمْكِنُ صَوْنُ الأَْوَانِي مِنْهَا، وَعِنْدَ شُرْبِهَا يَخْتَلِطُ لُعَابُهَا بِالْمَشْرُوبِ وَلُعَابُهَا نَجِسٌ لِتَحَلُّبِهِ مِنْ لَحْمِهَا وَهُوَ نَجِسٌ، فَكَانَ سُؤْرُهَا نَجِسًا.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: الْمَشْكُوكُ فِي طَهَارَةِ سُؤْرِهِ وَهُوَ الْحِمَارُ الأَْهْلِيُّ وَالْبَغْل فَسُؤْرُهُمَا مَشْكُوكٌ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ لِتَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ، فَالأَْصْل فِي سُؤْرِهِمَا النَّجَاسَةُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو سُؤْرُهُمَا عَنْ لُعَابِهِمَا، وَلُعَابُهُمَا مُتَحَلِّبٌ مِنْ لَحْمِهِمَا وَلَحْمُهُمَا نَجَسٌ، وَلأَِنَّ عَرَقَهُ طَاهِرٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا وَالْحَرُّ حَرُّ الْحِجَازِ، وَيُصِيبُ стр. 14628
الْعَرَقُ ثَوْبَهُ، وَكَانَ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ. (١) فَإِذَا كَانَ الْعَرَقُ طَاهِرًا فَالسُّؤْرُ أَوْلَى.
وَقَدْ تَعَارَضَتِ الآْثَارُ فِي طَهَارَةِ سُؤْرِ الْحِمَارِ وَنَجَاسَتِهِ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: الْحِمَارُ يَعْتَلِفُ الْقَتَّ وَالتِّبْنَ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: إِنَّهُ رِجْسٌ، وَتَعَارَضَتِ الأَْخْبَارُ فِي أَكْل لَحْمِهِ وَلَبَنِهِ كَمَا تَعَارَضَ تَحَقُّقُ أَصْل الضَّرُورَةِ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُخَالَطَةِ كَالْهِرَّةِ فَلاَ يَعْلُو الْغُرَفَ وَلاَ يَدْخُل الْمَضَائِقَ، وَلَيْسَ فِي الْمُجَانَبَةِ كَالْكَلْبِ، فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي وُقُوعِ حُكْمِ الأَْصْل، وَالتَّوَقُّفُ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ تَعَارُضِ الأَْدِلَّةِ وَاجِبٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ فَلاَ يُنَجِّسُ سُؤْرُهُ الأَْشْيَاءَ الطَّاهِرَةَ، وَلاَ يَطْهُرُ بِهِ النَّجَسُ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يُتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ وَيُتَيَمَّمُ احْتِيَاطًا، وَأَيُّهُمَا قُدِّمَ جَازَ؛ لأَِنَّ الْمُطَهِّرَ مِنْهُمَا غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، فَلاَ فَائِدَةَ فِي التَّرْتِيبِ.
وَقَال زُفَرُ: يُبْدَأُ بِالْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ أَوِ الْبَغْل لِيَصِيرَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَقِيقَةً (٢) стр. 14629
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٍ، طَعَامٍ، طَهَارَةٍ) .
٤ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ سُؤْرَ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ مِنَ الأَْنْعَامِ، وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِيرِ وَالسِّبَاعِ وَالْهِرَّةِ وَالْفِئْرَانِ وَالطُّيُورِ وَالْحَيَّاتِ وَسَامٍ أَبْرَصَ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ وَغَيْرِ الْمَأْكُولَةِ - سُؤْرُ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ طَاهِرٌ لاَ كَرَاهَةَ فِيهِ إِلاَّ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا تُوَلِّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.
فَإِذَا وَلَغَ أَحَدٌ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فِي طَعَامٍ جَازَ أَكْلُهُ بِلاَ كَرَاهَةٍ، وَإِذَا شَرِبَ مِنْ مَاءٍ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ بِلاَ كَرَاهَةٍ.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١) لأَِنَّ فِي تَنْجِيسِ سُؤْرِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ حَرَجًا، وَيَعْسُرُ الاِحْتِرَازُ عَنْ بَعْضِهَا كَالْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا مِنْ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ.
وَلِمَا وَرَدَ عَنْ كَبْشَةَ زَوْجَةِ أَبِي قَتَادَةَ ﵄ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَل عَلَيْهَا فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الإِْنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَال: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ (٢) . стр. 14630
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيل لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا فَضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَال: وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ.
(١) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَال: خَطَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ، وَإِنَّ لُعَابَهَا يَسِيل بَيْنَ كَتِفَيَّ. (٢)
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلاَبُ وَالْحُمُرُ، وَعَنِ الطَّهَارَةِ مِنْهَا، فَقَال ﷺ : لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ (٣) وَلِقَوْل عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ وَفِيهِ فَإِنَّنَا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا.
أَمَّا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا تَفَرَّعَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْخِنْزِيرِ: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٤) الآْيَةَ وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْكَلْبِ: طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ стр. 14631
سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيُرِقْهُ أَيِ الْمَاءَ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ. وَالإِْرَاقَةُ لِلْمَاءِ إِضَاعَةُ مَالٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ طَاهِرًا لَمَا أَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ إِذْ قَدْ نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَال.
وَإِنْ رَأَى شَخْصٌ هِرَّةً أَوْ نَحْوَهَا تَأْكُل نَجَاسَةً ثُمَّ وَرَدَتْ عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ أَيْ لاَ يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ فَشَرِبَتْ مِنْهُ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:
أَصَحُّهَا: أَنَّهُ إِنْ غَابَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ يَنْجُسِ الْمَاءُ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَدْ وَرَدَتْ عَلَى مَاءٍ كَثِيرٍ فَطَهُرَ فَمُهَا وَلأَِنَّا - فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - قَدْ تَيَقَّنَّا طَهَارَةَ الْمَاءِ وَشَكَكْنَا فِي نَجَاسَةِ فَمِهَا، فَلاَ يَنْجُسُ الْمَاءُ الْمُتَيَقَّنُ بِالشَّكِّ.
وَالثَّانِي: يَنْجُسُ الْمَاءُ لأَِنَّا تَيَقَّنَّا نَجَاسَةَ فَمِهَا.
وَالثَّالِثُ: لاَ يَنْجُسُ الْمَاءُ بِحَالٍ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ مِنْهَا فَعُفِيَ عَنْهُ، وَدَلِيل هَذَا الْوَجْهِ حَدِيثُ: إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ أَوِ الطَّوَّافَاتِ (٢) وَهَذَا هُوَ الأَْحْسَنُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ وَعُسْرِ الاِحْتِرَازِ فَهِيَ كَالْيَهُودِيِّ وَشَارِبِ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ سُؤْرُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (٣) стр. 14632
وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (شَكٍّ، طَهَارَةٍ، نَجَاسَةٍ) .
٥ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى تَقْسِيمِ الْحَيَوَانِ إِلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ نَجِسٌ وَقِسْمٌ طَاهِرٌ.
ثُمَّ قَسَّمُوا النَّجَسَ إِلَى نَوْعَيْنِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: مَا هُوَ نَجَسٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً وَهُوَ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَهَذَا النَّوْعُ سُؤْرُهُ وَعَيْنُهُ وَجَمِيعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْخِنْزِيرِ: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (١) الآْيَةَ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي الْكَلْبِ: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَفِي رِوَايَةٍ: لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ. (٢)
فَإِذَا وَلَغَ فِي مَاءٍ أَوْ مَائِعٍ آخَرَ يَجِبُ إِرَاقَتُهُ، وَإِذَا أَكَل مِنْ طَعَامٍ فَلاَ يَجُوزُ أَكْلُهُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا اخْتُلِفَ فِي نَجَاسَتِهِ وَهُوَ سَائِرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ وَالْحِمَارِ الأَْهْلِيِّ وَالْبَغْل، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّ سُؤْرَهَا نَجَسٌ إِلاَّ السِّنَّوْرَ وَمَا يُمَاثِلُهَا فِي الْخِلْقَةِ أَوْ دُونَهَا فِيهَا، فَإِذَا شَرِبَتْ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ стр. 14633
فَقَال: إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْجُسُ (١) فَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَمْ يَحُدَّهُ بِالْقُلَّتَيْنِ. وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحُمُرِ الأَْهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ: إِنَّهَا رِجْسٌ (٢) وَلأَِنَّهُ حَيَوَانٌ حَرُمَ أَكْلُهُ، لاَ لِحُرْمَتِهِ مِثْل الْفَرَسِ - حَيْثُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِحُرْمَتِهِ - وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا فَأَشْبَهَ الْكَلْبَ؛ وَلأَِنَّ السِّبَاعَ وَالْجَوَارِحَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا أَكْل الْمَيْتَاتِ، وَالنَّجَاسَاتِ فَتُنَجِّسُ أَفْوَاهَهَا، وَلاَ يَتَحَقَّقُ وُجُودُ مُطَهِّرٍ لَهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْضَى بِنَجَاسَتِهَا كَالْكِلاَبِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: فِي الْبَغْل وَالْحِمَارِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ سُؤْرِهَا تَيَمَّمَ مَعَهُ وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُل عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِهِمَا؛ لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ تَجُزِ الطَّهَارَةُ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ سَعِيدٍ: لاَ بَأْسَ بِسُؤْرِ السِّبَاعِ لأَِنَّ عُمَرَ قَال فِيهَا: تَرِدُ عَلَيْنَا وَنَرِدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَال: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي طَهَارَةُ الْبَغْل وَالْحِمَارِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْكَبُ الْحَمِيرَ وَالْبِغَال (٣) ، وَتُرْكَبُ فِي زَمَنِهِ، وَفِي عَصْرِ стр. 14634
الصَّحَابَةِ، فَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ لِمُقْتَنِيهَا فَأَشْبَهَ الْهِرَّةَ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الْجَلاَّلَةُ الَّتِي تَأْكُل النَّجَاسَاتِ فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ سُؤْرَهَا نَجَسٌ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُ طَاهِرٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: طَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ، وَسُؤْرُهُ وَعَرَقُهُ طَاهِرَانِ وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ:
الأَْوَّل: الآْدَمِيُّ، فَهُوَ طَاهِرٌ وَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ أَوْ كَانَ الرَّجُل جُنُبًا لِقَوْلِهِ ﷺ : الْمُؤْمِنُ لاَ يَنْجُسُ. (١) وَلِحَدِيثِ شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سُؤْرِ عَائِشَةَ. (٢)
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُؤْكَل لَحْمُهُ، فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ بِهِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ جَلاَّلاً يَأْكُل النَّجَاسَاتِ فَفِي سُؤْرِهِ الرِّوَايَتَانِ السَّابِقَتَانِ. وَيُكْرَهُ سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلاَّةِ لأَِنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَتُهُ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْهِرَّةُ وَمَا يُمَاثِلُهَا مِنَ الْخِلْقَةِ أَوْ دُونَهَا كَالْفَأْرَةِ وَابْنُ عُرْسٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ حَشَرَاتِ الأَْرْضِ، فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ بِهِ، وَلاَ يُكْرَهُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ стр. 14635
قَالَتْ: كُنْتُ أَتَوَضَّأُ أَنَا وَرَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَقَدْ أَصَابَتْ مِنْهُ الْهِرَّةُ قَبْل ذَلِكَ (١) قَالَتْ: وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِفَضْل الْهِرَّةِ. (٢) وَلِحَدِيثِ كَبْشَةَ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ.
إِلاَّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: يُغْسَل الإِْنَاءُ الَّذِي وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَبِهِ قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَال الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: مَرَّةً، وَقَال طَاوُسٍ: سَبْعَ مَرَّاتٍ كَالْكَلْبِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ وَالْحِمَارِ.
وَإِذَا أَكَلَتِ الْهِرَّةُ وَنَحْوُهَا نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَتْ مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ بَعْدَ أَنْ غَابَتْ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَى عَنْهَا النَّجَاسَةَ، وَتَوَضَّأَ بِفَضْلِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا تَأْكُل النَّجَاسَاتِ. وَكَذَا إِنْ شَرِبَتْ قَبْل أَنْ تَغِيبَ فَسُؤْرُهَا طَاهِرٌ كَذَلِكَ فِي الرَّاجِحِ، لأَِنَّ الشَّارِعَ عَفَا عَنْهَا مُطْلَقًا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ.
وَقَال الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: يَنْجُسُ الْمَاءُ؛ لأَِنَّهُ وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ، وَقَال الْمَجْدُ ابْنُ следующие страницы →