Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14561–14600 · переход к 14566.
стр. 14561
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمُّمٍ) (١) .
الزِّيَادَةُ فِي الْفِعْل وَالْقَوْل فِي الصَّلاَةِ:
١٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلاَةِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ زِيَادَةَ أَفْعَالٍ، أَوْ أَقْوَالٍ.
فَزِيَادَةُ الأَْفْعَال قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الصَّلاَةِ، فَتَبْطُل الصَّلاَةُ بِعَمْدِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَهْوًا فَلاَ بُطْلاَنَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ.
وَالآْخَرُ: إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاَةِ، فَيُبْطِل الصَّلاَةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ، إِنْ كَانَ كَثِيرًا وَلَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ.
أَمَّا إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ، أَوْ كَانَ يَسِيرًا، فَلاَ يَبْطُل.
وَالزِّيَادَةُ الْقَوْلِيَّةُ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُبْطِل عَمْدُهُ الصَّلاَةَ، كَكَلاَمِ الآْدَمِيِّينَ.
وَالآْخَرُ، مَا لاَ يُبْطِل الصَّلاَةَ كَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، إِلاَّ أَنْ يُخَاطِبَ بِهِ كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ.
وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل بِتَعَمُّدِ النُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ، أَفْهَمَا أَمْ لَمْ يُفْهِمَا، وَبِحَرْفٍ مُفْهِمٍ стр. 14562
كَذَلِكَ. وَقَالُوا: يُعْذَرُ مَنْ تَكَلَّمَ بِيَسِيرِ الْكَلاَمِ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ أَوْ نَسِيَ الصَّلاَةَ، أَوْ جَهِل تَحْرِيمَ الْكَلاَمِ فِيهَا، وَقَرُبَ عَهْدُهُ بِالإِْسْلاَمِ، وَلاَ يُعْذَرُ بِالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّلاَةِ، وَسُجُودِ السَّهْوِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْفِعْل، أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُ يُبْطِل الصَّلاَةَ.
وَفِي حَدِّهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُصَلِّي بِحَالٍ لَوْ رَآهُ إِنْسَانٌ مِنْ بَعِيدٍ، فَتَيَقَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلاَةِ فَهُوَ كَثِيرٌ، إِنْ كَانَ يَشُكُّ أَنَّهُ فِيهَا أَوْ لَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ فِيهَا، فَهُوَ قَلِيلٌ.
وَأَمَّا الْقَوْل أَوِ الْكَلاَمُ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلاَتِهِ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، لِحَدِيثِ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ (٢) .
وَمِنْهُ أَيْضًا: الأَْنِينُ وَالتَّأَوُّهُ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَكُل مَا هُوَ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا قَصَدَ بِهِ الْجَوَابَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْجَوَابَ بَل الإِْعْلاَمَ أَنَّهُ فِي الصَّلاَةِ، فَلاَ تَفْسُدُ بِالاِتِّفَاقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. стр. 14563
فَلَوْ كَانَ الذِّكْرُ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُؤَذِّنِ لَهُمَا، أَوْ سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ، فَقَال: ﷻ ، أَوْ ذِكْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَصَلَّى عَلَيْهِ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ (١) .
الزِّيَادَةُ عَلَى التَّكْبِيرَاتِ الأَْرْبَعِ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ وَأَثَرُهَا:
١٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ صَلاَةَ الْجِنَازَةِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ لاَ يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْهَا، وَالأَْوْلَى عَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِلُهُ الْبُطْلاَنُ لِزِيَادَةِ رُكْنٍ، فَإِنْ زَادَ الإِْمَامُ عَلَيْهَا تَكْبِيرَةً خَامِسَةً، فَفِي مُتَابَعَةِ الْمَأْمُومِ لَهُ فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ أَوْ عَدَمِ مُتَابَعَتِهِ لَهُ فِيهَا خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
فَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ سِوَى زُفَرَ أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا فَعَل ذَلِكَ لَمْ يُتَابِعْهُ الْمُؤْتَمُّ فِي تِلْكَ التَّكْبِيرَةِ، لأَِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ أَرْبَعًا فِي آخِرِ صَلاَةِ جِنَازَةٍ صَلاَّهَا (٢) . وَقَال زُفَرُ: يُتَابِعُهُ لأَِنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَبَّرَ خَمْسًا. стр. 14564
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُسَلِّمُ الْمَأْمُومُ وَلاَ يَنْتَظِرُ إِمَامَهُ فِي التَّكْبِيرَةِ الْخَامِسَةِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيُفَارِقُ الْمَأْمُومُ إِمَامَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْخَامِسَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْل بِبُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِهَا، وَعَلَى الْقَوْل بِعَدَمِ الْبُطْلاَنِ لاَ يُفَارِقُهُ، وَلَكِنْ لاَ يُتَابِعُهُ فِيهَا عَلَى الأَْظْهَرِ، وَفِي تَسْلِيمِهِ فِي الْحَال أَوِ انْتِظَارِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ إِمَامُهُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
وَالأَْوْلَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَلاَ خِلاَفَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَلاَ يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عِنْدَهُمْ فِيمَا زَادَ عَلَى الأَْرْبَعِ إِلَى السَّبْعِ، فَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا كَبَّرَ خَمْسًا تَابَعَهُ الْمَأْمُومُ، وَلاَ يُتَابِعُهُ فِي زِيَادَةٍ عَلَيْهَا رَوَاهُ الأَْثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ خَمْسًا وَقَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَبِّرُهَا (١) .
وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ إِذَا كَبَّرَ خَمْسًا لاَ يُكَبِّرُ مَعَهُ، وَلاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ مَعَ الإِْمَامِ، لأَِنَّهَا زِيَادَةٌ غَيْرُ مَسْنُونَةٍ لِلإِْمَامِ فَلاَ يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ فِيهَا، كَالْقُنُوتِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُكَبِّرُ مَعَ الإِْمَامِ إِلَى سَبْعٍ، قَال الْخَلاَّل: ثَبَتَ الْقَوْل عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ الإِْمَامِ إِلَى سَبْعٍ ثُمَّ стр. 14565
لاَ يُزَادُ عَلَى سَبْعٍ، وَلاَ يُسَلِّمُ إِلاَّ مَعَ الإِْمَامِ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ.
الزِّيَادَةُ فِي الزَّكَاةِ عَلَى الْمِقْدَارِ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُهُ:
١٧ - الأَْصْل أَنْ يُخْرِجَ الْمُزَكِّي الْقَدْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ لإِِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، فَإِنْ زَادَ فَذَلِكَ خَيْرٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) وَالزِّيَادَةُ قَدْ تَكُونُ فِي الْمِقْدَارِ أَوْ فِي الصِّفَةِ. فَمِنْ أَمْثِلَةِ الزِّيَادَةِ فِي صِفَةِ الْوَاجِبِ إِخْرَاجُ بِنْتِ اللَّبُونِ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ، فَإِنَّ بِنْتَ اللَّبُونِ تَخْرُجُ عَنْ سِتٍّ وَثَلاَثِينَ مِنَ الإِْبِل وَبِنْتَ الْمَخَاضِ تَخْرُجُ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَالْحِقَّةُ عَنْ بِنْتِ اللَّبُونِ فَإِنَّ الْحِقَّةَ تَخْرُجُ عَنْ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، وَإِخْرَاجُ الْجَذَعَةِ عَنِ الْحِقَّةِ فَإِنَّ الْجَذَعَةَ تَجِبُ فِي إِحْدَى وَسِتِّينَ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ الزِّيَادَةِ فِي الْمِقْدَارِ إِخْرَاجُ أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا صَاعٌ عَنْ كُل فَرْدٍ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (زَكَاةٍ) . стр. 14566
زِيَادَةُ الْوَكِيل عَمَّا حَدَّدَهُ لَهُ الْمُوَكِّل:
١٨ - الْوَكِيل لاَ يَمْلِكُ مِنَ التَّصَرُّفِ إِلاَّ مَا يَقْتَضِيهِ إِذْنُ مُوَكِّلِهِ مِنْ جِهَةِ النُّطْقِ أَوْ جِهَةِ الْعُرْفِ؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَهُ بِالإِْذْنِ فَاخْتَصَّ بِمَا أَذِنَ فِيهِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالاِحْتِيَاطِ وَالْغِبْطَةِ، فَلَوْ وَكَّلَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي زَمَنٍ مُقَيَّدٍ لَمْ يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ إِذْنُهُ مُطْلَقًا، وَلاَ عُرْفًا؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُؤَثِّرُ التَّصَرُّفُ فِي زَمَنِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَكَالَةِ.
زِيَادَةُ الْمَبِيعِ وَأَثَرُهَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ:
١٩ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ زِيَادَةَ الْمَبِيعِ الْمُتَّصِلَةَ الْمُتَوَلِّدَةَ كَسِمَنٍ وَجَمَالٍ لاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ قَبْل الْقَبْضِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ، وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ قَبُولُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَغَرْسٍ وَبِنَاءٍ فَتَمْنَعُ الرَّدَّ مُطْلَقًا. وَأَمَّا زِيَادَةُ الْمَبِيعِ الْمُنْفَصِلَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ وَالأَْرْشِ فَلاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ قَبْل الْقَبْضِ، فَإِنْ شَاءَ رَدَّهُمَا أَوْ رَضِيَ بِهِمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ يُمْتَنَعُ الرَّدُّ وَيَرْجِعُ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ، وَأَمَّا стр. 14567
الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ غَيْرُ الْمُتَوَلِّدَةِ كَكَسْبٍ، وَغَلَّةٍ، وَهِبَةٍ، فَقَبْل الْقَبْضِ لاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ، فَإِذَا رَدَّ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي بِلاَ ثَمَنٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَلاَ تَطِيبُ لَهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِلْبَائِعِ وَلاَ تَطِيبُ لَهُ، وَبَعْدَ الْقَبْضِ لاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ أَيْضًا، وَتَطِيبُ لَهُ الزِّيَادَةُ.
وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي حَالَةِ رَدِّهِ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ لِبَائِعِهِ، يَشْتَرِكُ مَعَ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ بِمِثْل نِسْبَةِ مَا زَادَ مِنْ قِيمَتِهِ، بِصَبْغِهِ أَوْ خِيَاطَتِهِ عَلَى قِيمَتِهِ خَالِيًا عَنْ ذَلِكَ مَعِيبًا، فَإِنْ قُوِّمَ مَصْبُوغًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ وَغَيْرَ مَصْبُوغٍ بِعَشَرَةٍ شَارَكَهُ بِثُلُثِهِ، دَلَّسَ بَائِعُهُ أَمْ لاَ، أَوْ يَتَمَسَّكُ بِالْمَبِيعِ وَيَأْخُذُ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْبَيْعِ عَلَى الأَْرْجَحِ.
هَذَا فِي الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ، وَذَكَرُوا فِي الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لاَ يَشْتَرِكُ مَعَ الْبَائِعِ فِيهَا عِنْدَ الرَّدِّ (١) .
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ تَتْبَعُ الأَْصْل فِي الرَّدِّ،
وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ فِي نَمَاءِ الْمَبِيعِ الْمُتَّصِل كَالسِّمَنِ وَكِبَرِ الشَّجَرَةِ لِعَدَمِ إِمْكَانِ إِفْرَادِ الزِّيَادَةِ، وَلِتَعَذُّرِ الرَّدِّ بِدُونِهَا، وَلأَِنَّ الْمِلْكَ قَدْ تَجَدَّدَ بِالْفَسْخِ فَكَانَتِ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ فِيهِ تَابِعَةً لِلأَْصْل كَالْعَقْدِ. стр. 14568
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ عَيْنًا كَالْوَلَدِ، أَوْ مَنْفَعَةً كَالأُْجْرَةِ، فَهِيَ مِنَ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي، وَمِنَ الثَّمَنِ لِلْبَائِعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فِي نَمَاءِ الْمَبِيعِ الْمُنْفَصِل، لِقَوْلِهِ ﷺ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (١) . وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فِي الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ لاَ تَمْنَعُ الرَّدَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالْعَيْبِ عَمَلاً بِمُقْتَضَى الْعَيْبِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي خِيَارِ الْعَيْبِ.
الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَنِ وَأَثَرُهَا:
٢٠ - تَتَّضِحُ آثَارُ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ أَوِ النَّقْصِ مِنْهُ فِي الإِْقَالَةِ. يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِقَالَةٍ) ف ٥ ٣٢٧
زِيَادَةُ الْمَشْفُوعِ فِيهِ هَل تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلشَّفِيعِ ؟ :
٢١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زِيَادَةِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ هَل تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِلشَّفِيعِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَبِيعِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي يَدِ стр. 14569
الْمُشْتَرِي قِبَل الآْخِذِ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ، إِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كَالشَّجَرِ إِذَا كَبُرَ فَهِيَ لِلشَّفِيعِ، لِعَدَمِ تَمَيُّزِهَا فَتَبِعَتِ الأَْصْل، كَمَا لَوْ رَدَّ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إِقَالَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً مُتَمَيِّزَةً كَالْغَلَّةِ وَالأُْجْرَةِ وَالطَّلْعِ الْمُؤَبَّرِ وَالثَّمَرَةِ الظَّاهِرَةِ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي لاَ حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِيهَا؛ لأَِنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مُبْقَاةً فِي رُءُوسِ النَّخْل إِلَى الْجُذَاذِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي الزِّيَادَةِ الْمُتَمَيِّزَةِ غَيْرِ الظَّاهِرَةِ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الْقَدِيمُ -: تَتْبَعُ الأَْصْل كَمَا فِي الْبَيْعِ.
وَالثَّانِي - وَهُوَ الْجَدِيدُ -: لاَ تَتْبَعُ الأَْصْل لأَِنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ بِغَيْرِ تَرَاضٍ فَلاَ يُؤْخَذُ بِهِ إِلاَّ مَا دَخَل بِالْعَقْدِ وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ لأَِنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ عَنْ تَرَاضٍ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى الاِسْتِثْنَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَثْنِ تَبِعَ الأَْصْل (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَشْفُوعِ فِيهِ كَالثَّمَرِ الَّذِي عَلَى النَّخْل لِلشَّفِيعِ إِذَا شَرَطَهُ فِي الْبَيْعِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُل بِدُونِ الشَّرْطِ، فَإِذَا شَرَطَهُ دَخَل فِي الْبَيْعِ وَاسْتُحِقَّ بِالشُّفْعَةِ، لأَِنَّهُ بِاعْتِبَارِ الاِتِّصَال صَارَ كَالنَّخْل وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، стр. 14570
وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ شُفْعَةَ فِيهِ لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ، حَتَّى لاَ يَدْخُل فِي الْبَيْعِ بِدُونِ الشَّرْطِ، وَإِذَا دَخَل فِي الشُّفْعَةِ فَإِذَا جَذَّهُ الْمُشْتَرِي نَقَصَ حِصَّتُهُ مِنَ الثَّمَنِ لأَِنَّهُ صَارَ مَقْصُودًا بِالذِّكْرِ، فَقَابَلَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَرَةَ لأَِنَّهَا نَفْلِيَّةٌ أَيْ زِيَادَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى النَّخْل ثَمَرٌ وَقْتَ الْبَيْعِ فَأَثْمَرَ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ بِالثَّمَرَةِ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ سَرَى إِلَيْهَا فَكَانَتْ تَبَعًا، فَإِذَا جَذَّهَا الْمُشْتَرِي فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ النَّخْل بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، لأَِنَّ الثَّمَرَةَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً وَقْتَ الْعَقْدِ، فَلَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً فَلاَ يُقَابِلُهَا شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ غَلَّتَهُ، أَيْ غَلَّةَ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ فِيهِ الَّتِي اسْتَغَلَّهَا قَبْل أَخْذِهِ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لأَِنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (شُفْعَةٍ) .
زِيَادَةُ الْمَرْهُونِ:
٢٢ - نَصَّ الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَرْهُونِ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل وَلاَ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلَّدِ مِنْهُ كَالْكَسْبِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لاَ يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ الرَّهْنِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مَرْهُونَةً بِنَفْسِهَا، وَلاَ هِيَ بَدَل الْمَرْهُونِ، وَلاَ جُزْءٌ مِنْهُ، وَلاَ بَدَل جُزْءٍ مِنْهُ.
وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مُتَوَلِّدَةً مِنَ الأَْصْل كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ، أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْهُ كَالأَْرْشِ وَالْعُقْرِ فَهِيَ مَرْهُونَةٌ تَبَعًا
стр. 14571
لِلأَْصْل؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ حَقٌّ لاَزِمٌ فَيَسْرِي إِلَى التَّبَعِ.
وَزِيَادَةُ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِالْغَلَّةِ، كَاللَّبَنِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَعَسَل النَّحْل، لاَ تَدْخُل فِي الرَّهْنِ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْمُرْتَهِنُ دُخُولَهَا، بِخِلاَفِ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ الأُْمِّ، فَإِنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي الرَّهْنِ، سَوَاءٌ أَحَمَلَتْ بِهِ قَبْل الرَّهْنِ أَمْ بَعْدَهُ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَرْهُونِ إِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً كَسِمَنِ الدَّابَّةِ وَكِبَرِ الشَّجَرَةِ تَبِعَتِ الأَْصْل فِي الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرِ لَمْ تُتْبَعْ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ جَمِيعَهُ وَغَلاَّتِهِ تَكُونُ رَهْنًا فِي يَدِ مَنِ الرَّهْنُ فِي يَدِهِ كَالأَْصْل، وَإِذَا احْتِيجَ إِلَى بَيْعِهِ فِي وَفَاءِ الدَّيْنِ بِيعَ مَعَ الأَْصْل، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُتَّصِل كَالسِّمَنِ وَالتَّعَلُّمِ، وَالْمُنْفَصِل كَالْكَسْبِ وَالأُْجْرَةِ وَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ. لأَِنَّهُ حُكْمٌ يَثْبُتُ فِي الْعَيْنِ بِعَقْدِ الْمَالِكِ فَيَدْخُل فِيهِ النَّمَاءُ وَالْمَنَافِعُ كَالْمِلْكِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (رَهْنٍ) . стр. 14572
زِيَادَةُ الْمَوْهُوبِ وَأَثَرُهَا فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ:
٢٣ - الزِّيَادَةُ فِي الْمَوْهُوبِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً. فَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ فَإِنَّهَا لاَ تُؤَثِّرُ فِي الرُّجُوعِ فِيهَا اتِّفَاقًا.
وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً مَنَعَتْ مِنَ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ فِيهَا دُونَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَلاَ سَبِيل إِلَى الرُّجُوعِ بِالْهِبَةِ مَعَ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لِعَدَمِ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهَا فَتَتْبَعُ الأَْصْل (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (هِبَةٍ) .
زِيَادَةُ الصَّدَاقِ وَحُكْمُهَا فِي الطَّلاَقِ قَبْل الدُّخُول:
٢٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، إِلَى أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ قَبْل الدُّخُول تَشَطَّرَ الصَّدَاقُ سَوَاءٌ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ أَوْ حَدَثَتْ فِيهِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ أَوْ مُنْفَصِلَةٌ، أَيْ أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ تَأْخُذُ حُكْمَ الأَْصْل، فَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا دَفَعَهُ стр. 14573
لَهَا بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ أَوِ الْمُنْفَصِلَةِ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْحَادِثُ مِنْهَا بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْل الْقَبْضِ كَالْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ الصَّدَاقِ الْمُنْفَصِلَةَ تَكُونُ لِلْمَرْأَةِ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ بِنِصْفِ الأَْصْل فَقَطْ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ نَمَاءُ مِلْكِهَا، وَالرُّجُوعُ بِنِصْفِ الأَْصْل لاَ يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً، فَإِنَّ الزَّوْجَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَسْتَقِل بِالرُّجُوعِ إِلَى النِّصْفِ ذَاتِهِ، بَل يُخَيِّرُ الزَّوْجَةَ بَيْنَ رَدِّ نِصْفِهِ زَائِدًا، وَبَيْنَ إِعْطَاءِ نِصْفِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ (١) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (صَدَاقٍ) .
زِيَادَةُ التَّرِكَةِ الْحَاصِلَةُ بَعْدَ الْوَفَاةِ قَبْل أَدَاءِ الدَّيْنِ:
٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زِيَادَةِ التَّرِكَةِ وَنَمَائِهَا الَّذِي حَدَثَ بَعْدَ وَفَاةِ الْمَدِينِ وَقَبْل أَدَاءِ الدَّيْنِ، كَأُجْرَةِ دَارٍ لِلسُّكْنَى، وَكَدَابَّةٍ وَلَدَتْ أَوْ سَمِنَتْ، وَكَشَجَرٍ صَارَ لَهُ ثَمَرٌ، هَل يُضَمُّ إِلَى التَّرِكَةِ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِينَ أَوْ هُوَ مِلْكٌ لِلْوَارِثِ. стр. 14574
وَهَذَا الْخِلاَفُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى خِلاَفٍ سَابِقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي انْتِقَال تَرِكَةِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ إِلَى وَارِثِهِ، وَحَاصِل مَا قَالُوهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِل إِلَى الْوَارِثِ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا دُيُونٌ مِنْ حِينِ وَفَاةِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ دَيْنٌ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي انْتِقَالِهَا إِلَى الْوَارِثِ بَعْدَ الْوَفَاةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، أَنَّ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَنْتَقِل إِلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ مَعَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ أَمْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لَهَا.
وَالثَّانِي: وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ مُسْتَغْرِقَةً بِالدَّيْنِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ بِهِ، فَإِنِ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَبْقَى أَمْوَال التَّرِكَةِ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ وَلاَ تَنْتَقِل إِلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ فَالرَّأْيُ الرَّاجِحُ أَنَّ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، مَعَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَذِهِ الأَْمْوَال.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَبْقَى عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى أَنْ يُسَدَّدَ الدَّيْنُ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لَهَا أَمْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ.
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ مَنْ قَال بِأَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ وَقَبْل أَدَاءِ الدَّيْنِ قَال: إِنَّ
стр. 14575
الزِّيَادَةَ لِلْوَارِثِ وَلَيْسَتْ لِلدَّائِنِ، وَمَنْ قَال بِعَدَمِ انْتِقَالِهَا قَال: تُضَمُّ الزِّيَادَةُ إِلَى التَّرِكَةِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ انْتَقَل إِلَى الْوَرَثَةِ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَرِكَةٍ) .
زِيَادَةُ التَّعْزِيرِ عَنْ أَدْنَى الْحُدُودِ:
٢٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَبْلُغُ الْحَدَّ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْحَدِّ مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي لاَ يَشُوبُهَا الْهَوَى. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالْجَلْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُنْقِصَ عَنْ أَقَل حُدُودِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِ جَلْدِ التَّعْزِيرِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ، وَنَصُّ مَذْهَبِهِ أَنْ لاَ يُزَادَ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي التَّعْزِيرِ،
انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (تَعْزِيرٍ) .
الزِّيَادَةُ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ (النَّفَل الْمُطْلَقُ) :
٢٧ - قَسَّمَ الْمَاوَرْدِيُّ الزِّيَادَةَ عَلَى فِعْل الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَهُوَ مَا يُسَمَّى النَّفَل الْمُطْلَقُ ثَلاَثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ رِيَاءً لِلنَّاظِرِينَ стр. 14576
وَتَصَنُّعًا لِلْمَخْلُوقِينَ، حَتَّى يَسْتَعْطِفَ بِهَا الْقُلُوبَ النَّافِرَةَ وَيَخْدُمَ بِهَا الْعُقُول الْوَاهِيَةَ، فَيَتَبَهْرَجَ بِالصُّلَحَاءِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَيَتَدَلَّسَ فِي الأَْخْيَارِ وَهُوَ ضِدُّهُمْ، وَقَدْ ضَرَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْمُرَائِي بِعَمَلِهِ مَثَلاً فَقَال: الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ (١) .
يُرِيدُ بِالْمُتَشَبِّعِ بِمَا لاَ يَمْلِكُ: الْمُتَزَيِّنُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ: كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ: هُوَ الَّذِي يَلْبَسُ ثِيَابَ الصُّلَحَاءِ، فَهُوَ بِرِيَائِهِ مَحْرُومُ الأَْجْرِ، مَذْمُومُ الذِّكْرِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَل الزِّيَادَةَ اقْتِدَاءً بِغَيْرِهِ، وَهَذَا قَدْ تُثْمِرُهُ مُجَالَسَةُ الأَْخْيَارِ الأَْفَاضِل، وَتُحْدِثُهُ مُكَاثَرَةُ الأَْتْقِيَاءِ الأَْمَاثِل. وَلِذَلِكَ قَال النَّبِيُّ ﷺ : الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل (٢) .
فَإِذَا كَاثَرَهُمُ الْمَجَالِسَ وَطَاوَلَهُمُ الْمُؤَانِسَ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَيَتَأَسَّى بِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُقَصِّرَ عَنْهُمْ، وَلاَ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَيْرِ دُونَهُمْ، فَتَبْعَثُهُ الْمُنَافَسَةُ عَلَى مُسَاوَاتِهِمْ، وَرُبَّمَا دَعَتْهُ الْحَمِيَّةُ إِلَى الزِّيَادَةِ стр. 14577
عَلَيْهِمْ، وَالْمُكَاثَرَةِ لَهُمْ، فَيَصِيرُونَ سَبَبًا لِسَعَادَتِهِ، وَبَاعِثًا عَلَى اسْتِزَادَتِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَفْعَل الزِّيَادَةَ ابْتِدَاءً مِنْ نَفْسِهِ الْتِمَاسًا لِثَوَابِهَا وَرَغْبَةً فِي الزُّلْفَةِ بِهَا، فَهَذَا مِنْ نَتَائِجِ النَّفْسِ الزَّاكِيَةِ، وَدَوَاعِي الرَّغْبَةِ الْوَاقِيَةِ الدَّالَّيْنِ عَلَى خُلُوصِ الدِّينِ وَصِحَّةِ الْيَقِينِ، وَذَلِكَ أَفْضَل أَحْوَال الْعَامِلِينَ، وَأَعْلَى مَنَازِل الْعَابِدِينَ.
٢٨ - ثُمَّ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُقْتَصِدًا فِيهَا وَقَادِرًا عَلَى الدَّوَامِ عَلَيْهَا، فَهِيَ أَفْضَل الْحَالَتَيْنِ، وَأَعْلَى الْمَنْزِلَتَيْنِ، عَلَيْهَا انْقَرَضَ أَخْيَارُ السَّلَفِ، وَتَتَبَّعَهُمْ فِيهَا فُضَلاَءُ الْخَلَفِ، وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لاَ يَمَل اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ (١) .
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا اسْتِكْثَارَ مَنْ لاَ يَنْهَضُ بِدَوَامِهَا، وَلاَ يَقْدِرُ عَلَى اتِّصَالِهَا، فَهَذَا رُبَّمَا كَانَ بِالْمُقَصِّرِ أَشْبَهَ؛ لأَِنَّ الاِسْتِكْثَارَ مِنَ الزِّيَادَةِ إِمَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ أَدَاءِ اللاَّزِمِ فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ تَقْصِيرًا؛ لأَِنَّهُ تَطَوَّعَ بِزِيَادَةٍ أَحْدَثَتْ نَقْصًا، وَبِنَفْلٍ مَنَعَ فَرْضًا، وَإِمَّا أَنْ يَعْجَزَ عَنِ اسْتِدَامَةِ الزِّيَادَةِ وَيُمْنَعَ مِنْ مُلاَزَمَةِ الاِسْتِكْثَارِ، مِنْ غَيْرِ стр. 14578
إِخْلاَلٍ بِلاَزِمٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ فِي فَرْضٍ، فَهِيَ إِذَنْ قَصِيرَةُ الْمَدَى قَلِيلَةُ اللُّبْثِ، وَقَلِيل الْعَمَل فِي طَوِيل الزَّمَانِ أَفْضَل عِنْدَ اللَّهِ مِنْ كَثِيرِ الْعَمَل فِي قَلِيل الزَّمَانِ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَكْثِرَ مِنَ الْعَمَل فِي الزَّمَانِ الْقَصِيرِ قَدْ يَعْمَل زَمَانًا وَيَتْرُكُ زَمَانًا، فَرُبَّمَا صَارَ فِي زَمَانِ تَرْكِهِ لاَهِيًا أَوْ سَاهِيًا، وَالْمُقَلِّل فِي الزَّمَانِ الطَّوِيل مُسْتَيْقِظَ الأَْفْكَارِ مُسْتَدِيمَ التَّذْكَارِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ لِكُل شَيْءٍ شِرَّةً، وَلِكُل شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَْصَابِعِ فَلاَ تَعُدُّوهُ (١) . فَجَعَل لِلإِْسْلاَمِ شِرَّةً وَهِيَ الإِْيغَال فِي الإِْكْثَارِ، وَجَعَل لِلشِّرَّةِ فَتْرَةً وَهِيَ الإِْهْمَال بَعْدَ الاِسْتِكْثَارِ، فَلَمْ يَخْل بِمَا أَثْبَتَ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَقْصِيرًا أَوْ إِخْلاَلاً، وَلاَ خَيْرَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٢) .
الزِّيَادَةُ عَلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ:
٢٩ - الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كَلاَمُ اللَّهِ الْمُعْجِزُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ وَحَفِظَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣) فَالذِّكْرُ هُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ، كَمَا стр. 14579
قَال الْقُرْطُبِيُّ، وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أَيْ مِنْ أَنْ يُزَادَ فِيهِ أَوْ يُنْقَصَ مِنْهُ. قَال قَتَادَةَ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ أَنْ تَزِيدَ فِيهِ الشَّيَاطِينُ بَاطِلاً، أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ حَقًّا، فَتَوَلَّى سُبْحَانَهُ حِفْظَهُ فَلَمْ يَزَل مَحْفُوظًا، وَقَال فِي غَيْرِهِ ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ (١) فَوَكَّل حِفْظَهُ إِلَيْهِمْ فَبَدَّلُوا وَغَيَّرُوا. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ عَزِيزٌ، أَيْ مُمْتَنِعٌ عَنِ النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَهُ، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄. قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٢)
وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ كَمَا قَال الْقُرْطُبِيُّ نَقْلاً عَنِ السُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ: أَيْ أَنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَ فِيهِ وَلاَ يَزِيدَ وَلاَ يُنْقِصَ. وَذَكَرَ صَاحِبُ رَوْحِ الْمَعَانِي أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِل مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ تَمْثِيلاً لِتَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ حُمِيَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، فَلاَ يُمْكِنُ أَعْدَاؤُهُ الْوُصُول إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ مِنْ حِمَايَةِ الْحَقِّ الْمُبِينِ (٣) . стр. 14580
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٣٠ - يُبْحَثُ عَنِ الأَْحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِمُصْطَلَحِ زِيَادَةٍ فِي الْوُضُوءِ، وَالتَّيَمُّمِ، وَالصَّلاَةِ، وَالْمَبِيعِ، وَالثَّمَنِ، وَالْغَصْبِ، وَالشُّفْعَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَاقِ، وَالتَّرِكَةِ، وَالتَّعْزِيرِ، وَالْحَدِّ، وَالتَّكْلِيفِ.
стр. 14581
زِيَارَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الزِّيَارَةُ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، يُقَال: زَارَهُ يَزُورُهُ زَوْرًا وَزِيَارَةً: قَصَدَهُ وَعَادَهُ.
وَفِي الْعُرْفِ هِيَ قَصْدُ الْمَزُورِ إِكْرَامًا لَهُ وَاسْتِئْنَاسًا بِهِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعِيَادَةُ:
٢ - هِيَ مِنْ عَادَ الْمَرِيضَ يَعُودُهُ عِيَادَةً: إِذَا زَارَهُ فِي مَرَضِهِ (٢) .
فَالْعِيَادَةُ عَلَى هَذَا أَخَصُّ مِنَ الزِّيَارَةِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ الزِّيَارَةِ بِاخْتِلاَفِ أَسْبَابِهَا، وَالْمَزُورِ، وَالزَّائِرِ. стр. 14582
زِيَارَةُ قَبْرِ الرَّسُول ﷺ :
٤ - زِيَارَةُ قَبْرِهِ ﷺ مِنْ أَهَمِّ الْقُرُبَاتِ وَأَفْضَل الْمَنْدُوبَاتِ، وَقَدْ نَقَل صَاحِبُ فَتْحِ الْقَدِيرِ عَنْ مَنَاسِكِ الْفَارِسِيِّ وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ: أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِهِ ﷺ قَرِيبَةٌ مِنَ الْوُجُوبِ (١) . وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ ﷺ : مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي (٢) ، وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ : مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لاَ يَعْلَمُ لَهُ حَاجَةً إِلاَّ زِيَارَتِي، كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
زِيَارَةُ الْقُبُورِ:
٥ - تُسَنُّ زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ لِلرِّجَال بِدُونِ سَفَرٍ، لِخَبَرِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا (٤) . стр. 14583
وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (زِيَارَةِ الْقُبُورِ) .
زِيَارَةُ الأَْمَاكِنِ:
٦ - وَرَدَتْ نُصُوصٌ وَآثَارٌ تَدْعُو إِلَى زِيَارَةِ أَمَاكِنَ بِعَيْنِهَا. وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَهُوَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (٢) " وَكَانَ ﷺ يَزُورُهُ كُل سَبْتٍ " (٣) . وَالْمَسَاجِدُ الثَّلاَثَةُ الَّتِي وَرَدَ الْحَدِيثُ بِشَدِّ الرِّحَال إِلَيْهَا وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷺ : لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَْقْصَى (٤) .
وَمِنْهَا جَبَل أُحُدٍ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ (٥) وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأَْمَاكِنِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ بِذَلِكَ فَتُسْتَحَبُّ زِيَارَتُهَا. стр. 14584
زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ، وَالإِْخْوَانِ:
٧ - تُسَنُّ زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ وَالإِْخْوَانِ، وَالأَْصْدِقَاءِ وَالْجِيرَانِ، وَالأَْقَارِبِ وَصِلَتُهُمْ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُمْ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَضُونَهُ، وَفِي وَقْتٍ لاَ يَكْرَهُونَهُ. كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ أَخِيهِ الصَّالِحِ أَنْ يَزُورَهُ وَيُكْثِرَ زِيَارَتَهُ إِذَا لَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ (١) .
وَقَدْ جَاءَ فِي الأَْثَرِ: أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَال: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَال: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَال: هَل لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَال: لاَ، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ ، قَال: فَإِنِّي رَسُول اللَّهِ إِلَيْكَ، بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ (٢) .
وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَنَاصِحِينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِي (٣) . стр. 14585
وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: إِذَا جَاءَكُمُ الزَّائِرُ فَأَكْرِمُوهُ (١) .
زِيَارَةُ الزَّوْجَةِ لأَِهْلِهَا وَوَالِدَيْهَا، وَزِيَارَتُهُمْ لَهَا:
٨ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ: لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجُ لِزِيَارَةِ وَالِدَيْهَا كُل جُمُعَةٍ، وَمَحَارِمِهَا كُل سَنَةٍ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَمِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ. وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ الْوَالِدَانِ فِي الْبَلَدِ (٢) .
وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الزَّوْجَ لاَ يَمْنَعُ أَبَوَيِ الزَّوْجَةِ مِنَ الدُّخُول عَلَيْهَا فِي كُل جُمُعَةٍ، وَلاَ يَمْنَعُ غَيْرَهُمَا مِنَ الْمَحَارِمِ فِي كُل سَنَةٍ.
وَكَذَا بِالنِّسْبَةِ لأَِوْلاَدِهَا مِنْ غَيْرِهِ إِنْ كَانُوا صِغَارًا، لاَ يَمْنَعُهُمُ الزَّوْجُ مِنَ الدُّخُول إِلَيْهَا كُل يَوْمٍ مَرَّةً، وَإِنِ اتَّهَمَ وَالِدَيْهَا بِإِفْسَادِهَا، فَيُقْضَى لَهُمَا بِالدُّخُول مَعَ امْرَأَةٍ أَمِينَةٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَعَلَيْهِ أُجْرَتُهَا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ: إِلَى أَنَّ لَهُ الْمَنْعَ مِنَ الدُّخُول، مُعَلِّلاً بِأَنَّ الْمَنْزِل مِلْكُهُ وَلَهُ حَقُّ الْمَنْعِ مِنْ دُخُول مِلْكِهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْكَنْزِ، стр. 14586
وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقُدُورِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الذَّخِيرَةِ.
وَقِيل: لاَ مَنْعَ مِنَ الدُّخُول بَل مِنَ الْقَرَارِ؛ لأَِنَّ الْفِتْنَةَ فِي الْمُكْثِ وَطُول الْكَلاَمِ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ، أَنَّهُ يُقْضَى بِزِيَارَةِ وَالِدَيْهَا وَأَوْلاَدِهَا الْكِبَارِ مِنْ غَيْرِهِ لَهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ كُل جُمُعَةٍ مَرَّةً (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخُرُوجَ مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ لِزِيَارَةِ وَالِدَيْهَا وَمَحَارِمِهَا فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يَنْهَهَا عَنِ الْخُرُوجِ. وَجَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّسَامُحِ بِذَلِكَ. أَمَّا إِذَا نَهَاهَا عَنِ الْخُرُوجِ فِي غَيْبَتِهِ فَلَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ لِزِيَارَةٍ وَلاَ لِغَيْرِهَا (٢) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ أَبُوهَا مِنْ زِيَارَتِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، لَكِنْ إِنْ عَرَفَ بِقَرَائِنِ الْحَال حُدُوثَ ضَرَرٍ بِزِيَارَتِهِمَا، أَوْ زِيَارَةِ أَحَدِهِمَا فَلَهُ الْمَنْعُ (٣) .
زِيَارَةُ الْمَحْضُونِ:
٩ - لِكُلٍّ مِنَ الأَْبَوَيْنِ زِيَارَةُ أَوْلاَدِهِ إِذَا كَانَتِ الْحَضَانَةُ لِغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لِمَنْ لَهُ حَقُّ الْحَضَانَةِ مَنْعُ الزِّيَارَةِ (٤) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (حَضَانَةٍ) . стр. 14587
زِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ
التَّعْرِيفُ:
١ - الزِّيَارَةُ: اسْمٌ مِنْ زَارَهُ يَزُورُهُ زُورًا وَزِيَارَةً، قَصَدَهُ مُكْرِمًا لَهُ (١) .
وَزِيَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ تَتَحَقَّقُ بِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ الإِْسْلاَمِيَّةُ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْل الْفَتْوَى فِي الْمَذَاهِبِ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، تَقْرُبُ مِنْ دَرَجَةِ الْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٢) . стр. 14588
وَذَهَبَ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ عِيسَى الْفَاسِيُّ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ (١) .
دَلِيل مَشْرُوعِيَّةِ الزِّيَارَةِ:
٣ - مِنْ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَتِهِ ﷺ : قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢)
فَإِنَّهُ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ ﷺ : الأَْنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ (٣) ، وَإِنَّمَا قَال: هُمْ أَحْيَاءٌ أَيْ لأَِنَّهُمْ كَالشُّهَدَاءِ بَل أَفْضَل، وَالشُّهَدَاءُ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَفَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْعِنْدِيَّةِ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ حَيَاتَهُمْ لَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ عِنْدَنَا وَهِيَ كَحَيَاةِ الْمَلاَئِكَةِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ الإِْسْرَاءِ قَال ﷺ : مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي стр. 14589
عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَْحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ (١) .
وَقَوْلُهُ ﷺ : فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ (٢) فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ عَامَّةً، وَزِيَارَتُهُ ﷺ أَوْلَى مَا يُمْتَثَل بِهِ هَذَا الأَْمْرُ، فَتَكُونُ زِيَارَتُهُ دَاخِلَةً فِي هَذَا الأَْمْرِ النَّبَوِيِّ الْكَرِيمِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ : مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي (٣) .
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي (٤) .
فَاسْتَدَل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِهَذِهِ الأَْدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ زِيَارَتِهِ ﷺ لِمَا فِي الأَْحَادِيثِ الأُْخْرَى مِنَ الْحَضِّ أَيْضًا.
وَحَمَلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، وَلَعَل مَلْحَظَهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الأَْدِلَّةَ تُرَغِّبُ بِتَحْصِيل стр. 14590
ثَوَابٍ أَوْ مَغْفِرَةٍ أَوْ فَضِيلَةٍ، وَذَلِكَ يَحْصُل بِوَسَائِل أُخَرَ، فَلاَ تُفِيدُ هَذِهِ الأَْدِلَّةُ الْوُجُوبَ.
قَال الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ: وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ ﵊ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَفَضِيلَةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا (١) .
فَضْل زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ :
٤ - دَلَّتِ الدَّلاَئِل السَّابِقَةُ عَلَى عَظَمَةِ فَضْل زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَزِيل مَثُوبَتِهَا فَإِنَّهَا مِنْ أَهَمِّ الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وَالْقُرُبَاتِ النَّافِعَةِ الْمَقْبُولَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَبِهَا يَرْجُو الْمُؤْمِنُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتَهُ وَتَوْبَتَهُ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَبِهَا يَحْصُل الزَّائِرُ عَلَى شَفَاعَةٍ خَاصَّةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ فَوْزٍ.
وَعَلَى ذَلِكَ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ فِي كَافَّةِ الْعُصُورِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَالسِّنْدِيُّ وَابْنُ الْهُمَامِ.
قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّهَا مِنْ أَفْضَل الأَْعْمَال وَأَجَل الْقُرُبَاتِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى ذِي الْجَلاَل، وَإِنَّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مَحَل إِجْمَاعٍ بِلاَ نِزَاعٍ.
وَكَذَلِكَ قَال الْقَسْطَلاَّنِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ زِيَارَةَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَأَرْجَى الطَّاعَاتِ، وَالسَّبِيل إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ. (٢) стр. 14591
آدَابُ زِيَارَةِ النَّبِيِّ ﷺ
٥ - أ - أَنْ يَنْوِيَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أَيْضًا لِتَحْصِيل سُنَّةِ زِيَارَةِ الْمَسْجِدِ وَثَوَابِهَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَْقْصَى. (١)
ب - الاِغْتِسَال لِدُخُول الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَلُبْسِ أَنْظَفِ الثِّيَابِ، وَاسْتِشْعَارُ شَرَفِ الْمَدِينَةِ لِتَشَرُّفِهَا بِهِ ﷺ .
ج - الْمُوَاظَبَةُ عَلَى صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُدَّةَ الإِْقَامَةِ فِي الْمَدِينَةِ، عَمَلاً بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. (٢)
د - أَنْ يُتْبِعَ زِيَارَتَهُ ﷺ بِزِيَارَةِ صَاحِبَيْهِ شَيْخَيِ الصَّحَابَةِ ﵄ وَعَنْهُمْ جَمِيعًا، أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَقَبْرُهُ إِلَى الْيَمِينِ قَدْرَ ذِرَاعٍ، وَعُمَرَ يَلِي قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى الْيَمِينِ أَيْضًا.
مَا يُكْرَهُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ
٦ - يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أُمُورٌ مَكْرُوهَةٌ فِي стр. 14592
زِيَارَتِهِمْ لِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ نُشِيرُ إِلَى أَهَمِّهَا:
١ - التَّزَاحُمُ عِنْدَ الزِّيَارَةِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ لاَ مُوجِبَ لَهُ، بَل هُوَ خِلاَفُ الأَْدَبِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا أَدَّى إِلَى زِحَامِ النِّسَاءِ فَإِنَّ الأَْمْرَ شَدِيدٌ.
٢ - رَفْعُ الأَْصْوَاتِ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ زِيَارَتِهِ ﷺ .
٣ - التَّمَسُّحُ بِقَبْرِهِ الشَّرِيفِ ﷺ أَوْ بِشُبَّاكِ حُجْرَتِهِ. أَوْ إِلْصَاقُ الظَّهْرِ أَوِ الْبَطْنِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّحُ بِحَائِطِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ تَقْبِيلُهُ، قَال أَحْمَدُ: مَا أَعْرِفُ هَذَا. قَال الأَْثْرَمُ: رَأَيْتُ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَهْل الْمَدِينَةِ لاَ يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ يَقُومُونَ مِنْ نَاحِيَةٍ فَيُسَلِّمُونَ. قَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَهَكَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَل. (١)
وَقَال النَّوَوِيُّ مُنَبِّهًا مُحَذِّرًا: وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُطَافَ بِقَبْرِهِ ﷺ ، وَيُكْرَهُ إِلْصَاقُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ. قَالُوا: وَيُكْرَهُ مَسْحُهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ، بَل الأَْدَبُ أَنْ يُبْعَدَ مِنْهُ، كَمَا يُبْعَدُ مِنْهُ لَوْ حَضَرَهُ فِي حَيَاتِهِ ﷺ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَالَهُ الْعُلَمَاءُ وَأَطْبَقُوا عَلَيْهِ، وَلاَ يُغْتَرُّ بِمُخَالَفَةِ كَثِيرِينَ مِنَ الْعَوَّامِ وَفِعْلِهِمْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الاِقْتِدَاءَ وَالْعَمَل إِنَّمَا يَكُونُ بِالأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَأَقْوَال الْعُلَمَاءِ، وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى مُحْدَثَاتِ الْعَوَامِّ وَغَيْرِهِمْ стр. 14593
وَجَهَالاَتِهِمْ. (١)
قَال ﷺ : لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ. (٢)
مَعْنَى الْحَدِيثِ لاَ تُعَطِّلُوا الْبُيُوتَ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهَا وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْقُبُورِ، فَأَمَرَ بِتَحَرِّي الْعِبَادَةِ بِالْبُيُوتِ وَنَهَى عَنْ تَحَرِّيهَا عِنْدَ الْقُبُورِ، عَكْسَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُشْرِكُونَ مِنَ النَّصَارَى وَمَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ. وَالْعِيدُ اسْمُ مَا يَعُودُ مِنَ الاِجْتِمَاعِ الْعَامِّ عَلَى وَجْهٍ مُعْتَادٍ عَائِدًا مَا يَعُودُ السَّنَةَ أَوْ يَعُودُ الأُْسْبُوعَ أَوِ الشَّهْرَ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَال فِي عَوْنِ الْمَعْبُودِ: قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: الْعِيدُ مَا يُعْتَادُ مَجِيؤُهُ وَقَصْدُهُ مِنْ زَمَنٍ وَمَكَانٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْمُعَاوَدَةِ وَالاِعْتِيَادِ، فَإِذَا كَانَ اسْمًا لِلْمَكَانِ فَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُقْصَدُ فِيهِ الاِجْتِمَاعُ وَالاِنْتِيَابُ بِالْعِبَادَةِ وَبِغَيْرِهَا كَمَا أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ وَالْمَشَاعِرَ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى عِيدًا لِلْحُنَفَاءِ وَمَثَابَةً لِلنَّاسِ، كَمَا جَعَل أَيَّامَ الْعِيدِ مِنْهَا عِيدًا. وَكَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَعْيَادٌ زَمَانِيَّةٌ وَمَكَانِيَّةٌ فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالإِْسْلاَمِ أَبْطَلَهَا وَعَوَّضَ الْحُنَفَاءَ مِنْهَا стр. 14594
عِيدَ الْفِطْرِ وَعِيدَ النَّحْرِ، كَمَا عَوَّضَهُمْ عَنْ أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ الْمَكَانِيَّةِ بِكَعْبَةٍ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَسَائِرِ الْمَشَاعِرِ.
قَال الْمُنَاوِيُّ فِي فَيْضِ الْقَدِيرِ: مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ الاِجْتِمَاعِ لِزِيَارَتِهِ اجْتِمَاعَهُمْ لِلْعِيدِ، إِمَّا لِدَفْعِ الْمَشَقَّةِ أَوْ كَرَاهَةِ أَنْ يَتَجَاوَزُوا حَدَّ التَّعْظِيمِ. وَقِيل: الْعِيدُ مَا يُعَادُ إِلَيْهِ أَيْ لاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا تَعُودُونَ إِلَيْهِ مَتَى أَرَدْتُمْ أَنْ تُصَلُّوا عَلَيَّ، فَظَاهِرُهُ مَنْهِيٌّ عَنِ الْمُعَاوَدَةِ وَالْمُرَادُ الْمَنْعُ عَمَّا يُوجِبُهُ، وَهُوَ ظَنُّهُمْ بِأَنَّ دُعَاءَ الْغَائِبِ لاَ يَصِل إِلَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ (١) أَيْ لاَ تَتَكَلَّفُوا الْمُعَاوَدَةَ إِلَيَّ فَقَدِ اسْتَغْنَيْتُمْ بِالصَّلاَةِ عَلَيَّ.
قَال الْمُنَاوِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اجْتِمَاعَ الْعَامَّةِ فِي بَعْضِ أَضْرِحَةِ الأَْوْلِيَاءِ فِي يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ مَخْصُوصٍ مِنَ السَّنَةِ وَيَقُولُونَ: هَذَا يَوْمُ مَوْلِدِ الشَّيْخِ، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَرُبَّمَا يَرْقُصُونَ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، وَعَلَى وَلِيِّ الشَّرْعِ رَدْعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْكَارُهُ عَلَيْهِمْ وَإِبْطَالُهُ.
وَقَال شَيْخُ الإِْسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْحَدِيثُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَا يَنَالُنِي مِنْكُمْ مِنَ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ يَحْصُل مَعَ قُرْبِكُمْ مِنْ قَبْرِي وَبُعْدِكُمْ عَنْهُ، فَلاَ حَاجَةَ بِكُمْ إِلَى اتِّخَاذِهِ عِيدًا. (٢) стр. 14595
صِفَةُ زِيَارَتِهِ ﷺ :
٧ - إِذَا أَرَادَ الزَّائِرُ زِيَارَتَهُ ﷺ فَلْيَنْوِ زِيَارَةَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ أَيْضًا، لِتَحْصُل سُنَّةُ زِيَارَةِ الْمَسْجِدِ وَثَوَابِهَا.
وَإِذَا عَايَنَ بَسَاتِينَ الْمَدِينَةِ صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ وَقَال: اللَّهُمَّ هَذَا حَرَمُ نَبِيِّكَ فَاجْعَلْهُ وِقَايَةً لِي مِنَ النَّارِ وَأَمَانًا مِنَ الْعَذَابِ وَسُوءِ الْحِسَابِ. (١)
وَإِذَا وَصَل بَابَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ دَخَل وَهُوَ يَقُول الذِّكْرَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ دُخُول الْمَسَاجِدِ: " اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ، رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ".
وَعِنْدَ الْخُرُوجِ يَقُول ذَلِكَ، لَكِنْ بِلَفْظِ " وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ ". (٢)
وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَقْصِدُ الْحُجْرَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي فِيهَا قَبْرُهُ ﵊ فَيَسْتَدْبِرُ الْقِبْلَةَ وَيَسْتَقْبِل الْقَبْرَ وَيَقِفُ أَمَامَ النَّافِذَةِ الدَّائِرِيَّةِ الْيُسْرَى مُبْتَعِدًا عَنْهَا قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ إِجْلاَلاً وَتَأَدُّبًا مَعَ الْمُصْطَفَى ﷺ فَهُوَ أَمَامَ وَجْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ، بِأَيِّ صِيغَةٍ تَحْضُرُهُ مِنْ صِيَغِ التَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيُرْدِفُ ذَلِكَ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ ﷺ بِمَا يَحْضُرُهُ أَيْضًا. стр. 14596
٨ - وَقَدْ أَوْرَدَ الْعُلَمَاءُ عِبَارَاتٍ كَثِيرَةً صَاغُوهَا لِتَعْلِيمِ النَّاسِ، ضَمَّنُوهَا ثَنَاءً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
فَيَدْعُو الإِْنْسَانُ بِدُعَاءِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَيُصَلِّي وَيُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْعُو بِمَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
٩ - وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ قَدْ أَوْصَاهُ بِالسَّلاَمِ عَلَيْهِ ﷺ فَلْيَقُل: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ، أَوْ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ يَا رَسُول اللَّهِ، أَوْ مَا شَابَهُ ذَلِكَ.
١٠ - ثُمَّ يَتَأَخَّرُ إِلَى صَوْبِ الْيَمِينِ قَدْرَ ذِرَاعِ الْيَدِ لِلسَّلاَمِ عَلَى الصِّدِّيقِ الأَْكْبَرِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ﵁، لأَِنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ كَتِفِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِمَا يَحْضُرُهُ مِنَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي تَلِيقُ بِمَقَامِ الصِّدِّيقِ ﵁.
١١ - ثُمَّ يَتَنَحَّى صَوْبَ الْيَمِينِ قَدْرَ ذِرَاعٍ لِلسَّلاَمِ عَلَى الْفَارُوقِ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الإِْسْلاَمَ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ بِمَا يَحْضُرُهُ مِنَ الأَْلْفَاظِ الَّتِي تَلِيقُ بِمَقَامِهِ ﵁.
١٢ - ثُمَّ يَرْجِعُ لِيَقِفَ قُبَالَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَالأَْوَّل، وَيَدْعُو مُتَشَفِّعًا بِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْخَيْرَاتِ لَهُ وَلِمَنْ يُحِبُّ وَلِلْمُسْلِمِينَ. وَيُرَاعِي فِي كُل ذَلِكَ أَحْوَال الزِّحَامِ بِحَيْثُ لاَ يُؤْذِي مُسْلِمًا. (١) стр. 14597
زِيَارَةُ الْقُبُورِ
حُكْمُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ:
١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ تُنْدَبُ لِلرِّجَال زِيَارَةُ الْقُبُورِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالآْخِرَةِ، (١) وَلأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْبَقِيعِ لِزِيَارَةِ الْمَوْتَى وَيَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: أَسْأَل اللَّهَ لِي وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ. (٢)
أَمَّا النِّسَاءُ، فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ تُكْرَهُ زِيَارَتُهُنَّ لِلْقُبُورِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ (٣) . وَلأَِنَّ النِّسَاءَ فِيهِنَّ رِقَّةُ قَلْبٍ، وَكَثْرَةُ جَزَعٍ، وَقِلَّةُ احْتِمَالٍ لِلْمَصَائِبِ، وَهَذَا مَظِنَّةٌ стр. 14598
لِطَلَبِ بُكَائِهِنَّ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ كَمَا يُنْدَبُ لِلرِّجَال، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ (١) الْحَدِيثُ.
وَقَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّدْبِ وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُنَّ فَلاَ تَجُوزُ، وَعَلَيْهِ حُمِل حَدِيثُ لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ. وَإِنْ كَانَ لِلاِعْتِبَارِ وَالتَّرَحُّمِ مِنْ غَيْرِ بُكَاءٍ، وَالتَّبَرُّكِ بِزِيَارَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ فَلاَ بَأْسَ - إِذَا كُنَّ عَجَائِزَ - وَيُكْرَهُ إِذَا كُنَّ شَوَابَّ، كَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تُكْرَهُ زِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ، لِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا (٢) فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ، حَرُمَتْ زِيَارَتُهُنَّ الْقُبُورَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل قَوْلُهُ ﷺ : لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ.
قَالُوا: وَإِنِ اجْتَازَتِ امْرَأَةٌ بِقَبْرٍ فِي طَرِيقِهَا فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَدَعَتْ لَهُ فَحَسَنٌ؛ لأَِنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ لِذَلِكَ.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْكَرَاهَةِ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُنَّ زِيَارَتُهُ، وَكَذَا قُبُورُ الأَْنْبِيَاءِ غَيْرِهِ стр. 14599
عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي طَلَبِ زِيَارَتِهِ ﷺ . (١)
زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ:
٢ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ زِيَارَة قَبْرِ الْكَافِرِ جَائِزَةٌ.
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: تَحْرُمُ زِيَارَةُ قَبْرِ الْكَافِرِ.
قَال الْحَنَابِلَةُ: وَلاَ يُسَلِّمُ مَنْ زَارَ قَبْرَ كَافِرٍ عَلَيْهِ، وَلاَ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ (٢) .
شَدُّ الرِّحَال لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ شَدُّ الرَّحْل لِزِيَارَةِ الْقُبُورِ، لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ، وَخُصُوصًا قُبُورُ الأَْنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ - مِنَ الْحَنَابِلَةِ - لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى، (٣) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ قَال: لَقِيَ أَبُو بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَهُوَ جَاءٍ مِنَ الطُّورِ فَقَال: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَال: مِنَ الطُّورِ، صَلَّيْتُ فِيهِ. قَال: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْل أَنْ تَرْحَل стр. 14600
إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى (١) . وَنَقَل ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (٢)
وَحَمَل الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَسَاجِدِ، فَلاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ لِثَلاَثَةٍ مِنْهَا. بِدَلِيل جَوَازِ شَدِّ الرِّحَال لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَلِلتِّجَارَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لاَ يَنْبَغِي لِلْمَطِيِّ أَنْ تُشَدَّ رِحَالُهُ إِلَى مَسْجِدٍ يَنْبَغِي فِيهِ الصَّلاَةُ غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا. (٣)
زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ :
٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي زِيَارَةِ قُبُورِ الأَْنْبِيَاءِ وَالأَْوْلِيَاءِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
آدَابُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ:
٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ زِيَارَتُهَا قَائِمًا، وَالدُّعَاءُ следующие страницы →