Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14701–14740 · переход к 14706.
стр. 14701
الإِْسْلاَمِ طَعْنًا ظَاهِرًا (١) .
سَبُّ الصَّحَابَةِ ﵃:
٢٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ سَبُّ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ. (٢)
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ فَاسِقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكَفِّرُهُ، فَإِنْ وَقَعَ السَّبُّ مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ مَذْهَبَانِ:
الأَْوَّل: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا، قَال بِهِ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنْ شَتَمَهُمْ بِمَا يَشْتُمُ بِهِ النَّاسُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِلًّا، نَقَل عَبْدُ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِل فِيمَنْ شَتَمَ صَحَابِيًّا الْقَتْل؟ فَقَال: أَجَبْنَ عَنْهُ، وَيُضْرَبُ. مَا أَرَاهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ.
الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، نَقَلَهُ الْبَزَّازِيُّ عَنِ الْخُلاَصَةِ: إِنْ كَانَ السَّبُّ لِلشَّيْخَيْنِ стр. 14702
يَكْفُرُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُتُونِ، وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِنْ قَال فِيهِمْ: كَانُوا عَلَى ضَلاَلٍ وَكُفْرٍ، وَقَصَرَ سَحْنُونٌ الْكُفْرَ عَلَى مَنْ سَبَّ الأَْرْبَعَةَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا، وَهُوَ مُقَابِل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، ضَعَّفَهُ الْقَاضِي وَهُوَ قَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَ مُسْتَحِلًّا، وَقِيل: وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِل. (١)
سَبُّ الإِْمَامِ:
٢١ - يَحْرُمُ سَبُّ الإِْمَامِ، وَيُعَزَّرُ مَنْ سَبَّهُ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَسْتَوْفِي الإِْمَامُ التَّعْزِيرَ بِنَفْسِهِ.
وَصَرَّحَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالسَّبِّ كَالتَّصْرِيحِ (٢) .
سَبُّ الْوَالِدِ:
٢٢ - يَحْرُمُ سَبُّ الاِبْنِ وَالِدَهُ، أَوِ التَّسَبُّبُ فِي سَبِّهِ، جَاءَ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ стр. 14703
أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُل وَالِدَيْهِ، قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُل وَالِدَيْهِ؟ ، قَال: يَسُبُّ الرَّجُل أَبَ الرَّجُل فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ. (١)
وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُصَرِّحُ بِهَذِهِ الْكَبِيرَةِ وَالْبَعْضُ لاَ يَذْكُرُهَا وَلَعَلَّهُ اعْتِمَادًا عَلَى وُرُودِهَا فِي السُّنَّةِ.
وَيُعَزَّرُ الْوَلَدُ فِي سَبِّ أَبِيهِ. (٢)
سَبُّ الاِبْنِ:
٢٣ - لاَ يُعَزَّرُ مَنْ سَبَّ وَلَدَهُ، وَذَكَرَ الإِْمَامُ الْغَزَالِيُّ أَنَّ دَوَامَ سَبِّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ بِحُكْمِ الْغَضَبِ يَجْرِي مَجْرَى الْفَلَتَاتِ فِي غَيْرِهِ وَلاَ يَقْدَحُ فِي عَدَالَةِ الْوَالِدِ. (٣)
هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ الْوَالِدَ لاَ يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى لاَ يُعَزَّرُ فِي الشَّتْمِ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْوَالِدَ يُعَزَّرُ فِي شَتْمِ وَلَدِهِ. (٤) стр. 14704
سَبُّ الْمُسْلِمِ:
٢٤ - سَبُّ الْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ. قَال النَّوَوِيُّ: يَحْرُمُ سَبُّ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ يُجَوِّزُ ذَلِكَ. رَوَيْنَا فِي صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، (١) وَإِذَا سَبَّ الْمُسْلِمَ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ، وَحَكَى بَعْضُهُمُ الاِتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَالتَّعْرِيضُ كَالسَّبِّ، وَهَذَا إِذَا وَقَعَ السَّبُّ بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ. (٢)
سَبُّ الذِّمِّيِّ:
٢٥ - سَبُّ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ مَعْصِيَةٌ، وَيُعَزَّرُ الْمُسْلِمُ إِنْ سَبَّ الْكَافِرَ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: سَوَاءٌ أَكَانَ حَيًّا، أَوْ مَيِّتًا، يَعْلَمُ مَوْتَهُ عَلَى الْكُفْرِ.
وَقَال الْبُهُوتِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. (٣) стр. 14705
النَّهْيُ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ:
٢٦ - يَحْرُمُ سَبُّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ . (١)
قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الآْيَةِ لاَ تَسُبُّوا آلِهَةَ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا إِلَهَكُمْ (٢) .
سَبُّ السَّابِّ قِصَاصًا:
٢٧ - أَجَازَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِمَنْ سَبَّهُ أَحَدٌ أَنْ يَسُبَّهُ بِقَدْرِ مَا سَبَّهُ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَكُونَ كَاذِبًا، وَلاَ قَاذِفًا، نَحْوُ: يَا أَحْمَقُ، وَيَا ظَالِمُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو أَحَدٌ عَنْهُمَا، قَالُوا: وَعَلَى الأَْوَّل إِثْمُ الاِبْتِدَاءِ.
صَرَّحَ بِهَذَا فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَيَّدَ الْحَنَابِلَةُ الْقِصَاصَ بِأَنْ لاَ يَكُونَ فِيهِ فِرْيَةٌ أَيْ قَذْفٌ.
وَلاَ يُخَالِفُ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: لاَ تَأْدِيبَ إِذَا كَانَ فِي مُشَاتَمَةٍ؛ لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ نَال مِنْ صَاحِبِهِ.
وَجَعَل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ خِلاَفَ الأَْوْلَى. (٣) стр. 14706
اسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ بِخَبَرِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ زَيْنَبَ لَمَّا سَبَّتْ عَائِشَةَ ﵄ قَال لَهَا النَّبِيُّ ﷺ سُبِّيهَا. (١)
وَيَشْهَدُ لِقَوْل الْحَنَفِيَّةِ مَا وَرَدَ عَنْ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَال: رَأَيْتُ رَجُلاً يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ لاَ يَقُول شَيْئًا إِلاَّ صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُول اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلاَمُ يَا رَسُول اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، قَال: لاَ تَقُل: عَلَيْكَ السَّلاَمُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلاَمُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُل: السَّلاَمُ عَلَيْكَ قَال. قُلْتُ: أَنْتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ؟ قَال: أَنَا رَسُول اللَّهِ الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ أَوْ فَلاَةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ قَال قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ، قَال: لاَ تَسُبَّنَّ أَحَدًا قَال: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلاَ عَبْدًا وَلاَ بَعِيرًا وَلاَ شَاةً، قَال: وَلاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ стр. 14707
وَجْهُكَ، إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَال الإِْزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلاَ تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَال ذَلِكَ عَلَيْهِ. (١)
٢٨ - وَيُسْتَثْنَى مِمَّا تَقَدَّمَ عِدَّةُ صُوَرٍ أَهَمُّهَا:
١ - سَبُّ الاِبْنِ: فَلاَ يُقْتَصُّ مِنْ أَبِيهِ إِذَا سَبَّهُ.
٢ - الإِْمَامُ الأَْعْظَمُ: إِذَا سُبَّ فَلاَ يَقْتَصُّ بِنَفْسِهِ.
٣ - الصَّائِمُ: إِذَا سَبَّهُ أَحَدٌ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسُبَّهُ، فَالسَّبُّ يُحْبِطُ أَجْرَ الصِّيَامِ. (٢)
يَقُول ﷺ : الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَل، فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُل إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ. (٣)
سَبُّ الأَْمْوَاتِ:
٢٩ - قَال الْعُلَمَاءُ يَحْرُمُ سَبُّ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ لَمْ يَكُنْ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَسُبُّوا الأَْمْوَاتَ стр. 14708
فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا. (١)
وَأَمَّا الْكَافِرُ، وَالْمُسْلِمُ الْمُعْلِنُ بِفِسْقِهِ، فَفِيهِ خِلاَفٌ لِلسَّلَفِ لِتَعَارُضِ النُّصُوصِ فِيهِ.
قَال ابْنُ بَطَّالٍ: سَبُّ الأَْمْوَاتِ يَجْرِي مَجْرَى الْغِيبَةِ، فَإِنْ كَانَ أَغْلَبُ أَحْوَال الْمَرْءِ الْخَيْرَ وَقَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْفَلْتَةُ فَالاِغْتِيَابُ لَهُ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا مُعْلِنًا فَلاَ غِيبَةَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَيِّتُ. (٢)
سَبُّ الدَّهْرِ:
٣٠ - وَرَدَتْ فِي الأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ، أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَال: أَنَا الدَّهْرُ، الأَْيَّامُ وَاللَّيَالِي لِي أُجَدِّدُهَا وَأُبْلِيهَا، وَآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ. (٣)
قَال ابْنُ حَجَرٍ وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ الْفَاعِل لِلْمَكْرُوهِ فَسَبُّهُ خَطَأٌ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِل، فَإِذَا سَبَبْتُمْ مَنْ أَنْزَل ذَلِكَ بِكُمْ رَجَعَ السَّبُّ إِلَى اللَّهِ. (٤) стр. 14709
سَبُّ الرِّيحِ:
٣١ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا. (١)
قَال الشَّافِعِيُّ: لاَ يَنْبَغِي لأَِحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الرِّيَاحَ، فَإِنَّهَا خَلْقٌ لِلَّهِ تَعَالَى مُطِيعٌ، وَجُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِهِ، يَجْعَلُهَا رَحْمَةً وَنِعْمَةً إِذَا شَاءَ.
سَبُّ الْحُمَّى:
٣٢ - قَال النَّوَوِيُّ: يُكْرَهُ سَبُّ الْحُمَّى، رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَخَل عَلَى أُمِّ السَّائِبِ - أَوْ أُمِّ الْمُسَيِّبِ - فَقَال مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيِّبِ - تُزَفْزِفِينَ (٢) قَالَتْ: الْحُمَّى، لاَ بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَال: لاَ تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ " (٣) .
وَلأَِنَّهَا تُكَفِّرُ ذُنُوبَ الْمُؤْمِنِ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي حَدِيثٍ: الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ (٤) стр. 14710
فَالْحُمَّى لِلْمُؤْمِنِ تُكَفِّرُ خَطَايَاهُ فَتُسَهِّل عَلَيْهِ الْوُرُودَ عَلَى النَّارِ فَيَنْجُو مِنْهُ سَرِيعًا.
وَقَال الزَّيْدُ الْعِرَاقِيُّ: إِنَّمَا جُعِلَتْ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُغَيِّرِ لِلْجِسْمِ، وَهَذِهِ صِفَةُ جَهَنَّمَ، فَهِيَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ فَتَمْنَعُهُ مِنْ دُخُول النَّارِ. (١) стр. 14711
سَبَبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّبَبُ لُغَةً: الْحَبْل. (١)
ثُمَّ اسْتُعْمِل لِكُل شَيْءٍ يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ أَسْبَابٌ.
وَالسَّبَبُ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَحَدُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ.
وَعَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ: بِأَنَّهُ مَا يَكُونُ طَرِيقًا إِلَى الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ، أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ وُجُوبٌ وَلاَ وُجُودٌ، وَلاَ يُعْقَل فِيهِ مَعَانِي الْعِلَل، لَكِنْ يَتَخَلَّل بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ عِلَّةٌ لاَ تُضَافُ إِلَى السَّبَبِ.
وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ (كَوْنِهِ طَرِيقًا) عَنِ الْعَلاَمَةِ.
وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ (الْوُجُوبِ) عَنِ الْعِلَّةِ، إِذِ الْعِلَّةُ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِمْ (وُجُوبٌ) . стр. 14712
وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ (وُجُودٍ) عَنِ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إِلَى الْعِلَّةِ وُجُودًا بِهَا، وَيُضَافُ إِلَى الشَّرْطِ وُجُودًا عِنْدَهُ.
وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ (وَلاَ يُعْقَل فِيهِ مَعَانِي الْعِلَل) عَنِ السَّبَبِ الَّذِي لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَّةِ، وَهُوَ مَا أَثَّرَ فِي الْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ.
فَلاَ يُوجَدُ لِلسَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. (١)
وَعَرَّفَ الشَّافِعِيَّةُ السَّبَبَ بِأَنَّهُ: كُل وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ دَل الدَّلِيل السَّمْعِيُّ عَلَى كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ.
وَاحْتَرَزَ بِالظَّاهِرِ عَنِ الْوَصْفِ الْخَفِيِّ كَعُلُوقِ النُّطْفَةِ بِالرَّحِمِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ خَفِيٌّ لاَ يُعَلَّقُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْعِدَّةِ، وَإِنَّمَا يُعَلَّقُ عَلَى وَصْفٍ ظَاهِرٍ وَهُوَ الطَّلاَقُ مَثَلاً.
وَاحْتَرَزَ بِالْمُنْضَبِطِ عَنِ السَّبَبِ الْمُتَخَلِّفِ الَّذِي لاَ يُوجَدُ دَائِمًا كَالْمَشَقَّةِ فَإِنَّهَا تَتَخَلَّفُ، وَلِذَا عَلَّقَ سَبَبَ الْقَصْرِ عَلَى السَّفَرِ دُونَ الْمَشَقَّةِ. (٢)
وَمِثَال السَّبَبِ: زَوَال الشَّمْسِ أَمَارَةُ مَعْرِفَةٍ لِوُجُوبِ الصَّلاَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٣) وَكَجَعْل طُلُوعِ الْهِلاَل стр. 14713
أَمَارَةً عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الشَّرْطُ:
٢ - الشَّرْطُ وَصْفٌ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ وَلاَ يَسْتَلْزِمُهُ.
وَمِثَالُهُ: الْحَوْل شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُجُوبِهَا، وَوُجُودُهُ دُونَ وُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ لاَ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، وَالْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فَعَدَمُهَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ صِحَّتِهِ. (٢)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ أَنَّ الأَْوَّل يَتَعَلَّقُ بِوُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ.
ب - الْعِلَّةُ:
٣ - الْعِلَّةُ هِيَ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ وُجُوبُ الْحُكْمِ - أَيْ ثُبُوتُهُ - ابْتِدَاءً.
فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبَبِ أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ بِالْعِلَّةِ بِلاَ وَاسِطَةٍ، فِي حِينِ لاَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالسَّبَبِ إِلاَّ بِوَاسِطَةٍ.
وَلِذَا احْتَرَزَ عَنْهُ فِي التَّعْرِيفِ بِكَلِمَةِ (ابْتِدَاءً) . كَمَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ السَّبَبَ قَدْ يَتَأَخَّرُ стр. 14714
عَنْهُ حُكْمُهُ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ، وَلاَ يُتَصَوَّرُ التَّأَخُّرُ وَالتَّخَلُّفُ فِي الْعِلَّةِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الْعِلَّةِ بِدُونِ وَاسِطَةٍ وَلاَ شَرْطٍ، وَتَرَتُّبُهُ عَلَى السَّبَبِ بِوَاسِطَةِ قَوْل الْقَائِل: أَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يَسْتَعْقِبُ الطَّلاَقَ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَرْطٍ، أَمَّا لَوْ قَال: إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ سُمِّيَ سَبَبًا لِتَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى وَاسِطَةٍ وَهِيَ دُخُول الدَّارِ (١) .
أَقْسَامُ السَّبَبِ:
٤ - قَسَّمَ الأُْصُولِيُّونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ السَّبَبَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أ - السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ: وَهُوَ سَبَبٌ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ. وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ غَيْرَ مُضَافَةٍ إِلَى السَّبَبِ بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِعْلاً اخْتِيَارِيًّا فَلاَ يُضَافُ الْحُكْمُ إِلَيْهِ. مِثَالُهُ: أَنَّ الدَّال عَلَى مَال السَّرِقَةِ لاَ يَضْمَنُ، وَلاَ يَشْتَرِكُ فِي الْغَنِيمَةِ الدَّال عَلَى حِصْنٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّهُ تَوَسَّطَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْحُكْمِ عِلَّةٌ هِيَ فِعْل فَاعِلٍ مُخْتَارٍ وَهُوَ السَّارِقُ وَالْغَازِي، فَتَقْطَعُ هَذِهِ الْعِلَّةُ نِسْبَةَ الْحُكْمِ إِلَى السَّبَبِ.
ب - سَبَبٌ فِيهِ مَعْنَى الْعِلَّةِ: وَهُوَ مَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ عِلَّةٌ وَكَانَتِ الْعِلَّةُ مُضَافَةً إِلَى السَّبَبِ كَوَطْءِ الدَّابَّةِ شَيْئًا، فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِهَلاَكِهِ وَهَذِهِ стр. 14715
الْعِلَّةُ مُضَافَةٌ إِلَى سَوْقِهَا وَهُوَ السَّبَبُ فَيُضَافُ الْحُكْمُ إِلَى السَّبَبِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ بِسَوْقِ الدَّابَّةِ.
ج - سَبَبٌ مَجَازِيٌّ: كَالصِّيَغِ الدَّالَّةِ عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ أَوِ النَّذْرِ فَإِنَّهَا قَبْل وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَسْبَابٌ مَجَازِيَّةٌ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْجَزَاءِ وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ أَوْ لُزُومُ النَّذْرِ. وَلَمْ تُعْتَبَرْ أَسْبَابًا حَقِيقِيَّةً إِذْ رُبَّمَا لاَ تُفْضِي إِلَى الْجَزَاءِ بِأَنْ لاَ يَقَعَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ. وَيُطْلَقُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ السَّبَبِ (سَبَبٌ لَهُ شُبْهَةُ الْعِلَّةِ (١)) .
مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّبَبِ:
٥ - يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ السَّبَبَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أ - فِي مُقَابَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ: فَيُقَال: إِنَّ حَافِرَ الْبِئْرِ مَعَ الْمُرَدَّى فِيهِ صَاحِبُ سَبَبٍ وَالْمُرَدَّى صَاحِبُ عِلَّةٍ فَإِنَّ الْهَلاَكَ حَصَل بِالتَّرْدِيَةِ لَكِنْ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ.
ب - عِلَّةُ الْعِلَّةِ: كَمَا فِي الرَّمْيِ سَبَبٌ لِلْقَتْل مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَبَبٌ لِلْعِلَّةِ فَالْمَوْتُ لَمْ يَحْصُل بِمُجَرَّدِ الرَّمْيِ بَل بِالْوَاسِطَةِ فَأَشْبَهَ مَا لاَ يَحْصُل الْحُكْمُ إِلاَّ بِهِ.
ج - ذَاتُ الْعِلَّةِ بِدُونِ شَرْطِهَا: كَقَوْلِهِمْ: الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِالْيَمِينِ دُونَ الْحِنْثِ، فَالْيَمِينُ هُوَ السَّبَبُ سَوَاءٌ وُجِدَ الْحِنْثُ أَمْ لَمْ يُوجَدْ.
وَكَقَوْلِهِمُ: الزَّكَاةُ تَجِبُ بِالْحَوْل فَإِنَّ مِلْكَ стр. 14716
النِّصَابِ هُوَ السَّبَبُ سَوَاءٌ وُجِدَ الْحَوْل الَّذِي هُوَ شَرْطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَمْ لَمْ يُوجَدْ.
وَيُرِيدُونَ بِهَذَا السَّبَبِ مَا تَحْسُنُ إِضَافَةُ الْحُكْمِ إِلَيْهِ وَيُقَابِلُونَهُ بِالْمَحَل وَالشَّرْطِ فَيَقُولُونَ: مِلْكُ النِّصَابِ سَبَبٌ وَالْحَوْل شَرْطٌ.
د - الْمُوجِبُ: وَالسَّبَبُ بِهَذَا الإِْطْلاَقِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالْعِلَل الشَّرْعِيَّةُ فِيهَا مَعْنَى الْعَلاَمَاتِ الْمُظْهِرَةِ فَشَابَهَتِ الأَْسْبَابَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. (١)
قَال الزَّرْكَشِيُّ: الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنَ الْمُقْتَضِي وَالشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الأَْهْل وَالْمَحَل (٢) . стр. 14717
سِبْطٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السِّبْطُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَلَدِ الاِبْنِ وَالاِبْنَةِ. وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَل السِّبْطُ فِي وَلَدِ الْبِنْتِ، وَمِنْهُ قِيل لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: سِبْطَا رَسُول اللَّهِ ﷺ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ يُطْلَقُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وَلَدِ الْبِنْتِ. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُطْلَقُ عَلَى وَلَدِ الاِبْنِ وَالْبِنْتِ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْحَفِيدُ:
٢ - الْحَفِيدُ لُغَةً: وَلَدُ الْوَلَدِ. (٤) وَيَسْتَعْمِل الشَّافِعِيَّةُ هَذَا اللَّفْظَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (٥)
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَقَعُ لَفْظُ الْحَفِيدِ عِنْدَهُمْ عَلَى وَلَدِ الاِبْنِ وَالْبِنْتِ (٦) . (ر: حَفِيدٌ) . стр. 14718
النَّافِلَةُ:
٣ - النَّافِلَةُ: وَلَدُ الْوَلَدِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (١) .
الْعَقِبُ:
٤ - عَقِبُ الرَّجُل وَلَدُهُ الذُّكُورُ وَالإِْنَاثُ، وَوَلَدُ بَنِيهِ مِنَ الذُّكُورِ وَالإِْنَاثِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لاَ يُسَمُّونَ عَقِبًا إِلاَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ (٢) .
الذُّرِّيَّةُ:
٥ - الذُّرِّيَّةُ أَصْلُهَا الصِّغَارُ مِنَ الأَْوْلاَدِ مَهْمَا نَزَلُوا، وَيَقَعُ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ مَعًا فِي التَّعَارُفِ (٣) .
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي دُخُول أَوْلاَدِ الْبَنَاتِ فِي الذُّرِّيَّةِ خِلاَفٌ (٤) وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي (ذُرِّيَّةٍ) . وَ (وَلَدٍ) (وَوَقْفٍ) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
دُخُول السِّبْطِ فِي الْوَقْفِ عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلاَدِهِمْ وَنَسْلِهِمْ:
٦ - إِذَا وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ وَأَوْلاَدِهِمْ أَوْ عَاقِبَتِهِمْ أَوْ نَسْلِهِمْ دَخَل فِي الْوَقْفِ أَوْلاَدُ الْبَنِينَ بِغَيْرِ خِلاَفٍ. стр. 14719
أَمَّا أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دُخُولِهِمْ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُل أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ أَوِ النَّسْل أَوِ الْعَقِبِ أَوْ أَوْلاَدِ الأَْوْلاَدِ؛ لأَِنَّ الْبَنَاتِ أَوْلاَدُهُ، وَأَوْلاَدُهُنَّ أَوْلاَدٌ حَقِيقَةٌ، فَيَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ لِتَنَاوُل اللَّفْظِ لَهُمْ. وَقَدْ دَل عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْل وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) وَعِيسَى ﵇ مِنْ وَلَدِ الْبِنْتِ، فَجَعَلَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ عِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيسَ. ثُمَّ قَال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيل﴾ (٢) وَعِيسَى مَعَهُمْ. وَقَال النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَسَنِ: ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ (٣) وَهُوَ وَلَدُ بِنْتِهِ، وَلَمَّا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَلاَئِل أَبْنَائِكُمْ﴾ (٤) دَخَل فِي стр. 14720
التَّحْرِيمِ حَلاَئِل أَبْنَاءِ الْبَنَاتِ، وَلَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَنَاتِ دَخَل فِي التَّحْرِيمِ بَنَاتُهُنَّ. (١)
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ أَوْلاَدَ الْبَنَاتِ لاَ يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ الَّذِي عَلَى أَوْلاَدِهِ وَأَوْلاَدِ أَوْلاَدِهِ، وَهَكَذَا إِذَا قَال عَلَى ذُرِّيَّتِهِ وَنَسْلِهِ. (٢)
وَلِلتَّفْصِيل (ر: وَقْفٌ) .
دُخُول السِّبْطِ فِي الاِسْتِئْمَانِ لِلأَْوْلاَدِ:
٧ - إِذَا قَال الْحَرْبِيُّ: أَمِّنُونِي عَلَى أَوْلاَدِي فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ دَخَل فِيهِ أَوْلاَدُهُ لِصُلْبِهِ وَأَوْلاَدِهِمْ مِنْ قِبَل الذُّكُورِ دُونَ أَوْلاَدِ الْبَنَاتِ؛ لأَِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَوْلاَدِهِ، هَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ كَمَا نَقَل عَنْهُ قَاضِي خَانْ وَابْنُ عَابِدِينَ (٣) .
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ لِقَوْلِهِ ﵊ حِينَ أَخَذَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: أَوْلاَدُنَا أَكْبَادُنَا. (٤)
وَلَوْ قَال الْحَرْبِيُّ: أَمِّنُونِي عَلَى أَوْلاَدِ أَوْلاَدِي دَخَل أَوْلاَدُ الْبَنَاتِ؛ لأَِنَّ اسْمَ وَلَدِ الْوَلَدِ حَقِيقَةٌ стр. 14721
فِيمَنْ وَلَدَهُ وَلَدُكَ، وَابْنَتُكَ وَلَدُكَ، فَمَا وَلَدَتْهُ ابْنَتُكَ يَكُونُ وَلَدَ وَلَدِكَ حَقِيقَةً. (١)
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٨ - لِلسِّبْطِ أَحْكَامٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُفَصَّلَةٌ تُنْظَرُ فِي مَظَانِّهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الإِْرْثُ وَالْوَصِيَّةُ وَالنِّكَاحُ وَالْحَضَانَةُ وَالنَّفَقَةُ وَالْجِنَايَاتُ. وَتُنْظَرُ كَذَلِكَ مُصْطَلَحَاتُ (ابْنُ الاِبْنِ، وَابْنُ الْبِنْتِ، وَحَفِيدٌ)
سَبُعٌ
انْظُرْ: أَطْعِمَةٌ.
سَبْقٌ
انْظُرْ: سِبَاقٌ. стр. 14722
سَبْقُ الْحَدَثِ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّبْقُ مَصْدَرُ سَبَقَ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَدَمَةُ فِي الْجَرْيِ وَفِي كُل شَيْءٍ.
وَالْحَدَثُ مِنْ حَدَثَ الشَّيْءُ حُدُوثًا: أَيْ تَجَدَّدَ وَيَتَعَدَّى بِالأَْلِفِ فَيُقَال: أَحْدَثَهُ، وَأَحْدَثَ الإِْنْسَانُ إِحْدَاثًا، وَالاِسْمُ: الْحَدَثُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَالَةِ النَّاقِضَةِ لِلطَّهَارَةِ، وَعَلَى الْحَادِثِ الْمُنْكَرِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ، وَلاَ مَعْرُوفٍ فِي السُّنَّةِ. (١)
وَسَبْقُ الْحَدَثِ فِي الاِصْطِلاَحِ: خُرُوجُ شَيْءٍ مُبْطِلٍ لِلطَّهَارَةِ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي (مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الصَّلاَةَ стр. 14723
لاَ تَنْعَقِدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا عِنْدَ إِحْرَامِهِ، عَامِدًا كَانَ أَمْ سَاهِيًا، كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل إِذَا أَحْرَمَ مُتَطَهِّرًا ثُمَّ أَحْدَثَ عَمْدًا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَدَثِ الَّذِي يَسْبِقُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي: مِنْ غَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ رِيحٍ، وَكَذَا الدَّمُ السَّائِل مِنْ جُرْحٍ أَوْ دُمَّلٍ بِهِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ حَدَثٌ يُفْسِدُ الطَّهَارَةَ.
٣ - فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا سَبَقَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الأَْحْدَاثِ تَفْسُدُ طَهَارَتُهُ، وَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ فَيَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاَتِهِ بَعْدَ تَطَهُّرِهِ اسْتِحْسَانًا لاَ قِيَاسًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلْسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لاَ يَتَكَلَّمُ. (١)
وَلأَِنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ، وَالْعَبَادِلَةَ الثَّلاَثَةَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ ﵃، قَالُوا بِالْبِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي الصَّلاَةِ فَتَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلاَتِهِ. стр. 14724
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ فَعَل ذَلِكَ فَثَبَتَ الْبِنَاءُ عَنِ الصَّحَابَةِ قَوْلاً وَفِعْلاً.
قَالُوا: وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَبْطُل صَلاَتُهُ أَيْضًا وَيَسْتَأْنِفَ الصَّلاَةَ بَعْدَ التَّطَهُّرِ؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَةَ لاَ تَبْقَى مَعَ الْحَدَثِ، كَمَا لاَ تَنْعَقِدُ مَعَهُ، لِفَوَاتِ أَهْلِيَّةِ أَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي الْحَالَيْنِ بِفَوَاتِ الطَّهَارَةِ فِيهِمَا؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ لاَ يَبْقَى مَعَ عَدَمِ الأَْهْلِيَّةِ، كَمَا لاَ يَنْعَقِدُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِيَّةٍ، فَلاَ تَبْقَى التَّحْرِيمَةُ؛ لأَِنَّهَا شُرِعَتْ لأَِدَاءِ أَفْعَال الصَّلاَةِ، وَلِهَذَا لاَ تَبْقَى مَعَ الْحَدَثِ الْعَمْدِ بِالاِتِّفَاقِ؛ وَلأَِنَّ صَرْفَ الْوَجْهِ عَنِ الْقِبْلَةِ، وَالْمَشْيِ لِلطَّهَارَةِ فِي الصَّلاَةِ مُنَافٍ لَهَا. وَلَكِنْ عَدَل عَنِ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ.
وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ (١) .
٤ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْقَوْل الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ: تَبْطُل صَلاَتُهُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا، وَهُوَ قَوْل الْحَسَنِ، وَعَطَاءٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلاَةَ. (٢) وَحَدِيثُ عَلِيٍّ стр. 14725
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَال: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ نُصَلِّي إِذِ انْصَرَفَ وَنَحْنُ قِيَامٌ ثُمَّ أَقْبَل وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى لَنَا الصَّلاَةَ ثُمَّ قَال: إِنِّي ذَكَرْتُ أَنِّي كُنْتُ جُنُبًا حِينَ قُمْتُ إِلَى الصَّلاَةِ لَمْ أَغْتَسِل، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ فِي بَطْنِهِ رِزًّا (١) أَوْ كَانَ عَلَى مِثْل مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَلْيَنْصَرِفْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَاجَتِهِ أَوْ غُسْلِهِ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى صَلاَتِهِ. (٢)
وَلأَِنَّهُ فَقَدَ شَرْطَ الصَّلاَةِ - وَهُوَ الطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثِ - فِي أَثْنَائِهَا عَلَى وَجْهٍ لاَ يَعُودُ إِلاَّ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَعَمَلٍ كَثِيرٍ، فَفَسَدَتْ صَلاَتُهُ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَ نَجَاسَةً يَحْتَاجُ فِي إِزَالَتِهَا إِلَى مِثْل ذَلِكَ. أَوِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَلَمْ يَجِدِ السُّتْرَةَ إِلاَّ بَعِيدَةً مِنْهُ، أَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ، أَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ. (٣)
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: إِنْ كَانَ الْحَدَثُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ ابْتَدَأَ الصَّلاَةَ وَلاَ يَبْنِي، أَمَّا إِنْ كَانَ стр. 14726
مِنْ غَيْرِهِمَا بَنَى؛ لأَِنَّ نَجَاسَةَ السَّبِيلَيْنِ أَغْلَظُ؛ وَلأَِنَّ الأَْثَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ فَلاَ يُلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ. (١)
شُرُوطُ الْبِنَاءِ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِهِ:
يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ:
٥ - أ - كَوْنُ السَّبْقِ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ، فَلاَ يَجُوزُ الْبِنَاءُ إِذَا أَحْدَثَ عَمْدًا؛ لأَِنَّ جَوَازَ الْبِنَاءِ ثَبَتَ مَعْدُولاً بِهِ عَنِ الْقِيَاسِ، لِلنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ، فَلاَ يُلْحَقُ بِهِ إِلاَّ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَالْحَدَثُ الْعَمْدُ لَيْسَ كَالْحَدَثِ الَّذِي يَسْبِقُ لأَِنَّهُ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ الإِْنْسَانُ، فَلَوْ جُعِل مَانِعًا مِنَ الْبِنَاءِ لأََدَّى إِلَى حَرَجٍ، وَلاَ حَرَجَ فِي الْحَدَثِ الْعَمْدِ. وَلأَِنَّ الإِْنْسَانَ يَحْتَاجُ إِلَى الْبِنَاءِ فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ لإِِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ، فَنَظَرَ الشَّرْعُ لَهُ بِجَوَازِ الْبِنَاءِ صِيَانَةً لِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ مِنَ الْفَوَاتِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلنَّظَرِ، لِحُصُول الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ، وَبِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ بِخِلاَفِ الْحَدَثِ الْعَمْدِ؛ لأَِنَّ مُتَعَمِّدَ الْحَدَثِ فِي الصَّلاَةِ جَانٍ، فَلاَ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ.
ب - أَلاَّ يَأْتِي بَعْدَ الْحَدَثِ بِفِعْلٍ مُنَافٍ لِلصَّلاَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَحْدَثَ، إِلاَّ مَا لاَ بُدَّ مِنْهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَقْلِيل الأَْفْعَال وَتَقْرِيبُ الْمَكَانِ بِحَسْبِ الإِْمْكَانِ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَحْصِيل الْمَاءِ стр. 14727
وَنَحْوِهِ. فَإِنْ تَكَلَّمَ بَعْدَ الْحَدَثِ بِلاَ حَاجَةٍ إِلَيْهِ، أَوْ ضَحِكَ أَوْ أَحْدَثَ حَدَثًا آخَرَ عَمْدًا، أَوْ أَكَل أَوْ شَرِبَ فَلاَ يَبْنِي؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْفْعَال مُنَافِيَةٌ لِلصَّلاَةِ فِي الأَْصْل فَلاَ يَسْقُطُ الْمُنَافِي لِلضَّرُورَةِ. (١)
عَوْدُهُ بَعْدَ التَّطَهُّرِ إِلَى مُصَلاَّهُ:
٦ - إِنْ كَانَ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ أَتَمَّ صَلاَتَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ عَادَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي افْتَتَحَ الصَّلاَةَ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا أَتَمَّ الصَّلاَةَ حَيْثُ هُوَ فَقَدْ سَلِمَتْ صَلاَتُهُ عَنِ الْحَرَكَةِ الْكَثِيرَةِ لَكِنَّهُ صَلَّى صَلاَةً وَاحِدَةً فِي مَكَانَيْنِ. وَإِنْ عَادَ إِلَى مُصَلاَّهُ فَقَدْ أَدَّى جَمِيعَ الصَّلاَةِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَلَكِنْ مَعَ زِيَادَةِ مَشْيٍ فَاسْتَوَى الْوَجْهَانِ فَيَتَخَيَّرُ.
وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يُصَلِّي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَوَضَّأَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ. وَإِنْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَانْصَرَفَ وَتَوَضَّأَ، فَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ إِمَامُهُ مِنَ الصَّلاَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ؛ لأَِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِي، وَلَوْ لَمْ يَعُدْ وَأَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلاَتِهِ فِي مَكَانِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، لأَِنَّهُ إِنْ صَلَّى مُقْتَدِيًا بِإِمَامِهِ لَمْ يَصِحَّ لاِنْعِدَامِ شَرْطِ الاِقْتِدَاءِ، وَهُوَ اتِّحَادُ الْبُقْعَةِ، وَإِنْ صَلَّى فِي مَكَانِهِ مُنْفَرِدًا فَسَدَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّ الاِنْفِرَادَ فِي حَال وُجُوبِ الاِقْتِدَاءِ يُفْسِدُ صَلاَتَهُ؛ لأَِنَّ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ стр. 14728
تَغَايُرًا، وَقَدْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّلاَةُ مُقْتَدِيًا، وَمَا أَدَّى وَهُوَ الصَّلاَةُ مُنْفَرِدًا لَمْ يُوجَدْ لَهُ ابْتِدَاءً تَحْرِيمَةٌ، وَهُوَ بَعْضُ الصَّلاَةِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ مُنْتَقِلاً عَمَّا كَانَ فِيهِ إِلَى هَذَا، فَتَبْطُل. وَإِنْ كَانَ إِمَامًا يَسْتَخْلِفُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى صَلاَتِهِ. (١)
هَذَا كُلُّهُ فِي حَدَثِ الرَّفَاهِيَةِ (أَيْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ) أَمَّا الْحَدَثُ الدَّائِمُ كَسَلَسِ الْبَوْل فَلاَ يَضُرُّ. (ر: حَدَثٌ) (وَعُذْرٌ) .
٧ - أَمَّا مَا سِوَى الْحَدَثِ مِنَ الأَْسْبَابِ النَّاقِضَةِ لِلصَّلاَةِ إِذَا طَرَأَ فِيهَا أَبْطَل الصَّلاَةَ قَطْعًا، إِنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ طَرَأَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ إِذَا نُسِبَ إِلَيْهِ تَقْصِيرٌ، كَمَنْ مَسَحَ خُفَّهُ فَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ فِي الصَّلاَةِ، أَوْ دَخَل الصَّلاَةَ وَهُوَ يُدَافِعُ الْحَدَثَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى التَّمَاسُكِ إِلَى انْتِهَائِهَا. أَمَّا إِذَا طَرَأَ نَاقِضٌ لِلصَّلاَةِ لاَ بِاخْتِيَارِهِ وَلاَ بِتَقْصِيرِهِ كَمَنِ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ فَسَتَرَهَا فِي الْحَال، أَوْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَنَفَضَهَا فِي الْحَال، أَوْ أَلْقَى الثَّوْبَ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فِي الْحَال فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ. (٢)
(ر: صَلاَةٌ، نَجَاسَةٌ) . стр. 14729
سَبْيٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّبْيُ وَالسِّبَاءُ لُغَةً: الأَْسْرُ، يُقَال: سَبَى الْعَدُوَّ وَغَيْرَهُ سَبْيًا وَسِبَاءً: إِذَا أَسَرَهُ، فَهُوَ سَبِيٌّ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٌ لِلذَّكَرِ. وَالأُْنْثَى سَبْيٌ وَسَبِيَّةٌ وَمَسْبِيَّةٌ، وَالنِّسْوَةُ سَبَايَا، وَلِلْغُلاَمِ سَبْيٌ وَمَسْبِيٌّ. (١)
أَمَّا اصْطِلاَحًا: فَالْفُقَهَاءُ فِي الْغَالِبِ يَخُصُّونَ السَّبْيَ بِالنِّسَاءِ وَالأَْطْفَال، وَالأَْسْرَ بِالرِّجَال. فَفِي الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: الْغَنِيمَةُ تَشْتَمِل عَلَى أَقْسَامٍ: أَسْرَى، وَسَبْيٍ، وَأَرَضِينَ، وَأَمْوَالٍ، فَأَمَّا الأَْسْرَى فَهُمُ الرِّجَال الْمُقَاتِلُونَ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ أَحْيَاءً، وَأَمَّا السَّبْيُ فَهُمُ النِّسَاءُ وَالأَْطْفَال. (٢) وَفِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: الْمُرَادُ بِالسَّبْيِ: النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ (٣) . стр. 14730
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الرَّهِينَةُ:
٢ - الرَّهِينَةُ وَاحِدَةُ الرَّهَائِنِ، وَهِيَ كُل مَا احْتُبِسَ بِشَيْءٍ، وَالسَّبْيُ وَالرَّهِينَةُ كِلاَهُمَا مُحْتَبَسٌ إِلاَّ أَنَّ السَّبْيَ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا وَهُوَ مُحْتَبِسٌ بِذَاتِهِ، أَمَّا الرَّهِينَةُ فَلِغَيْرِهَا لِلْوَفَاءِ بِالْتِزَامٍ. (ر: أَسْرَى ف ٣)
ب - الْحَبْسُ:
٣ - الْحَبْسُ ضِدُّ التَّخْلِيَةِ، وَالْمَحْبُوسُ: الْمَمْنُوعُ عَنِ التَّوَجُّهِ حَيْثُ يَشَاءُ، فَالْحَبْسُ أَعَمُّ مِنَ السَّبْيِ. (ر: أَسْرَى ف ٤) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - السَّبْيُ مَشْرُوعٌ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ (١) وَقَدْ سَبَى النَّبِيُّ ﷺ وَقَسَّمَ السَّبْيَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ كَسْبِي بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهَوَازِنَ (٢) . وَسَبَى الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ، كَمَا فَعَل أَبُو بَكْرٍ стр. 14731
رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ وَذَرَارِيِّهِمْ، وَسَبَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَنِي نَاجِيَةَ. (١)
وَكَانَ السَّبْيُ مَوْجُودًا قَبْل الإِْسْلاَمِ، فَقَيَّدَهُ الإِْسْلاَمُ بِشُرُوطٍ، وَخَصَّهُ بِحَالَةِ الْحَرْبِ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي أَسْبَابِهِ.
أَسْبَابُ السَّبْيِ:
الأَْوَّل - الْقِتَال:
٥ - شُرِعَ الْقِتَال فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى لإِِعْلاَءِ دِينِ الْحَقِّ وَكَسْرِ شَوْكَةِ الأَْعْدَاءِ. وَالأَْصْل أَنَّ مَنْ لَمْ يُشَارِكْ فِي الْقِتَال فَلاَ يُقْتَل، وَلِذَلِكَ يُمْنَعُ التَّعَرُّضُ لِلنِّسَاءِ وَالأَْطْفَال وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْعَجَزَةِ الَّذِينَ لاَ يُشَارِكُونَ فِي الْقِتَال لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ قَتْل النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. (٢) قَال ﷺ : لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلاَ طِفْلاً وَلاَ امْرَأَةً. (٣)
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا جَوَازُ قَتْل مَنْ يُشَارِكُ فِي الْقِتَال مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَوْ يُحَرِّضُ عَلَى стр. 14732
الْقِتَال، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي (جِهَادٍ ف ٢٩) .
وَإِذَا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ الْغَنَائِمَ فَإِنَّ مَنْ يُوجَدُ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالأَْطْفَال يُعْتَبَرُ سَبْيًا. (١)
الثَّانِي: النُّزُول عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ:
٦ - لَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا لِلْعَدُوِّ، وَطَلَبَ أَهْل الْحِصْنِ النُّزُول عَلَى حُكْمِ فُلاَنٍ وَارْتَضَوْا حُكْمَ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، فَلَهُ الْحُكْمُ بِسَبْيِ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ. (٢)
وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمَّا حَاصَرَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَحَكَمَ سَعْدُ أَنْ تُقَتَّل رِجَالُهُمْ وَتُقَسَّمَ أَمْوَالُهُمْ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ الْمَلِكُ. (٣)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (جِهَادٍ ف ٢٤)
الثَّالِثُ - الرِّدَّةُ:
٧ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ стр. 14733
وَالْحَنَابِلَةُ - أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ إِنِ اسْتُتِيبَتْ وَلَمْ تَتُبْ فَإِنَّهَا تُقْتَل، لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً يُقَال لَهَا أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ عَنِ الإِْسْلاَمِ، فَبَلَغَ أَمْرُهَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَ أَنْ تُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلاَّ قُتِلَتْ. (١) وَلأَِنَّهَا شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّل دِينَ الْحَقِّ بِالْبَاطِل، فَيُقْتَل كَالرَّجُل.
٨ - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُحْبَسُ إِلَى أَنْ تَتُوبَ - إِلاَّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا ارْتَدَّتْ فَإِنَّهَا تُسْبَى وَلاَ تُقْتَل، لأَِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَرَقَّ نِسَاءَ بَنِي حَنِيفَةَ وَذَرَارِيَّهُمْ، وَأَعْطَى عَلِيًّا مِنْهُمُ امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ قَال: إِنَّهَا تُسْتَرَقُّ وَلَوْ كَانَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، قِيل: لَوْ أَفْتَى بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ لاَ بَأْسَ بِهِ فِيمَنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ حَسْمًا لِتَوَصُّلِهَا لِلْفُرْقَةِ بِالرِّدَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرُ رِوَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ - لاَ تُسْبَى الْمَرْأَةُ إِلاَّ إِذَا لَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ ارْتِدَادِهَا، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ سِبَاؤُهَا. (٢) стр. 14734
٩ - أَمَّا ذُرِّيَّةُ الْمُرْتَدِّ فَمَنْ وُلِدَ بَعْدَ رِدَّةِ أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ، لأَِنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَيَجُوزُ سِبَاؤُهُ حِينَئِذٍ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُرْتَدٍّ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ لاَ يَجُوزَ اسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لأَِنَّ آبَاءَهُمْ لاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ لاَ يُقِرُّونَ بِدَفْعِ الْجِزْيَةِ فَلاَ يُقِرُّونَ بِالاِسْتِرْقَاقِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُسْبَى مَنْ وُلِدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ لَحِقَ أَبَوَاهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ مَعَهُمَا، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قُتِل الْمُرْتَدُّ بَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا سَوَاءٌ وُلِدَ قَبْل الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا. (١)
١٠ - وَمَتَى ارْتَدَّ أَهْل بَلَدٍ وَجَرَتْ فِيهِ أَحْكَامُهُمْ صَارَ دَارَ حَرْبٍ، فَإِذَا غَلَبَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ كَانَ لَهُمْ سَبْيُ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَالَّذِينَ وُلِدُوا بَعْدَ الرِّدَّةِ، كَمَا سَبَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ذَرَارِيَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَمَا سَبَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بَنِي نَاجِيَةَ مُوَافَقَةً لأَِبِي بَكْرٍ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَصْبَغَ стр. 14735
مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - غَيْرِ أَصْبَغَ - لاَ تُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَلاَ ذَرَارِيُّهُمْ. (١)
الرَّابِعُ: نَقْضُ الْعَهْدِ:
١١ - أَهْل الذِّمَّةِ آمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِسَبَبِ الْعَهْدِ، فَإِذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ قَاتَلَهُمُ الإِْمَامُ وَأَسَرَ رِجَالَهُمْ، أَمَّا نِسَاؤُهُمْ وَذَرَارِيُّهُمْ فَلاَ يُسْبَوْنَ لأَِنَّ أَمَانَهُمْ لَمْ يَبْطُل بِنَقْضِ الْعَهْدِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ غَيْرَ أَشْهَبَ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُنْتَقَضُ عَهْدُ الْجَمِيعِ وَتُسْبَى النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ، قَال الْمَالِكِيَّةُ: هَذَا الَّذِي خَالَفَتْ فِيهِ سِيرَةُ عُمَرَ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ الْعَرَبِ، سَارَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ سِيرَةَ النَّاقِضِينَ فَسَبَى النِّسَاءَ وَالصِّغَارَ وَجَرَتِ الْمَقَاسِمُ فِي أَمْوَالِهِمْ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بَعْدَهُ نَقَضَ ذَلِكَ وَسَارَ فِيهِمْ سِيرَةَ الْمُرْتَدِّينَ، أَخْرَجَهُمْ مِنَ الرِّقِّ وَرَدَّهُمْ إِلَى عَشَائِرِهِمْ وَإِلَى الْجِزْيَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: مَنْ وُلِدَ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ فَإِنَّهُ يُسْتَرَقُّ وَيُسْبَى. (٢)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَهْل الذِّمَّةِ) . стр. 14736
التَّصَرُّفُ فِي السَّبْيِ:
١٢ - يُعْتَبَرُ السَّبْيُ (النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ) مِنَ الْغَنَائِمِ، وَالأَْصْل فِي أَسْرَى الْغَنَائِمِ أَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بِمَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ قَتْلٍ أَوْ مَنٍّ أَوْ فِدَاءٍ أَوِ اسْتِرْقَاقٍ، إِلاَّ أَنَّ السَّبْيَ يَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ عَنِ الأَْسْرَى مِنَ الرِّجَال الْمُقَاتِلِينَ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - حُكْمُ قَتْلِهِمْ:
١٣ - إِذَا سُبِيَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ أَثْنَاءَ الْقِتَال فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ بَعْدَ السَّبْيِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ : لاَ تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلاَ وَلِيدًا. (١) وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ رَأَى فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ امْرَأَةً مَقْتُولَةً فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَال ﷺ : هَاهْ مَا أَرَاهَا قَاتَلَتْ فَلِمَ قُتِلَتْ؟ وَنَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. (٢) وَلأَِنَّ هَؤُلاَءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْل الْقِتَال فَلاَ يُقْتَلُونَ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ السَّبْيِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ السَّبْيُ أَهْل كِتَابٍ، وَفِي الْوَثَنِيَّاتِ عِنْدَهُمْ خِلاَفٌ. (٣) стр. 14737
١٤ - وَالْحُكْمُ بِعَدَمِ قَتْل النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَشْتَرِكُوا فِي الْقِتَال فَإِنْ كَانُوا قَدِ اشْتَرَكُوا فِي الْقِتَال، وَحَمَلُوا السِّلاَحَ وَقَاتَلُوا، جَازَ قَتْلُهُمْ بَعْدَ السَّبْيِ، وَقَدْ قَتَل النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ امْرَأَةً أَلْقَتْ رَحًى عَلَى خَلاَّدِ بْنِ سُوَيْدٌ. (١) وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَال: مَنْ قَتَل هَذِهِ؟ قَال رَجُلٌ: أَنَا يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: وَلِمَ؟ قَال: نَازَعَتْنِي سَيْفِي. قَال: فَسَكَتَ. (٢)
لَكِنْ قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُقْتَل الصَّبِيُّ وَلَوْ شَارَكَ فِي الْقِتَال لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْعُقُوبَةِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مَلِكًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ؛ لأَِنَّ فِي قَتْل الْمَلِكِ كَسْرَ شَوْكَةِ الأَْعْدَاءِ، كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَتْل الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ مَلِكَةً وَلَوْ لَمْ تُقَاتِل. (٣) стр. 14738
ب - الْمُفَادَاةُ:
١٥ - جَاءَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ: لاَ يُفَادَى بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ؛ لأَِنَّ الصِّبْيَانَ يَبْلُغُونَ فَيُقَاتِلُونَ وَالنِّسَاءُ يَلِدْنَ فَيَكْثُرُ نَسْل الْكُفَّارِ، لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَعَل الْمَنْعَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَدَل مَالاً وَإِلاَّ فَقَدْ جَوَّزُوا دَفْعَ أَسْرَاهُمْ فِدَاءً لأَِسْرَانَا، مَعَ أَنَّهُمْ إِذَا ذَهَبُوا إِلَى دَارِهِمْ يَتَنَاسَلُونَ. (١)
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الصِّبْيَانُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا سُبُوا وَمَعَهُمُ الآْبَاءُ وَالأُْمَّهَاتُ فَلاَ بَأْسَ بِالْمُفَادَاةِ بِهِمْ، وَأَمَّا إِذَا سُبِيَ الصَّبِيُّ وَحْدَهُ، أَوْ خَرَجَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ فَلاَ تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِنْ قُسِمَتِ الْغَنِيمَةُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَوَقَعَ فِي سَهْمِ رَجُلٍ أَوْ بِيعَتِ الْغَنَائِمُ، فَقَدْ صَارَ الصَّبِيُّ مَحْكُومًا لَهُ بِالإِْسْلاَمِ تَبَعًا لِمَنْ تَعَيَّنَ مِلْكُهُ فِيهِ بِالْقَسَمِ أَوِ الشِّرَاءِ.
ثُمَّ فِي الْمُفَادَاةِ يُشْتَرَطُ رِضَا أَهْل الْعَسْكَرِ، فَلَوْ أَبَوْا ذَلِكَ لَيْسَ لِلأَْمِيرِ أَنْ يُفَادِيَهُمْ. (٢)
١٦ - وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ الْفِدَاءَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَكَانَ بِمَالٍ أَمْ بِأَسْرَى. فَإِنْ كَانَ الْفِدَاءُ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ الإِْمَامُ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَضُمُّهُ لِلْغَنِيمَةِ. وَإِنْ حَصَل الْفِدَاءُ بِرَدِّ الأَْسْرَى فَيُحْسَبُ الْقَدْرُ الَّذِي يَفُكُّ بِهِ الأَْسْرَى مِنْ عِنْدِهِمْ مِنَ الْخُمُسِ. (٣) стр. 14739
١٧ - وَالأَْصْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ أَنَّ الإِْمَامَ غَيْرُ مُخَيَّرٍ فِي السَّبْيِ، وَيَتَعَيَّنُ الرِّقُّ فِيهِمْ بِمُجَرَّدِ السَّبْيِ وَبِذَلِكَ يُمْتَنَعُ الْفِدَاءُ.
لَكِنْ قَال الْمَاوَرْدِيُّ فِي الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إِنْ فَادَى السَّبْيَ عَلَى مَالٍ جَازَ؛ لأَِنَّ هَذَا الْفِدَاءَ بَيْعٌ وَيَكُونُ مَال فِدَائِهِمْ مَغْنُومًا مَكَانَهُمْ، وَلاَ يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُفَادَى بِهِمْ عَنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِي قَوْمِهِمْ عَوَّضَ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ. (١)
١٨ - وَالأَْصْل كَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ يَصِيرُونَ رَقِيقًا بِمُجَرَّدِ سَبْيِهِمْ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَصِيرُونَ رَقِيقًا بِالسَّبْيِ، ثُمَّ قَال: وَمَنَعَ أَحْمَدُ مِنْ فِدَاءِ النِّسَاءِ بِالْمَال لأَِنَّ فِي بَقَائِهِنَّ تَعْرِيضًا لَهُنَّ لِلإِْسْلاَمِ لِبَقَائِهِنَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَوَّزَ أَنْ يُفَادَى بِهِنَّ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَادَى بِالْمَرْأَةِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ. (٢) وَلأَِنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْقَاذَ مُسْلِمٍ مُتَحَقِّقٌ إِسْلاَمُهُ فَاحْتُمِل تَفْوِيتُ مَا يُرْجَى مِنْ إِسْلاَمِهَا الْمَظْنُونِ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ احْتِمَال فَوَاتِهَا لِتَحْصِيل الْمَال، فَأَمَّا стр. 14740
الصِّبْيَانُ فَقَال أَحْمَدُ: لاَ يُفَادَى بِهِمْ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الصَّبِيَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بِإِسْلاَمِ سَابِيهِ فَلاَ يَجُوزُ رَدُّهُ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِإِسْلاَمِهِ كَالَّذِي سُبِيَ مَعَ أَبَوَيْهِ لَمْ يَجُزْ فِدَاؤُهُ بِمَالٍ، وَهَل يَجُوزُ فِدَاؤُهُ بِمُسْلِمٍ؟ يُحْتَمَل وَجْهَيْنِ. وَفِي الأَْحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لأَِبِي يَعْلَى: وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزِ الْفِدَاءُ لأَِنَّ حَقَّهُمْ ثَابِتٌ فِي السَّبْيِ فَلَمْ تَجْرِ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، وَلأَِنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ السَّبْيِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، فَالْفِدَاءُ كَذَلِكَ لأَِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ.
وَإِذَا فَادَى الإِْمَامُ بِالأُْسَارَى عَوَّضَ الْغَانِمِينَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ (١) .
ج - الْمَنُّ:
١٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمَنِّ عَلَى السَّبْيِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ مَا جَاءَ فِي أَغْلَبِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. فَفِي شُرَّاحِ خَلِيلٍ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ كَالدُّسُوقِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلإِْمَامِ فِي النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ إِلاَّ الاِسْتِرْقَاقُ أَوِ الْفِدَاءُ، لَكِنْ قَال ابْنُ جُزَيٍّ: وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ فِيهِمْ بَيْنَ الْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَالاِسْتِرْقَاقِ، وَمِثْل ذَلِكَ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْعَدَوِيِّ عَلَى كِفَايَةِ الطَّالِبِ الرَّبَّانِيِّ. (٢) следующие страницы →