Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14771–14810 · переход к 14776.
стр. 14771
زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. (١)
٤ - وَالصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَتْ كَبِنْتِ سَبْعِ سِنِينَ إِلَى تِسْعٍ فَعَوْرَتُهَا الَّتِي يَجِبُ سَتْرُهَا هِيَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَل مِنْ سَبْعِ سِنِينَ فَلاَ حُكْمَ لِعَوْرَتِهَا - وَهَذَا كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ - وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: " عَوْرَةٍ ".
وَالْمُرَاهِقُ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتُرَ عَوْرَتَهَا عَنْهُ، أَمَّا إِنْ كَانَ لاَ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهَا فَلاَ بَأْسَ مِنْ إِبْدَاءِ مَوَاضِعِ الزِّينَةِ أَمَامَهُ (٢) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِْرْبَةِ مِنَ الرِّجَال أَوِ الطِّفْل الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ . (٣) стр. 14772
وَيُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مَا كَانَ لِضَرُورَةٍ، كَعِلاَجٍ وَشَهَادَةٍ، جَاءَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَمَّنْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالأَْمَةِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ فَلاَ يَحْرُمُ بَل قَدْ يَجِبُ، وَإِذَا كَشَفَ لِلضَّرُورَةِ كَالطَّبِيبِ يُبْقَرُ لَهُ ثَوْبٌ عَلَى قَدْرِ مَوْضِعِ الْعِلَّةِ (١) .
سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلاَةِ:
٥ - سَتْرُ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ﴾ (٢) وَالآْيَةُ إِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ خَاصٍّ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لاَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُرَادُ بِالزِّينَةِ فِي الآْيَةِ: الثِّيَابُ فِي الصَّلاَةِ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ. (٣)
وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَسَادِ صَلاَةِ مَنْ تَرَكَ ثَوْبَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الاِسْتِتَارِ بِهِ وَصَلَّى عُرْيَانًا. وَيُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ أَنَّهُ يَمْنَعُ إِدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجَسًا أَوْ ثَوْبًا مِنَ الْحَرِيرِ стр. 14773
صَلَّى بِهِ وَلاَ يُصَلِّي عُرْيَانًا؛ لأَِنَّ فَرْضَ السَّتْرِ أَقْوَى مِنْ مَنْعِ النَّجَسِ وَالْحَرِيرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (١) . عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٍ) .
هَذَا وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْعَوْرَةِ الْوَاجِبِ سَتْرُهَا فِي الصَّلاَةِ.
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (عَوْرَةٍ) .
ثَانِيًا: سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ:
٦ - كَمَا يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ يَجِبُ كَذَلِكَ سَتْرُهَا وَلَوْ كَانَ الإِْنْسَانُ فِي خَلْوَةٍ، أَيْ فِي مَكَانٍ خَالٍ مِنَ النَّاسِ. وَالْقَوْل بِالْوُجُوبِ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ.
وَالسَّتْرُ فِي الْخَلْوَةِ مَطْلُوبٌ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَلاَئِكَتِهِ، وَالْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ قَالُوا: إِنَّمَا وَجَبَ لإِِطْلاَقِ الأَْمْرِ بِالسَّتْرِ؛ وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ، وَفِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَال: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ، فَقَال: الرَّجُل يَكُونُ مَعَ الرَّجُل؟ قَال: إِنِ اسْتَطَعْتَ стр. 14774
أَنْ لاَ يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَل، قُلْتُ: وَالرَّجُل يَكُونُ خَالِيًا؟ قَال: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ. (١)
وَالسَّتْرُ فِي الْخَلْوَةِ مَطْلُوبٌ إِلاَّ لِحَاجَةٍ، كَاغْتِسَالٍ وَتَبَرُّدٍ وَنَحْوِهِ (٢) . стр. 14775
سُتْرَةُ الْمُصَلِّي
التَّعْرِيفُ:
١ - السُّتْرَةُ بِالضَّمِّ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَّتْرِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَا اسْتَتَرْتَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ كَائِنًا مَا كَانَ، وَكَذَا السِّتَارُ وَالسِّتَارَةُ، وَالْجَمْعُ: السَّتَائِرُ وَالسُّتُرُ، وَيُقَال: سَتَرَهُ سَتْرًا وَسِتْرًا: أَخْفَاهُ (١) . وَسُتْرَةُ الْمُصَلِّي فِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ مَا يُغْرَزُ أَوْ يُنْصَبُ أَمَامَ الْمُصَلِّي مِنْ عَصَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (٢) ، أَوْ مَا يَجْعَلُهُ الْمُصَلِّي أَمَامَهُ لِمَنْعِ الْمَارِّينَ بَيْنَ يَدَيْهِ (٣) .
وَعَرَّفَهَا الْبُهُوتِيُّ: بِأَنَّهَا مَا يُسْتَتَرُ بِهِ مِنْ جِدَارٍ أَوْ شَيْءٍ شَاخِصٍ. . . أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ يُصَلَّى إِلَيْهِ (٤) . وَجَمِيعُ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ مُتَقَارِبَةٌ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِذَا كَانَ فَذًّا (مُنْفَرِدًا) أَوْ إِمَامًا стр. 14776
أَنْ يَتَّخِذَ أَمَامُهُ سُتْرَةً تَمْنَعُ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتُمَكِّنُهُ مِنَ الْخُشُوعِ فِي أَفْعَال الصَّلاَةِ، وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَل إِلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا، وَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ. (١)
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ (٢) ، وَهَذَا يَشْمَل السَّفَرَ وَالْحَضَرَ، كَمَا يَشْمَل الْفَرْضَ وَالنَّفْل.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا كَفُّ بَصَرِ الْمُصَلِّي عَمَّا وَرَاءَهَا، وَجَمْعُ الْخَاطِرِ بِرَبْطِ خَيَالِهِ كَيْ لاَ يَنْتَشِرَ، وَمَنْعُ الْمَارِّ كَيْ لاَ يَرْتَكِبَ الإِْثْمَ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ. (٣)
وَالأَْمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلاِسْتِحْبَابِ لاَ لِلْوُجُوبِ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ (٤) : صَرَّحَ فِي الْمُنْيَةِ بِكَرَاهَةِ تَرْكِهَا، وَهِيَ تَنْزِيهِيَّةٌ، وَالصَّارِفُ لِلأَْمْرِ عَنْ حَقِيقَتِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْفَضْل بْنِ الْعَبَّاسِ стр. 14777
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَال أَتَانَا رَسُول اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ. (١)
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ قَال الْبُهُوتِيُّ (٢) : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ (٣) هَذَا، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ، لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ إِذَا ظَنَّ مُرُورًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِلاَّ فَلاَ تُسَنُّ السُّتْرَةُ لَهُمَا (٤) . وَنُقِل عَنْ مَالِكٍ الأَْمْرُ بِهَا مُطْلَقًا، وَبِهِ قَال ابْنُ حَبِيبٍ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ (٥) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَأَطْلَقُوا الْقَوْل بِأَنَّهَا سُنَّةٌ، وَلَمْ يَذْكُرُوا قَيْدًا (٦) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تُسَنُّ السُّتْرَةُ لِلإِْمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَلَوْ لَمْ يَخْشَ مَارًّا (٧) . стр. 14778
أَمَّا الْمَأْمُومُ فَلاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ اتِّخَاذُ السُّتْرَةِ اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَوْ لأَِنَّ الإِْمَامَ سُتْرَةٌ لَهُ، عَلَى اخْتِلاَفٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (١) . وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
مَا يُجْعَل سُتْرَةً:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَتِرَ الْمُصَلِّي بِكُل مَا انْتَصَبَ مِنَ الأَْشْيَاءِ كَالْجِدَارِ وَالشَّجَرِ وَالأُْسْطُوَانَةِ وَالْعَمُودِ، أَوْ بِمَا غُرِزَ كَالْعَصَا وَالرُّمْحِ وَالسَّهْمِ وَمَا شَاكَلَهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا غَيْرَ شَاغِلٍ لِلْمُصَلِّي عَنِ الْخُشُوعِ (٢) .
وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ الاِسْتِتَارَ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: يُكْرَهُ بِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ لِشَبَهِهِ بِعِبَادَةِ الصَّنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ جَازَ، كَمَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (٣) .
أَمَّا الاِسْتِتَارُ بِالآْدَمِيِّ أَوِ الدَّابَّةِ أَوِ الْخَطِّ أَوْ نَحْوِهَا فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:
أ - الاِسْتِتَارُ بِالآْدَمِيِّ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ стр. 14779
وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى صِحَّةِ الاِسْتِتَارِ بِالآْدَمِيِّ فِي الصَّلاَةِ (١) ، وَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيل.
فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يَصِحُّ أَنْ يَسْتَتِرَ بِظَهْرِ كُل رَجُلٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ، لاَ بِوَجْهِهِ، وَلاَ بِنَائِمٍ، وَمَنَعُوا الاِسْتِتَارَ بِالْمَرْأَةِ غَيْرِ الْمَحْرَمِ.
أَمَّا ظَهْرُ الْمَرْأَةِ الْمَحْرَمِ فَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي جَوَازِ الاِسْتِتَارِ بِهِ، كَمَا ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ فِيهِ قَوْلَيْنِ أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْجَوَازُ (٢) .
وَالأَْوْجَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ الاِكْتِفَاءِ بِالسُّتْرَةِ بِالآْدَمِيِّ، وَلِهَذَا قَرَّرُوا أَنَّ بَعْضَ الصُّفُوفِ - لاَ يَكُونُ سُتْرَةً لِبَعْضٍ آخَرَ (٣) .
وَفَصَّل بَعْضُهُمْ فَقَالُوا: لَوْ كَانَتِ السُّتْرَةُ آدَمِيًّا أَوْ بَهِيمَةً وَلَمْ يَحْصُل بِسَبَبِ ذَلِكَ اشْتِغَالٌ يُنَافِي خُشُوعَهُ فَقِيل يَكْفِي، وَإِنْ حَصَل لَهُ الاِشْتِغَال لاَ يُعْتَدُّ بِتِلْكَ السُّتْرَةِ (٤) .
أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ أَطْلَقُوا جَوَازَ الاِسْتِتَارِ بِآدَمِيٍّ غَيْرِ كَافِرٍ (٥) .
وَأَمَّا الصَّلاَةُ إِلَى وَجْهِ الإِْنْسَانِ فَتُكْرَهُ عِنْدَ стр. 14780
الْجَمِيعِ، لِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَسَطَ السَّرِيرِ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، تَكُونُ لِيَ الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَقُومَ فَأَسْتَقْبِلَهُ، فَأَنْسَل انْسِلاَلاً. (١) وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ (٢) .
ب - الاِسْتِتَارُ بِالدَّابَّةِ:
٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِتَارِ بِالدَّابَّةِ مُطْلَقًا (٣) ، قَال الْمَقْدِسِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ عَلَى الْمُقْنِعِ (٤) : لاَ بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ بِبَعِيرٍ أَوْ حَيَوَانٍ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ. (٥)
وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ الاِسْتِتَارَ بِالدَّابَّةِ، إِمَّا لِنَجَاسَةِ فَضْلَتِهَا كَالْبَغْل وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهِمَا، وَإِمَّا لِعَدَمِ ثَبَاتِهَا كَالشَّاةِ، وَإِمَّا لِكِلْتَا الْعِلَّتَيْنِ كَالْفَرَسِ. стр. 14781
وَقَالُوا: إِنْ كَانَتْ فَضْلَتُهَا طَاهِرَةً وَرُبِطَتْ جَازَ الاِسْتِتَارُ بِهَا (١) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَالأَْوْجَهُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الاِسْتِتَارُ بِالدَّابَّةِ كَمَا لاَ يَجُوزُ بِالإِْنْسَانِ. وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَشْتَغِل بِهِ فَيَتَغَافَل عَنْ صَلاَتِهِ (٢) .
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: يَجُوزُ الاِسْتِتَارُ بِالْبَهِيمَةِ. قَال مُحَمَّدٌ الرَّمْلِيُّ: أَمَّا الدَّابَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ الشَّافِعِيَّ، وَيَتَعَيَّنُ الْعَمَل بِهِ، وَحَمَل بَعْضُهُمُ الْمَنْعَ عَلَى غَيْرِ الْبَعِيرِ (٣) .
ج - التَّسَتُّرُ بِالْخَطِّ:
٦ - إِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُصَلِّي مَا يَنْصِبُهُ أَمَامَهُ فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ) لِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَل تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ. (٤) стр. 14782
وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ جَمْعُ الْخَاطِرِ بِرَبْطِ الْخَيَال كَيْ لاَ يَنْتَشِرَ، وَهُوَ يَحْصُل بِالْخَطِّ.
وَرَجَّحَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ صِحَّةَ التَّسَتُّرِ بِالْخَطِّ وَقَال: لأَِنَّ السُّنَّةَ أَوْلَى بِالاِتِّبَاعِ (١) .
وَقَاسَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْخَطِّ الْمُصَلَّى، كَسَجَّادَةٍ مَفْرُوشَةٍ، قَال الطَّحْطَاوِيُّ: وَهُوَ قِيَاسٌ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْمُصَلَّى أَبْلَغُ فِي دَفْعِ الْمَارِّ مِنَ الْخَطِّ (٢) . وَلِهَذَا قَدَّمَ الشَّافِعِيَّةُ الْمُصَلَّى عَلَى الْخَطِّ وَقَالُوا: قُدِّمَ عَلَى الْخَطِّ لأَِنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ (٣) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ التَّسَتُّرُ بِخَطٍّ يَخُطُّهُ فِي الأَْرْضِ، وَهَذَا قَوْل مُتَقَدِّمِي الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْصُل بِهِ الْمَقْصُودُ، إِذْ لاَ يَظْهَرُ مِنْ بَعِيدٍ (٤) .
التَّرْتِيبُ فِيمَا يُجْعَل سُتْرَةً:
٧ - ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ لاِتِّخَاذِ السُّتْرَةِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ стр. 14783
وَقَالُوا: لَوْ عَدَل إِلَى مَرْتَبَةٍ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا لَمْ تَحْصُل سُنَّةُ الاِسْتِتَارِ. فَيُسَنُّ عِنْدَهُمْ أَوَّلاً التَّسَتُّرُ بِجِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ، ثُمَّ إِذَا عَجَزَ عَنْهَا فَإِلَى نَحْوِ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، وَعِنْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا يَبْسُطُ مُصَلَّى كَسَجَّادَةٍ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْهَا يَخُطُّ قُبَالَتَهُ خَطًّا طُولاً، وَذَلِكَ أَخْذًا بِنَصِّ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَل تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ (١) وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِالْعَجْزِ عَدَمُ السُّهُولَةِ (٢) .
وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْمَرَاتِبِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّهُ عِنْدَ إِمْكَانِ الْغَرْزِ لاَ يَكْفِي الْوَضْعُ، وَعِنْدَ إِمْكَانِ الْوَضْعِ لاَ يَكْفِي الْخَطُّ (٣) .
وَعِبَارَةُ الْحَنَابِلَةِ تُفِيدُ ذَلِكَ حَيْثُ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصًا وَتَعَذَّرَ غَرْزُ عَصًا وَنَحْوِهَا، وَضَعَهَا بِالأَْرْضِ، وَيَكْفِي خَيْطٌ وَنَحْوُهُ. . فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ لاَ يُجِيزُونَ الْخَطَّ (٤) . стр. 14784
مِقْدَارُ السُّتْرَةِ وَصِفَتُهَا:
٨ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِيمَا يُخْشَى الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْرِزَ سُتْرَةً بِطُول ذِرَاعٍ فَصَاعِدًا. قَال الْحَنَفِيَّةُ: فِي الاِعْتِدَادِ بِأَقَل مِنَ الذِّرَاعِ خِلاَفٌ (١) . وَالْمُرَادُ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ، وَهُوَ شِبْرَانِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: طُول السُّتْرَةِ يَكُونُ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ تَقْرِيبًا (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ فِي فَضَاءٍ صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مُرْتَفِعَةً قَدْرَ ذِرَاعٍ فَأَقَل (٤) .
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ مَرْفُوعًا: إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْل مُؤَخَّرَةِ الرَّحْل فَلْيُصَل وَلاَ يُبَال مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ. (٥)
وَمُؤَخِّرَةُ الرَّحْل هِيَ الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْل يُحَاذِي رَأْسَ الرَّاكِبِ عَلَى الْبَعِيرِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: فُسِّرَتْ بِأَنَّهَا ذِرَاعٌ فَمَا فَوْقَهُ (٦) . وَقَال стр. 14785
الْحَنَابِلَةُ: تَخْتَلِفُ، فَتَارَةً تَكُونُ ذِرَاعًا وَتَارَةً تَكُونُ دُونَهُ (١) .
وَأَمَّا قَدْرُهَا فِي الْغِلَظِ فَلَمْ يُحَدِّدْهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، فَقَدْ تَكُونُ غَلِيظَةً كَالْحَائِطِ وَالْبَعِيرِ، أَوْ رَقِيقَةً كَالسَّهْمِ، لأَِنَّهُ ﷺ صَلَّى إِلَى حَرْبَةٍ وَإِلَى بَعِيرٍ (٢) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا فِي أَكْثَرِ الْمُتُونِ بِأَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ بِغِلَظِ الأُْصْبُعِ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ لأَِنَّ مَا دُونَهُ رُبَّمَا لاَ يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ فَلاَ يَحْصُل الْمَقْصُودُ مِنْهَا (٣) . لَكِنْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: جَعَل فِي الْبَدَائِعِ بَيَانَ الْغِلَظِ قَوْلاً ضَعِيفًا، وَأَنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ بِالْعُرْضِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ (٤) . وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ قَال: يُجْزِئُ مِنَ السُّتْرَةِ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْل وَلَوْ بِدِقَّةِ شَعْرَةٍ. (٥)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ غِلَظُهَا غِلَظَ رُمْحٍ عَلَى الأَْقَل، فَلاَ يَكْفِي أَدَقُّ مِنْهُ، وَنُقِل عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَال: لاَ بَأْسَ أَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ стр. 14786
دُونَ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْل فِي الطُّول وَدُونَ الرُّمْحِ فِي الْغِلَظِ (١) .
كَيْفِيَّةُ نَصْبِ أَوْ وَضْعِ السُّتْرَةِ:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي السُّتْرَةِ أَنْ تُنْصَبَ أَوْ تُغْرَزَ أَمَامَ الْمُصَلِّي، وَتُجْعَل عَلَى جِهَةِ أَحَدِ حَاجِبَيْهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ غَرْزُهَا مُمْكِنًا، وَإِلاَّ بِأَنْ كَانَتِ الأَْرْضُ صُلْبَةً مَثَلاً، فَهَل يَكْفِي وَضْعُ السُّتْرَةِ أَمَامَ الْمُصَلِّي طُولاً أَوْ عَرْضًا؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُلْقِي مَا مَعَهُ مِنْ عَصًا أَوْ غَيْرِهَا طُولاً، كَأَنَّهُ غَرَزَ ثُمَّ سَقَطَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَنْصِبُهُ فَلْيَخُطَّ خَطًّا بِالْعُرْضِ مِثْل الْهِلاَل، أَوْ يَجْعَلُهُ طُولاً بِمَنْزِلَةِ الْخَشَبَةِ الْمَغْرُوزَةِ أَمَامَهُ (٢) . فَيَصِيرُ شِبْهَ ظِل الْعَصَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، يَقُول الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: إِذَا عَجَزَ عَنْ غَيْرِهِ فَلْيَخُطَّ أَمَامَهُ خَطًّا طُولاً (٤) . وَفِي حَاشِيَةِ الْجَمَل: هَذَا هُوَ الأَْكْمَل وَيَحْصُل أَصْل السُّنَّةِ بِجَعْلِهِ عَرْضًا (٥) . стр. 14787
وَعِبَارَةُ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ تَعَذَّرَ غَرْزُ عَصًا وَنَحْوِهَا يَكْفِي وَضْعُهَا بِالأَْرْضِ. . وَوَضْعُهَا عَرْضًا أَعْجَبُ إِلَى أَحْمَدَ مِنَ الطُّول. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا كَالْهِلاَل لاَ طُولاً. لَكِنْ نَقَل الْبُهُوتِيُّ عَنِ الشَّرْحِ: وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجْزَأَهُ (١) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَاشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ ثَابِتَةً وَلاَ يُجِيزُونَ الْخَطَّ أَصْلاً (٢) .
مَوْقِفُ الْمُصَلِّي مِنَ السُّتْرَةِ:
١٠ - يُسَنُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ أَنْ يَقْرَبَ مِنْهَا نَحْوَ ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ وَلاَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. لِحَدِيثِ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لاَ يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاَتَهُ. (٣)
وَعَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ قَال: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ. (٤) وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ стр. 14788
ثَلاَثَةُ أَذْرُعٍ. (١) وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) .،
وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ لأَِنَّ الْفَاصِل بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ يَكُونُ بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُهُ لِقِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ؛ لأَِنَّ الأَْرْجَحَ عِنْدَهُمْ أَنَّ حَرِيمَ الْمُصَلِّي هُوَ هَذَا الْمِقْدَارُ، سَوَاءٌ أَصَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ أَمْ لاَ. (٣)
وَيُسَنُّ انْحِرَافُ الْمُصَلِّي عَنِ السُّتْرَةِ يَسِيرًا، بِأَنْ يَجْعَلَهَا عَلَى جِهَةِ أَحَدِ حَاجِبَيْهِ، وَلاَ يَصْمُدُ إِلَيْهَا صَمْدًا أَيْ لاَ يُقَابِلُهَا مُسْتَوِيًا مُسْتَقِيمًا، لِمَا رُوِيَ عَنِ الْمِقْدَادِ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى عُودٍ وَلاَ عَمُودٍ وَلاَ شَجَرَةٍ إِلاَّ جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبَيْهِ الأَْيْمَنِ أَوِ الأَْيْسَرِ، وَلاَ يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا (٤) . وَهَذَا إِذَا كَانَتِ السُّتْرَةُ نَحْوَ عَصًا مَنْصُوبَةٍ أَوْ حَجَرٍ بِخِلاَفِ الْجِدَارِ الْعَرِيضِ وَنَحْوِهِ، وَبِخِلاَفِ стр. 14789
الصَّلاَةِ عَلَى السَّجَّادَةِ؛ لأَِنَّ الصَّلاَةَ تَكُونُ عَلَيْهَا لاَ إِلَيْهَا (١) .
سُتْرَةُ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لِلْمَأْمُومِينَ:
١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ تَكْفِي الْمَأْمُومِينَ سَوَاءٌ أَصَلَّوْا خَلْفَهُ أَمْ بِجَانِبَيْهِ. فَلاَ يُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتَّخِذَ سُتْرَةً (٢) . وَذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالأَْبْطُحِ إِلَى عَنَزَةٍ رُكِزَتْ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سُتْرَةٌ. (٣)
وَاخْتَلَفُوا: هَل سُتْرَةُ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَوْ هِيَ سُتْرَةٌ لَهُ خَاصَّةً وَهُوَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، فَفِي أَكْثَرِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ стр. 14790
لِمَنْ خَلْفَهُ. وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْخِلاَفَ فِي ذَلِكَ (١) . قَال بَعْضُهُمْ: الْخِلاَفُ لَفْظِيٌّ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقَال آخَرُونَ: الْخِلاَفُ حَقِيقِيٌّ وَلَهُ ثَمَرَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الإِْمَامُ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ كَمَا نُقِل عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ يُمْتَنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَ الإِْمَامِ وَبَيْنَ الصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ كَمَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ؛ لأَِنَّهُ مُرُورٌ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ الصَّفِّ الَّذِي خَلْفَهُ وَالصَّفِّ الَّذِي بَعْدَهُ لأَِنَّهُ قَدْ حَال بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَهُوَ الصَّفُّ الأَْوَّل، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ سُتْرَةَ الإِْمَامِ سُتْرَةٌ لَهُمْ كَمَا يَقُول عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُ فَيَجُوزُ الْمُرُورُ بَيْنَ الصَّفِّ الأَْوَّل وَالإِْمَامِ لِوُجُودِ الْحَائِل وَهُوَ الإِْمَامُ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلاَفَ حَقِيقِيٌّ وَالْمُعْتَمَدُ قَوْل مَالِكٍ (٢) .
الْمُرُورُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ:
١٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُرُورَ وَرَاءَ السُّتْرَةِ لاَ يَضُرُّ، وَأَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَيَأْثَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِْثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ стр. 14791
يَدَيْهِ. (١)
وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي آثِمٌ وَلَوْ لَمْ يُصَل إِلَى سُتْرَةٍ (٢) . وَذَلِكَ إِذَا مَرَّ قَرِيبًا مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْقُرْبِ. قَال بَعْضُهُمْ: ثَلاَثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَل (٣) . أَوْ مَا يَحْتَاجُ لَهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (٤) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ تَحْدِيدُ ذَلِكَ بِمَا إِذَا مَشَى إِلَيْهِ، وَدَفْعُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ لاَ تُبْطِل صَلاَتَهِ (٥) . وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمُرُورُ مِنْ مَوْضِعِ قَدَمِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ قَدْرُ مَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى الْمَارِّ لَوْ صَلَّى بِخُشُوعٍ، أَيْ رَامِيًا بِبَصَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ (٦) .
وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ الإِْثْمَ بِمَا إِذَا مَرَّ فِي حَرِيمِ الْمُصَلِّي مَنْ كَانَتْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ أَيْ سَعَةُ الْمُرُورِ بَعِيدًا عَنْ حَرِيمِ الْمُصَلِّي، وَإِلاَّ فَلاَ إِثْمَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَنْ يَطُوفُ стр. 14792
بِالْبَيْتِ وَقَالُوا: يَأْثَمُ مُصَلٍّ تَعَرَّضَ بِصَلاَتِهِ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ فِي مَحَلٍّ يَظُنُّ بِهِ الْمُرُورَ، وَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَدٌ (١) .
وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هُنَا صُوَرًا أَرْبَعًا:
الأُْولَى: أَنْ يَكُونَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْمُرُورِ بَيْنِ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُصَلِّي لِذَلِكَ فَيَخْتَصُّ الْمَارُّ بِالإِْثْمِ إِنْ مَرَّ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي تَعَرَّضَ لِلْمُرُورِ وَالْمَارُّ لَيْسَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْمُرُورِ، فَيَخْتَصُّ الْمُصَلِّي بِالإِْثْمِ دُونَ الْمَارِّ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَعَرَّضَ الْمُصَلِّي لِلْمُرُورِ وَيَكُونَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ، فَيَأْثَمَانِ مَعًا، أَمَّا الْمُصَلِّي فَلِتَعَرُّضِهِ، وَأَمَّا الْمَارُّ فَلِمُرُورِهِ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ لاَ يَفْعَل.
الرَّابِعَةُ: أَنْ لاَ يَتَعَرَّضَ الْمُصَلِّي وَلاَ يَكُونَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ، فَلاَ يَأْثَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا (٢) .
وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ (٣) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِحُرْمَةِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَارُّ سَبِيلاً آخَرَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ الْمُصَلِّي بِصَلاَتِهِ فِي الْمَكَانِ، وَإِلاَّ كَأَنْ وَقَفَ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ أَوِ اسْتَتَرَ بِسُتْرَةٍ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ فَلاَ حُرْمَةَ وَلاَ كَرَاهَةَ. وَلَوْ صَلَّى بِلاَ سُتْرَةٍ، أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهَا، стр. 14793
أَوْ لَمْ تَكُنِ السُّتْرَةُ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلاَ يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَارِّ لِتَعَدِّيهِ بِصَلاَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (١) .
هَذَا وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنَ الإِْثْمِ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لِلطَّائِفِ أَوْ لِسَدِّ فُرْجَةٍ فِي صَفٍّ أَوْ لِغُسْل رُعَافٍ أَوْ مَا شَاكَل ذَلِكَ (٢) .
أَثَرُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فِي قَطْعِ الصَّلاَةِ:
١٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مُرُورَ شَيْءٍ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ وَلاَ يُفْسِدُهَا، أَيًّا كَانَ، وَلَوْ كَانَ بِالصِّفَةِ الَّتِي تُوجِبُ الإِْثْمَ عَلَى الْمَارِّ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ (٣)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ مِثْل ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اسْتَثْنَوُا الْكَلْبَ الأَْسْوَدَ الْبَهِيمَ فَرَأَوْا أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ (٤) . стр. 14794
دَفْعُ الْمَارِّ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْفَعَ الْمَارَّ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ إِذَا مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ أَحَادِيثَ مِنْهَا. مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ. (١) قَال الصَّنْعَانِيُّ: أَيْ فِعْلُهُ فِعْل الشَّيْطَانِ فِي إِرَادَةِ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّي، وَقِيل: الْمُرَادُ بِأَنَّ الْحَامِل لَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْطَانٌ، وَيَدُل عَلَى ذَلِكَ مَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ أَيْ شَيْطَانٌ، وَالْحَدِيثُ دَالٌّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُصَلِّي سُتْرَةٌ فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ. اهـ. (٢) وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٣) .
١٥ - وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّفْعَ لَيْسَ وَاجِبًا، وَكَأَنَّ الصَّارِفَ لِلْحَدِيثِ عَنِ الْوُجُوبِ شِدَّةُ مُنَافَاتِهِ مَقْصُودَ الصَّلاَةِ مِنَ الْخُشُوعِ وَالتَّدَبُّرِ، وَأَيْضًا لِلاِخْتِلاَفِ فِي تَحْرِيمِ الْمُرُورِ كَمَا وَجَّهَهُ стр. 14795
الشِّرْبِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (١) . وَمِثْلُهُ مَا فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (٢) .
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِيَّةِ الدَّفْعِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: رُخِّصَ لِلْمُصَلِّي الدَّفْعُ، وَالأَْوْلَى تَرْكُ الدَّفْعِ لأَِنَّ مَبْنَى الصَّلاَةِ عَلَى السُّكُونِ وَالْخُشُوعِ، وَالأَْمْرُ بِالدَّرْءِ لِبَيَانِ الرُّخْصَةِ، كَالأَْمْرِ بِقَتْل الأَْسْوَدَيْنِ (الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ) فِي الصَّلاَةِ (٣) .
وَقَرِيبٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لِلْمُصَلِّي دَفْعُ ذَلِكَ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ دَفْعًا خَفِيفًا لاَ يَشْغَلُهُ (٤) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: يُسَنُّ ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ مِنْ جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ عَصًا أَوْ نَحْوِهَا، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ الْمُتَقَدِّمِ نَصُّهُ (٥) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ وَبَهِيمَةٍ (٦) ، لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ رَدَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَزَيْنَبَ وَهُمَا صَغِيرَانِ. (٧) стр. 14796
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فَمَرَّتْ شَاةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَاعَاهَا إِلَى الْقِبْلَةِ حَتَّى أَلْزَقَ بَطْنَهُ بِالْقِبْلَةِ. (١)
كَيْفِيَّةُ دَفْعِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَالسُّتْرَةِ:
١٦ - اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ الدَّفْعِ وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ ضَمَانٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ دَفْعٌ بِالتَّدْرِيجِ، وَيُرَاعَى فِيهِ الأَْسْهَل فَالأَْسْهَل (٢) .
قَال النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ اسْتِحْبَابُ التَّسْبِيحِ لِلرَّجُل وَالتَّصْفِيقِ لِلْمَرْأَةِ، وَبِهِ قَال أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَال مَالِكٌ: تُسَبِّحُ الْمَرْأَةُ أَيْضًا. أهـ (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَدْفَعُهُ بِالإِْشَارَةِ أَوِ التَّسْبِيحِ، وَكُرِهَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَيَدْفَعُهُ الرَّجُل بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ، وَتَدْفَعُهُ الْمَرْأَةُ بِالإِْشَارَةِ أَوِ التَّصْفِيقِ بِظَهْرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى صَفْحَةِ كَفِّ الْيُسْرَى وَلاَ تَرْفَعُ صَوْتَهَا؛ لأَِنَّهُ فِتْنَةٌ، وَلاَ يُقَاتَل الْمَارُّ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ مُؤَوَّلٌ بِأَنَّهُ كَانَ جَوَازُ مُقَاتَلَتِهِ فِي ابْتِدَاءِ الإِْسْلاَمِ وَقَدْ نُسِخَ. وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ مِنْ مَوْضِعِهِ لِيَرُدَّهُ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ وَيَرُدُّهُ مِنْ стр. 14797
مَوْضِعِهِ؛ لأَِنَّ مَفْسَدَةَ الْمَشْيِ أَعْظَمُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ (١) .
وَقَرِيبٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: لِلْمُصَلِّي دَفْعُ ذَلِكَ الْمَارِّ دَفْعًا خَفِيفًا لاَ يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلاَةِ. فَإِنْ كَثُرَ أَبْطَل صَلاَتَهُ (٢) . стр. 14798
سَتُّوقَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّتُّوقَةُ - بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا مَعَ تَشْدِيدِ التَّاءِ -: مَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغِشُّ مِنَ الدَّرَاهِمِ (١) .
قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْفَتْحِ: السَّتُّوقَةُ هِيَ الْمَغْشُوشَةُ غِشًّا زَائِدًا، وَهِيَ تَعْرِيبُ " سي توقه " أَيْ ثَلاَثُ طَبَقَاتٍ، طَبَقَتَا الْوَجْهَيْنِ فِضَّةً وَمَا بَيْنَهُمَا نُحَاسٌ وَنَحْوُهُ (٢) .
وَفِي التتارخانية: أَنَّ السَّتُّوقَةَ هِيَ مَا يَكُونُ الطَّاقُ الأَْعْلَى فِضَّةً وَالأَْسْفَل كَذَلِكَ وَبَيْنَهُمَا صُفْرٌ، وَلَيْسَ لَهَا حُكْمُ الدَّرَاهِمِ (٣) .
وَالْحَنَفِيَّةُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ اسْتِعْمَالاً لِهَذَا اللَّفْظِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّرَاهِمُ الْجِيَادُ:
٢ - الدَّرَاهِمُ الْجِيَادُ فِضَّةٌ خَالِصَةٌ تَرُوجُ فِي التِّجَارَاتِ وَتُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَال. стр. 14799
ب - الزُّيُوفُ:
٣ - الزُّيُوفُ النُّقُودُ الرَّدِيئَةُ، يَرُدُّهَا بَيْتُ الْمَال، وَلَكِنْ يَأْخُذُهَا التُّجَّارُ.
وَكَذَلِكَ النَّبَهْرَجُ وَالْبَهْرَجُ: الرَّدِيءُ مِنَ الشَّيْءِ، وَدِرْهَمٌ نُبَهْرَجٌ أَوْ بَهْرَجٌ أَوْ مُبَهْرَجٌ أَيْ رَدِيءُ الْفِضَّةِ، وَهُوَ مَا يَرُدُّهُ التُّجَّارُ، وَقِيل: هُوَ مَا ضُرِبَ فِي غَيْرِ دَارِ السُّلْطَانِ.
وَالزُّيُوفُ أَجْوَدُ، وَبَعْدَهَا النَّبَهْرَجَةُ، وَبَعْدَهُمَا السَّتُّوقَةُ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الزَّغْل الَّتِي نُحَاسُهَا أَكْثَرُ مِنْ فِضَّتِهَا (١) .
الْمُعَامَلَةُ بِالسَّتُّوقَةِ:
٤ - يَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ جَوَازَ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ. وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِجَوَازِ بَيْعِ الْمَغْشُوشِ أَنْ يُبَاعَ لِمَنْ يَكْسِرُهُ أَوْ لاَ يَغُشُّ بِهِ بَل يَتَصَرَّفُ بِهِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، كَتَحْلِيَةٍ أَوْ تَصْفِيَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَيُكْرَهُ بَيْعُ الْمَغْشُوشِ عِنْدَهُمْ لِمَنْ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَغُشَّ بِهِ بِأَنْ شَكَّ فِي غِشِّهِ، وَيَفْسَخُ بَيْعُهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَغُشُّ بِهِ، فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، وَالْحَنَابِلَةُ فِي стр. 14800
الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ بِالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا (١) وَبِأَنَّ عُمَرَ ﵁ نَهَى عَنْ بَيْعِ نُفَايَةِ بَيْتِ الْمَال، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ مَجْهُولٌ أَشْبَهَ تُرَابَ الصَّاغَةِ (٢) .
وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ - وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْل مَالِكٍ - إِلَى كَرَاهَةِ الْمُعَامَلَةِ بِالسَّتُّوقَةِ لأَِنَّ الْمُعَامَلَةَ بِهَا دَاعِيَةٌ إِلَى إِدْخَال الْغِشِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَفْعَل بِاللَّبَنِ أَنَّهُ إِذَا غُشَّ طَرَحَهُ فِي الأَْرْضِ أَدَبًا لِصَاحِبِهِ، فَإِجَازَةُ الْمُعَامَلَةِ بِالسَّتُّوقَةِ إِجَازَةٌ لِغِشِّ الدَّرَاهِمِ وَإِفْسَادٍ لأَِسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: يَنْبَغِي أَنْ يُعَاقِبَ صَاحِبَ الدِّرْهَمِ السَّتُّوقِ إِذَا أَنْفَقَهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ. وَقَال الْكَاسَانِيُّ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ - أَبُو يُوسُفَ - احْتِسَابٌ حَسَنٌ فِي الشَّرِيعَةِ (٣) .
بَيْعُ السَّتُّوقَةِ بِالْجِيَادِ:
٥ - لاَ يَجُوزُ بَيْعُ السَّتُّوقَةِ بِالْجِيَادِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتِ الْجِيَادُ أَكْثَرَ مِنَ الْفِضَّةِ فِي السَّتُّوقَةِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ جَوَازَ بَيْعِ مَغْشُوشٍ بِخَالِصٍ. أَمَّا عَلَى الأَْظْهَرِ فَهُمْ стр. 14801
لاَ يُجِيزُونَ بَيْعَ الْمَغْشُوشِ بِخَالِصٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ (١) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَرْفٌ) .
أَخْذُ السَّتُّوقَةِ فِي الْجِزْيَةِ:
٦ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الإِْمَامِ أَخْذُ السَّتُّوقَةِ فِي الْجِزْيَةِ، لأَِنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيعَ حَقِّ بَيْتِ الْمَال (٢) . стр. 14802
سِجِلٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - السِّجِل فِي اللُّغَةِ: الْكِتَابُ يُدَوَّنُ فِيهِ مَا يُرَادُ حِفْظُهُ. وَمِنْهُ كِتَابُ الْقَاضِي، وَكِتَابُ الْعَهْدِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِل لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ . (١) أَيْ: كَطَيِّ الصَّحِيفَةِ عَلَى مَا فِيهَا. وَهُوَ قَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخَذَ بِهِ الْمُفَسِّرُونَ (٢) . стр. 14803
وَالْجَمْعُ سِجِلاَّتٌ. وَهُوَ أَحَدُ الأَْسْمَاءِ الْمُذَكَّرَةِ النَّادِرَةِ الَّتِي تُجْمَعُ بِالتَّاءِ، وَلَيْسَ لَهَا جَمْعُ تَكْسِيرٍ.
وَيُقَال: سَجَّل تَسْجِيلاً إِذَا كَتَبَ السِّجِل.
وَسَجَّل الْقَاضِي عَلَيْهِ: قَضَى، وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ فِي السِّجِل.
وَسَجَّل الْعَقْدَ وَنَحْوَهُ: قَيَّدَهُ فِي سِجِلٍّ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: يُطْلَقُ السِّجِل عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي الَّذِي فِيهِ حُكْمُهُ، وَيَشْمَل فِي عُرْفِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مَا كَانَ مُوَجَّهًا إِلَى قَاضٍ آخَرَ (٢) .
ثُمَّ أَصْبَحَ يُطْلَقُ فِي عُرْفِهِمْ كَذَلِكَ عَلَى " الْكِتَابِ الْكَبِيرِ الَّذِي تُضْبَطُ فِيهِ وَقَائِعُ النَّاسِ (٣) ".
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ السِّجِل فِي عُرْفِ أَهْل زَمَانِهِ: هُوَ مَا كَتَبَهُ الشَّاهِدَانِ فِي الْوَاقِعَةِ وَبَقِيَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطُّ الْقَاضِي (٤) .
وَرُبَّمَا خَصَّ الْحَنَابِلَةُ السِّجِل بِمَا تَضَمَّنَ الْحُكْمَ الْمُسْتَنِدَ إِلَى الْبَيِّنَةِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي стр. 14804
الْمَذْهَبِ. وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَطْلَقَ السِّجِل عَلَى الْمَحْضَرِ . غَيْرَ أَنَّ الْمَاوَرْدِيُّ يَرَى وُجُوبَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ السِّجِل وَالْمَحْضَرَ عَلَى جَمِيعِ مَا يُكْتَبُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْمَحْضَرُ:
٢ - الْمَحْضَرُ: هُوَ الصَّحِيفَةُ الَّتِي كُتِبَ فِيهَا مَا جَرَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ إِنْكَارِهِ، أَوْ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي، أَوْ نُكُول الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ الْيَمِينِ عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الاِشْتِبَاهَ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ السِّجِل وَالْمَحْضَرِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الأَْوَّل يَتَضَمَّنُ النَّصَّ عَلَى الْحُكْمِ، إِنْفَاذُهُ، خِلاَفُ الثَّانِي.
فَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ زَادَ فِي الْمَحْضَرِ مَا يُفِيدُ إِنْفَاذَ حُكْمِهِ، وَإِمْضَاءَهُ، بَعْدَ إِمْهَال الْخَصْمِ بِمَا يَدْفَعُ بِهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، جَازَ (٣) . стр. 14805
وَعِنْدَئِذٍ يُصْبِحُ الْمَحْضَرُ وَالسِّجِل سَوَاءً، وَلاَ فَرْقَ.
ب - الصَّكُّ:
٣ - الصَّكُّ هُوَ مَا كُتِبَ فِيهِ الْبَيْعُ، وَالرَّهْنُ، وَالإِْقْرَارُ وَغَيْرُهَا.
وَعَرَّفَهُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّهُ: اسْمٌ خَالِصٌ لَمَا هُوَ وَثِيقَةٌ بِالْحَقِّ الْوَاجِبِ.
وَيُطْلَقُ الصَّكُّ أَيْضًا عَلَى مَا يَكْتُبُهُ الْقَاضِي عِنْدَ إِقْرَاضِ مَال الْيَتِيمِ.
وَرُبَّمَا أَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ الصَّكَّ عَلَى الْمَحْضَرِ (١) .
ج - الْمُسْتَنَدُ وَالسَّنَدُ:
٤ - هُوَ كُل مَا يُسْتَنَدُ إِلَيْهِ، وَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنْ حَائِطٍ، وَغَيْرِهِ. وَمُسْتَنَدُ الْحُكْمِ: مَا يَقُومُ عَلَيْهِ. . وَأُطْلِقَ عَلَى صَكِّ الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ (٢) .
د - الْوَثِيقَةُ:
٥ - تُطْلَقُ الْوَثِيقَةُ عَلَى السِّجِل، وَالْمَحْضَرِ، وَالصَّكِّ (٣) . стр. 14806
هـ - الدِّيوَانُ:
٦ - يَتَعَيَّنُ الْفَصْل بَيْنَ الدِّيوَانِ الْعَامِّ، وَدِيوَانِ الْقَضَاءِ.
أ - أَمَّا الدِّيوَانُ الْعَامُّ: فَهُوَ مَوْضِعٌ لِحِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ مِنَ الأَْعْمَال، وَالأَْمْوَال، وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الْجُيُوشِ، وَالْعُمَّال (١) .
ب - أَمَّا دِيوَانُ الْقَضَاءِ: فَهُوَ هَذِهِ السِّجِلاَّتُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَحَاضِرِ، وَالصُّكُوكِ، وَكُتُبِ نَصْبِ الأَْوْصِيَاءِ، وَقِوَامِ الأَْوْقَافِ، وَالْوَدَائِعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) .
و الْحُجَّةُ:
٧ - الْحُجَّةُ تُطْلَقُ عَلَى السِّجِل وَعَلَى الْوَثِيقَةِ. فَهِيَ أَعَمُّ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ تُطْلَقُ عَلَى السِّجِل، وَالْمَحْضَرِ، وَالصَّكِّ. ثُمَّ أُطْلِقَتْ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا نُقِل مِنَ السِّجِل مِنَ الْوَاقِعَةِ، وَعَلَيْهِ عَلاَمَةُ الْقَاضِي أَعْلاَهُ، وَخَطُّ الشَّاهِدَيْنِ أَسْفَلُهُ، وَأُعْطِيَ لِلْخَصْمِ.
وَخَصَّ الْحَنَابِلَةُ الْحُجَّةَ بِالْحُكْمِ الْقَائِمِ عَلَى الْبَيِّنَةِ (٣) . стр. 14807
اتِّخَاذُ السِّجِلاَّتِ:
٨ - يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ سِجِلًّا حَتَّى لاَ يَنْسَى وَاقِعَةَ الدَّعْوَى إِذَا طَال الزَّمَنُ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ مُذَكِّرًا لَهُ وَمُعِينًا عَلَى وُصُول الْمَحْكُومِ لَهُ إِلَى حَقِّهِ إِذَا جَحَدَهُ الْخَصْمُ (١) .
وَيَكْتُبُ فِي السِّجِل وَقَائِعَ الدَّعْوَى، وَأَدِلَّتَهَا، وَمَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْقَاضِي مِنَ الْحُكْمِ فِي مَوْضُوعِهَا؛ لأَِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِحِفْظِ الْحُقُوقِ، وَبِغَيْرِ الْكِتَابَةِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُحْفَظَ.
وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الْوَاجِبُ بِطَلَبِ الْمَحْكُومِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ كَانَتِ الْكِتَابَةُ عَلَى سَبِيل النَّدْبِ، لِتَبْقَى الدَّعْوَى بِكُل مَا تَمَّ فِيهَا مَحْفُوظَةً فِي الدِّيوَانِ، فَرُبَّمَا احْتَاجَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِمُرَاجَعَتِهَا، وَاسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ (٢) .
وَلاَ يَلْزَمُ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ стр. 14808
مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ (١) .
غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ مِنَ الْقَاضِي تَسْجِيل الْحُكْمِ بِالْحَقِّ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ، أَوِ الَّذِي أَوْفَاهُ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ، حَتَّى لاَ يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَعَلَى الْقَاضِي إِجَابَتُهُ لِمَا طَلَبَ (٢) .
وَإِنْ كَانَتِ الْخُصُومَةُ مُتَعَلِّقَةً بِنَاقِصِ الأَْهْلِيَّةِ أَوْ عَدِيمِهَا، كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ تَسْجِيل الْحُكْمِ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ أَحَدٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ، أَوْ عَلَيْهِ (٣) .
وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى مُتَعَلِّقَةً بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحُدُودِ، أَوْ كَانَ الْحَقُّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ، وَلِجِهَاتِ الْخَيْرِ، فَإِنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ، وَيَحْكُمَ بِهِ دُونَ حَاجَةٍ لِطَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ (٤) .
وَعَلَى كُل حَالٍ، فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ الْخُصُومَةَ، وَيُسَجِّل الْحُكْمَ ابْتِدَاءً، وَقَبْل أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَحَدٌ ذَلِكَ (٥) .
كَيْفِيَّةُ الْكِتَابَةِ فِي السِّجِلاَّتِ:
٩ - لاَ يَكْفِي فِي الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ стр. 14809
الاِخْتِصَارُ وَالإِْجْمَال. بَل لاَ بُدَّ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْرِيحِ وَالْبَيَانِ.
فَفِي الْمَحَاضِرِ يَجِبُ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، اسْمَ الْمُدَّعِي، وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَكُنْيَتَهُ، وَصِنَاعَتَهُ، وَقَبِيلَتَهُ، وَمَسْكَنَهُ، وَمُصَلاَّهُ (أَيِ الْمَسْجِدَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ عَادَةً) وَكُل مَا يُؤَدِّي إِلَى التَّعَرُّفِ عَلَى شَخْصِهِ.
وَيَذْكُرُ حُضُورَهُ، وَالإِْشَارَةَ إِلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَل بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الشُّهُودُ، فَيَتِمُّ تَعْرِيفُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَإِضَافَةُ مَحَل إِقَامَتِهِمْ (١) .
وَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ الْكَاتِبُ مَوْضُوعَ الدَّعْوَى، وَمَا جَرَى فِي الْمُحَاكَمَةِ مِنْ إِقْرَارٍ، أَوْ إِنْكَارٍ وَيَمِينٍ، أَوْ نُكُولٍ، أَوْ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ.
وَعَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ بِأَلْفَاظِهَا، وَذَلِكَ عَقِيبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي.
وَيَتَضَمَّنُ الْمَحْضَرُ اسْمَ الْقَاضِي، وَالْمَحْكَمَةَ وَعَلاَمَتَهُ الَّتِي عُرِفَ بِهَا، وَتَارِيخَ تَنْظِيمِ الْمَحْضَرِ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مُنَابًا عَنْ قَاضٍ آخَرَ، стр. 14810
فَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ صِفَتَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَنِ اسْتَنَابَهُ مَأْذُونًا لَهُ بِذَلِكَ.
وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى الْمَحْضَرِ كَانَ أَوْكَدَ وَأَحْوَطَ.
وَيَنْبَغِي فِي كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ أَنْ تَكُونَ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ وَأَعْرَافِهِ، وَمُصْطَلَحَاتِهِ. وَيُرَاعَى فِيهَا مُتَطَلَّبَاتُ كُل عَصْرٍ (١) .
١٠ - وَفِي السِّجِل يَذْكُرُ الْمَحْضَرَ بِكُل مَا فِيهِ (٢) ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَلِي:
أ - النَّصُّ عَلَى تَمْكِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِبْدَاءِ دُفُوعِهِ، وَإِمْهَالِهِ. فَإِنْ أَحْضَرَ دَفْعًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ مُؤَيَّدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِدَفْعِ نَصٍّ عَلَى ذَلِكَ.
ب - وَإِنْ ذَكَرَ فِي السِّجِل أَنَّهُ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ، دُونَ ذِكْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ بِتَمَامِهَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
ج - وَقَدْ يُضَافُ إِلَى السِّجِل بَعْدَ عَرْضِ أَقْوَال الشُّهُودِ، أَنَّ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَاتِ قَدْ عُرِضَتْ следующие страницы →