← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 14806–14845 · переход к 14811.

стр. 14806

هـ - الدِّيوَانُ: ٦ - يَتَعَيَّنُ الْفَصْل بَيْنَ الدِّيوَانِ الْعَامِّ، وَدِيوَانِ الْقَضَاءِ. أ - أَمَّا الدِّيوَانُ الْعَامُّ: فَهُوَ مَوْضِعٌ لِحِفْظِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ السَّلْطَنَةِ مِنَ الأَْعْمَال، وَالأَْمْوَال، وَمَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الْجُيُوشِ، وَالْعُمَّال (١) . ب - أَمَّا دِيوَانُ الْقَضَاءِ: فَهُوَ هَذِهِ السِّجِلاَّتُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَحَاضِرِ، وَالصُّكُوكِ، وَكُتُبِ نَصْبِ الأَْوْصِيَاءِ، وَقِوَامِ الأَْوْقَافِ، وَالْوَدَائِعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (٢) . و الْحُجَّةُ: ٧ - الْحُجَّةُ تُطْلَقُ عَلَى السِّجِل وَعَلَى الْوَثِيقَةِ. فَهِيَ أَعَمُّ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ تُطْلَقُ عَلَى السِّجِل، وَالْمَحْضَرِ، وَالصَّكِّ. ثُمَّ أُطْلِقَتْ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَا نُقِل مِنَ السِّجِل مِنَ الْوَاقِعَةِ، وَعَلَيْهِ عَلاَمَةُ الْقَاضِي أَعْلاَهُ، وَخَطُّ الشَّاهِدَيْنِ أَسْفَلُهُ، وَأُعْطِيَ لِلْخَصْمِ. وَخَصَّ الْحَنَابِلَةُ الْحُجَّةَ بِالْحُكْمِ الْقَائِمِ عَلَى الْبَيِّنَةِ (٣) .

стр. 14807

اتِّخَاذُ السِّجِلاَّتِ: ٨ - يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ سِجِلًّا حَتَّى لاَ يَنْسَى وَاقِعَةَ الدَّعْوَى إِذَا طَال الزَّمَنُ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ مُذَكِّرًا لَهُ وَمُعِينًا عَلَى وُصُول الْمَحْكُومِ لَهُ إِلَى حَقِّهِ إِذَا جَحَدَهُ الْخَصْمُ (١) . وَيَكْتُبُ فِي السِّجِل وَقَائِعَ الدَّعْوَى، وَأَدِلَّتَهَا، وَمَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْقَاضِي مِنَ الْحُكْمِ فِي مَوْضُوعِهَا؛ لأَِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِحِفْظِ الْحُقُوقِ، وَبِغَيْرِ الْكِتَابَةِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُحْفَظَ. وَيَتَأَكَّدُ هَذَا الْوَاجِبُ بِطَلَبِ الْمَحْكُومِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ كَانَتِ الْكِتَابَةُ عَلَى سَبِيل النَّدْبِ، لِتَبْقَى الدَّعْوَى بِكُل مَا تَمَّ فِيهَا مَحْفُوظَةً فِي الدِّيوَانِ، فَرُبَّمَا احْتَاجَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِمُرَاجَعَتِهَا، وَاسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ (٢) . وَلاَ يَلْزَمُ الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ

стр. 14808

مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَوْ حَكَمَ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ (١) . غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ مِنَ الْقَاضِي تَسْجِيل الْحُكْمِ بِالْحَقِّ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ، أَوِ الَّذِي أَوْفَاهُ، أَوْ ثَبَتَتْ بَرَاءَتُهُ مِنْهُ، حَتَّى لاَ يُطَالِبَهُ الْمُدَّعِي بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، فَعَلَى الْقَاضِي إِجَابَتُهُ لِمَا طَلَبَ (٢) . وَإِنْ كَانَتِ الْخُصُومَةُ مُتَعَلِّقَةً بِنَاقِصِ الأَْهْلِيَّةِ أَوْ عَدِيمِهَا، كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، فَإِنَّ تَسْجِيل الْحُكْمِ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ أَحَدٌ، سَوَاءٌ كَانَ مَحْكُومًا لَهُ، أَوْ عَلَيْهِ (٣) . وَإِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى مُتَعَلِّقَةً بِحَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْحُدُودِ، أَوْ كَانَ الْحَقُّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْوَقْفِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ، وَلِجِهَاتِ الْخَيْرِ، فَإِنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ، وَيَحْكُمَ بِهِ دُونَ حَاجَةٍ لِطَلَبٍ مِنْ أَحَدٍ (٤) . وَعَلَى كُل حَالٍ، فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ الْخُصُومَةَ، وَيُسَجِّل الْحُكْمَ ابْتِدَاءً، وَقَبْل أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَحَدٌ ذَلِكَ (٥) . كَيْفِيَّةُ الْكِتَابَةِ فِي السِّجِلاَّتِ: ٩ - لاَ يَكْفِي فِي الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلاَّتِ

стр. 14809

الاِخْتِصَارُ وَالإِْجْمَال. بَل لاَ بُدَّ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّصْرِيحِ وَالْبَيَانِ. فَفِي الْمَحَاضِرِ يَجِبُ عَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، اسْمَ الْمُدَّعِي، وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَكُنْيَتَهُ، وَصِنَاعَتَهُ، وَقَبِيلَتَهُ، وَمَسْكَنَهُ، وَمُصَلاَّهُ (أَيِ الْمَسْجِدَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ عَادَةً) وَكُل مَا يُؤَدِّي إِلَى التَّعَرُّفِ عَلَى شَخْصِهِ. وَيَذْكُرُ حُضُورَهُ، وَالإِْشَارَةَ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ يَفْعَل بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَأَمَّا الشُّهُودُ، فَيَتِمُّ تَعْرِيفُهُمْ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ، وَإِضَافَةُ مَحَل إِقَامَتِهِمْ (١) . وَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ الْكَاتِبُ مَوْضُوعَ الدَّعْوَى، وَمَا جَرَى فِي الْمُحَاكَمَةِ مِنْ إِقْرَارٍ، أَوْ إِنْكَارٍ وَيَمِينٍ، أَوْ نُكُولٍ، أَوْ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ. وَعَلَى الْكَاتِبِ أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ بِأَلْفَاظِهَا، وَذَلِكَ عَقِيبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي. وَيَتَضَمَّنُ الْمَحْضَرُ اسْمَ الْقَاضِي، وَالْمَحْكَمَةَ وَعَلاَمَتَهُ الَّتِي عُرِفَ بِهَا، وَتَارِيخَ تَنْظِيمِ الْمَحْضَرِ. وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي مُنَابًا عَنْ قَاضٍ آخَرَ،

стр. 14810

فَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ صِفَتَهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَنِ اسْتَنَابَهُ مَأْذُونًا لَهُ بِذَلِكَ. وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى الْمَحْضَرِ كَانَ أَوْكَدَ وَأَحْوَطَ. وَيَنْبَغِي فِي كِتَابَةِ الْمَحْضَرِ أَنْ تَكُونَ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ وَأَعْرَافِهِ، وَمُصْطَلَحَاتِهِ. وَيُرَاعَى فِيهَا مُتَطَلَّبَاتُ كُل عَصْرٍ (١) . ١٠ - وَفِي السِّجِل يَذْكُرُ الْمَحْضَرَ بِكُل مَا فِيهِ (٢) ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ مَا يَلِي: أ - النَّصُّ عَلَى تَمْكِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِبْدَاءِ دُفُوعِهِ، وَإِمْهَالِهِ. فَإِنْ أَحْضَرَ دَفْعًا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ مُؤَيَّدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِدَفْعِ نَصٍّ عَلَى ذَلِكَ. ب - وَإِنْ ذَكَرَ فِي السِّجِل أَنَّهُ ثَبَتَ الْحَقُّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ، دُونَ ذِكْرِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ بِتَمَامِهَا، فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. ج - وَقَدْ يُضَافُ إِلَى السِّجِل بَعْدَ عَرْضِ أَقْوَال الشُّهُودِ، أَنَّ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَاتِ قَدْ عُرِضَتْ

стр. 14811

عَلَى الْعُلَمَاءِ، فَأَفْتَوْا بِصِحَّتِهَا، وَجَوَازِ الْقَضَاءِ بِهَا. د - وَلاَ بُدَّ فِي السِّجِل مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الْحُكْمِ، وَمُسْتَنَدِهِ، مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. هـ - وَيَتَضَمَّنُ السِّجِل صُدُورَ الْحُكْمِ عَلَنًا، وَالإِْشْهَادَ عَلَيْهِ، وَتَوْقِيعَ الْقَاضِي، وَالنَّصَّ عَلَى أَنَّهُ حُرِّرَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَفِيهِ حُكْمُهُ، وَقَضَاؤُهُ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْمَحْكُومِ لَهُ. وَلاَ بُدَّ مِنْ عَرْضِ نُسْخَةِ السِّجِل عَلَى الْقَاضِي، لِتَدْقِيقِهَا حَتَّى لاَ يَكُونَ فِيهَا أَيُّ خَلَلٍ (١) . حِفْظُ السِّجِلاَّتِ: ١١ - إِنَّ أَوَّل مَا يَبْدَأُ بِهِ الْقَاضِي إِذَا تَقَلَّدَ عَمَلَهُ هُوَ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى مَا فِي الدِّيوَانِ مِنْ وَثَائِقَ، وَوَدَائِعَ، وَأَمْوَالٍ. وَلاَ يَتِمُّ ذَلِكَ إِلاَّ بَعْدَ جَرْدِهِ بِمَعْرِفَةِ أَمِينَيْنِ أَوْ أَمِينٍ وَاحِدٍ، وَبِحُضُورِ الْقَاضِي السَّابِقِ، أَوْ أَمِينِهِ. ثُمَّ يُوضَعُ كُل نَوْعٍ مُسْتَقِلًّا عَمَّا سِوَاهُ، لِسُهُولَةِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَضَعُ عَلَيْهِ خَتْمَهُ

стр. 14812

خَوْفَ الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ (١) . وَبِهَذَا يُحْفَظُ مَا فِي الدِّيوَانِ مَهْمَا تَعَاقَبَ الْقُضَاةُ. وَمَا يُنَظِّمُهُ الْقَاضِي أَوْ كَاتِبُهُ مِنَ الْمَحَاضِرِ، وَالسِّجِلاَّتِ، وَالْوَثَائِقِ الأُْخْرَى يُكْتَبُ عَلَيْهِ نَوْعُهُ، وَاسْمُ صَاحِبِهِ فَيَقُول: مَحْضَرُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ فِي خُصُومَتِهِ مَعَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ. وَيَخْتِمُهُ بِخَاتَمِهِ، وَمَا اجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ، أَوْ أُسْبُوعٍ فَإِنَّهُ يُفْرِدُهُ، وَيَضُمُّهُ فِي إِضْبَارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَكْتُبُ عَلَى ظَاهِرِهَا مَحَاضِرُ يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا. . وَيَفْعَل ذَلِكَ فِي كُل مَا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ فِي الشَّهْرِ، وَفِي السَّنَةِ. وَيَضَعُ عَلَى ذَلِكَ خَاتَمَهُ، وَيَحْفَظُهُ فِي خِزَانَتِهِ وَتَحْتَ مُرَاقَبَتِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَسْتَخْرِجُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَعْرِفَتِهِ، وَمُشَاهَدَتِهِ (٢) .

стр. 14813

وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مَا سَبَقَ بَيَانُهُ إِلاَّ إِذَا أَشْرَفَ الْقَاضِي عَلَى الدِّيوَانِ، وَرَاقَبَ كُتَّابَهُ، وَأُمَنَاءَهُ، وَمَا يَجْرِي عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَبِمَعْرِفَتِهِمْ (١) . تَعَدُّدُ نُسَخِ السِّجِل: ١٢ - تُكْتَبُ الْمَحَاضِرُ، وَالسِّجِلاَّتُ، وَالْوَثَائِقُ عَلَى نُسْخَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْمَحْكَمَةِ، وَعَلَيْهَا اسْمُ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ صَاحِبُ الْوَثِيقَةِ، وَخَاتَمُ الْقَاضِي، وَتَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلرُّجُوعِ إِلَيْهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَالأُْخْرَى: تُعْطَى لِلْمَحْكُومِ لَهُ، أَوْ صَاحِبِ الْوَثِيقَةِ، لِتَكُونَ حُجَّةً بِالْحَقِّ، وَهِيَ غَيْرُ مَخْتُومَةٍ. وَيَجْرِي ذَلِكَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ. ثُمَّ أَصْبَحَتِ الْوَثَائِقُ تُكْتَبُ مُرَتَّبَةً فِي كِتَابٍ

стр. 14814

يَجْمَعُهَا، وَبِحَسَبِ مَا يَسَعُ مِنْهَا، وَيُحْفَظُ فِي الدِّيوَانِ، وَهُوَ أَكْثَرُ حِفْظًا، وَأَحْوَطُ (١) . فَإِنْ ضَاعَتِ النُّسْخَةُ الَّتِي فِي يَدِ ذِي الشَّأْنِ، وَطَلَبَ مِنَ الْقَاضِي نُسْخَةً أُخْرَى، أَسْعَفَ طَلَبَهُ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْفِقْدَانِ، وَتَارِيخِهَا، حَتَّى لاَ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ الْوَارِدُ فِيهَا مَرَّتَيْنِ (٢) . عَمَل الْقَاضِي بِمَا يَجِدُهُ فِي سِجِلِّهِ: ١٣ - إِذَا وَجَدَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ مَحْضَرًا كَانَ قَدْ كَتَبَهُ بِإِقْرَارٍ، أَوْ شَهَادَةٍ بِحَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ، أَوْ وَجَدَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْخُذُ بِهِ، وَلاَ يُنْفِذُهُ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْهُ. وَبِهَذَا قَال أَبُو حَنِيفَةُ. وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ إِلَى جَوَازِ الأَْخْذِ بِكُل ذَلِكَ، وَاعْتِمَادِهِ، وَتَنْفِيذِهِ، وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ؛ لِعَجْزِ الْقَاضِي عَنْ حِفْظِ الْحَادِثَةِ؛ وَلأَِنَّ وُجُودَ

стр. 14815

هَذِهِ الْوَثَائِقِ فِي الدِّيوَانِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى صِحَّتِهَا، وَبُعْدِهَا عَنِ التَّزْوِيرِ، وَالتَّحْرِيفِ. وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَلَيْهِ عُرْفُ الْقُضَاةِ مِنَ الْقَرْنِ الْخَامِسِ الْهِجْرِيِّ (١) . وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ مِنْهُمْ مُوَافِقٌ لِقَوْل أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي أَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الأَْصَحِّ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَعِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ. وَلَكِنِ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل مُتَّفِقٌ مَعَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ (٢) .

стр. 14816

وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْمَعُ لإِِثْبَاتِ صِحَّةِ مَا فِي الدِّيوَانِ مِنَ الْوَثَائِقِ فِي الْقَوْل الأَْصَحِّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لاَ تُسْمَعُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ. وَجُمْهُورُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى خِلاَفِهِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ وَثِيقَةٌ، وَادَّعَى أَحَدٌ أَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ حَكَمَ لَهُ بِكَذَا، فَإِنْ تَذَكَّرَ الْقَاضِي قَضَاءَهُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَقْبَل بَيِّنَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى مَا كَانَ قَدْ قَضَى بِهِ، وَلاَ يَأْخُذُ بِهَا فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَرِوَايَةٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَبِهِ قَال الشَّافِعِيَّةُ. وَذَهَبَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى قَبُول الْبَيِّنَةِ، وَإِمْضَاءِ الْقَضَاءِ. وَلَوْ ضَاعَ سِجِلٌّ مِنْ دِيوَانِ الْقَاضِي، فَشَهِدَ كَاتِبَاهُ عَلَى مَا فِيهِ، تَعَيَّنَ قَبُول هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَاعْتِمَادُهَا (١) .

стр. 14817

عَمَل الْقَاضِي بِمَا يَجِدُهُ فِي سِجِل قَاضٍ سَابِقٍ: ١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَأْخُذُ بِمَا يُوجَدُ فِي دِيوَانِهِ مِنْ سِجِلاَّتِ الْقُضَاةِ السَّابِقِينَ وَمَحَاضِرِهِمْ، وَلاَ يَعْتَمِدُهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَخْتُومَةً، إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا وَرَدَ فِيهَا شَاهِدَانِ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِي الدِّيوَانِ مِنْ رُسُومٍ تَضَمَّنَتْ أَوْقَافًا فِي أَيْدِي الأُْمَنَاءِ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ الْخَوْفُ مِنْ ضَيَاعِ حُقُوقِ الْوَقْفِ عِنْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ، وَلِذَا كَانَ قَوْلُهُمْ هَذَا اسْتِحْسَانًا. وَعَلَى ذَلِكَ لَوْ وَجَدَ الْقَاضِي حُكْمَ سَلَفِهِ مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ لَمْ يَجُزْ إِنْفَاذُهُ بِالإِْجْمَاعِ. وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي الدِّيوَانِ الْعَامِّ مِنْ وَثَائِقَ تُحَدِّدُ حُقُوقَ الدَّوْلَةِ، وَحُقُوقَ الأَْفْرَادِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ اعْتِمَادُهَا، وَإِنْفَاذُهَا. وَكَذَلِكَ خَطُّ الْمُفْتِي، وَكُتُبُ الْفِقْهِ الْمَوْثُوقَةُ، وَكِتَابُ أَهْل الْحَرْبِ بِطَلَبِ الأَْمَانِ، وَقَرَارَاتُ الدَّوْلَةِ، وَمَا فِي دَفْتَرِ الصَّرَّافِ وَالسِّمْسَارِ وَالتَّاجِرِ وَنَحْوِهِمْ، فِيمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الأَْخْذُ بِكُل ذَلِكَ، وَاعْتِمَادُهُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ عَلَى صِحَّةِ مَضْمُونِهِ، وَمُحْتَوَاهُ (١) .

стр. 14818

نَقْصُ مَا فِي السِّجِل مِنْ أَحْكَامٍ: ١٥ - إِنَّ كُل نَقْصٍ مِنْ مُقَوِّمَاتِ السِّجِل الَّتِي سَبَقَتْ يُعْتَبَرُ خَلَلاً مُؤَثِّرًا فِي صِحَّتِهِ. وَذَلِكَ يَظْهَرُ مِنَ الأَْمْثِلَةِ الآْتِيَةِ: أ - إِذَا خَلاَ السِّجِل مِنَ الإِْشَارَةِ إِلَى الْمُتَخَاصِمَيْنِ فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَى بِصِحَّتِهِ. كَمَا لَوْ كَتَبَ فِيهِ: حَضَرَ فُلاَنٌ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ فُلاَنًا، فَادَّعَى هَذَا الَّذِي حَضَرَ، عَلَيْهِ. . وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ: (عَلَى هَذَا الَّذِي أَحْضَرَ مَعَهُ) . بَدَلاً مِنْ (عَلَيْهِ) . وَكَذَا عِنْدَ ذِكْرِ الْخَصْمَيْنِ فِي أَثْنَاءِ السِّجِل لاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ضَمِيرِ الإِْشَارَةِ، فَيَكْتُبُ: الْمُدَّعِي هَذَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَذَا. ب - وَلَوْ لَمْ يَنُصَّ فِي السِّجِل عَلَى حُضُورِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ

стр. 14819

خَلَلٌ فِي السِّجِل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ لاَ يَرَوْنَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ. وَكَذَلِكَ لَوْ خَلاَ مِنَ النَّصِّ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ بِحُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَصُدُورِ الْحُكْمِ بِحَضْرَةِ الْخَصْمَيْنِ (١) . ج - وَإِنْ كَانَ لأَِحَدِ الْخَصْمَيْنِ وَكِيلٌ وَكَتَبَ فِي السِّجِل ثُبُوتَ الْوَكَالَةِ دُونَ كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِهَا: هَل هُوَ الْبَيِّنَةُ، أَوِ الْمُشَافَهَةُ بِحَضْرَةِ الْقَاضِي وَمَعْرِفَتِهِ بِالْوَكِيل وَالْمُوَكِّل، فَإِنَّ ذَلِكَ خَلَلٌ فِي السِّجِل. وَأَمَّا الْغَلَطُ بِاسْمِ الْوَكِيل وَجَعْلُهُ مَحَل الْمُوَكِّل، وَجَعْل الْمُوَكِّل مَحَل الْوَكِيل، فَذَلِكَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ السِّجِل، إِلاَّ عَلَى قَوْل بَعْضِ الْمَشَايِخِ (٢) . د - وَفِي دَعْوَى الْوَصِيِّ مِنْ جِهَةِ الأَْبِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، إِذَا خَلاَ السِّجِل مِنْ ثُبُوتِ مَوْتِ الأَْبِ، وَالإِْيصَاءِ، وَمِنَ الإِْذْنِ الْحُكْمِيِّ مِنَ الْقَاضِي، وَالإِْذْنِ بِالْقَبْضِ، فَإِنَّ هَذَا يُوجِبُ رَدَّهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْهُ لإِِثْبَاتِ صِحَّةِ الْخُصُومَةِ (٣) . هـ - وَكُل سِجِلٍّ خَلاَ مِنْ سَبَبِ الدَّعْوَى، فَإِنَّهُ

стр. 14820

مَرْدُودٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ (١) . وَلَوْ أَنَّ السِّجِل خَلاَ مِنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْقُضَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ صَارُوا لاَ يَرَوْنَ ذَلِكَ خَلَلاً، وَهُوَ الْقَوْل الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْعَمَل عِنْدَهُمْ عَلَى وُجُوبِ ذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ، وَلاَ حَاجَةَ لِذَلِكَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْحَاضِرِ. وَتَرْكُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ خَلَلٌ فِي مَحْضَرِ الدَّعْوَى. وَأَمَّا فِي السِّجِل، فَلَوْ كَتَبَ فِيهِ: وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى مُوَافَقَةِ الدَّعْوَى، دُونَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَى بِصِحَّتِهِ. وَمِنَ الْمَشَايِخِ مَنْ أَفْتَى بِالصِّحَّةِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ (٢) . و وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ فِي السِّجِل عَلَى وَجْهِ الإِْيجَازِ: ثَبَتَ عِنْدِي مِنَ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَى بِصِحَّةِ السِّجِل مَا لَمْ يُبَيِّنْ وَسِيلَةَ الإِْثْبَاتِ. وَقِيل يُفْتَى بِصِحَّتِهِ (٣) .

стр. 14821

فَإِنْ كَتَبَ: حَكَمْتُ بِثُبُوتِ السِّجِل بِشَرَائِطِهِ، أَوْ حَكَمْتُ وَفْقَ الدَّعْوَى، فَإِنَّ ذَلِكَ خَلَلٌ فِي السِّجِل؛ لأَِنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيل (١) . ز - وَإِذَا كَتَبَ فِي الْمَحْضَرِ عِنْدَ ذِكْرِ شَهَادَةِ الشُّهُودِ: وَأَشَارُوا إِلَى الْمُتَدَاعِينَ، فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَى بِصِحَّتِهِ. إِذْ لاَ بُدَّ مِنَ النَّصِّ عَلَى الإِْشَارَةِ إِلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَإِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَهَذِهِ هِيَ الإِْشَارَةُ الْمُعْتَبَرَةُ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِهَا أَبْلَغَ بَيَانٍ (٢) . ح - وَلَوْ لَمْ يَتَضَمَّنِ السِّجِل فِي آخِرِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ اسْتِنَادًا لِشَهَادَاتِ الشُّهُودِ، أَوْ أَيُّ دَلِيلٍ آخَرَ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لاَ يَجُوزُ (٣) . ط - وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ الْمُنَابَ حَكَمَ بِالدَّعْوَى، وَجَعَل حُكْمَهُ مَوْقُوفًا عَلَى إِمْضَاءِ الْقَاضِي الْمُنِيبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَلَلٌ قَوِيٌّ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حُكْمًا (٤) . ي - وَفِي دَعْوَى الْوَقْفِ، لَوْ كَتَبَ الْقَاضِي فِي السِّجِل: حَكَمْتُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ، فَذَلِكَ خَلَلٌ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِقَضَاءٍ فِي مَحَلِّهِ، إِذِ الْوَقْفُ صَحِيحٌ جَائِزٌ وِفَاقًا، وَالْخِلاَفُ فِي اللُّزُومِ (٥) .

стр. 14822

تَخْصِيصُ كَاتِبٍ لِلسِّجِل، وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ: ١٦ - عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ كَاتِبًا يَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَةِ مَا يَجْرِي فِي الْمُحَاكَمَةِ؛ لأَِنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ (١) . وَيَجِبُ أَنْ يَتَّصِفَ كَاتِبُ الْقَاضِي بِمَا يَتَّصِفُ بِهِ الْقَاضِي؛ لأَِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَحْكَمَةِ؛ وَلأَِنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ جِنْسِ الْقَضَاءِ. وَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلاً، وَرِعًا، عَفِيفًا (٢) . وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٍ) .

стр. 14823

سُجُودٌ التَّعْرِيفُ: ١ - السُّجُودُ لُغَةً: الْخُضُوعُ وَالتَّطَامُنُ وَالتَّذَلُّل وَالْمَيْل وَوَضْعُ الْجَبْهَةِ بِالأَْرْضِ، وَكُل مَنْ تَذَلَّل وَخَضَعَ فَقَدْ سَجَدَ، وَيُقَال: سَجَدَ الْبَعِيرُ إِذَا خَفَضَ رَأْسَهُ لِيُرْكَبَ، وَسَجَدَتِ النَّخْلَةُ إِذَا مَالَتْ مِنْ كَثْرَةِ حَمْلِهَا، وَسَجَدَ الرَّجُل إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ وَانْحَنَى، وَمِنْهُ سُجُودُ الصَّلاَةِ وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَْرْضِ، وَالاِسْمُ السَّجْدَةُ. وَالْمَسْجِدُ بَيْتُ الصَّلاَةِ الَّذِي يُتَعَبَّدُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : جُعِلَتْ لِيَ الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا. (١) وَجَمْعُهُ مَسَاجِدُ، وَالْمَسْجَدُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ بَدَنِ الإِْنْسَانِ، وَجَمْعُهُ كَذَلِكَ مَسَاجِدُ، وَهِيَ جَبْهَتُهُ وَأَنْفُهُ وَيَدَاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ.

стр. 14824

وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ: وَيُجْعَل الْكَافُورُ فِي مَسَاجِدِهِ: أَيِ الْمَيِّتِ. الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: السُّجُودُ لِلَّهِ عَامٌّ فِي الإِْنْسَانِ، وَالْحَيَوَانَاتِ، وَالْجَمَادَاتِ وَذَلِكَ ضَرْبَانِ: الأَْوَّل: سُجُودٌ بِاخْتِيَارٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِلإِْنْسَانِ، وَبِهِ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ . (١) الثَّانِي: سُجُودُ تَسْخِيرٍ، وَهُوَ لِلإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآْصَال﴾ (٢) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِل سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ . (٣) فَهَذَا سُجُودُ تَسْخِيرٍ، وَهُوَ الدَّلاَلَةُ الصَّامِتَةُ النَّاطِقَةُ الْمُنَبِّهَةُ عَلَى كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً، وَأَنَّهَا خَلْقُ فَاعِلٍ حَكِيمٍ، وَخَصَّ السُّجُودَ فِي الشَّرِيعَةِ بِالرُّكْنِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُجُودِ الشُّكْرِ (٤) .

стр. 14825

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: أَوَّلاً: سُجُودُ الصَّلاَةِ: ٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى فَرْضِيَّةِ السُّجُودِ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . (١) وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمِنْهَا حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتِهِ قَال فِيهِ ﷺ : ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا. (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ : أُمِرْتُ أَنَّ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ. (٣) كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ سَجْدَتَيْنِ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنْ رَكَعَاتِ الصَّلاَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الصَّلاَةُ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً (٤) . ٣ - وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَكْمَل السُّجُودِ هُوَ أَنْ يَسْجُدَ الْمُصَلِّي عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَهِيَ الْجَبْهَةُ مَعَ

стр. 14826

الأَْنْفِ، وَالْيَدَانِ، وَالرُّكْبَتَانِ، وَالْقَدَمَانِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالرِّجْلَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ. (١) وَفِي رِوَايَةٍ: أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ الْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ. (٢) وَمِنْ كَمَال السُّجُودِ أَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ كَاشِفًا وَجْهَهُ لِيُبَاشِرَ بِهِ الأَْرْضَ. وَأَنْ يَطْمَئِنَّ سَاجِدًا لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمُسِيءِ صَلاَتِهِ: ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ : إِذَا سَجَدْتَ فَأَمْكِنْ وَجْهَكَ مِنَ السُّجُودِ كُلِّهِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا وَلاَ تَنْقُرْ نَقْرًا. (٤) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَال: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ

стр. 14827

الْعَظِيمِ﴾ (١) قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ. فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكِ الأَْعْلَى﴾ (٢) قَال: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ. (٣) وَأَنْ يَعْتَدِل فِي سُجُودِهِ وَيَرْفَعَ ذِرَاعَيْهِ عَنِ الأَْرْضِ، وَلاَ يَفْتَرِشَهُمَا، وَيَنْصِبَ الْقَدَمَيْنِ وَيُوَجِّهَ أَصَابِعَ الرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْقِبْلَةِ، لِمَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ وَلاَ يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ. (٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُل ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ (٥) وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : إِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلاَ قَابِضِهُمَا وَاسْتَقْبَل بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ. (٦) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁

стр. 14828

قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِل وَلاَ يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ. (١) وَعَنْ وَائِل بْنِ حُجْرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ وَجَعَل يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. (٢) وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ كُل عُضْوٍ مِنْهُ فَلْيُوَجِّهْ مِنْ أَعْضَائِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ مَا اسْتَطَاعَ (٣) وَأَنْ يُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ لِمَا رَوَى أَحْمَرُ بْنُ جَزْءٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا سَجَدَ جَافَى عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ حَتَّى نَأْوِيَ (٤) لَهُ. (٥) وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ

стр. 14829

لَمَرَّتْ. (١) وَأَنْ يَرْفَعَ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ لِمَا رَوَاهُ أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ. (٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ ﵄ قَال: أَتَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ فَرَأَيْتُ بَيَاضَ بَطْنِهِ وَهُوَ مُجَخٍّ، قَدْ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَأَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَيْ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَفَخِذَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، لِمَا رَوَاهُ أَبُو حُمَيْدٍ فِي وَصْفِ صَلاَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ.

стр. 14830

وَأَنْ يَضَعَ رَاحَتَيْهِ عَلَى الأَْرْضِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيِ الأَْصَابِعِ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مُسْتَقْبِلاً بِهِمَا الْقِبْلَةَ، وَيَضَعُهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، لِقَوْل أَبِي حُمَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. وَقَال بَعْضُهُمْ: يَضَعُهُمَا بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ، لِمَا رَوَاهُ وَائِل بْنُ حُجْرٍ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فَجَعَل كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ سَجَدَ وَوَضَعَ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ. وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى رَاحَتَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: إِذَا سَجَدْتَ فَاعْتَمِدْ عَلَى رَاحَتَيْكَ.

стр. 14831

أَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ فِي سُجُودِهَا فَتُلْصِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا، وَمِرْفَقَيْهَا بِجَنْبَيْهَا، وَتَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهَا وَتَنْخَفِضُ، وَلاَ تَنْتَصِبُ كَانْتِصَابِ الرِّجَال، وَلاَ تُفَرِّقُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا. قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مِثْل الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ الْخُنْثَى لأَِنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا، وَأَحْوَطُ لَهُ. أَحْكَامُ السُّجُودِ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسَائِل مِنْ أَحْكَامِ السُّجُودِ مِنْهَا: وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْل الْيَدَيْنِ أَوْ عَكْسُهُ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجَمْعٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ كَالنَّخَعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَمُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، فَإِنْ وَضَعَ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ أَجْزَأَهُ إِلاَّ أَنَّهُ تَرَكَ الاِسْتِحْبَابَ، لِمَا رَوَاهُ وَائِل بْنُ حُجْرٍ ﵁ قَال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْل يَدَيْهِ، وَإِذَا

стр. 14832

نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ. وَرَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْل الرُّكْبَتَيْنِ فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْل الْيَدَيْنِ وَقَدْ رَوَى الأَْثْرَمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْل يَدَيْهِ وَلاَ يَبْرُكْ بُرُوكَ الْجَمَل. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ.

стр. 14833

وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّاجِدَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ أَيَّهُمَا شَاءَ مِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ بَيْنَهُمَا؛ لِعَدَمِ ظُهُورِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى الآْخَرِ. السُّجُودُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ: ٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى السَّاجِدِ وَضْعُ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ هُوَ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ - وَهِيَ مِنْ مُسْتَدِيرِ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إِلَى النَّاصِيَةِ - لأَِنَّ الأَْمْرَ بِالسُّجُودِ وَرَدَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ عُضْوٍ، ثُمَّ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى تَعْيِينِ بَعْضِ الْوَجْهِ، فَلاَ يَجُوزُ تَعْيِينُ غَيْرِهِ - زَادَ الْحَنَفِيَّةُ - وَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ مُطْلَقِ الْكِتَابِ - وَهُوَ هُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ - بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ فَإِفْرَادُهَا بِالذِّكْرِ دَلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِغَيْرِهَا مِنَ

стр. 14834

الأَْعْضَاءِ الأُْخْرَى؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ السُّجُودِ وَضْعُ أَشْرَفِ الأَْعْضَاءِ عَلَى مَوَاطِئِ الأَْقْدَامِ، وَهُوَ خِصِّيصٌ بِالْجَبْهَةِ؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ كَانَ وَضْعُ الأَْعْضَاءِ الأُْخْرَى وَاجِبًا لَوَجَبَ الإِْيمَاءُ بِهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ وَضْعِهَا كَالْجَبْهَةِ. فَإِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا دُونَ مَا سِوَاهَا مِنَ الأَْعْضَاءِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ وَطَاوُسٍ وَإِسْحَاقَ إِلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْجَبْهَةِ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا. وَقَوْلُهُ ﷺ : إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ وَكَفَّاهُ وَرُكْبَتَاهُ وَقَدَمَاهُ وَيَكْفِي

стр. 14835

وَضْعُ جُزْءٍ مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْضَاءِ إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْيَدَيْنِ بِبَطْنِ الْكَفِّ سَوَاءٌ الأَْصَابِعُ أَوِ الرَّاحَةُ، وَفِي الْقَدَمَيْنِ بِبَطْنِ الأَْصَابِعِ فَلاَ تُجْزِئُ الظَّهْرُ مِنْهَا وَلاَ الْحَرْفُ، أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ وَضْعَ بَعْضِ كُل عُضْوٍ مِنَ الأَْعْضَاءِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ يُجْزِئُ سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِرُهُ أَوْ بَاطِنُهُ، لأَِنَّ الأَْحَادِيثَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ بَاطِنِ الْعُضْوِ وَظَاهِرِهِ. وَضْعُ الأَْنْفِ عَلَى الأَْرْضِ فِي السُّجُودِ: ٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى الأَْنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ الأَْنْفَ فِيهِ، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ.

стр. 14836

وَإِذَا سَجَدَ بِأَعْلَى جَبْهَتِهِ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الأَْنْفِ، وَقَوْلُهُ ﷺ : إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَْرْضِ وَلاَ تَنْقُرْ نَقْرًا. وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ هَؤُلاَءِ السُّجُودُ عَلَى الأَْنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ لِلأَْحَادِيثِ الَّتِي تَدُل عَلَى ذَلِكَ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْحَاقُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: إِلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ مَعَ الْجَبْهَةِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ الْجَبْهَةِ وَالأَْنْفِ. الْحَدِيثُ. وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : كَانَ إِذَا سَجَدَ

стр. 14837

أَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يُصَلِّي لاَ يُصِيبُ أَنْفُهُ الأَْرْضَ فَقَال: لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ يُصِيبُ أَنْفُهُ مِنَ الأَْرْضِ مَا يُصِيبُ الْجَبِينُ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ السُّجُودِ، عَلَى الْجَبْهَةِ وَبَيْنَ السُّجُودِ عَلَى الأَْنْفِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ السُّجُودُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَوْ وَضَعَ أَحَدَهُمَا فِي حَالَةِ الاِخْتِيَارِ جَازَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ الْجَبْهَةَ وَحْدَهَا جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَلَوْ وَضَعَ الأَْنْفَ وَحْدَهُ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ يُحْفَظُ أَنَّ أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْقَوْل، وَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْجَبْهَةَ وَالأَْنْفَ عُضْوٌ وَاحِدٌ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ الْجَبْهَةَ أَشَارَ إِلَى أَنْفِهِ. وَالْعُضْوُ الْوَاحِدُ يُجْزِئُ السُّجُودُ

стр. 14838

عَلَى بَعْضِهِ. كَشْفُ الْجَبْهَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَجَمْعٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ، كَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالأَْوْزَاعِيِّ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ كَشْفِ الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ، وَلاَ تَجِبُ مُبَاشَرَةُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَْعْضَاءِ بِالْمُصَلَّى بَل يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى كُمِّهِ وَذَيْلِهِ وَيَدِهِ وَكَوْرِ عِمَامَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْمُصَلِّي فِي الْحَرِّ أَوْ فِي الْبَرْدِ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَال: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَْرْضِ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ فَيَسْجُدُ عَلَيْهِ. وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: " لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ وَهُوَ يَتَّقِي الطِّينَ إِذَا سَجَدَ بِكِسَاءٍ عَلَيْهِ

стр. 14839

يَجْعَلُهُ دُونَ يَدَيْهِ إِلَى الأَْرْضِ إِذَا سَجَدَ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ قَال: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ وَيَسْجُدُ الرَّجُل عَلَى عِمَامَتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى وُجُوبِ كَشْفِ الْجَبْهَةِ وَمُبَاشَرَتِهَا بِالْمُصَلَّى وَعَدَمِ جَوَازِ السُّجُودِ عَلَى كُمِّهِ وَذَيْلِهِ وَيَدِهِ وَكَوْرِ عِمَامَتِهِ

стр. 14840

أَوْ قَلَنْسُوَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ وَيَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَْرْضِ الْحَدِيثُ، وَلِمَا رُوِيَ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَْرَتِّ ﵁ قَال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا أَشْكَانَا. الطُّمَأْنِينَةُ فِي السُّجُودِ: ٨ - الطُّمَأْنِينَةُ فِي السُّجُودِ هِيَ أَنْ يَسْتَقِرَّ كُل عُضْوٍ فِي مَكَانِهِ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِزَمَنِ مَنْ يَقُول فِيهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى " مَرَّةً وَاحِدَةً وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَهْوِيَ لِلسُّجُودِ مُكَبِّرًا. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى فَرْضِيَّةِ الطُّمَأْنِينَةِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَهِيَ لَيْسَتْ فَرْضًا بَل وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (صَلاَةٍ) وَفِي (طُمَأْنِينَةٍ) .

стр. 14841

التَّكْبِيرُ لِلسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحُ فِيهِ: ٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ وَالتَّسْبِيحَ وَسَائِرَ الأَْذْكَارِ وَالأَْدْعِيَةَ الْوَارِدَةَ فِي السُّجُودِ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، فَلَوْ تَرَكَهَا الْمُصَلِّي عَمْدًا لَمْ يَأْثَمْ وَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، وَلَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهَا عَمْدًا لِحَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلاَتِهِ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَمَا عَلَّمَهُ فُرُوضَ الصَّلاَةِ لَمْ يُعَلِّمْهُ هَذِهِ الأَْذْكَارَ، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَعَلَّمَهُ إِيَّاهَا، وَتُحْمَل الأَْحَادِيثُ الْوَارِدَةُ بِهَذِهِ الأَْذْكَارِ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَإِسْحَاقُ إِلَى وُجُوبِ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ فِي السُّجُودِ فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ تَرَكَ نِسْيَانًا لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ بَل يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ. وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ، وَقَال ﷺ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ قَال: لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ - إِلَى أَنْ قَال -: ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ

стр. 14842

وَقَدْ جَرَى خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي زِيَادَةِ لَفْظِ " وَبِحَمْدِهِ " بَعْدَ قَوْلِهِ: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى "، وَهَل قَوْل: " سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَْعْلَى " هُوَ الْمُتَعَيَّنُ أَمْ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَخْتَارَ مَا شَاءَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّسْبِيحِ؟ وَهَل مِنَ الْمُسْتَحَبِّ أَنْ يُكَرِّرَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ اعْتِبَارِ حَال الْمُصَلِّي إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا، أَوْ إِمَامًا، أَوْ مَأْمُومًا؟ وَيُنْظَرُ مِثْل هَذِهِ التَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: " رُكُوعٍ " حَيْثُ إِنَّ التَّكْبِيرَ وَالتَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حُكْمُهَا وَاحِدٌ لاَ يَخْتَلِفُ. قَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول فِي سُجُودِهِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ: " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ "، كَمَا يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِيهِ. وَمِنْ بَيْنِ الأَْدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ ". قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي السُّجُودِ: ١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي السُّجُودِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ قَال: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَأَنَا رَاكِعٌ

стр. 14843

أَوْ سَاجِدٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ. فَإِنْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ فِي السُّجُودِ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَبْطُل كَذَلِكَ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَبْطُل؛ لأَِنَّهُ نَقَل رُكْنًا إِلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَمَا لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. وَسُجُودُ التِّلاَوَةِ، وَسُجُودُ السَّهْوِ، وَسُجُودُ الشُّكْرِ تَفَاصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا. ثَانِيًا: السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ: ١١ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّمْسِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كُفْرٌ يَخْرُجُ السَّاجِدُ بِهِ عَنِ الْمِلَّةِ إِذَا كَانَ عَاقِلاً بَالِغًا مُخْتَارًا،

стр. 14844

سَوَاءٌ كَانَ عَامِدًا أَوْ هَازِلاً. وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّمْسِ عَلَى سَبِيل التَّعْظِيمِ وَاعْتِقَادِ الأُْلُوهِيَّةِ، بَل سَجَدَ لَهَا وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفَّارِ فِي الظَّاهِرِ، وَلاَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى عَدَمِ دَلاَلَةِ الْفِعْل عَلَى الاِسْتِخْفَافِ، كَسُجُودِ أَسِيرٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَضْرَةِ كَافِرٍ خَشْيَةً مِنْهُ فَلاَ يَكْفُرُ. ١٢ - كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ صَنَمٍ وَنَحْوِهِ، كَأَحَدِ الْجَبَابِرَةِ أَوِ الْمُلُوكِ أَوْ أَيِّ مَخْلُوقٍ آخَرَ هُوَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَكَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، فَإِنْ أَرَادَ السَّاجِدُ بِسُجُودِهِ عِبَادَةَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ كَفَرَ وَخَرَجَ عَنِ الْمِلَّةِ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا عِبَادَةً فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَكْفُرُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ لَهُ إِرَادَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ، وَقَال آخَرُونَ مِنْهُمْ: إِذَا أَرَادَ بِهَا التَّحِيَّةَ لَمْ يَكْفُرْ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ كَفَرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ.

стр. 14845

سُجُودُ التِّلاَوَةِ . التَّعْرِيفُ: ١ - السُّجُودُ لُغَةً: مَصْدَرُ سَجَدَ، وَأَصْل السُّجُودِ التَّطَامُنُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّل. وَالسُّجُودُ فِي الاِصْطِلاَحِ: وَضْعُ الْجَبْهَةِ أَوْ بَعْضِهَا عَلَى الأَْرْضِ أَوْ مَا اتَّصَل بِهَا مِنْ ثَابِتٍ مُسْتَقِرٍّ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَالتِّلاَوَةُ: مَصْدَرُ تَلاَ يَتْلُو، يُقَال: تَلَوْتُ الْقُرْآنَ تِلاَوَةً إِذَا قَرَأْتُهُ، وَعَمَّ بَعْضُهُمْ بِهِ كُل كَلاَمٍ. وَسُجُودُ التِّلاَوَةِ: هُوَ الَّذِي سَبَبُ وُجُوبِهِ - أَوْ نَدْبِهِ - تِلاَوَةُ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ السُّجُودِ.
следующие страницы →