← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 15121–15160 · переход к 15126.

стр. 15121

النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُبْعَثَ سَرِيَّةٌ دُونَ ثَلاَثَةِ نَفَرٍ (١) . فَتَأْوِيلُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الإِْشْفَاقِ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا فِي الدِّينِ، أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانَ أَنَّ الأَْفْضَل: أَلاَّ يَخْرُجَ أَقَل مِنْ ثَلاَثَةٍ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ أَدَاءِ الصَّلاَةِ بِالْجَمَاعَةِ عَلَى هَيْئَاتِهَا بِأَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ، وَيَصْطَفَّ الاِثْنَانِ خَلْفَهُ. وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَعْثِ السَّرَايَا الْقِتَال فَقَطْ، بَل تَارَةً يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ تَتَحَسَّسَ خَبَرَ الأَْعْدَاءِ فَتَأْتِيَهُ بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ فِي السِّرِّ، وَتَمَكُّنُ الْوَاحِدِ مِنَ الدُّخُول بَيْنَهُمْ لِتَحْصِيل هَذَا الْمَقْصُودِ أَظْهَرُ مِنْ تَمَكُّنِ الثَّلاَثَةِ. وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُهُمَا بِالْخَبَرِ، وَيَمْكُثَ الآْخَرُ بَيْنَ الأَْعْدَاءِ لِيَقِفَ عَلَى مَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ مِنَ الرَّأْيِ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَاحِدِ عَنْهُمْ، وَهُنَا يَتِمُّ الْغَرَضُ بِالْمُثَنَّى. وَقَدْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ الْقِتَال، أَوِ التَّوَصُّل إِلَى قَتْل الْمُبَارِزِينَ مِنْهُمْ غِيلَةً، فَيَحْصُل هَذَا الْمَقْصُودُ بِالثَّلاَثَةِ فَصَاعِدًا، لِهَذَا كَانَ الرَّأْيُ فِي تَحْدِيدِ السَّرِيَّةِ إِلَى الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ يُنْظَرُ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ (٢) .

стр. 15122

خُرُوجُ السَّرِيَّةِ: ٥ - يَحْرُمُ خُرُوجُ سَرِيَّةٍ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّهُ أَعْرَفُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَالْحَاجَةُ الدَّاعِيَةُ إِلَى خُرُوجِهَا، إِذَا كَانَتْ أَفْرَادًا مِنْ أَهْل الدِّيوَانِ، لأَِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الأُْجَرَاءِ لِغَرَضٍ مُهِمٍّ يُرْسِل إِلَيْهِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُمُ الاِسْتِقْلاَل بِأَمْرِ الْخُرُوجِ، أَمَّا إِذَا كَانُوا مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ الَّذِينَ إِذَا نَشِطُوا غَزَوْا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْل الدِّيوَانِ فَيُكْرَهُ خُرُوجُهُمْ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ (١) . وَيَنْبَغِي لِلإِْمَامِ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ. قَال السَّرَخْسِيُّ: وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا اقْتِدَاءً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ دَاوَمَ بَعْثَ السَّرَايَا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فِي كُل مَرَّةٍ، وَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَفَعَلَهُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ، وَلأَِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى اجْتِمَاعِ الرَّأْيِ وَالْكَلِمَةِ. وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ إِلاَّ إِذَا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ بَعْضَهُمْ، فَيُطِيعُونَهُ، فَالطَّاعَةُ فِي الْحَرْبِ أَنْفَعُ مِنْ بَعْضِ الْقِتَال. ثُمَّ اسْتَدَل مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةُ مُسْلِمِينَ فِي سَفَرٍ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَهُمْ (٢) . وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ لأَِنَّهُ أَفْضَلُهُمْ، ثُمَّ

стр. 15123

قَال: إِذَا أَمَّهُمْ فَهُوَ أَمِيرُهُمْ، فَذَلِكَ أَمِيرٌ أَمَّرَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ . (١) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّأْمِيرَ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ (٢) . وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ بَصِيرًا بِأَمْرِ الْحَرْبِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، لَيْسَ مِمَّنْ يُقْحِمُهُمْ فِي الْمَهَالِكِ، وَلاَ مِمَّنْ يُفَوِّتُ عَلَيْهِمُ الْفُرْصَةَ إِذَا رَأَوْهَا، وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِدِينِهِ، مُجْتَهِدًا فِي الأَْحْكَامِ الدِّينِيَّةِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ ثُمَّ طَاعَةِ الأَْمِيرِ وَيُوصِيهِ بِهِمْ، وَيَأْخُذُ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْجِهَادِ، وَعَدَمِ الْفِرَارِ. وَيُسْتَحَبُّ خُرُوجُهُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَأَوَّل النَّهَارِ (٣) . لِقَوْلِهِ ﷺ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُِمَّتِي فِي بُكُورِهَا (٤) . مَا تَغْنَمُهُ السَّرِيَّةُ: ٦ - إِذَا بَعَثَ الإِْمَامُ سَرِيَّةً مِنَ الْجَيْشِ وَهُوَ مِنْ

стр. 15124

أَرْضِ الْعَدُوِّ فَغَنِمَتْ شَارَكَهُمْ جَيْشُ الإِْمَامِ فِيمَا غَنِمَتْ، وَإِنْ غَنِمَ الْجَيْشُ فِي غَيْبَةِ السَّرِيَّةِ شَارَكَتْهُ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : لَمَّا غَزَا هَوَازِنَ بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ الْجَيْشِ قِبَل أَوْطَاسٍ فَغَنِمَتِ السَّرِيَّةُ فَأَشْرَكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجَيْشِ (١) . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَيَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعْدَتِهِمْ (٢) (مَنْ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَ السَّرِيَّةِ) وَفِي تَنْفِيل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْبُدَاءَةِ بِالرُّبُعِ، وَفِي الرَّجْعَةِ بِالثُّلُثِ (٣) دَلِيلٌ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُمْ لَوِ اخْتَصُّوا بِمَا غَنِمُوهُ لَمَا كَانَ ثُلُثُهُ نَفْلاً. وَلأَِنَّهُمْ جَيْشٌ وَاحِدٌ، وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ رِدْءٌ لِلآْخَرِ فَيَشْتَرِكُونَ كَمَا لَوْ غَنِمَ أَحَدُ جَانِبَيِ الْجَيْشِ. وَإِنْ بَعَثَ سَرِيَّةً إِلَى دَارِ الْحَرْبِ وَهُوَ بِبَلْدَةٍ فَغَنِمَتْ لَمْ يُشَارِكْهَا الإِْمَامُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ

стр. 15125

وَإِنْ كَانَتْ دَارُ الْحَرْبِ قَرِيبَةً، حَتَّى لَوْ بَعَثَ سَرِيَّةً وَقَصَدَ الْخُرُوجَ وَرَاءَهَا فَغَنِمَتْ قَبْل خُرُوجِهِ لَمْ يُشَارِكْهَا وَإِنْ قَرُبَتْ دَارُ الْحَرْبِ؛ لأَِنَّ الْغَنِيمَةَ لِلْمُجَاهِدِينَ، وَهُمْ قَبْل الْخُرُوجِ لَيْسُوا مُجَاهِدِينَ. وَإِنْ بَعَثَ سَرِيَّتَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لَمْ تُشَارِكْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى فِيمَا غَنِمَتْ. وَإِنْ أَوْغَلَتَا فِي بِلاَدِ الْعَدُوِّ وَالْتَقَتَا فِي مَوْضِعٍ اشْتَرَكَتَا فِيمَا غَنِمَتَا بَعْدَ الاِجْتِمَاعِ. وَإِنْ بَعَثَهُمَا إِلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَ أَمِيرُهُمَا وَاحِدًا، أَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا قَرِيبَةً مِنَ الأُْخْرَى اشْتَرَكَتَا فِي الْغَنِيمَةِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي (غَنِيمَةٍ) . التَّنْفِيل لِلسَّرِيَّةِ: ٧ - يَجُوزُ لِلإِْمَامِ إِذَا دَخَل دَارَ الْحَرْبِ غَازِيًا وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّةً تُغِيرُ عَلَى الْعَدُوِّ أَنْ يَجْعَل لَهُمُ الرُّبْعَ بَعْدَ الْخُمُسِ تَنْفِيلاً. فَيَخْرُجُ الْخُمُسُ ثُمَّ يُعْطِي السَّرِيَّةَ مَا جُعِل لَهُمْ وَهُوَ رُبُعُ الْبَاقِي، ثُمَّ يُقْسِمُ مَا بَقِيَ فِي الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ مَعَهُ. وَإِنْ بَعَثَ سَرِيَّةً بَعْدَ قُفُولِهِ جَعَل

стр. 15126

لَهُمُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، فَمَا قَدِمَتْ بِهِ السَّرِيَّةُ أَخْرَجَ خُمُسَهُ ثُمَّ أَعْطَى السَّرِيَّةَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ، ثُمَّ قَسَّمَ سَائِرَهُ عَلَى الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةُ مَعَهُ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَنْفِيل) .

стр. 15127

سِعَايَة التَّعْرِيفُ: ١ - السِّعَايَةُ فِي الأَْصْل مِنَ السَّعْيِ، وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي كُل عَمَلٍ، خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا، وَفِي التَّنْزِيل: ﴿لِتُجْزَى كُل نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (١) ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (٢) . فَيُقَال: سَعَى عَلَى الصَّدَقَةِ سَعْيًا وَسِعَايَةً: عَمِل فِي أَخْذِهَا، وَسَعَى الْعَبْدُ فِي فَكِّ رَقَبَتِهِ سِعَايَةً. وَسَعَى بِهِ سِعَايَةً إِلَى الْوَالِي: وَشَى (٣) . وَمَعْنَاهَا الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

стр. 15128

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْعِتْقُ: ٢ - الْعِتْقُ فِي الاِصْطِلاَحِ إِزَالَةُ الرِّقِّ عَنْ الآْدَمِيِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ، بَل تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَوَجْهُ الصِّلَةِ أَنَّ السِّعَايَةَ مِنَ الْوَسَائِل الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الْعِتْقِ. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسِّعَايَةِ: السِّعَايَةُ إِلَى الْوَالِي: ٣ - السِّعَايَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِحَقٍّ أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَالسِّعَايَةُ بِحَقٍّ كَمَنْ يَسْعَى إِلَى السُّلْطَانِ بِمَنْ يُؤْذِيهِ، وَالْحَال أَنَّهُ لاَ يُدْفَعُ بِلاَ رَفْعٍ إِلَى السُّلْطَانِ، أَوْ سَعَى بِمَنْ يُبَاشِرُ الْفِسْقَ وَلاَ يَمْتَنِعُ بِنَهْيِهِ، فَهَذَا لاَ شَيْءَ فِيهِ وَلَوْ غَرَّمَ السُّلْطَانُ الْمَسْعِيَّ بِهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى السَّاعِي. وَأَمَّا السِّعَايَةُ بِالنَّاسِ إِلَى الْوَالِي بِغَيْرِ حَقٍّ أَيِ الْوِشَايَةُ بِهِمْ فَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُفَسِّقَةِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا شَهَادَةُ صَاحِبِهَا، وَلاَ تُقْبَل عِنْدَ الْقَاضِي، وَيُعَزَّرُ السَّاعِي بِهَا زَجْرًا لَهُ وَدَفْعًا لِلْفَسَادِ، وَإِذَا غَرَّمَهُ السُّلْطَانُ شَيْئًا ضَمِنَ السَّاعِي (١) .

стр. 15129

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (ضَمَان) . السِّعَايَةُ فِي أَخْذِ الصَّدَقَةِ: ٤ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ بَعْثُ السُّعَاةِ لأَِخْذِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا وَهُمُ الْعَامِلُونَ عَلَى الزَّكَاةِ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ؛ وَلِمَا فِي ذَلِكَ السَّعْيِ مِنْ إِيصَال الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا؛ وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لاَ يَعْرِفُونَ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ السَّاعِي عَدْلاً فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ يَعْرِفُ مَا يَأْخُذُهُ وَمَنْ يَدْفَعُ إِلَيْهِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاة) . السِّعَايَةُ فِي الْعِتْقِ: ٥ - وَهُوَ: أَنْ يَعْتِقَ بَعْضُ عَبْدٍ، وَيَبْقَى بَعْضُهُ الآْخَرُ فِي الرِّقِّ، فَيَعْمَل الْعَبْدُ وَيَكْسِبَ، وَيَصْرِفَ ثَمَنَ كَسْبِهِ إِلَى مَوْلاَهُ فَسُمِّيَ كَسْبُهُ لِهَذَا الْغَرَضِ سِعَايَةً. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ السِّعَايَةِ: فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا أَعْتَقَ بَعْضَ مَمْلُوكِهِ فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ غَيْرَ مُشْتَرَكٍ عَتَقَ

стр. 15130

الْبَعْضُ الْمُعْتَقِ، ثُمَّ يَسْرِي إِلَى بَاقِيهِ وَلَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ، عَتَقَ نَصِيبُهُ ثُمَّ سَرَى الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ، وَعَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ قِيمَةُ مَا أَعْتَقَ مِنْ نَصِيبِهِ يَوْمَ الإِْعْتَاقِ. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَقِيَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ فِي الرِّقِّ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَبْدِ سِعَايَةٌ، وَلاَ لِلشَّرِيكِ اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ (١) . وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ فِي مَالِهِ (٢) وَخَبَرِ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ (٣) وَخَبَرِ: إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ

стр. 15131

أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ ثُمَّ يَعْتِقُ (١) . وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ: كُلٌّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ يُبْطِل الاِسْتِسْعَاءَ فِي كُل حَالٍ، وَيَتَّفِقَانِ فِي ثَلاَثَةِ مَعَانٍ: (١) إِبْطَال الاِسْتِسْعَاءِ. (٢) ثُبُوتُ الرِّقِّ فِي حَال عُسْرِ الْمُعْتِقِ. (٣) نَفَاذُ الْعِتْقُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا (٢) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ السِّعَايَةَ ثَابِتَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَاسْتَدَلُّوا لِثُبُوتِهَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلاَصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ (٣) . وَقَالُوا: فَقَدْ دَل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ السِّعَايَةَ ثَابِتَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَضَمَانُ السِّعَايَةِ لَيْسَ ضَمَانَ إِتْلاَفٍ، وَلاَ ضَمَانَ فِي تَمَلُّكٍ بَل

стр. 15132

ضَمَانُ احْتِبَاسٍ، وَضَمَانُ سَلاَمَةِ النَّفْسِ وَالرَّقَبَةِ حُصُول الْمَنْفَعَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِيمَنْ يَحِقُّ لَهُ خِيَارُ الاِسْتِسْعَاءِ، وَمَتَى؟ . فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَثْبُتُ حَقُّ خِيَارِ الاِسْتِسْعَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ مَمْلُوكِهِ أَوْ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. فَإِنْ أَعْتَقَ بَعْضَ مَمْلُوكِهِ صَحَّ، وَيَسْعَى فِيمَا بَقِيَ وَإِنْ شَاءَ حَرَّرَهُ. وَقَال الصَّاحِبَانِ: عَتَقَ كُلُّهُ. وَإِنْ أَعْتَقَ شَرِيكٌ نَصِيبَهُ، فَلِشَرِيكِهِ خِيَارَاتٌ ثَلاَثَةٌ: أَنْ يُحَرِّرَ نَصِيبَهُ أَيْضًا، أَوْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ الأَْوَّل وَيَرْجِعَ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ، أَوْ أَنْ يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ، وَالاِسْتِسْعَاءُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ حَتَّى يَأْخُذَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لأَِنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ إِتْلاَفًا لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ، بَل بَقِيَ مُحْتَبِسًا عِنْدَ الْعَبْدِ بِحَقِّهِ بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِخْلاَصُهُ مِنْهُ، وَهُوَ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَهَذَا لاَ يَقْتَضِي الْفَصْل بَيْنَ الْيَسَارِ وَالإِْعْسَارِ فَيَثْبُتُ خِيَارُ السِّعَايَةِ فِي الْحَالَتَيْنِ.

стр. 15133

وَقَال صَاحِبَاهُ: لاَ يَثْبُتُ الاِسْتِسْعَاءُ إِلاَّ فِي حَالَةِ إِعْسَارِ الشَّرِيكِ الْمُعْتِقِ نَصِيبَهُ. أَمَّا إِنْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ مَمْلُوكِهِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فِي مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَلاَ سِعَايَةَ؛ لأَِنَّ الإِْعْتَاقَ لاَ يَتَجَزَّأُ فَكَانَ الْمُعْتِقُ مُتْلِفًا نَصِيبَ شَرِيكِهِ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ يَمْنَعُ السِّعَايَةَ، وَكَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَلاَّ تَجِبَ السِّعَايَةُ حَال الإِْعْسَارِ أَيْضًا، وَأَلاَّ يَكُونَ الْوَاجِبُ إِلاَّ الضَّمَانَ فِي الْحَالَيْنِ؛ لأَِنَّ ضَمَانَ الْمُتْلَفَاتِ لاَ يَخْتَلِفُ بِالإِْعْسَارِ وَالْيَسَارِ، وَلَكِنْ عُدِل عَنْهَا لِلنَّصِّ، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي حَال الإِْعْسَارِ. قَالُوا: وَلاَ يَجُوزُ فِي الْعَبْدِ الْمُسْتَسْعَى التَّصَرُّفَاتُ النَّاقِلَةُ لِلْمِلْكِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَلاَ يُورَثُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ أَوْ الإِْعْتَاقِ، وَلاَ يَعُودُ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ مُطْلَقًا وَإِنْ عَجَزَ (١) .

стр. 15134

سِعْر التَّعْرِيفُ: ١ - السِّعْرُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الَّذِي يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، وَجَمْعُهُ أَسْعَارٌ، وَقَدْ أَسْعَرُوا وَسَعَّرُوا: اتَّفَقُوا عَلَى سِعْرٍ. يُقَال: شَيْءٌ لَهُ سِعْرٌ: إِذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَلَيْسَ لَهُ سِعْرٌ: إِذَا أَفْرَطَ رُخْصُهُ (١) . وَسِعْرُ السُّوقِ: مَا يُمْكِنُ أَنْ تُشْتَرَى بِهَا الْوَحْدَةُ أَوْ مَا شَابَهَهَا فِي وَقْتٍ مَا (٢) . وَالتَّسْعِيرُ: تَقْدِيرُ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِلنَّاسِ سِعْرًا، وَإِجْبَارُهُمْ عَلَى التَّبَايُعِ بِمَا قَدَّرَهُ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَسْعِير) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٣) .

стр. 15135

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الثَّمَنُ: ٢ - الثَّمَنُ لُغَةً: مَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الشَّيْءُ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ مَا يَكُونُ بَدَلاً لِلْمَبِيعِ وَيَتَعَيَّنُ فِي الذِّمَّةِ. ر: مُصْطَلَحَ (ثَمَن) . وَتَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ (ثَمَن) أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالسِّعْرِ: أَنَّ السِّعْرَ هُوَ مَا يَطْلُبُهُ الْبَائِعُ. أَمَّا الثَّمَنُ فَهُوَ مَا يَتَرَاضَى عَلَيْهِ الْعَاقِدَانِ. ب - الْقِيمَةُ ٣ - الْقِيمَةُ لُغَةً: الثَّمَنُ الَّذِي يُقَوَّمُ بِهِ الْمَتَاعُ؛ أَيْ: يَقُومُ مَقَامَهُ، وَالْجَمْعُ: الْقِيَمُ (١) . وَاصْطِلاَحًا: هِيَ الثَّمَنُ الْحَقِيقِيُّ لِلشَّيْءِ (٢) . وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السِّعْرِ: أَنَّ السِّعْرَ مَا يَطْلُبُهُ الْبَائِعُ ثَمَنًا لِسِلْعَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُسَاوِيًا لِلثَّمَنِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ أَوْ أَقَل.

стр. 15136

أَحْكَامُ السِّعْرِ: الْبَيْعُ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - كَمَا قَال الْمِرْدَاوِيُّ - وَعَلَيْهِ الأَْصْحَابُ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ بِسِعْرِ السُّوقِ الْيَوْمَ أَوْ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ لاَ يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ، كَأَنْ يَقُول: بِعْتُكَ بِمَا يَظْهَرُ مِنَ السِّعْرِ بَيْنَ النَّاسِ الْيَوْمَ. ثُمَّ قَال الْمِرْدَاوِيُّ: وَعَنْ أَحْمَدَ يَصِحُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَقَال: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ الثَّمَنِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَصُورَتُهَا: الْبَيْعُ مِمَّنْ يُعَامِلُهُ مِنْ خَبَّازٍ أَوْ لَحَّامٍ أَوْ سَمَّانٍ أَوْ غَيْرِهِمْ. يَأْخُذُ مِنْهُ كُل يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، ثُمَّ يُحَاسِبُهُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ عَلَى الْجَمِيعِ وَيُعْطِيهِ ثَمَنَهُ، فَمَنَعَهُ الأَْكْثَرُونَ وَجَعَلُوا الْقَبْضَ بِهِ غَيْرَ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ قَبْضٌ فَاسِدٌ يَجْرِي مَجْرَى الْمَقْبُوضِ بِالْغَصْبِ؛ لأَِنَّهُ مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. وَالْقَوْل الثَّانِي: جَوَازُ الْبَيْعِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ السِّعْرُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُول: هُوَ أَطْيَبُ لِقَلْبِ الْمُشْتَرَى مِنَ الْمُسَاوَمَةِ، يَقُول: لِي أُسْوَةٌ بِالنَّاسِ آخُذُ بِمَا يَأْخُذُ بِهِ غَيْرِي. قَال: وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى صِحَّةِ

стр. 15137

النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْل، وَأَكْثَرُهُمْ يُجَوِّزُونَ عَقْدَ الإِْجَارَةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْل، كَالْغَسَّال وَالْخَبَّازِ وَالْمَلاَّحِ وَقَيِّمِ الْحَمَّامِ وَالْمُكَارِي، وَالْبَيْعَ بِثَمَنِ الْمِثْل كَبَيْعِ مَاءِ الْحَمَّامِ. فَغَايَةُ الْبَيْعِ بِالسِّعْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بِثَمَنِ الْمِثْل فَيَجُوزُ. قَال: وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ وَهُوَ عَمَل النَّاسِ فِي كُل عَصْرٍ وَمِصْرٍ (١) . وَرَاجِعْ مُصْطَلَحَ (بَيْع الاِسْتِجْرَارِ) . زِيَادَةُ السِّعْرِ بَعْدَ إِخْبَارِ الرُّكْبَانِ بِهِ: ٥ - لَوِ اشْتَرَى شَخْصٌ مِنَ الرُّكْبَانِ بِغَيْرِ طَلَبِهِمْ مَتَاعًا قَبْل قُدُومِهِمْ الْبَلَدَ وَمَعْرِفَتِهِمُ السِّعْرَ بِأَقَل مِنْ سِعْرِ الْبَلَدِ، فَإِنَّهُمْ يُخَيَّرُونَ فَوْرًا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ لِلْغَبْنِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ - أَيْ صَاحِبُهُ - السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ (٢) . ر: مُصْطَلَحَ (بَيْع مَنْهِيّ عَنْهُ ف ١٣٠ وَمَا بَعْدَهَا) . الإِْخْبَارُ بِالسِّعْرِ: ٦ - قَال فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: يَجِبُ عَلَى

стр. 15138

عَارِفٍ بِالسِّعْرِ إِخْبَارُ مُسْتَخْبِرٍ جَاهِلٍ بِهِ عَنْ سِعْرٍ جَهِلَهُ؛ لِوُجُوبِ نُصْحِ الْمُسْتَنْصِحِ (١) ، لِحَدِيثِ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ (٢) . نَقْصُ سِعْرِ الْمَغْصُوبِ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ نَقْصِ قِيمَةِ الْعَيْنِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأَْسْعَارِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ؛ لأَِنَّهُ يَضْمَنُ النَّقْصَ إِذَا تَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ. فَكَذَلِكَ يَضْمَنُهُ إِذَا رَدَّ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ بَعْدَمَا نَقَصَ سِعْرُهَا (٣) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (غَصْب) . أَثَرُ غَلاَءِ الأَْسْعَارِ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ: ٨ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَتِ النَّفَقَةُ لِلزَّوْجَةِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ وَحَالِهَا ثُمَّ غَلاَ السِّعْرُ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِأَنْ يَزِيدَ فِي الْفَرْضِ، وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُنْقِصَ النَّفَقَةَ إِذَا رَخُصَتِ الأَْسْعَارُ (٤) .

стр. 15139

نُقْصَانُ سِعْرِ الْمَسْرُوقِ: ٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ، إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ بِقِيمَةِ الْمَسْرُوقِ حِينَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، وَبُلُوغِهِ نِصَابًا، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قَال الْحَصْكَفِيُّ: تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ السَّرِقَةِ وَوَقْتَ الْقَطْعِ وَمَكَانَهُ، بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ لَهُمَا مَعْرِفَةٌ بِالْقِيمَةِ، وَلاَ قَطْعَ عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْمُقَوِّمِينَ. وَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ نُقْصَانَ السِّعْرِ يُورِثُ شُبْهَةَ نُقْصَانٍ فِي الْمَسْرُوقِ وَقْتَ السَّرِقَةِ، لأَِنَّ الْعَيْنَ بِحَالِهَا قَائِمَةٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَتَغَيُّرُ السِّعْرِ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ عَلَى السَّارِقِ أَصْلاً، فَيُجْعَل النُّقْصَانُ الطَّارِئُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ السَّرِقَةِ (١) . الْبَيْعُ بِالسِّعْرِ الْمَكْتُوبِ عَلَى السِّلْعَةِ: ١٠ - ذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى مَنْعِ الْبَيْعِ بِالسِّعْرِ الْمَكْتُوبِ عَلَى السِّلْعَةِ إِذَا جَهِلَهُ الْعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا. وَأَجَازَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (رَقْم) .

стр. 15140

سَعْيٌ التَّعْرِيفُ: ١ - السَّعْيُ لُغَةً: مِنْ سَعَى يَسْعَى سَعْيًا؛ أَيْ: قَصَدَ أَوْ عَمِل أَوْ مَشَى أَوْ عَدَا (١) ، وَيُسْتَعْمَل كَثِيرًا فِي الْمَشْيِ. وَوَرَدَتِ الْمَادَّةُ فِي الْقُرْآنِ بِمَا يُفِيدُ مَعْنَى الْجِدِّ فِي الْمَشْيِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) . ٢ - وَالسَّعْيُ فِي الاِصْطِلاَحِ: قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ذَهَابًا وَإِيَابًا بَعْدَ طَوَافٍ فِي نُسُكِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الطَّوَافُ: ٣ - الطَّوَافُ هُوَ الدَّوَرَانُ حَوْل الْكَعْبَةِ عَلَى

стр. 15141

الصِّفَةِ الْمَعْرُوفَةِ. وَاسْتُعْمِل أَيْضًا بِمَعْنَى السَّعْيِ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١) . أَيْ: يَسْعَى. وَفِي الأَْحَادِيثِ كَحَدِيثِ جَابِرٍ: حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ (٢) أَيْ: آخِرُ سَعْيِ النَّبِيِّ ﷺ . وَتَقَدُّمُ الطَّوَافِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ السَّعْيِ. أَصْل السَّعْيِ: ٤ - الأَْصْل فِي مَشْرُوعِيَّةِ السَّعْيِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآْيَةَ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَعَى فِي حَجِّهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَال: اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ (٣) . وَقَدْ وَضَعَتِ الشَّرِيعَةُ السَّعْيَ عَلَى مِثَال

стр. 15142

سَعْيِ السَّيِّدَةِ هَاجَرَ عِنْدَمَا سَعَتْ بَيْنَهُمَا سَبْعَ مَرَّاتٍ لِطَلَبِ الْمَاءِ لاِبْنِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَفِي آخِرِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: قَال النَّبِيُّ ﷺ : فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا (١) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، لاَ يَصِحَّانِ بِدُونِهِ. وَهُوَ قَوْل عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ فِيهِمَا، فَمَنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ، وَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ لاَ يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ سِيرِينَ (٢) .

стр. 15143

وَسَبَبُ الْخِلاَفِ أَنَّ الآْيَةَ الْكَرِيمَةَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. . .﴾ لَمْ تُصَرِّحْ بِحُكْمِ السَّعْيِ، فَآل الْحُكْمُ إِلَى الاِسْتِدْلاَل بِالسُّنَّةِ وَبِحَدِيثِ: اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمِ السَّعْيَ (١) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁ قَال: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ فَقَال: بِمَا أَهْلَلْتَ؟ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ بِإِهْلاَل النَّبِيِّ ﷺ . قَال: هَل سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لاَ. قَال: فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حِل (٢) . فَاسْتَدَل بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ؛ لأَِنَّ " كَتَبَ " بِمَعْنَى فَرَضَ؛ وَلأَِنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَبَا مُوسَى بِالسَّعْيِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحِل فَيَكُونُ فَرْضًا. وَاسْتَدَل بِهِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لأَِنَّهُ كَمَا قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: " مِثْلُهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى إفَادَةِ

стр. 15144

الْوُجُوبِ، وَقَدْ قُلْنَا بِهِ. أَمَّا الرُّكْنُ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ. فَإِثْبَاتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ (١) ". يَعْنِي بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَصْلُحُ لإِِثْبَاتِ الرُّكْنِيَّةِ. وَاسْتَدَل لِلْقَوْل بِالسُّنِّيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٢) . وَنَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، فَإِنَّ هَذَا رُتْبَةُ الْمُبَاحِ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ سُنِّيَّتُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) . صِفَةُ السَّعْيِ: ٦ - بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَاجِّ أَوِ الْمُعْتَمِرِ مِنَ الطَّوَافِ يَتَوَجَّهُ إِلَى الصَّفَا لِيَبْدَأَ السَّعْيَ مِنْهَا، فَيَرْقَى عَلَى الصَّفَا، وَيَسْتَقْبِل الْكَعْبَةَ الْمُشَرَّفَةَ، وَيُوَحِّدُ اللَّهَ وَيُكَبِّرُهُ، وَيَأْتِي بِالذِّكْرِ الْوَارِدِ، ثُمَّ يَسِيرُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَرْوَةِ، فَإِذَا حَاذَى الْمِيلَيْنِ (الْعَمُودَيْنِ) الأَْخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي جِدَارِ الْمَسْعَى اشْتَدَّ وَأَسْرَعَ مَا اسْتَطَاعَ، وَهَكَذَا إِلَى الْعَمُودَيْنِ التَّالِيَيْنِ الأَْخْضَرَيْنِ، ثُمَّ يَمْشِي الْمَشْيَ الْمُعْتَادَ حَتَّى يَصِل إِلَى الْمَرْوَةِ فَيَصْعَدَ عَلَيْهَا. وَيُوَحِّدُ وَيُكَبِّرُ كَمَا فَعَل عَلَى الصَّفَا، وَهَذَا شَوْطٌ وَاحِدٌ.

стр. 15145

ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الشَّوْطِ الثَّانِي فَيَتَوَجَّهُ مِنَ الْمَرْوَةِ إِلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا حَاذَى الْعَمُودَيْنِ الأَْخْضَرَيْنِ اشْتَدَّ وَأَسْرَعَ كَثِيرًا حَتَّى يَصِل إِلَى الْعَمُودَيْنِ التَّالِيَيْنِ، ثُمَّ يَمْشِي الْمَشْيَ الْمُعْتَادَ إِلَى أَنْ يَصِل إِلَى الصَّفَا فَيَرْقَى عَلَيْهَا، وَيَسْتَقْبِل الْكَعْبَةَ، وَيُوَحِّدَ اللَّهَ وَيُكَبِّرَهُ، وَيَدْعُوَ كَمَا فَعَل أَوَّلاً، وَهَذَا شَوْطٌ ثَانٍ، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى الْمَرْوَةِ وَهَكَذَا حَتَّى يَعُدَّ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ يَنْتَهِي آخِرُهَا عِنْدَ الْمَرْوَةِ. فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَقَطْ أَوْ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَقَدْ قَضَى عُمْرَتَهُ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَيَتَحَلَّل التَّحَلُّل الْكَامِل. وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا لِلْحَجِّ أَوْ قَارِنًا فَلاَ يَحْلِقُ وَلاَ يُقَصِّرُ، بَل يَظَل مُحْرِمًا حَتَّى يَتَحَلَّل بِأَعْمَال يَوْمِ النَّحْرِ. (ر: إِحْرَام ف: ١٢٣ - ١٢٦ وَحَجّ ف ٨٢) . رُكْنُ السَّعْيِ: ٧ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، قَالُوا: إِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي لاَ يَتَحَقَّقُ السَّعْيُ بِدُونِهِ: سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ يَقْطَعُهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَلإِِجْمَاعِ الأُْمَّةِ سَلَفًا فَخَلَفًا عَلَى السَّعْيِ كَذَلِكَ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَكْفِي لإِِسْقَاطِ الْوَاجِبِ أَرْبَعَةُ أَشْوَاطٍ؛ لأَِنَّهَا أَكْثَرُ السَّعْيِ، وَلِلأَْكْثَرِ

стр. 15146

حُكْمُ الْكُل، فَلَوْ سَعَى أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ، أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لأَِدَاءِ مَا نَقَصَ وَلَوْ كَانَ خُطْوَةً، وَلاَ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ إِلاَّ بِذَلِكَ. وَيَحْصُل الرُّكْنُ بِكَوْنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الأَْشْوَاطِ الْمَفْرُوضَةِ، سَوَاءٌ كَانَ بِفِعْل نَفْسِهِ أَوْ بِفِعْل غَيْرِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الرُّقِيُّ عَلَيْهِمَا بَل يَكْفِي أَنْ يُلْصِقَ عَقِبَيْهِ بِهِمَا، وَكَذَا عَقِبَيْ حَافِرِ دَابَّتِهِ إِذَا كَانَ رَاكِبًا، وَهَذَا هُوَ الأَْحْوَطُ، أَوْ يُلْصِقُ عَقِبَيْهِ فِي الاِبْتِدَاءِ بِالصَّفَا وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بِالْمَرْوَةِ، وَفِي الرُّجُوعِ عَكْسُهُ، وَهَذَا هُوَ الأَْظْهَرُ. لَكِنْ تَصْوِيرُهُمَا إِنَّمَا كَانَ يُتَصَوَّرُ فِي الْعَهْدِ الأَْوَّل حَيْثُ يُوجَدُ كُلٌّ مِنْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُرْتَفِعًا عَنِ الأَْرْضِ، وَأَمَّا فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلِكَوْنِهِ قَدْ دُفِنَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَائِهِمَا لاَ يُمْكِنُ حُصُول مَا ذُكِرَ فِيهِمَا، فَيَكْفِي الْمُرُورُ فَوْقَ أَوَائِلِهِمَا (١) .

стр. 15147

ثُمَّ هَذَا فَرْضٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي تَحْقِيقِ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الأَْشْوَاطِ الأَْرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ رُكْنُ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُمْ (١) . شُرُوطُ السَّعْيِ: ٨ - أ - أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافٍ صَحِيحٍ: وَلَوْ نَفْلاً، عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَكَذَا الْمَالِكِيَّةُ، وَسَمَّوْا ذَلِكَ تَرْتِيبًا لِلسَّعْيِ. لَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَصَلُوا بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْوَاجِبِ فِي سَبْقِ الطَّوَافِ لِلسَّعْيِ، فَقَالُوا: يُشْتَرَطُ سَبْقُ الطَّوَافِ - أَيِّ طَوَافٍ وَلَوْ نَفْلاً - لِصِحَّةِ السَّعْيِ، لَكِنْ يَجِبُ فِي هَذَا السَّبْقِ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ فَرْضًا (وَمِثْلُهُ الْوَاجِبُ) وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ أَوِ اعْتَقَدَهَا. وَطَوَافُ الْقُدُومِ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ فَيَصِحُّ تَقْدِيمُ السَّعْيِ عَلَى الْوُقُوفِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ. فَلَوْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ نَفْلٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ نَفْلاً أَوْ نَوَى سُنِّيَّتَهُ، أَوْ أَطْلَقَ الطَّوَافَ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ

стр. 15148

شَيْئًا، أَوْ كَانَ يَعْتَقِدُ عَدَمَ وُجُوبِهِ لِجَهْلِهِ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ الطَّوَافَ وَيَنْوِي فَرْضِيَّتَهُ أَوْ وُجُوبَهُ إِنْ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ يُعِيدُ السَّعْيَ (١) مَا دَامَ بِمَكَّةَ، أَمَّا إِذَا سَافَرَ إِلَى بَلَدِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ (٢) . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ، وَلاَ يُخِل الْفَصْل بَيْنَهُمَا، لَكِنْ بِحَيْثُ لاَ يَتَخَلَّل بَيْنَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فَإِنْ تَخَلَّل بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَمْ يُجْزِهِ السَّعْيُ إِلاَّ بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ. دَلِيل الْجَمِيعِ فِعْلُهُ ﷺ فَإِنَّهُ قَدْ سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ، وَوَرَدَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَال: لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ (٣) ، وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ عَدَمُ اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الطَّوَافِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: لَوْ سَعَى قَبْل الطَّوَافِ نَاسِيًا أَجْزَأَهُ (٤) .

стр. 15149

ب - التَّرْتِيبُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا فَالْمَرْوَةِ، حَتَّى يَخْتِمَ سَعْيَهُ بِالْمَرْوَةِ، اتِّفَاقًا بَيْنَهُمْ. فَلَوْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ لَغَا هَذَا الشَّوْطُ وَاحْتَسَبَ الأَْشْوَاطَ ابْتِدَاءً مِنْ الصَّفَا، وَذَلِكَ لِفِعْلِهِ ﷺ كَمَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَقَوْلِهِ: أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، وَرُوِيَ الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الأَْمْرِ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ (١) . ١٠ - ج - النِّيَّةُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ خَاصَّةً، عَلَى مَا فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُقَرَّرِ، وَصَوَّبَهُ الْمِرْدَاوِيُّ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الأَْكْثَرِ خِلاَفُهُمَا كَمَا فِي الْفُرُوعِ (٢) . وَقْتُ السَّعْيِ الأَْصْلِيُّ: ١١ - وَقْتُ السَّعْيِ الأَْصْلِيُّ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ

стр. 15150

طَوَافِ الزِّيَارَةِ لاَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ، وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَل الْوَاجِبُ تَبَعًا لِلسُّنَّةِ، فَأَمَّا طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَفَرْضٌ، وَالْوَاجِبُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل تَبَعًا لِلْفَرْضِ. إِلاَّ أَنَّهُ رُخِّصَ فِي السَّعْيِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَجُعِل ذَلِكَ وَقْتًا لَهُ تَرْفِيهًا لِلْحَاجِّ وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِ، لاِزْدِحَامِ الاِشْتِغَال لَهُ يَوْمَ النَّحْرِ. فَأَمَّا وَقْتُهُ الأَْصْلِيُّ فَيَوْمُ النَّحْرِ عَقِيبَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَتَقَدُّمُ طَوَافِ الْقُدُومِ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، بَل الشَّرْطُ سَبْقُ السَّعْيِ بِالطَّوَافِ وَلَوْ نَفْلاً (١) . وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ شَرَطُوا لِعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ وَنَوَى وُجُوبَهُ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ عِنْدَهُمْ وَاجِبٌ. وَخَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَقْتَ السَّعْيِ أَنَّهُ بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ. هَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاجِّ الْمُفْرِدِ الآْفَاقِيِّ، فَإِنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ طَوَافُ الْقُدُومِ. أَمَّا الْمَكِّيُّ الْمُفْرِدُ وَمِثْلُهُ الْمُتَمَتِّعُ الآْفَاقِيُّ فَلَيْسَ لَهُمَا طَوَافُ

стр. 15151

قُدُومٍ؛ لأَِنَّهُمَا يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، فَلاَ يُقَدِّمَانِ السَّعْيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، إِلاَّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيُمْكِنُ لَهُمَا أَنْ يَطُوفَا نَفْلاً وَيَسْعَيَا بَعْدَهُ وَيَلْزَمُهُمَا دَمٌ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَيُمْكِنُ لَهُمَا أَنْ يَفْعَلاَ ذَلِكَ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا. تَكَرُّرُ السَّعْيِ لِلْقَارِنِ: ١٢ - الْقَارِنُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ. فَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ سَعْيِهَا، ثُمَّ يَطُوفُ لِلْقُدُومِ وَيَسْعَى لِلْحَجِّ إِنْ أَرَادَ تَقْدِيمَ سَعْيِ الْحَجِّ عِنْدَهُمْ. أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَحُكْمُهُ كَالْمُفْرِدِ؛ لأَِنَّهُ يَطُوفُ طَوَافًا وَاحِدًا، وَيَسْعَى سَعْيًا وَاحِدًا يُجْزِئَانِ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا قَارِنِينَ مَعَهُ فِي حَجَّتِهِ حَيْثُ إِنَّهُمْ سَعَوْا سَعْيًا وَاحِدًا (١) . حُكْمُ تَأَخُّرِ السَّعْيِ عَنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ: ١٣ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَتَحَلَّل الْمُحْرِمُ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلاَّ بِالْعَوْدِ لِلسَّعْيِ وَلَوْ نَقَصَ

стр. 15152

خُطْوَةً وَاحِدَةً، وَيَظَل مُحْرِمًا فِي حَقِّ النِّسَاءِ حَتَّى يَرْجِعَ وَيَسْعَى مَهْمَا بَعُدَ مَكَانُهُ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ بِرُكْنِيَّةِ السَّعْيِ. (ر: مُصْطَلَحَ حَجّ ف ٥٦ و ١٢٥) . وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ السَّعْيِ مَهْمَا طَال الأَْمَدُ، وَيَرْجِعُ بِإِحْرَامِهِ الْمُتَبَقِّي دُونَ حَاجَةٍ لإِِحْرَامٍ جَدِيدٍ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا تَأَخَّرَ السَّعْيُ عَنْ وَقْتِهِ الأَْصْلِيِّ - وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ - فَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنَّهُ يَسْعَى وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ أَتَى بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ بِالتَّأْخِيرِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ الأَْصْلِيِّ وَهُوَ مَا بَعْدَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ. وَلاَ يَضُرُّهُ إِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَ؛ لِوُقُوعِ التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ إِذِ السَّعْيُ لَيْسَ بِرُكْنٍ حَتَّى يَمْنَعَ التَّحَلُّل، وَإِذَا صَارَ حَلاَلاً بِالطَّوَافِ فَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْعَى قَبْل الْجِمَاعِ أَوْ بَعْدَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِمَكَّةَ يَسْعَى وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ كَانَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ السَّعْيَ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ إِلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَعُودُ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ؛ لأَِنَّ إِحْرَامَهُ الأَْوَّل قَدِ ارْتَفَعَ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ؛ لِوُقُوعِ التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ بِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الإِْحْرَامِ، وَإِذَا عَادَ وَسَعَى يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ لأَِنَّهُ تَدَارَكَ التَّرْكَ.

стр. 15153

قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الدَّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الرُّجُوعِ؛ لأَِنَّ فِيهِ مَنْفَعَةَ الْفُقَرَاءِ، وَالنُّقْصَانُ لَيْسَ بِفَاحِشٍ (١) . وَهَذَا الْمَذْكُورُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ يَنْطَبِقُ عَلَى الْقَوْل بِالْوُجُوبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَاجِبَاتُ السَّعْيِ: ١٤ - أ - الْمَشْيُ بِنَفْسِهِ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ هُوَ سُنَّةٌ. فَلَوْ سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولاً أَوْ زَحْفًا بِغَيْرِ عُذْرٍ صَحَّ سَعْيُهُ بِاتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا، لَكِنْ عَلَيْهِ الدَّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ؛ لِتَرْكِهِ الْمَشْيَ فِي السَّعْيِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَهُمْ، أَوْ إِعَادَةُ السَّعْيِ. وَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَلَوْ مَشَى بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأَِنَّ الْمَشْيَ فِي السَّعْيِ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ. بَل صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الأَْفْضَل أَنْ لاَ يَرْكَبَ فِي سَعْيِهِ إِلاَّ لِعُذْرٍ كَمَا سَبَقَ فِي الطَّوَافِ؛ لأَِنَّ الْمَشْيَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ

стр. 15154

السَّعْيَ رَاكِبًا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لَكِنَّهُ خِلاَفُ الأَْفْضَل. وَلَوْ سَعَى بِهِ غَيْرُهُ مَحْمُولاً جَازَ، لَكِنِ الأَْوْلَى سَعْيُهُ بِنَفْسِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا صَغِيرًا أَوْ لَهُ عُذْرٌ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ (١) . ١٥ - ب - إِكْمَال الأَْشْوَاطِ الثَّلاَثَةِ الأَْخِيرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الأَْقَل مِنَ السَّبْعَةِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَوْ تَرَكَ الأَْقَل وَهُوَ ثَلاَثَةُ أَشْوَاطٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ صَحَّ سَعْيُهُ وَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ لِكُل شَوْطٍ عِنْدَهُمْ. أَمَّا الْجُمْهُورُ فَكُل هَذِهِ الأَْشْوَاطِ السَّبْعَةِ رُكْنٌ عِنْدَهُمْ لاَ يَجُوزُ أَنْ تُنْقَصَ وَلَوْ خُطْوَةً (٢) . سُنَنُ السَّعْيِ وَمُسْتَحَبَّاتُهُ: ١٦ - أ - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ: فَلَوْ فَصَل بَيْنَهُمَا بِفَاصِلٍ طَوِيلٍ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَيُسَنُّ لَهُ الإِْعَادَةُ، وَلَوْ لَمْ يُعِدْ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا. وَدَلِيل الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ الاِعْتِبَارُ بِتَأْخِيرِ الطَّوَافِ الرُّكْنِ عَنِ الْوُقُوفِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ

стр. 15155

عَنْهُ سِنِينَ كَثِيرَةً وَلاَ آخِرَ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا بِلاَ خِلاَفٍ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (ر: طَوَاف ف ٩ وَحَجّ ف ١٤٠ - ١٤٢) . وَمَلْحَظُهُمْ فِيهِ أَنَّهُ أَدَّاهُ فِي وَقْتِهِ الأَْصْلِيِّ، وَهُوَ مَا بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ. ١٧ - ب - النِّيَّةُ: هِيَ سُنَّةٌ فِي السَّعْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. خِلاَفًا لِلْحَنَابِلَةِ الْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِهَا. قَال عَلِيٌّ الْقَارِي: " وَلَعَلَّهُمْ أَدْرَجُوا فِيهِ السَّعْيَ فِي ضِمْنِ الْتِزَامِ الإِْحْرَامِ بِجَمِيعِ أَفْعَال الْمُحْرِمِ بِهِ. فَلَوْ مَشَى مِنْ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ هَارِبًا أَوْ بَائِعًا أَوْ مُتَنَزِّهًا أَوْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ سَعَى، جَازَ سَعْيُهُ. وَهَذِهِ تَوْسِعَةٌ عَظِيمَةٌ، كَعَدَمِ شَرْطِ نِيَّةِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (١) ". ١٨ - ج - أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ الأَْسْوَدَ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ قَبْل الذَّهَابِ إِلَى السَّعْيِ، إِنْ تَيَسَّرَ لَهُ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ، وَإِلاَّ أَشَارَ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ الاِسْتِلاَمُ بِمَثَابَةِ وَصْلَةٍ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ (٢) .

стр. 15156

١٩ - د - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى عَلَى طَهَارَةٍ مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ وَالأَْكْبَرِ وَالنَّجَاسَةِ، وَلَوْ خَالَفَ صَحَّ سَعْيُهُ. فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهَا لَمَّا حَاضَتِ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَل الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَهُوَ يَدُل دَلاَلَةً صَرِيحَةً عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ. ٢٠ - هـ - أَنْ يَصْعَدَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كُلَّمَا بَلَغَهُمَا فِي سَعْيِهِ بِحَيْثُ يَسْتَقْبِل الْكَعْبَةَ، وَقَدَّرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَدْرِ قَامَةٍ. وَهَذَا الصُّعُودُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَخَصُّوا بِهِ الرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ. ٢١ - و - الدُّعَاءُ: عِنْدَ صُعُودِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي السَّعْيِ بَيْنَهُمَا، جَعَلَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ. عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي. ٢٢ - ز - السَّعْيُ الشَّدِيدُ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الأَْخْضَرَيْنِ: وَهُمَا الْعَمُودَانِ الأَْخْضَرَانِ اللَّذَانِ فِي جِدَارِ الْمَسْعَى الآْنَ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي

стр. 15157

الأَْشْوَاطِ السَّبْعَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الرَّمَل وَدُونَ الْعَدْوِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَمْشِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. فَقَدْ كَانَ ﷺ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيل إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسَنُّ الْخَبَبُ فِي الذَّهَابِ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ فَقَطْ، وَلاَ يُسَنُّ فِي الإِْيَابِ. وَسُنِّيَّةُ السَّعْيِ الشَّدِيدِ هَذِهِ تَخْتَصُّ بِالرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ؛ لأَِنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ، فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِنَّ الْمَشْيُ فَقَطْ. ٢٣ - ح - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ: وَسُنِّيَّتُهَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ، فَقَدْ جَعَلُوا الْمُوَالاَةَ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ شَرْطًا لِصِحَّةِ السَّعْيِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: (٢) . (١) إِنْ جَلَسَ فِي سَعْيِهِ وَكَانَ شَيْئًا خَفِيفًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ

стр. 15158

طَال جُلُوسُهُ وَصَارَ كَالتَّارِكِ بِأَنْ كَثُرَ التَّفْرِيقُ، ابْتَدَأَ السَّعْيَ مِنْ جَدِيدٍ. (٢) لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَقِفَ مَعَ أَحَدٍ وَيُحَدِّثَهُ، فَإِنْ فَعَل وَكَانَ خَفِيفًا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، فَإِنْ كَثُرَ ابْتَدَأَ السَّعْيَ مِنْ جَدِيدٍ. (٣) إِنْ أَصَابَهُ حَقْنٌ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى مَا سَبَقَ وَلَمْ يُعِدْ. (٤) إِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ تَمَادَى إِلاَّ أَنْ يَضِيقَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَلْيُصَل، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى لَهُ. وَكُل ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ قَل أَوْ كَثُرَ (١) ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَقْطَعَ السَّعْيَ لإِِقَامَةِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ بِالْجَمَاعَةِ، وَلِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، كَمَا فِي الطَّوَافِ، بَل هُوَ هُنَا أَوْلَى. ٢٤ - ط - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى سُنِّيَّةِ الاِضْطِبَاعِ فِي السَّعْيِ قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ. ٢٥ - ي - اسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ إِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ أَنْ يَدْخُل الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ،

стр. 15159

لِيَكُونَ خَتْمُ السَّعْيِ كَخَتْمِ الطَّوَافِ، كَمَا ثَبَتَ أَنَّ مَبْدَأَهُ بِالاِسْتِلاَمِ كَمَبْدَئِهِ (١) . وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ. قَال الْجُوَيْنِيُّ: " حَسَنٌ وَزِيَادَةُ طَاعَةٍ ". وَقَال ابْنُ الصَّلاَحِ: " يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ لأَِنَّهُ ابْتِدَاعُ شِعَارٍ ". قَال النَّوَوِيُّ (٢) : " وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (٣) ". مُبَاحَاتُ السَّعْيِ: ٢٦ - يُبَاحُ فِي السَّعْيِ مَا يُبَاحُ فِي الطَّوَافِ، بَل هُوَ أَوْلَى. وَمِنْ ذَلِكَ: أ - الْكَلاَمُ الْمُبَاحُ الَّذِي لاَ يَشْغَلُهُ. ب - الأَْكْل وَالشُّرْبُ. ج - الْخُرُوجُ مِنْهُ لأَِدَاءِ مَكْتُوبَةٍ، أَوْ صَلاَةِ جِنَازَةٍ، عَلَى خِلاَفٍ لِلْمَالِكِيَّةِ (٤) . مَكْرُوهَاتُ السَّعْيِ: ٢٧ - أ - الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْحَدِيثُ، إِذَا كَانَ

стр. 15160

شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ يَشْغَلُهُ عَنِ الْحُضُورِ، وَيَدْفَعُهُ عَنِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، أَوْ يَمْنَعُهُ عَنِ الْمُوَالاَةِ. ٢٨ - ب - تَأْخِيرُ السَّعْيِ عَنْ وَقْتِهِ الْمُخْتَارِ تَأْخِيرًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، بِإِبْعَادِهِ كَثِيرًا مِنَ الطَّوَافِ (١) . وَوَرَدَتْ جُمْلَةٌ مِنَ الأَْدْعِيَةِ وَالأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ فِي السَّعْيِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهَا مَا يَلِي: ٢٩ - أ - عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِلَى الصَّفَا لِلسَّعْيِ يَذْهَبُ مِنْ أَيِّ بَابٍ يَتَيَسَّرُ لَهُ، وَيَقْرَأُ هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا يَبْلُغُ الْمَرْوَةَ آخِرَ كُل شَوْطٍ. لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ (٢) . ٣٠ - ب - إِذَا صَعِدَ عَلَى الصَّفَا وَقَفَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَرَى الْكَعْبَةَ الْمُعَظَّمَةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَعِدَ عَلَى الْمَرْوَةِ تَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَذَكَرَ وَدَعَا كَمَا فَعَل النَّبِيُّ ﷺ وَيُسَنُّ أَنْ يُطِيل الْقِيَامَ، وَيَقُول كَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ
следующие страницы →