Полный текст (31 949 стр.). Показаны 15156–15195 · переход к 15161.
стр. 15156
١٩ - د - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْعَى عَلَى طَهَارَةٍ مِنَ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ وَالأَْكْبَرِ وَالنَّجَاسَةِ، وَلَوْ خَالَفَ صَحَّ سَعْيُهُ. فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهَا لَمَّا حَاضَتِ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَل الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَهُوَ يَدُل دَلاَلَةً صَرِيحَةً عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ.
٢٠ - هـ - أَنْ يَصْعَدَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كُلَّمَا بَلَغَهُمَا فِي سَعْيِهِ بِحَيْثُ يَسْتَقْبِل الْكَعْبَةَ، وَقَدَّرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَدْرِ قَامَةٍ. وَهَذَا الصُّعُودُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَخَصُّوا بِهِ الرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ.
٢١ - و - الدُّعَاءُ: عِنْدَ صُعُودِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي السَّعْيِ بَيْنَهُمَا، جَعَلَهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ. عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي.
٢٢ - ز - السَّعْيُ الشَّدِيدُ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الأَْخْضَرَيْنِ: وَهُمَا الْعَمُودَانِ الأَْخْضَرَانِ اللَّذَانِ فِي جِدَارِ الْمَسْعَى الآْنَ، وَهُوَ سُنَّةٌ فِي стр. 15157
الأَْشْوَاطِ السَّبْعَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الرَّمَل وَدُونَ الْعَدْوِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَمْشِيَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. فَقَدْ كَانَ ﷺ يَسْعَى بَطْنَ الْمَسِيل إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسَنُّ الْخَبَبُ فِي الذَّهَابِ مِنَ الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَةِ فَقَطْ، وَلاَ يُسَنُّ فِي الإِْيَابِ.
وَسُنِّيَّةُ السَّعْيِ الشَّدِيدِ هَذِهِ تَخْتَصُّ بِالرِّجَال دُونَ النِّسَاءِ؛ لأَِنَّ مَبْنَى حَالِهِنَّ عَلَى السِّتْرِ، فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِنَّ الْمَشْيُ فَقَطْ.
٢٣ - ح - الْمُوَالاَةُ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ:
وَسُنِّيَّتُهَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ، فَقَدْ جَعَلُوا الْمُوَالاَةَ بَيْنَ أَشْوَاطِ السَّعْيِ شَرْطًا لِصِحَّةِ السَّعْيِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: (٢) .
(١) إِنْ جَلَسَ فِي سَعْيِهِ وَكَانَ شَيْئًا خَفِيفًا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ стр. 15158
طَال جُلُوسُهُ وَصَارَ كَالتَّارِكِ بِأَنْ كَثُرَ التَّفْرِيقُ، ابْتَدَأَ السَّعْيَ مِنْ جَدِيدٍ.
(٢) لاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ أَوْ يَقِفَ مَعَ أَحَدٍ وَيُحَدِّثَهُ، فَإِنْ فَعَل وَكَانَ خَفِيفًا لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، فَإِنْ كَثُرَ ابْتَدَأَ السَّعْيَ مِنْ جَدِيدٍ.
(٣) إِنْ أَصَابَهُ حَقْنٌ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى مَا سَبَقَ وَلَمْ يُعِدْ.
(٤) إِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ تَمَادَى إِلاَّ أَنْ يَضِيقَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَلْيُصَل، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى مَا مَضَى لَهُ.
وَكُل ذَلِكَ لاَ يَضُرُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ قَل أَوْ كَثُرَ (١) ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْكَرَاهَةِ أَنْ يَقْطَعَ السَّعْيَ لإِِقَامَةِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ بِالْجَمَاعَةِ، وَلِصَلاَةِ الْجِنَازَةِ، كَمَا فِي الطَّوَافِ، بَل هُوَ هُنَا أَوْلَى.
٢٤ - ط - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى سُنِّيَّةِ الاِضْطِبَاعِ فِي السَّعْيِ قِيَاسًا عَلَى الطَّوَافِ.
٢٥ - ي - اسْتَحَبَّ الْحَنَفِيَّةُ إِذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْيِ أَنْ يَدْخُل الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، стр. 15159
لِيَكُونَ خَتْمُ السَّعْيِ كَخَتْمِ الطَّوَافِ، كَمَا ثَبَتَ أَنَّ مَبْدَأَهُ بِالاِسْتِلاَمِ كَمَبْدَئِهِ (١) .
وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ. قَال الْجُوَيْنِيُّ: " حَسَنٌ وَزِيَادَةُ طَاعَةٍ ". وَقَال ابْنُ الصَّلاَحِ: " يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ ذَلِكَ لأَِنَّهُ ابْتِدَاعُ شِعَارٍ ". قَال النَّوَوِيُّ (٢) : " وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (٣) ".
مُبَاحَاتُ السَّعْيِ:
٢٦ - يُبَاحُ فِي السَّعْيِ مَا يُبَاحُ فِي الطَّوَافِ، بَل هُوَ أَوْلَى. وَمِنْ ذَلِكَ:
أ - الْكَلاَمُ الْمُبَاحُ الَّذِي لاَ يَشْغَلُهُ.
ب - الأَْكْل وَالشُّرْبُ.
ج - الْخُرُوجُ مِنْهُ لأَِدَاءِ مَكْتُوبَةٍ، أَوْ صَلاَةِ جِنَازَةٍ، عَلَى خِلاَفٍ لِلْمَالِكِيَّةِ (٤) .
مَكْرُوهَاتُ السَّعْيِ:
٢٧ - أ - الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْحَدِيثُ، إِذَا كَانَ стр. 15160
شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى وَجْهٍ يَشْغَلُهُ عَنِ الْحُضُورِ، وَيَدْفَعُهُ عَنِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، أَوْ يَمْنَعُهُ عَنِ الْمُوَالاَةِ.
٢٨ - ب - تَأْخِيرُ السَّعْيِ عَنْ وَقْتِهِ الْمُخْتَارِ تَأْخِيرًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، بِإِبْعَادِهِ كَثِيرًا مِنَ الطَّوَافِ (١) .
وَوَرَدَتْ جُمْلَةٌ مِنَ الأَْدْعِيَةِ وَالأَْذْكَارِ الْمَأْثُورَةِ فِي السَّعْيِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِنْهَا مَا يَلِي:
٢٩ - أ - عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِلَى الصَّفَا لِلسَّعْيِ يَذْهَبُ مِنْ أَيِّ بَابٍ يَتَيَسَّرُ لَهُ، وَيَقْرَأُ هَذِهِ الآْيَةَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا يَبْلُغُ الْمَرْوَةَ آخِرَ كُل شَوْطٍ.
لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ (٢) .
٣٠ - ب - إِذَا صَعِدَ عَلَى الصَّفَا وَقَفَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَرَى الْكَعْبَةَ الْمُعَظَّمَةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَعِدَ عَلَى الْمَرْوَةِ تَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَذَكَرَ وَدَعَا كَمَا فَعَل النَّبِيُّ ﷺ وَيُسَنُّ أَنْ يُطِيل الْقِيَامَ، وَيَقُول كَمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: فَاسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ стр. 15161
الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَْحْزَابَ وَحْدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَال مِثْل هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. . . حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَل عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَل عَلَى الصَّفَا (١) .
٣١ - ج - وَرَدَ مِنَ الدُّعَاءِ عَلَى الصَّفَا: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ، وَإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي لِلإِْسْلاَمِ أَلاَّ تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ " (٢) .
" اللَّهُمَّ اعْصِمْنَا بِدِينِكَ وَطَوَاعِيَتِكَ، وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، وَجَنِّبْنَا حُدُودَكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا نُحِبُّكَ وَنُحِبُّ مَلاَئِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ، وَنُحِبُّ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ يَسِّرْنَا لِلْيُسْرَى وَجَنِّبْنَا الْعُسْرَى، وَاغْفِرْ لَنَا فِي الآْخِرَةِ وَالأُْولَى، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ " (٣) . стр. 15162
٣٢ - د - عِنْدَ الْهُبُوطِ مِنَ الصَّفَا وَرَدَ هَذَا الدُّعَاءُ: " اللَّهُمَّ أَحْيِنِي عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّكَ، وَتَوَفَّنِي عَلَى مِلَّتِهِ، وَأَعِذْنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ " (١) .
٣٣ - هـ - عِنْدَ السَّعْيِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الْمِيلَيْنِ الأَْخْضَرَيْنِ: " رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، إِنَّكَ أَنْتَ الأَْعَزُّ الأَْكْرَمُ " (٢) .
٣٤ - و - عِنْدَ الاِقْتِرَابِ مِنَ الْمَرْوَةِ يَقْرَأُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ . ثُمَّ يَرْقَى عَلَى الْمَرْوَةِ وَيَقِفُ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ وَيَأْتِي مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ كَمَا عِنْدَ الصَّفَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا يَهْبِطُ مِنَ الْمَرْوَةِ يَدْعُو بِمَا سَبَقَ عِنْدَ الْهُبُوطِ مِنَ الصَّفَا؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَل عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَل عَلَى الصَّفَا (٣) . كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ.
وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ مِنَ الأَْدْعِيَةِ стр. 15163
وَالأَْذْكَارِ يُوَزَّعُ عَلَى أَشْوَاطِ السَّعْيِ وَيَخُصُّ كُل شَوْطٍ بِدُعَاءٍ، إِنَّمَا وَزَّعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا أَدْعِيَةً مِنَ الْمَأْثُورِ فِي السَّعْيِ وَمِنْ غَيْرِهِ إِرْشَادًا لِلنَّاسِ، وَتَسْهِيلاً عَلَيْهِمْ لإِِحْصَاءِ أَشْوَاطِ السَّعْيِ. وَهُوَ سُنَّةٌ بِغَيْرِ تَحْدِيدٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَجَعَل الْحَنَفِيَّةُ الدُّعَاءَ فِي السَّعْيِ مِنَ الْمُسْتَحَبَّاتِ.
وَيَجْتَهِدُ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بِأَنْوَاعِ الأَْذْكَارِ وَالأَْدْعِيَةِ فِي السَّعْيِ كُلِّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَقْصُودٌ عَظِيمٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّمَا جُعِل رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لإِِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ (١) . стр. 15164
سَفْتَجَة .
التَّعْرِيفُ:
١ - السُّفْتَجَةُ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا، وَفَتْحِ التَّاءِ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. قَال فِي الْقَامُوسِ: السُّفْتَجَةُ كَقُرْطَقَةٍ، أَنْ يُعْطِيَ شَخْصٌ مَالاً لآِخَرَ، وَلِلآْخَرِ مَالٌ فِي بَلَدِ الْمُعْطِي فَيُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ ثَمَّ. فَيَسْتَفِيدُ أَمْنَ الطَّرِيقِ (١) .
وَالسُّفْتَجَةُ اصْطِلاَحًا كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِقْرَاضٌ لِسُقُوطِ خَطَرِ الطَّرِيقِ.
وَفِي الدُّسُوقِيِّ: هِيَ الْكِتَابُ الَّذِي يُرْسِلُهُ الْمُقْتَرِضُ لِوَكِيلِهِ بِبَلَدٍ لِيَدْفَعَ لِلْمُقْرِضِ نَظِيرَ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ بِبَلَدِهِ وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْبَالُوصَةِ (٢) . стр. 15165
هَل السُّفْتَجَةُ قَرْضٌ أَوْ حَوَالَةٌ: ؟
٢ - السُّفْتَجَةُ تُشْبِهُ الْحَوَالَةَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ يُحِيل الْمُقْرِضَ إِلَى شَخْصٍ ثَالِثٍ فَكَأَنَّهُ نَقَل دَيْنَ الْمُقْرِضِ مِنْ ذِمَّتِهِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَالْحَوَالَةُ لاَ تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا نَقْل الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ.
لَكِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ وَبَعْضَ الْحَنَفِيَّةِ - اعْتَبَرُوهَا مِنْ بَابِ الْقَرْضِ؛ لأَِنَّ الْكَلاَمَ فِي الْقَرْضِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً هَل هُوَ جَائِزٌ أَوْ غَيْرُ جَائِزٍ، أَمَّا الْحَوَالَةُ فَهِيَ فِي دَيْنٍ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ فِعْلاً.
وَقَدْ ذَكَرَهَا بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْحَصْكَفِيِّ وَالْمَرْغِينَانِيِّ فِي آخِرِ بَابِ الْحَوَالَةِ مَعَ ذِكْرِهَا فِي بَابِ الْقَرْضِ أَيْضًا.
وَقَال ابْنُ الْهُمَامِ وَالْبَابَرْتِيُّ: أَوْرَدَ الْقُدُورِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا لأَِنَّهَا مُعَامَلَةٌ فِي الدُّيُونِ كَالْكَفَالَةِ وَالْحَوَالَةِ، وَقَال الْكَرْمَانِيُّ: هِيَ فِي مَعْنَى الْحَوَالَةِ لأَِنَّهُ أَحَال الْخَطَرَ الْمُتَوَقَّعَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ. وَهَذَا مَا قَالَهُ الْحَصْكَفِيُّ، قَال: السُّفْتَجَةُ: إِقْرَاضٌ لِسُقُوطِ خَطَرِ الطَّرِيقِ، فَكَأَنَّهُ أَحَال الْخَطَرَ الْمُتَوَقَّعَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ فَكَانَ فِي مَعْنَى الْحَوَالَةِ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ وَفِي نَظْمِ الْكَنْزِ لاِبْنِ الْفَصِيحِ:
стр. 15166
وَكُرِهَتْ سَفَاتِجُ الطَّرِيقِ وَهِيَ إِحَالَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ. قَال شَارِحُهُ الْمَقْدِسِيُّ: لأَِنَّهُ يُحِيل صَدِيقَهُ عَلَيْهِ أَوْ مَنْ يَكْتُبُ إِلَيْهِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - الْقَرْضُ مِنَ الْقُرَبِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ، شُرِعَ لِلتَّعَاوُنِ بَيْنَ النَّاسِ وَتَفْرِيجِ كُرَبِ الْمُحْتَاجِينَ بِمَا يَبْذُلُهُ الْمُقْرِضُ لِلْمُسْتَقْرِضِ الْمُحْتَاجِ، وَهُوَ لاَ يَطْلُبُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ سِوَى الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ ، فَإِذَا طَلَبَ الْمُقْرِضُ مِنْ وَرَاءِ إِقْرَاضِهِ نَفْعًا خَاصًّا لَهُ مِنَ الْمُسْتَقْرِضِ فَقَدْ خَرَجَ بِذَلِكَ عَنْ مَوْضُوعِ الْقَرْضِ لأَِنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، وَلِذَلِكَ يَحْرُمُ إِذَا كَانَ يَجْلُبُ نَفْعًا لِلْمُقْرِضِ وَخَاصَّةً إِذَا شُرِطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْقَرْضِ، كَأَنْ يَشْتَرِطَ الْمُقْرِضُ زِيَادَةً عَمَّا أَقْرَضَ أَوْ أَجْوَدَ مِنْهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمَعْرُوفَةِ: أَنَّ كُل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ حَرَامٌ، رَوَى ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ. قَال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الأَْحْمَرُ عَنْ стр. 15167
حَجَّاجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَال: كَانُوا يَكْرَهُونَ كُل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً.
وَمِنَ الصُّوَرِ الَّتِي قَدْ تَجْلِبُ نَفْعًا لِلْمُقْرِضِ مَا يُسَمَّى بِالسُّفْتَجَةِ وَصُورَتُهَا: أَنْ يُقْرِضَ شَخْصٌ غَيْرَهُ - تَاجِرًا أَوْ غَيْرَ تَاجِرٍ - فِي بَلَدٍ وَيَطْلُبَ مِنَ الْمُسْتَقْرِضِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا يَسْتَوْفِي بِمُوجِبِهِ بَدَل الْقَرْضِ فِي بَلَدٍ آخَرَ مِنْ شَرِيكِ الْمُقْتَرِضِ أَوْ وَكِيلِهِ.
وَالنَّفْعُ الْمُتَوَقَّعُ هُنَا هُوَ أَنْ يَسْتَفِيدَ الْمُقْرِضُ دَفْعَ خَطَرِ الطَّرِيقِ؛ إِذْ قَدْ يَخْشَى لَوْ سَافَرَ بِأَمْوَالِهِ أَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِ اللُّصُوصُ وَقُطَّاعُ الطُّرُقِ فَيَلْجَأُ إِلَى هَذِهِ الْحِيلَةِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْقَرْضِ دَفْعَ الْخَطَرِ الْمُتَوَقَّعِ فِي الطَّرِيقِ.
وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ الَّذِي يَكْتُبُهُ الْمُسْتَقْرِضُ لِوَكِيلِهِ (وَهُوَ السُّفْتَجَةُ) مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الْقَرْضِ أَوْ غَيْرَ مَشْرُوطٍ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الْقَرْضِ فَهُوَ حَرَامٌ وَالْعَقْدُ فَاسِدٌ؛ لأَِنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ نَفْعًا فَيُشْبِهُ الرِّبَا؛ لأَِنَّ الْمَنْفَعَةَ فَضْلٌ لاَ يُقَابِلُهُ عِوَضٌ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ) وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْعَمَل
стр. 15168
بِالسَّفَاتِجِ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا، وَأَجَازَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، وَالأَْشْهَرُ عَنْهُ كَرَاهِيَتُهُ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ النَّاسُ مِنْ أَمْرِ السَّفَاتِجِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ جَوَازُهَا لِكَوْنِهَا مَصْلَحَةً لَهُمَا جَمِيعًا، وَقَال عَطَاءٌ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَكْتُبُ لَهُمْ بِهَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ، فَسُئِل عَنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا، وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا: ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ، رَوَاهُ كُلَّهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ لِلْوَصِيِّ قَرْضَ مَال الْيَتِيمِ فِي بَلَدٍ أُخْرَى لِيَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، لأَِنَّهُ مَصْلَحَةٌ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَالشَّرْعُ لاَ يَرِدُ بِتَحْرِيمِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لاَ مَضَرَّةَ فِيهَا بَل بِمَشْرُوعِيَّتِهَا، وَلأَِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلاَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَوَجَبَ إِبْقَاؤُهُ عَلَى الإِْبَاحَةِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مَا إِذَا عَمَّ الْخَوْفُ جَمِيعَ طُرُقِ الْمَحَل الَّتِي يَذْهَبُ الْمُقْرِضُ مِنْهَا إِلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ أَوِ الْمَال غَالِبًا لِخَطَرِ
стр. 15169
الطَّرِيقِ فَلاَ حُرْمَةَ فِي الْعَمَل بِالسُّفْتَجَةِ بَل يُنْدَبُ ذَلِكَ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَال عَلَى مَضَرَّةِ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُقْتَرِضِ أَوْ كَانَ الْمُتَسَلِّفُ هُوَ الَّذِي طَلَبَ ذَلِكَ.
وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ هُوَ الَّذِي كَتَبَ السُّفْتَجَةَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مِنَ الْمُقْرِضِ بِذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ لأَِنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْقَضَاءِ، وَقَدِ اسْتَسْلَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِل الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَال: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَارًا رُبَاعِيًّا، فَقَال: أَعْطِهِ إِيَّاهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً (١) .
وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ وَقَتَادَةُ وَإِسْحَاقُ (٢) . стр. 15170
سَفَر
التَّعْرِيفُ:
١ - السَّفَرُ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ. يُقَال ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ لِلاِرْتِحَال.
قَال الْفَيُّومِيُّ: وَقَال بَعْضُ الْمُصَنَّفِينَ: أَقَل السَّفَرِ يَوْمٌ.
وَالْجَمْعُ أَسْفَارٌ، وَرَجُلٌ مُسَافِرٌ، وَقَوْمٌ سَفْرٌ وَأَسْفَارٌ وَسُفَّارٌ، وَأَصْل الْمَادَّةِ الْكَشْفُ.
وَسُمِّيَ السَّفَرُ سَفَرًا لأَِنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ وُجُوهِ الْمُسَافِرِينَ وَأَخْلاَقِهِمْ فَيَظْهَرُ مَا كَانَ خَافِيًا (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: السَّفَرُ هُوَ الْخُرُوجُ عَلَى قَصْدِ قَطْعِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ الشَّرْعِيَّةِ فَمَا فَوْقَهَا (٢) . стр. 15171
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْحَضَرُ:
٢ - الْحَضَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْحَضْرَةُ وَالْحَاضِرَةُ خِلاَفُ الْبَادِيَةِ، وَهِيَ الْمُدُنُ وَالْقُرَى وَالرِّيفُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّ أَهْلَهَا حَضَرُوا الأَْمْصَارَ وَمَسَاكِنَ الدِّيَارِ الَّتِي يَكُونُ لَهُمْ بِهَا قَرَارٌ. وَالْحَضَرُ مِنَ النَّاسِ سَاكِنُو الْحَضَرِ، وَالْحَاضِرُ خِلاَفُ الْبَادِي، وَالْحَضَرُ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِلسَّفَرِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
ب - الإِْقَامَةُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي الإِْقَامَةِ: الثُّبُوتُ فِي الْمَكَانِ وَاِتِّخَاذُهُ وَطَنًا، وَهِيَ ضِدُّ السَّفَرِ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ السَّفَرَ مِنْ حَيْثُ حُكْمُهُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: سَفَرُ طَاعَةٍ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَسَفَرٌ مُبَاحٌ كَالتِّجَارَةِ، وَسَفَرُ مَعْصِيَةٍ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَحَجِّ الْمَرْأَةِ بِلاَ مَحْرَمٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: السَّفَرُ عَلَى قِسْمَيْنِ: سَفَرُ طَلَبٍ، وَسَفَرُ هَرَبٍ. فَسَفَرُ الْهَرَبِ وَاجِبٌ. стр. 15172
وَهُوَ إِذَا كَانَ فِي بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ الْحَرَامُ وَيَقِل فِيهِ الْحَلاَل فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ السَّفَرُ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ يَكْثُرُ فِيهِ الْحَلاَل. وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْهُرُوبُ مِنْ مَوْضِعٍ يُشَاهَدُ فِيهِ الْمُنْكَرُ مِنْ شُرْبِ خَمْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ إِلَى مَوْضِعٍ لاَ يُشْهَدُ فِيهِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَرَبُ مِنْ بَلَدٍ أَوْ مَوْضِعٍ يُذِل فِيهِ نَفْسَهُ إِلَى مَوْضِعٍ يُعِزُّ فِيهِ نَفْسَهُ؛ لأَِنَّ الْمُؤْمِنَ عَزِيزٌ لاَ يُذِل نَفْسَهُ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْهُرُوبُ مِنْ بَلَدٍ لاَ عِلْمَ فِيهِ إِلَى بَلَدٍ فِيهِ الْعِلْمُ. وَكَذَلِكَ يَجِبُ الْهُرُوبُ مِنْ بَلَدٍ يُسْمَعُ فِيهِ سَبُّ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنِ الإِْنْسَانَ التَّغْيِيرُ وَالإِْصْلاَحُ.
وَأَمَّا سَفَرُ الطَّلَبِ فَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ - وَيُوَافِقُهُمُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَيْهَا - وَاجِبٌ كَسَفَرِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ وَالْجِهَادِ إِذَا تَعَيَّنَ.
وَمَنْدُوبٌ وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّاعَةِ قُرْبَةً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ كَالسَّفَرِ لِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَوْ لِصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْ لِلتَّفَكُّرِ فِي الْخَلْقِ، وَمُبَاحٌ وَهُوَ سَفَرُ التِّجَارَةِ، وَمَمْنُوعٌ وَهُوَ السَّفَرُ لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَثَّل الشَّافِعِيَّةُ لِلسَّفَرِ الْمَكْرُوهِ بِاَلَّذِي يُسَافِرُ وَحْدَهُ، وَسَفَرُ الاِثْنَيْنِ أَخَفُّ كَرَاهَةً، وَذَلِكَ لِخَبَرِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَحْدَةَ فِي السَّفَرِ (١) وَقَوْلِهِ ﷺ : الرَّاكِبُ стр. 15173
شَيْطَانٌ وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاَثَةُ رَكْبٌ (١) . وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ السَّفَرَ لِرُؤْيَةِ الْبِلاَدِ وَالتَّنَزُّهِ فِيهَا مُبَاحٌ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ السِّيَاحَةَ لِغَيْرِ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مَكْرُوهٌ (٢) .
السَّفَرُ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ:
٥ - السَّفَرُ مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ، وَهُوَ لاَ يُنَافِي شَيْئًا مِنْ أَهْلِيَّةِ الأَْحْكَامِ وُجُوبًا وَأَدَاءً مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا. فَلاَ يَمْنَعُ وُجُوبَ شَيْءٍ مِنَ الأَْحْكَامِ نَحْوِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ لِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ بِكَمَالِهَا. لَكِنَّهُ جُعِل فِي الشَّرْعِ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا - يَعْنِي مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْمَشَقَّةِ أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ لَهَا - لأَِنَّ السَّفَرَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَشَقَّةِ فِي الْغَالِبِ. فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ стр. 15174
نَفْسُ السَّفَرِ سَبَبًا لِلرُّخَصِ وَأُقِيمَ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
شُرُوطُ السَّفَرِ:
٦ - يُشْتَرَطُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ، مَا يَلِي:
أ - أَنْ يَبْلُغَ الْمَسَافَةَ الْمُحَدَّدَةَ شَرْعًا:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسَافَةِ السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ مَسَافَةَ السَّفَرِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ بِهَا الأَْحْكَامُ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا أَهْل مَكَّةَ لاَ تَقْصُرُوا فِي أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ (٢) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ. وَذَلِكَ إِنَّمَا يُفْعَل عَنْ تَوْقِيفٍ. وَكُل بَرِيدٍ أَرْبَعَةُ стр. 15175
فَرَاسِخَ، وَالْفَرْسَخُ ثَلاَثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ.
فَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلاً، وَالْفَرْسَخُ بِأَمْيَال بَنَى أُمَيَّةَ مِيلاَنِ وَنِصْفٌ، فَالْمَسَافَةُ عَلَى هَذَا أَرْبَعُونَ مِيلاً.
وَالتَّقْدِيرُ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلاً هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (١) وَعِنْدَهُمْ أَقْوَالٌ ضَعِيفَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلاَ تُحْسَبُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَةِ مُدَّةُ الرُّجُوعِ اتِّفَاقًا.
فَلَوْ كَانَتْ مُلَفَّقَةً مِنَ الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ لَمْ تَتَغَيَّرِ الأَْحْكَامُ. وَهِيَ بِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ مَرْحَلَتَانِ، وَهُمَا سَيْرُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَيْرِ الإِْبِل الْمُثْقَلَةِ بِالأَْحْمَال عَلَى الْمُعْتَادِ، مَعَ النُّزُول الْمُعْتَادِ لِنَحْوِ اسْتِرَاحَةٍ وَأَكْلٍ وَصَلاَةٍ. قَال الأَْثْرَمُ: قِيل لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلاَةُ؟ قَال: فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ. قِيل لَهُ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قَال: لاَ، أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَقَدْ قَدَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ عُسْفَانَ إِلَى مَكَّةَ، وَمِنَ الطَّائِفِ إِلَى مَكَّةَ، وَمِنْ جَدَّةَ إِلَى مَكَّةَ. وَقَدْ صَرَّحَ стр. 15176
الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الْيَوْمَ يُعْتَبَرُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ لأَِنَّهُ الْمُعْتَادُ لِلسَّيْرِ غَالِبًا لاَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَأَنَّ الْبَحْرَ كَالْبَرِّ فِي اشْتِرَاطِ الْمَسَافَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَال الدُّسُوقِيُّ: إِنَّ الْبَحْرَ لاَ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَسَافَةُ بَل الزَّمَانُ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَقِيل بِاعْتِبَارِهَا فِيهِ كَالْبَرِّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ إِذَا سَافَرَ وَبَعْضُ سَفَرِهِ فِي الْبَرِّ وَبَعْضُ سَفَرِهِ فِي الْبَحْرِ، فَقِيل: يُلَفِّقُ مَسَافَةَ أَحَدِهِمَا لِمَسَافَةِ الآْخَرِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَقِيل: لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّفْصِيل عَلَى مَا مَرَّ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لاَ يَضُرُّ قَطْعُ الْمَسَافَةِ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ، فَلَوْ قَطَعَ الأَْمْيَال فِي سَاعَةٍ مَثَلاً لِشِدَّةِ جَرْيِ السَّفِينَةِ بِالْهَوَاءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ قَطَعَهَا فِي الْبَرِّ فِي بَعْضِ يَوْمٍ عَلَى مَرْكُوبٍ جَوَادٍ تَغَيَّرَتِ الأَْحْكَامُ فِي حَقِّهِ لِوُجُودِ الْمَسَافَةِ الصَّالِحَةِ لِتَغَيُّرِ الأَْحْكَامِ؛ وَلأَِنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَافَرَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَسَافَةَ السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ هُوَ مَسِيرَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، стр. 15177
وَقَدَّرَهَا بَعْضُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلاً عَنِ الْحِلْيَةِ: الظَّاهِرُ إِبْقَاؤُهَا عَلَى إِطْلاَقِهَا بِحَسَبِ مَا يُصَادِفُهُ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا طُولاً وَقِصَرًا وَاعْتِدَالاً إِنْ لَمْ تُقَدَّرْ بِالْمُعْتَدِلَةِ الَّتِي هِيَ الْوَسَطُ. وَلاَ اعْتِبَارَ عِنْدَهُمْ بِالْفَرَاسِخِ عَلَى الْمَذْهَبِ. قَال فِي الْهِدَايَةِ: هُوَ الصَّحِيحُ، احْتِرَازًا عَنْ قَوْل عَامَّةِ الْمَشَايِخِ فِي تَقْدِيرِهَا بِالْفَرَاسِخِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيل: وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيل: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَقِيل: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْفَتْوَى عَلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّهُ الأَْوْسَطُ، وَفِي الْمُجْتَبَى: فَتْوَى أَئِمَّةِ خُوَارِزْمَ عَلَى الثَّالِثِ.
ثُمَّ إِنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ سَفَرُ كُل يَوْمٍ إِلَى اللَّيْل بَل يَكْفِي إِلَى الزَّوَال، وَالْمُعْتَبَرُ السَّيْرُ الْوَسَطُ.
قَالُوا: وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَبَل بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنَ السَّيْرِ؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ صُعُودًا وَهُبُوطًا مَضِيقًا وَوَعِرًا فَيَكُونُ مَشْيُ الإِْبِل وَالأَْقْدَامِ فِيهِ دُونَ سَيْرِهَا فِي السَّهْل. وَفِي الْبَحْرِ يُعْتَبَرُ اعْتِدَال الرِّيحِ عَلَى الْمُضِيِّ بِهِ، فَيُعْتَبَرُ فِي كُل ذَلِكَ السَّيْرُ الْمُعْتَادُ فِيهِ وَذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ فَيُرْجَعُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ الاِشْتِبَاهِ. /. / ٥٠ وَخَرَجَ سَيْرُ الْبَقَرِ يَجُرُّ الْعَجَلَةَ وَنَحْوُهُ؛ لأَِنَّهُ أَبْطَأُ السَّيْرِ، كَمَا أَنَّ أَسْرَعَهُ سَيْرُ الْفَرَسِ وَالْبَرِيدِ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الْمَسَافَةُ ثَلاَثًا بِالسَّيْرِ الْمُعْتَادِ فَسَارَ إِلَيْهَا عَلَى
стр. 15178
الْفَرَسِ جَرْيًا حَثِيثًا فَوَصَل فِي يَوْمَيْنِ أَوْ أَقَل قَصَرَ (١) .
ب - الْقَصْدُ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّفَرِ، فَلاَ قَصْرَ وَلاَ فِطْرَ لِهَائِمٍ عَلَى وَجْهِهِ لاَ يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، وَلاَ لِتَائِهٍ ضَال الطَّرِيقِ، وَلاَ لِسَائِحٍ لاَ يَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا. وَكَذَا لَوْ خَرَجَ أَمِيرٌ مَعَ جَيْشِهِ فِي طَلَبِ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَعْلَمْ أَيْنَ يُدْرِكُهُمْ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ أَوِ الْمُكْثُ، وَمِثْلُهُ طَالِبُ غَرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ وَلاَ يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، وَإِنْ طَال سَفَرُهُ (٢) .
وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِرَأْيِهِ، أَمَّا التَّابِعُ لِغَيْرِهِ كَالزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا، وَالْجُنْدِيِّ مَعَ الأَْمِيرِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (صَلاَة الْمُسَافِرِ) . стр. 15179
ج - مُفَارَقَةُ مَحِل الإِْقَامَةِ:
٩ - يُشْتَرَطُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ مُفَارَقَةُ بُيُوتِ الْمِصْرِ فَلاَ يَصِيرُ مُسَافِرًا قَبْل الْمُفَارَقَةِ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَيُشْتَرَطُ مُفَارَقَةُ مَا كَانَ مِنْ تَوَابِعِ مَوْضِعِ الإِْقَامَةِ كَرُبَضِ الْمِصْرِ. وَهُوَ مَا حَوْل الْمَدِينَةِ مِنْ بُيُوتٍ وَمَسَاكِنَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمِصْرِ. وَكَذَا الْقُرَى الْمُتَّصِلَةُ بِالرُّبَضِ فِي الصَّحِيحِ، بِخِلاَفِ الْبَسَاتِينِ وَلَوْ مُتَّصِلَةً بِالْبِنَاءِ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْبَلْدَةِ، وَلَوْ سَكَنَهَا أَهْل الْبَلْدَةِ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ أَوْ بَعْضِهَا، كَمَا أَنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ سُكْنَى الْحَفَظَةِ وَالأَْكَرَةِ اتِّفَاقًا.
وَأَمَّا الْفِنَاءُ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِمَصَالِحِ الْبَلَدِ كَرَكْضِ الدَّوَابِّ وَدَفْنِ الْمَوْتَى وَإِلْقَاءِ التُّرَابِ، فَإِنِ اتَّصَل بِالْمِصْرِ اعْتُبِرَتْ مُجَاوَزَتُهُ لاَ إِنِ انْفَصَل بِمَزْرَعَةٍ بِقَدْرِ ثَلاَثِمِائَةِ إِلَى أَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَالْقَرْيَةُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْفِنَاءِ دُونَ الرُّبَضِ لاَ تُعْتَبَرُ مُجَاوَزَتُهَا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالْمُعْتَبَرُ الْمُجَاوَزَةُ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى لَوْ جَاوَزَ عُمْرَانَ الْمِصْرِ قَصَرَ، وَإِنْ كَانَ بِحِذَائِهِ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ أَبْنِيَةٌ.
وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ مُجَاوَزَةَ الْبَسَاتِينِ إِذَا سَافَرَ مِنْ نَاحِيَتِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ نَاحِيَتِهَا وَإِنْ مُحَاذِيًا لَهَا، وَإِلاَّ فَيَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ.
стр. 15180
وَقَال الْبُنَانِيُّ: لاَ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ إِلاَّ إِذَا سَافَرَ مِنْ نَاحِيَتِهَا، وَإِنْ سَافَرَ مِنْ غَيْرِ نَاحِيَتِهَا فَلاَ تُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا وَلَوْ كَانَ مُحَاذِيًا لَهَا إِذْ غَايَةُ الْبَسَاتِينِ أَنْ تَكُونَ كَجُزْءٍ مِنَ الْبَلَدِ.
قَال الدُّسُوقِيُّ: مِثْل الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ الْقَرْيَتَانِ اللَّتَانِ يَرْتَفِقُ أَهْل أَحَدِهِمَا بِأَهْل الأُْخْرَى بِالْفِعْل، وَإِلاَّ فَكُل قَرْيَةٍ تُعْتَبَرُ بِمُفْرَدِهَا، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ سَاكِنِيهَا يَرْتَفِقُ بِالْبَلَدِ الأُْخْرَى كَالْجَانِبِ الأَْيْمَنِ دُونَ الآْخَرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَهَا كُلَّهَا كَحُكْمِ الْمُتَّصِلَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَهُمْ بِالْبَسَاتِينِ الْمُتَّصِلَةِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَرْتَفِقَ سُكَّانُهَا بِالْبَلَدِ الْمَسْكُونَةِ بِالأَْهْل وَلَوْ فِي بَعْضِ الْعَامِّ ارْتِفَاقَ الاِتِّصَال، مِنْ نَارٍ وَطَبْخٍ وَخَبْزٍ.
أَمَّا الْبَسَاتِينُ الْمُنْفَصِلَةُ أَوْ غَيْرُ الْمَسْكُونَةِ فَلاَ عِبْرَةَ بِهَا، وَلاَ عِبْرَةَ أَيْضًا بِالْحَارِسِ وَالْعَامِل فِيهَا.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلْبَلَدِ سُورٌ فَأَوَّل سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، وَلَوْ مُتَعَدِّدًا أَوْ كَانَ دَاخِلَهُ مَزَارِعُ أَوْ خَرَابٌ؛ إِذْ مَا فِي دَاخِل السُّورِ مَعْدُودٌ مِنْ نَفْسِ الْبَلَدِ مَحْسُوبٌ مِنْ مَوْضِعِ الإِْقَامَةِ. وَإِنْ كَانَ لَهَا بَعْضُ سُورٌ وَهُوَ صَوْبُ مَقْصِدِهِ اشْتُرِطَتْ مُجَاوَزَتُهُ، وَلَوْ كَانَ السُّورُ مُتَهَدِّمًا وَبَقِيَتْ لَهُ بَقَايَا اشْتُرِطَتْ مُجَاوَزَتُهُ أَيْضًا وَإِلاَّ فَلاَ. وَالْخَنْدَقُ فِي الْبَلْدَةِ
стр. 15181
الَّتِي لاَ سُورَ لَهَا كَالسُّورِ، وَبَعْضُهُ كَبَعْضِهِ، وَلاَ أَثَرَ لَهُ مَعَ وُجُودِ السُّورِ. وَيَلْحَقُ بِالسُّورِ تَحْوِيطَةُ أَهْل الْقُرَى عَلَيْهَا بِتُرَابٍ وَنَحْوِهِ. وَلاَ تُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْعِمَارَةِ وَرَاءَ السُّورِ فِي الأَْصَحِّ لِعَدَمِ عَدِّهَا مِنَ الْبَلَدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَلَدِ سُوْرٌ أَصْلاً، أَوْ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ، أَوْ كَانَ لَهَا سُورٌ غَيْرُ خَاصٍّ بِهَا، وَكَقُرَى مُتَفَاصِلَةٍ جَمَعَهَا سُورٌ وَلَوْ مَعَ التَّقَارُبِ، فَأَوَّل سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ. وَلَوْ تَخَلَّلَهُ خَرَابٌ لاَ أُصُول أَبْنِيَةٍ بِهِ أَوْ نَهْرٌ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ لِكَوْنِهِ مَحَل الإِْقَامَةِ، أَمَّا الْخَرَابُ خَارِجَ الْعُمْرَانِ الَّذِي لَمْ تَبْقَ أُصُولُهُ أَوْ هَجَرُوهُ بِالتَّحْوِيطِ عَلَيْهِ أَوِ اتَّخَذُوهُ مَزَارِعَ فَلاَ تُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهُ، كَمَا لاَ تُشْتَرَطُ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ وَالْمَزَارِعِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنِ اتَّصَلَتْ بِمَا سَافَرَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ مَحُوطَةً لأَِنَّهَا لاَ تُتَّخَذُ لِلإِْقَامَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ بِهَا قُصُورٌ أَمْ دُورٌ تُسْكَنُ فِي بَعْضِ فُصُول السَّنَةِ أَوْ لاَ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْقَرْيَتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ عُرْفًا كَبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ اسْمُهُمَا وَإِلاَّ اكْتَفَى بِمُجَاوَزَةِ قَرْيَةِ الْمُسَافِرِ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ مُفَارَقَةُ بُيُوتِ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَاخِل السُّورِ أَوْ خَارِجَهُ، فَيَقْصُرُ إِذَا فَارَقَهَا بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُفَارَقَةِ بِنَوْعِ الْبُعْدِ عُرْفًا؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الأَْرْضِ. وَقَبْل
стр. 15182
مُفَارَقَتِهِ مَا ذُكِرَ لاَ يَكُونُ ضَارِبًا فِيهَا وَلاَ مُسَافِرًا؛ وَلأَِنَّ ذَلِكَ أَحَدُ طَرَفَيِ السَّفَرِ أَشْبَهَ حَالَةَ الاِنْتِهَاءِ.
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ يَقْصُرُ إِذَا ارْتَحَل، وَلاَ تُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْخَرَابِ وَإِنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ قَائِمَةً إِنْ لَمْ يَلِهِ عَامِرٌ فَإِنْ وَلِيَهُ عَامِرٌ اعْتُبِرَتْ مُفَارَقَةُ الْجَمِيعِ. وَكَذَا لَوْ جُعِل الْخَرَابُ مَزَارِعَ وَبَسَاتِينَ يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ وَلَوْ فِي فَصْل النُّزْهَةِ فَلاَ يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَهُ. وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ وَاتَّصَل بِنَاءُ إِحْدَاهُمَا بِالأُْخْرَى فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِل فَلِكُل قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا.
وَأَمَّا مَسَاكِنُ الْخِيَامِ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ أَوَّل سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ حِلَّتِهِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ الْحِلَّةُ بُيُوتٌ مُجْتَمَعَةٌ أَوْ مُتَفَرِّقَةٌ بِحَيْثُ يَجْتَمِعُ أَهْلُهَا لِلسَّمَرِ فِي نَادٍ وَاحِدٍ، وَيَسْتَعِيرُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْحِلَّةُ مَنْزِل قَوْمِهِ، فَالْحِلَّةُ وَالْمَنْزِل بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمَذْهَبُهُمْ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ مُفَارَقَةُ بُيُوتِ الْحِلَّةِ وَلَوْ تَفَرَّقَتْ، حَيْثُ جَمَعَهُمُ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ أَوِ الدَّارِ فَقَطْ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا جَمَعَهُمُ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ أَوِ الدَّارِ فَقَطْ فَإِنَّهُ لاَ يَقْصُرُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إِلاَّ إِذَا جَاوَزَ جَمِيعَ
стр. 15183
الْبُيُوتِ. وَأَمَّا لَوْ جَمَعَهُمُ اسْمُ الْحَيِّ فَقَطْ دُونَ الدَّارِ بِأَنْ كَانَتْ كُل فِرْقَةٍ فِي دَارٍ فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ كُل دَارٍ عَلَى حِدَتِهَا حَيْثُ كَانَ لاَ يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَإِلاَّ فَهُمْ كَأَهْل الدَّارِ الْوَاحِدَةِ. وَكَذَا إِذَا لَمْ يَجْمَعْهُمُ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إِذَا جَاوَزَ بُيُوتَ حِلَّتِهِ هُوَ. وَالْمُرَادُ بِالْحَيِّ عِنْدَهُمُ الْقَبِيلَةُ، وَبِالدَّارِ الْمَنْزِل الَّذِي يَنْزِلُونَ فِيهِ. وَمَحَل مُجَاوَزَةِ الْحِلَّةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ كَانَ بِمُسْتَوٍ.
فَإِنْ كَانَتْ بَوَادٍ وَمُسَافِرٌ فِي عَرْضِهِ، أَوْ بِرَبْوَةٍ أَوْ وَحْدَةٍ، اشْتُرِطَتْ مُجَاوَزَةُ الْعَرْضِ وَمَحَل الصُّعُودِ وَالْهُبُوطِ إِنْ كَانَتِ الثَّلاَثَةُ مُعْتَدِلَةً، وَإِلاَّ بِأَنْ أَفْرَطَتْ سَعَتُهَا أَوْ كَانَتْ بِبَعْضِ الْعَرْضِ اكْتُفِيَ بِمُجَاوَزَةِ الْحِلَّةِ. قَالُوا: وَلاَ بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ مَرَافِقِهَا أَيْضًا كَمَلْعَبِ صِبْيَانٍ وَنَادٍ وَمَطْرَحِ رَمَادٍ وَمَعْطِنِ إِبِلٍ، وَكَذَا مَاءٌ وَحَطَبٌ اخْتَصَّا بِهَا.
وَأَمَّا سَاكِنُ الْجِبَال وَمَنْ نَزَل بِمَحَلٍّ فِي بَادِيَةٍ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي سَفَرِهِ مُجَاوَزَةُ مَحَلِّهِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ سُكَّانَ الْبَسَاتِينِ وَنَحْوَهُمْ كَأَهْل الْعِزَبِ يُشْتَرَطُ فِي سَفَرِهِمِ الاِنْفِصَال عَنْ مَسَاكِنِهِمْ.
стр. 15184
قَال الْمَالِكِيَّةُ: سَوَاءٌ أَكَانَتْ تِلْكَ الْبَسَاتِينُ مُتَّصِلَةً بِالْبَلَدِ أَمْ مُنْفَصِلَةً عَنْهَا. وَاعْتَبَرَ الْحَنَابِلَةُ الْعُرْفَ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: لِيَصِيرُوا مُسَافِرِينَ لاَ بُدَّ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا نُسِبُوا إِلَيْهِ بِمَا يُعَدُّ مُفَارَقَةً عُرْفًا.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي سَفَرِ الْبَحْرِ الْمُتَّصِل سَاحِلُهُ بِالْبَلَدِ جَرْيُ السَّفِينَةِ أَوِ الزَّوْرَقِ إِلَيْهَا. قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَإِنْ كَانَ فِي هَوَاءِ الْعُمْرَانِ كَمَا اقْتَضَاهُ إِطْلاَقُهُمْ (١) .
د - أَلاَّ يَكُونَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ:
١٠ - اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي السَّفَرِ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَْحْكَامُ أَلاَّ يَكُونَ الْمُسَافِرُ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ كَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَنَاشِزَةٍ وَعَاقٍّ وَمُسَافِرٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ.
إِذْ مَشْرُوعِيَّةُ التَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ لِلإِْعَانَةِ.
وَالْعَاصِي لاَ يُعَانُ؛ لأَِنَّ الرُّخَصَ لاَ تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَمِثْلُهُ مَا إِذَا انْتَقَل مِنْ سَفَرِهِ الْمُبَاحِ стр. 15185
إِلَى سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ بِأَنْ أَنْشَأَ سَفَرًا مُبَاحًا ثُمَّ قَصَدَ سَفَرًا مُحَرَّمًا.
وَالْمُرَادُ بِالْمُسَافِرِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَنْ يَكُونَ الْحَامِل عَلَى السَّفَرِ نَفْسَ الْمَعْصِيَةِ كَمَا فِي الأَْمْثِلَةِ السَّابِقَةِ. وَقَدْ أَلْحَقَ الْحَنَابِلَةُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ السَّفَرَ الْمَكْرُوهَ فَلاَ يَتَرَخَّصُ الْمُسَافِرُ عِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ مُسَافِرًا لِفِعْلٍ مَكْرُوهٍ، وَفِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ فِي التَّرَخُّصِ فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ فَقِيل بِالْمَنْعِ وَقِيل بِالْجَوَازِ. قَال ابْنُ شَعْبَانَ: إِنْ قَصَرَ لَمْ يُعِدْ لِلاِخْتِلاَفِ فِيهِ.
ثُمَّ إِنَّهُ مَتَى تَابَ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ يَتَرَخَّصُ بِسَفَرِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مَعْصِيَةٌ. وَيَكُونُ أَوَّل سَفَرِهِ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَحَل التَّوْبَةِ وَمَقْصِدِهِ مَرْحَلَتَانِ قَصَرَ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي دُونَهَا فَلاَ قَصْرَ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمَالِكِيَّةُ لِذِكْرِ الْمَسَافَةِ فِي حَال التَّوْبَةِ.
وَعِنْدَ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ التَّرَخُّصُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا الشَّرْطَ، فَلِلْمُسَافِرِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخَصِ السَّفَرِ
стр. 15186
كُلِّهَا لإِِطْلاَقِ نُصُوصِ الرُّخَصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ (٢) قَالُوا: وَلأَِنَّ الْقَبِيحَ الْمُجَاوِرَ - أَيِ الْمَعْصِيَةَ - لاَ يُعْدِمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ، بِخِلاَفِ الْقَبِيحِ لِعَيْنِهِ وَضْعًا كَالْكُفْرِ، أَوْ شَرْعًا كَبَيْعِ الْحُرِّ، فَإِنَّهُ يُعْدِمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ.
كَمَا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِلرُّخْصَةِ وَالسَّبَبُ هُوَ السَّفَرُ، وَالْمَعْصِيَةُ لَيْسَتْ عَيْنَ السَّفَرِ، وَقَدْ وُجِدَ السَّفَرُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ.
وَأَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ وَهُوَ مَنْ يَقْصِدُ سَفَرًا مُبَاحًا ثُمَّ تَطْرَأُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ يَرْتَكِبُهَا فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَتَرَخَّصُ فِي سَفَرِهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ السَّفَرَ لِلْمَعْصِيَةِ وَلأَِنَّ سَبَبَ تَرَخُّصِهِ - وَهُوَ السَّفَرُ - مُبَاحٌ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا (٣) . стр. 15187
الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِي السَّفَرِ:
الأَْحْكَامُ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فِي السَّفَرِ مِنْهَا مَا يَكُونُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ الْمُسَافِرِ، وَمِنْهَا مَا لاَ يَكُونُ كَذَلِكَ.
أَوَّلاً: مَا يَكُونُ لِلتَّخْفِيفِ عَنِ الْمُسَافِرِ:
أ - امْتِدَادُ مُدَّةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ:
١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ السَّفَرَ يَمُدُّ مُدَّةَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ.
لِمَا رَوَى شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: سَل عَلِيًّا، فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ فَقَال: جَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ يَمْسَحُ مُدَّةَ الْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ لأَِنَّهُ مُقِيمٌ حُكْمًا. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الْمَسْحَ ثَلاَثَةَ стр. 15188
أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ مِنَ الزَّمَنِ مَا لَمْ يَخْلَعْهُ أَوْ يَحْدُثْ لَهُ مَا يُوجِبُ الْغُسْل، وَنَحْوُهُ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُسَافِرِ الَّذِي يَشُقُّ اشْتِغَالُهُ بِالْخَلْعِ وَاللُّبْسِ، كَالْبَرِيدِ الْمُجَهَّزِ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (مَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ) .
ب - قَصْرُ الصَّلاَةِ وَجَمْعُهَا:
١٢ - أَجْمَعُ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ قَصْرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرِ (٢) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) وَلِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ стр. 15189
قَال: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. قَال. عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ (١) . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ السَّفَرَ مِنَ الأَْعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِجَمْعِ الصَّلَوَاتِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ إِلاَّ فِي عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ. فَيُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة الْمُسَافِرِ) .
ج - سُقُوطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْقَامَةَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى هَذَا فَلاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمُسَافِرِ لِقَوْل النَّبِيِّ: مَنْ كَانَ стр. 15190
يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، إِلاَّ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ (١) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي الْجَمْعِ وَغَيْرِهِ فَلَمْ يُصَل أَحَدٌ مِنْهُمُ الْجُمُعَةَ فِيهِ مَعَ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ، وَلأَِنَّ الْمُسَافِرَ يُحْرَجُ فِي حُضُورِ الْجُمُعَةِ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَة الْجُمُعَةِ) .
د - التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ:
١٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ التَّنَفُّل عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ (٣) (٤) ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَطَوُّع) . стр. 15191
هـ - جَوَازُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ:
١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّفَرَ بِشُرُوطِهِ السَّابِقَةِ هُوَ مِنَ الأَْعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِلْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْم) .
ثَانِيًا: أَحْكَامُ السَّفَرِ لِغَيْرِ التَّخْفِيفِ:
أ - حُكْمُ انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِالْمُسَافِرِ:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ الاِسْتِيطَانَ، فَلاَ تَصِحُّ الْجُمُعَةُ بِالْمُسَافِرِ وَلاَ تَنْعَقِدُ بِهِ، أَيْ لاَ يَكْمُل بِهِ نِصَابُهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِالْمُسَافِرِ (٣) . стр. 15192
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةِ الْجُمُعَةِ) .
ب - تَحْرِيمُ السَّفَرِ عَلَى الْمَرْأَةِ إِلاَّ مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ:
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِمُفْرَدِهَا، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ وُجُودِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ مَعَهَا (١) . لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ (٢) ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا: لاَ تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُل عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ. قَال: اخْرُجْ مَعَهَا (٣) .
١٨ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ بِدُونِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. الْمُهَاجِرَةُ وَالأَْسِيرَةُ. فَقَدِ اتَّفَقَ стр. 15193
الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَزِمَهَا الْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَكَذَا إِذَا أَسَرَهَا الْكُفَّارُ وَأَمْكَنَهَا أَنْ تَهْرُبَ مِنْهُمْ فَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ، وَلاَ يَعْتَبِرُ الْحَنَفِيَّةُ خُرُوجَ الْمَرْأَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ سَفَرًا. قَال الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: لأَِنَّهَا لاَ تَقْصِدُ مَكَانًا مُعَيَّنًا بَل النَّجَاةَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَقَطْعُهَا الْمَسَافَةَ كَقَطْعِ السَّائِحِ.
وَلِذَا إِذَا وَجَدَتْ مَأْمَنًا كَعَسْكَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ أَنْ تُقِرَّ وَلاَ تُسَافِرَ إِلاَّ بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. عَلَى أَنَّهَا لَوْ قَصَدَتْ مَكَانًا مُعَيَّنًا لاَ يُعْتَبَرُ قَصْدُهَا وَلاَ يَثْبُتُ السَّفَرُ بِهِ؛ لأَِنَّ حَالَهَا - وَهُوَ ظَاهِرُ قَصْدِ مُجَرَّدِ التَّخَلُّصِ - يُبْطِل تَحْرِيمَتَهَا.
قَال الدُّسُوقِيُّ: إِنْ كَانَ يَحْصُل لَهَا ضَرَرٌ بِكُلٍّ مِنْ إقَامَتِهَا وَخُرُوجِهَا دُونَ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ، خُيِّرَتْ إِنْ تَسَاوَى الضَّرَرَانِ (١) .
كَمَا أَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُسَافِرَ لِلْحَجِّ الْوَاجِبِ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ.
وَلَمْ يَقُل بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ رُفْقَة ف ٩ стр. 15194
(٢٢ ٢٩٩) وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ بِالْحَجِّ سَفَرَهَا الْوَاجِبَ، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ مِنَ النِّسَاءِ الثِّقَاتِ فِي كُل سَفَرٍ يَجِبُ عَلَيْهَا.
قَال الْبَاجِيُّ: وَلَعَل هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِنَّمَا هُوَ فِي الاِنْفِرَادِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ، فَأَمَّا فِي الْقَوَافِل الْعَظِيمَةِ وَالطُّرُقِ الْمُشْتَرَكَةِ الْعَامِرَةِ الْمَأْمُونَةِ فَإِنَّهَا عِنْدِي مِثْل الْبِلاَدِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الأَْسْوَاقُ وَالتُّجَّارُ فَإِنَّ الأَْمْنَ يَحْصُل لَهَا دُونَ ذِي مَحْرَمٍ وَلاَ امْرَأَةٍ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ الأَْوْزَاعِيِّ. قَال الْحَطَّابُ: وَذَكَرَهُ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَيُقَيَّدُ بِهِ كَلاَمُ غَيْرِهِ. أَمَّا سَفَرُهَا فِي التَّطَوُّعِ فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ (١) .
كَمَا أَجَازَ الْفُقَهَاءُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فِي سَفَرِهَا أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ لَزِمَتْهَا الْعِدَّةُ فِي السَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا فَإِنَّهَا تَتْبَعُ زَوْجَهَا حَيْثُ مَضَى لأَِنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ، وَإِنْ كَانَ بَائِنًا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنْ مِصْرِهَا وَمَقْصِدِهَا أَقَل مِنَ السَّفَرِ، فَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ стр. 15195
إِلَى الْمَقْصِدِ وَإِنْ شَاءَتْ رَجَعَتْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي مِصْرٍ أَوْ لاَ، مَعَهَا مَحْرَمٌ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إنْشَاءُ سَفَرٍ، وَخُرُوجُ الْمُطَلَّقَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مَا دُونَ السَّفَرِ مُبَاحٌ إِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ بِمَحْرَمٍ وَبِغَيْرِهِ، إِلاَّ أَنَّ الرُّجُوعَ أَوْلَى لِيَكُونَ الاِعْتِدَادُ فِي مَنْزِل الزَّوْجِ. فَإِنْ كَانَتْ مَسَافَةُ أَحَدِهِمَا أَقَل تَعَيَّنَ، وَنَحْوُهُ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مُضِيَّهَا فِي سَفَرِهَا لاَ يَجُوزُ إِلاَّ إِذَا كَانَ مَعَهَا مَحْرَمٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي رُجُوعِهَا خَوْفٌ أَوْ ضَرَرٌ فَلَهَا الْمُضِيُّ فِي سَفَرِهَا.
وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهَا إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الْعِدَّةِ وَلَكِنْ مَعَ ثِقَةٍ وَلَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الأَْفْضَل عَوْدُ الْمَرْأَةِ إِلَى بَيْتِهَا وَلاَ يَلْزَمُهَا ذَلِكَ إِنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَهُمَا فِي السَّفَرِ (١) .
حُكْمُ السَّفَرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ:
١٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ السَّفَرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَال لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ؛ لأَِنَّ следующие страницы →