← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 15751–15790 · переход к 15756.

стр. 15751

ج - الْعَنْفَقَةُ: ٤ - الْعَنْفَقَةُ: شُعَيْرَاتٌ بَيْنَ الشَّفَةِ السُّفْلَى وَالذَّقَنِ، وَقِيل: الْعَنْفَقَةُ مَا بَيْنَ الذَّقَنِ وَطَرَفِ الشَّفَةِ السُّفْلَى كَانَ عَلَيْهَا شَعْرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَقِيل: الْعَنْفَقَةُ مَا نَبَتَ عَلَى الشَّفَةِ السُّفْلَى مِنَ الشَّعْرِ (١) . د - الْعُثْنُونُ: ٥ - الْعُثْنُونُ: اللِّحْيَةُ أَوْ مَا فَضَل مِنْهَا بَعْدَ الْعَارِضَيْنِ، أَوْ مَا نَبَتَ عَلَى الذَّقَنِ وَتَحْتَهُ سُفْلاً (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّارِبِ (مِنَ الشُّرْبِ) : ٦ - يُطْلَقُ الشَّارِبُ - كَمَا سَبَقَ فِي التَّعْرِيفِ - عَلَى مَنْ شَرِبَ الْمَاءَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَكِنِ الشَّارِبُ الَّذِي عُنِيَ الْفُقَهَاءُ بِالأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ هُوَ شَارِبُ الْخَمْرِ وَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ. وَشُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، بَل إِنَّ الْخَمْرَ أُمُّ الْكَبَائِرِ كَمَا قَال عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄ وَالأَْصْل فِي تَحْرِيمِهَا، قَوْل اللَّهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ

стр. 15752

عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) . انْظُرْ: (أَشْرِبَة، سُكْر) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّارِبِ (الشَّعْرِ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا) : أَوَّلاً: تَطْهِيرُ الشَّارِبِ: أ - فِي الْوُضُوءِ: ٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الشَّارِبِ مَعَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل بَشَرَةِ الشَّارِبِ إِذَا كَانَ خَفِيفًا بِحَيْثُ لاَ يَسْتُرُ شَعْرُ الشَّارِبِ الْبَشَرَةَ؛ أَيِ الْجِلْدَ تَحْتَهُ، فَإِنْ لَمْ تُغْسَل الْبَشَرَةُ - أَيْ لَمْ يَصِل الْمَاءُ إِلَيْهَا - فَلاَ يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ (٢) . وَلَكِنِ الْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ إيصَال الْمَاءِ إِلَى بَشَرَةِ الشَّارِبِ فِي الْوُضُوءِ إِذَا كَانَ الشَّعْرُ كَثِيفًا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْل بَاطِنِ شَعْرِ الشَّارِبِ وَإِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ إِذَا كَانَ كَثِيفًا، لَكِنِ الشَّارِبُ إِذَا كَانَ طَوِيلاً يَسْتُرُ حُمْرَةَ الشَّفَتَيْنِ وَجَبَ تَخْلِيلُهُ لأَِنَّهُ يَمْنَعُ ظَاهِرًا وُصُول الْمَاءِ إِلَى

стр. 15753

جَمِيعِ الشَّفَةِ أَوْ بَعْضِهَا، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ كَانَ كَثِيفًا، وَتَخْلِيلُهُ مُحَقِّقٌ لِوُصُول الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِهَا (١) . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ مَعَ غَسْل الْوَجْهِ غَسْل ظَاهِرِ الشَّعْرِ إِذَا كَانَ كَثِيفًا، وَيُكْرَهُ تَخْلِيل الشَّعْرِ الْكَثِيفِ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ (٢) . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ مَعَ غَسْل الْوَجْهِ غَسْل الشَّارِبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ وَإِنْ كَثُفَ الشَّعْرُ؛ لأَِنَّ كَثَافَتَهُ نَادِرَةٌ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ، وَالْمُرَادُ بِالظَّاهِرِ: الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، وَبِالْبَاطِنِ: خِلاَل الشَّعْرِ وَالْبَشَرَةُ الَّتِي تَحْتَهُ، وَقِيل: الظَّاهِرُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، وَالْبَاطِنُ مَا بَيْنَهُمَا وَأُصُول الشَّعْرِ (٣) . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الشَّارِبِ مَعَ الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ. فَإِنْ كَانَ شَعْرُ الشَّارِبِ كَثِيفًا لاَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ أَجْزَأَ غَسْل ظَاهِرِهِ، وَيُسَنُّ تَخْلِيل الشَّارِبِ إِذَا كَانَ كَثِيفًا وَغَسْل بَاطِنِهِ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ ذَكَرَ فِي

стр. 15754

الشَّارِبِ وَجْهًا آخَرَ فِي وُجُوبِ غَسْل بَاطِنِهِ وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا؛ لأَِنَّهُ يَسْتُرُ مَا تَحْتَهُ عَادَةً، وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ كَانَ نَادِرًا فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ (١) . ب - فِي الْغُسْل: ٨ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْغُسْل تَعْمِيمُ الشَّارِبِ شَعْرًا وَبَشَرَةً بِالْمَاءِ، كَثِيفًا كَانَ الشَّارِبُ أَوْ خَفِيفًا، لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ تَحْتَ كُل شَعْرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ (٢) . وَلِمَا رَوَى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِل بِهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وَكَذَا قَال عَلِيٌّ ﵁: " فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ شَعْرِي ثَلاَثًا " وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ (٣) . وَلأَِنَّ الْحَدَثَ فِي الْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ عَمَّ جَمِيعَ الْبَدَنِ فَوَجَبَ تَعْمِيمُهُ بِالْغُسْل، وَلأَِنَّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ بَشَرَةٌ أَمْكَنَ إيصَال الْمَاءِ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَ كَسَائِرِ بَشَرَتِهِ؛ وَلأَِنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ فِي مَحَل الْغُسْل

стр. 15755

فَوَجَبَ غَسْلُهُ؛ وَلأَِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْل الْبَشَرَةِ غَسْلُهُ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ لأَِنَّ الْوَاجِبَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِهِ (١) . ج - إِعَادَةُ التَّطَهُّرِ بَعْدَ حَلْقِ الشَّارِبِ: ٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ أَوِ اغْتَسَل ثُمَّ حَلَقَ شَارِبَهُ أَوْ قَصَّهُ، لاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَلاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ غَسْل مَحَل الْحَلْقِ أَوِ الْقَصِّ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِيمَا يَشْمَل هَذِهِ الْحَالَةَ: وَمَتَى غَسَل هَذِهِ الشُّعُورَ ثُمَّ زَالَتْ عَنْهُ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي طَهَارَتِهِ، قَال يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: مَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلاَّ طَهَارَةً، وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ؛ لأَِنَّ فَرْضَ الْغَسْل انْتَقَل إِلَى الشَّعْرِ أَصْلاً، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ غَسَل الْبَشَرَةَ دُونَ الشَّعْرِ لَمْ يُجْزِهِ، بِخِلاَفِ الْخُفَّيْنِ فَإِنَّ مَسْحَهُمَا بَدَلٌ عَنْ غَسْل الرِّجْلَيْنِ فَيُجْزِئُ غَسْل الرِّجْلَيْنِ دُونَ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ (٢) . وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ ظُهُورَ بَشَرَةِ الْوَجْهِ بَعْدَ غَسْل شَعْرِهِ يُوجِبُ غَسْلَهَا قِيَاسًا عَلَى ظُهُورِ قَدَمِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفِّ (٣) .

стр. 15756

ثَانِيًا: الأَْخْذُ مِنَ الشَّارِبِ: ١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ الْفِطْرَةِ؛ لِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ - أَوْ: خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ - الْخِتَانُ وَالاِسْتِحْدَادُ وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ وَنَتْفُ الإِْبْطِ وَقَصُّ الشَّارِبِ (١) . قَال النَّوَوِيُّ: وَتَفْسِيرُ الْفِطْرَةِ بِالسُّنَّةِ هُنَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مِنَ السُّنَّةِ قَصُّ الشَّوَارِبِ وَنَتْفُ الإِْبْطِ وَتَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ (٢) . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الأَْخْذَ مِنَ الشَّارِبِ مِنَ السُّنَّةِ (٣) ، لِلْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَلِمَا وَرَدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁

стр. 15757

قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا (١) . ١١ - لَكِنِ الْفُقَهَاءُ اخْتَلَفُوا فِي ضَابِطِ الأَْخْذِ مِنَ الشَّارِبِ، هَل يَكُونُ بِالْقَصِّ أَمْ بِالْحَلْقِ أَمْ بِالإِْحْفَاءِ؟ (٢) . فَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُسَنُّ فِي الشَّارِبِ، وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ الْخِلاَفَ فَقَال: الْمَذْهَبُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ الْقَصُّ، قَال فِي الْبَدَائِعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقَال الطَّحَاوِيُّ: الْقَصُّ حَسَنٌ وَالْحَلْقُ أَحْسَنُ، وَهُوَ قَوْل عُلَمَائِنَا الثَّلاَثَةِ. وَأَمَّا طَرَفَا الشَّارِبِ، وَهُمَا السَّبَالاَنِ، فَقِيل: هُمَا مِنْهُ، وَقِيل: مِنَ اللِّحْيَةِ، وَعَلَيْهِ فَلاَ بَأْسَ بِتَرْكِهِمَا، وَقِيل: يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالأَْعَاجِمِ وَأَهْل الْكِتَابِ، وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ. وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ تَوْفِيرَ

стр. 15758

الشَّارِبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِلْغَازِي مَنْدُوبٌ؛ لِيَكُونَ أَهْيَبَ فِي عَيْنِ الْعَدُوِّ (١) . وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَهُمْ قَصُّ الشَّارِبِ كُل أُسْبُوعٍ، وَالأَْفْضَل يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَرَاءَ الأَْرْبَعِينَ لِمَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَال: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَْظْفَارِ وَنَتْفِ الإِْبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لاَ تُتْرَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٢) وَهُوَ مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَيْسَ لِلرَّأْيِ فِيهَا مَدْخَلٌ فَيَكُونُ كَالْمَرْفُوعِ (٣) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: قَصُّ الشَّارِبِ مِنَ الْفِطْرَةِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : قُصُّوا الشَّوَارِبَ (٤) وَهُوَ سُنَّةٌ خَفِيفَةٌ، فَلَيْسَ الأَْمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ، وَالسُّنَّةُ: الْقَصُّ لاَ الإِْحْفَاءُ، وَالشَّارِبُ لاَ يُحْلَقُ بَل يُقَصُّ، قَال يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُول: يُؤْخَذُ مِنَ الشَّارِبِ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَهُوَ الإِْطَارُ، وَلاَ يَجُزُّهُ فَيُمَثِّل بِنَفْسِهِ.

стр. 15759

وَفِي قَصِّ السَّبَالَتَيْنِ عِنْدَهُمْ قَوْلاَنِ. وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ حَلْقُ مَا خُلِقَ لَهَا مِنْ شَارِبٍ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: قَصُّ الشَّارِبِ سُنَّةٌ لِلأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ فِي قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الأَْيْمَنِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُل شَيْءٍ (٢) . وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُصَّ شَارِبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَقُصَّهُ لَهُ غَيْرُهُ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُل مِنْ غَيْرِ هَتْكِ مُرُوءَةٍ. وَأَمَّا حَدُّ مَا يَقُصُّهُ: فَالْمُخْتَارُ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ، وَلاَ يَحُفُّهُ مِنْ أَصْلِهِ، قَالُوا: وَحَدِيثُ: أَحْفُوا الشَّوَارِبَ. . . (٣) مَحْمُولٌ عَلَى مَا طَال عَلَى الشَّفَتَيْنِ، وَعَلَى الْحَفِّ مِنْ طَرَفِ الشَّفَةِ لاَ مِنْ أَصْل الشَّعْرِ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ

стр. 15760

شَارِبِهِ (١) ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيل الرَّحْمَنِ يَفْعَلُهُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ شُرَحْبِيل بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلاَنِيِّ قَال: رَأَيْتُ خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ وَيَعْفُونَ لِحَاهُمْ وَيُصَغِّرُونَهَا: أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثَّمَالِيُّ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيُّ، كَانُوا يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ (٢) . وَقَال الْمُحَاطِيُّ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ حَلْقُ الشَّارِبِ. وَقَال الْبَاجُورِيُّ: إِحْفَاءُ الشَّارِبِ بِالْحَلْقِ أَوِ الْقَصِّ مَكْرُوهٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْلِقَ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى تَظْهَرَ الشَّفَةُ، وَأَنْ يَقُصَّ مِنْهُ شَيْئًا وَيُبْقِيَ مِنْهُ شَيْئًا. وَنَقَل الزَّرْكَشِيُّ عَنْ أَبِي حَامِدٍ وَالصَّيْمَرِيِّ؛ اسْتِحْبَابَ الإِْحْفَاءِ، ثُمَّ قَال: وَلَمْ نَجِدْ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَصًّا، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ رَأَيْنَاهُمْ كَالْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ كَانَا يُحْفِيَانِ شَوَارِبَهُمَا، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا أَخَذَا

стр. 15761

ذَلِكَ عَنْهُ، وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: وَزَعَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ. وَلاَ بَأْسَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِتَرْكِ السَّبَالَتَيْنِ، وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ، لِفِعْل عُمَرَ ﵁ وَغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُمَا لاَ يَسْتُرَانِ الْفَمَ، وَلاَ يَبْقَى فِيهِمَا غَمَرُ الطَّعَامِ إِذْ لاَ يَصِل إِلَيْهِمَا. وَيُكْرَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَأْخِيرُ قَصِّ الشَّارِبِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَالتَّأْخِيرُ إِلَى مَا بَعْدَ الأَْرْبَعِينَ أَشَدُّ كَرَاهَةً لِخَبَرِ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمِ. قَال فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَعْنَى الْخَبَرِ أَنَّهُمْ لاَ يُؤَخِّرُونَ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ فَإِنْ أَخَّرُوهَا فَلاَ يُؤَخِّرُونَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ، لاَ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَهَا إِلَى الأَْرْبَعِينَ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالأَْصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْلِيمُ الأَْظْفَارِ وَالأَْخْذُ مِنْ هَذِهِ الشُّعُورِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ قَصُّ الشَّارِبِ - أَيْ قَصُّ الشَّعْرِ الْمُسْتَدِيرِ عَلَى الشَّفَةِ - أَوْ قَصُّ طَرَفِهِ، وَحَفُّهُ أَوْلَى نَصًّا، قَال فِي النِّهَايَةِ: إِحْفَاءُ الشَّوَارِبِ أَنْ تُبَالِغَ فِي قَصِّهَا، وَمِنَ

стр. 15762

الشَّارِبِ السَّبَالاَنِ وَهُمَا طَرَفَاهُ، لِحَدِيثِ أَحْمَدَ: قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْل الْكِتَابِ (١) . وَقَالُوا: يُسَنُّ الأَْخْذُ مِنَ الشَّارِبِ كُل جُمُعَةٍ لِمَا رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ كُل جُمُعَةٍ (٢) فَإِنْ تَرَكَهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كُرِهَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ. . . إِلَخْ؛ وَعَلَّلُوا الأَْخْذَ مِنَ الشَّارِبِ كُل جُمُعَةٍ بِأَنَّهُ إِذَا تُرِكَ يَصِيرُ وَحْشًا. (٣) ثَالِثًا: الأَْخْذُ مِنَ الشَّارِبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: ١٢ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَ الْجُمُعَةِ تَحْسِينُ هَيْئَتِهِ بِقَصِّ الشَّارِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الْمَنْدُوبَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ،

стр. 15763

لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الَّذِي رَوَاهُ الْبَغَوِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ؛ وَلأَِنَّ الْجُمُعَةَ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ الإِْسْلاَمِ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ الْمُقِيمُ لَهَا عَلَى أَحْسَنِ وَصْفٍ، وَإِظْهَارًا لِفَضِيلَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ سَيِّدُ الأَْيَّامِ (١) . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الأَْخْذَ مِنَ الشَّارِبِ يَكُونُ قَبْل حُضُورِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنِ الْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: إِنَّ حَلْقَ الشَّعْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ أَفْضَل لِتَنَالَهُ بَرَكَةُ الصَّلاَةِ (٢) . رَابِعًا: إِزَالَةُ الشَّارِبِ فِي الإِْحْرَامِ: ١٣ - مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إِزَالَةُ الشَّعْرِ مِنْ جَمِيعِ بَدَنِ الْمُحْرِمِ وَمِنْهُ الشَّارِبُ، لِقَوْل اللَّهِ : ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (٣) أَيْ: شُعُورَهَا، نَصَّ عَلَى

стр. 15764

حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَعَدَّى إِلَى شَعْرِ سَائِرِ الْبَدَنِ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، إِذْ حَلْقُهُ يُؤْذِنُ بِالرَّفَاهِيَةِ، وَهُوَ يُنَافِي الإِْحْرَامَ، لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، وَقِيسَ عَلَى الْحَلْقِ النَّتْفُ وَالْقَلْعُ وَنَحْوُهُمَا لأَِنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْحَلْقِ مِنْ حَيْثُ إِزَالَةُ الشَّعْرِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَلْقِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ لأَِنَّهُ هُوَ الْغَالِبُ (١) ، أَمَّا مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ فَيُنْظَرُ فِي (إِحْرَام) (وَحَلْق) . خَامِسًا: الأَْخْذُ مِنْ شَارِبِ الْمَيِّتِ: ١٤ - إِذَا مَاتَ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلاَ يُؤْخَذُ مِنْ شَارِبِهِ وَلاَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ؛ مُرَاعَاةً لإِِحْرَامِهِ، لأَِنَّهُ يَظَل عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا (٢) كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الأَْعْرَابِيِّ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ : اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا (٣) . وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ مِنَ الْمَوْتَى فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي

стр. 15765

الأَْخْذِ مِنْ شَارِبِهِ: وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ: قَال النَّوَوِيُّ: يَحْصُل مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْخْذِ مِنْ شَارِبِ الْمَيِّتِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَالثَّانِي: لاَ يُكْرَهُ وَلاَ يُسْتَحَبُّ، وَالثَّالِثُ: يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ الشَّارِبُ طَوِيلاً؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ (١) . وَلأَِنَّ تَرْكَهُ يُقَبِّحُ مَنْظَرَهُ، وَلأَِنَّهُ فِعْلٌ مَسْنُونٌ فِي الْحَيَاةِ لاَ مَضَرَّةَ فِيهِ فَشُرِعَ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْغُسْل، وَمِمَّنِ اسْتَحَبَّهُ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ. وَمِمَّنْ كَرِهَهُ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْمُزَنِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَصَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الأَْخْذُ مِنْ شَارِبِ الْمَيِّتِ بِأَنَّ الأَْخْذَ مِنْهُ يَكُونُ قَبْل الْغُسْل. وَقَال النَّوَوِيُّ: وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْجُمْهُورُ - يَعْنِي جُمْهُورَ الأَْصْحَابِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - لِدَفْنِ

стр. 15766

هَذِهِ الأَْجْزَاءِ مَعَ الْمَيِّتِ، وَقَال صَاحِبُ الْعُدَّةِ: مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا يُصَرُّ فِي كَفَنِهِ، وَوَافَقَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ فِي الشَّعْرِ الْمُنَتَّفِ فِي تَسْرِيحِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَقَال بِهِ غَيْرُهُمْ. وَقَال صَاحِبُ الْحَادِي: الاِخْتِيَارُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لاَ يُدْفَنُ مَعَهُ إِذْ لاَ أَصْل لَهُ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا أُخِذَ الشَّعْرُ جُعِل مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ؛ لأَِنَّهُ مِنَ الْمَيِّتِ فَيُسْتَحَبُّ جَعْلُهُ فِي أَكْفَانِهِ كَأَعْضَائِهِ، فَيُغَسَّل وَيُجْعَل مَعَهُ (٢) . سَادِسًا: أَخْذُ الْمُعْتَكِفِ مِنْ شَارِبِهِ: ١٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَضُرُّ فِي الاِعْتِكَافِ أَخْذُ الْمُعْتَكِفِ مِنْ شَارِبِهِ إِذَا لَمْ يُلَوِّثِ الْمَسْجِدَ بِذَلِكَ، لِعَدَمِ وُرُودِ تَرْكِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلاَ الأَْمْرِ بِهِ، وَالأَْصْل بَقَاءُ الإِْبَاحَةِ. لَكِنِ الْمَالِكِيَّةُ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَارِبِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ جَمَعَ مَا يَأْخُذُهُ فِي ثَوْبِهِ وَأَلْقَاهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لِحُرْمَتِهِ،

стр. 15767

فَإِنْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يُبْطِل اعْتِكَافَهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ مِنْهُمْ بِإِبْطَال الاِعْتِكَافِ بِكُل مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلاَ يَبْطُل اعْتِكَافُهُ عِنْدَ مَنْ خَصَّ الإِْبْطَال بِالْكَبِيرَةِ. وَقَالُوا: إِذَا احْتَاجَ الْمُعْتَكِفُ إِلَى قَصِّ شَارِبِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُدْنِيَ رَأْسَهُ لِمَنْ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَيُصْلِحُهُ، وَلاَ يَخْرُجُ فِي ذَلِكَ إِلَى بَيْتِهِ وَلاَ إِلَى دُكَّانِ الْحَجَّامِ، لأَِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُسَنُّ صَوْنُ الْمَسَاجِدِ عَنْ كُل قَذَرٍ كَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَحْوِهِ (٢) . سَابِعًا: الْوُضُوءُ وَالْغُسْل بَعْدَ قَصِّ الشَّارِبِ: ١٦ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِمَنْ قَصَّ شَارِبَهُ، وَكَذَلِكَ الْغُسْل (٣) . ثَامِنًا: الْجِنَايَةُ عَلَى الشَّارِبِ: ١٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى

стр. 15768

الشَّارِبِ حُكُومَةُ عَدْلٍ، لأَِنَّ الشَّارِبَ تَبَعٌ لِلِّحْيَةِ فَصَارَ كَبَعْضِ أَطْرَافِهَا (١) . وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ (حُكُومَة عَدْلٍ) . شَارِب الْخَمْرِ انْظُرْ: حُدُود، سُكْر

стр. 15769

شَارِد التَّعْرِيفُ: ١ - الشَّارِدُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ شَرَدَ، يُقَال: شَرَدَ الْبَعِيرُ شُرُودًا: نَدَّ وَنَفَرَ، الاِسْمُ الشِّرَادُ، بِالْكَسْرِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الآْبِقُ: ٢ - الآْبِقُ: هُوَ الْعَبْدُ الْمُنْطَلِقُ تَمَرُّدًا عَلَى مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلاَ كِبَرٍ فِي الْعَمَل، وَيُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ الآْبِقِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مُتَخَفِّيًا مُطْلَقًا لِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَفْظُ الآْبِقِ خَاصٌّ بِالإِْنْسَانِ، وَالشَّارِدُ خَاصٌّ بِالْحَيَوَانِ. (انْظُرِ الْمَوْسُوعَةَ: إِبَاق) .

стр. 15770

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: (١) بَيْعُ الشَّارِدِ أَوْ إجَارَتُهُ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ بَيْعُ الْجَمَل الشَّارِدِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا لاَ يَقْدِرُ الْبَائِعُ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِلْمُشْتَرِي لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (١) وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ الْبَيْعِ هُوَ تَمْلِيكُ التَّصَرُّفِ، وَذَلِكَ لاَ يَتَحَقَّقُ فِيمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ. وَلاَ يَجُوزُ كَذَلِكَ أَنْ يُؤَجِّرَ بَعِيرًا شَارِدًا أَوْ نَحْوَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ (٢) التَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع، إِجَارَة) . (٢) ذَبْحُ الْحَيَوَانِ الشَّارِدِ: ٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَوَحَّشَ الْحَيَوَانُ الآْنِسُ الْمَأْكُول، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى ذَبْحِهِ فِي مَحَل الذَّكَاةِ كَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، أَوِ الْبَقَرَةِ أَوِ الشَّاةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَكُل مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ مَحَلٌّ

стр. 15771

لِذَكَاتِهِ، فَإِذَا جَرَحَهُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ سَوَاءٌ الْخَاصِرَةُ أَوِ الْفَخِذُ أَوْ غَيْرِهِمَا فَمَاتَ حَل أَكْلُهُ؛ أَيْ أَنَّهُ يَكْفِي فِي ذَبْحِهِ أَيُّ جُرْحٍ يُفْضِي إِلَى الزَّهُوقِ كَيْفَ كَانَ؛ لِمَا رَوَاهُ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ﵁ قَال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ : فَأَصَابَ النَّاسُ غَنَمًا وَإِبِلاً فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ بِهِ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ هَذِهِ الْبَهَائِمَ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا (١) ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: " مَا أَعْجَزَكَ مِنَ الْبَهَائِمِ مِمَّا فِي يَدِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ. قَال النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّوَحُّشِ مُجَرَّدَ الإِْفْلاَتِ بَل مَتَى تَيَسَّرَ اللُّحُوقُ بِهِ بِعَدْوٍ أَوِ اسْتِعَانَةٍ بِمَنْ يُمْسِكُهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ تَوَحُّشًا وَلاَ يَحِل حِينَئِذٍ إِلاَّ بِالذَّبْحِ فِي الْمَذْبَحِ. وَفَرَّقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الْفِرَارِ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْفِرَارِ فِي الْمِصْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّاةِ. فَقَالُوا: إِذَا شَرَدَتِ الشَّاةُ فِي الصَّحْرَاءِ تُذْبَحُ اضْطِرَارًا، وَلَهُ أَنْ يَجْرَحَهَا مِنْ أَيِّ مَكَانٍ مِنْ

стр. 15772

بَدَنِهَا حَتَّى وَإِنْ أَصَابَ فِي قَرْنِهَا أَوْ ظِلْفِهَا وَأَدْمَاهَا ثُمَّ مَاتَتْ حَل أَكْلُهَا لِتَعَذُّرِ ذَبْحِهَا الْعَادِيِّ. أَمَّا إِذَا شَرَدَتْ فِي الْمِصْرِ فَلاَ يَجُوزُ ذَبْحُهَا اضْطِرَارًا لأَِنَّ ذَكَاتَهَا الْعَادِيَّةَ غَيْرُ مُتَعَذِّرَةٍ. وَإِلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ ذَهَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَكَذَا ابْنُ حَبِيبٍ مِنْهُمْ فِي الْبَقَرَةِ الشَّارِدَةِ خَاصَّةً. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَرَبِيعَةُ إِلَى أَنَّ الشَّارِدَ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَغَيْرِهَا، لاَ يَحِل إِلاَّ بِذَكَاتِهِ فِي مَوْضِعِ الذَّبْحِ الْمُعْتَادِ - الْحَلْقِ أَوِ اللَّبَّةِ - وَلاَ يَتَغَيَّرُ مَوْضِعُ الذَّكَاةِ بِشُرُودِهِ وَتَوَحُّشِهِ (١) . لِقَوْلِهِ ﷺ : الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ (٢) انْظُرْ: (ذَبْح، ذَكَاة، صَيْد) .

стр. 15773

شَارِع انْظُرْ: ارْتِفَاق، حُكْم حَاكِمٍ، طَرِيق شَاة انْظُرْ: غَنَم شَاهِين انْظُرْ: أَطْعِمَة، صَيْد

стр. 15774

شُؤْم التَّعْرِيفُ: ١ - الشُّؤْمُ لُغَةً: الشَّرُّ، وَرَجُلٌ مَشْئُومٌ: غَيْرُ مُبَارَكٍ، وَتَشَاءَمَ الْقَوْمُ بِهِ مِثْل تَطَيَّرُوا بِهِ، وَالتَّشَاؤُمُ تَوَقُّعُ الشَّرِّ (١) . فَقَدْ كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا أَرَادَتِ الْمُضِيَّ لِمُهِمٍّ تَطَيَّرَتْ بِأَنْ مَرَّتْ بِجَاثِمِ الطَّيْرِ، فَتُثِيرُهَا لِتَسْتَفِيدَ: هَل تَمْضِي أَوْ تَرْجِعُ؟ فَإِنْ ذَهَبَ الطَّيْرُ شِمَالاً تَشَاءَمُوا فَرَجَعُوا وَإِنْ ذَهَبَ يَمِينًا تَيَامَنُوا فَمَضَوْا (٢) . فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْ ذَلِكَ وَقَال: لاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَّةَ (٣) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْفَأْل: ٢ - الْفَأْل: قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يُسْتَبْشَرُ بِهِ.

стр. 15775

يُقَال: تَفَاءَل بِالشَّيْءِ تَفَاؤُلاً وَفَأْلاً، وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِيمَا يُكْرَهُ، يُقَال: لاَ فَأْل عَلَيْكَ؛ أَيْ: لاَ ضَيْرَ عَلَيْكَ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَحْسَنُهَا الْفَأْل (١) وَهُوَ أَنْ يَسْمَعَ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ فَيَتَيَمَّنَ بِهَا، وَهُوَ ضِدُّ الطِّيَرَةِ، كَأَنْ يَسْمَعَ مَرِيضٌ: يَا سَالِمُ، أَوْ طَالِبٌ: يَا وَاجِدُ (٢) . وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ (٣) . الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٣ - ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى كَرَاهَةِ التَّشَاؤُمِ وَالطِّيَرَةِ دُونَ الْفَأْل. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، لاَ يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَرْضًا سَأَل عَنِ

стр. 15776

اسْمِهَا، فَإِنْ كَانَ حَسَنًا رُئِيَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ رَجُلاً سَأَل عَنِ اسْمِهِ فَإِنْ كَانَ حَسَنَ الاِسْمِ رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ (١) . وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ (٢) . وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ: إِنَّهُ قَوْل غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الأَْصْحَابِ. وَقَال: الأَْوْلَى الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِهَا، وَلَعَل مُرَادَهُمْ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ التَّشَاؤُمَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمَ اعْتِقَادُهَا وَالْعَمَل بِهَا. وَلِقَوْلِهِ ﵊: لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ وَلاَ مَنْ تُطُيِّرَ لَهُ (٣) . وَلِقَوْلِهِ ﷺ : الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَمَا مِنَّا

стр. 15777

إِلاَّ تَطَيَّرَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّل (١) . قَال النَّوَوِيُّ: كَانَتْ تَصُدُّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْوْقَاتِ عَنْ مَصَالِحِهِمْ، فَنَفَى الشَّرْعُ ذَلِكَ وَأَبْطَلَهُ وَنَهَى عَنْهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ بِنَفْعٍ وَلاَ بِضُرٍّ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ لاَ طِيَرَةَ (٢) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: الطِّيَرَةُ شِرْكٌ أَيْ: اعْتِقَادُ أَنَّهَا تَنْفَعُ أَوْ تَضُرُّ إِذَا عَمِلُوا بِمُقْتَضَاهَا مُعْتَقِدِينَ تَأْثِيرَهَا فَهُوَ شِرْكٌ لأَِنَّهُمْ جَعَلُوا لَهَا أَثَرًا فِي الْفِعْل وَالإِْيجَادِ، وَأَمَّا الْفَأْل، وَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْكَلِمَةِ الصَّالِحَةِ وَالْحَسَنَةِ وَالطَّيِّبَةِ. قَال الْعُلَمَاءُ: يَكُونُ الْفَأْل فِيمَا يَسُرُّ وَفِيمَا يَسُوءُ، وَالْغَالِبُ فِي السُّرُورِ، وَالطِّيَرَةُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِيمَا يَسُوءُ. قَالُوا: وَقَدْ يُسْتَعْمَل مَجَازًا فِي السُّرُورِ يُقَال: تَفَاءَلْتُ بِكَذَا، بِالتَّخْفِيفِ، وَتَفَأَّلْت بِالتَّشْدِيدِ، وَهُوَ الأَْصْل. قَال الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا أُحِبُّ الْفَأْل لأَِنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا أَمَّل فَائِدَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلَهُ عِنْدَ سَبَبٍ قَوِيٍّ أَوْ ضَعِيفٍ، فَهُوَ عَلَى خَيْرٍ فِي الْحَال وَإِنْ غَلَطَ فِي جِهَةِ الرَّجَاءِ، فَالرَّجَاءُ لَهُ

стр. 15778

خَيْرٌ، وَأَمَّا إِذَا قَطَعَ رَجَاءَهُ وَأَمَلَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ ذَلِكَ شَرٌّ لَهُ، وَالطِّيَرَةُ فِيهَا سُوءُ الظَّنِّ، وَتَوَقُّعُ الْبَلاَءِ (١) . وَانْظُرْ أَيْضًا: (تَطَيُّر. تَفَاؤُل) . شُؤْمُ الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ: ٤ - قَال ﵊: إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ (٢) . وَعَنْ سَهْل بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ (٣) حَمَل مَالِكٌ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: قَال ابْنُ قُتَيْبَةَ: " وَجْهُهُ أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَعْلَمَهُمْ أَنْ لاَ طِيَرَةَ، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا بَقِيَتِ الطِّيَرَةُ فِي هَذِهِ الأَْشْيَاءِ الثَّلاَثَةِ: فَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: " إِنَّمَا عَنَى أَنَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ هِيَ أَكْثَرُ مَا يَتَطَيَّرُ بِهِ النَّاسُ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَسْتَبْدِل بِهِ غَيْرَهُ ".

стр. 15779

وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ شُؤْمَ الْمَرْأَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ، وَشُؤْمَ الْفَرَسِ إِذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَتْ ضَرُوبًا، وَشُؤْمَ الدَّارِ جَارُ السُّوءِ أَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً عَنِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ أَنْكَرَتْهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ عِنْدَمَا سَمِعَتْهُ وَاعْتَبَرَتْهُ مِنْ أَوْهَامِ رَاوِيهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ فِي رِوَايَتِهِ. فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ دَخَلاَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالاَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَال: الطِّيَرَةُ فِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ فَغَضِبَتْ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَتْ: " مَا قَالَهُ ". وَإِنَّمَا قَال: إِنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: وَلاَ مَعْنَى لإِِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ مُوَافَقَةِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ لِيُخْبِرَ النَّاسَ عَنْ مُعْتَقَدَاتِهِمُ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاصِلَةِ، وَإِنَّمَا بُعِثَ لِيُعَلِّمَهُمْ مَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَعْتَقِدُوهُ (١) .

стр. 15780

التَّسْمِيَةُ بِمَا يُتَطَيَّرُ بِهِ: ٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى كَرَاهِيَةِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ بِمَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ أَوْ إِثْبَاتِهِ، كَبَرَكَةٍ وَغَنِيمَةٍ، وَنَافِعٍ، وَيَسَارٍ، وَحَرْبٍ، وَقُرَّةٍ، وَشِهَابٍ وَحِمَارٍ؛ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لاَ تُسَمِّ غُلاَمَكَ يَسَارًا وَلاَ رَبَاحًا وَلاَ نَجِيحًا، وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُول: أَثَمَّ هُوَ، فَلاَ يَكُونُ. فَتَقُول: لاَ (١) . فَرُبَّمَا كَانَ طَرِيقًا إِلَى التَّشَاؤُمِ وَالتَّطَيُّرِ، فَالنَّهْيُ يَتَنَاوَل مَا يَطْرُقُ إِلَى الطِّيَرَةِ إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَحْرُمُ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّ الآْذِنَ عَلَى مَشْرَبَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ يُقَال لَهُ: رَبَاحٌ (٢) . وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ (تَسْمِيَة ف ١٢) .

стр. 15781

شِبَع التَّعْرِيفُ: ١ - الشِّبَعُ: مَعْرُوفٌ لُغَةً وَاصْطِلاَحًا (١) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الْبِطْنَةُ: ٢ - الْبِطْنَةُ لُغَةً: الاِمْتِلاَءُ الشَّدِيدُ مِنَ الطَّعَامِ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشِّبَعِ: الأَْكْل مِنَ الطَّعَامِ الْحَلاَل فَوْقَ الشِّبَعِ: ٣ - مِنْ آدَابِ الأَْكْل الاِعْتِدَال فِي الطَّعَامِ وَعَدَمُ مِلْءِ الْبَطْنِ، وَأَكْثَرُ مَا يَسُوغُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْعَل الْمُسْلِمُ بَطْنَهُ أَثْلاَثًا: ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ؛ لِحَدِيثِ: مَا مَلأََ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ

стр. 15782

فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ (١) . وَلاِعْتِدَال الْجَسَدِ وَخِفَّتِهِ؛ لأَِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الشِّبَعِ ثِقَل الْبَدَنِ، وَهُوَ يُورِثُ الْكَسَل عَنِ الْعِبَادَةِ وَالْعَمَل، وَيُعْرَفُ الثُّلُثُ بِالاِقْتِصَارِ عَلَى ثُلُثِ مَا كَانَ يَشْبَعُ بِهِ، وَقِيل يُعْرَفُ بِالاِقْتِصَارِ عَلَى نِصْفِ الْمُدِّ، وَاسْتَظْهَرَ النَّفْرَاوِيُّ الأَْوَّل لاِخْتِلاَفِ النَّاسِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ لاَ يُضْعِفُهُ قِلَّةُ الشِّبَعِ، وَإِلاَّ فَالأَْفْضَل فِي حَقِّهِ اسْتِعْمَال مَا يَحْصُل لَهُ بِهِ النَّشَاطُ لِلْعِبَادَةِ، وَاعْتِدَال الْبَدَنِ (٢) . وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الأَْكْل عَلَى مَرَاتِبَ: فَرْضٍ: وَهُوَ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ الْهَلاَكُ، فَإِنْ تَرَكَ الأَْكْل وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدْ عَصَى. وَمَأْجُورٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الصَّلاَةِ قَائِمًا، وَيُسَهِّل عَلَيْهِ الصَّوْمَ. وَمُبَاحٌ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الشِّبَعِ لِتَزْدَادَ قُوَّةُ الْبَدَنِ وَلاَ أَجْرَ فِيهِ وَلاَ وِزْرَ وَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ حِسَابًا يَسِيرًا إِنْ كَانَ مِنْ حِلٍّ. وَحَرَامٌ، وَهُوَ الأَْكْل فَوْقَ الشِّبَعِ إِلاَّ إِذَا

стр. 15783

قَصَدَ بِهِ التَّقَوِّيَ عَلَى صَوْمِ الْغَدِ، أَوْ لِئَلاَّ يَسْتَحْيِ الضَّيْفُ فَلاَ بَأْسَ بِأَكْلِهِ فَوْقَ الشِّبَعِ (١) . وَقَال ابْنُ الْحَاجِّ: الأَْكْل فِي نَفْسِهِ عَلَى مَرَاتِبَ، وَاجِبٌ، وَمَنْدُوبٌ، وَمُبَاحٌ، وَمَكْرُوهٌ. وَمُحَرَّمٌ. فَالْوَاجِبُ: مَا يُقِيمُ بِهِ صُلْبَهُ لأَِدَاءِ فَرْضِ رَبِّهِ؛ لأَِنَّ مَا لاَ يُتَوَصَّل إِلَى الْوَاجِبِ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُعِينُهُ عَلَى تَحْصِيل النَّوَافِل وَعَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّاعَاتِ. وَالْمُبَاحُ: الشِّبَعُ الشَّرْعِيُّ. وَالْمَكْرُوهُ: مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ قَلِيلاً وَلَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ، وَالْمُحَرَّمُ: الْبِطْنَةُ. وَهُوَ الأَْكْل الْكَثِيرُ الْمُضِرُّ لِلْبَدَنِ (٢) . وَقَال النَّوَوِيُّ: يُكْرَهُ أَنْ يَأْكُل مِنَ الطَّعَامِ الْحَلاَل فَوْقَ شِبَعِهِ (٣) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ أَكْلُهُ كَثِيرًا بِحَيْثُ لاَ يُؤْذِيهِ (٤) .

стр. 15784

وَفِي الْفُتْيَةِ: يُكْرَهُ مَعَ خَوْفِ تُخَمَةٍ. وَنُقِل عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ كَرَاهَةُ الأَْكْل الْمُؤَدِّي إِلَى التُّخَمَةِ كَمَا نُقِل عَنْهُ تَحْرِيمُهُ (١) . شِبَعُ الْمُضْطَرِّ مِنَ الْمَيْتَةِ: ٤ - إِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ مَرْجُوَّةَ الزَّوَال، فَيُبَاحُ لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُل مِنَ الْمَيْتَةِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ وَيَأْمَنُ مَعَهُ الْمَوْتَ، بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَيَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الشِّبَعِ بِالإِْجْمَاعِ (٢) . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الشِّبَعِ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِلَى أَنَّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْل مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ فَقَطْ. وَلَيْسَ لَهُ الشِّبَعُ لأَِنَّهُ بَعْدَ سَدِّ الرَّمَقِ غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَكْل الْمَيْتَةِ كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالأَْكْل وَهُوَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ (٣) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ، وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ - وَاخْتَارَهَا

стр. 15785

أَبُو بَكْرٍ - أَنَّ الْمُضْطَرَّ يَجُوزُ لَهُ أَكْل الْمَيْتَةِ حَتَّى يَشْبَعَ؛ لأَِنَّ الضَّرُورَةَ تَرْفَعُ التَّحْرِيمَ فَيَعُودُ مُبَاحًا، وَمِقْدَارُ الضَّرُورَةِ هُوَ مِنْ حَالَةِ عَدَمِ الْقُوتِ إِلَى حَالَةِ وُجُودِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ إِنْ تَوَقَّعَ حَلاَلاً قَرِيبًا لَمْ يَجُزْ غَيْرُ سَدِّ الرَّمَقِ، وَإِلاَّ فَفِي قَوْلٍ: يَشْبَعُ، وَالأَْظْهَرُ سَدُّ الرَّمَقِ إِلاَّ أَنْ يَخَافَ تَلَفًا إِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ فَتُبَاحُ لَهُ الزِّيَادَةُ بَل تَلْزَمُهُ لِئَلاَّ يُهْلِكَ نَفْسَهُ (١) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ: (أَكْل، سَدُّ الرَّمَقِ، ضَرُورَة) .

стр. 15786

شَبَه التَّعْرِيفُ: ١ - الشَّبَهُ فِي اللُّغَةِ: الْمِثْل. وَكَذَلِكَ الشَّبَهُ وَالشَّبِيهُ، يُقَال: شَبَّهَهُ فُلاَنًا وَبِهِ: مَثَّلَهُ. وَأَشْبَهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ: صَارَ شَبِيهًا بِهِ وَمَاثَلَهُ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَجَمْعُ الشَّبَهِ أَشْبَاهٌ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. أَمَّا الأُْصُولِيُّونَ فَاسْتَعْمَلُوا الشَّبَهَ فِي مَعْنًى خَاصٍّ فَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهُ الْوَصْفُ الَّذِي لاَ يُعْقَل مُنَاسَبَتُهُ لِحُكْمِ الأَْصْل فِي الْقِيَاسِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي ذَاتِهِ، وَتُظَنُّ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ لاِلْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ (٢) . وَعَرَّفَهُ آخَرُونَ بِأَنَّهُ مَا لاَ يَكُونُ مُنَاسِبًا

стр. 15787

لِذَاتِهِ، بَل يُوهِمُ الْمُنَاسَبَ ةَ. فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ. يَقُول الْبُنَانِيُّ: وَالشَّبَهُ كَمَا يُسَمَّى بِهِ نَفْسُ الْمَسْلَكِ يُسَمَّى بِهِ الْوَصْفُ الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَسْلَكُ (١) وَتَخْرِيجُ الْحُكْمِ بِهَذَا الْمَسْلَكِ يُسَمَّى بِقِيَاسِ الشَّبَهِ. مِثَال ذَلِكَ أَنْ يُقَال فِي إِزَالَةِ الْخَبَثِ: هِيَ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلاَةِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَاءُ وَلاَ تَجُوزُ بِمَائِعٍ آخَرَ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ كَوْنِهَا طَهَارَةً تُرَادُ لِلصَّلاَةِ وَبَيْنَ تَعَيُّنِ الْمَاءِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، فَإِنَّ الْحَدَثَ لاَ يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ إِلاَّ بِالتَّعَبُّدِ وَذَلِكَ بِالْمَاءِ، وَفِي الْخَبَثِ بِإِزَالَةِ عَيْنِهِ، لَكِنْ إِذَا اجْتَمَعَتْ أَوْصَافٌ، مِنْهَا مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ كَكَوْنِهَا طَهَارَةً تُرَادُ لِلصَّلاَةِ، وَمِنْهَا مَا أَلْغَاهُ كَكَوْنِهَا طَهَارَةً عَنِ الْخَبَثِ تَوَهَّمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ، وَأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمُنَاسِبُ: ٢ - الْمُنَاسِبُ: هُوَ الْمُلاَئِمُ لأَِفْعَال الْعُقَلاَءِ عَادَةً، كَمَا يُقَال: هَذِهِ اللُّؤْلُؤَةُ مُنَاسِبَةٌ بِهَذِهِ

стр. 15788

اللُّؤْلُؤَةِ، بِمَعْنَى أَنَّ جَمْعَهَا مَعَهَا فِي سِلْكٍ مُوَافِقٌ لِعَادَةِ الْعُقَلاَءِ. فَمُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ مُوَافِقَةٌ لِعَادَةِ الْعُقَلاَءِ فِي ضَمِّ الشَّيْءِ إِلَى مَا يُلاَئِمُهُ. وَتَخْرِيجُ الْمُنَاسَبَةِ يُسَمَّى بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ؛ أَيْ تَعْيِينِ الْعِلَّةِ بِإِبْدَاءِ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْحُكْمِ مَعَ الاِقْتِرَانِ بَيْنَهُمَا، كَالإِْسْكَارِ فِي حَدِيثِ: كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ (١) فَهُوَ لإِِزَالَتِهِ الْعَقْل مُنَاسِبٌ لِلْحُرْمَةِ (٢) . ب - الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ وَالدَّوَرَانُ: ٣ - الطَّرْدُ: هُوَ مُقَارَنَةُ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ مُنَاسَبَةٍ، كَقَوْل بَعْضِهِمْ فِي الْخَل: مَائِعٌ لاَ تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ فَلاَ تُزَال بِهِ النَّجَاسَةُ كَالدُّهْنِ، بِخِلاَفِ الْمَاءِ فَتُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ فَتُزَال بِهِ النَّجَاسَةُ، فَبِنَاءُ الْقَنْطَرَةِ وَعَدَمُهُ لاَ مُنَاسَبَةَ فِيهِ لِلْحُكْمِ أَصْلاً، وَإِنْ كَانَ مُطَّرِدًا لاَ نَقْضَ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى عَدَمِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ. وَمُقَابِل الطَّرْدِ هُوَ الْعَكْسُ، وَهُوَ انْتِفَاءُ

стр. 15789

الْحُكْمِ لاِنْتِفَاءِ الْوَصْفِ وَالْعِلَّةِ. وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّبَهَ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمُنَاسِبِ وَالطَّرْدِ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ الطَّرْدَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ بِالذَّاتِ وَيُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ بِالذَّاتِ مِنْ حَيْثُ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَيُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ (١) . وَالدَّوَرَانُ: هُوَ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ مَعًا؛ أَيْ: كُلَّمَا وُجِدَ الْوَصْفُ وُجِدَ الْحُكْمُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى الْوَصْفُ انْتَفَى الْحُكْمُ. وَهَذَا الْمَسْلَكُ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ نَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَالْغَزَالِيِّ وَالآْمِدِيِّ. وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ ظَنًّا أَوْ قَطْعًا عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ (٢) . (ر: دَوَرَان) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي بَحْثِ اللَّقِيطِ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَمْ تَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا، يُعْرَضُ اللَّقِيطُ عَلَى الْقَافَةِ (٣) .

стр. 15790

وَتَعْتَمِدُ الْقَافَةُ فِي مَعْرِفَتِهَا الأَْنْسَابَ بِالشَّبَهِ، فَيَلْحَقُ اللَّقِيطُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَنَسٍ وَعَطَاءٍ، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الأَْخْذِ بِقَوْل الْقَائِفِ وَالاِعْتِمَادِ عَلَى الشَّبَهِ بِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَيْهَا مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَال: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَثْبُتُ نَسَبُ اللَّقِيطِ مِنْ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، كَمَا يَثْبُتُ مِنَ اثْنَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ إِذَا ادَّعَيَاهُ مَعًا. فَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ ابْنُهُ مَا لَمْ يُبَرْهِنِ الآْخَرُ. وَلَمْ يَأْخُذُوا بِالشَّبَهِ وَقَوْل الْقَافَةِ لأَِنَّهُ مُجَرَّدُ ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ، فَقَدْ يُوجَدُ الشَّبَهُ بَيْنَ الأَْجَانِبِ أَحْيَانًا، وَيَنْتَفِي بَيْنَ الأَْقَارِبِ (٢) . وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ
следующие страницы →