← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 15786–15825 · переход к 15791.

стр. 15786

شَبَه التَّعْرِيفُ: ١ - الشَّبَهُ فِي اللُّغَةِ: الْمِثْل. وَكَذَلِكَ الشَّبَهُ وَالشَّبِيهُ، يُقَال: شَبَّهَهُ فُلاَنًا وَبِهِ: مَثَّلَهُ. وَأَشْبَهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ: صَارَ شَبِيهًا بِهِ وَمَاثَلَهُ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَجَمْعُ الشَّبَهِ أَشْبَاهٌ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. أَمَّا الأُْصُولِيُّونَ فَاسْتَعْمَلُوا الشَّبَهَ فِي مَعْنًى خَاصٍّ فَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّهُ الْوَصْفُ الَّذِي لاَ يُعْقَل مُنَاسَبَتُهُ لِحُكْمِ الأَْصْل فِي الْقِيَاسِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي ذَاتِهِ، وَتُظَنُّ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ لاِلْتِفَاتِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ (٢) . وَعَرَّفَهُ آخَرُونَ بِأَنَّهُ مَا لاَ يَكُونُ مُنَاسِبًا

стр. 15787

لِذَاتِهِ، بَل يُوهِمُ الْمُنَاسَبَ ةَ. فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ. يَقُول الْبُنَانِيُّ: وَالشَّبَهُ كَمَا يُسَمَّى بِهِ نَفْسُ الْمَسْلَكِ يُسَمَّى بِهِ الْوَصْفُ الْمُشْتَمِل عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَسْلَكُ (١) وَتَخْرِيجُ الْحُكْمِ بِهَذَا الْمَسْلَكِ يُسَمَّى بِقِيَاسِ الشَّبَهِ. مِثَال ذَلِكَ أَنْ يُقَال فِي إِزَالَةِ الْخَبَثِ: هِيَ طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلاَةِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَاءُ وَلاَ تَجُوزُ بِمَائِعٍ آخَرَ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ بَيْنَ كَوْنِهَا طَهَارَةً تُرَادُ لِلصَّلاَةِ وَبَيْنَ تَعَيُّنِ الْمَاءِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، فَإِنَّ الْحَدَثَ لاَ يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ إِلاَّ بِالتَّعَبُّدِ وَذَلِكَ بِالْمَاءِ، وَفِي الْخَبَثِ بِإِزَالَةِ عَيْنِهِ، لَكِنْ إِذَا اجْتَمَعَتْ أَوْصَافٌ، مِنْهَا مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ كَكَوْنِهَا طَهَارَةً تُرَادُ لِلصَّلاَةِ، وَمِنْهَا مَا أَلْغَاهُ كَكَوْنِهَا طَهَارَةً عَنِ الْخَبَثِ تَوَهَّمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ، وَأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْمُنَاسِبُ: ٢ - الْمُنَاسِبُ: هُوَ الْمُلاَئِمُ لأَِفْعَال الْعُقَلاَءِ عَادَةً، كَمَا يُقَال: هَذِهِ اللُّؤْلُؤَةُ مُنَاسِبَةٌ بِهَذِهِ

стр. 15788

اللُّؤْلُؤَةِ، بِمَعْنَى أَنَّ جَمْعَهَا مَعَهَا فِي سِلْكٍ مُوَافِقٌ لِعَادَةِ الْعُقَلاَءِ. فَمُنَاسَبَةُ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ مُوَافِقَةٌ لِعَادَةِ الْعُقَلاَءِ فِي ضَمِّ الشَّيْءِ إِلَى مَا يُلاَئِمُهُ. وَتَخْرِيجُ الْمُنَاسَبَةِ يُسَمَّى بِتَخْرِيجِ الْمَنَاطِ؛ أَيْ تَعْيِينِ الْعِلَّةِ بِإِبْدَاءِ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْمُعَيَّنِ وَالْحُكْمِ مَعَ الاِقْتِرَانِ بَيْنَهُمَا، كَالإِْسْكَارِ فِي حَدِيثِ: كُل مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُل خَمْرٍ حَرَامٌ (١) فَهُوَ لإِِزَالَتِهِ الْعَقْل مُنَاسِبٌ لِلْحُرْمَةِ (٢) . ب - الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ وَالدَّوَرَانُ: ٣ - الطَّرْدُ: هُوَ مُقَارَنَةُ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ مُنَاسَبَةٍ، كَقَوْل بَعْضِهِمْ فِي الْخَل: مَائِعٌ لاَ تُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ فَلاَ تُزَال بِهِ النَّجَاسَةُ كَالدُّهْنِ، بِخِلاَفِ الْمَاءِ فَتُبْنَى الْقَنْطَرَةُ عَلَى جِنْسِهِ فَتُزَال بِهِ النَّجَاسَةُ، فَبِنَاءُ الْقَنْطَرَةِ وَعَدَمُهُ لاَ مُنَاسَبَةَ فِيهِ لِلْحُكْمِ أَصْلاً، وَإِنْ كَانَ مُطَّرِدًا لاَ نَقْضَ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُ الأُْصُولِيِّينَ عَلَى عَدَمِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهِ. وَمُقَابِل الطَّرْدِ هُوَ الْعَكْسُ، وَهُوَ انْتِفَاءُ

стр. 15789

الْحُكْمِ لاِنْتِفَاءِ الْوَصْفِ وَالْعِلَّةِ. وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الشَّبَهَ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمُنَاسِبِ وَالطَّرْدِ، فَإِنَّهُ يُشْبِهُ الطَّرْدَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ بِالذَّاتِ وَيُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ بِالذَّاتِ مِنْ حَيْثُ الْتِفَاتُ الشَّارِعِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَيُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ (١) . وَالدَّوَرَانُ: هُوَ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ مَعًا؛ أَيْ: كُلَّمَا وُجِدَ الْوَصْفُ وُجِدَ الْحُكْمُ، وَكُلَّمَا انْتَفَى الْوَصْفُ انْتَفَى الْحُكْمُ. وَهَذَا الْمَسْلَكُ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ نَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَالْغَزَالِيِّ وَالآْمِدِيِّ. وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ ظَنًّا أَوْ قَطْعًا عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ (٢) . (ر: دَوَرَان) الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٤ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ فِي بَحْثِ اللَّقِيطِ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَمْ تَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، أَوْ تَعَارَضَتْ فِيهِ بَيِّنَتَانِ وَسَقَطَتَا، يُعْرَضُ اللَّقِيطُ عَلَى الْقَافَةِ (٣) .

стр. 15790

وَتَعْتَمِدُ الْقَافَةُ فِي مَعْرِفَتِهَا الأَْنْسَابَ بِالشَّبَهِ، فَيَلْحَقُ اللَّقِيطُ بِمَنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِ. وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَنَسٍ وَعَطَاءٍ، وَالأَْوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى الأَْخْذِ بِقَوْل الْقَائِفِ وَالاِعْتِمَادِ عَلَى الشَّبَهِ بِمَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل عَلَيْهَا مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَال: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدٍ وَأُسَامَةَ وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَال: إِنَّ هَذِهِ الأَْقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ (١) . وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَثْبُتُ نَسَبُ اللَّقِيطِ مِنْ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، كَمَا يَثْبُتُ مِنَ اثْنَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ إِذَا ادَّعَيَاهُ مَعًا. فَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ ابْنُهُ مَا لَمْ يُبَرْهِنِ الآْخَرُ. وَلَمْ يَأْخُذُوا بِالشَّبَهِ وَقَوْل الْقَافَةِ لأَِنَّهُ مُجَرَّدُ ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ، فَقَدْ يُوجَدُ الشَّبَهُ بَيْنَ الأَْجَانِبِ أَحْيَانًا، وَيَنْتَفِي بَيْنَ الأَْقَارِبِ (٢) . وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ

стр. 15791

أَعْرَابِيًّا أَتَاهُ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ، فَقَال: هَل لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَال حُمْرٌ، قَال: فَهَل فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَأَنَّى كَانَ ذَلِكَ؟ قَال: أُرَاهُ عِرْقٌ نَزَعَهُ، قَال: فَلَعَل ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَلْحَقُ نَسَبُ اللَّقِيطِ بِمُلْتَقِطِهِ وَلاَ بِغَيْرِهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى دَعْوَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الأَْخْذَ بِقَوْل الْقَائِفِ وَالاِعْتِمَادَ عَلَى الشَّبَهِ. لَكِنَّهُمْ أَخَذُوا بِالشَّبَهِ فِي مَسَائِل، مِنْهَا: إِذَا وَلَدَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ وَأَمَةُ آخَرَ وَاخْتَلَطَ الْوَلَدَانِ، وَلَمْ تَعْرِفْ كُل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَدَهَا، عَيَّنَتْهُ الْقَافَةُ، وَتَعْتَمِدُ الْقَافَةُ فِي مَعْرِفَتِهَا الأَْنْسَابَ بِالشَّبَهِ عَلَى أَبٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ يُدْفَنْ، لاَ عَلَى شَبَهِ عَصَبَةِ الأَْبِ الْمَدْفُونِ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكْفِيَ قَائِفٌ وَاحِدٌ (٢) . وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي

стр. 15792

مُصْطَلَحَاتِ (قَافَة، لُقَطَة، نَسَب) . ٥ - ثَانِيًا: قَرَّرَ الأُْصُولِيُّونَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ لِلْحُكْمِ مِنْ عِلَّةٍ نَاطَهُ بِهَا الشَّرْعُ، رِعَايَةً لِلْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ طَرِيقٍ لإِِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ وَهُوَ الْمَسْلَكُ. وَهُنَاكَ مَسَالِكُ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، كَالنَّصِّ وَالإِْجْمَاعِ، وَالسَّبْرِ، وَالتَّقْسِيمِ، وَالْمُنَاسَبَةِ، مَعَ تَفْصِيلٍ فِيهَا (١) . وَمَسَالِكُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، كَالشَّبَهِ وَقِيَاسِهِ، وَالطَّرْدِ وَالدَّوَرَانِ وَنَحْوِهَا. وَقَدْ قَرَّرُوا أَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ الْمُشْتَمِل عَلَى الْمُنَاسِبِ بِالذَّاتِ فَالشَّبَهُ لاَ اعْتِبَارَ لَهُ، وَلاَ يُصَارُ إِلَى قِيَاسِهِ اتِّفَاقًا، فَإِنْ تَعَدَّدَتِ الْعِلَّةُ يَتَعَذَّرُ الْمُنَاسِبُ بِالذَّاتِ، بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُ قِيَاسِ الشَّبَهِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْبَاقِلاَّنِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِالطَّرْدِ. وَقَال الشَّافِعِيُّ: هُوَ حُجَّةٌ لِشَبَهِهِ بِالْمُنَاسِبِ، وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالُوا: إِنَّ الشَّبَهَ عِلَّةٌ وَلَيْسَ بِمَسْلَكٍ، بَل إِنْ ثَبَتَ بِمَسْلَكٍ مِنَ الْمَسَالِكِ الأُْخَرِ يُقْبَل، وَإِلاَّ فَلاَ

стр. 15793

وَعَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. شِبْه الْعَمْدِ انْظُرْ: قَتْل شِبْهِ الْعَمْدِ

стр. 15794

شُبْهَة التَّعْرِيفُ: ١ - الشُّبْهَةُ لُغَةً: مِنْ أَشْبَهَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ؛ أَيْ مَاثَلَهُ فِي صِفَاتِهِ. وَالشِّبْهُ، وَالشَّبَهُ، وَالشَّبِيهُ: الْمِثْل. وَالْجَمْعُ: أَشْبَاهٌ، وَالتَّشْبِيهُ التَّمْثِيل. وَالشُّبْهَةُ: الْمَأْخَذُ الْمُلَبِّسُ وَالأُْمُورُ الْمُشْتَبِهَةُ أَيْ: الْمُشْكِلَةُ لِشَبَهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ (١) . وَاصْطِلاَحًا هِيَ: مَا لَمْ يُتَيَقَّنْ كَوْنُهُ حَرَامًا أَوْ حَلاَلاً. أَوْ مَا جُهِل تَحْلِيلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ. أَوْ مَا يُشْبِهُ الثَّابِتَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ (٢) . مَا تَتَنَاوَلُهُ الشُّبْهَةُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ: ٢ - فَسَّرَ الْعُلَمَاءُ الشُّبْهَةَ بِأَرْبَعَةِ تَفْسِيرَاتٍ: الأَْوَّل: مَا تَعَارَضَتْ فِيهِ الأَْدِلَّةُ. الثَّانِي: مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ وَهُوَ مُتَفَرِّعٌ مِنَ الأَْوَّل.

стр. 15795

الثَّالِثُ: الْمَكْرُوهُ. الرَّابِعُ: الْمُبَاحُ الَّذِي تَرْكُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ. وَيَدُل لِلتَّفْسِيرِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُل مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ (١) . وَوَجْهُ الدَّلِيل قَوْلُهُ ﷺ : لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ لاَ يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الْحَلاَل هِيَ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " كَثِيرٌ " أَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِهَا مُمْكِنٌ لِلْقَلِيل مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ.

стр. 15796

فَالشُّبَهُ تَكُونُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لاَ يَظْهَرُ لَهُمْ تَرْجِيحُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ، أَوْ مَعْرِفَةُ الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَال الْعُلَمَاءِ. مَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الْحَال لاَ يُقَال: إِنَّهُ مِنَ الْحَلاَل الْبَيِّنِ وَلاَ مِنَ الْحَرَامِ الْبَيِّنِ، وَالْمُتَبَيِّنُ: هُوَ مَا لاَ إِشْكَال فِيهِ وَهُوَ مَا يَدُل عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ. وَيَدُل لِلتَّفْسِيرِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ أَنَّ الْمَكْرُوهَ يَتَجَاذَبُهُ جَانِبَا الْفِعْل وَالتَّرْكِ، وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ الَّذِي لاَ يُقْصَدُ بِهِ هُنَا مَا اسْتَوَى فِيهِ الْفِعْل وَالتَّرْكُ، بَل يُقْصَدُ بِهِ مَا كَانَ خِلاَفَ الأَْوْلَى، بِأَنْ يَكُونَ مُتَسَاوِيَ الطَّرَفَيْنِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، رَاجِحَ التَّرْكِ عَلَى الْفِعْل بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ لأَِنَّ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْمَكْرُوهِ اجْتَرَأَ عَلَى الْحَرَامِ، وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْمُبَاحِ اجْتَرَأَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَقَدْ يَحْمِل اعْتِيَادُ تَعَاطِي الْمَكْرُوهِ - وَهُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرُ الْمُحَرَّمِ - عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْمُحَرَّمِ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ. وَيَدُل لَهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْحَرَامِ سُتْرَةً مِنَ الْحَلاَل، مَنْ فَعَل اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَلِدِينِهِ (١) . وَالْمَعْنَى أَنَّ الْحَلاَل حَيْثُ يُخْشَى أَنْ يُؤَوَّل فِعْلُهُ مُطْلَقًا

стр. 15797

إِلَى مَكْرُوهٍ أَوْ مُحَرَّمٍ، يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ، كَالإِْكْثَارِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَإِنَّهُ يُحْوِجُ إِلَى كَثْرَةِ الاِكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي أَخْذِ مَا لاَ يَسْتَحِقُّ أَوْ يُفْضِي إِلَى بَطَرِ النَّفْسِ. وَيُرَاجَعُ كَذَلِكَ مُصْطَلَحَاتُ: (إِبَاحَة، حَلاَل، سَدّ الذَّرَائِعِ) (١) . أَقْسَامُ الشُّبْهَةِ: ٣ - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الشُّبْهَةَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ، اتَّفَقَا فِي اثْنَيْنِ مِنْهَا وَانْفَرَدَ كُل مَذْهَبٍ بِقَسَمٍ ثَالِثٍ. فَاتَّفَقَ الْمَذْهَبَانِ فِي الشُّبْهَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَشُبْهَةِ الْفَاعِل. أَمَّا الْقِسْمُ الأَْوَّل فَهُوَ الشُّبْهَةُ الْحُكْمِيَّةُ، وَتُسَمَّى شُبْهَةَ الْمَحَل؛ أَيِ الْمِلْكِ. وَسُمِّيَتْ حُكْمِيَّةً لأَِنَّ حِل الْمَحَل ثَبَتَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ. أَوْ شُبْهَةُ حُكْمِ الشَّرْعِ بِحِل الْمَحَل، لأَِنَّ نَفْسَ حُكْمِ الشَّرْعِ وَمَحَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ شُبْهَتُهُ لِكَوْنِ دَلِيل الْحِل عَارَضَهُ مَانِعٌ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: وَطْءُ مُعْتَدَّةِ الْكِنَايَاتِ وَالْوَطْءِ فِي الْخُلْعِ الْخَالِي عَنِ الْمَال. وَسُمِّيَتْ

стр. 15798

هَذِهِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةَ الْمِلْكِ لأَِنَّ الشُّبْهَةَ وَارِدَةٌ عَلَى كَوْنِ الْمَحَل مَمْلُوكًا. أَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ شُبْهَةُ الْفِعْل: وَتُسَمَّى شُبْهَةَ اشْتِبَاهٍ؛ أَيْ شُبْهَةً فِي حَقِّ مَنْ حَصَل لَهُ اشْتِبَاهٌ، وَذَلِكَ إِذَا ظَنَّ الْحِل؛ لأَِنَّ الظَّنَّ هُوَ الشُّبْهَةُ لِعَدَمِ دَلِيلٍ قَائِمٍ تَثْبُتُ بِهِ الشُّبْهَةُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ شُبْهَةِ الْفِعْل وَشُبْهَةِ الْمَحَل أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي شُبْهَةِ الْمَحَل جَاءَتْ مِنْ دَلِيل حِل الْمَحَل فَلاَ حَاجَةَ فِيهِ إِلَى ظَنِّ الْحِل. وَمِنْ أَمْثِلَةِ شُبْهَةِ الْفِعْل: وَطْءُ مُعْتَدَّةِ الثَّلاَثِ، وَوَطْءُ مُعْتَدَّةِ الطَّلاَقِ عَلَى مَالٍ، وَوَطْءُ الْمُخْتَلِعَةِ عَلَى مَالٍ. وَانْفَرَدَ الْحَنَفِيَّةُ بِقِسْمِ شُبْهَةِ الْعَقْدِ: وَهُوَ مَا وُجِدَ فِيهِ صُورَةُ الْعَقْدِ لاَ حَقِيقَتُهُ وَمَثَّلُوا لَهُ بِمَنْ وَطِئَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ نِكَاحُهَا بِعَقْدٍ. وَلاَ تُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ يُوجِبُهُ إِنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِقِسْمِ شُبْهَةِ الطَّرِيقِ، أَوْ شُبْهَةِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ الشُّبْهَةُ النَّاشِئَةُ عَنِ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ قَال بِالْحِل. وَمَثَّلُوا لَهُ بِالْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ بِدُونِ وَلِيٍّ. وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ هَذَا

стр. 15799

الْقِسْمُ دَاخِلاً فِي الْقِسْمِ الأَْوَّل وَهُوَ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ (الشُّبْهَةَ الْحُكْمِيَّةَ) . (١) حُكْمُ تَعَاطِي الشُّبُهَاتِ: ٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى حُرْمَةِ تَعَاطِي شُبْهَةِ الْمَحَل، وَمَثَّلُوا لَهَا بِوَطْءِ الأَْمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ لِلإِْجْمَاعِ عَلَى حُرْمَتِهِ. أَمَّا شُبْهَةُ الْفِعْل. فَلاَ تُوصَفُ بِحِلٍّ وَلاَ بِحُرْمَةٍ، كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً يَظُنُّهَا حَلِيلَتَهُ لأَِنَّهُ فِي حَالَةِ الْغَفْلَةِ عَنِ الْحَقِيقَةِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ اتِّفَاقًا، وَمِنْ ثَمَّ حُكِيَ الإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ إِثْمِهِ، وَإِذَا انْتَفَى التَّكْلِيفُ انْتَفَى وَصْفُ فِعْلِهِ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ، وَهَذَا مَحْمَل قَوْلِهِمْ: وَطْءُ الشُّبْهَةِ لاَ يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلاَ حُرْمَةٍ. أَمَّا شُبْهَةُ الطَّرِيقِ فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِحَسَبِ مَنْ قُلِّدَ، فَإِنْ قَلَّدَ مَنْ قَال بِالتَّحْرِيمِ حَرُمَتْ، وَإِلاَّ لَمْ تَحْرُمْ. وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: حُرْمَةُ تَعَاطِي شُبْهَةِ الْمَحَل إِذَا كَانَ تَحْرِيمُهَا مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَوَطْءِ الْمُخْتَلِعَةِ عَلَى مَالٍ، حَيْثُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّ الْخُلْعَ عَلَى مَالٍ يَقَعُ بَائِنًا، وَفِيمَا مَثَّل بِهِ

стр. 15800

الشَّافِعِيَّةُ لِحُرْمَةِ تَعَاطِي شُبْهَةِ الْمَحِل مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَى حُرْمَتِهِ، وَهُوَ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ؛ مُوَافَقَةً لِلْحَنَفِيَّةِ. أَمَّا شُبْهَةُ الْفِعْل فَيُعْتَدُّ بِهَا شَرِيطَةَ أَنْ يَظُنَّ الْحِل، كَمَنْ وَطِئَ الْمُخْتَلِعَةَ عَلَى مَالٍ ظَانًّا الْحِل. أَمَّا شُبْهَةُ الْعَقْدِ؛ فَالْمُفْتَى بِهِ عَدَمُ الاِعْتِدَادِ بِهَا فِي إِسْقَاطِ الْحَدِّ، وَهُوَ قَوْل الصَّاحِبَيْنِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ. وَقَدْ حَضَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى تَجَنُّبِ الشُّبُهَاتِ وَوُجُوبِ الاِسْتِبْرَاءِ مِنْهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الاِحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ. يَدُل لَهُ قَوْلُهُ ﷺ : فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِْثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِْثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ (٢) . وَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قُسِّمَتِ الأَْحْكَامُ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ: الأَْوَّل: الْحَلاَل الْبَيِّنُ، وَالثَّانِي: الْحَرَامُ الْبَيِّنُ، وَالثَّالِثُ: مُشْتَبَهٌ لِخَفَائِهِ فَلاَ يُدْرَى هَل هُوَ حَلاَلٌ أَوْ حَرَامٌ، وَلِذَا يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ حَرَامًا فَقَدْ

стр. 15801

بَرِئَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ حَلاَلاً فَقَدْ أُجِرَ لِتَرْكِهِ الْحَلاَل بِنِيَّةِ تَجَنُّبِ الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ. وَاجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ عَلَى مَرَاتِبَ: ٥ - الأُْولَى: مَا يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ لأَِنَّ ارْتِكَابَهُ يَسْتَلْزِمُ ارْتِكَابَ الْحَرَامِ وَهُوَ مَا يَكُونُ أَصْلُهُ التَّحْرِيمَ كَالصَّيْدِ الْمَشْكُوكِ فِي حِل اصْطِيَادِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ قَبْل ذَكَاتِهِ، فَإِذَا شَكَّ فِيهِ بَقِيَ عَلَى أَصْل التَّحْرِيمِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْحِل. يَدُل لِهَذَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَال: سَأَلْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ، فَقَال: إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُل وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَل فَلاَ تَأْكُل، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أُرْسِل كَلْبِي وَأُسَمِّي فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ وَلاَ أَدْرِي أَيُّهُمَا أَخَذَ، قَال: لاَ تَأْكُل إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآْخَرِ. (١) وَيَدُل لَهُ كَذَلِكَ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَال: إِنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَبَسَّمَ

стр. 15802

النَّبِيُّ ﷺ قَال: كَيْفَ وَقَدْ قِيل؟ وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ (١) . وَوَجْهُ الدَّلاَلَةِ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ كَيْفَ وَقَدْ قِيل؟ مُشْعِرٌ بِأَنَّ أَمْرَهُ بِفِرَاقِ امْرَأَتِهِ إِنَّمَا كَانَ لأَِجْل قَوْل الْمَرْأَةِ: إِنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَاحْتَمَل أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَيَرْتَكِبُ الْحَرَامَ، فَأَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا احْتِيَاطًا. الثَّانِيَةُ: مَا أَصْلُهُ الإِْبَاحَةُ كَالطَّهَارَةِ إِذَا اسْتُوْفِيَتْ لاَ تُرْفَعُ إِلاَّ بِتَيَقُّنِ الْحَدَثِ. يَدُل لَهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَال: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الرَّجُل يَجِدُ فِي الصَّلاَةِ شَيْئًا أَيَقْطَعُ الصَّلاَةَ؟ قَال: لاَ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا (٢) . وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَشَكَّ هَل طَلَّقَ، فَلاَ عِبْرَةَ لِذَلِكَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى عِصْمَتِهِ. الثَّالِثَةُ: مَا لاَ يَتَحَقَّقُ أَصْلُهُ وَيَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ، فَالأَْوْلَى تَرْكُهُ. يَدُل لَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ قَال -: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَال: لَوْلاَ أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأََكَلْتُهَا. (٣) وَإِنَّمَا تَرَكَ ﷺ أَكْلَهَا تَوَرُّعًا

стр. 15803

وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّ كُل شَيْءٍ فِي بَيْتِ الإِْنْسَانِ عَلَى الإِْبَاحَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ. الرَّابِعَةُ: مَا يُنْدَبُ اجْتِنَابُهُ. وَمِثَالُهُ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ اجْتِنَابُ مُعَامَلَةِ مَنِ الأَْقَل مِنْ مَالِهِ حَرَامٌ. الْخَامِسَةُ: مَا يُكْرَهُ اجْتِنَابُهُ، وَمِثَالُهُ: اجْتِنَابُ الرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى سَبِيل التَّنَطُّعِ (١) . وَيُرَاجَعُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُصْطَلَحِ (شُبْهَة) مُصْطَلَحُ " اشْتِبَاه " " وَإِبَاحَة " " وَتَعَارُض " " وَحَلاَل " " وَسَدّ الذَّرَائِعِ ". وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِبَحْثِ الشُّبْهَةِ فِي أَبْوَابِ " النِّكَاحِ " وَالْحُدُودِ وَالصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالْبُيُوعِ. شَتْمٌ انْظُرْ: سَبّ

стр. 15804

شِجَاج التَّعْرِيفُ: ١ - الشِّجَاجُ فِي اللُّغَةِ. جَمْعُ شَجَّةٍ، وَالشَّجَّةُ الْجِرَاحَةُ فِي الْوَجْهِ أَوِ الرَّأْسِ، وَلاَ تَكُونُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْجَسَدِ. وَالشَّجَجُ: أَثَرُ الشَّجَّةِ فِي الْجَبِينِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ الشِّجَاجِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الْجِرَاحَةُ: ٢ - الْجِرَاحَةُ أَعَمُّ مِنَ الشَّجَّةِ؛ إِذِ الشَّجَّةُ مَا كَانَتْ خَاصَّةً بِالرَّأْسِ أَوِ الْوَجْهِ، أَمَّا الْجِرَاحَةُ فَتُطْلَقُ عَلَى مَا أَصَابَ الْبَدَنَ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ طَعْنٍ فِي أَيِّ جُزْءٍ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الرَّأْسِ

стр. 15805

أَمْ فِي الْوَجْهِ أَمْ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْجِسْمِ (١) . ب - الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ: ٣ - الْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ: كُل فِعْلٍ مُحَرَّمٍ وَقَعَ عَلَى الأَْطْرَافِ أَوِ الأَْعْضَاءِ سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْقَطْعِ أَمْ بِالْجَرْحِ أَمْ بِإِزَالَةِ الْمَنَافِعِ (ر: جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ) . فَالْجِنَايَةُ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ أَعَمُّ مِنَ الشِّجَاجِ؛ لأَِنَّ الشِّجَاجَ جِنَايَةٌ عَلَى أَجْزَاءٍ خَاصَّةٍ مِنَ الْجِسْمِ وَهِيَ الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ. أَنْوَاعُ الشِّجَاجِ: ٤ - تَتَنَوَّعُ الشِّجَاجُ بِحَسَبِ مَا تُحْدِثُهُ فِي الْجِسْمِ وَهِيَ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ أَوْ أَحَدَ عَشَرَ نَوْعًا مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي تَسْمِيَةِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الشِّجَاجِ وَفِي تَرْتِيبِهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي: (١) الْحَارِصَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ - أَيْ تَخْدِشُهُ - وَلاَ تُخْرِجُ الدَّمَ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْخَارِصَةَ. (٢) الدَّامِعَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُظْهِرُ الدَّمَ وَلاَ تُسِيلُهُ كَالدَّمْعِ فِي الْعَيْنِ.

стр. 15806

(٣) الدَّامِيَةُ: وَهِيَ الَّتِي يَسِيل مِنْهَا الدَّمُ، وَقِيل: الدَّامِيَةُ هِيَ الَّتِي تُدْمِي دُونَ أَنْ يَسِيل مِنْهَا دَمٌ، وَالدَّامِعَةُ هِيَ الَّتِي يَسِيل مِنْهَا الدَّمُ. وَيُسَمِّي الْحَنَابِلَةُ الدَّامِيَةَ وَالدَّامِعَةَ: بَازِلَةً، فَهِيَ عِنْدَهُمْ شَجَّةٌ وَاحِدَةٌ. (٤) الْبَاضِعَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ شَقًّا خَفِيفًا. (٥) الْمُتَلاَحِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ فَتَذْهَبُ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا تَذْهَبُ الْبَاضِعَةُ وَلاَ تَبْلُغُ السِّمْحَاقَ. (٦) السِّمْحَاقُ: وَهِيَ الَّتِي تَصِل إِلَى الْجِلْدَةِ الرَّقِيقَةِ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَهَذِهِ الْجِلْدَةُ تُسَمَّى السِّمْحَاقَ، فَسُمِّيَتِ الشَّجَّةُ بِاسْمِهَا لأَِنَّهَا تَصِل إِلَيْهَا. (٧) الْمُوضِحَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَكْشِفُهُ. (٨) الْهَاشِمَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ وَتَكْسِرُهُ. (٩) الْمُنَقِّلَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَنْقُل الْعَظْمَ بَعْدَ كَسْرِهِ؛ أَيْ تُحَوِّلُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ. (١٠) الآْمَّةُ: وَتُسَمَّى أَيْضًا الْمَأْمُومَةَ وَهِيَ الَّتِي تَصِل إِلَى أُمِّ الدِّمَاغِ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الرَّقِيقَةُ

стр. 15807

الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ وَتُسَمَّى خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ. ١١ - الدَّامِغَةُ: وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ وَتَصِل إِلَى الدِّمَاغِ. وَلاَ يَعِيشُ الإِْنْسَانُ مَعَهَا غَالِبًا، وَلِذَلِكَ يَسْتَبْعِدُهَا مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ الشِّجَاجِ لأَِنَّهَا تُعْتَبَرُ قَتْلاً لِلنَّفْسِ لاَ شَجًّا. كَذَلِكَ اسْتَبْعَدَ مُحَمَّدٌ الْخَارِصَةَ لأَِنَّهُ لاَ يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ غَالِبًا. هَذِهِ هِيَ الشِّجَاجُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَالْمَالِكِيَّةُ كَالْجُمْهُورِ إِلاَّ أَنَّهُمْ سَمَّوْا السِّمْحَاقَ (الْمِلْطَاةَ) وَعَرَّفُوهَا: بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي قَرُبَتْ لِلْعَظْمِ وَلَمْ تَصِل إِلَيْهِ، وَأَطْلَقُوا السِّمْحَاقَ عَلَى مَا كَشَطَ الْجِلْدَ وَزَالَهُ عَنْ مَحَلِّهِ. وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ الْجُمْهُورَ فِي تَرْتِيبِ الشِّجَاجِ فَهِيَ عِنْدَهُمْ: الدَّامِيَةُ، فَالْخَارِصَةُ، فَالسِّمْحَاقُ، فَالْبَاضِعَةُ، فَالْمُتَلاَحِمَةُ، فَالْمِلْطَاةُ، فَالْمُوضِحَةُ، فَالْمُنَقِّلَةُ، فَالآْمَّةُ، فَالدَّامِغَةُ (١) . مَا يَتَعَلَّقُ بِالشِّجَاجِ مِنْ أَحْكَامٍ: أَوَّلاً - مَا يَجِبُ فِي الشِّجَاجِ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ أَرْشٍ:

стр. 15808

٥ - الْجِنَايَةُ فِي الشِّجَاجِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ خَطَأً. فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَفِيهَا قَبْل الْمُوضِحَةِ مِنَ الشِّجَاجِ حُكُومَةُ عَدْلٍ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَلاَ يُمْكِنُ إِهْدَارُهَا فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ إِنْ لَمْ تُعْرَفْ نِسْبَةُ الشَّجَّةِ مِنَ الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ عُرِفَتْ نِسْبَةُ الشَّجَّةِ مِنَ الْمُوضِحَةِ وَجَبَ قِسْطٌ مِنْ أَرْشِهَا بِالنِّسْبَةِ، وَقِيل: يَجِبُ أَكْثَرُ مِنَ الْحُكُومَةِ وَالْقِسْطِ مِنَ الْمُوضِحَةِ، لأَِنَّهُ وُجِدَ سَبَبُ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا وَجَبَ أَحَدُهُمَا. وَالْقَوْل بِوُجُوبِ الْقِسْطِ مِنْ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ إِنْ عُرِفَتْ نِسْبَةُ الشَّجَّةِ مِنْهَا هُوَ قَوْل الْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ قُدَامَةَ. وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ فِي الدَّامِيَةِ بَعِيرًا وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَيْنِ وَفِي الْمُتَلاَحِمَةِ ثَلاَثَةَ أَبْعِرَةٍ وَفِي السِّمْحَاقِ أَرْبَعَةَ أَبْعِرَةٍ، لأَِنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي السِّمْحَاقِ مِثْل ذَلِكَ، رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْهُمَا، وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِيهَا

стр. 15809

نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَالصَّحِيحُ الأَْوَّل (أَيْ عَدَمُ التَّقْدِيرِ فِيمَا قَبْل الْمُوضِحَةِ) لأَِنَّهَا جِرَاحَاتٌ لَمْ يَرِدْ فِيهَا تَوْقِيتٌ فِي الشَّرْعِ فَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ كَجِرَاحَاتِ الْبَدَنِ، وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ قَال: قَضَى النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُوضِحَةِ بِخَمْسٍ مِنَ الإِْبِل وَلَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَهَا (١) . هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْخَطَأِ فِي جِنَايَةِ الشَّجَّةِ الَّتِي قَبْل الْمُوضِحَةِ، فَأَمَّا الْخَطَأُ فِي الْمُوضِحَةِ وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الشِّجَاجِ فَفِيهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، فَفِي الْمُوضِحَةِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَهُوَ خَمْسٌ مِنْ الإِْبِل فِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الإِْبِل (٢) . وَقَدْ وَرَدَ تَفْصِيل دِيَاتِ الشِّجَاجِ فِي بَحْثِ (دِيَات) مِنَ الْمَوْسُوعَةِ الْفِقْهِيَّةِ ٢١ ٨٣ ف ٦٤ وَمَا بَعْدَهَا. ٦ - وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ فِي الشِّجَاجِ عَمْدًا،

стр. 15810

فَإِنْ كَانَتْ مُوضِحَةً فَفِيهَا الْقِصَاصُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) وَلأَِنَّهُ يُمْكِنُ الاِسْتِيفَاءُ فِيهَا بِغَيْرِ حَيْفٍ وَلاَ زِيَادَةٍ، لأَِنَّ لَهَا حَدًّا تَنْتَهِي إِلَيْهِ السِّكِّينُ وَهُوَ الْعَظْمُ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّجَّةُ فَوْقَ الْمُوضِحَةِ كَالْمُنَقِّلَةِ وَالآْمَّةِ فَلاَ قِصَاصَ فِيهَا، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهَا فَلاَ يُوثَقُ بِاسْتِيفَاءِ الْمِثْل مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ بِخِلاَفِ الْمُوضِحَةِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْقِصَاصُ وَجَبَ الدِّيَةُ. لَكِنْ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ جِنَايَةً فَوْقَ الْمُوضِحَةِ أَنْ يُقْتَصَّ مُوضِحَةً؛ لأَِنَّهُ يَقْتَصُّ بَعْضُ حَقِّهِ، وَيَقْتَصُّ مِنْ مَحَل جِنَايَتِهِ، وَإِذَا اقْتَصَّ مُوضِحَةً كَانَ لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ؛ لأَِنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ فِيهِ فَانْتَقَل إِلَى الْبَدَل، وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَبِي حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَرْشُ مَا زَادَ عَلَى الْمُوضِحَةِ؛ لأَِنَّهُ جَرْحٌ وَاحِدٌ فَلاَ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ (٢) . وَأَمَّا الشِّجَاجُ الَّتِي قَبْل الْمُوضِحَةِ كَالدَّامِيَةِ وَالْبَاضِعَةِ وَالْمُتَلاَحِمَةِ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي ظَاهِرِ

стр. 15811

الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهَا لإِِمْكَانِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقِصَاصِ بِالْوُقُوفِ عَلَى نِسْبَةِ الشَّجَّةِ فَيُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْمِثْل. وَاسْتُثْنِيَ مِنَ الْقَوْل بِالْقِصَاصِ الْحَارِصَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالسِّمْحَاقُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الشُّرُنْبُلاَلِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِيهَا دُونَ الْمُوضِحَةِ لِعَدَمِ تَيَسُّرِ ضَبْطِهَا وَاسْتِيفَاءِ الْمِثْل دُونَ حَيْفٍ، وَلأَِنَّهُ لاَ تَقْدِيرَ فِيهَا فَيَجِبُ فِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ كَالْخَطَأِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِي الشِّجَاجِ إِلاَّ فِي الْمُوضِحَةِ وَالسِّمْحَاقِ إِنْ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ فِي السِّمْحَاقِ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَال: مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ خُدُوشٌ، وَفِيهَا حُكُومَةُ عَدْلٍ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَال: مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ فِيهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ (١) .

стр. 15812

ثَانِيًا: وَقْتُ الْحُكْمِ بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ فِي الشِّجَاجِ: ٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالْقِصَاصِ فِي جِنَايَاتِ الشِّجَاجِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الْبُرْءِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ رَجُلاً جَرَحَ رَجُلاً وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِيدَ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْتَقَادَ مِنَ الْجَارِحِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ (١) . وَلأَِنَّ الْجُرْحَ يَحْتَمِل السِّرَايَةَ فَتَصِيرُ قَتْلاً فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَيْرَ حَقِّهِ وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ يَرَى الاِنْتِظَارَ بِالْجُرْحِ حَتَّى يَبْرَأَ. لَكِنْ يَتَخَرَّجُ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ الاِقْتِصَاصُ قَبْل الْبُرْءِ فَإِنِ اقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَبْل بُرْءِ جُرْحِهِ فَسِرَايَةُ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ هَدَرٌ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَجُلاً طَعَنَ رَجُلاً بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: أَقِدْنِي، فَقَال: حَتَّى تَبْرَأَ، ثُمَّ جَاءَ

стр. 15813

إِلَيْهِ فَقَال: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ ثُمَّ جَاءَ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: عَرَجْتُ، فَقَال: قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَل عَرَجُكَ (١) . وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ عَلَى الْفَوْرِ، وَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ. ٨ - وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ الْحُكْمِ بِالْقِصَاصِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ الْحُكْمِ بِالدِّيَةِ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالدِّيَةِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الْبُرْءِ أَيْضًا كَالْقِصَاصِ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ لاَ يَسْتَقِرُّ قَبْل الاِنْدِمَال، لأَِنَّهُ قَدْ يَسْرِي إِلَى النَّفْسِ وَيَدْخُل فِي دِيَةِ النَّفْسِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الأَْرْشِ قَبْل الاِنْدِمَال كَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ قَبْل الاِنْدِمَال؛ لأَِنَّ الْجِنَايَةَ إِنِ اقْتَصَرَتْ فَظَاهِرٌ وَإِنْ سَرَتْ فَقَدْ أَخَذَ بَعْضَ الدِّيَةِ فَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ (٢) .

стр. 15814

٩ - وَإِنْ سَرَتْ الْجِرَاحَةُ فَأَدَّتْ إِلَى الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَفِيهَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ لأَِنَّ الْجُرْحَ لَمَّا سَرَى بَطَل حُكْمُ مَا دُونَ النَّفْسِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْجُرْحَ وَقَعَ قَتْلاً مِنْ حِينِ وُجُودِهِ، وَلِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَل بِهِ مِثْل مَا فَعَل وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَل بِهِ مِثْل مَا فَعَل فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوضِحَةً فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُوضِحَ رَأْسَ الْجَانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١) فَإِنْ مَاتَ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَمُتْ قَتَلَهُ الْوَلِيُّ بِالسَّيْفِ. ١٠ - وَإِنْ كَانَتِ الشَّجَّةُ خَطَأً فَسَرَتْ إِلَى النَّفْسِ فَفِيهَا دِيَةُ النَّفْسِ (٢) . وَإِنْ بَرِئَتِ الشَّجَّةُ، فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا فَالْقِصَاصُ فِيمَا فِيهِ الْقِصَاصُ، وَالأَْرْشُ الْمُقَدَّرُ أَوْ حُكُومَةُ الْعَدْل فِيمَا لاَ قِصَاصَ فِيهِ (٣) وَإِنْ كَانَتِ

стр. 15815

الشَّجَّةُ خَطَأً وَبَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ وَعَيْبٍ فِيهَا، فَفِيهَا الْمُقَدَّرُ مِنَ الأَْرْشِ أَوِ الْحُكُومَةِ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَإِنْ بَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ بِأَنِ الْتَحَمَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ إِنْ كَانَتِ الشِّجَاجُ مِمَّا قَرَّرَ الشَّارِعُ لَهَا أَرْشًا مُقَدَّرًا كَالْمُوضِحَةِ وَمَا فَوْقَهَا فَفِيهَا مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ مِنَ الدِّيَاتِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ هَذِهِ الدِّيَاتِ فِي كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَلَمْ يُفَصِّل. أَمَّا مَا قَبْل الْمُوضِحَةِ وَهِيَ الشِّجَاجُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مُقَدَّرٌ إِذَا بَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلاَ شَيْءَ فِيهَا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ فِيهَا حُكُومَةَ عَدْلٍ وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْتَبَرَ أَقْرَبُ نَقْصٍ إِلَى الاِنْدِمَال، وَقِيل: يُقَدِّرُ الْقَاضِي النَّقْصَ لِئَلاَّ تَخْلُوَ الْجِنَايَةُ عَنْ غُرْمِ التَّعْزِيرِ. أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَدْ قَال أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ بَرِئَتِ الشِّجَاجُ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ بِأَنِ الْتَحَمَتْ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ فَلاَ شَيْءَ فِيهَا؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ إِنَّمَا يَجِبُ بِالشَّيْنِ الَّذِي يَلْحَقُ الْمَشْجُوجَ بِالأَْثَرِ، وَقَدْ زَال فَسَقَطَ الأَْرْشُ. وَقَال أَبُو يُوسُفَ: عَلَيْهِ حُكُومَةُ الأَْلَمِ، لأَِنَّ الشَّجَّةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ وَلاَ سَبِيل إِلَى إِهْدَارِهَا وَقَدْ تَعَذَّرَ إِيجَابُ أَرْشِ الشَّجَّةِ فَيَجِبُ أَرْشُ الأَْلَمِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الطَّبِيبِ بِسَبَبِ هَذِهِ

стр. 15816

الشَّجَّةِ، فَكَأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْمَال (١) . وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهُ يَجِبُ التَّعْزِيرُ فِيمَا لَوْ بَرِئَتِ الْجِنَايَةُ وَلَمْ يَبْقَ أَثَرٌ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَاتِ (الْجِنَايَة عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ - تَدَاخُل - دِيَات) . ثَالِثًا - كَيْفِيَّةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي الشِّجَاجِ: ١١ - لاِسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي الشَّجَّةِ لاَ بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْجُرْحِ بِالْمِسَاحَةِ طُولاً وَعَرْضًا، فَلَوْ كَانَتِ الشَّجَّةُ مُوضِحَةً (وَهِيَ الشَّجَّةُ الَّتِي اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِهَا فِي الْعَمْدِ) فَإِنَّهُ يُعْرَفُ قَدْرُهَا بِالْمِسَاحَةِ طُولاً وَعَرْضًا دُونَ النَّظَرِ إِلَى كَثَافَةِ اللَّحْمِ؛ لأَِنَّ حَدَّ الْمُوضِحَةِ الْعَظْمُ، وَالنَّاسُ يَخْتَلِفُونَ فِي قِلَّةِ اللَّحْمِ وَكَثْرَتِهِ (٢) .

стр. 15817

وَإِنْ أَوْضَحَ الْجَانِي كُل الرَّأْسِ، وَرَأْسُ الْجَانِي أَكْبَرُ مِنْ رَأْسِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ كَانَ لِلْمَشْجُوجِ أَنْ يَقْتَصَّ قَدْرَ شَجَّتِهِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ وَلاَ يَسْتَوْعِبُ رَأْسَ الشَّاجِّ لأَِنَّ فِي الاِسْتِيعَابِ اسْتِيفَاءَ الزِّيَادَةِ وَفِيهِ زِيَادَةُ شَيْنٍ وَهَذَا لاَ يَجُوزُ. لَكِنْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُخَيَّرُ الْمَشْجُوجُ بَيْنَ هَذَا - أَيْ بَيْنَ الْقِصَاصِ مِنَ الشَّاجِّ حَتَّى يَبْلُغَ مِقْدَارَ شَجَّتِهِ فِي الطُّول ثُمَّ يَكُفَّ - وَبَيْنَ الْعُدُول إِلَى الأَْرْشِ؛ لأَِنَّهُ وَجَدَ حَقَّهُ نَاقِصًا، لأَِنَّ الشَّجَّةَ الأُْولَى وَقَعَتْ مُسْتَوْعِبَةً، وَالثَّانِيَةُ لاَ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهَا فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَى حَقَّهُ نَاقِصًا تَشَفِّيًا لِلصَّدْرِ، وَإِنْ شَاءَ عَدَل إِلَى الأَْرْشِ (١) .

стр. 15818

شَجَر التَّعْرِيفُ: ١ - جَاءَ فِي الْقَامُوسِ: الشَّجَرُ مِنَ النَّبَاتِ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ أَوْ مَا سَمَا بِنَفْسِهِ، دَقَّ أَوْ جَل قَاوَمَ الشِّتَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ. وَفِي الْمِصْبَاحِ: الشَّجَرُ النَّبَاتُ هُوَ مَا لَهُ سَاقٌ صُلْبٌ يَقُومُ بِهِ، كَالنَّخْل وَغَيْرِهِ، وَالْوَاحِدَةُ شَجَرَةٌ، وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أَشْجَارٍ وَشَجَرَاتٍ (١) . وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَهُ سَاقٌ، أَوْ هُوَ كُل مَا لَهُ سَاقٌ وَلاَ يُقْطَعُ أَصْلُهُ. وَعَرَّفَهُ الأَْبِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي الْمُسَاقَاةِ بِمَا كَانَ ذَا أَصْلٍ ثَابِتٍ تُجْنَى ثَمَرَتُهُ وَتَبْقَى أُصُولُهُ (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتِ الصِّلَةِ: أ - الزَّرْعُ وَالنَّبَاتُ:

стр. 15819

٢ - النَّبَاتُ: اسْمٌ لِمَا يَنْبُتُ مِنَ الأَْرْضِ، وَالزَّرْعُ مَا اسْتُنِبْتَ مِنَ الأَْرْضِ بِالْبَذْرِ، قَال بَعْضُهُمْ: وَلاَ يُسَمَّى زَرْعًا إِلاَّ وَهُوَ غَضٌّ طَرِيٌّ (١) . فَالنَّبَاتُ أَعَمُّ مِنَ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ. ب - الْكَلأَُ: الْكَلأَُ: الْعُشْبُ رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هُوَ مَا يَنْبَسِطُ وَيُنْشَرُ لاَ سَاقَ لَهُ، كَالإِْذْخِرِ وَنَحْوِهِ، وَالشَّجَرُ مَا لَهُ سَاقٌ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّجَرِ: أَوَّلاً: قَطْعُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ: ٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ قَطْعِ أَوْ قَلْعِ نَبَاتِ الْحَرَمِ، شَجَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، إِذَا كَانَ مِمَّا لاَ يَسْتَنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً وَهُوَ رَطْبٌ (٣) . لِقَوْلِهِ ﷺ : لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا (٤) .

стр. 15820

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَرَم) . ثَانِيًا: دُخُول الشَّجَرِ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ: ٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ تَدْخُل الأَْشْجَارُ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ وَلَوْ بِلاَ ذِكْرٍ، مُثْمِرَةً كَانَتْ أَوْ لاَ، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَهَذَا إِذَا كَانَ رَطْبًا ثَابِتًا لاَ مَقْلُوعًا وَلاَ يَابِسًا؛ لأَِنَّ الْمَقْلُوعَ وَالْيَابِسَ يُشْبِهَانِ مَتَاعَ الدَّارِ، وَمَتَاعُ الدَّارِ لاَ يَدْخُل فِي بَيْعِ الدَّارِ إِلاَّ بِنَصٍّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا إِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ بِخِلاَفِهِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَدْخُل الشَّجَرَةُ وَالْبِنَاءُ فِي بَيْعِ الأَْرْضِ إِذَا بَاعَهَا بِحُقُوقِهَا. وَإِنْ لَمْ يَقُل: بِحُقُوقِهَا، فَفِي دُخُولِهَا فِي بَيْعِ الأَْرْضِ عِنْدَهُمْ وَجْهَانِ. أَمَّا إِذَا قَال: بِعْتُكَ هَذَا الْبُسْتَانَ، دَخَل فِيهِ الشَّجَرُ قَطْعًا؛ لأَِنَّ الْبُسْتَانَ اسْمٌ لِلأَْرْضِ وَالشَّجَرِ وَالْحَائِطِ. وَلِذَلِكَ لاَ تُسَمَّى الأَْرْضُ الْمَكْشُوفَةُ بُسْتَانًا (٢) .

стр. 15821

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بَيْع ف ٣٧) . ثَالِثًا: الشُّفْعَةُ فِي الشَّجَرِ: ٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) - أَنَّهُ لاَ شُفْعَةَ فِي الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ إِذَا بِيعَا بِلاَ عَرْصَةٍ. وَلَوْ بِيعَتِ الْعَرْصَةُ الْمَمْلُوكَةُ مَعَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الأَْشْجَارِ وَالأَْبْنِيَةِ تَجْرِي الشُّفْعَةُ فِي الأَْشْجَارِ وَالأَْبْنِيَةِ أَيْضًا تَبَعًا لِلْعَرْصَةِ. أَيْ تَثْبُتُ فِي الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ إِذَا بِيعَا مَعَ مَا حَوْلَهُمَا مِنَ الأَْرْضِ، فَلَوْ بَاعَ أَشْجَارًا وَمَغَارِسَهَا فَقَطْ فَلاَ شُفْعَةَ فِيهَا (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي عَقَارٍ وَهُوَ الأَْرْضُ وَمَا اتَّصَل بِهَا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ، وَلَوْ كَانَ الْعَقَارُ شَجَرًا أَوْ بِنَاءً مَمْلُوكًا. فَالشُّفْعَةُ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَمْ يَنْقَسِمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ مِنَ الدُّورِ وَالأَْرَضِينَ وَالنَّخْل وَالشَّجَرِ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ مِنْ بِنَاءٍ وَثَمَرَةٍ، إِذَا كَانَ قَابِلاً لِلْقِسْمَةِ وَلاَ شُفْعَةَ فِيمَا لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ. فَإِذَا كَانَتْ نَخْلَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْهَا فَلاَ شُفْعَةَ

стр. 15822

لِصَاحِبِهِ فِيهَا، كَمَا نُقِل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ (١) . وَلِتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (شُفْعَة) . رَابِعًا: حَرِيمُ الشَّجَرِ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَرِيمَ الشَّجَرِ فِي الأَْرْضِ الْمَوَاتِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ مِنْ كُل جِهَةٍ، حَتَّى لاَ يَمْلِكَ غَيْرُهُ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرًا فِي حَرِيمِهِ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَرِيمِ لِجِذَاذِ ثَمَرِهِ، وَلِلْوَضْعِ فِيهِ. وَقَال بَعْضُهُمْ: الاِعْتِبَارُ لِلْحَاجَةِ لاَ لِلتَّقْدِيرِ؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ الْحَال بِكَبِيرِ الشَّجَرَةِ وَصَغِيرِهَا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ الْحَرِيمُ لِكُل شَجَرَةٍ بِقَدْرِ مَصْلَحَتِهَا، وَيُسْأَل عَنْ كُل شَجَرَةٍ أَهْل الْعِلْمِ. وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَهْل الْعُرْفِ (أَهْل الاِخْتِصَاصِ) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: حَرِيمُ الشَّجَرِ مَا تَمُدُّ إِلَيْهِ

стр. 15823

أَغْصَانُهَا حَوَالَيْهَا، وَفِي النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِيدِهَا (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَرِيم ف ١٠) خَامِسًا: الْمُسَاقَاةُ فِي الشَّجَرِ: ٧ - الْمُسَاقَاةُ: هِيَ أَنْ يَدْفَعَ شَخْصٌ شَجَرًا إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ وَعَمَل سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ. فَهِيَ عَقْدٌ عَلَى خِدْمَةِ شَجَرٍ بِجُزْءٍ مِنْ غَلَّتِهِ. وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ) فِي كُل شَجَرٍ مُثْمِرٍ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: عَامَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل خَيْبَرَ نَخْلَهَا وَأَرْضَهَا بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. (٢) وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا، لأَِنَّ مَالِكَ الأَْشْجَارِ قَدْ لاَ يُحْسِنُ تَعَهُّدَهَا أَوْ لاَ يَتَفَرَّغُ لَهُ،

стр. 15824

وَمَنْ يُحْسِنُ التَّعَهُّدَ وَيَتَفَرَّغُ قَدْ لاَ يَمْلِكُ الأَْشْجَارَ، فَيَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى الاِسْتِعْمَال، وَهَذَا لِلْعَمَل (١) . وَالْمُرَادُ بِالشَّجَرِ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاقٌ وَأَنْ يَكُونَ مُثْمِرًا، (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي النَّخْل) وَمَا لاَ سَاقَ لَهُ كَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ أَوْ لاَ يَكُونُ مُثْمِرًا كَالتُّوتِ الذَّكَرِ وَنَحْوِهِ لاَ تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ مَعْدُومَةٍ وَاسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَحْصُل مِنْ عَمَلِهِ، كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ. قَال الْمُوصِلِيُّ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا - أَيْ بِالْجَوَازِ - لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَقَدْ تَعَامَل بِهَا السَّلَفُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ: لاَ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ إِلاَّ فِي النَّخْل؛ لأَِنَّهَا رُخْصَةٌ فَتَخْتَصُّ بِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ

стр. 15825

مَغْرُوسًا مُعَيَّنًا مَرْئِيًّا. وَمِثْل النَّخْل الْعِنَبُ بِجَامِعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا (١) . وَلِبَيَانِ سَائِرِ شُرُوطِ الْمُسَاقَاةِ وَأَحْكَامِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (مُسَاقَاة) . التَّخَلِّي تَحْتَ الشَّجَرِ: ٨ - يُكْرَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) التَّخَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ مُبَاحًا وَفِي غَيْرِ وَقْتِ الثَّمَرَةِ؛ صِيَانَةً لَهَا عَنِ التَّلَوُّثِ عِنْدَ الْوُقُوعِ فَتَعَافُهَا الأَْنْفُسُ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّحْرِيمِ لأَِنَّ التَّنَجُّسَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: أَوْ فِي ظِلٍّ يُنْتَفَعُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ أَوْ مَا مِنْ شَأْنِهِ الاِسْتِظْلاَل بِهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ التَّبَوُّل أَوِ التَّغَوُّطُ فِي ظِلٍّ نَافِعٍ وَتَحْتَ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مَقْصُودَةٌ مَأْكُولَةٌ؛ لأَِنَّهُ يُفْسِدُهَا وَتَعَافُهَا الأَْنْفُسُ. فَأَمَّا فِي غَيْرِ حَال الثَّمَرَةِ فَلاَ بَأْسَ (٢) .
следующие страницы →