← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 15821–15860 · переход к 15826.

стр. 15821

وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (بَيْع ف ٣٧) . ثَالِثًا: الشُّفْعَةُ فِي الشَّجَرِ: ٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) - أَنَّهُ لاَ شُفْعَةَ فِي الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ إِذَا بِيعَا بِلاَ عَرْصَةٍ. وَلَوْ بِيعَتِ الْعَرْصَةُ الْمَمْلُوكَةُ مَعَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الأَْشْجَارِ وَالأَْبْنِيَةِ تَجْرِي الشُّفْعَةُ فِي الأَْشْجَارِ وَالأَْبْنِيَةِ أَيْضًا تَبَعًا لِلْعَرْصَةِ. أَيْ تَثْبُتُ فِي الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ إِذَا بِيعَا مَعَ مَا حَوْلَهُمَا مِنَ الأَْرْضِ، فَلَوْ بَاعَ أَشْجَارًا وَمَغَارِسَهَا فَقَطْ فَلاَ شُفْعَةَ فِيهَا (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِي عَقَارٍ وَهُوَ الأَْرْضُ وَمَا اتَّصَل بِهَا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ، وَلَوْ كَانَ الْعَقَارُ شَجَرًا أَوْ بِنَاءً مَمْلُوكًا. فَالشُّفْعَةُ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَمْ يَنْقَسِمْ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ مِنَ الدُّورِ وَالأَْرَضِينَ وَالنَّخْل وَالشَّجَرِ وَمَا يَتَّصِل بِذَلِكَ مِنْ بِنَاءٍ وَثَمَرَةٍ، إِذَا كَانَ قَابِلاً لِلْقِسْمَةِ وَلاَ شُفْعَةَ فِيمَا لاَ يَقْبَل الْقِسْمَةَ. فَإِذَا كَانَتْ نَخْلَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْهَا فَلاَ شُفْعَةَ

стр. 15822

لِصَاحِبِهِ فِيهَا، كَمَا نُقِل عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ (١) . وَلِتَفْصِيل الْمَوْضُوعِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (شُفْعَة) . رَابِعًا: حَرِيمُ الشَّجَرِ: ٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَرِيمَ الشَّجَرِ فِي الأَْرْضِ الْمَوَاتِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ مِنْ كُل جِهَةٍ، حَتَّى لاَ يَمْلِكَ غَيْرُهُ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرًا فِي حَرِيمِهِ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَرِيمِ لِجِذَاذِ ثَمَرِهِ، وَلِلْوَضْعِ فِيهِ. وَقَال بَعْضُهُمْ: الاِعْتِبَارُ لِلْحَاجَةِ لاَ لِلتَّقْدِيرِ؛ لأَِنَّهُ يَخْتَلِفُ الْحَال بِكَبِيرِ الشَّجَرَةِ وَصَغِيرِهَا. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ الْحَرِيمُ لِكُل شَجَرَةٍ بِقَدْرِ مَصْلَحَتِهَا، وَيُسْأَل عَنْ كُل شَجَرَةٍ أَهْل الْعِلْمِ. وَمِثْلُهُ مَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَهْل الْعُرْفِ (أَهْل الاِخْتِصَاصِ) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: حَرِيمُ الشَّجَرِ مَا تَمُدُّ إِلَيْهِ

стр. 15823

أَغْصَانُهَا حَوَالَيْهَا، وَفِي النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِيدِهَا (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حَرِيم ف ١٠) خَامِسًا: الْمُسَاقَاةُ فِي الشَّجَرِ: ٧ - الْمُسَاقَاةُ: هِيَ أَنْ يَدْفَعَ شَخْصٌ شَجَرًا إِلَى آخَرَ لِيَقُومَ بِسَقْيِهِ وَعَمَل سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَهُ مِنْ ثَمَرِهِ. فَهِيَ عَقْدٌ عَلَى خِدْمَةِ شَجَرٍ بِجُزْءٍ مِنْ غَلَّتِهِ. وَهِيَ جَائِزَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْل الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ) فِي كُل شَجَرٍ مُثْمِرٍ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: عَامَل رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل خَيْبَرَ نَخْلَهَا وَأَرْضَهَا بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. (٢) وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا، لأَِنَّ مَالِكَ الأَْشْجَارِ قَدْ لاَ يُحْسِنُ تَعَهُّدَهَا أَوْ لاَ يَتَفَرَّغُ لَهُ،

стр. 15824

وَمَنْ يُحْسِنُ التَّعَهُّدَ وَيَتَفَرَّغُ قَدْ لاَ يَمْلِكُ الأَْشْجَارَ، فَيَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى الاِسْتِعْمَال، وَهَذَا لِلْعَمَل (١) . وَالْمُرَادُ بِالشَّجَرِ فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاقٌ وَأَنْ يَكُونَ مُثْمِرًا، (وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي النَّخْل) وَمَا لاَ سَاقَ لَهُ كَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِ أَوْ لاَ يَكُونُ مُثْمِرًا كَالتُّوتِ الذَّكَرِ وَنَحْوِهِ لاَ تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ. وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ فَاسِدٌ، لأَِنَّهُ اسْتِئْجَارٌ بِأُجْرَةٍ مَجْهُولَةٍ مَعْدُومَةٍ وَاسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ مَا يَحْصُل مِنْ عَمَلِهِ، كَقَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَذَلِكَ مُفْسِدٌ. قَال الْمُوصِلِيُّ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا - أَيْ بِالْجَوَازِ - لِحَاجَةِ النَّاسِ، وَقَدْ تَعَامَل بِهَا السَّلَفُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ: لاَ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ إِلاَّ فِي النَّخْل؛ لأَِنَّهَا رُخْصَةٌ فَتَخْتَصُّ بِمَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ

стр. 15825

مَغْرُوسًا مُعَيَّنًا مَرْئِيًّا. وَمِثْل النَّخْل الْعِنَبُ بِجَامِعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا (١) . وَلِبَيَانِ سَائِرِ شُرُوطِ الْمُسَاقَاةِ وَأَحْكَامِهَا يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (مُسَاقَاة) . التَّخَلِّي تَحْتَ الشَّجَرِ: ٨ - يُكْرَهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ) التَّخَلِّي تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ مُبَاحًا وَفِي غَيْرِ وَقْتِ الثَّمَرَةِ؛ صِيَانَةً لَهَا عَنِ التَّلَوُّثِ عِنْدَ الْوُقُوعِ فَتَعَافُهَا الأَْنْفُسُ، وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّحْرِيمِ لأَِنَّ التَّنَجُّسَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ. وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: أَوْ فِي ظِلٍّ يُنْتَفَعُ بِالْجُلُوسِ فِيهِ أَوْ مَا مِنْ شَأْنِهِ الاِسْتِظْلاَل بِهِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ التَّبَوُّل أَوِ التَّغَوُّطُ فِي ظِلٍّ نَافِعٍ وَتَحْتَ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مَقْصُودَةٌ مَأْكُولَةٌ؛ لأَِنَّهُ يُفْسِدُهَا وَتَعَافُهَا الأَْنْفُسُ. فَأَمَّا فِي غَيْرِ حَال الثَّمَرَةِ فَلاَ بَأْسَ (٢) .

стр. 15826

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاء الْحَاجَةِ) . شِحَاذَة انْظُرْ: سُؤَال

стр. 15827

شَحْم التَّعْرِيفُ اللُّغَوِيُّ: ١ - الشَّحْمُ فِي الْحَيَوَانِ: هُوَ جَوْهَرُ السِّمَنِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي سَنَامَ الْبَعِيرِ شَحْمًا وَبَيَاضَ الْبَطْنِ شَحْمًا. وَالْجَمْعُ شُحُومٌ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَالشَّحْمُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَوْفِ مِنْ شَحْمِ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ. وَيَقُول الْبَعْضُ: الشَّحْمُ كُل مَا يَذُوبُ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ (٢) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: أ - الدُّهْنُ: ٢ - الدُّهْنُ: مَا يُدْهَنُ بِهِ مِنْ زَيْتٍ وَغَيْرِهِ، وَجَمْعُهُ دِهَانٌ (٣) .

стр. 15828

وَالدُّهْنُ أَعَمُّ مِنَ الشَّحْمِ لأَِنَّهُ يَكُونُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ، وَالشَّحْمُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الْحَيَوَانِ (١) . ب - الدَّسَمُ: ٣ - الدَّسَمُ: هُوَ الْوَدَكُ، وَيَتَنَاوَل الأَْلْيَةَ وَالسَّنَامَ وَشَحْمَ الْبَطْنِ وَالظَّهْرِ وَالْجَنْبِ كَمَا يَتَنَاوَل الدُّهْنَ الْمَأْكُول. فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الشَّحْمِ (٢) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّحْمِ: ٤ - شَحْمُ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى حَلاَلٌ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ أُخِذَ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ الْمَأْكُولَةِ كَالْخِنْزِيرِ فَشَحْمُهَا حَرَامٌ كَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ أَكْل شُحُومِ الْمَيْتَةِ فَلاَ تُؤَثِّرُ التَّذْكِيَةُ فِيهِ. أَمَّا الاِنْتِفَاعُ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ فِي غَيْرِ الأَْكْل فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِهِ فِي شَيْءٍ أَصْلاً لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ، قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ

стр. 15829

الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَال: لاَ، هُوَ حَرَامٌ (١) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ الاِنْتِفَاعِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ وَالاِسْتِصْبَاحِ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلاَ فِي بَدَنِ الآْدَمِيِّ. وَبِهَذَا قَال أَيْضًا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (٢) وَرَأَوْا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي هُوَ حَرَامٌ يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْعِ لاَ إِلَى مُطْلَقِ الاِنْتِفَاعِ. وَلِلتَّفْصِيل (ر: اسْتِصْبَاح وَمَيْتَة) . شُحُومُ ذَبَائِحِ أَهْل الْكِتَابِ: ٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي شُحُومِ ذَبَائِحِ أَهْل الْكِتَابِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُل ذِي ظُفُرٍ. . .﴾ (٣) الآْيَةَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي

стр. 15830

الْمَذْهَبِ، وَمَالِكٌ فِي قَوْلٍ: إِلَى حِل هَذِهِ الشُّحُومِ وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا حَلاَلٌ لَيْسَتْ مَكْرُوهَةً (&# x٦٦١ ;) . وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٢) ، فَقَدْ أَحَل اللَّهُ تَعَالَى طَعَامَ أَهْل الْكِتَابِ وَهُوَ ذَبَائِحُهُمْ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهَا شَيْئًا لاَ شَحْمًا وَلاَ غَيْرَهُ فَدَل عَلَى جَوَازِ أَكْل جَمِيعِ الشُّحُومِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ وَذَبَائِحِ الْمُسْلِمِينَ (٣) . وَبِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ دُلِّيَ مِنَ الْحِصْنِ فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ وَقَال: وَاَللَّهِ لاَ أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا. فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ (٤) . كَمَا اسْتَدَلُّوا بِمَا ثَبَتَ أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ شَاةً فَأَكَل مِنْهَا وَلَمْ يُحَرِّمْ شَحْمَ بَطْنِهَا وَلاَ غَيْرَهُ (٥) .

стр. 15831

وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ التَّمِيمِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ وَسَوَّارٍ - إِلَى تَحْرِيمِ شُحُومِ ذَبَائِحِ أَهْل الْكِتَابِ (١) ، لأَِنَّ اللَّهَ أَبَاحَ لَنَا طَعَامَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، وَالشُّحُومُ الْمُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ مِنْ طَعَامِهِمْ فَلاَ تَكُونُ لَنَا مُبَاحَةً (٢) . وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةَ شُحُومِ الْيَهُودِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ عِنْدَهُ مَرْتَبَةٌ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ (٣) .

стр. 15832

شُذُوذ التَّعْرِيفُ: ١ - الشُّذُوذُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ شَذَّ يَشِذُّ شُذُوذًا: إِذَا انْفَرَدَ عَنْ غَيْرِهِ. وَالشَّاذُّ: الْمُنْفَرِدُ عَنْ غَيْرِهِ، أَوِ الْخَارِجُ عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَمِنَ النَّاسِ خِلاَفُ السَّوِيِّ، وَعَنِ اللَّيْثِ: شَذَّ الرَّجُل: إِذَا انْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابِهِ. وَكَذَا كُل شَيْءٍ مُنْفَرِدٍ فَهُوَ شَاذٌّ (١) . وَالشَّاذُّ فِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ هُوَ مَا كَانَ مُقَابِلاً لِلْمَشْهُورِ أَوِ الرَّاجِحِ أَوِ الصَّحِيحِ، أَيْ أَنَّهُ الرَّأْيُ الْمَرْجُوحُ أَوِ الضَّعِيفُ أَوِ الْغَرِيبُ. جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: الأَْصَحُّ مُقَابِلٌ لِلصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحُ مُقَابِلٌ لِلضَّعِيفِ، لَكِنْ فِي حَوَاشِي الأَْشْبَاهِ لِبِيرِيٍّ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْغَالِبِ؛ لأَِنَّا

стр. 15833

وَجَدْنَا مُقَابِل الأَْصَحِّ الرِّوَايَةَ الشَّاذَّةَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ (١) . وَفِي فَتْحِ الْعَلِيِّ الْمَالِكِ: خُرُوجُ الْمُقَلِّدِ مِنَ الْعَمَل بِالْمَشْهُورِ إِلَى الْعَمَل بِالشَّاذِّ الَّذِي فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعٍ لِلرُّخَصِ، صَحِيحٌ عِنْدَ كُل مَنْ قَال بِعَدَمِ لُزُومِ تَقْلِيدٍ أَرْجَحَ (٢) . وَلَمْ نَجِدْ تَعْرِيفًا لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَمْ يُعَبِّرِ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا نَعْلَمُ بِالشَّاذِّ، فَيَشْمَلُهُ كَلاَمُهُمْ عَنِ الضَّعِيفِ وَمَنْعُهُمُ الْعَمَل بِهِ دُونَ تَرْجِيحٍ. قَال النَّوَوِيُّ: قَدْ يَجْزِمُ نَحْوُ عَشَرَةٍ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ بِشَيْءٍ وَهُوَ شَاذٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاجِحِ فِي الْمَذْهَبِ وَمُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (٣) . أَمَّا الشَّاذُّ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَال الشَّافِعِيُّ: هُوَ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَا رَوَى النَّاسُ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَرْوِ غَيْرُهُ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ حُفَّاظُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاذَّ مَا

стр. 15834

لَيْسَ لَهُ إِلاَّ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ، يَشِذُّ بِهِ ثِقَةٌ أَوْ غَيْرُ ثِقَةٍ وَيُتَوَقَّفُ فِيمَا شَذَّ بِهِ الثِّقَةُ وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ وَيُرَدُّ مَا شَذَّ بِهِ غَيْرُ الثِّقَةِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ. مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّاذِّ مِنْ أَحْكَامٍ: ٢ - الْعَمَل أَوِ الْفُتْيَا أَوِ الْقَضَاءُ بِالْقَوْل الشَّاذِّ يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ وَالْعَامِّيِّ. أَمَّا الْمُجْتَهِدُ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ فِي الْجُمْلَةِ. وَإِنَّمَا عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الأَْدِلَّةِ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَهَا، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَمَل فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ فِي الإِْفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ (٢) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (اجْتِهَاد - تَقْلِيد - قَضَاء - فَتْوَى) . ٣ - هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، أَمَّا

стр. 15835

الْمُجْتَهِدُ فِي الْمَذْهَبِ فَعَلَيْهِ النَّظَرُ وَالاِجْتِهَادُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِمَامُ الْمَذْهَبِ وَأَصْحَابُهُ فَيَعْمَل بِمَا يَرَاهُ أَرْجَحَ أَوْ أَصَحَّ فِي نَظَرِهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّأْيُ شَاذًّا مَرْجُوعًا عَنْهُ. وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلاً أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ، الْقَدِيمَ وَالْجَدِيدَ، وَالْجَدِيدُ هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْعَمَل؛ لأَِنَّ الْقَدِيمَ إِذَا خَالَفَهُ الْجَدِيدُ مَرْجُوعٌ عَنْهُ إِلاَّ مَا اسْتُثْنِيَ مِنَ الْقَدِيمِ. وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بِالْقَدِيمِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل، فَلاَ يُعْتَبَرُ هَذَا مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى أَنَّ الَّذِينَ أَفْتَوْا بِالْقَدِيمِ أَدَّاهُمُ اجْتِهَادُهُمْ إِلَيْهِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ عِنْدَهُمْ، قَال أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ: فَيَكُونُ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمْ لِلْقَدِيمِ فِيهَا مِنْ قَبِيل اخْتِيَارِهِ مَذْهَبَ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ إِذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ ذَا اجْتِهَادٍ اتُّبِعَ اجْتِهَادُهُ، وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادًا مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِتَقْلِيدٍ، نُقِل ذَلِكَ الشَّوْبُ مِنَ التَّقْلِيدِ عَنْ ذَلِكَ الإِْمَامِ، وَإِنْ أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ، قَال النَّوَوِيُّ: مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلتَّخْرِيجِ وَالاِجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ يَلْزَمُهُ اتِّبَاعُ مَا اقْتَضَاهُ الدَّلِيل فِي الْعَمَل وَالْفُتْيَا، وَأَنْ يُبَيِّنَ فِي فَتْوَاهُ أَنَّ هَذَا رَأْيُهُ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَذَا وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ (١) . وَكَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ

стр. 15836

يَأْخُذُونَ بِمَا قَوِيَ دَلِيلُهُ فِي نَظَرِهِمْ وَلَوْ كَانَ مَرْجُوعًا عَنْهُ، قَال أَبُو يُوسُفَ: مَا قُلْتُ قَوْلاً خَالَفْتُ فِيهِ أَبَا حَنِيفَةَ إِلاَّ قَوْلاً قَدْ كَانَ قَالَهُ، وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ أَنَّهُ قَال: مَا خَالَفْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فِي شَيْءٍ إِلاَّ قَدْ قَالَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: فَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ مَا سَلَكُوا طَرِيقَ الْخِلاَفِ بَل قَالُوا مَا قَالُوا عَنِ اجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ (١) . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ: أَنَّ فَائِدَةَ تَدْوِينِ الأَْئِمَّةِ لِلأَْقْوَال الَّتِي رَجَعَ عَنْهَا إِمَامُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهَا الْمُجْتَهِدُ أَوْ مَنْ بَلَغَ رُتْبَةَ التَّرْجِيحِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ أَهْل الْمَذْهَبِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ثَلاَثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا مِنَ الْكِتَابِ، وَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُول أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ (٢) . ٤ - وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ لِمَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ، فَإِنَّ الأَْصْل الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ الْعَمَل أَوِ الإِْفْتَاءَ أَوِ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْقَوْل الْمَشْهُورِ أَوِ الرَّاجِحِ أَوِ الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ دُونَ الْقَوْل الشَّاذِّ (٣) . ذَكَرَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ الْخِلاَفَ بِالنِّسْبَةِ

стр. 15837

لِلْمُقَلِّدِ - وَهُوَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الاِجْتِهَادِ - وَالْعَامِّيِّ هَل يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لاَ؟ وَهَل يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ أَوْ لاَ؟ وَهَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُول أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنِ الأَْرْجَحِ عِلْمًا؟ قَال الشَّيْخُ عُلَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ: إِذَا عَرَفْتَ هَذَا اسْتَبَانَ لَكَ أَنَّ خُرُوجَ الْمُقَلِّدِ مِنَ الْعَمَل بِالْمَشْهُورِ إِلَى الْعَمَل بِالشَّاذِّ الَّذِي فِيهِ رُخْصَةٌ مِنْ غَيْرِ تَتَبُّعٍ لِلرُّخَصِ صَحِيحٌ عِنْدَ كُل مَنْ قَال بِعَدَمِ لُزُومِ تَقْلِيدِ أَرْجَحَ (١) . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ فِي ذَلِكَ، يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (اجْتِهَاد وَتَقْلِيد) . وَقَال ابْنُ أَبِي زَيْدٍ لاَ يَصِحُّ تَخْيِيرُ الْمُقَلِّدِ بَل يَتَعَيَّنُ الْقَوْل الرَّاجِحُ، فَإِنْ تَأَهَّل لِلتَّرْجِيحِ وَجَبَ الأَْرْجَحُ بِرُجْحَانِ الْقَائِل، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الاِجْتِهَادِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ تَقْلِيدَ الْمَفْضُول مَعَ وُجُودِ الْفَاضِل مَمْنُوعٌ وَهَذَا الْقَوْل تُعَضِّدُهُ الْقَوَاعِدُ الأُْصُولِيَّةُ، وَعَلَيْهِ بَنَى حُجَّةُ الإِْسْلاَمِ الْغَزَالِيُّ وَالإِْمَامُ الْمَازِرِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَالتَّحْقِيقُ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلاً غَيْرَ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا، فَقَدِ اتَّبَعَ هَوَاهُ وَهَلَكَ فِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، فَالْعَمَل بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ

стр. 15838

كُل عَالِمٍ مُتَمَكِّنٍ، وَإِذَا اطَّلَعَ الْمُقَلِّدُ عَلَى خِلاَفٍ فِي مَسْأَلَةٍ تَخُصُّهُ وَفِيهَا قَوْلٌ رَاجِحٌ بِشُهْرَةٍ أَوْ عَمَلٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ وَلاَ يُفْتِي بِغَيْرِهِ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ فَادِحَةٍ وَالْتِزَامِ مَفْسَدَةٍ وَاضِحَةٍ (١) . وَقَال أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الْمُقَلِّدُ أَوِ الْمُفْتِي لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يُفْتِيَ إِلاَّ بِالْمَشْهُورِ (٢) . وَقَال أَبُو الْفَضْل قَاسِمُ الْعُقْبَانِيُّ: إِنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِالشَّاذِّ يُنْظَرُ فِي الْحُكْمِ الَّذِي عَدَل بِهِ عَنِ الْمَشْهُورِ إِلَى الشَّاذِّ، فَإِنْ حَكَمَ بِهِ لِمَظِنَّةِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ نُقِضَ حُكْمُهُ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ الشَّاذُّ إِلاَّ أَنَّهُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل النَّظَرِ مِمَّنْ يُدْرِكُ الرَّاجِحَ وَالْمَرْجُوحَ مَضَى حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ زُجِرَ عَنْ مُوَافَقَةِ مِثْل هَذَا، أَيْ وَلَمْ يَمْضِ حُكْمُهُ. وَقَدْ كَانَ الْمَازِرِيُّ - وَهُوَ فِي طَبَقَةِ الْمُجْتَهِدِينَ - لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْفَتْوَى بِالْمَشْهُورِ وَلاَ يَرْضَى حَمْل النَّاسِ عَلَى خِلاَفِهِ - لَكِنَّهُ أَفْتَى مَرَّةً بِالشَّاذِّ وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الدَّاوُدِيِّ عَنْ مَالِكٍ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِضَعْفِهَا وَشُذُوذِهَا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِحْقَاقِ الأَْرْضِ مِنْ يَدِ الْغَاصِبِ بَعْدَ

стр. 15839

الزِّرَاعَةِ وَخُرُوجِ الإِْبَّانِ، وَخَالَفَ الْمَعْهُودَ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الْوُقُوفِ مَعَ الْمَشْهُورِ وَمَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ وَالْجُمْهُورُ لِلتَّشْدِيدِ عَلَى الظَّلَمَةِ وَالْمُتَعَدِّينَ مِنْ أَهْل الْبَغْيِ وَالْفَسَادِ، وَهُوَ مَأْلُوفٌ فِي الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ (١) . ٥ - وَقَال السُّبْكِيُّ: إِذَا كَانَ لِلْحَاكِمِ أَهْلِيَّةُ التَّرْجِيحِ وَرَجَّحَ قَوْلاً مَنْقُولاً بِدَلِيلٍ جَيِّدٍ، جَازَ وَنَفَذَ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا عِنْدَ أَكْثَرِ الأَْصْحَابِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالشَّاذِّ الْغَرِيبِ فِي مَذْهَبِهِ - أَيْ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْمَذْهَبِ - وَإِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، لأَِنَّهُ كَالْخَارِجِ عَنْ مَذْهَبِهِ، فَلَوْ حَكَمَ بِقَوْلٍ خَارِجٍ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ رُجْحَانُهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ عَلَيْهِ الإِْمَامُ فِي التَّوْلِيَةِ الْتِزَامَ مَذْهَبٍ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ أَوِ الْعُرْفِ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ التَّوْلِيَةَ لَمْ تَشْمَلْهُ (٢) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَجُوزُ لِمَنِ انْتَسَبَ لِمَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ لإِِمَامِهِ أَوْ وَجْهَيْنِ لأَِحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيُفْتِيَ أَوْ يَحْكُمَ بِحَسَبِ مَا يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا، بَل

стр. 15840

عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيَّهُمَا أَقْرَبُ مِنَ الأَْدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَيَعْمَل بِهِ لِقُوَّتِهِ (١) . شِرَاء انْظُرْ: بَيْع

стр. 15841

شُرْب التَّعْرِيفُ: ١ - الشُّرْبُ - بِالضَّمِّ - لُغَةً: تَنَاوُل كُل مَائِعٍ، مَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. (١) وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِنَفْسِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ: ٢ - الأَْصْل جَوَازُ شُرْبِ الْمَشْرُوبَاتِ كُلِّهَا إِلاَّ مَا قَامَتْ دَلاَلَةُ تَحْرِيمِهِ (٢) . وَإِذَا كَانَ تَرْكُ الشُّرْبِ يُتْلِفُ نَفْسَ الإِْنْسَانِ أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَوْ يُضْعِفُهُ عَنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَ مَا يَزُول مَعَهُ خَوْفُ الضَّرَرِ (٣) . وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ

стр. 15842

وَهُوَ مَا سَكَّنَ الظَّمَأَ فَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ عَقْلاً وَشَرْعًا لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظِ النَّفْسِ وَحِرَاسَةِ الْحَوَاسِّ (١) . وَقَال الْجَصَّاصُ: أَمَّا الْحَال الَّتِي لاَ يَخَافُ الإِْنْسَانُ ضَرَرًا فِيهَا بِتَرْكِ الشُّرْبِ فَالشُّرْبُ مُبَاحٌ (٢) . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي شُرْبِ الزَّائِدِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَقِيل حَرَامٌ. وَقِيل مَكْرُوهٌ، قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ (٣) . آدَابُ الشُّرْبِ: ١) التَّسْمِيَةُ عَلَى الشُّرْبِ: ٣ - تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّل الشُّرْبِ. قَال صَاحِبُ غَايَةِ الْمُنْتَهَى: يُسَمِّي الشَّارِبُ عِنْدَ كُل ابْتِدَاءٍ وَيَحْمَدُ عِنْدَ كُل قَطْعٍ. وَقَال الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ وَيُنَبِّهَهُ عَلَيْهَا. وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي أَوَّل الشُّرْبِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلاً أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَاجِزًا لِعَارِضٍ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ أَثْنَاءَ شُرْبِهِ أَوْ بَعْدَهُ مِنْهَا، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمِّيَ

стр. 15843

وَيَقُول: " بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ " لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (١) . وَتَحْصُل التَّسْمِيَةُ بِقَوْلِهِ: " بِسْمِ اللَّهِ " فَإِنْ قَال: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " كَانَ حَسَنًا (٢) . (٢) الشُّرْبُ بِالْيَمِينِ: ٤ - يُسْتَحَبُّ الشُّرْبُ بِالْيَمِينِ، وَيُكْرَهُ الشُّرْبُ بِالشِّمَال إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ؛ لِخَبَرِ إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُل بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُل بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ (٣) . فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الشُّرْبَ بِالْيَمِينِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ كَرَاهَةَ فِي الشِّمَال (٤) .

стр. 15844

(٣) الشُّرْبُ ثَلاَثَةُ أَنْفَاسٍ: ٥ - السُّنَّةُ: أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ فِي ثَلاَثَةِ أَنْفَاسٍ، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الإِْنَاءِ ثَلاَثًا وَفِي لَفْظٍ كَانَ يَتَنَفَّسُ ثَلاَثًا، وَيَقُول: إِنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ (١) . وَمَعْنَى أَرْوَى: أَيْ أَكْثَرُ رَيًّا، وَأَبْرَأُ: أَيْ أَسْلَمُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ أَذًى يَحْصُل بِسَبَبِ الشُّرْبِ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ، وَأَمْرَأُ: أَيْ أَكْمَل انْسِيَاغًا. قَال الشَّوْكَانِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْحَدِيثِ: هَذِهِ الأُْمُورُ الثَّلاَثَةُ إِنَّمَا تَحْصُل بِأَنْ يَشْرَبَ ثَلاَثَةَ أَنْفَاسٍ خَارِجَ الْقَدَحِ (٢) . ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشُّرْبِ بِنَفْسٍ وَاحِدٍ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُمَا أَجَازَاهُ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ كَرَاهَةُ الشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ شُرْبُ الشَّيْطَانِ (٣) .

стр. 15845

(٤) عَدَمُ التَّنَفُّسِ فِي الإِْنَاءِ: ٦ - يُنْدَبُ إِبْعَادُ الْقَدَحِ حِينَ التَّنَفُّسِ حَالَةَ الشُّرْبِ، وَيُكْرَهُ التَّنَفُّسُ فِي الإِْنَاءِ كَمَا يُكْرَهُ النَّفْخُ فِيهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الإِْنَاءِ أَوْ يَنْفُخَ فِيهِ (١) . قَال أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنِ النَّفْخِ فِي الإِْنَاءِ: نَهَى ﷺ عَنِ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ حَمْلاً لأُِمَّتِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ، لأَِنَّ النَّافِخَ فِي آنِيَةِ الْمَاءِ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ مِنْ رِيقِهِ فِيهَا شَيْءٌ مَعَ النَّفْخِ فَيَتَقَذَّرَهُ النَّاظِرُ وَيُفْسِدَهُ عَلَيْهِ (٢) . وَقَال الشَّوْكَانِيُّ: النَّهْيُ عَنِ التَّنَفُّسِ فِي (الإِْنَاءِ) الَّذِي يُشْرَبُ مِنْهُ لِئَلاَّ يَخْرُجَ مِنَ الْفَمِ بُزَاقٌ يَسْتَقْذِرُهُ مَنْ شَرِبَ بَعْدَهُ مِنْهُ، أَوْ تَحْصُل فِيهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالإِْنَاءِ (٣) . (٥) عَدَمُ الشُّرْبِ قَائِمًا: ٧ - كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ الشُّرْبُ قَاعِدًا، هَذَا

стр. 15846

كَانَ هَدْيُهُ الْمُعْتَادُ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا (١) ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ الَّذِي شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيءَ (٢) ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا (٣) . قَال النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ. أَمَّا شُرْبُهُ ﷺ قَائِمًا فَبَيَانٌ لِلْجَوَازِ، فَلاَ إِشْكَال وَلاَ تَعَارُضَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. ثُمَّ قَال: فَإِنْ قِيل: كَيْفَ يَكُونُ الشُّرْبُ قَائِمًا مَكْرُوهًا وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ إِذَا كَانَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ لاَ يَكُونُ مَكْرُوهًا بَل الْبَيَانُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ﷺ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَطَافَ عَلَى بَعِيرٍ، مَعَ أَنَّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا وَالطَّوَافَ مَاشِيًا أَكْمَل. وَنَظَائِرُ هَذَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، فَكَانَ ﷺ يُنَبِّهُ عَلَى جَوَازِ الشَّيْءِ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ وَيُوَاظِبُ عَلَى الأَْفْضَل

стр. 15847

مِنْهُ. وَهَكَذَا كَانَ أَكْثَرُ وُضُوئِهِ ﷺ ثَلاَثًا ثَلاَثًا وَالطَّوَافُ مَاشِيًا وَأَكْثَرُ شُرْبِهِ جَالِسًا. وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ: لاَ يُكْرَهُ الشُّرْبُ قَائِمًا. وَأَضَافَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا بِلاَ عُذْرٍ خِلاَفُ الأَْوْلَى لِلأَْحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَحَادِيثَ النَّهْيِ، وَقِيل: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ (١) . (٦) مَصُّ الْمَاءِ: ٨ - يُنْدَبُ مَصُّ الْمَاءِ وَيُكْرَهُ عَبُّهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا وَلاَ يَعُبُّ عَبًّا فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ (٢) . وَالْكُبَادُ وَجَعُ الْكَبِدِ، وَمِثْل الْمَاءِ كُل مَائِعٍ كَاللَّبَنِ (٣) . وَقَال الرَّحِيبَانِيُّ: يَعُبُّ اللَّبَنَ لأَِنَّهُ طَعَامٌ (٤) .

стр. 15848

(٧) تَقْلِيل الشَّرَابِ: ٩ - يُطْلَبُ تَخْفِيفَ الْمَعِدَةِ بِتَقْلِيل الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى قَدْرٍ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ وَلاَ كَسَلٌ عَنِ الْعِبَادَةِ (١) . قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: اعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى بَالَغَ فِي تَقْلِيل الْغِذَاءِ أَوِ الشَّرَابِ فَأَضَرَّ بِبَدَنِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ قَصَّرَ عَنْ فِعْل وَاجِبٍ لِحَقِّ اللَّهِ أَوْ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، كَالتَّكَسُّبِ لِمَنْ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَإِلاَّ كُرِهَ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ عَنِ الأَْمْرِ الشَّرْعِيِّ (٢) . (٨) الشُّرْبُ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ: ١٠ - يُكْرَهُ الشُّرْبُ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ، وَكَذَا اخْتِنَاثُ الأَْسْقِيَةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ (٣) . وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: ﴿نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ اخْتِنَاثِ الأَْسْقِيَةِ (٤)

стр. 15849

يَعْنِي أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا (١) . وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا لِلتَّنْزِيهِ، لاَ لِلتَّحْرِيمِ. وَنَقَل النَّوَوِيُّ الاِتِّفَاقَ عَلَى هَذَا (٢) . وَهُنَاكَ أَحَادِيثُ تَدُل عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ. قَال الْعِرَاقِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَدُل عَلَى الْجَوَازِ وَبَيْنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَدُل عَلَى الْمَنْعِ: إِنَّهُ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُونَ الْقِرْبَةُ مُعَلَّقَةً وَلَمْ يَجِدِ الْمُحْتَاجُ إِلَى الشُّرْبِ إِنَاءً مُتَيَسِّرًا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ التَّنَاوُل بِكَفِّهِ فَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ، وَعَلَى هَذَا تُحْمَل الأَْحَادِيثُ الَّتِي تَدُل عَلَى جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَتُحْمَل عَلَيْهِ أَحَادِيثُ النَّهْيِ (٣) . وَقِيل: لَمْ يَرِدْ حَدِيثٌ مِنَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي تَدُل عَلَى الْجَوَازِ إِلاَّ بِفِعْلِهِ ﷺ وَأَحَادِيثُ النَّهْيِ كُلُّهَا مِنْ قَوْلِهِ، فَهِيَ أَرْجَحُ (٤) . وَوَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي النَّهْيِ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ مِنْ أَنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ مِنْ دُخُول شَيْءٍ مِنَ الْهَوَامِّ مَعَ الْمَاءِ فِي جَوْفِ السِّقَاءِ، فَيَدْخُل فَمَ الشَّارِبِ

стр. 15850

وَلاَ يَدْرِي. فَعَلَى هَذَا لَوْ مَلأََ السِّقَاءَ وَهُوَ يُشَاهِدُ الْمَاءَ الَّذِي يَدْخُل فِيهِ ثُمَّ رَبَطَهُ رَبْطًا مُحْكَمًا، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَشْرَبَ حَلَّهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، لاَ يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ، وَقِيل: مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: نَهَى أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ السِّقَاءِ لأَِنَّ ذَلِكَ يُنْتِنُهُ (١) وَهَذَا عَامٌّ. وَقِيل: إِنَّ الَّذِي يَشْرَبُ مَنْ فِي السِّقَاءِ قَدْ يَغْلِبُهُ الْمَاءُ فَيَنْصَبُّ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ حَاجَتِهِ فَلاَ يَأْمَنُ أَنْ يَشْرَقَ بِهِ أَوْ تَبْتَل ثِيَابُهُ (٢) . (٩) الشُّرْبُ مِنْ ثُلْمَةِ الإِْنَاءِ: ١١ - يُكْرَهُ الشُّرْبُ مِنْ ثُلْمَةِ الإِْنَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ وَأَنْ يَنْفُخَ فِي الشَّرَابِ (٣) . قَال الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ لأَِنَّهُ إِذَا شَرِبَ مِنْهَا تَصَبَّبَ الْمَاءُ

стр. 15851

وَسَال قَطْرُهُ عَلَى وَجْهِهِ وَثَوْبِهِ، لأَِنَّ الثُّلْمَةَ لاَ تَتَمَاسَكُ عَلَيْهَا شَفَةُ الشَّارِبِ، كَمَا تَتَمَاسَكُ عَلَى الْمَوْضِعِ الصَّحِيحِ مِنَ الْكُوزِ وَالْقَدَحِ (١) . (١٠) الْحَمْدُ عَقِبَ الشُّرْبِ: ١٢ - يُسَنُّ لِلشَّارِبِ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ عَقِبَ الشُّرْبِ (٢) ؛ لِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُل الأَْكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا (٣) . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَل أَوْ شَرِبَ قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوَّغَهُ وَجَعَل لَهُ مَخْرَجًا (٤) . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَال:

стр. 15852

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ (١) . قَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ: " يُنْدَبُ أَنْ يَشْرَبَ فِي ثَلاَثَةِ أَنْفَاسٍ، بِالتَّسْمِيَةِ فِي أَوَائِلِهَا وَبِالْحَمْدِ فِي أَوَاخِرِهَا (٢) ". (١١) التَّيَامُنُ فِي مُنَاوَلَةِ الشَّرَابِ: ١٣ - يُسَنُّ التَّيَامُنُ فِي مُنَاوَلَةِ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا. قَال الرَّحِيبَانِيُّ: إِذَا شَرِبَ لَبَنًا أَوْ غَيْرَهُ سُنَّ أَنْ يُنَاوِل الأَْيْمَنَ وَلَوْ صَغِيرًا أَوْ مَفْضُولاً، وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ فِي مُنَاوَلَتِهِ الأَْكْبَرَ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ نَاوَلَهُ لَهُ (٣) . فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَبَنٍ قَدْ شِيبَ بِمَاءٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ وَعَنْ شِمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الأَْعْرَابِيَّ، وَقَال: الأَْيْمَنَ الأَْيْمَنَ (٤) . وَمِنْ حَدِيثِ سَهْل بْنِ سَعْدٍ الأَْنْصَارِيِّ:

стр. 15853

أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَْشْيَاخُ، فَقَال لِلْغُلاَمِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَال: وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَال: فَتَلَّهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ (١) . قَال الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ التَّيَامُنِ فِي الْمُنَاوَلَةِ آكَدُ مِنْ حُكْمِ السِّنِّ (٢) . الشُّرْبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: ١٤ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ تَحْرِيمَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَإِنَاءِ الْفِضَّةِ، وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيمِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ. (٣) وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ، إِلاَّ مَا نُقِل عَنِ التَّابِعِيِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، وَنُقِل عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي سَمَاعِ حَرْمَلَةَ أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ لأَِنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالأَْعَاجِمِ (٤) . ٠

стр. 15854

شُرْبُ الْجُنُبِ: ١٥ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ أَنْ يَتَوَضَّأَ لإِِرَادَةِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُل أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ (١) . قَال أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: وَلاَ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْحَائِضِ لأَِنَّ الْوُضُوءَ لاَ يُؤَثِّرُ فِي حَدَثِهَا، وَيُؤَثِّرُ فِي حَدَثِ الْجَنَابَةِ؛ لأَِنَّهُ يُخَفِّفُهُ وَيُزِيلُهُ عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (٢) . وَيُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْجُنُبَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْوُضُوءِ لِلأَْكْل وَالشُّرْبِ. قَال مَالِكٌ: لاَ يَتَوَضَّأُ إِلاَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَقَطْ وَهُوَ جُنُبٌ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ أَوْ يُعَاوِدَ الْجِمَاعَ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْوُضُوءِ (٣) . الشُّرْبُ فِي الصَّلاَةِ: ١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ مَمْنُوعٌ مِنْ

стр. 15855

الشُّرْبِ، وَأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ عَامِدًا لَزِمَهُ الإِْعَادَةُ (١) . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ سَاهِيًا: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَيُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ. وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَدَمَ بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَا إِذَا كَانَ الشُّرْبُ يَسِيرًا، أَمَّا كَثِيرُ الشُّرْبِ فَيُبْطِل الصَّلاَةَ مُطْلَقًا (٢) . وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالأَْوْزَاعِيُّ أَنَّ الصَّلاَةَ يُفْسِدُهَا الشُّرْبُ مُطْلَقًا وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ، لأَِنَّهُ فِعْلٌ مُبْطِلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاَةِ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ كَالْعَمَل الْكَثِيرِ (٣) . وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَيُبْطِلُهُ الشُّرْبُ الْمُتَعَمَّدُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ مَا أَبْطَل الْفَرْضَ أَبْطَل التَّطَوُّعَ كَسَائِرِ مُبْطِلاَتِهِ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لاَ يُبْطِلُهُ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا شَرِبَا فِي

стр. 15856

التَّطَوُّعِ. وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَال إِسْحَاقُ، لأَِنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَأَشْبَهَ غَيْرَ الأَْكْل. فَأَمَّا إِنْ كَثُرَ فَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُهَا، لأَِنَّ غَيْرَ الأَْكْل مِنَ الأَْعْمَال يُفْسِدُ إِذَا كَثُرَ، فَالأَْكْل وَالشُّرْبُ أَوْلَى (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَلاَة) . شُرْبُ الصَّائِمِ: ١٧ - يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ الأَْكْل وَالشُّرْبُ لِقَوْلِهِ : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ (٢) . فَإِنْ شَرِبَ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلصَّوْمِ عَالِمٌ بِتَحْرِيمِهِ مُخْتَارٌ بَطَل صَوْمُهُ، لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّل بَيْنَ الأَْصَابِعِ وَبَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (٣) . فَدَل عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَصَل إِلَى الدِّمَاغِ شَيْءٌ بَطَل صَوْمُهُ.

стр. 15857

وَنَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإِْجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى الصَّائِمِ (١) . وَلِلتَّفْصِيل (ر: صَوْم) . الشُّرْبُ مِنْ زَمْزَمَ: ١٨ - يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي بَحْثِ زَمْزَم مِنَ الْمَوْسُوعَةِ ج ٢٤ ف ٣

стр. 15858

شِرْب التَّعْرِيفُ: ١ - الشِّرْبُ فِي اللُّغَةِ: الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ مِنَ الْمَاءِ. قَال تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ صَالِحٍ ﵊: ﴿قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ (١) . وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَاءِ عَيْنِهِ، وَعَلَى النَّوْبَةِ. وَهِيَ الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ لاِسْتِحْقَاقِ الشُّرْبِ، وَعَلَى الْمَوْرِدِ، وَالْجَمْعُ أَشْرَابٌ (٢) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: نَوْبَةُ الاِنْتِفَاعِ، أَوْ زَمَنُ الاِنْتِفَاعِ بِالشِّرْبِ لِسَقْيِ الشَّجَرِ أَوِ الزَّرْعِ (٣) .

стр. 15859

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: الشَّفَةُ: ٢ - وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُهُ الإِْنْسَانُ مِنَ الْمَاءِ لِدَفْعِ عَطَشٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِلطَّبْخِ أَوِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِسَقْيِ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابِّ لِدَفْعِ الْعَطَشِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنَاسِبُهَا (١) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: أَنْوَاعُ الْمِيَاهِ بِالنِّسْبَةِ لِحَقَّيِ الشِّرْبِ وَالشَّفَةِ: تَنْقَسِمُ الْمِيَاهُ بِالنَّظَرِ إِلَى تَمَلُّكِهَا وَالاِنْتِفَاعِ بِهَا إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْمَاءُ الْعَامُّ: ٣ - وَهُوَ النَّابِعُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ وَلاَ صُنْعَ لِلآْدَمِيِّينَ فِي إِنْبَاطِهِ وَإِجْرَائِهِ كَالأَْنْهَارِ الْكَبِيرَةِ كَالنِّيل وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ وَسَائِرِ أَوْدِيَةِ الْعَالَمِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَال، فَهَذَا النَّوْعُ حَقٌّ لِلنَّاسِ جَمِيعًا وَلَيْسَ لأَِحَدٍ مِلْكٌ فِي الْمَاءِ وَلاَ فِي الْمَجْرَى. وَلِكُل وَاحِدٍ حَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِهِ بِالشَّفَةِ وَالشِّرْبِ، وَلَهُ شَقُّ الْجَدَاوِل مِنَ الأَْنْهَارِ

стр. 15860

وَنَحْوِهَا، وَنَصْبُ آلاَتِ السَّقْيِ عَلَيْهَا لإِِجْرَاءِ الْمِيَاهِ لأَِرْضِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وَسَائِل الاِنْتِفَاعِ بِالْمَاءِ. وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ وَلاَ لِغَيْرِهِ مَنْعُ أَحَدٍ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهِ بِكُل الْوُجُوهِ، إِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى فِعْلِهِ ضَرَرٌ عَلَى النَّهْرِ أَوِ الْجَمَاعَةِ (١) . لِخَبَرِ الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ فِي الْكَلأَِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ (٢) . فَإِنْ أَضَرَّ فِعْلُهُ بِالْعَامَّةِ فَلِلْحَاكِمِ إِزَالَةُ الْقَدْرِ الضَّارِّ مِنْ فِعْلِهِ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِبَاحَةُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ لِحَدِيثِ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٣) وَلِلْعَامَّةِ أَيْضًا مَنْعُهُ مِنَ الإِْضْرَارِ بِحَقِّهِمْ (٤) . وَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ أَخَذَ كُل وَاحِدٍ مَا شَاءَ.
следующие страницы →