← Фикх общий

Фикх общий · id 11430

الموسوعة الفقهية الكويتية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (31 949 стр.). Показаны 16661–16700 · переход к 16666.

стр. 16661

ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي التَّهَجُّدِ (١) . أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ: فَلاَ تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ بِصَغِيرٍ فِي فَرْضٍ (٢) . أَمَّا إِمَامَةُ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (إِمَامَةٌ) . غُسْل الْمَوْلُودِ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ: ٣١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ غُسْل الصَّغِيرِ إِنْ وُلِدَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ. وَيُنْظَرُ: التَّفْصِيل فِي (تَغْسِيل الْمَيِّتِ، اسْتِهْلاَلٌ) . الزَّكَاةُ فِي مَال الصَّبِيِّ: ٣٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِهَا فِي مَال الصَّغِيرِ مُطْلَقًا. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى وُجُوبِهَا فِي مَال الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ الْمَال زُرُوعًا وَثِمَارًا وَعَدَمِ وُجُوبِهَا فِي بَقِيَّةِ أَمْوَالِهِ (٣) . صَوْمُ الصَّغِيرِ: ٣٣ - لاَ يَجِبُ الصَّوْمُ إِلاَّ بِبُلُوغِ الصَّغِيرِ

стр. 16662

وَالصَّغِيرَةِ؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ فِيهَا مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الصِّغَارِ، وَلَمْ يُكَلَّفُوا بِأَدَائِهَا شَرْعًا لِعَدَمِ صَلاَحِيَتِهِمْ لِذَلِكَ؛ فَإِنْ صَامَ الصَّغِيرُ صَحَّ صَوْمُهُ، وَيَنْبَغِي لِلْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّوْمِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سَنَوَاتٍ، وَيَضْرِبَهُ إِذَا بَلَغَ عَشْرَ سَنَوَاتٍ لِكَيْ يَعْتَادَ عَلَى الصَّوْمِ؛ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الصَّغِيرُ يَتَحَمَّل أَدَاءَ الصَّوْمِ بِلاَ مَشَقَّةٍ، فَإِنْ كَانَ لاَ يُطِيقُهُ فَلاَ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَمْرُهُ بِالصَّوْمِ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي: (صَوْمٌ) . حَجُّ الصَّبِيِّ: ٣٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ مُسْتَطِيعًا إِلاَّ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَيَقَعُ نَفْلاً، وَلاَ يُجْزِئُ عَنْ حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ. (يُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي حَجٌّ) . يَمِينُ الصَّغِيرِ وَنَذْرُهُ: ٣٥ - لاَ يَنْعَقِدُ يَمِينُ الصَّبِيِّ وَلاَ نَذْرُهُ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ؛ يَسْتَوِي فِي هَذَا الْحُكْمِ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ. انْظُرْ: (أَيْمَان، وَنَذْر) . اسْتِئْذَانُ الصَّغِيرِ: ٣٦ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ: (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَطَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ) إِلَى وُجُوبِ أَمْرِ الصَّغِيرِ

стр. 16663

الْمُمَيِّزِ بِالاِسْتِئْذَانِ قَبْل الدُّخُول، فِي الأَْوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِتَخَفُّفِ النَّاسِ فِيهَا مِنَ الثِّيَابِ. وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ الاِسْتِئْذَانِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الأَْوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَرَجِ فِي الاِسْتِئْذَانِ عِنْدَ كُل خُرُوجٍ وَدُخُولٍ. وَالصَّغِيرُ مِمَّنْ يَكْثُرُ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ؛ فَهُوَ مِنَ الطَّوَّافِينَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْل صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآْيَاتِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١) . وَذَهَبَ أَبُو قِلاَبَةَ إِلَى أَنَّ اسْتِئْذَانَ هَؤُلاَءِ فِي هَذِهِ الأَْوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ مَنْدُوبٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَكَانَ يَقُول: " إِنَّمَا أُمِرُوا بِهَذَا نَظَرًا لَهُمْ (٢) ".

стр. 16664

أَحْكَامُ الصَّغِيرِ فِي الْمُعَامَلاَتِ: أ - وَقْتُ تَسْلِيمِ الصَّغِيرِ أَمْوَالَهُ: ٣٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ تُسَلَّمُ لِلصَّغِيرِ أَمْوَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ رَاشِدًا؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ دَفْعَ الْمَال إِلَيْهِ عَلَى شَرْطَيْنِ: هُمَا الْبُلُوغُ، وَالرُّشْدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطَيْنِ لاَ يَثْبُتُ بِدُونِهِمَا. فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ فَإِمَّا أَنْ يَبْلُغَ رَشِيدًا أَوْ غَيْرَ رَشِيدٍ. فَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا مُصْلِحًا لِلْمَال دُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: لاَ يُتْمَ بَعْدَ احْتِلاَمٍ (٢) . وَإِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ أَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدَّفْعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٣) . وَلِلصَّغِيرَةِ أَحْكَامٌ مِنْ حَيْثُ وَقْتُ تَرْشِيدِهَا وَيُنْظَرُ فِي: (حَجْرٌ، وَرُشْدٌ) .

стр. 16665

٣٨ - وَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ غَيْرَ رَشِيدٍ فَلاَ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ أَمْوَالُهُ بَل يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ السَّفَهِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَل اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا﴾ (١) . إِلاَّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَال: يَسْتَمِرُّ الْحَجْرُ عَلَى الْبَالِغِ غَيْرِ الرَّشِيدِ إِلَى بُلُوغِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ وَلَوْ لَمْ يَرْشُدْ؛ لأَِنَّ فِي الْحَجْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ هَذِهِ السِّنِّ إِهْدَارًا لِكَرَامَتِهِ الإِْنْسَانِيَّةِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إِلاَّ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (٢) وَتَمَامُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُعْرَفُ فِي مُصْطَلَحِ: (حَجْرٌ، وَرُشْدٌ) . ب - الإِْذْنُ لِلصَّغِيرِ بِالتِّجَارَةِ: ٣٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اخْتِبَارِ الْمُمَيِّزِ فِي التَّصَرُّفَاتِ؛ لِمَعْرِفَةِ رُشْدِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أَيِ اخْتَبِرُوهُمْ، وَاخْتِبَارُهُ بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيهَا أَمْثَالُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلاَدِ التُّجَّارِ اخْتُبِرَ بِالْمُمَاكَسَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلاَدِ الزُّرَّاعِ اخْتُبِرَ بِالزِّرَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلاَدِ أَصْحَابِ الْحِرَفِ اخْتُبِرَ بِالْحِرْفَةِ، وَالْمَرْأَةُ تُخْتَبَرُ فِي شُؤُونِ الْبَيْتِ مِنْ غَزْلٍ وَطَهْيِ

стр. 16666

طَعَامٍ وَصِيَانَتِهِ وَشِرَاءِ لَوَازِمِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي إِذْنِ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ بِالتِّجَارَةِ وَفِي أَثَرِ الإِْذْنِ عَلَى التَّصَرُّفَاتِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ - فِي الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ - يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْمَال الإِْذْنُ لِلصَّغِيرِ فِي التِّجَارَةِ إِذَا أَنِسَ مِنْهُ الْخِبْرَةَ لِتَدْرِيبِهِ عَلَى طُرُقِ الْمَكَاسِبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ أَيِ اخْتَبِرُوهُمْ لِتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الاِخْتِبَارُ بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ إِلَيْهِمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ وَلأَِنَّ الْمُمَيِّزَ عَاقِلٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَيَرْتَفِعُ حَجْرُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ بِهَذَا الإِْذْنِ فَلَوْ تَصَرَّفَ بِلاَ إِذْنٍ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ - وَلَمْ يَنْفُذْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَالإِْذْنُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا، مِثْل: أَذِنْتُ لَكَ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ دَلاَلَةً كَمَا لَوْ رَآهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَسَكَتَ؛ لأَِنَّ سُكُوتَهُ دَلِيل الرِّضَا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ سُكُوتُهُ لأََدَّى إِلَى الإِْضْرَارِ بِمَنْ يُعَامِلُونَهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ -: لاَ يَثْبُتُ الإِْذْنُ بِالدَّلاَلَةِ؛ لأَِنَّ سُكُوتَهُ مُحْتَمِلٌ لِلرِّضَا وَلِعَدَمِ الرِّضَا. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ الإِْذْنُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ الْمَال وَيُمْتَحَنُ فِي

стр. 16667

الْمُمَاكَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ عَقَدَ الْوَلِيُّ عَنْهُ؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَاتِهِ وَعُقُودَهُ بَاطِلَةٌ لِعَدَمِ تَوَافُرِ الْعَقْل الْكَافِي لِتَقْدِيرِ الْمَصْلَحَةِ فِي مُبَاشَرَةِ التَّصَرُّفِ، فَلاَ يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْعُقَلاَءِ قَبْل وُجُودِ مَظِنَّةِ كَمَال الْعَقْل (١) . الْوَصِيَّةُ مِنَ الصَّغِيرِ: ٤٠ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: - فِي أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ - عَلَى اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ لِصِحَّةِ الْوَصِيَّةِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ؛ وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الضَّارَّةِ ضَرَرًا مَحْضًا، إِذْ هِيَ تَبَرُّعٌ، كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَعْمَال التِّجَارَةِ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَصِيَّةَ الْمُمَيِّزِ وَهُوَ مَنْ أَتَمَّ السَّابِعَةَ إِذَا كَانَتْ لِتَجْهِيزِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ؛ لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ أَجَازَ وَصِيَّةَ صَبِيٍّ مِنْ غَسَّانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ أَوْصَى لأَِخْوَالِهِ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي جَوَازِ وَصِيَّتِهِ؛ لأَِنَّ الْمَال سَيَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْ وَصِيَّتِهِ. وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَصِيَّةَ الْمُمَيِّزِ؛

стр. 16668

وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ فَأَقَل مِمَّا يُقَارِبُهَا، دُونَ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ، إِذَا عَقَل الْمُمَيِّزُ الْقُرْبَةَ؛ لأَِنَّهَا تَصَرُّفٌ يُحَقِّقُ نَفْعًا لَهُ فِي الآْخِرَةِ بِالثَّوَابِ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالإِْسْلاَمِ وَالصَّلاَةِ (١) . قَبُول الصَّغِيرِ لِلْوَصِيَّةِ: ٤١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهُ إِنْ كَانَ صَغِيرًا غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْقَبُول أَوِ الرَّدِّ؛ لأَِنَّ عِبَارَتَهُ مُلْغَاةٌ، وَإِنَّمَا يَقْبَل عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ يَرُدُّ عَنْهُ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَاقِصِ الأَْهْلِيَّةِ - وَهُوَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ - فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَهُ الْقَبُول؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ نَفْعٌ مَحْضٌ لَهُ كَالْهِبَةِ وَالاِسْتِحْقَاقِ فِي الْوَقْفِ، وَلَيْسَ لَهُ وَلاَ لِوَلِيِّهِ الرَّدُّ؛ لأَِنَّهُ ضَرَرٌ مَحْضٌ فَلاَ يَمْلِكُونَهُ. وَقَال الْجُمْهُورُ: أَمْرُ الْقَبُول وَالرَّدِّ عَنْ نَاقِصِ الأَْهْلِيَّةِ لِوَلِيِّهِ يَفْعَل مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ. تَزْوِيجُ الصَّغِيرِ: ٤٢ - لِلصَّغِيرِ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى الزَّوَاجُ قَبْل الْبُلُوغِ، وَلَكِنْ لاَ يُبَاشِرُ عَقْدَ الزَّوَاجِ بِنَفْسِهِ، بَل يَقُومُ وَلِيُّهُ بِمُبَاشَرَةِ الْعَقْدِ وَتَزْوِيجِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُزَوَّجُ ذَكَرًا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ

стр. 16669

تَزْوِيجُهُ بِمَهْرِ الْمِثْل، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى زُوِّجَتْ مِنْ إِنْسَانٍ صَالِحٍ يُحَافِظُ عَلَيْهَا وَيُدَبِّرُ شُؤُونَهَا (١) . انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (نِكَاح) : طَلاَقُ الصَّغِيرِ: ٤٣ - الطَّلاَقُ رَفْعُ قَيْدِ الزَّوَاجِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْتِزَامَاتٌ مَالِيَّةٌ، فَلِذَلِكَ لاَ يَصِحُّ طَلاَقُ الصَّبِيِّ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ طَلاَقَ مُمَيِّزٍ يَعْقِل الطَّلاَقَ وَلَوْ كَانَ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ زَوْجَتَهُ تَبِينُ مِنْهُ وَتُحَرَّمُ عَلَيْهِ إِذَا طَلَّقَهَا، وَيَصِحُّ تَوْكِيل الْمُمَيِّزِ فِي الطَّلاَقِ وَتَوَكُّلُهُ فِيهِ؛ لأَِنَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ مُبَاشَرَةُ شَيْءٍ، صَحَّ أَنْ يُوَكَّل وَأَنْ يَتَوَكَّل فِيهِ، وَلاَ يَصِحُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُطَلِّقَ الْوَلِيُّ عَلَى الصَّبِيِّ بِلاَ عِوَضٍ لأَِنَّ الطَّلاَقَ ضَرَرٌ (٢) . عِدَّةُ الصَّغِيرَةِ مِنْ طَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ: ٤٤ - الْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُل امْرَأَةٍ فَارَقَهَا زَوْجُهَا بِطَلاَقٍ أَوْ وَفَاةٍ، كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً، وَلَمَّا كَانَ زَوَاجُ الصَّغِيرَةِ جَائِزًا صَحَّ إِيقَاعُ الطَّلاَقِ عَلَيْهَا، فَإِذَا طَلُقَتِ الصَّغِيرَةُ فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَلْزَمُهَا، وَتَعْتَدُّ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ

стр. 16670

مِنْ طَلاَقٍ. وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عِدَّةِ الصَّغِيرَاتِ فَنَزَل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١) . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاَللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّغِيرَاتِ فَتَكُونُ عِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةَ أَشْهُرٍ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَإِنْ كَانَتِ الْعِدَّةُ مِنْ وَفَاةٍ: تَكُونُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢) . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَزْوَاجًا﴾ لَفْظٌ عَامٌّ يَشْمَل الْكَبِيرَاتِ وَالصَّغِيرَاتِ، فَتَكُونُ عِدَّةُ الصَّغِيرَاتِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَلِلصَّغِيرَةِ فِي الْعِدَّةِ حَقُّ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى عَلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ (٣) عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَذَاهِبِ يُعْرَفُ فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ) .

стр. 16671

قَضَاءُ الصَّغِيرِ: ٤٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ تَوْلِيَةِ الصَّغِيرِ الْقَضَاءَ، وَبِالتَّالِي لاَ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ (١) . انْظُرْ: (قَضَاء) . شَهَادَةُ الصَّغِيرِ: ٤٦ - يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَاقِلاً بَالِغًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الطِّفْل؛ لأَِنَّهُ لاَ تَحْصُل الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الصَّغِيرِ غَيْرِ الْبَالِغِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٢) . وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٤) وَالصَّغِيرُ مِمَّنْ لاَ تُرْضَى شَهَادَتُهُ؛ وَلأَِنَّ الصَّغِيرَ لاَ يَأْثَمُ بِكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَاهِدٍ. وَأَمَّا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَتَجُوزُ عِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ فِي الْجِرَاحِ، وَفِي الْقَتْل؛ خِلاَفًا لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٥) .

стр. 16672

أَحْكَامُ الصَّغِيرِ فِي الْعُقُوبَاتِ: ٤٧ - لَقَدْ قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ مَرَاحِل الصِّغَرِ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ: الأَْوَّل: الصَّغِيرُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَهَذَا لاَ تُطَبَّقُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْبَدَنِيَّةِ أَصْلاً؛ لاِنْعِدَامِ مَسْئُولِيَّتِهِ. الثَّانِي: الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ لاَ تُطَبَّقُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ، وَلَكِنْ يُؤَدَّبُ عَلَى مَا ارْتَكَبَ بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ صِغَرِ سِنِّهِ؛ بِالتَّوْبِيخِ وَالضَّرْبِ غَيْرِ الْمُتْلِفِ أَمَّا إِذَا ارْتَكَبَ الصَّغِيرُ فِعْلاً مِنْ شَأْنِهِ إِتْلاَفُ مَال الْغَيْرِ، وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَا لَوْ قَتَل إِنْسَانًا خَطَأً وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، هَذَا هُوَ الْمَبْدَأُ الْعَامُّ الَّذِي يُحَدِّدُ عَلاَقَةَ الصِّغَارِ بِالْعُقُوبَاتِ. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ - دِيَةٌ - قِصَاصٌ) . حَقُّ الصَّغِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ: ٤٨ - حَقُّ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ يَثْبُتُ لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول (وَرَثَتِهِ) وَالأَْوْلِيَاءُ قَدْ يَكُونُونَ جَمَاعَةً، أَوْ يَكُونُ وَاحِدًا مُنْفَرِدًا، وَالْجَمَاعَةُ قَدْ يَكُونُونَ جَمِيعًا كِبَارًا، أَوْ كِبَارًا وَصِغَارًا. وَالْوَاحِدُ الْمُنْفَرِدُ قَدْ يَكُونُ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا. أَوَّلاً - إِذَا كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ صَغِيرًا مُنْفَرِدًا: ٤٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِظَارِ بُلُوغِهِ:

стр. 16673

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يُنْتَظَرُ بُلُوغُهُ. وَالثَّانِيَةُ: يَسْتَوْفِي الْقَاضِي الْقِصَاصَ نِيَابَةً عَنِ الصَّغِيرِ. أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُنْتَظَرُ الْبُلُوغُ، وَلِوَلِيِّ الصَّغِيرِ أَوْ وَصِيِّهِ النَّظَرُ بِالْمَصْلَحَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ أَوْ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ كَامِلَةً. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصَّغِيرِ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لِلتَّشَفِّي، فَحَقُّهُ التَّفْوِيضُ إِلَى اخْتِيَارِ الْمُسْتَحِقِّ؛ فَلاَ يَحْصُل الْمَقْصُودُ بِاسْتِيفَاءِ غَيْرِهِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ (١) . ثَانِيًا - إِذَا كَانَ الصَّغِيرُ مُشْتَرَكًا مَعَ جَمَاعَةٍ كِبَارٍ: فَلِلْكِبَارِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَلاَ يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصَّغِيرِ لِثُبُوتِ حَقِّ الْقِصَاصِ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً عَلَى سَبِيل الْكَمَال وَالاِسْتِقْلاَل؛ وَلأَِنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لاَ يَتَجَزَّأُ؛ لِثُبُوتِهِ بِسَبَبٍ لاَ يَتَجَزَّأُ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ. انْظُرْ: (قِصَاص) .

стр. 16674

صَغِيرٌ انْظُرْ: صِغَر صَفَا انْظُرْ: سَعْي

стр. 16675

صَفٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الصَّفُّ فِي اللُّغَةِ: السَّطْرُ الْمُسْتَقِيمُ مِنْ كُل شَيْءٍ، وَالْقَوْمُ الْمُصْطَفُّونَ وَجَعْل الشَّيْءِ - كَالنَّاسِ وَالأَْشْجَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (١) وَصَافَّ الْجَيْشُ عَدُوَّهُ: قَاتَلَهُ صُفُوفًا، وَتَصَافَّ الْقَوْمُ: وَقَفُوا صُفُوفًا مُتَقَابِلَةً (٢) . وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّفِّ: أَوَّلاً: تَسْوِيَةُ الصَّفِّ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ: ٢ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ بِحَيْثُ لاَ يَتَقَدَّمُ بَعْضُ الْمُصَلِّينَ عَلَى الْبَعْضِ الآْخَرِ، وَيَعْتَدِل الْقَائِمُونَ فِي الصَّفِّ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ مَعَ

стр. 16676

التَّرَاصِّ، وَهُوَ تَلاَصُقُ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ، وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ، وَالْكَعْبِ بِالْكَعْبِ حَتَّى لاَ يَكُونَ فِي الصَّفِّ خَلَلٌ وَلاَ فُرْجَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاَةِ (٣) وَلِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ ﵁ قَال: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأَقْبَل عَلَيْنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَال: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي (٤) .

стр. 16677

وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ أَحَدُنَا يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ (١) وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - مِنْهُمُ ابْنُ حَجَرٍ وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ - إِلَى وُجُوبِ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ لِقَوْلِهِ ﷺ : لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ (٢) فَإِنَّ وُرُودَ هَذَا الْوَعِيدِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ، وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا حَرَامٌ؛ وَلأَِمْرِهِ ﷺ بِذَلِكَ وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ صَارِفٌ، وَلاَ صَارِفَ هُنَا. قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: وَمَعَ الْقَوْل بِأَنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ وَاجِبَةٌ فَصَلاَةُ مَنْ خَالَفَ وَلَمْ يُسَوِّ صَحِيحَةٌ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ: أَنَّ أَنَسًا مَعَ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلاَةِ (٣) .

стр. 16678

٣ - وَمِنْ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ إِكْمَال الصَّفِّ الأَْوَّل فَالأَْوَّل، وَأَنْ لاَ يُشْرَعَ فِي إِنْشَاءِ الصَّفِّ الثَّانِي إِلاَّ بَعْدَ كَمَال الأَْوَّل، وَهَكَذَا. وَهَذَا مَوْضِعُ اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ : أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الَّذِي يَلِيَهُ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ (١) وَقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ وَصَل صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ (٢) . وَعَلَيْهِ فَلاَ يَقِفُ فِي صَفٍّ وَأَمَامَهُ صَفٌّ آخَرُ نَاقِصٌ أَوْ فِيهِ فُرْجَةٌ، بَل يَشُقُّ الصُّفُوفَ لِسَدِّ الْخَلَل أَوِ الْفُرْجَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الصُّفُوفِ الَّتِي أَمَامَهُ؛ لِلأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ (٣) . فَإِذَا حَضَرَ مَعَ الإِْمَامِ رَجُلاَنِ أَوْ أَكْثَرُ، أَوْ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ اصْطَفَّا خَلْفَهُ.

стр. 16679

وَلَوْ حَضَرَ مَعَهُ رَجُلاَنِ وَامْرَأَةٌ اصْطَفَّ الرَّجُلاَنِ خَلْفَهُ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُمَا، وَلَوِ اجْتَمَعَ الرِّجَال وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالصَّبِيَّاتُ الْمُرَاهِقَاتُ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْطَفُّوا لِلْجَمَاعَةِ وَقَفَ الرِّجَال فِي صَفٍّ أَوْ صَفَّيْنِ أَوْ صُفُوفٍ مِمَّا يَلِي الإِْمَامَ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ بَعْدَهُمْ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَقِفُ بَيْنَ كُل رَجُلَيْنِ صَبِيٌّ لِيَتَعَلَّمَ أَفْعَال الصَّلاَةِ. ثُمَّ يَقِفُ النِّسَاءُ وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّبِيَّةِ الْمُرَاهِقَةِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الصَّبِيَّاتِ الْمُرَاهِقَاتِ يَقِفْنَ وَرَاءَ النِّسَاءِ الْكَبِيرَاتِ. وَيَتَقَدَّمُ بِالنِّسْبَةِ لِهَؤُلاَءِ جَمِيعًا فِي الصُّفُوفِ الأُْوَل الأَْفْضَل فَالأَْفْضَل لِمَا رَوَاهُ أَبُو مَسْعُودٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاَةِ وَيَقُول: اسْتَوُوا وَلاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ؛ لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَْحْلاَمِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ (١) . وَلِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَْشْعَرِيِّ قَال: أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ

стр. 16680

بِصَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَال: فَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَصَفَّ الرِّجَال وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلاَتَهُ ثُمَّ قَال: هَكَذَا صَلاَةُ. قَال عَبْدُ الأَْعْلَى - رَاوِي الْحَدِيثِ -: لاَ أَحْسَبُهُ إِلاَّ قَال: صَلاَةُ أُمَّتِي (١) . وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ الإِْمَامِ إِلاَّ جَمْعٌ مِنَ النِّسَاءِ صَفَّهُنَّ خَلْفَهُ، وَكَذَا الاِثْنَتَانِ وَالْوَاحِدَةُ. وَمِنْ أَدَبِ الصَّفِّ أَنْ تُسَدَّ الْفُرَجُ وَالْخَلَل، وَأَنْ لاَ يُشْرَعَ فِي صَفٍّ حَتَّى يَتِمَّ الأَْوَّل، وَأَنْ يُفْسَحَ لِمَنْ يُرِيدُ دُخُول الصَّفِّ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ سِعَةٌ، وَيَقِفُ الإِْمَامُ وَسَطَ الصَّفِّ وَالْمُصَلُّونَ خَلْفَهُ (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ : وَسِّطُوا الإِْمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَل (٣) " وَمُقَابِل

стр. 16681

الإِْمَامِ أَفْضَل مِنَ الْجَوَانِبِ، وَجِهَةُ يَمِينِ الإِْمَامِ أَفْضَل مِنْ جِهَةِ يَسَارِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ (١) . فَضْل الصَّفِّ الأَْوَّل: ٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَفْضَل صُفُوفِ الرِّجَال - سَوَاءٌ كَانُوا يُصَلُّونَ وَحْدَهُمْ أَوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ - هُوَ الصَّفُّ الأَْوَّل، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الأَْقْرَبُ فَالأَْقْرَبُ، وَكَذَا أَفْضَل صُفُوفِ النِّسَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ رِجَالٌ. أَمَّا النِّسَاءُ مَعَ الرِّجَال فَأَفْضَل صُفُوفِهِنَّ آخِرُهَا؛ لأَِنَّ ذَلِكَ أَلْيَقُ وَأَسْتَرُ لِقَوْلِهِ ﷺ : خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَال أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا (٢) .

стр. 16682

وَقَوْلِهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَْوَّل ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا (١) . ٥ - قَال الْعُلَمَاءُ: مِنْ فَوَائِدِ الْحَثِّ عَلَى الصَّفِّ الأَْوَّل الْمُسَارَعَةُ إِلَى خَلاَصِ الذِّمَّةِ وَالسَّبْقُ لِدُخُول الْمَسْجِدِ؛ وَالْفِرَارُ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَالْقُرْبُ مِنَ الإِْمَامِ؛ وَاسْتِمَاعُ قِرَاءَتِهِ وَالتَّعَلُّمُ مِنْهُ وَالْفَتْحُ عَلَيْهِ وَالتَّبْلِيغُ عَنْهُ وَمُشَاهَدَةُ أَحْوَالِهِ، وَالسَّلاَمَةُ مِنَ اخْتِرَاقِ الْمَارَّةِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وَسَلاَمَةُ الْبَال مِنْ رُؤْيَةِ مَنْ يَكُونُ أَمَامَهُ وَسَلاَمَةُ مَوْضِعِ سُجُودِهِ مِنْ أَذْيَال الْمُصَلِّينَ؛ وَالتَّعَرُّضُ لِصَلاَةِ اللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَدُعَاءُ نَبِيِّهِ ﷺ وَغَيْرُ ذَلِكَ. ٦ - وَلَكِنِ الْعُلَمَاءُ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ مِنَ الصَّفِّ الأَْوَّل فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الصَّفَّ الأَْوَّل الْمَمْدُوحَ الَّذِي وَرَدَتِ الأَْحَادِيثُ بِفَضْلِهِ هُوَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِي الإِْمَامَ سَوَاءٌ تَخَلَّلَهُ مِنْبَرٌ أَوْ مَقْصُورَةٌ أَوْ أَعْمِدَةٌ أَوْ نَحْوُهَا، وَسَوَاءٌ جَاءَ صَاحِبُهُ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا لِقَوْلِهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَكَانَتْ قُرْعَةٌ (٢) وَلِقَوْلِهِ

стр. 16683

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا: تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لاَ يَزَال قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ (١) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمُ الْغَزَالِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّفَّ الأَْوَّل الْفَاضِل هُوَ أَوَّل صَفٍّ تَامٍّ يَلِي الإِْمَامَ وَلاَ يَتَخَلَّلُهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ؛ لأَِنَّ مَا فِيهِ خَلَلٌ فَهُوَ نَاقِصٌ. قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: وَكَأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْل لَحَظَ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِل، وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل بِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ قَال: صَلَّيْنَا خَلْفَ أَمِيرٍ مِنَ الأُْمَرَاءِ فَاضْطَرَّنَا النَّاسُ فَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا قَال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُول اللَّهِ ﷺ (٢) . وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الآْخَرِينَ وَمِنْهُمْ بِشْرُ

стр. 16684

بْنُ الْحَارِثِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّفِّ الأَْوَّل هُوَ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَكَانِ الصَّلاَةِ وَجَاءَ أَوَّلاً وَإِنْ صَلَّى فِي آخِرِ الصُّفُوفِ، وَاحْتَجُّوا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ أَوَّل الْوَقْتِ وَلَمْ يَدْخُل فِي الصَّفِّ الأَْوَّل أَفْضَل مِمَّنْ جَاءَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَزَاحَمَ إِلَى الصَّفِّ الأَْوَّل. قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ - أَيْضًا -: وَكَأَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْل لاَحَظَ الْمَعْنَى فِي تَفْضِيل الصَّفِّ الأَْوَّل دُونَ مُرَاعَاةِ لَفْظِهِ (١) . الْفِرَارُ مِنَ الصَّفِّ فِي الْقِتَال مَعَ الْكُفَّارِ: ٧ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ الْجِهَادُ - وَهُوَ الْمُسْلِمُ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الْمُسْتَطِيعُ - الاِنْصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ عِنْدَ الْتِقَاءِ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ؛ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ قُتِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ﴾ (٢) الآْيَةَ؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 16685

عَدَّ التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ (١) . وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ؛ بِأَنْ كَانُوا مِثْلَهُمْ أَوْ أَقَل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْضَمُّ إِلَيْهِمْ مُحَارِبًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٣) فَإِنْ زَادَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَنْ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ جَازَ الاِنْصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ (٤) . الصَّفُّ فِي صَلاَةِ الْجِنَازَةِ: ٨ - قَال الْفُقَهَاءُ: يُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا (٥) .

стр. 16686

وَوَرَدَ أَنَّ أَبَا بَكَّارٍ الْحَكَمَ بْنَ فَرُّوخَ قَال: صَلَّى بِنَا أَبُو الْمَلِيحِ عَلَى جِنَازَةٍ فَظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ كَبَّرَ فَأَقْبَل عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَال: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَلْتَحْسُنْ شَفَاعَتُكُمْ (١) . كَمَا يُسْتَحَبُّ أَنْ لاَ تَنْقُصَ الصُّفُوفُ عَنْ ثَلاَثَةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ (٢) وَقَوْلِهِ ﷺ : مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلاَّ شُفِّعُوا فِيهِ (٣) . فَإِنْ كَانَ وَرَاءَ الإِْمَامِ أَرْبَعَةٌ جَعَلَهُمْ صَفَّيْنِ فِي كُل صَفٍّ رَجُلَيْنِ، وَإِذَا كَانُوا سَبْعَةً أَقَامُوا ثَلاَثَةَ صُفُوفٍ يَتَقَدَّمُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِمَامًا وَثَلاَثَةٌ بَعْدَهُ وَاثْنَانِ بَعْدَهُمْ وَوَاحِدٌ بَعْدَهُمَا؛ لِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَانُوا سَبْعَةً فَجَعَل الصَّفَّ الأَْوَّل ثَلاَثَةً وَالثَّانِيَ اثْنَيْنِ وَالثَّالِثَ وَاحِدًا (٤) . إِلاَّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ

стр. 16687

أَنْ يَكُونَ الْوَاحِدُ صَفًّا، كَمَا كَرِهُوا إِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً أَنْ يُجْعَلُوا ثَلاَثَةَ صُفُوفٍ بِحَيْثُ يَكُونُ كُل صَفٍّ رَجُلاً وَاحِدًا (١) . أَمَّا مَسْأَلَةُ صَفِّ الْمَوْتَى إِذَا اجْتَمَعُوا فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (جَنَائِزُ) .

стр. 16688

صِفَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الصِّفَةُ لُغَةً: الْحِلْيَةُ، قَال اللَّيْثُ: الْوَصْفُ: وَصْفُكَ الشَّيْءَ بِحِلْيَتِهِ وَنَعْتِهِ، وَاتَّصَفَ الشَّيْءُ: أَمْكَنَ وَصْفُهُ (١) . وَالصِّفَةُ فِي اصْطِلاَحِ أَهْل النَّحْوِ: هِيَ الاِسْمُ الدَّال عَلَى بَعْضِ أَحْوَال الذَّاتِ، وَذَلِكَ نَحْوُ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ وَعَاقِلٌ وَأَحْمَقُ وَغَيْرُهَا، وَهِيَ الأَْمَارَةُ اللاَّزِمَةُ لِذَاتِ الْمَوْصُوفِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهَا (٢) . وَالصِّفَةُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يَنْضَبِطَ الْمَوْصُوفُ عَلَى وَجْهٍ فَلاَ يَبْقَى بَعْدَ الْوَصْفِ إِلاَّ تَفَاوُتٌ يَسِيرٌ (٣) . وَالصِّفَةُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: تَقْيِيدُ لَفْظٍ مُشْتَرَكِ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ آخَرَ مُخْتَصٍّ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلاَ غَايَةٍ، وَلاَ يُرِيدُونَ بِهَا النَّعْتَ فَقَطْ كَالنُّحَاةِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ تَمْثِيلُهُمْ بِمَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، مَعَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ بِالإِْضَافَةِ - فَقَطْ - وَقَدْ جَعَلُوهُ صِفَةً (٤)

стр. 16689

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - تَدْخُل الصِّفَةُ فِي شُرُوطِ بَيْعِ السَّلَمِ، وَفِي الْبَيْعِ عَلَى الصِّفَةِ، فَيَثْبُتُ بِتَخَلُّفِهَا خِيَارُ فَوَاتِ الْوَصْفِ. وَمَنَاطُ الصِّفَةِ فِي الْفِقْهِ، أَنْ تَكُونَ مُنْضَبِطَةً عَلَى وَجْهٍ لاَ يَبْقَى بَعْدَ الْوَصْفِ إِلاَّ تَفَاوُتٌ يَسِيرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ وَيَبْقَى بَعْدَ الْوَصْفِ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ فَلاَ يَجُوزُ الْعَمَل فِيهِ، بِسَبَبِ بَقَاءِ الْعَيْنِ مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ جَهَالَةً فَاحِشَةً مُفْضِيَةً إِلَى الْمُنَازَعَةِ، وَعَدَمُهَا مَطْلُوبٌ شَرْعًا (١) ، وَلَيْسَ لِلصِّفَةِ مُقَابِلٌ فِي الثَّمَنِ؛ لِكَوْنِهَا تَابِعَةً فِي الْعَقْدِ تَدْخُل مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ أَوِ الأَْخْذِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (سَلَمٌ) (وَرِبًا) . وَرَاجِعْ مُصْطَلَحَ (خِيَارُ فَوَاتِ الصِّفَةِ ٢٠ ١٥٩، وَأَيْضًا ف ١٠ ص ١٦٢) . ٣ - وَفِي أُصُول الْفِقْهِ: يَدْخُل مَفْهُومُ الصِّفَةِ: وَهُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَى الذَّاتِ بِأَحَدِ الأَْوْصَافِ فِي نَحْوِ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ، وَكَتَعْلِيقِ نَفَقَةِ الْبَيْنُونَةِ عَلَى الْحَمْل، وَشَرْطِ ثَمَرَةِ النَّخْل لِلْبَائِعِ إِذَا كَانَتْ مُؤَبَّرَةً (٢) .

стр. 16690

صَفْقَةٌ التَّعْرِيفُ: ١ - الصَّفْقَةُ: الْمَرَّةُ مِنَ الصَّفْقِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الضَّرْبُ الَّذِي يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ (١) . وَفِي الْحَدِيثِ: التَّسْبِيحُ لِلرِّجَال، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ (٢) . وَتُطْلَقُ الصَّفْقَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ، يُقَال: صَفَّقَ يَدَهُ بِالْبَيْعَةِ وَالْبَيْعِ: وَعَلَى يَدِهِ صَفْقًا إِذَا ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِ صَاحِبِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ وُجُوبِ الْبَيْعِ، وَيُقَال: تَصَافَقَ الْقَوْمُ إِذَا تَبَايَعُوا. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: الصَّفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ رِبًا (٣) . أَيْ بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ (٤)

стр. 16691

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّفْقَةِ: ٢ - الْجَمْعُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِي صَفْقَةٍ ضَرْبَانِ: (١) أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (٢) أَنْ يَجْمَعَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ. فَالأَْوَّل: إِنْ جَمَعَ فِي الصَّفْقَةِ بَيْنَ مَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ هُوَ جَمْعٌ، كَأَنْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ أَوْ خَمْسِ نِسْوَةٍ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ بَطَل الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الأُْخْتَيْنِ، وَبَيْنَ الْخَمْسِ، فَالإِْبْطَال فِي وَاحِدَةٍ، وَالتَّصْحِيحُ فِي غَيْرِهَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنْ جَمَعَ فِي الصَّفْقَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ: كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَابِلٌ لِلْعَقْدِ، بِأَنْ يَجْمَعَ عَيْنَيْنِ لَهُ قَابِلَتَيْنِ لِلْبَيْعِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِمَا، ثُمَّ إِنْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ: كَشَاةٍ وَثَوْبٍ، أَوْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ لَكِنَّهُمَا مُخْتَلِفَا الْقِيمَةِ وَزَّعَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ: كَشَاتَيْنِ مُتَّفِقَتَيِ الْقِيمَةِ وَزَّعَ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ الأَْجْزَاءِ. وَإِنْ جَمَعَ فِي الصَّفْقَةِ شَيْئَيْنِ غَيْرَ قَابِلَيْنِ لِلْعَقْدِ: كَخَمْرٍ، وَمَيْتَةٍ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (١) .

стр. 16692

اشْتِمَال الصَّفْقَةِ عَلَى مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لاَ يَجُوزُ: ٣ - إِذَا اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ عَلَى مَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ، فَإِنْ كَانَ لِمَا لاَ يَجُوزُ فِيهِ الْعَقْدُ قِيمَةٌ، كَأَنْ يَبِيعَ دَارَهُ وَدَارَ غَيْرِهِ صَحَّ الْعَقْدُ فِي دَارِهِ بِالْقِسْطِ مِنَ الْمُسَمَّى، إِذَا وَزَّعَ عَلَى قِيمَتَيْهِمَا، وَبَطَل فِي دَارِ غَيْرِهِ إِعْطَاءً لِكُل مِنْهُمَا حُكْمُهُ؛ وَلأَِنَّ الصَّفْقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، فَالْعَدْل التَّصْحِيحُ فِي الصَّحِيحِ، وَقَصْرُ الْفَسَادِ عَلَى الْفَاسِدِ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ بُطْلاَنُ الصَّفْقَةِ كُلِّهَا (١) . أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، بِأَنِ اشْتَمَلَتْ عَلَى خَلٍّ وَخَمْرٍ، أَوْ مَيْتَةٍ وَمُذَكَّاةٍ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَبْطُل فِيهِمَا إِنْ لَمْ يُسَمِّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا بِاتِّفَاقِ أَئِمَّتِهِمْ. أَمَّا إِذَا سَمَّى لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنًا فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْبَيْعَ يَبْطُل فِيهِمَا؛ لأَِنَّ الْمَيْتَةَ وَالْخَمْرَ لَيْسَا بِمَالٍ، وَالْبَيْعُ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ، فَكَانَ الْقَبُول فِي الْمَيْتَةِ، وَالْخَمْرِ كَالْمَشْرُوطِ لِلْبَيْعِ فِيهِمَا، وَهُوَ شَرْطٌ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ.

стр. 16693

وَقَال الصَّاحِبَانِ: يَصِحُّ الْعَقْدُ إِنْ سُمِّيَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ فِيهِمَا فَيَصِحُّ فِي الْحَلاَل وَيَبْطُل فِي الْحَرَامِ. وَالتَّفْصِيل فِي (تَفْرِيقٌ، وَبَيْعٌ) . وَإِنِ اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ عَلَى عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ: كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَوْ بَيْعٍ وَسَلَمٍ، أَوْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ، صَحَّ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ لِصِحَّتِهِ مُنْفَرِدًا فَلاَ يَضُرُّ الْجَمْعُ، وَلاَ أَثَرَ لاِخْتِلاَفِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ، كَمَا لاَ أَثَرَ لَهُ فِي بَيْعِ مَشْفُوعٍ، وَغَيْرِ مَشْفُوعٍ. وَصُورَةُ الإِْجَارَةِ، وَالْبَيْعِ أَنْ يَقُول: بِعْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، وَآجَرْتُكَ دَارِي سَنَةً بِكَذَا. وَصُورَةُ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ، أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، وَبِعْتُكَ دَارَهَا، وَهِيَ فِي حِجْرِهِ؛ أَوْ رَشِيدَةٌ وَكَّلَتْهُ فِي بَيْعِ دَارِهَا فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ، وَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَةِ الْمَبِيعِ، وَمَهْرِ الْمِثْل (١) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَفْرِيقٌ، وَنِكَاحٌ، وَصَدَاقٌ) .

стр. 16694

صَفِيٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الصَّفِيُّ: مِنَ الصَّفْوِ، وَالصَّفَاءُ نَقِيضُ الْكَدَرِ، وَهُوَ الْخَالِصُ مِنْ كُل شَيْءٍ، وَاسْتَصْفَى الشَّيْءَ وَاصْطَفَاهُ: اخْتَارَهُ. قَال أَبُو عُبَيْدَة: الصَّفِيُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ: مَا اخْتَارَهُ الرَّئِيسُ مِنَ الْمَغْنَمِ وَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ قَبْل الْقِسْمَةِ: مِنْ فَرَسٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الصَّفِيَّةُ - أَيْضًا - وَجَمْعُهُ صَفَايَا (١) . وَمِنْهُ قَوْل عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنَمَةَ يُخَاطِبُ بِسْطَامٍ بْنَ قَيْسٍ: لَكَ الْمِرْبَاعُ فِيهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُول وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ تَعْنِي صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ كَانَتْ مِنْ غَنِيمَةِ خَيْبَرَ (٢) .

стр. 16695

وَلاَ يَخْرُجُ التَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. فَالصَّفِيُّ: شَيْءٌ يُخْتَارُ مِنَ الْمَغْنَمِ قَبْل الْقِسْمَةِ: كَالْجَارِيَةِ وَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ وَالسَّيْفِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ: ٢ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الصَّفِيَّ كَانَ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، وَلَيْسَ لِلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلاَ يُعْلَمُ مُخَالِفٌ لِهَذَا، إِلاَّ أَبُو ثَوْرٍ فَإِنَّهُ قَال: إِنْ كَانَ الصَّفِيُّ ثَابِتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلِلإِْمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ النَّبِيُّ ﷺ وَيَجْعَلُهُ مَجْعَل سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ أَعْلَمُ أَحَدًا سَبَقَ أَبَا ثَوْرٍ إِلَى هَذَا الْقَوْل (١) . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ: إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَأَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ، وَأَدَّيْتُمُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ الصَّفِيَّ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (٢) ". وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا

стр. 16696

قَالَتْ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ. ٣ - وَأَمَّا انْقِطَاعُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ - قَبْل أَبِي ثَوْرٍ وَبَعْدَهُ - وَكَوْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ، وَلاَ ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلاَ يُجْمِعُونَ عَلَى تَرْكِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (١) . صَقْرٌ انْظُرْ: أَطْعِمَة، صَيْد

стр. 16697

صَكٌّ التَّعْرِيفُ: ١ - الصَّكُّ فِي اللُّغَةِ: الضَّرْبُ الشَّدِيدُ بِالشَّيْءِ الْعَرِيضِ، يُقَال: صَكَّهُ صَكًّا: إِذَا ضَرَبَهُ فِي قَفَاهُ وَوَجْهِهِ بِيَدِهِ مَبْسُوطَةً. وَقِيل: الضَّرْبُ عَامَّةً بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ (١) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْمُعَامَلاَتُ، وَالأَْقَارِيرُ وَوَقَائِعُ الدَّعْوَى (٢) . الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: السِّجِل: ٢ - السِّجِل: هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْكِتَابُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ مَا تَضَمَّنَ حُكْمَ الْقَاضِي (٣) . الْمَحْضَرُ: ٣ - الْمَحْضَرُ: هُوَ مَا يُكْتَبُ فِيهِ مَا جَرَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارٍ، وَإِنْكَارٍ وَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ، وَنُكُولٍ عَنْ يَمِينٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَقَائِعِ الدَّعْوَى، عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الاِشْتِبَاهَ بِلاَ حُكْمٍ (٤) .

стр. 16698

الدِّيوَانُ: ٤ - الدِّيوَانُ: هُوَ مَجْمَعُ الصُّحُفِ، وَهُوَ الْخَرَائِطُ الَّتِي يُحْفَظُ فِيهَا السِّجِلاَّتُ وَالْمَحَاضِرُ، وَغَيْرُهَا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ أَسْمَاءُ أَفْرَادِ الْجَيْشِ وَأَصْحَابُ الْعَطِيَّةِ (١) . الْوَثِيقَةُ: ٥ - الْوَثِيقَةُ: هِيَ فِي اللُّغَةِ: الإِْحْكَامُ فِي الأَْمْرِ وَالأَْخْذُ بِالثِّقَةِ (٢) . وَفِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ: مَا يَشْمَل الصَّكَّ، وَالْمَحْضَرَ، وَالسِّجِل، وَالرَّهْنَ، وَكُل مَا يَتَوَثَّقُ بِهِ الإِْنْسَانُ فِي حَقِّهِ (٣) . الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِكِتَابَةِ الصُّكُوكِ وَالسِّجِلاَّتِ: ٦ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ كِتَابَةَ الصُّكُوكِ، وَالسِّجِلاَّتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فِي كُل تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ، وَغَيْرِهِ: كَطَلاَقٍ وَإِقْرَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِتَمْهِيدِ إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّنَازُعِ؛ وَلِمَا لَهَا مِنْ أَثَرٍ ظَاهِرٍ فِي التَّذَكُّرِ لِلْوَقَائِعِ، وَفِيهَا حِفْظُ الْحُقُوقِ عَنِ الضَّيَاعِ (٤) .

стр. 16699

وُجُوبُ كِتَابَةِ الصُّكُوكِ وَالسِّجِلاَّتِ عَلَى الْقَاضِي: ٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي عَيْنًا كَتْبُ الصُّكُوكِ، وَالسِّجِلاَّتِ؛ إِذْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِيصَال الْحَقِّ إِلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا يَحْصُل بِالشُّهُودِ لاَ بِالصُّكُوكِ وَكِتَابَةِ السِّجِلاَّتِ؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَْئِمَّةِ كَانُوا يَحْكُمُونَ، وَلاَ يَكْتُبُونَ الْمَحَاضِرَ وَالسِّجِلاَّتِ، وَلَكِنَّهُ إِنْ سَأَل أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَةَ الصَّكِّ، أَوِ السِّجِل لِيَحْتَجَّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إِجَابَتُهُ إِنْ أَحْضَرَ قِرْطَاسًا أَوْ كَانَ هُنَاكَ قِرْطَاسٌ مُعَدٌّ لِذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (١) . وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي كِتَابَةُ الصَّكِّ وَالسِّجِل إِذَا طَلَبَ مِنْهُ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي كِتَابَتِهِ وَأَتَى بِكَاغِدٍ، أَوْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَال كَاغِدٌ مُعَدٌّ لِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ وَثِيقَةٌ لِلطَّالِبِ، فَلَزِمَهُ كِتَابَتُهُ، كَعَامِل الزَّكَاةِ، إِذَا طَلَبَ الْمُزَكِّي مِنْهُ كِتَابَةَ صَكٍّ مِنْهُ؛ لِئَلاَّ يُطَالِبَهُ عَامِلٌ آخَرُ، وَكَمُعَشِّرِ تِجَارَةِ أَهْل حَرْبٍ أَوْ ذِمَّةٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، طَلَبُوا مِنْهُ كِتَابَةَ صَكٍّ بِأَدَاءِ الْعُشْرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ بَرَاءَةُ ذِمَّةٍ إِذَا مَرَّ

стр. 16700

بِهِمْ مُعَشِّرٌ آخَرُ (١) . أَخْذُ الأُْجْرَةِ بِالْكِتَابَةِ: ٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى كَتْبِ الصُّكُوكِ، وَجَمِيعِ الْوَثَائِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ (٢) . وَقَالُوا: إِنَّ مَنِ اسْتُبِيحَ عَمَلُهُ، وَكَدُّ خَاطِرِهِ كُلَّمَا احْتَاجَ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ، وَيَسْتَغْرِقُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَفِي ذَلِكَ غَايَةُ الضَّرَرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُجْرَةُ الْكَاتِبِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَلَيْسَ لِلْقَاضِي مَنْعُ الْفُقَهَاءِ مِنْ كِتَابَةِ الْعُقُودِ، وَالْحُجَجِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الشَّرْعِ فِيمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِذَا كَانَ الْكَاتِبُ فَقِيهًا عَالِمًا بِأُمُورِ الشَّرْعِ، وَشُرُوطِ انْعِقَادِ الْعُقُودِ. وَإِذَا مَنَعَ الْقَاضِي ذَلِكَ لِتَصِيرَ إِلَيْهِ هَذِهِ الأُْمُورُ كَانَ هَذَا مِنَ الْمَكْسِ. وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي يُرِيدُ مَنْعَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ لِئَلاَّ يَعْقِدَ عَقْدًا فَاسِدًا فَالطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ أَنْ يَفْعَل كَمَا كَانَ يَفْعَل الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَهُوَ تَعْزِيرُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا فَاسِدًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ الأُْجْرَةَ، وَيُعَيِّنَ الْعَمَل، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى شَيْءٍ، وَجَاءَ الْعَمَل عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فَهِيَ إِجَارَةٌ صَحِيحَةٌ،
следующие страницы →