Полный текст (31 949 стр.). Показаны 16696–16735 · переход к 16701.
стр. 16696
قَالَتْ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ.
٣ - وَأَمَّا انْقِطَاعُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ - قَبْل أَبِي ثَوْرٍ وَبَعْدَهُ - وَكَوْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ، وَلاَ ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلاَ يُجْمِعُونَ عَلَى تَرْكِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ (١) .
صَقْرٌ
انْظُرْ: أَطْعِمَة، صَيْد стр. 16697
صَكٌّ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّكُّ فِي اللُّغَةِ: الضَّرْبُ الشَّدِيدُ بِالشَّيْءِ الْعَرِيضِ، يُقَال: صَكَّهُ صَكًّا: إِذَا ضَرَبَهُ فِي قَفَاهُ وَوَجْهِهِ بِيَدِهِ مَبْسُوطَةً. وَقِيل: الضَّرْبُ عَامَّةً بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْمُعَامَلاَتُ، وَالأَْقَارِيرُ وَوَقَائِعُ الدَّعْوَى (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
السِّجِل:
٢ - السِّجِل: هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْكِتَابُ، وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ مَا تَضَمَّنَ حُكْمَ الْقَاضِي (٣) .
الْمَحْضَرُ:
٣ - الْمَحْضَرُ: هُوَ مَا يُكْتَبُ فِيهِ مَا جَرَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مِنْ إِقْرَارٍ، وَإِنْكَارٍ وَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ، وَنُكُولٍ عَنْ يَمِينٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وَقَائِعِ الدَّعْوَى، عَلَى وَجْهٍ يَرْفَعُ الاِشْتِبَاهَ بِلاَ حُكْمٍ (٤) . стр. 16698
الدِّيوَانُ:
٤ - الدِّيوَانُ: هُوَ مَجْمَعُ الصُّحُفِ، وَهُوَ الْخَرَائِطُ الَّتِي يُحْفَظُ فِيهَا السِّجِلاَّتُ وَالْمَحَاضِرُ، وَغَيْرُهَا، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكِتَابِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ أَسْمَاءُ أَفْرَادِ الْجَيْشِ وَأَصْحَابُ الْعَطِيَّةِ (١) .
الْوَثِيقَةُ:
٥ - الْوَثِيقَةُ: هِيَ فِي اللُّغَةِ: الإِْحْكَامُ فِي الأَْمْرِ وَالأَْخْذُ بِالثِّقَةِ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ: مَا يَشْمَل الصَّكَّ، وَالْمَحْضَرَ، وَالسِّجِل، وَالرَّهْنَ، وَكُل مَا يَتَوَثَّقُ بِهِ الإِْنْسَانُ فِي حَقِّهِ (٣) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِكِتَابَةِ الصُّكُوكِ وَالسِّجِلاَّتِ:
٦ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ كِتَابَةَ الصُّكُوكِ، وَالسِّجِلاَّتِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فِي كُل تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ، وَغَيْرِهِ: كَطَلاَقٍ وَإِقْرَارٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِتَمْهِيدِ إِثْبَاتِ الْحُقُوقِ عِنْدَ التَّنَازُعِ؛ وَلِمَا لَهَا مِنْ أَثَرٍ ظَاهِرٍ فِي التَّذَكُّرِ لِلْوَقَائِعِ، وَفِيهَا حِفْظُ الْحُقُوقِ عَنِ الضَّيَاعِ (٤) . стр. 16699
وُجُوبُ كِتَابَةِ الصُّكُوكِ وَالسِّجِلاَّتِ عَلَى الْقَاضِي:
٧ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي عَيْنًا كَتْبُ الصُّكُوكِ، وَالسِّجِلاَّتِ؛ إِذْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِيصَال الْحَقِّ إِلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا يَحْصُل بِالشُّهُودِ لاَ بِالصُّكُوكِ وَكِتَابَةِ السِّجِلاَّتِ؛ وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَْئِمَّةِ كَانُوا يَحْكُمُونَ، وَلاَ يَكْتُبُونَ الْمَحَاضِرَ وَالسِّجِلاَّتِ، وَلَكِنَّهُ إِنْ سَأَل أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ كِتَابَةَ الصَّكِّ، أَوِ السِّجِل لِيَحْتَجَّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إِجَابَتُهُ إِنْ أَحْضَرَ قِرْطَاسًا أَوْ كَانَ هُنَاكَ قِرْطَاسٌ مُعَدٌّ لِذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال. وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي كِتَابَةُ الصَّكِّ وَالسِّجِل إِذَا طَلَبَ مِنْهُ مَنْ لَهُ مَصْلَحَةٌ فِي كِتَابَتِهِ وَأَتَى بِكَاغِدٍ، أَوْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَال كَاغِدٌ مُعَدٌّ لِذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ وَثِيقَةٌ لِلطَّالِبِ، فَلَزِمَهُ كِتَابَتُهُ، كَعَامِل الزَّكَاةِ، إِذَا طَلَبَ الْمُزَكِّي مِنْهُ كِتَابَةَ صَكٍّ مِنْهُ؛ لِئَلاَّ يُطَالِبَهُ عَامِلٌ آخَرُ،
وَكَمُعَشِّرِ تِجَارَةِ أَهْل حَرْبٍ أَوْ ذِمَّةٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، طَلَبُوا مِنْهُ كِتَابَةَ صَكٍّ بِأَدَاءِ الْعُشْرِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهُمْ بَرَاءَةُ ذِمَّةٍ إِذَا مَرَّ стр. 16700
بِهِمْ مُعَشِّرٌ آخَرُ (١) .
أَخْذُ الأُْجْرَةِ بِالْكِتَابَةِ:
٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى كَتْبِ الصُّكُوكِ، وَجَمِيعِ الْوَثَائِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ (٢) . وَقَالُوا: إِنَّ مَنِ اسْتُبِيحَ عَمَلُهُ، وَكَدُّ خَاطِرِهِ كُلَّمَا احْتَاجَ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ، وَيَسْتَغْرِقُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَفِي ذَلِكَ غَايَةُ الضَّرَرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُجْرَةُ الْكَاتِبِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَلَيْسَ لِلْقَاضِي مَنْعُ الْفُقَهَاءِ مِنْ كِتَابَةِ الْعُقُودِ، وَالْحُجَجِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الشَّرْعِ فِيمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِذَا كَانَ الْكَاتِبُ فَقِيهًا عَالِمًا بِأُمُورِ الشَّرْعِ، وَشُرُوطِ انْعِقَادِ الْعُقُودِ. وَإِذَا مَنَعَ الْقَاضِي ذَلِكَ لِتَصِيرَ إِلَيْهِ هَذِهِ الأُْمُورُ كَانَ هَذَا مِنَ الْمَكْسِ.
وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي يُرِيدُ مَنْعَ مَنْ لاَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ لِئَلاَّ يَعْقِدَ عَقْدًا فَاسِدًا فَالطَّرِيقُ إِلَى ذَلِكَ أَنْ يَفْعَل كَمَا كَانَ يَفْعَل الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَهُوَ تَعْزِيرُ مَنْ عَقَدَ عَقْدًا فَاسِدًا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ الأُْجْرَةَ، وَيُعَيِّنَ الْعَمَل، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى شَيْءٍ، وَجَاءَ الْعَمَل عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فَهِيَ إِجَارَةٌ صَحِيحَةٌ، стр. 16701
وَيَجُوزُ لِلْكَاتِبِ أَنْ يَأْخُذَ مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ. مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، مَا لَمْ يَكُنِ الْمَكْتُوبُ لَهُ مُضْطَرًّا إِلَى قَبُول مَا يَطْلُبُهُ الْكَاتِبُ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ فِي الْمَوْضِعِ، أَوْ قَصْرِ الْكِتَابَةِ عَلَيْهِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ، عَلَى الْكَاتِبِ أَلاَّ يَرْفَعَ الأُْجْرَةَ عَلَى النَّاسِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَرُورَتِهِمْ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ فَهِيَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ (١) .
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْكَاتِبِ رِزْقٌ فِي بَيْتِ الْمَال، أَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِي بَيْتِ الْمَال، وَإِلاَّ فَرِزْقُهُ فِي بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
ثَمَنُ أَوْرَاقِ الصَّكِّ وَالسِّجِل:
٩ - ثَمَنُ أَوْرَاقِ الصَّكِّ وَالسِّجِل مِنْ بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَال شَيْءٌ، أَوِ احْتِيجَ لِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَالثَّمَنُ عَلَى مَنْ سَأَل الْكِتَابَةَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّأْنِ كَمُدَّعٍ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، إِنْ شَاءَ كِتَابَةَ مَا جَرَى فِي خُصُومَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُعْلِمُهُ الْقَاضِي أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكْتُبْ فَقَدْ يَنْسَى شَهَادَةَ стр. 16702
الشُّهُودِ، وَالْحُكْمَ (١) .
اسْتِنَادُ الْقَاضِي إِلَى الْخَطِّ فِي حُكْمِهِ:
١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي الاِسْتِنَادُ فِي حُكْمِهِ إِلَى خَطِّ الصَّكِّ، أَوِ السِّجِل الْمُجَرَّدِ، فَإِذَا وَجَدَ وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ وَطُلِبَ مِنْهُ إِمْضَاؤُهُ، أَوْ تَنْفِيذُهُ، فَإِنْ تَذَّكَّرَهُ أَمْضَاهُ، وَنَفَّذَهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الْوَاقِعَةَ، مُفَصَّلَةً فَلاَ يَعْمَل بِهِ، حَتَّى يَتَذَكَّرَ الْوَقَائِعَ مُفَصَّلَةً (٢) . وَلاَ يَكْفِيهِ مَعْرِفَتُهُ أَنَّ هَذَا خَطُّهُ - فَقَطْ - حَتَّى يَتَذَكَّرَ الْوَاقِعَةَ. وَإِنْ كَانَ السِّجِل فِي حِفْظِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ، لاِحْتِمَال التَّزْوِيرِ، وَمُشَابَهَةِ الْخَطِّ لِلْخَطِّ؛ وَلأَِنَّ قَضَاءَهُ: فِعْلُهُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْعِلْمِ هُوَ الأَْصْل فِي فِعْل الإِْنْسَانِ؛ لِهَذَا يَأْخُذُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بِالْعِلْمِ (٣) .
وَقَال أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِنْ كَانَ السِّجِل تَحْتَ يَدِهِ فِي خَرِيطَةٍ وَالْخَرِيطَةُ مَخْتُومَةٌ بِخَتْمِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَتَذَكَّرُ الْوَاقِعَةَ عَمِل بِهِ (٤) . стр. 16703
شَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَى السِّجِل عَلَى أَنَّهُ حُكْمُهُ:
١١ - إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَدْلاَنِ عَلَى أَنَّ هَذَا الصَّكَّ مِنْ عَمَلِهِ وَالسِّجِل حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ هُوَ الْوَاقِعَةَ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى: أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تُؤَثِّرْ، فَلاَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ فِعْلُهُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْعِلْمِ هُوَ الأَْصْل فِي فِعْل الإِْنْسَانِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مِنِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ عَدْلاَنِ أَنَّ هَذَا حُكْمَهُ، قَبِل شَهَادَتَهُمَا، وَأَمْضَاهُ مُعْتَمِدًا عَلَى شَهَادَتِهِمَا لِقُدْرَتِهِ عَلَى إِمْضَائِهِ؛ وَلأَِنَّهُمَا إِذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قَبِلَهُمَا؛ فَأَوْلَى إِنْ شَهِدَا بِحُكْمِهِ (٢) .
الشَّهَادَةُ عَلَى مَضْمُونِ الصَّكِّ، وَالسِّجِل:
١٢ - لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى مَضْمُونِ صَكٍّ اسْتِنَادًا عَلَى خَطِّهِ، مَا لَمْ يَتَذَكَّرِ الْوَاقِعَةَ كَالْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ الصَّكُّ فِي حِفْظِهِ وَتَحْتَ يَدِهِ، وَيَأْتِي - هُنَا أَيْضًا - الْخِلاَفُ فِي مَا سَبَقَ فِي صَكِّ الْقَاضِي.
الْعَمَل بِالصَّكِّ وَحْدَهُ:
١٣ - اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الاِسْتِنَادِ لِثُبُوتِ الْحُقُوقِ عَلَى الصَّكِّ الْمُجَرَّدِ: مَا جَرَى الْعُرْفُ بِقَبُولِهِ بِمُجَرَّدِ كِتَابَتِهِ، كَالْبَرَاءَاتِ стр. 16704
السُّلْطَانِيَّةِ لأَِصْحَابِ الْوَظَائِفِ وَنَحْوِهَا كَمَنْشُورِ الْقَاضِي، وَالْوَالِي، وَعَامَّةِ الأَْوَامِرِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَدَفَاتِرِ الْبَيَّاعِينَ، وَالسَّمَاسِرَةِ، وَالصَّرَّافِينَ، وَصُكُوكِ الْوَقْفِ الَّتِي تَقَادَمَ عَلَيْهَا الزَّمَنُ، وَذَلِكَ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ بِقَبُول كُتُبِ الْبَيَّاعِينَ وَالصَّرَّافِينَ، وَالسَّمَاسِرَةِ وَأَوَامِرِ السُّلْطَانِ بِمُجَرَّدِ كِتَابَتِهِ، وَنُدْرَةِ إِمْكَانِ التَّزْوِيرِ عَلَى السُّلْطَانِ، وَتَعَذُّرِ إِقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى صُكُوكِ الأَْوْقَافِ إِذَا تَقَادَمَ عَلَيْهَا الزَّمَنُ؛ وَلِضَرُورَةِ إِحْيَاءِ الأَْوْقَافِ (١) .
كِتَابَةُ الصُّكُوكِ وَالسِّجِلاَّتِ:
١٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ: أَنَّ الصَّكَّ لاَ يَكُونُ مُعْتَبَرًا إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْكِتَابَةُ مُسْتَبِينَةً مَرْسُومَةً مُعَنْوَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسْتَبِينَةً كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ وَالرَّقْمِ عَلَى الْمَاءِ فَلاَ يُعْتَبَرُ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (كِتَاب) .
صَكَّاءُ
انْظُرْ: أُضْحِيَّة стр. 16705
صَلاَحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّلاَحُ: ضِدُّ الْفَسَادِ، وَرَجُلٌ صَالِحٌ فِي نَفْسِهِ مِنْ قَوْمٍ صُلَحَاءَ وَمُصْلِحٌ فِي أَعْمَالِهِ وَأُمُورِهِ، وَقَدْ أَصْلَحَهُ اللَّهُ، وَأَصْلَحَ الشَّيْءَ بَعْدَ فَسَادِهِ: أَقَامَهُ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - صَلاَحُ الإِْنْسَانِ:
٢ - قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الصَّالِحُ مَا كَانَ مَسْتُورًا وَلَمْ يَكُنْ مَهْتُوكًا، وَلاَ صَاحِبَ رِيبَةٍ، وَكَانَ مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ، سَلِيمَ النَّاحِيَةِ، قَلِيل الشَّرِّ، لَيْسَ مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ.
وَقَال الْبُهُوتِيُّ: الصَّلاَحُ فِي الدِّينِ هُوَ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ بِسُنَنِهَا الرَّاتِبَةِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمِ فَلاَ يَرْتَكِبُ كَبِيرَةً وَلاَ يُدْمِنُ عَلَى صَغِيرَةٍ (٢) .
ب - بُدُوُّ صَلاَحِ الثِّمَارِ:
٣ - وَهُوَ ظُهُورُ مَبَادِئِ النُّضْجِ وَالْحَلاَوَةِ فِيمَا لاَ يَتَلَوَّنُ، وَفِي غَيْرِهِ بِأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ стр. 16706
السَّوَادِ. وَأَمَّا فِي نَحْوِ الْقِثَّاءِ فَهُوَ أَنْ يُجْنَى غَالِبًا لِلأَْكْل، وَفِي الزَّرْعِ اشْتِدَادُهُ بِأَنْ يَتَهَيَّأَ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَفِي الْوَرْدِ انْفِتَاحُهُ (١) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٤ - يَدْخُل مُصْطَلَحُ صَلاَحٍ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا فِي الشَّهَادَةِ، وَقَبُول شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الَّتِي مِنْ شُرُوطِهَا الْعَدَالَةُ؛ وَالصَّلاَحُ مِنْ صِفَاتِهَا، وَفِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ حَيْثُ يَتِمُّ التَّقْيِيدُ بِصَلاَحِ الرَّجُل.
وَيَدْخُل فِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا (ر: بَيْعُ الثِّمَارِ: الْمَوْسُوعَةُ الْفِقْهِيَّةُ ٩ ٢١) .
وَفِي زَكَاةِ الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَخَرْصِهَا إِذَا بَدَا صَلاَحُهَا. (ر: خَرْصُ الثِّمَارِ: الْمَوْسُوعَةُ الْفِقْهِيَّةُ ج ١٩ ص ٩٩ ف ٣) .
وَوَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ وَالثَّمَرِ (٢) (ر: وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَبِّ وَالثَّمَرِ: الْمَوْسُوعَةُ الْفِقْهِيَّةُ ج ٢٣ ص ٢٨٣ ف ١٠٦) .
وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى كُل مَوْضُوعٍ مِنَ الْمَوَاضِيعِ السَّالِفَةِ فِي مُصْطَلَحِهِ. стр. 16707
صَلاَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الصَّلاَةُ أَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَل عَلَيْهِمْ (١) ﴾ أَيِ ادْعُ لَهُمْ.
وَفِي الْحَدِيثِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَل، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ (٢) أَيْ لِيَدْعُ لأَِرْبَابِ الطَّعَامِ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال الْجُمْهُورُ: هِيَ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هِيَ اسْمٌ لِهَذِهِ الأَْفْعَال الْمَعْلُومَةِ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (٣) .
مَكَانَةُ الصَّلاَةِ فِي الإِْسْلاَمِ:
٢ - لِلصَّلاَةِ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الإِْسْلاَمِ. فَهِيَ стр. 16708
آكَدُ الْفُرُوضِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَفْضَلُهَا، وَأَحَدُ أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ. قَال النَّبِيُّ ﷺ : بُنِيَ الإِْسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ (١) وَقَدْ نَسَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَارِكَهَا إِلَى الْكُفْرِ فَقَال: إِنَّ بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاَةِ (٢) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ شَقِيقِ الْعُقَيْلِيِّ قَال: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لاَ يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَْعْمَال تَرْكَهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاَةِ. فَالصَّلاَةُ عَمُودُ الدِّينِ الَّذِي لاَ يَقُومُ إِلاَّ بِهِ، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : رَأْسُ الأَْمْرِ الإِْسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ (٣) وَهِيَ أَوَّل مَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَوَّل مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَنَجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ стр. 16709
خَابَ وَخَسِرَ (١) كَمَا أَنَّهَا آخِرُ وَصِيَّةٍ وَصَّى بِهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أُمَّتَهُ عِنْدَ مُفَارَقَتِهِ الدُّنْيَا فَقَال ﷺ : الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (٢) وَهِيَ آخِرُ مَا يُفْقَدُ مِنَ الدِّينِ، فَإِنْ ضَاعَتْ ضَاعَ الدِّينُ كُلُّهُ. قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِْسْلاَمِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِاَلَّتِي تَلِيهَا. فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاَةُ (٣)
كَمَا أَنَّهَا الْعِبَادَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي لاَ تَنْفَكُّ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَتَبْقَى مُلاَزِمَةً لَهُ طُول حَيَاتِهِ لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِحَالٍ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِهَا وَالْحَثِّ عَلَى إِقَامَتِهَا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، وَمُرَاعَاةِ حُدُودِهَا آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ (٤) .
فَرْضُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَعَدَدُ رَكَعَاتِهَا:
٣ - أَصْل وُجُوبِ الصَّلاَةِ كَانَ فِي مَكَّةَ فِي أَوَّل стр. 16710
الإِْسْلاَمِ؛ لِوُجُودِ الآْيَاتِ الْمَكِّيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي بِدَايَةِ الرِّسَالَةِ تَحُثُّ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِالصُّورَةِ الْمَعْهُودَةِ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإِْسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي تَحْدِيدِ زَمَنِهِ. ٤ - وَقَدْ ثَبَتَتْ فَرْضِيَّةُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ (١) ﴾ ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (٢) ﴾ أَيْ فَرْضًا مُؤَقَّتًا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى (٣) ﴾ وَمُطْلَقُ اسْمِ الصَّلاَةِ يَنْصَرِفُ إِلَى الصَّلَوَاتِ الْمَعْهُودَةِ، وَهِيَ الَّتِي تُؤَدَّى فِي كُل يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْل (٤) ﴾ يَجْمَعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؛ لأَِنَّ صَلاَةَ الْفَجْرِ تُؤَدَّى فِي أَحَدِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَصَلاَةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ يُؤَدَّيَانِ فِي الطَّرَفِ الآْخَرِ، إِذِ النَّهَارُ قِسْمَانِ غَدَاةٌ وَعَشِيٌّ، وَالْغَدَاةُ اسْمٌ لأَِوَّل النَّهَارِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَال، وَمَا بَعْدَهُ الْعَشِيُّ، فَدَخَل فِي طَرَفَيِ النَّهَارِ ثَلاَثُ صَلَوَاتٍ وَدَخَل فِي قَوْلِهِ: стр. 16711
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْل﴾ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، لأَِنَّهُمَا يُؤَدَّيَانِ فِي زُلَفٍ مِنَ اللَّيْل وَهِيَ سَاعَاتُهُ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (١) ﴾ قِيل: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوَالُهَا وَغَسَقُ اللَّيْل أَوَّل ظُلْمَتِهِ، فَيَدْخُل فِيهِ صَلاَةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أَيْ وَأَقِمْ قُرْآنَ الْفَجْرِ وَهُوَ صَلاَةُ الْفَجْرِ. فَثَبَتَتْ فَرْضِيَّةُ ثَلاَثِ صَلَوَاتٍ بِهَذِهِ الآْيَةِ وَفَرْضِيَّةُ صَلاَتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
وَقِيل: دُلُوكُ الشَّمْسِ غُرُوبُهَا فَيَدْخُل فِيهَا صَلاَةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَفَرْضِيَّةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ آخَرَ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ:
اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَحُجُّوا بَيْتَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ (٢) ، وَقَدِ انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الأُْمَّةِ عَلَى فَرْضِيَّةِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتَكْفِيرِ مُنْكِرِهَا (٣) стр. 16712
حُكْمُ تَارِكِ الصَّلاَةِ:
٥ - لِتَارِكِ الصَّلاَةِ حَالَتَانِ: إِمَّا أَنْ يَتْرُكَهَا جُحُودًا لِفَرْضِيَّتِهَا، أَوْ تَهَاوُنًا وَكَسَلاً لاَ جُحُودًا.
فَأَمَّا الْحَالَةُ الأُْولَى: فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ جُحُودًا لِفَرْضِيَّتِهَا كَافِرٌ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِل كُفْرًا كَجَاحِدِ كُل مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَمِثْل ذَلِكَ مَا لَوْ جَحَدَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ.
وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَهَا جَاهِلاً لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالإِْسْلاَمِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَيْسَ مُرْتَدًّا، بَل يَعْرِفُ الْوُجُوبَ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ مُرْتَدًّا.
وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا - وَهِيَ: تَرْكُ الصَّلاَةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلاً لاَ جُحُودًا - فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل حَدًّا أَيْ أَنَّ حُكْمَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِ فَيُغَسَّل، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِل النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِْسْلاَمِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى
стр. 16713
اللَّهِ (١) وَلأَِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِقَتْل الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ (٢) ﴾ وَقَال ﷺ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (٣) فَلَوْ كَفَرَ لَمْ يَدْخُل تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ تَكَاسُلاً عَمْدًا فَاسِقٌ لاَ يُقْتَل بَل يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ تَكَاسُلاً يُدْعَى إِلَى فِعْلِهَا وَيُقَال لَهُ: إِنْ صَلَّيْتَ وَإِلاَّ قَتَلْنَاكَ، فَإِنْ صَلَّى وَإِلاَّ وَجَبَ قَتْلُهُ وَلاَ يُقْتَل حَتَّى يُحْبَسَ ثَلاَثًا وَيُدْعَى فِي وَقْتِ كُل صَلاَةٍ، فَإِنْ صَلَّى وَإِلاَّ قُتِل حَدًّا، وَقِيل كُفْرًا، أَيْ لاَ يُغَسَّل وَلاَ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلاَ يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. لَكِنْ لاَ يُرَقُّ وَلاَ يُسْبَى لَهُ أَهْلٌ وَلاَ وَلَدٌ كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ. لِمَا стр. 16714
رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاَةِ (١) وَرَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ (٢) وَرَوَى عُبَادَةُ مَرْفُوعًا مَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ (٣) وَكُل شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَلأَِنَّهُ يَدْخُل بِفِعْلِهَا فِي الإِْسْلاَمِ، فَيَخْرُجُ بِتَرْكِهَا مِنْهُ كَالشَّهَادَتَيْنِ. وَقَال عُمَرُ ﵁: " لاَ حَظَّ فِي الإِْسْلاَمِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ، وَكَذَا عِنْدَهُمْ لَوْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلاَ يُقْتَل بِتَرْكِ صَلاَةٍ فَائِتَةٍ.
كَمَا اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْقَتْل فِي مَحَلِّهِ.
فَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ بَقَاءُ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا مِنَ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضٌ وَاحِدٌ فَقَطْ. قَال مَالِكٌ: إِنْ قَال: أُصَلِّي وَلَمْ يَفْعَل قُتِل بِقَدْرِ رَكْعَةٍ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلصُّبْحِ، وَغُرُوبِهَا لِلْعَصْرِ، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ لِلْعِشَاءِ، فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ مُشْتَرَكَانِ أُخِّرَ стр. 16715
لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الظُّهْرَيْنِ، وَلأَِرْبَعٍ فِي الْعِشَاءَيْنِ. وَهَذَا فِي الْحَضَرِ، أَمَّا فِي السَّفَرِ فَيُؤَخَّرُ لِثَلاَثٍ فِي الظُّهْرَيْنِ وَأَرْبَعٍ فِي الْعِشَاءَيْنِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مَحَل الْقَتْل هُوَ إِخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ فِيمَا لَهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ - بِأَنْ يَجْمَعَ مَعَ الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا - فَلاَ يُقْتَل بِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلاَ بِتَرْكِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَيُقْتَل فِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَفِي الْعَصْرِ بِغُرُوبِهَا، وَفِي الْعِشَاءِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْل إِنْ أَخَّرَهَا عَنِ الْوَقْتِ، فَإِنْ أَخَّرَ وَخَرَجَ الْوَقْتُ اسْتَوْجَبَ الْقَتْل، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُقْتَل بَعْدَ الاِسْتِتَابَةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ أَسْوَأُ حَالاً مِنَ الْمُرْتَدِّ.
وَالاِسْتِتَابَةُ تَكُونُ فِي الْحَال؛ لأَِنَّ تَأْخِيرَهَا يُفَوِّتُ صَلَوَاتٍ، وَقِيل: يُمْهَل ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. وَالْقَوْلاَنِ فِي النَّدْبِ، وَقِيل فِي الْوُجُوبِ (١) . стр. 16716
شُرُوطُ الصَّلاَةِ:
تَقْسِيمَاتُ الشُّرُوطِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: -
٦ - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ شُرُوطَ الصَّلاَةِ إِلَى: شُرُوطِ وُجُوبٍ، وَشُرُوطِ صِحَّةٍ، وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ قِسْمًا ثَالِثًا هُوَ: شُرُوطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ مَعًا.
شُرُوطُ وُجُوبِ الصَّلاَةِ:
الإِْسْلاَمُ:
٧ - تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. وَلاَ تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ؛ لأَِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَال كُفْرِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا؛ لأَِنَّ وُجُوبَ الأَْدَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَاللاَّزِمُ مُنْتَفٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّا لاَ نَأْمُرُ الْكَافِرَ بِالصَّلاَةِ فِي كُفْرِهِ وَلاَ بِقَضَائِهَا إِذَا أَسْلَمَ؛ لأَِنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُ فَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ بِقَضَاءِ الصَّلاَةِ؛ وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الإِْسْلاَمِ، وَلِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ (١) ﴾ قَال الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ: هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ. وَعَلَى الْقَوْل بِتَكْلِيفِهِمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَهُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ وُجُوبَ مُطَالَبَةٍ بِهَا стр. 16717
فِي الدُّنْيَا؛ لِعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْهُ، لَكِنْ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا فِي الآْخِرَةِ زِيَادَةً عَلَى كُفْرِهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِهَا بِالإِْسْلاَمِ (١) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: - إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَدِّ فَلاَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ إِذَا رَجَعَ إِلَى الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّهُ بِالرِّدَّةِ يَصِيرُ كَالْكَافِرِ الأَْصْلِيِّ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ زَمَنَ الرِّدَّةِ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الإِْسْلاَمِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّهُ الْتَزَمَهَا بِالإِْسْلاَمِ فَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ بِالْجُحُودِ كَحَقِّ الآْدَمِيِّ (٢) .
الْعَقْل:
٨ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، فَلاَ تَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ (٣) . لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ стр. 16718
الْمُبْتَلَى وَفِي رِوَايَةٍ: الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَغَطَّى عَقْلُهُ أَوْ سُتِرَ بِمَرَضٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ مُبَاحٍ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زَوَال الْعَقْل بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، أَوْ بِصُنْعِ الْعَبْدِ. فَإِنْ كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَأَنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِفَزَعٍ مِنْ سَبُعٍ أَوْ آدَمِيٍّ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ فَتْرَةُ الإِْغْمَاءِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْخَمْسِ، وَإِنْ زَادَتْ عَنْ ذَلِكَ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ لِلْحَرَجِ، وَلَوْ أَفَاقَ فِي زَمَنِ السَّادِسَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ إِفَاقَتُهُ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَ إِنْ كَانَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِثْل أَنْ يَخِفَّ عَنْهُ الْمَرَضُ عِنْدَ الصُّبْحِ مَثَلاً فَيُفِيقَ قَلِيلاً ثُمَّ يُعَاوِدَهُ فَيُغْمَى عَلَيْهِ، فَتُعْتَبَرُ هَذِهِ الإِْفَاقَةُ، وَيَبْطُل مَا قَبْلَهَا مِنْ حُكْمِ الإِْغْمَاءِ إِذَا كَانَ أَقَل مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لإِِفَاقَتِهِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ لَكِنَّهُ يُفِيقُ بَغْتَةً فَيَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ الأَْصِحَّاءِ ثُمَّ يُغْمَى عَلَيْهِ فَلاَ عِبْرَةَ بِهَذِهِ الإِْفَاقَةِ.
وَإِنْ كَانَ زَوَال الْعَقْل بِصُنْعِ الآْدَمِيِّ كَمَا لَوْ زَال عَقْلُهُ بِبَنْجٍ أَوْ خَمْرٍ أَوْ دَوَاءٍ لَزِمَهُ قَضَاءُ стр. 16719
مَا فَاتَهُ وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَسْقُطُ الْقَضَاءُ بِالْبَنْجِ وَالدَّوَاءِ، لأَِنَّهُ مُبَاحٌ فَصَارَ كَالْمَرِيضِ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْمُرَادَ شُرْبُ الْبَنْجِ لأَِجْل الدَّوَاءِ، أَمَّا لَوْ شَرِبَهُ لِلسُّكْرِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً بِصُنْعِهِ كَالْخَمْرِ. وَمِثْل ذَلِكَ النَّوْمُ فَإِنَّهُ لاَ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَمْتَدُّ يَوْمًا وَلَيْلَةً غَالِبًا، فَلاَ حَرَجَ فِي الْقَضَاءِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى مَنْ زَال عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ وَنَحْوِهِ، إِلاَّ إِذَا زَال الْعُذْرُ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ مَا يَسَعُ رَكْعَةً بَعْدَ تَقْدِيرِ تَحْصِيل الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ أَوِ التُّرَابِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ الْبَاقِي لاَ يَسَعُ رَكْعَةً سَقَطَتْ عَنْهُ الصَّلاَةُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ زَال عَقْلُهُ بِسُكْرٍ حَرَامٍ فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ مُطْلَقًا، وَكَذَا النَّائِمُ وَالسَّاهِي تَجِبُ عَلَيْهِمَا الصَّلاَةُ، فَمَتَى تَنَبَّهَ السَّاهِي أَوِ اسْتَيْقَظَ النَّائِمُ وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا الصَّلاَةُ عَلَى كُل حَالٍ سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَاقِي يَسَعُ رَكْعَةً مَعَ فِعْل مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الطُّهْرِ أَمْ لاَ، بَل وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَى مَنْ زَال عَقْلُهُ بِالْجُنُونِ أَوِ الإِْغْمَاءِ أَوِ الْعَتَهِ أَوِ السُّكْرِ بِلاَ تَعَدٍّ فِي الْجَمِيعِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى
стр. 16720
يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ.
فَوَرَدَ النَّصُّ فِي الْمَجْنُونِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ مَنْ زَال عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ، وَسَوَاءٌ قَل زَمَنُ ذَلِكَ أَوْ طَال. إِلاَّ إِذَا زَالَتْ هَذِهِ الأَْسْبَابُ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ قَدْرُ زَمَنِ تَكْبِيرَةٍ فَأَكْثَرَ؛ لأَِنَّ الْقَدْرَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الإِْيجَابُ يَسْتَوِي فِيهِ الرَّكْعَةُ وَمَا دُونَهَا، وَلاَ تَلْزَمُهُ بِإِدْرَاكِ دُونَ تَكْبِيرَةٍ. وَهَذَا بِخِلاَفِ السُّكْرِ أَوِ الْجُنُونِ أَوِ الإِْغْمَاءِ الْمُتَعَدَّى بِهِ إِذَا أَفَاقَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلَوَاتِ زَمَنَ ذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ.
قَالُوا: وَأَمَّا النَّاسِي لِلصَّلاَةِ أَوِ النَّائِمُ عَنْهَا وَالْجَاهِل لِوُجُوبِهَا فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الأَْدَاءُ؛ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ، لِحَدِيثِ: مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) وَيُقَاسُ عَلَى النَّاسِي وَالنَّائِمِ: الْجَاهِل إِذَا كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالإِْسْلاَمِ.
وَقَصَرَ الْحَنَابِلَةُ عَدَمَ وُجُوبِ الصَّلاَةِ عَلَى الْمَجْنُونِ الَّذِي لاَ يُفِيقُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ стр. 16721
الْمَعْتُوهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَكْبُرَ وَلأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل التَّكْلِيفِ أَشْبَهَ الطِّفْل، وَمِثْلُهُ الأَْبْلَهُ الَّذِي لاَ يُفِيقُ.
وَأَمَّا مَنْ تَغَطَّى عَقْلُهُ بِمَرَضٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ مُبَاحٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يُسْقِطُ الصَّوْمَ، فَكَذَا الصَّلاَةُ؛ وَلأَِنَّ عَمَّارًا ﵁ " غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَال: هَل صَلَّيْتَ؟ فَقَالُوا: مَا صَلَّيْتُ مُنْذُ ثَلاَثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلاَثَ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالإِْجْمَاعِ؛ وَلأَِنَّ مُدَّةَ الإِْغْمَاءِ لاَ تَطُول - غَالِبًا - وَلاَ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلاَيَةُ، وَكَذَا مَنْ تَغَطَّى عَقْلُهُ بِمُحَرَّمٍ - كَمُسْكِرٍ - فَيَقْضِي؛ لأَِنَّ سُكْرَهُ مَعْصِيَةٌ فَلاَ يُنَاسِبُ إِسْقَاطَ الْوَاجِبِ عَنْهُ.
وَكَذَا تَجِبُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ عَلَى النَّائِمِ: بِمَعْنَى يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ لِقَوْلِهِ ﷺ : مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ حَال نَوْمِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا كَالْمَجْنُونِ، وَمِثْلُهُ السَّاهِي (٢) . стр. 16722
الْبُلُوغُ:
٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْبُلُوغَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلاَةِ، فَلاَ تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَى الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِلْخَبَرِ الآْتِي؛ وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَالْحَجِّ، لَكِنْ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سَنَوَاتٍ، وَيَضْرِبَهُ عَلَى تَرْكِهَا إِذَا بَلَغَ عَشْرَ سَنَوَاتٍ؛ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ (١) .
وَقَدْ حَمَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - الأَْمْرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَحَمَلَهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى النَّدْبِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الضَّرْبَ يَكُونُ بِالْيَدِ لاَ بِغَيْرِهَا كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ، وَأَنْ لاَ يُجَاوِزَ الثَّلاَثَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمِرْدَاسٍ الْمُعَلِّمِ: إِيَّاكَ أَنْ تَضْرِبَ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَإِنَّكَ إِذَا ضَرَبْتَ فَوْقَ الثَّلاَثِ اقْتَصَّ اللَّهُ مِنْكَ (٢) стр. 16723
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُهُ بِغَيْرِ الْيَدِ، قَال الشَّيْخُ الدُّسُوقِيُّ: وَلاَ يُحَدُّ بِعَدَدٍ كَثَلاَثَةِ أَسْوَاطٍ بَل يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ حَال الصِّبْيَانِ.
وَمَحَل الضَّرْبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِنْ ظَنَّ إِفَادَتَهُ، قَالُوا: الضَّرْبُ يَكُونُ مُؤْلِمًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ إِنْ ظَنَّ إِفَادَتَهُ وَإِلاَّ فَلاَ.
وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الأَْمْرِ بِهَا يَكُونُ بَعْدَ اسْتِكْمَال السَّبْعِ وَالأَْمْرَ بِالضَّرْبِ يَكُونُ بَعْدَ الْعَشْرِ بِأَنْ يَكُونَ الأَْمْرُ فِي أَوَّل الثَّامِنَةِ وَبِالضَّرْبِ فِي أَوَّل الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ الأَْمْرُ عِنْدَ الدُّخُول فِي السَّبْعِ وَالضَّرْبُ عِنْدَ الدُّخُول فِي الْعَشْرِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُضْرَبُ فِي أَثْنَاءِ الْعَشْرِ، وَلَوْ عَقِبَ اسْتِكْمَال التِّسْعِ. قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَصَحَّحَهُ الإِْسْنَوِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْبُلُوغِ. وَأَمَّا الأَْمْرُ بِهَا فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ السَّبْعِ (١) .
شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّلاَةِ:
أ - الطَّهَارَةُ الْحَقِيقِيَّةُ:
١٠ - وَهِيَ طَهَارَةُ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ عَنِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ стр. 16724
فَطَهِّرْ (١) (٢) ﴾ وَإِذَا وَجَبَ تَطْهِيرُ الثَّوْبِ فَتَطْهِيرُ الْبَدَنِ أَوْلَى، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْل، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ (٣) وَقَوْلِهِ ﷺ : إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي (٤) فَثَبَتَ الأَْمْرُ بِاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَالأَْمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
وَأَمَّا طَهَارَةُ مَكَانِ الصَّلاَةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٥) ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فَهِيَ تَدُل بِدَلاَلَةِ النَّصِّ عَلَى وُجُوبِ طَهَارَةِ الْمَكَانِ كَمَا اسْتَدَل بِهَا عَلَى وُجُوبِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ كَمَا سَبَقَ.
وَلِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَمَعَاطِنِ الإِْبِل وَقَوَارِعِ الطَّرِيقِ وَالْحَمَّامِ وَالْمَقْبَرَةِ. . . إِلَخْ (٦) стр. 16725
وَمَعْنَى النَّهْيِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ كَوْنُهُمَا مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ (١) .
ب - الطَّهَارَةُ الْحُكْمِيَّةُ:
١١ - وَهِيَ طَهَارَةُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَنِ الْحَدَثِ، وَطَهَارَةُ جَمِيعِ الأَْعْضَاءِ عَنِ الْجَنَابَةِ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٢) ﴾ وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ تُقْبَل صَلاَةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ (٣) وَقَوْلِهِ ﷺ : مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٤) ، وَقَوْلِهِ ﷺ : تَحْتَ كُل شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ (٥) وَالإِْنْقَاءُ هُوَ التَّطْهِيرُ (٦) . وَتَفْصِيل стр. 16726
ذَلِكَ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ: (طَهَارَة، وَوُضُوء، وَغُسْل) .
ج - سَتْرُ الْعَوْرَةِ:
١٢ - لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ (١) ﴾ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمُرَادُ بِهِ الثِّيَابُ فِي الصَّلاَةِ.
وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ يَقْبَل اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ (٢) ؛ وَلأَِنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ حَال الْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ التَّعْظِيمِ (٣) .
د - اسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ:
١٣ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٤) ﴾ وَقَال ابْنُ عُمَرَ ﵄ بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدْ стр. 16727
أُنْزِل عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا. وَكَانَ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ (١) .
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِقْبَال) .
هـ - الْعِلْمُ بِدُخُول الْوَقْتِ:
١٤ - لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٢) ﴾ وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : أَمَّنِي جِبْرِيل عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُْولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْل الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُل شَيْءٍ مِثْل ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ. وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَْمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ стр. 16728
صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَْوَّل، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيل وَقَال: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (١) . وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْعِلْمِ بِدُخُول الْوَقْتِ غَلَبَةُ الظَّنِّ (٢) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَوْقَاتُ الصَّلاَةِ) .
تَقْسِيمُ أَقْوَال وَأَفْعَال الصَّلاَةِ:
١٥ - قَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَقْوَال الصَّلاَةِ وَأَفْعَالَهَا إِلَى أَرْكَانٍ، وَوَاجِبَاتٍ، وَسُنَنٍ. فَالأَْرْكَانُ هِيَ الَّتِي لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِهَا بِلاَ عُذْرٍ، وَتَرْكُهَا يُوجِبُ الْبُطْلاَنَ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا.
وَالْوَاجِبَاتُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ مَا لاَ تَفْسُدُ الصَّلاَةُ بِتَرْكِهِ، وَتُعَادُ وُجُوبًا إِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِلاَ عُذْرٍ، أَوْ سَهْوًا وَلَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ. فَتَرْكُ الْوَاجِبِ عَمْدًا يُوجِبُ الإِْعَادَةَ، وَسَهْوًا يُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْهَا يَكُنْ آثِمًا فَاسِقًا، وَيَسْتَحِقُّ تَارِكُ الْوَاجِبِ الْعِقَابَ стр. 16729
بِتَرْكِهِ وَلَكِنْ لاَ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي حَالَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ سَهْوًا، حَيْثُ إِنَّ تَرْكَهُ سَهْوًا أَوْ جَهْلاً يُوجِبُ سُجُودَ السَّهْوِ عِنْدَهُمْ، وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي حَالَةِ التَّرْكِ عَمْدًا حَيْثُ إِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ عَمْدًا يُوجِبُ بُطْلاَنَ الصَّلاَةِ عِنْدَهُمْ.
وَالسُّنَنُ، وَهِيَ الَّتِي لاَ يُوجِبُ تَرْكُهَا الْبُطْلاَنَ وَلَوْ عَمْدًا
قَال الْحَنَفِيَّةُ: السُّنَّةُ: هِيَ الَّتِي لاَ يُوجِبُ تَرْكُهَا فَسَادًا وَلاَ سُجُودًا لِلسَّهْوِ، بَل يُوجِبُ تَرْكُهَا عَمْدًا إِسَاءَةً، وَأَمَّا إِنْ كَانَ غَيْرَ عَامِدٍ فَلاَ إِسَاءَةَ أَيْضًا، وَتُنْدَبُ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ.
وَالإِْسَاءَةُ هُنَا أَفْحَشُ مِنَ الْكَرَاهَةِ، وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ السُّنَّةَ اسْتِخْفَافًا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ. وَيَأْثَمُ لَوْ تَرَكَ السُّنَّةَ بِلاَ عُذْرٍ عَلَى سَبِيل الإِْصْرَارِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: فِي الْمُصِرِّينَ عَلَى تَرْكِ السُّنَّةِ الْقِتَال، وَأَبُو يُوسُفَ بِالتَّأْدِيبِ
، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يُبَاحُ السُّجُودُ لِلسَّهْوِ عِنْدَ تَرْكِ السُّنَّةِ سَهْوًا مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ وَلاَ اسْتِحْبَابٍ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ قِسْمًا رَابِعًا هُوَ الآْدَابُ، وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ: مَا فَعَلَهُ الرَّسُول ﷺ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلاَثِ فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ.
كَمَا قَسَّمَ الْحَنَابِلَةُ السُّنَنَ إِلَى ضَرْبَيْنِ:
стр. 16730
سُنَنِ أَقْوَالٍ، وَسُنَنِ أَفْعَالٍ وَتُسَمَّى هَيْئَاتٌ (١) .
وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَقْوَال وَأَفْعَال الصَّلاَةِ إِلَى أَرْكَانٍ وَسُنَنٍ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ الْفَضَائِل (الْمَنْدُوبَاتِ) .
وَالسُّنَنُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَبْعَاضٌ: وَهِيَ السُّنَنُ الْمَجْبُورَةُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، سُمِّيَتْ أَبْعَاضًا لِتَأَكُّدِ شَأْنِهَا بِالْجَبْرِ تَشْبِيهًا بِالْبَعْضِ حَقِيقَةً.
وَهَيْئَاتٌ: وَهِيَ السُّنَنُ الَّتِي لاَ تُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ (٢) .
أَرْكَانُ الصَّلاَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلاَةِ هِيَ:
أ - النِّيَّةُ:
١٦ - النِّيَّةُ وَهِيَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْل الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِهَا بِحَالٍ، وَالأَْصْل فِيهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (٣) ﴾ وَقَوْل стр. 16731
النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (١) . وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الصَّلاَةِ (٢) . وَلاَ بُدَّ فِي النِّيَّةِ مِنْ تَعْيِينِ الْفَرْضِيَّةِ وَنَوْعِيَّةِ الصَّلاَةِ، هَل هِيَ ظُهْرٌ أَمْ عَصْرٌ؟
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ عَنِ النِّيَّةِ فِي مُصْطَلَحِ (نِيَّةٌ) .
ب - تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ:
١٧ - وَدَلِيل فَرْضِيَّتِهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ (٣) وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ (٤) وَحَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ يَرْفَعُهُ قَال: مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٥) стр. 16732
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل الْكَلاَمِ عَلَى تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فِي مُصْطَلَحِ (تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ ١٣ ٢١٧) .
ج - الْقِيَامُ لِلْقَادِرِ فِي الْفَرْضِ:
١٨ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (١) ﴾ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ؟ فَقَال: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ (٢) وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
قَال الشَّافِعِيَّةُ: مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ وَلَوْ بِمُعِينٍ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ يَعُولُهُ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ.
وَيُقَسِّمُ الْمَالِكِيَّةُ رُكْنَ الْقِيَامِ إِلَى رُكْنَيْنِ:
الْقِيَامِ لِتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَالْقِيَامِ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ. قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ الْقِيَامُ اسْتِقْلاَلاً، فَلاَ يُجْزِئُ إِيقَاعُ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ فِي الْفَرْضِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ جَالِسًا أَوْ مُنْحَنِيًا، وَلاَ قَائِمًا مُسْتَنِدًا لِعِمَادٍ، بِحَيْثُ لَوْ أُزِيل الْعِمَادُ لَسَقَطَ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: شَرْطُهُ نَصْبُ فَقَارِهِ لِلْقَادِرِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا أَوْ مَائِلاً بِحَيْثُ لاَ يُسَمَّى قَائِمًا لَمْ يَصِحَّ، وَالاِنْحِنَاءُ стр. 16733
السَّالِبُ لِلاِسْمِ: أَنْ يَصِيرَ إِلَى الرُّكُوعِ أَقْرَب.
قَالُوا: لَوِ اسْتَنَدَ إِلَى شَيْءٍ كَجِدَارٍ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَكَذَا لَوْ تَحَامَل عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ رُفِعَ مَا اسْتَنَدَ إِلَيْهِ لَسَقَطَ؛ لِوُجُودِ اسْمِ الْقِيَامِ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَرْفَعُ قَدَمَيْهِ إِنْ شَاءَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُسَمَّى قَائِمًا بَل مُعَلِّقًا نَفْسَهُ. وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ مُتَّكِئًا عَلَى شَيْءٍ أَوِ الْقِيَامُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ لأَِنَّهُ مَيْسُورُهُ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: حَدُّ الْقِيَامِ مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا، وَرُكْنُهُ الاِنْتِصَابُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، وَفِيمَا بَعْدَهَا بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ (١) .
وَرُكْنُ الْقِيَامِ خَاصٌّ بِالْفَرْضِ مِنَ الصَّلَوَاتِ دُونَ النَّوَافِل؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (٢) وَقَدْ سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ تَطَوُّعٌ ف ١٦ (١٢ ١٥٧) وَأَمَّا بَقِيَّةُ تَفْصِيلاَتِ الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ فَتَأْتِي فِي مُصْطَلَحِ (قِيَامٌ) . стр. 16734
د - قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ:
١٩ - وَهِيَ رُكْنٌ فِي كُل رَكْعَةٍ مِنْ كُل صَلاَةٍ فَرْضًا أَوْ نَفْلاً جَهْرِيَّةً كَانَتْ أَوْ سِرِّيَّةً. لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ : لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ لاَ تُجْزِئُ صَلاَةٌ لاَ يَقْرَأُ الرَّجُل فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ (٢) وَلِفِعْلِهِ ﷺ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٣) .
وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَرْضٌ فِي صَلاَةِ الإِْمَامِ وَالْفَذِّ دُونَ الْمَأْمُومِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِفَرْضِيَّتِهَا فِي الْجَمِيعِ (٤) .
تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قِرَاءَةٌ) .
هـ - الرُّكُوعُ:
٢٠ - وَقَدِ انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا (٥) ﴾ . стр. 16735
وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل الْمَسْجِدَ فَدَخَل رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ﵇ ثُمَّ قَال: ارْجِعْ فَصَل، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَل. فَعَل ذَلِكَ ثَلاَثًا.
ثُمَّ قَال: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ فَمَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي. فَقَال: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ. ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِل قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افْعَل ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا (١) . فَدَل عَلَى أَنَّ الأَْفْعَال الْمُسَمَّاةَ فِي الْحَدِيثِ لاَ تَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ عَنِ الأَْعْرَابِيِّ لِجَهْلِهِ بِهَا (٢)
وَتَفْصِيل مَبَاحِثِ الرُّكُوعِ فِي مُصْطَلَحِ: (رُكُوعٌ) .
و الاِعْتِدَال:
٢١ - هُوَ الْقِيَامُ مَعَ الطُّمَأْنِينَةِ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ رُكْنٌ فِي الْفَرْضِ وَالنَّافِلَةِ؛ следующие страницы →